الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 09/01/2009

روايات الكاتب: عز الدين جلاوجـي

الرماد الذي غسل الماء

إلى صفحة الكاتب

لقراءة الرواية

 

الرواية

السفر الأخير

 السفر الثالث

  السفر الثاني

 السفر الأول

 

 

 

 

 

الرماد الذي غسل الماء

 

الإهداء:

يابشـــراه...

يذبحنا التتار البيض كل مساءْ

فتجري منا الأرض دموعا ودماء

من بحرنا حتى سيْناء

غير أنَّا كل صباح

 نُبعث أنبيــــاء...

نزرع الأرض زهرا

نضمخها عطرا وإخاء

*******

إلى الأشجار التي وقفت بكبرياء في جنين والفلوجة متحدية زوابع أعداء الإنسانية

لا طريق للكرامة إلا التضحية

ولا انتصار إلا للخير والحق والجمال

ولا منابر للخفافيش إلا الكهوف المظلمة 

 

 

 

حبيبــي:

وأنا أتدحرج في مهاوي الأيام.. أنكث ظفائر العمر الحزين.. تتحداني براثن الليالي الكالحات.. لم أعد أشعر بدفء الحب يحضن قلبي الصغير المرتعش.. ما عدت أتنشق شذاه يدغدغ الفرحَ في جوانحي..

بحثت عنكَ كثيرا.. قلبت حتى ابتسامة الأطفال وتجاعيد الكبار.. وحلم الأبكار ينتظرن عاشقا على شرفات العمر.. طاردتُكَ خلف زقزقات العصافير الرمادية، وبين ثنايا الصَّبا يهب حزينا منكسا على مدينتنا البائسة.. ساءلت عنكَ البراءة في وجوه الصغار.. والدموعَ المضطربة على شرفات العيون.. والأحلامَ المقبورة في نفوس المقهورين.. وكنتُ دائما أراكَ خيط دخان ينفلت من بين أصابعي البضةِ المرتجفة.. وتظلُّ تبتعدُ إلى الأعلى يشيعكَ الحلم في عينيَّ.. وفي قلبي الصغير، عسى أن ألقاكَ يوما ما.. في مكان ما.

وها اليأس ياسيـدي يتغشاني غمامة من رماد.. يمد أكفانه إلى حلمي وقلبي.. وكل إشراقة فرح في نفسي.. أعرف أنك غادرت المدينة من زمن بعيد.. وجميلا فعلتَ وبقيتُ أنا أتجرع أماني ابن زيدون:

الذكــر يقنعنــا.. والطيــف يكفينـــا

بقيت أجر كل مساء قدميَّ الحزينتين.. أقطع الشوارع المتربة.. أجلس قريبا من راس العين.. أستلهمُ بركات الولي الصالح.. أتصفحُ وجه القمر ملفوفا بقزعات سود.. وأحلمُ أن أراك هناك.. كان حلمي أن أكون معك بعيدا عن كل البشر.. قريبين من دقات قلبينا.. من أحلامنا.. من أفراحنا.. من دموعنا..

ولاضيرَ.. كم تهدهني الغبطةُ وأنا أراك هناك في العليين..

لست أدري ياسيــدي أأنت راءٍ مرقاي الذي كنت أرقبك منه أم لا..؟

ولست أدري أراءٍ مكاني الآن أم لا؟

ولست أبالي الآن ياسيــدي.. فقد شردتني الغربة.. وتوزعتني أرصفة المدن الموبوءة.. ضيعتُ كل عناويني.. كسرتُ بوصلاتي.. مزقتُ كل أشرعتي.. ولامعنى لكل ذلك مادمتَ بعيدا عني.

همٌّ واحد مازال يلح علي حتى غدا لي كابوسا مرعبا.. هو أن أنقل إليكَ حكاية المدينة بعد أن غادرتَها.. وهي حكاية عجيبة لا تحتاج للسرد فحسب.. ولكنها تحتاج للتأمل أيضا.. فما رأيت أغرب منها ولا أعجب.. فمنذ أن هزت جريمة القتل الشنعاء فرائص عين الرماد والناس لاحديث يتجاذبون أطرافه إلا عنها..

ولست أدري كيف أقص هذه الحكاية العجيبة.. وقد صارت لها طرق عديدة مشهورة.. منها شائعات الناس.. ومنها محاضر الشرطة والمحكمة.. ومنها صفحات الجرائم على الصحف.. وحتى أئمة المساجد اتخذوا منها وسيلة لوعظ الناس وإرشادهم.. بل حتى أن أحد الأدباء قد كتبها رواية.. فسيناريو.. ثم بعثها أحد المخرجين مسلسلا عجيبا قطع أنفاس المشاهدين.. وحبسهم أمام الصندوق العجيب أياما وليالي.. حتى نسي التلاميذ دروسهم.. وأهملت النسوة أشغال المنازل.. وتعطل الرجال عن العمل.. فلا ترى المدن مساء إلا كوما من الإسمنت لاروح فيه ولاحياة.

وإذا كان الناس قد اختلفوا في وضع عناوين لها أشهرها "سوق النساء".. و"الجثة الهاربة".. فإني ارتأيت أن أسميها "الرماد الذي غسل الماء" ولك الحق في أن تضع لها العنوان الذي تراه مناسبا.. أو لا تضع لها عنوانا.. وقد قسمتها إلى أجزاء أسميتها أسفارا سأرسل بها إليك تباعا. 

قلب أحبك بجنون

 

 

 

السِّفْرُ الأَوَّلُ

 

(1)

حين خرج  فواز بوطويل من ملهى الحمراء لم تبلغ عقارب الساعة التاسعة ليلا.. كانت الأمطار تصفع وجه الأرض بغضب مارد.. استوى في سيارته الحمراء.. أدار محركها فراح يدمدم ومعه تعالت أصوات موسيقى الراي..

