|

بقلم
الكاتب: ثائر الزعزوع

جميع الشخصيات والأسماء الواردة في هذه الحكاية الوهمية، وهمية
تماماً. ... ولا علاقة لها بالواقع إطلاقا......
الإهداء: إلى ثناء سليمان: صديقتي التي احتملت الكثير، حتى انتهى هذا العمل.
شكراً لك
مدخل
1ـ اســـتطراد:
.. كذلك فإن لها كفاً سريعة الحركة، مرنة، طرية كأنها كف معلم الفيزياء الرقيق
الذي كان يحمل قطعة الطباشير بين إبهامه وسبّابته ليكتب على السبورة فيبدو كأنه
يحمل قلم أحمر الشفاه. كانت كفه الناعمة تربّت على أكتافنا حين نفلح وتصفع
خدودنا حين نتلعثم.
لكن كفها، التي كانت أصابعها تتوغل بين خصلات شعري ثم تجزّها، فتشعرني بطعم
عذابٍ لذيذ، وما أكاد أنسى مرضي الصدري لحظة، حتى تنقض محمومة على شفتي السفلى
كأنها تريد تمزيقها، ثم تعود لتدخل تحت قميصي، وفجأةً، يتوقف كل شيءً، تنهمر
دموعها، ويطغى البكاء والنحيب على المشهد كلّه، تنتاب صوتها بحة مثيرة، وتبدأ
بالتأفف من سواد العالم ولا معقوليته.
2ـ اســتطراد:
وأما سرّتها، فهي تجعلني أتصببّ عرقاً، إنها تشبه إلى حد ما، ذلك النبع الذي
شاهدته مرة فأصابتني قشعريرة، حين رأيت الماء يتدفق، ورأيت، البشر يمدون رقابهم
كالنياق، فيلعقون الماء البارد الصافي بألسنتهم، وقد يتساءل سائل: كيف يمكن أن
تخرج المياه من سرتها؟ في الحقيقة وكي لاأكون مبالغاً، فإني لم ألاحظ أن ثمة
تدفقاً أو ماء يخرج من سرّتها، إنما تموضع تلك الحفرة الصغيرة المرسومة بعناية
أسفل بطنها جعلني أقسم أن الآلهة، والتي توافقني الرأي على أن المرأة أرضٌ،
شاءت أن تكون هذه الحفرة الصغيرة، والتي انقطعت منذ خروجها من رحم أمها، نبعاً
تفيض منه مياه ما..
3ـ استطراد:
وصولاً إلى صدرها، ينتشر زغب أشقر يُحيل أي وهم في رأسي إلى حقيقة دامغة، وهي
أنني في طريقي إلى نهدين صغيرين، لمّا يرضعا بعدُ، لكنني أتوقف، لأن تلك الشامة
الهادئة أسفل نهدها الأيمن، تكاد تصرخ معلنة وجودها، وسأحكي عما أفكر به
حينها..
في الحقيقة لاأتذكر هذه القصة إلا نادراً، وأكثر ما كان يحرك مخيلتي لتذكرها هو
الشامة التي على خد المطربة سميرة توفيق، وكان هذا أيام مراهقتي، فقد كنت كلما
شاهدت سميرة توفيق على التلفاز تذكرت قصتي، إلى أن أخبرني أحد أصدقائي أن شامة
سميرة توفيق صناعيةٌ، فغضبت غضباً شديداً، وقررت مقاطعة تلك المطربة الجميلة
والامتناع عن سماعها، المهم قصتي كالتالي: جاءت أمي مرة حاملة بيدها صحناً
مليئاً بالعدس، وقالت: خذ نق العدس للشوربة. بدأت أنتقي حبات الشعير والقمح
والحجارة الصغيرة المتناثرة بين حبات العدس الصفراء. كان صوت أنين ماينبعث، لم
أحفل به، ظننت قطتنا تئن تحت وطأة هر الجيران الذي لايكف عن ملاحقتها، فوجدت
بين الحبات حبة غريبة الشكل، تلمع محدثة بريقاً خاصاً. أمسكتها ورفعتها إلى
الأعلى، كانت بنية اللون، بيضوية ملساء، دفعني شيء داخلي إلى تأملها. وتفحصها.
ثم قررت بعد طول تأمل، ثقب الحبة الغريبة، والاحتفاظ بها. بعد أيام من النسيان،
أمسكت الإبرة، وأخرجت الحبة من جيبي وحاولت ثقبها، لكنها انزلقت، حاولت معها من
كل الجهات، لكنني لم أفلح لأن انزلاقها كان يدفعني للبحث عنها تحت الطاولة أو
تحت السرير، بعد جهد وعناء لم تنجح محاولاتي، فوضعتها في جيبي، وتركتها بلا ثقب
ثم استلقيت على السرير، اندفع صوت الأنين الذي ظننته أنين قطتنا، فلم أكترث،
وفوجئت بالحبة الغريبة تخرج من جيبي وتقف أمامي، تكبر، وتكبر، حتى ملأت الغرفة
تماماً، ارتعشت وكاد قلبي أن يتوقف، صار العرق يتصبب من جبيني ويملأ مؤخرتي.
ولم أعد أستطيع التنفس، خرج منها صوت يشبه فحيح الأفعى، وضحكت ضحكة قوية كضحكة
أبي تماماً وعم هدوء غريب، حتى تخيلت أنني فارقت الحياة، لكنها تكلمت وكان
صوتها شهوانياً ممتعاً، قالت: وإذا أردت اصطياد السمك فضع قدميك في المقلاة.
وانقر على الدف، ثم اجلس في أحضان إمرأة تشبهني تماماً، ولاتخبرها شيئاً، دعها
ترقص وغن لها ساعتها ستجد السمك يندفع إليك تلقائياً.
بعد هذا هربني أبي من مدينتنا وقال: كن صياداً ماهراً، واتبع من يجعلك تبكي ولا
تتبع الضاحكين.
وبعدها أيضاً قررت التوقف عن الرقص كلما عدت إلى بيتي ثملاً، وأما شامتها، فقد
صارت بالنسبة لي، حبة غريبة، وهي التي ستدفعني إلى أمرين اثنين لاثالث لهما،
أولهما أن أخرج حبتي الغريبة من مخبئها بعد حبس دام سنوات، وأحاول ثقبها مرة
أخرى وثانيهما أن أبدأ البحث عن السمك.
4ـ استطراد أخير:
سأتحدث الآن عن شفتيها الملتهبتين. وكلي ثقة أن أحداً ما سيمارس القمع على هذه
التصريحات، وسيعتبرها غريبة و.. مملة.