أحس أنه يضيع شطر عمره بمغادرته أجواء الحفل الراقص وقد انطلق لتوه.. وأنه يضيع عمره كله حين يدع جسد لعلوعه الراقصة للعيون الشرهة تلتهمه دون شفقة.. ولكن لا مندوحة، شرب قبل الأوان أكثر مما يجب، وأنفق على "الشلة" كل ما معه من مال.. هم أن يوقف السيارة، ويعود أدراجه، ولكنه ضغط على دواسة السرعة لينطلق في طريق عودته..

زادت الأمطار هيجانا.. وبدأت الخمرة تسدل ستائرها على عينيه.. خفف من سرعته وهو يدخل منعرجات راس العين الخطيرة.. كان الطريق مقفرا وموحشا، لم تستطع الأضواء الكاشفة أن تهتك حجبه الكثيفة.. رفع يمناه عن دواسة السرعة ليضعها على المكبح، ومال بجذعه إلى الأمام يمسك المقود جيدا كأنما يخشى الانفلات من قبضته.. دار يمينا لتشق به السيارة طريق الغابة الصغير.. لم يكن في مخيلته إلا لعلوعه تتهادى بين الصفوف، تتثعبن بجسدها الممتلئ لتلتف به على قلوب العاشقين الذين ليس لهم بد إلا الاستسلام فتسيل جيوبهم وأشداقهم..

وأحس جسدا يقطع الطريق والغابة تكاد تنهزم.. ضغط على المكبح.. صدمه.. سقط بعيدا.. انحرفت السيارة.. وارتطمت مقدمتها بآخر شجرة معزولة في الغابة.. انكفأ بكل الجسد على المقود والسيارة تدمدم على أنغام الراي.. ماالذي وقع؟ مدت أمه عزيزة الجنرال أصابع من حديد، وضغطت بها على قفاه.. أحس بإغماءة تلف شرنقتها على عينيه، ومخه ثم مافتئ أن استفاق وقد بدأ الدم دافئا مالحا يتسلل إلى شفتيه.. رفع رأسه.. تمطط.. مسح الدم من على وجهه.. نزل من السيارة.. فجأة اندفع يعدو هائجا باتجاه الجسد الممدد بعيدا.. وصل إليه.. تململ الجسد.. حاول النهوض.. مد يده إلى فواز يطلب المساعدة.. صفعه فواز على قفاه وهو يصرخ:

- فعلتها وتطلب المساعدة..؟

ثم عاد سريعا إلى السيارة.. فتح الباب.. حمل هراوة وعاد حيث الجسد مسجى يئن وراح يضربه على رأسه حتى هدأت حركته.. وتوقف فجأة وهو يلهث.. ثم عاد أدراجه حيث السيارة مازالت تدمدم على إيقاع الراي.

حين استوى واضعا الهراوة إلى جنبه أحس أن جسده كله يقطر ماء.. وأن المطر خارجا يكاد يخرق سقف السيارة إليه.. وأدرك أيضا أنه ارتكب جريمة قتل وهو تحت تأثير الخمرة.. وتراءت له أمه تصرخ فيه.. لم فعلت مافعلت بالسيارة؟

تراجع إلى الخلف وانطلق تتمايل به السيارة لايكاد يقدر أن يقودها على الطريق السوي.. وكاد يصدم سيارة آتية في الاتجاه المقابل..

حين وصل بيتهم اصدمت مقدمة السيارة بباب المستودع محدثة ضجة كبيرة عاد بها إلى الوراء وفتح الباب.. أدخلها.. وراح يصعد الدرجات بسرعة على صوت أمه تصيح باسمه.. ولم يشأ أن يجيبها ولكنه راح يسرع إليها.. وكانت مفاجأتها كبيرة وهي تلقاه في منتصف الدرجات.

-      فواز.. ماالذي وقع لك؟ أين كنت؟ ماهذا البلل وهذا الدم؟

ولم يجبها فواز سوى بنظرات خائفة، وراح يكمل الدرجات وهي تتبعه قائلة:

-      هل وقع لك حادث مرور؟

وحين دخل غرفته كانت الأم تصرخ بأعلى صوتها تطلب ابنتيها نورة وفريدة، وماكادتا تهرعان حتى أعطتهما أمر تحضير ملابس فواز، وتحضير الطعام له.

حين كانت عزيزة الجنرال تنـزل الدرجات بسرعة لم تكن تأبه برغاء زوجها سالم، وكثرة أسئلته لأنها كانت الساعةَ تغوص في تلافيف الذاكرة.. تقلب صفحات الطفولة.. وهي تحاول أن تحمي أمها بيديها الصغيرتين من ضربات سوط أبيها التي كانت تنزل عليها صواعق ماحقة.. ولم تكن الأم تقدر على دفعها إلا بالعويل الشديد، ولا تجد عزيزة ملجأ إلا حضن والدتها الجريحة، تلجأ إليه، وتنام على إيقاع إجهاشها المتقطع.

كانت عزيزة قد خرجت بالسيارة من المرآب.. وكانت الأمطار مازالت تتدفق على وجه الأرض كأن السماء احتقنت دهرا كاملا.. وكان زوجها قد كف عن أسئلته التي لا طائل من ورائها وهو يجلس بجانبها كالتابع الأمين يتابع بعينيه قسمات وجهها الحزينة بتأثر فائق، كاتما أسئلته الحيرى.

وضغطت فجأة على المكبح فتوقفت السيارة، وانكفأ سالم إلى الأمام يكاد رأسه يضرب الزجاج.

ولم تأبه عزيزة به ولا بالسيارة بل راحت تضرب المقود بكلتا يديها، وقد تلاعبت أمام ناظريها صور مختلفة متداخلة.. وأسرع سالم يمد يديه نحوها مهدئا.. وماكاد حتى دفعته عنها، واستمرت في سيرها ماسحة دموعا شحيحة نزلت من عينيها.. وزادت من سرعة سيارتها تنحدر بها في شوارع متعرجة شبه معبدة إلى جوف مدينة عين الرماد، ثم تعاود بعدها الصعود متجهة إلى هدفها في طريق مستقيم تنهض على جانبيه أشجار بينها تنافر وعداء شديد. 