شفتاها شبيهتان بأحد الزوارق الفراتية المصنوعة من جذوع النخيل المطلية
بالاسفلت، والذي يطلق عليه في جنوب العراق اسم المشحوف، ويسمى في مناطقنا البلم
وهو غير موجود في بقية المناطق السورية وقد أخبرني أحد أصدقائي أن دلتا النيل
في مصر تستخدم هذا النوع من الزوارق، وذكر أحدهم في كتاب له عن التجارة
المائية، أن قبائل المهربين في السودان تصنع زوارقها كما يصنع المشحوف، وأما
سبب طلاء هذه الزوارق بالاسفلت فهو لمنع تسرب الماء إلى داخل الزورق.
قلت: إن شفتيها شبيهتان بالمشحوف أو البلم ولي قصة مثيرة مع البلم:
فمنذ مايقارب العشرين عاماً جاء إلى مدينتنا الآلوسي حفيد الجان، الساحر
العظيم، المتزوج من ابنة الشيطان، فحل في المدينة، وذاع نبأ وصوله في الامصار،
فتوافدت الوفود لرؤيته، وكثرت أعداد البلام القادمة إلى مدينتنا حاملة الناس،
فضجت ضفة الفرات بها.
اتفقنا يوسف وأنا على سرقة بلم وعبور الفرات إلى الضفة الأخرى، حيث ينتشر
البطيخ الأحمر الحلو، ناورنا وحاورنا حتى عثرنا على فريستنا، كانت بلما أنيقاً
خمنت أنا شخصياً، بأنه لأحد المسؤولين، وحينما أخبرت يوسف بتخميني، ضحك وضرب
عصا التجذيف بقوة في الماء، ثم قال: المسؤولون لايركبون البلام انهم يركبون
اليخوت وراح يوسف يشرح لي ماذا تعني اليخوت، ومن يمكن أن يراها. اندفع بلمنا
يشق صدر الماء. ولم تعد جهتنا محددة، فقد هبت عاصفة أبعدتنا عن مسارنا، وأقبل
العجاج من بعيد، فتهنا.
قبيل الغروب، فوجئنا بالمطر ينهمر غزيراً، ولم يعد بإمكاننا رؤية شيء، باستثناء
أضواء مدينة بعيدة عنا، وكانت لسوء حظنا عكس التيار. استمر بلمنا مندفعاً بلا
هدف حتى ارتطم أخيراً بصخور. كان المطر قد توقف، والبلم هدأ اضطرابه، أخرج يوسف
الولاعة من جيبه، وأضاء ليرى ماحدث، لاحت الضفة قريبة جداً، وما علينا سوى
مغادرة بلمنا، والسير في الماء قليلاً كي نبلغ اليابسة، حين وطأت أقدامنا
الأرض، شعرت باللزوجة، تملأ جزمتي، كان الطين البارد يعانق قدميّ، جعلني هذا
الدبق الشهيّ أغني، أسكتني يوسف بإشارة من يده، سكتَ، ولحقت به. كانت الرؤية
متعذرة، وأصوات البوم تبعث الرعب، ارتفع أمامنا شجر كثيف، ونقت ضفادع من هنا
وهناك، تقدمنا بين الجذوع الضخمة، حتى وصلنا إلى مكان مليء بأشجار التفاح،
ميزها لنا ثمرها القريب من رؤوسنا، صرنا نقطف حبات التفاح ونلتهمها بشراهة قد
هدنا الجوع واستشرى بنا التعب، غالبنا النعاس، فبحثنا عن مخبأ لجسدينا
المنهكين، لم نجد آمن من النوم متكئين على جذوع الأشجار الضخمة. كان الفجر حين
استيقظا، قد بدأ يوزع خيوط صحوه على رؤوس الأشجار الضخمة، كانت نخيلاً شاهقاً
سمعنا أصوات فلاحين يهبطون الطريق المؤدية إلى النهر راقبناهم، حميرهم تتراكض
محدثة ضوضاء مثيرة، لم يخطر في بالي أبداً أن مراقبة الحمير سوف تكون ممتعة لي
يوماً ما، اختبأنا خلف شجرة جوز عملاقة، وصرنا نتهامس، كان الفلاحون يتكلمون
على عاصفة الأمس وأثرها السيء على الكوسا والخيار.
قالت امرأة: وفوق كل هذا جاء المطر، مطر الصيف لعنة، قال رجل: شيء يحرق القلب.
ومضوا، وجاء غيرهم، وكان الحديث نفس الحديث. حين ابتدأ عملهم، قررنا يوسف وأنا
الخروج والسير إلى وسط المدينة، غادرنا مخبأنا وسرنا على الطريق، لكزني يوسف
وقال: أشعر بأننا في مكان بعيد، قلت: وأنا كذلك فوجئنا بفلاحين يتجهان نحونا،
لم يعد بإمكاننا الهروب، لأنهما شاهدانا، تقدم الفلاحان ببطء، كنا نتعثر في
مشيتنا قلت ليوسف: سنطلب منهما المساعدة، الفلاحون طيبون. اقتربا ثم قالا
السلام عليكم. وتابعا مسيرهما.
كاد عقلي أن يطير حين أدركت أننا لم نغادر مدينتنا. احتضنني يوسف وصرنا نرقص
ونغني كالمجانين.
عدت إلى البيت وقد أثقلني إعياء الرحلة، كان أهلي قد استيقظوا من نومهم، قالت
أمي: أين كنت، فلم أجبها اندسستُ في سريري، وحينما استيقظت، أخبرت همام بالقصة
كلها، فضحك، وقال لي: لابد أنك كنت تحلم...
5ـ فاصلة:
كان بإمكاني، طبعاً، أن أصوغ حكايتي عما حدثتكم به عن قصتنا يوسف وأنا مع البلم
ولكن مثل هذه القصة كانت ستصير مملة، لأنني لاأستطيع أن أكون روبنسون كروزو
جديداً فما أستطيع فعله لايقارن بما فعله ذلك المغامر المشهور.
6ـ تنويه:
وتقضي الأمانة الأدبية بأن أعترف بأنني ربما كنت أحلم أو أهذي حين رأيت هذه
الحكاية وسجلتها، شعرت حين ابتدأت بالكتابة بأن ثمة خللاً ما، وعندما انتهيت
أدركت بأن ما حاولت قوله ونقله لم أنقله ولم أقله، لأن الخيال غلبني فانصرفت عن
حكايتي التي لم تكن وهمية إلى هذه الحكاية الوهمية التي يمكن أن تكون وقعت أو
أنها ستقع. أو...
  
الفصل الأول
الحركة الأولى:
ـ وكان كالخناق، يغلق المعابر، يطفئ الأضواء، ثم يبدأ تعزيمه لإخراج مافسد من
الروح.
ـ وكان شللاً نصفياً، العقل جامد في حضرته، والبدن مقيد بأرض مقيتة، وعالم فان،
لايشبه سوى الماخور.
ـ وكان، في مرات عديدة، ينهض فيقرأ آيات من القرآن، ويعود ليجلس ساكناً، ثم
يهبط بوجهه على الأرض، يدعو الله أن يغفر الخطأ الذي يرتكبه الجاهلون.
ـ وكان يرى الحلاج في منامه، فينهض مردداً: رأيت ربي بعين قلبي، ويظل أياماً
ينادي: أنا الحق، أنا الحق.
ـ وكان يدق أبواب البيوت الكبيرة بعصاه، وهو يصرخ: الملك لي، الملك لي.
أمضى الشيخ سنتين في السجن، وقيل خلال هاتين السنتين كان جسده نائماً، وروحه
مسافرة، وحين سئل عن هذا قال: أمات الله جسدي، وجعل روحي يدعو الناس قاطعاً
البلاد، إلى وحدانيته جل جلاله وقال بأنه أمضى السنتين متنقلاً بين الصين وبين
الهند، واختلف الكثيرون حول سبب سجنه، فمنهم من يقول: بينما كان الشيخ جالساً
في إحدى الحضرات، فاجأه الهيام الإلهي، فأغلق عقله وجمد عينيه على السقف،
فاندفع وحمل سيفاً، ضرب به رجلاً من الحاضرين، فتدفق الدم من بطن الرجل غزيراً.
اعتقل الشيخ، وأودع السجن، ولو أن الرجل مبقور البطن مات لأعدموا الشيخ، لكن
الرجل لم يمت، بل تقطعت مصارينه، فاضطر الأطباء إلى تركيب مصران كلب له بدلاً
عن أحد مصارينه ويقولون إن عضة ذلك الرجل صارت تسبب الكلب.
ومما قيل عن حبس الشيخ أيضاً: انه شوهد يعبر الحدود الفاصلة بين سوريا وبين
الأردن دون تصريح عبور، وحين أوقفه حرس الحدود، انفجر غاضباً، وشتمهم، فضربوه،
واعتقلوه، ثم وضعوه في السجن.
أما عمره فلا عمر له، الجميع، كباراً وصغاراً، يعرفونه على هذه الصورة، لم
يتغير إطلاقاً، وهو يغيب عن البلد كثيراً ويأتي بعدها يحكي الحكايات المذهلة عن
أسفاره، أكد الكثيرون أنهم شاهدوه يتنقل في باريس، وروما، وبراغ، وقال أحد
الشباب ان الشيخ أعطاه نقوداً في براغ لأنه كان مفلساً حين كان يدرس الهندسة
هناك.
وذهب بعضهم إلى أبعد من هذا حين زعموا بأن الشيخ شوهد مرة يصافح المهاتما
غاندي، وقد صام معه عشرة أيام. وسار معه في طريقه إلى الملح.
لم يكن الشيخ يأكل غير التمر واللبن. وحينما يسأله الناس عن هذا يقول: مافائدة
أطايب الطعام لجسد فان؟ وعندما يقال له: إن لبدنك عليك حقاً، يقول ببرود: بدني
سليم أقوى من أبدانكم، وأستطيع اجتياز الصحارى الشاسعة سيراً على قدمي، الله
أعطاني عظاماً من حديد وزودني بصبر ثلاثين جملاً.
اعتاد الناس رؤيته يلبس كلابية بنية اللون، ويضع على رأسه كوفية بيضاء، منقطة
بالأخضر، على كتفه زوادة لم يعرف أحد ماتحوي، بيده اليمنى قرآن، وأما يده
اليسرى فتشغلها عصا طويلة. قال بأنها مباركة لأنه جلبها من شجرة في بيت المقدس.
ألفته الأزقة الضيقة في كل المدن، واعتادته الحارات المظلمة، كانت عصاه
المباركة تدق الأرض أثناء تجواله ليلاً بين البيوت، محدثة الرهبة من قدومه، ومن
عاداته المعروفة أنه يصعد أسطحة المنازل مطارداً القطط في ليالي شهر شباط كي
يقطع نسلها، لأن القطط، كما يقول بنات إبليس، وإذا ماتت توقف إبليس عن وسوسته
في القلوب الضعيفة. وقد تسبب ظهور الشيخ المفاجئ في بعض البيوت في إجهاض
إمرأتين، وإصابة الحاجة مريم بالجلطة القلبية ووفاتها فيما بعد.
لم يره أحد يخاطب النساء، وإن خاطبنه، وكان يردد: من خلقهن ربهن من ضلع أعوج،
يقدن المرء وإن كان صالحاً، إلى الاعوجاج. كانت غرفته الصغيرة معزولة في طرف
بعيد من المدينة، قرب بساتين البرغوث، تفوح منها روائح البخور، ولاتدخلها
الكهرباء لأنها رجس من عمل الشيطان وعلينا اجتنابها، تنير الغرفة شموع وتكثر في
جنباتها الآنية الفخارية، ولم يكن لها نافذة، مما أضفى على جوها المختنق المبخر
شكلاً من أشكال الحكايا الأسطورية.
الحركة الثانية:
مما يروى عن زهيّة أخت الشيخ أنها كانت جميلة جداً، وأن الرجال كانوا يخافون
النظر إلى عينيها، لأن السحر المنبعث من تينك العينين كان يجعل القلوب تتهاوى
صريعة حبها الذي لاينال.
وقد اعتكفت في كهف الباغوز (1) عشر سنوات، ثم هبطت من الكهف عارية، شعرها
الأسود الفاحم قد نبتت عليه زهور جميلة، ونهداها ينسكب منهما الحليب، فيسيل
أمامها نهراً من أنهار الجنة، ترك الأطفال صدور أمهاتهم وصاروا يلعقون الحليب
من تحت قدميها، وفجأة، انتشرت الزهور التي كانت تغطي رأسها على الأرض، وصار
حليبها يرفد الفرات بدفق غريب، فابيض ماء النهر، كان المشهد يشبه الحلم، زهيّة
تسير فيرفع الفرات موجة ويسلم عليها، تهزّ رأسها فتنحني النخلات الشامخات كأنهن
سكارى أصاب الناس الذعر، لأنهم ماعرفوا زهيّة إلا متعبدة، وكانوا يسمونها
رابعة، فمنذ ولادتها نذرت نفسها لله، فلم يستطع أحد رؤية شعرة من شعرها، ولم
يسمعوها تضحك وكانت ابتسامتها تضفي عليها مسحة من القداسة.