حين وصلت قرب مصحة الشفاء توقفت فجأة وطلبت من زوجها أن ينزل وأن يأتيها من الجهة الأخرى.. ولم يشأ سالم أن يناقش لأنه يعرف تصرفاتها الحمقى فأسرع بتنفيذ المطلوب.. ولما وقف أمامها كالتلميذ الطائع طلبت منه أن يتصل بالطبيب فيصل وينتظراها حتى تعود ليذهب معهما من أجل معاينة فواز.

وماكادت تنهي كلامها حتى انطلقت بالسيارة كالصاروخ تشق جدار الظلام البهيم متحدية الليل والأمطار، والطريق الممتلئ ماء.

حاشية1:

يقع ملهى الحمراء في جوف الغابة، تحضنه أشجار الصنوبر والفلين من كل حدب وصوب كقلب محاط بالأضلاع.. كان زمن الاستعمار بيتا لحاكم المدينة.. وصار بعد الاستقلال مركزا لبحوث الزراعة.. وتنازلت عنه الدولة لجنرال متقاعد ليحوله إلى ملهى يؤمه كبراء القوم وساداتهم، ولا يدري الناس لماذا سماه هذا الجنرال ملهى الحمراء؟ أنسبة للون الجدران الخارجية الأحمر؟ أم للون الخمرة وحمرة لياليها؟ أم نسبة لقصر الحمراء الذي شيده الأجداد بالأندلس؟ وضيعوه بين الخمرة والجواري؟ والغالب هو السبب الأول، لأن سيادة الجنرال كان شبه أمي، وبالتالي لاعلاقة له بالأندلس وحمرائها، وادعت بعض الألسنة أن الرجل انتهازي لا يحمل أية رتبة عسكرية.

حاشية 2: 

لا أحد يدري بالضبط من أين جاءت لعلوعه، ولم يكلف أحد نفسه طرح هذا السؤال فقد ملكت على الجميع نفوسهم وقلوبهم، وشغلتهم بجمالها، فصارت حديث مجالسهم وسمرهم، ولكنها هي تذكر جيدا أنها درجت صغيرة في ضاحية منعزلة من ضواحي مدينة عين الرماد، وتذكر جيدا ذلك الصباح الذي كانت برفقة أمها في السوق تجمعان فضلات الخضر والفواكه لتعودا بها مساء إلى بيتهما القزديري المعزول، تذكر حين التقتهما السيدة جميلة، وكيف راحت تحدق في الصبية وفي عينيها دهشة قائلة:"ترمين الدر في المزابل وتدثرينه بالخرق البالية؟ عقابك عند الله عسير، بيعيني الفتاة، ومدت يدها فأمسكتها، ودق قلب الأم خوفا فتشبثت بها.. واتفقا أخيرا أن تمنحها مليونين كل شهر مقابل أن تعيرها لعلوعه أربعة أيام في الأسبوع، وكانت لعلوعه في ثيابها البالية غير المتناسقة شمسا ملفوفة بالكآبة.

ولم تمض إلا أشهر حتى صارت لعلوعه حديث الناس والقصور والجرائد والقنوات، وصارت لعلوعه الراقصة محج الولاة والوزراء والجنرالات والأثرياء، وتحدث عنها مسؤول كبير قائلا: لقد رفعت راية الوطن في دول العالم.. وقبل ممثل الثقافة جبينها.

حاشية 3:

ومدينة عين الرماد كالمومس العجوز، تنفرج على ضفتي نهر أجدب أجرب تملأه الفضلات التي يرمي بها الناس والتي تتقاذفها الرياح.. تتدرج فيها البنايات على غير نظام ولا تناسق.. يسد عليها الريح من الجنوب أشجار غابة صغيرة.. تعاود الانحدار مرة ثانية على جبل صغير تشقه طريق معبد، تنـز قريبا منها عين الرماد الأصلية التي قيل إن السكان قد هجروها ثم اتخذوها مزارا ومعبدا.. وتمتد المدينة من الجهة الأخرى مرتفعة قليلا ثم مستوية ثم هابطة إلى أسباخ نخرة..

وتمتلئ مدينة عين الرماد بالحفر وببرك المياه القذرة.. يتوسطها سوق منهار السور.. تتلوى شوارعها وأزقتها التي تضيق وتتسع في غير نظام.. إلى جانب من جنوبها تمتد مساحة كبيرة مستوية تلتصق بالمدينة ثم تغوص في الغابة.. وحدها هذه الجهة تقوم بها بنايات أنيقة منظمة أقامها الفرنسيون يوم أسسوا المدينة التي سموها (la belle ville) المدينة الجميلة، ومافتئت الكتل الإسمنتية تتكتل حولها كخلايا سرطانية حتى شوهت كل ماحولها من هكتارات ضخمة. 

 

 

(2 )

ظل كريم السامعي يغالب ظنا يلح على نفسه إلحاحا مقلقا..ما الذي رآه ممتدا يمين الطريق؟ أهو جثة إنسان طوحت به سيارة مجنونة.. أم غدر به ورمي على قارعة الطريق؟ أم هو حيوان من الحيوانات الكثيرة التي اعتادت أن تعبر الطريق على غير هدي فتُلقم ضربة قاتلة؟ أو ربما لا يعدو مارأى أن يكون كيسا تافها لا معنى له.

لكن صورة الإنسان ظلت تسيطر على نفسه، وتكاد تكون يقينا لايقبل النقاش.. أوقف سيارته يمينا ثم استدار بها.. ليقطع ميلا بالتقريب وعند الهاجس أوقف سيارته وترجل.

كانت الأمطار مازالت تلهث منحدره.. وكانت حواف الطريق قد جرت بماء غزير يكاد يتحول سيولا عارمة.. وصدق ظنه كان ما رأي جثة شاب ملتوي الرجلين مهشم الرأس ينكفئ على وجهه كأنما يحاول الفرار من الموت..

عند رأسه جثا.. ومد إصبعين مرتجفتين إلى رقبتيه.. ثم دس يمناه فوضعها على صدره يتحسس نبضات قلبه.

ورن جرس هاتفه النقال وألح في الرنين فلم يأبه به، بل أسرع يمتطي سيارته ويسرع بالابتعاد..

بعد أقل من ربع ساعة أوقف كريم السامعي سيارته الرمادية أمام مركز الشرطة.. وتنفس بعمق كأنما أحس بالنجاة من كارثة خطيرة.. ثم فتح الباب ونزل مسرعا.. وقبل أن يعيد الباب كان شرطي يقف أمامه مستعدا لإشهار رشاشه، وأسرع كريم السامعي يشرح له الأمر:

- جئت لأبلغ عن جثة رأيتها على قارعة الطريق..

ولم يمهله الشرطي ليكمل كلامه، وأشار إليه بالدخول، والجلوس في قاعة الانتظار ريثما يفرغ الضابط من عمله..

استوى على كرسي خشبي طويل، ثم مافتئ أن نهض من مكانه، وهو يحس بإزعاج البلل الذي أصابه.. نزع نظارته.. نظفها بمنديله.. دلك عينيه، وراح يتأمل صورا علقت على الجدار لمجرمين وإرهاربيين بلحى طويلة ودون لحى، وتحت الصور كتب نداء للمواطنين للمساعدة على القبض عليهم، ومبالغ إغرائية تقدم لكل من يقوم بذلك.

حين عاد كريم للجلوس تلقى الإذن من الشرطي بالدخول فحمد الله لأنه أحس بالبلل يتسلل إلى كامل جسده مخترقا كل ما كان يدثره من ملابس.

وقف الضابط من مكانه وعلى وجهه تبدو ملامح الإعياء الشديد.. صافح كريم السامعي، وعاد للجلوس ليرد على رنين الهاتف الذي راح يرن دون توقف.

سأل الضابط:

- إذن جئت تبلغ عن جثة؟

واندفع كريم يشرح الأمر منذ خروجه من مزرعته تاركا أباه خليفة السامعي.. حتى رؤيته الجثة ملقاة على قارعة الطريق وتأكده من موتها.

وماكاد الضابط يكمل كتابة المحضر، ويطلب من كريم التوقيع عليه حتى أسرع  يطلب من رجاله الإعداد للانتقال إلى المكان.

 

(3)

عادت عزيزة إلى مصحة الشفاء حيث تركت زوجها بانتظارها.. كانت ثيابها مبللة، ودون مبالاة دخلت المصحة متجهة مباشرة إلى مكتب الطبيب الذي وجدته بانتظارها مع زوجها.. وهب يستقبلها وقد امتلأ دهشة:

- ما الذي وقع لك؟ كأنك عائدة من معركة.

ولم تشأ أن تعلق على كلامه بل راحت تستعجله:

- فواز متعب.. أصابه بلل شديد.. ويظهر أنه تناول كمية كبيرة من الخمر

وهم سالم أن يعلق فرفعت فيه عينين مخيفتين، فتراجع إلى حِمى الصمت فواصلت:

-      أرجو أن تذهب معنا في سيارة الإسعاف لمعاينته وحمله إلى المصحة.. هو بحاجة إلى الراحة والمتابعة          

وأسرع الطبيب يعد الأمر دون أن يعلق.. ركب سالم بوطويل في سيارة الإسعاف.. في حين ركب الطبيب مع عزيزة التي أخبرته في الطريق أن ابنها تخاصم مع صاحب ملهى الحمراء، وإذا مارُفعت دعوى ضده سيكون ذلك تشويها لسمعة العائلة.. وطلبت منه في الأخير أن يراعي ذلك فيشهد أن فواز قد دخل المصحة في حدود الرابعة مساء لتكون دليلا له على عدم ارتكابه الجرم.

ما إن أكمل الطبيب فحص فواز حتى أمر بحمله إلى سيارة الإسعاف، وعجل الممرضان إلى نقله على المحمل، وبقيا ينتظران الطبيب الذي وجد لذة في البقاء داخل البيت مع عزيزة.. ثم مافتئ أن فطن لحاله فاستأذن في الخروج، وراح يغادر البيت وعيناه مثبتتان على فريدة ذات الخامسة والعشرين ربيعا، ينساب شعرها الأسود الفاحم على كتفيها بكثير من الفرح والابتهاج، وبكثير من الانسجام مع ثوبها الأبيض الكاشف الذي لم يستطع أن يكتم أنفاس نهديها المتطلعين إلى الأعلى.. ولاحظ فيصل الطبيب ما في عينيها من سحر واهتمام صعب عليه التخلص منه، كأنه رآهما للمرة الأولى.

وأدركت عزيزة ذلك فراحت تربت على كتفي فيصل الطبيب وهي تقول بنبرة متكسرة فيها من حرقة الغيرة:

- أرجو أن تزورنا قريبا وسنسعد بالجلوس معك.. اهتم بفواز...

انطلقت سيارة الإسعاف بهم تحت جنح الظلام تاركة قلب فيصل وأحلامه خلفه.

لقد رأى فريدة عشرات المرات، وكان كلما رآها تحرك شيء ما في قلبه.. وكان قد جلس إليها وحدثها وتبادلا شيئا من النجوى، لكنه أبدا مطلقا لم يرها بمثل الفتنة التي ظهرت بها اليوم.. وأبدا مطلقا لم يحس بالحلول في ذاتها كما أحس اليوم.. أي نوع في النساء هي؟ وهل الحياة أولا وأخيرا إلا امرأة؟  

لم يعد سالم بوطويل إلى فراشه، ولم يغير حتى ثيابه، بل ولم يستطع حتى أن يجلس.. عشرات من الأسئلة كانت تدور في خلده، ويجب أن يطرحها على زوجته لكنه لم يكن ليجرؤ.. يعرف أنها قد تفور وتثور كالبركان، وتقلب ليلهم كوابيس مزعجة.