كانت تتلو آيات من القرآن فقط، وتسبح بمسبحتها الطويلة داعية الله أن يرحم
البشر الخطائين الذين انصرفوا عن طاعته، وصاروا ذئاباً ينهش بعضهم لحم بعض.
تساءل الجميع هل من المعقول أن تتحول زهيّة إلى ساحرة؟ وقرر الطيبون أخذها
ليراها السنسي ويدفع البلاء عنها، والسنسي هو جد الآلويسي، كانت زهيّة تتكلم،
تحدق في الوجوه، حاول السنسي أن يلمسها فخرت مغشياً عليها، فأمر بإخراجها لأن
ملك الجان قد سخطها وذوب في روحها منقوع الخرس، فأبكمها.
أخذها ملاّ علي إلى بيته. لتعتني بها زوجته الملاية فضيلة، وما أن أدخلاها إلى
أحدى الغرف، وتركاها، حتى انطفأ القنديل الذي يضيء الغرفة، وسمعت أصوات التكبير
تملأ البيت بأكمله، ويقولون إن الشيخ كان في بغداد يومها، لكن صوته سمع في
طرقات البوكمال ينادي: انهضي يازهيّة، لأن إبليس يريد إغواء روحك الطاهرة أثناء
مرضك، فتمتثلين لأمره، وتصيرين عاصية كافرة.
وحين دخل ملا علي ليرى ما حل بزهيّة، لم يجدها، وإنما شاهد عصفوراً صغيراً يطير
في الغرفة، تخرج من حنجرته كلمات من القرآن، وحين حاول ملا علي إمساكه، مات
العصفور وتحول إلى رماد، ومن يومها لم ير أحد ملاّ علي، وقالوا بأن أفعى
ابتلعته وهو يتوضأ. وأما زوجته الملاية فضيلة فقد أصيبت بالعمى ولم تعد تخرج من
بيتها إلى أن ماتت.
ومن اليوم الذي سمع الناس فيه صوته يتردد في الطرقات ولم يكن هو موجوداً، صاروا
يسمونه الشيخ أخو زهيّة.
-------------
هامش الفصل الأول
1ـ كهف الباغوز: كهف يقع في قرية الباغوز، القريبة من البوكمال
ـ يسميه السكان المحليون "الجهفة"
   
الفصل الثاني
الحركة الأولى:
كان البيت يعج بالأقارب، وكان الحاج عمر يتنقل بينهم رافعاً ذراعيه إلى الأعلى،
طالباً منهم الدعاء.
أطلت الحاجة أم اسماعيل القابلة، وقالت: ماء ساخن ركضت ابنة الحاج عمر العانس
التي تجاوزت الخامسة والثلاثين نحو المطبخ، أحضرت الماء الساخن ودخلت الغرفة
كان الضجيج يملأ المكان، فبعد يومين من المخاض والألم أذن الله أن تلد نورية
زوجة عاصم بن عمر العاني. استمر حملها عاماً كاملاً، وظن الجميع بأنها ستموت
لكن الله أمدها بالصبر فظلت تحمل جنينها فرحة، منتظرة عودة زوجها من سفره. قطع
أهلها النذور وذبحوا الخراف والعجول لوجه الله، ونذرت الحاجة صبرية أم عاصم أن
تصوم شهرين متواصلين أما الحاج عمر فقد حلف أن يطعم مئة فقير لمدة شهر في بيته.
اقتربت ساعة الفجر، ومازالت نورية تطلق ، ومازالت الابنة العانس تطوف حول
سريرها حاملة وعاء البخور.
غالب النعاس الحاجة صبرية فنامت وهي تتلو آيات من سورة النور، خرج الحاج عمر من
غرفته، وكان التوتر والقلق باديين عليه، مشى عبر باحة الدار ونادى أبا مسلم، ثم
طلب منه أن يذهب فلايعود إلا ومعه الشيخ.
انطلق أبو مسلم، غير مبال بالوحل الذي علق بحذائه، وحين وصل إلى غرفة الشيخ
وجده واقفاً ببابها، وقبل أن يتكلم أبو مسلم قال الشيخ: سنذهب، يا أبا مسلم.
دخلا بيت العاني، فانبعثت روائح العطور من الشيخ وعطرت أجواء المكان، تحلق حوله
الموجودون في باحة البيت، وطلبوا منه الدعاء لنورية المسكينة كي ترتاح من
الألم.
خرج الحاج عمر من غرفته، وعانق الشيخ ثم أدخله معه، بعد قليل، والجميع ينتظرون،
أطل الحاج عمر حاملاً بيده كأساً فيها شراب، لونه أحمر، رائحته زكية. ونادى
القابلة أم اسماعيل، وناولها الكأس، وقال لها:
ـ سمي بالله، واسقها، وإن شاء الله، تلد بالسلامة.
لم تغب أم اسماعيل في غرفة نورية سوى دقائق، حتى انطلقت الزغاريد فانفرجت
أسارير الموجودين في البيت، وتغيرت ألوان وجوههم، ثم علا صوت مكبر الجامع يدعو
الناس إلى صلاة الفجر.
غادر الحاج عمر العاني تملؤه الفرحة مع الشيخ أخو زهيّة للصلاة، وايقظت الابنة
العانس أمها الحاجة صبرية، وبشرتها بالطفل الذي يشبه الملاك، والذي ابتسم،
سبحان الله، فور ولادته.
دخلت الحاجة صبرية غرفة نورية، فوجدتها نائمة يعلو وجهها إرهاق ليال من المخاض
والألم، والطفل مستلقياً إلى جانبها. بسملت الحاجة صبرية وحملت الطفل ثم قرأت
قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
ثم التفتت إلى ابنتها العانس، وقالت:
ـ ألم يكبّر له جده في أذنه؟
كانت الابنة العانس تمسح العرق الذي كان يتصبب من وجه نورية. قالت لأمها:
ـ راح ليصلي، وحين يرجع سيكبر في أذنه.
شعرت الحاجة صبرية بالانقباض، لكنها هزت رأسها:
ـ إيه، الله يكون معك ياحجي عمر، ماتترك الصلاة أبداً...