وانزوى في قاعة الاستقبال.. دون أن يشعل النور، ودون أن يقفل جهاز التلفاز، وكان يقدم صورا لمجازر جنين.. أشلاء.. شباب وشيوخ وأطفال ودمار شامل للمدينة.

جلس على الأريكة الحمراء الفاخرة.. تمدد على ظهره واضعا يديه المشبكتين تحت رأسه.. ومد ساقيه على الجانب الآخر من الأريكة.. وضع اليمنى على اليسرى، ثم أحس بضغط شديد في رجليه فقام بنزع حذائه دون أن يغير من وضعيته..

لماذا لم يتزوج ذهبية بنت الطاهر وكانت رفيقة صباه؟ ورفيقة أيام الدراسة؟ لماذا لم يجرؤ ويصيح في الجميع إني أحبها ولا أريد غيرها؟

وانسابت ذاكرته تعود به إلى المحطات الأولى التي بدأ قلباهما يخفقان بالحب، وبدأ كل منهما يختصر العالم في الآخر.. لم يجرؤ كي يقول لها أحبك، ولم تجرؤ هي أيضا.. ولكن كل نبضة في جسديهما كانت تدل على ذلك.. في العيون.. والشفاه.. والخدود.. وفي اليدين.. والقدمين.. وحتى في اللباس.. في نسمات الهواء التي كانا ينشقان.. وتزوجت ذهبية شابا جاءها من بعيد.. التقتها أمه في الحمام، وأعجبت بها، وتم الزواج.. هل هو قدر الله؟ أم هي خيباتنا ننسبها زورا وبهتانا لله؟

وفي غرفتها لما تنم عزيزة رغم أنها قد أخذت حماما دافئا، وأنها لبست ثياب نومها، إلا أن النوم تمرد على جفنيها، وتنافرت حواسها جميعا كأنها لأناسي مختلفين كل الاختلاف.. كانت أصابعها منشغلة بجهاز التحكم.. وكانت عيناها تتابعان أغاني عربية راقصة.. وكان جنباها يراوحان الاتكاء على غطاء السرير الحريري.. وكان ذهنها يعيد شريط ماوقع اليوم بالتفصيل الدقيق كأنما هي ترسم خطة خوض غمار معركة ضد جيش عصري

 

(4)

كانت الساعة الحادية عشرة ليلا حين توقفت سيارة الشرطة تسبقها سيارة مدنية، وتلحقها أخرى.. ونزل رجال الشرطة في المكان الذي حدده كريم السامعي، بعضهم بلباس مدني لكنهم جميعا كانوا مدججين بالأسلحة.

سأل الضابط سعدون كريم السامعي الذي كان معهم في سيارة الشرطة عن مكان الجثة، فراح يندفع إلى المكان مشيرا بيمناه متلفتا ذات اليمين وذات الشمال، وقد عرشت الدهشة على ملامحه.

-      كانت هنا أقسم أنها كانت هنا.. سبحان الله!

وتفرق جمع من الشرطة يبحثون في كل الأنحاء مستعملين الأضواء الكاشفة، في حين قام بعضهم بمهمة الحراسة.

قال الضابط، وقد يئس من وجود الجثة:

-      هذا تبليغ كاذب ياسي كريم.. وإزعاج شنيع للسلطة.. وعقابه وخيم

وراح كريم يقسم بأغلظ الأيمان أنه رآها.. وأنه تأملها كثيرا، وجس نبضها عن طريق شرايين الرقبة، وعن طريق دقات القلب، وأنه تأكد من موتها..

وأمر الضابط الرجال بالاستعداد للعودة، فهرعوا متوجسين يمتطون سياراتهم تحت جنح الظلام، وقد أطفأوا مصابيحهم الكاشفة، وارتفع صوت أحدهم منبها إلى أنه وجد شيئا، وراح يقدمه للضابط الذي راح يفحصه على نور المصباح.

وأعادت نوارة زوجة كريم الاتصال للمرة الثالثة دون جدوى.. في البداية كان الهاتف يرن لكن كريم لا يرد، أما في المرة الثانية والثالثة فقد أغلقه تماما..

- في الأمر إنَّ، ليس من عادة كريم أن يتأخر عن الرجوع إلى البيت، وليس من عادته أن لا يرد على الهاتف أو يغلقه.

أعادت أخته بدرة هذا الكلام للمرة السابعة على التوالي، وأعادت نوارة  توكيد كلامها نفس عدد المرات والحيرة تلهث على وجهيهما، وضمت بدرة إلى حضنها ياسر بن كريم الأصغر وقد نجحت أخيرا في إعادته للنوم دون أن تتحرك من جلوسها على الكرسي قرب النافذة التي ظلت تفغر فاها على الشارع المعتم..

أعادت زوجته نوارة النظر من النافذة، ودققت بصرها في فجاج الشارع، ثم عادت للجلوس قريبا من بدرة، وقد رفعت رأسها إلى الساعة الحائطية

- مالعمل الآن؟ مضى منتصف الليل ولم يعد.

وردت بدرة وهي ترمي ببصرها إلى الشارع

- منذ ساعتين لم تمر سيارة  واحدة في هذا الشارع..

- الناس ينقطعون عن التنقل بعد العاشرة إلا للضرورة القصوى

وسكتتا والخوف يلف على عنقيهما حباله الغليظة.. فهما تدركان أن ظروف البلاد تحت ظروف حالة الطوارئ واشتداد هول الإرهاب أصبحت صعبة جدا، وأن التنقل ليلا يعد مغامرة خطيرة العواقب.. وكثيرا ماحصد الرصاص أرواحا بريئة ليست في الحابل ولا في النابل.. وليست في العير ولا في النفير، ولكن ساقها قدرها إلى موت ظالم.