كان الحاج عمر العاني خيّراً ودوداً. من أثرياء المدينة وهو الصديق المقرب لأخو
زهيّة، فقد اعتادا منذ فترة طويلة أن يقضيا الليل في قراءة القرآن، والحديث عما
يحمله أخو زهيّة من أخبار أسفاره ورحلاته، ثم يعودان كل ليلة مع آذان الفجر إلى
الجامع، فيصليان، وينصرف كل منهما في حال سبيله كأنه لايعرف الآخر.
حين بدأت أشعة الشمس تدخل من نوافذ الغرف عاد الحاج عمر ومعه أخو زهيّة إلى
البيت فطلب الحاج عمر من ابنته العانس احضار الطفل إلى غرفته.
حين وضعته في حضن أبيها، فتح الطفل عينيه وابتسم لجده، فأمر الحاج عمر ابنته
بالانصراف، خرجت الابنة العانس وأغلقت الباب. رفعه إلى الأعلى وصلى على النبي
وآله، ثم أسلمه لأخو زهيّة الذي كان واقفاً، فتناوله ودار به في الغرفة ثم وضعه
على الأرض ودار حوله دورتين، وارتفع صوته يؤذن: الله أكبر، الله أكبر، الله
أكبر، فبدا على وجه الطفل الهدوء.
جلس أخو زهيّة على الأرض بجانبه، وكبر في أذنيه، ثم أخرج من جيبه حجاباً وعلقه
على صدره، ونهض، قال:
ـ ياحجي، سيرتاح في نومه، ولكن عليك أن تسميه حالاً.
أسماه جده زاعماً على اسم جده الاكبر زاعم العاني رحمه الله.
الحركة الثانية:
عاد عاصم العاني ليلاً، ترافق سيره أصوات نباح الكلاب الحارسة، وعواء الذئاب من
البرية القريبة، استعان بالله وصار يدندن ليطرد قلقاً توغل في صدره.
لم يعد البيت قريباً كما كان دائماً، حثّ عاصم خطاه وتعثر، لسعة برد تخز عظامه،
وأحماله على ظهره تثقل كاهله، طارده ظله وصار يسابقه، حتى دخلت يده في جيب
بنطاله، لتخرج المفتاح.
فتح الباب، فأنعشت نفسه رائحةُ شجرة النارنج، واستقبلته باحة الدار المضاءة
بضوء القمر، كان الجميع نياماً.
قطع باحة الدار بهدوء، متجنباً إيقاظ نيام يحلمون، ربما بعودته إليهم، بعد سنة
من الغياب دخل إلى غرفته. كانت نورية مستلقية على ظهرها، فخذاها البضّان يبينان
من تحت اللحاف، لم يحاول إيقاظها، لأن عينيها كانتا تنمان عن حلم جميل.
لم يكن يظن بأنه سيتزوج مثل باقي الناس، وخصوصاً، حين قرأ المنفلوطي وهيكل،
وأسرَتهُ طريقة الحب تلك، فلامست رومنسيته المخبأة. حزم أمره وقرر أن يقع في
الحبّ، وأن يعيش قصة تحكى، يضحي لأجل حبه بالغالي والنفيس، لكنه فشل.
وحين ازداد إلحاح أهله ليتزوج، وافق على طلبهم، فخيروه بين أختين من بنات يحيى
الصافي صياد السمك، وصديق الحاج عمر
قالت أمه:
ـ ياولدي نورية جميلة مثل القمر، وآمنة صغيرة وبيضاء.
قال لها:
ـ ياأمي، أنا لم أرها، فكيف أتزوجها؟
نهره أبوه، وقال له:
ـ تراها؟ استغفر الله، خلص، تتزوج نورية، والله يوفقك.
بإمكانه أن يتلمس مامضى، هذه الفتاة التي لم تتغير، ظلت جميلة محافظة على صباها
وأنوثتها، رغم غيابه المتكرر عنها.
اندس إلى جانبها وقبل جبينها، تململت، وانقلبت على جانبها الأيمن، كان وجهها
الأبيض هادئاً نقياً.
مدّ عاصم ذراعه ليضعها تحت رأسها، لكن نورية استيقظت فزعة وقالت:
ياساتر يا الله، أشكون هذا؟
نهض عاصم بسرعة وأضاء المصباح، وهو يقول:
ـ لاتخافي، أنا عاصم.
اندفعت نورية نحوه، وعانقته، ثم أشارت بيدها إلى الجهة الثانية من الغرفة، كان
الطفل نائماً بهدوء في عبّارته، وقالت:
ـ عندما سافرت كنت حبلى، ومنذ عشرة أيام أنجبت زاعماً، بقيت أحمله في بطني سنة
كاملة.
لم يصدق عاصم عينيه، قفز من بين يديها، وحمل الطفل الذي استيقظ، وارتفع صوت
بكائه، قبله، ونزلت دمعة من عيني عاصم، وهو يحاول إسكات ابنه:
ـ انظري الولد، كم يشبهني.
ـ نعم، كلهم قالوا بأنه يشبهك.
جلس عاصم على طرف السرير ووضع ابنه على ركبتيه، صار الطفل يبتسم، وكانت نورية
تقف قبالة زوجها، فرحة، متلعثمة، لاتدري ماتقول.
--------------------
هامش الفصل الثاني:
1ـ أشكون: مفردة فراتية تعني ماهذا أو ماذا
2ـ العبّارة: سرير الطفل المصنوع من الخشب والذي تهزه الأم
لينام الطفل.
   
الفصل الثالث
الحركة الأولى:
استيقظ الجميع فزعين، كانت الصرخة قوية جداً أفقدتهم لذة نومهم، ركضت الابنة
العانس إلى غرفة أبيها، كانت الحاجة صبرية قاعدة علىالأرض تولول بجانب زوجها
الهامد لايتحرك. عيناه معلقتان على الجدار المقابل، ويداه مسبلتان. نتفت الابنة
العانس شعرها، وشقت ثوبها. قفز عاصم من حضن زوجته إلى حضن أمه وصار ينتحب، رغم
ظلام غريب. تماسكت الحاجة صبرية ومسحت شعر ولدها المنتحب بكفها، ثم قالت:
ـ أبوك مات، ولن يعيده البكاء، وجاء دورك لكي تحل محله، أبوك أوصى أن تعتني
بالولد، وحين يكبر قليلاً، تأخذه ليتعلم عند أخو زهيّة.