ودار في خلد نوارة أن تخرج بحثا عنه، ثم عدلت عن الفكرة إلى وجوب الاتصال بالشرطة، أو بالمشفى، لكن بدرة قالت وهي تقوم من مكانها وتضع الصبي في سريره:

- ماذا لو اتصلنا بفاتح اليحياوي..؟ يجب عليه أن يتصرف في المسألة.

ولم تتشجع نوارة للفكرة ففاتح اليحياوي مازال محنطا بمآسيه وانكساراته.

ولما همت بالرد تناهى إلى سمعها صوت محرك السيارة.. فمدت رقبتها إلى الشارع..كانت ظلمته تتراجع منهزمة أمام مصابيح السيارة.

ما كاد كريم يلج البيت حتى ارتمت على صدره وقد سبقتها الدموع لتمنعها عن الكلام.. ووقف هو يضمها إلى صدره يغالب تعبا قاهرا.. ما أصعب فراق دفء الحبيب ولو ليلة واحدة والتفت ببصره فرأى أخته بدرة تنتظر دورها، وقد امتلأت عيناها بالدموع..

ودخلا جميعا إلى الدار، كان الصغار نياما، وكانت زوجة الأب في بيتها من الضفة الأخرى من الفناء الواسع الممتلئ أشجار فواكه وزينة.

وانهالت الأسئلة الكثيرة على كريم تطلعا لمعرفة الحقيقة، وتعبيرا عن الحيرة الكبيرة التي تملكتهما.

وراح كريم يعيد سرد الحكاية من أولها، لكن باختصار شديد، وهمَّ أن يطلب طعاما، أو يحمل نفسه على الاستحمام، لكن النعاس غلبه فنام حيث هو دون أن يغيِّر ملابسه.

وقامت نوارة من مكانها محاذرة، ومدت بدرة يديها فنزعت حذاءه ولحقتها..

حاشية 4:

وفاتح  اليحياوي هو ابن خالة كريم السامعي.. لم تجمع بينهم المدينة الواحدة فحسب.. بل والبيت الواحد أيضا.. لقد قضيا الطفولة معا لايكادان يفترقان في ليل أو نهار، حتى اضطرت العائلتان إلى تسجيلهما في مدرسة متوسطة بين الحيين، وكان التنافس بينهما على أشده لكن ميولهما اختلفت ففي الوقت الذي اختار فيه كريم السامعي دراسة الزراعة، مال فاتح اليحياوي إلى دراسة علم الاجتماع والأدب والفلسفة.

وفي الوقت الذي كان كريم السامعي يقضي معظم وقته عاملا بالمزرعة، كان فاتح اليحياوي يتخذ من بيته صومعة يمارس فيها رهبنة العلم والفكر والثقافة، ويقرأ كل ما تصله يداه من سقراط وكنفشيوس مرورا بالغزالي وابن رشد وابن طفيل وابن عربي إلى كانط وديكارت وتشومسكي.

وإذا تزوج كريم من نوارة وأنجبا أولادا، فإن فاتح اليحياوي ظل يرفض الزواج مخيبا آمال والديه، تاركا الفرصة لإخوته الأقل منه، مؤكدا مقولة أمه: فاتح تزوج الكتب

وقد قضى فاتح اليحياوي سنوات معتزلا الناس، يقضي وقته في القراءة والتأمل وسماع الموسيقى، والوحيد الذي كان يجرؤ على اقتحام خلوته هو صديق الطفولة كريم السامعي الذي كان يسميه حي بن يقظان، وكان فاتح اليحياوي يحس بالنشوة وهو يسمع هذا اللقب ويقول:

- ليتني أكونه.. تلك درجات العليين الفائقين

ثم تنفتح شهيته للحديث عن آسال وسلامان وحي وأمثالهم في واقع الناس    

 

(5)

استيقظ من نومه على صوت المؤذن يجلجل في الفضاء يمزق غشاء الصمت الرهيب.. مازال التلفاز كما تركه، ولكنه كان يبث مدائح دينية.. اعتدل في جلسته على الأريكة الحمراء.. فرك عينيه ونظر في الساعة الحائطية.. كانت عقارب الساعة تزحف نحو الخامسة صباحا.. مد رجليه ويديه.. كان التعب يكاد يشل كل حركة فيه..

عاد بالذاكرة إلى ليلة الأمس.. أسئلة كثيرة كانت تدور بذهنه.. هل يستطيع اليوم أن يطرحها على زوجته عزيزة الجنرال..؟ وحين همَّ بالوقوف من مكانه دخلت عليه وقد استيقظت لحينها.. وما إن ركز بصره عليها حتى مدت أصابعها فأشعلت المصباح وسألت:

- بت ليلك هنا على الأريكة؟

وصمتت لحظات وهي تتوجه نحو التلفاز فتطفئه ثم واصلت:

- يجب أن نزور فواز صباحا.. لقد ذهبت البارحة حين تركتك بالمصحة إلى الجنرال لأخبره بالأمر، يمكن أن يساعدنا.

وكان كلامها هذا جوابا عن شطر من حيرته.. شبك أصابعه الطويلة، وراح يدلك كفيه ورفع رأسه، وسأل بسرعة

- ماالذي فعل فواز حتى يحتاج إلى كل هذا الاحتياط والدعم؟

- لقد كاد يقتل إنسانا، وجريمة القتل...

وقاطعها سالم وهو يلبس خفا وجده أمامه، ويقوم من جلوسه

- هو لم يقتل إنسانا، ولكنه دهم إنسانا بسيارته وسواء...    

واستدارت عزيزة راجعة وهي تقول:

-      شرف العائلة لايجوز أن يدخل مراكز الشرطة، ولا قاعات المحاكم.. أم نسيت هو ابن من...؟

وتوقفت في مكانها، ثم استدارت نصف استدارة فظهر خدها المتورد شهيا، وقرطها الطويل متأرجحا وقالت:

-      لقد أخبرت فيصل الطبيب أن فواز قد تخاصم مع جماعة داخل ملهى الحمراء، وهو تحت تأثير الخمرة.