بعد موت الحاج عمر، تغيرت حال الطفل، فازداد بكاؤه، وصار يرفض الرضاعة من صدر
أمه، فأحضروا له مرضعة سكنت معهم. وكانت عمته العانس المتشحة بالسواد على أبيها
تشعل كل يوم شمعة محتفلة بمرور يوم جديد من عمر ابن أخيها، وظلت الحاجة صبرية
تقرأ له من القرآن كل ليلة أما أبوه وأمه فقد شغلا ببعضهما، فازداد اقتراب
أحدهما من الآخر، وكثرت خلواتهما.
كان الطفل يكبر، ويأخذ ملامح رقيقة منسابة، تملأ ضحكته المكان وتثير حركته
المرح. وحين بلغ الثالثة، عاد ليرضع من صدر أمه، فأصاب الحاجة صبرية الذهول،
ولم يدر أحد كيف يمكن أن يظل الحليب يجري في صدر نورية كل هذه المدة.
قاد عاصم ابنه وسارا في شوارع المدينة، كانت تلك هي المرة الأولى التي يرى فيها
زاعم شوارع البوكمال، وأسواقها.
اتسخ ذيل كلابيته بالطين، وعبث الرجال الكبار ذوو الشوارب بشعر رأسه، حملوه،
رفعوه إلى الأعلى، وقبلوه، كان زاعم مأخوذاً بالمكان، بالأشياء، برائحة اللحم
والخضراوات.
الماكَف يضج بالبشر، تتلاحق كلابياتهم بألوانها المختلفة، وترتفع أصوات الباعة،
التي رغم ارتفاعها، لم تفقد الطفل انجذابه لسقوف التوتياء التي تغطي محلات
القصابين.
سارا حتى وصلا إلى سوق البرغوث، الشاويات بثيابهن المزركشة، المقصبة، يملأن
السوق حركة وضجيجاً، قالت إحداهن وهي ترفع كيساً ثقيلاً لتضعه على رأسها:
ـ كل شيء صار غالي، الله يصبرنا.
كانت عيناه تراقبان ثقوب سقف البرغوث المقبي، أشعة شمس شتاء تتغلغل باعثة
ضوءاً، ينير وجوهاً مثقلة بتعب نهار عمل طويل.
سحبه أبوه من ذراعه، وانخرطا في الزحام، كان أبوه يجره متجنباً الاصطدام
بالعابرين. اخترقا جموع الشوايا وأطلاّ على الفيحة.
شمس تتوسط سماءها، تبهر عيني الطفل فيتحاشى أشعتها بكفيه الصغيرتين، قال عاصم
وهو يتحسس كف ولده:
ـ تعبت؟. هز زاعم رأسه نافياً، فضحك عاصم وأردف:
ـ نزور أخو زهيّة، ما رأيك؟
ابتسم زاعم ابتسامة الموافقة ـ أخو زهيّة، كم تردد على مسامعه هذا الاسم، كم ود
لو أنه يراه، ويعرف من هو، ولماذا يحكي عنه الناس دائماً...
لقد قالت له جدته: لولا أخو زهيّة لما ولدت.
الحركة الثانية:
بساتين تتشابك أشجارها، يمتزج الأخضر بالأخضر في تصاعد نحو أزرق سماوي، طريق
طينية لزجة، نخيل يتطاول رافعاً أكمامه ملوحاً للعابرين.
سار زاعم إلى جانب أبيه، كفه الصغيرة تتشبث بكف أبيه الكبيرة وعيناه دائرتان
ذكيتان تسجلان الحركات المفاجئة لطيور السمن وأبو الزعر.
كان هدوء تتخله أصوات ضفادع تنق من السواقي المنسابة في كل جانب من البساتين،
وأصوات طير الشقرق، تملأ الظهيرة الصامتة، زعيقاً، وهي تطير ساحبة أذيالها
الطويلة وراءها.
ارتفعت عينا زاعم إلى الأعلى: أبو الجراذ يراقب طرائده القلقة تتراكض مرعوبة
وتختفي في جحورها، جرذان البساتين تندس في الثقوب خوفاً من عدو يقف في كبد
السماء يرفرف بجناحيه القويين ثم ينقض كصخرة ملقاة من عل على أحد الجرذان،
فيحمله ويطير.
اجتازا بستان بيت حج عاصي، وصار قلبه يدق سريعاً، إذ لاحت في الطرف البعيد من
بساتين البرغوث غرفة أخو زهيّة، تظللها سحابة، وتحوم حولها شراشيح الماء دائرة
من طيور بيضاء وزرقاء ـ .
شد عاصم على كف ولده وحمله، كان الولد قد بدأ يرتجف، ويصفر لونه، قال عاصم:
ـ لاتخف، أخو زهيّة يحبك، وهو لايخيف أحداً.
حين وصلا إلى الغرفة، خرج أخو زهيّة لاستقبالهما، فبدا وجهه نورانياً تزينه
لحية بيضاء طويلة، أنزل عاصم ولده على الأرض، وقبل كف شيخه، فمسح الشيخ على
رأسه، وهو يردد:
ـ بارك الله فيك.
ثم بدأ يسبح باسم ربه، رافعاً يديه إلى الأعلى، وأمسك الصغير، فقبله، ثم قال
عاصم:
ـ امض في سبيلك، وعد حين آذن لك.
غادر عاصم المكان، وابتسامة رضى غريبة تعلو وجهه...
سحب الشيخ الطفل من يده، ودخلا الغرفة وأجلسه على الأرض.
كان زاعم يرتعش خائفاً، فأعطاه حبتي تمر، وكأس لبن وقال: تقشف، تكن أنظف.
أكل الصغير حبتي التمر، ثم شرب كأس اللبن وحمد الله.
ابتسم أخو زهيّة، وأمسك الصغير من كتفيه، ودفعه إلى الجدار ببطء، جحظت عينا
زاعم، ونزلت دموع حارة على وجنتيه، فرفع أخو زهيّة عصاه إلى الأعلى وقال:
ـ ياعبد، ما أعلمك إلا ماعلمني الله، فكن شفافاً، ولاتكن مسيئاً، ولاتظن بأنك
منقاد معي إلى سوء، بل إلى خير تعلمه آباؤك فكانوا من الفائزين، فدعني أسمو
بروحك، وأنقذك من فساد الأرض.
هدأ زاعم وارتاحت نفسه، كان يستمع إلى كلام الشيخ، وعيناه معلقتان بعينيه
الهادئتين اللتين تنمان عن محبة وصدق. ثم سحبه إلى زاوية الغرفة، وحمل جرة ماء،
وقال له:
ـ اشرب، هذا ماء جلبته بالأمس من بئر زمزم.
تناول زاعم الجرة، وتذكر جدته، كانت تقول له دائماً: الله يحفظك، فتشرب من ماء
زمزم، إنها ماء نبينا إبراهيم وابنه اسماعيل، ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام،
حينما كنا في مكة أنا وجدك رحمه الله، كنا نشرب من زمزم، فتقوى أبداننا وتسعد
نفوسنا.
شرب زاعم من الماء، وعلى الرغم من الملوحة، إلا أنه لم يبد أية حركة تنم عن
استيائه، أخذ أخو زهيّة الجرة منه، وأعادها إلى مكانها، ثم أجلسه، فعمّ ظلام
دامس، جعل فرائص زاعم ترتعد ويهتز كيانه الطفل.
وضع أخو زهيّة كفيه على رأس زاعم، وصار يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، قل أعوذ
برب الفلق من شر ماخلق، قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر
الوسواس الخناس. ثم قال:
ـ ياقاهر، هذا عبدك، أسلمك مفاتيح نفسه، اشفع عثراته واعف عن هفواته، يا مطلق،
هذا عبدك، زلزل مايخلف الناس في عقله الغض، فما هو إلا نبتة مفتحة زرعتها يداك
في أرض لم تكن قاحلة، ولن تكون، يارحمن، نحن عبادك تجلت أسرارك في البحر وفينا
لكن أعمالنا عشقنا للقشور عن رؤية حسنك. يامنان، نحن عبادك، أسكرنا من خمر
جمالك وباركنا بالخضوع لك. يارحيم، نحن عبادك، أرواحنا النقية لم يدنسها
الفجور، ولكن أغوتنا الدنيا فتهنا.
صار الشيخ يرتعش، وابتدأ بكاؤه يتسرب من بين كلماته. أبيض وجهه، وسال عرق بارد
من جبينه، تجمد زاعم في مكانه، تتوغل إلى صدره سحابة هدوء مطمئنة.
ارتفع صوت الشيخ يقرأ سورة التوبة، وبعد أن فرغ من تلاوتها أنهض الطفل وقال له:
ـ ياعبد، وأما البركة التي أمنحك إياها بجلوسك معي واستماعك لكلامي فإنها منحة
من ربك لك فتعلم واحفظ يكن لك هذا الكلام ضوءك ودليلك في حياتك.
دخلت أشعة الشمس الغرفة المظلمة، فانارتها، وبعثت الدفء في أركانها.
نادى أخو زهيّة عاصماً، وهو يدور حول زاعم، فلم تنقض بضع لحظات حتى دخل عاصم
الغرفة، فأمسك زاعماً الخائف من يده وقبل كف الشيخ، ثم خرج ساحباً ولده.
الحركة الثالثة:
حين عادا إلى البيت، كان زاعم يرتجف، جسده بارد وعيناه مغرورقتان بالدموع،
تساؤل هادئ يرتسم على محيّاه، وفزع يحيط بحركته، أدخله أبوه وأسلمه إلى جدته
الحاجة صبرية فوضعته في حضنها، وصارت تذكر اسم الله وهي تمسح جبين الطفل وتجفف
دموعه بشاشيتها البيضاء.
نادت الحاجة صبرية ابنتها العانس، فدخلت، ناولتها الصغير وقالت لها:
ـ غطي ابن أخيك جيداً كي ينام.
حملت العمة العانس زاعماً ووضعته في فراشه، ثم غطته ببطانيتين وجلست بجانب رأسه
حتى غفا، وصار يهذي، كان يردد عبارات أخو زهيّة، ويتلو سورة التوبة دون أن يخطئ
في آياتها.
استغربت العمة العانس مايحدث، وحين أخبرت أمها وأخيها، قالت لها أمها:
لاتستغربي، علوم الشيخ لاتمحى، ولن ينسى زاعم مايحفظه، وهكذا كان أخوك عاصم.
قال عاصم:
- الشيخ علم آبائي وعلمني، فلم ينس أحد شيئاً من علمه وسيبقى زاعم محافظاً على
ما يتعلم أيضاً.
صار عاصم يأخذ زاعماً كل يوم لزيارة الشيخ، وحين يعودان يتكرر الحال نفسه،
اضطراب وقلق يحيط بزاعم وهدوء غريب يحيط بجدته وأبيه وعمته العانس.
أما أمه نورية فقد ظلت تراقب طفلاً ينام طيلة يومه خائفاً من شئ ما، وأناساً
يخفون عنها أسراراً - يتداولونها بينهم وحين تحاول الدخول إلى عوالمهم الخاصة
ينقطع الحديث كأنه لم يكن.
وفي يوم، نهضت نورية من نومها مذعورة، وألحت على زوجها كي يخبرها بما يحدث
لوحيدها، فتردد عاصم قليلاً لكنه حسم أمره، وقرر أخبارها بكل شيء فقال لها:
-ابنك يعلمه أخو زهيّة ، وسيصير عالماً بكل شيء، سترين ولدك رجلاً عظيماً.
انفجرت نورية غاضبة، وركضت إلى غرفة ولدها، فأيقظته وهي تصرخ:
- يا ولدي، أخو زهيّة مجنون، لاتسمع كلامه، إنه درويش على باب الله، ولايفهم
شيئاً، إنه لا يعلمك شيئاً.
صار زاعم يبكي وخرج من الغرفة فزعاً، والتجأ إلى حضن جدته فاحتضنته، وهدأت من
روعه، وهي تقول:
- أمك مسكينة، جاهلة ما تعرف، ولكنها ستعرف كل شيء بعد أن تتعلم أنت.
--------------------
هامش الفصل الثالث:
1- الماكف والفيحة وسوق القصابين وسوق البرغوث: أماكن تجمع
البشر للبيع والشراء في البوكمال.
2-الشوايا: سكان القرى الفراتيون.
3-أبو الزعر، أبو الجراذ، السمّن، وشراشيح الماء: أنواع من
الطيور الفراتية.
4-الشاشية: غطاء الرأس الرقيق الذي تضعه النساء الفراتيات على
رؤوسهن.
   
الفصل الرابع
الحركة الأولى:
أرادت نورية أن يكون لها ولد آخر، تعتني به، وتربيه كما تريد، لأن ابنها
لايستجيب لها، ولايسمع كلامها. وحين أخبرت الحاجة صبرية بما تفكر به، ثارت وجن
جنونها، وقالت لنورية:
ـ لاشكّ أنت تفكرين بالقضاء على وحيدك، ألم تسمعي أخو زهيّة يقول بأن زاعماً
يجب أن يكون وحيداً وبلا أخوة كي تستمر حياته.
دعت نورية على الشيخ بالعمى والطاعون. فنهرتها الحاجة صبرية كي تسكت.