وابتلع الباب عزيزة متجهة إلى الحمام، فعاد سالم بوطويل إلى مكانه ممتدا على الأريكة، وقد هدأت نفسه لأنه تلقى الإجابة عما كان يشغله.. لكنه دخل دوامة أخرى من الأسئلة.. لماذا تتصرف زوجته مع هذه القضية بكل هذا الاهتمام؟ وهل حقا يعنيها شرف العائلة؟ وماذا يضير هذا الشرف إن داس أحد أفرادها إنسانا فقتله؟

وماهي إلا ساعة من زمن حتى كانا في المصحة.. وحده صوت كعب حذاء عزيزة كان يعزف إيقاعه في الرواق الطويل.. ووحده سالم كان يتبعها وقد ركز نظره على عجيزتها التي بدت أكبر مما ألف.. حول الكيس الأبيض إلى يده الأخرى وردد في قرارة نفسه، ماينقص عزيزة هي أنها ليست امرأة طيعة.. وأما غير ذلك فهي امرأة كاملة يتمناها كل رجل لم يعرف شيئا عن طبيعتها.. وهي أجمل بكثير من ذهبية بنت الطاهر لكن ذهبية نبع من الود والسكينة.. كالنسمة المنعشة.. كالماء العذب النمير.. وهل المرأة غير هذا؟ وليس بعده إلا جسد من لحم ودم قد يكون فيه من الوحشية ما يجعله مفترسا؟

ووصلت عزيزة عند غرفة ابنها فتوقفت فجأة، وتوقف سالم خلفها كظلها.. مدت بصرها إلى جوف الغرفة.. كان فواز مازال نائما، وانسابت على مشطي رجليها تدخل الغرفة، وجلست قريبا منه على كرسي أبيض، وكرجع الصدى تحرك سالم خلفها فدخل وبقي واقفا بجانبها دون أن يضع الكيس الأبيض من يده ولكنه كان يحدق في فواز، ومثله كانت تفعل عزيزة

وفجأة دخلت الممرضة فألقت التحية، وردت عزيزة بصوت خافت وفطن فواز.. فتح عينيه واستدار ليرى أباه ثم أمه، وألقى تحية مقتضبة ردها الأبوان.. ومدت عزيزة رقبتها إلى خده فقبلته وسألت:

-      أنت اليوم أحسن حالا

-      مانمت حتى آذان الفجر لكني بخير، هل من جديد؟

ولم تجبه الأم بل مدت يدها إلى الكيس الأبيض، وراحت تخرج مربى وكعكا وشرائح لحم وفواكه بسطتها على السرير، وراحت تطعم ابنها كالصبي الصغير وهو مستسلم متلذذ.. وسالم واقف في مكانه ينقل عينيه بين فواز وزوجته، ونفسُه تردد: تربية نساء 

وخرج ليقف في الرواق متحركا في خطوات باهتة إلى اليمين والشمال، ومافتئت عزيزة أن لحقت به، حدجته بنظرة سريعة، واندفعت إلى مكتب الطبيب الذي خرج صدفة فحيا عزيزة التحية الحارة، ودخل معها إلى المكتب يقودها من يمناها دون أن يعير سالما أي اهتمام

وتأثر سالم فاستدار إلى الجدار، وضربه بقبضته وهو يردد

-      اللعنة على هذا الزمن.

ثم أسرع بالدخول على ابنه الذي كان يحاول أن يعود إلى النوم، وهو يتابع أغنية على إحدى القنوات العربية

-      خيرا إن شاء الله أبي؟

وجلس الأب مغاضبا على الكرسي الأبيض وراح يشكو عزيزة لابنها.. يشكو تمردها وعدم تقديرها له، وتدبير الأمور بنفسها.. استدار فواز لأبيه وهو يقول مهونا:

-      يا أبي أنت تعرف أمي أكثر مما أعرفها.. قد تفعل كل ماتريد ولو أغضبت العالم كله من حولها، ولكنها رغم كل حماقاتها طيبة، وقلبها أبيض.. تغضب بسرعة وترضى بسرعة أيضا.

واسترخى سالم على الكرسي فمد رجليه إلى الأمام واضعا اليمنى على اليسرى مشبكا أصابعه عند أسفل بطنه، وأغمض عينيه، وراح يتلاعب بإبهاميه وقد عادت إلى ذاكرته أيامه الجميلة مع ذهبية بنت الطاهر، ثم عبست ملامح وجهه وقد قفزت إلى ذاكرته مشاهد ذلك اليوم العصيب، والموكب يخرج بذهبية لتزف عروسا لرجل لم يعرفها ولم تعرفه..

وحن قلبه لرؤية ذهبية الأرملة، أين هي الآن؟ وماذا فعل القدر بها؟ هل تزوجت؟ أم مازالت؟ وهل هي تعيش مع أهلها، أم هي في بيتها مع ابنتيها؟ وماذا.... ودخلت عزيزة تبحث عنه فاغتالت أحلامه.  

 

(6)

التاسعة وبضع دقائق.. صمت مطبق يخيم على البيت بأسره.. بدرة في حجرتها تعد نفسها للخروج إلى العمل.. نوارة في المطبخ تعد طعام الغداء.. أصوات احتكاك النعل الجلدي الأبيض تتجه إلى الحمام.. دخله.. استوى واقفا أمام المرآة.. شحوب ظاهر.. وتعب يطل من بين تجعدات بدأت تنبسط على كامل الوجه.. فتح عينية جيدا في المرآة.. سحب جفن عينه اليمنى فاليسرى.. خيوط حمراء تكاد تلف بياض العينين.. مطط بالإبهام والسبابة جلد الخدين.. نفش شعره بأصابعه عدة مرات.. وفتح الحنفية فلم يتلق منها سوى صفير متواصل يشبه الفحيح.. مال إلى اليمين، ملأ إناء وضعه على المغسل وراح يتلذذ بالماء البارد.