حسم الأمر، وانتهى موضوع التفكير بانجاب ولد جديد وظلت نورية تفكر بهذا في
سرها، حتى رأت في منامها أخو زهيّة يقودها إلى جحيم، نيرانه يشعلها طفل يحرق
بها وجه أخيه، وكان المحروق زاعماً فاستيقظت نورية ترتجف، وأيقظت زوجها، ثم
قصت عليه الحلم، وما كاد الصبح يأتي، حتى ذهب عاصم وأخبر أخو زهيّة بحلم زوجته
وطلب منه تفسيره، أجابه الشيخ بعبارات لامعنى لها، وقال له:
ـ الطفل زينة، والنساء زينة، فأين أنت بين الزينتين، ربك علمني، وأنا علمتك،
فاسمع ماتؤمر به.
وسكت الشيخ لحظة خالها عاصم سنوات، كانت خلالها نجوم تتساقط محرقة البساتين،
جاعلة الناس يتراكضون هلعاً، يقفز بعضهم إلى النهر، فتذوب أجسادهم ويتحولون إلى
ضفادع وأسماك ويطير آخرين معانقين حجارة سوداء فتلتصق أجسادهم بسقف السماء
الأسود، وتسقط عيونهم غرباناً.
عاد الشيخ من سكوته، مسح لحيته وقال لعاصم:
ـ أخبرتني طيور ولدك بأنك مخير بين زوجتك وبين ابنك، فاختر ولاتكن متردداً.
سمع عاصم كلمات أخو زهيّة، فقفز من مكانه وتوجه إلى بيته، وفور رؤيته وجه زوجته
جن جنونه، وأنهال عليها ضرباً حتى سقطت على الأرض وكانت حاملاً فأجهضت، حملتها
العمة العانس إلى غرفتها و وضعتها على سريرها حيث رقدت شهوراً، ولم يعد زاعم
يضحك أو يلعب، وحتى أنه انقطع عن زيارة شيخه.
أحضروا أخو زهيّة ليرى نورية ويشفيها، لكنه خرج من الغرفة يقول:
ـ دعوها، إن الملائكة تحيط بسريرها، ولن يصيبها مكروه.
انقلبت أحوال عاصم، وانصرف عن عمله إلى زوجته يلازم فراشها ويسهر على رعايتها،
وظل صوت بكاء زاعم يتردد في أرجاء البيت، لم تكن نورية تتألم، ولم يبد عليها
بأنها مريضة، كانت تفتح عينيها، كل يوم مرة، فترى المشهد نفسه: وحيدها يبكي إلى
جانبها وزوجها يدخن و هو يذرع الغرفة جيئة وذهاباً.
لم يطعمها أحد شيئاً، وقد أخبرهم أخو زهيّة أن ملاكاً يجيء كل يوم، فيطعمها
أطايب الطعام، ويسقيها الماء المبارك، صبيحة أحد الأيام الحارة في آب، كان عاصم
يغفو إلى جانب زوجته التي نهضت من سريرها دون أن يشعر بها، ولم تكن الحاجة
صبرية والعمة العانس قد استيقظتا بعد. فتحت نورية باب الغرفة، وسارت باتجاه
غرفة صغيرها ، وكانت تحمل بيدها سنبلة قمح وحبة تمر، دخلت غرفة زاعم الذي لم
يبلغ السابعة، فرأته يتلو سورة الكهف. انتظرت حتى فرغ من التلاوة دون أن تحرك
ساكناً، وحين رآها زاعم قفز من مكانه إلى صدرها وتناول ثديها وصار يرضع بنهم،
كانت يداه تتمسكان بخصلات شعرها، وعيناه الدائريتان تجوبان وجهها الأبيض
الجميل أنهى زاعم رضاعته، وجلس على الأرض ينظر إلى عيني أمه السوداوين
البراقتين.
انحنت نورية وناولته سنبلة القمح وحبة التمر، وقبلته، ثم انصرفت دون أن تتكلم
أية كلمة.
فتح زاعم شباك الغرفة ورمى ما أعطته إيّاه أمه لعصفور كان يحط قرب الشباك،
التقط العصفور سنبلة القمح وحبة التمر وطار بعيداً.
بعد قليل عاد العصفور حاملاً لزاعم قطعة من الخبز وشيئاً من الدبس أكلها زاعم
ومسح فمه ثم قال:
ـ الحمد لله الذي أطعمني...
أصابته قشعريرة، وصار يتخبط، تتناوله رياح تقذفه إلى رياح فلا يستقر على مكان،
حتى ساد هدوء، فاختبأ تحت سريره، وغفا:
أحلامه خيول تقطع أودية وجبالاً، وسفن ضخمة تجتاز محيطات جبارة.
الحركة الثانية:
حين أستيقظ زاعم من اغفاءته كانت عربات تجرها أحصنة مجنحة تجوب فضاء غرفته، في
العربات أشخاص وجوههم وردية يحملون سيوفاً مضمخة بدم أحمر قانئ. قفز من إحدى
العربات شخص عيناه حجريتان، ويداه فولاذ، انقض على زاعم وصار يطارده. فتح زاعم
باب الغرفة، كانت شمس آب اللهاب جاثمة على عرشها، تمدّ أشعتها الحارقة. انطلق
زاعم تتقاذفه أسئلة غريبة، تجتاز رأسه طارحة نفسها عليه: من أنت أيها الطفل؟
لماذا تدق بوابات المعرفة، بيديك الصغيرتين؟
كانت غرفة الشيخ حين دخلها: مليئة بالفراشات الملونة تعطرها رائحة أزهار زكية.
جلس زاعم في زاويته المعتادة، وارتفع صوت ثغائه:
ياشيخي... هربت الفراشات وانبعث دخان أسود، حجب رؤيته، وصارت جدران الغرفة
تهتز تحت وطأة ثقل شديد يضغطها من كل جوانبها. فجأة ، برز الشيخ من الدخان
ملوحاً بعصاه المباركة، واحتضن زاعماً محاولاً أن يبعث في نفسه الهدوء
والطمأنينة، قال زاعم وكانت كلماته متشنجة:
- يريدون قتلي، يحاربونني، لأنهم لا يعلمون من أنا. ربت أخو زهيّة على كتفه
وابتسم، ثم قال:
- اهدأ يابني، واذكر اسم ربك، فإني أرى، في البعيد، أطيافهم تدعو للزيارة،
فانهض ورافقني، سنغوص عابرين محيطات مئات السنين التي عبروها، وغاصوا في
أسرارها. أمسك |