وهو يدخل المطبخ لتناول الإفطار التقى أخته بدرة تحمل محفظتها وتهم بالخروج.. وعلى ملابسها تناسق خلاب في تمازج الحجاب الحشيشي والخمار الرمادي الفاتح.. وفي عينيها حسن العربيات اللواتي تغنى بهن كثيرا الشعراء قديما وحديثا، وتغنى بهن لوركا شاعر إسبانيا الكبير.

وأخرجته من شروده:

-      صباحك سعيد.. أصبحتَ مرتاحا.

-      صباحك أسعد.. كلما زاد عام في عمرك زدت جمالا.. كأنك تتراجعين إلى الخلف

ابتسمت وقد أعجبها الإطراء، وراحت تغادر البيت.

دخل المطبخ، وجلس إلى طاولة الطعام يتأمل قوام زوجته نوارة، وهي تعد له الإفطار.       

سألته دون أن تنظر إليه:

-      أصبحت بخير؟

-      أنا بخير دائما.

ومدت يديها تضع الإبريق والفناجين، فأمسك يمناها ليطبع قبلة عميقة عليها.. سحبت يدها بدلال، وانشغلت يتقديم الخبز والكعك والمربى وهي تسأل مبتسمة:

-      تتظاهر بحبي؟

وسحب إليه الفنجان يملأه حليبا وهو يقول:

-      كما يحب الأنبياء الوحي

وجلست بجواره تُعدُّ له صامتة قطعَ الخبز.. وجاراها هو أيضا في الصمت جارحا خد السكون بأنين الخبز تحت أضراسه.. وقد تذكر صديقه فاتح اليحياوي.. هل سيخبره بالأمر؟ 

وارتفعت نحنحات خليفة ووقع أقدامه السريعة وهو يقطع الفناء والدهليز، ويدلف غرفة المطبخ طارحا السؤال، وهو يقف عند الباب سادا الضوء الذي كان يتسلل إلى الداخل من الفناء

-      خيرا إن شاء الله حيرتني

ووقفت نوارة ولحقها كريم فقبلاه على كتفه اليسرى، وعاد كريم للجلوس، وجلس الأب مقابل ابنه، وقد ظهر وهو في ملابس العمل فلاحا متاصلا في الفلاحة

-      ليس إلا الخير

وغير كلامه إلى زوجته

-      نوارة  قهوة للحاج

وسألت نوارة:

-      عمي خليفة قهوة أو حليب؟

-      لابأس سأفطر مع كريم..

وراح يصب الحليب وهو يسأل:

-      أخبرني.. لم تأخرت؟ هل من الأولاد من هو مريض؟

ولم يرد كريم سريعا.. كان يبحث عن منطلق للحديث.. وكان يحاول أن يخفف الوطء على أبيه.. وقبل أن ينطق اندفعت نوارة  تجيبه وقد رأت تسمر عينيه على ملامح ابنه

-      وجد وهو عائد جثة شاب على قارعة الطريق

-      أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

هكذا ردد الأب وهو يحول بصره إلى نوارة  التي واصلت كلامها:

-      وقضى زمنا في مركز الشرطة، وحين خرجوا لمعاينة الأمر لم يجدوا الجثة

وتحول الأب ببصره إلى ابنه يسأله

-      وأين ذهبت، ابتلعتها الأرض..؟ لعلها ضحية إرهاب

-      كل شيء جائز.. وكل شيء صار إرهابا.

-      وكيف كان رأي الشرطة؟

-      إذا لم تجد الفاعل الحقيقي قد تحول التهمة إليه

أجابت نوارة وهي تقدم فنجان القهوة للشيخ خليفة الذي ركز بصره في ملامح ابنه كأنما كان يريده أن يتكلم هو

وأحس كريم بما يدور في ذهن أبيه من حيرة وقلق فقال:

-      كانت نيتي فعل الخير؟ ويظهر أن فعل الخير في هذه الأيام ليس بالأمر الهين.. سأعود إلى الشرطة وأتحرى منهم الأمر..

وحين كان كريم يود الاسترسال في الكلام دخلت زوجة أبيه فطومة العقيم التي تزوجها أبوه خليفة بعد إلحاح ولديه عليه لتقوم على شؤونه، وتؤنسه في وحدته، فلا هي فعلت هذا، ولا فعلت ذاك، ولا تركته يهنأ ويطمئن، ولم تكن إلا بديلا سيئا عن زوجته.. طويلة كانت فارعة الطول، نحيفة شديدة النحافة، لاتكاد تنزع خمارها من على شعرها، ولاتكاد تتوضأ، يدل على ذلك الرائحة الكريهة التي تنبعث من جسدها.. وكثيرا ما كان خليفة يجلس في وحدته، أو في عمله ويغني مواله الخاص الذي ألفه ولحنه هو بنفسه "ضيعت حمامة وضيعني الغراب.. واش جاب لغزالة للكلب المجراب"

ونهض الشيخ خليفة يستعد للعودة إلى المزرعة.. وانسحبت نوارة تهتم بشؤون أبنائها.. ودخل كريم غرفته وراح يستعد للقاء فاتح اليحياوي، ثم الذهاب إلى مركز الشرطة..

وقف كريم أمام غرفة فاتح اليحاوي المنعزلة في حوشهم الكبير، وقد غطى مدخلها أفياء شجرة تدلت كأذرع أخطبوط، بدأ الربيع يبتسم على براعمها.. والغرفة ضيقة يستعملها للنوم واستقبال معارفه، يمتد في ركنها الأيسر سرير خشبي، ويتوسطها حذاء جدارها الأول طاولة صغيرة تحيط بها أرائك خشبية مطرزة، وعلى الجدران ساعة حائطية صامتة، ولوحات مختلفة رسمها جميعا فاتح اليحياوي تمثل أكبرها مظهرين سرياليين لحي يرضع غزالة، وحي يطوف ويرنو للشمس، وفي الجدار المقابل باب مشرع يفضي إلى غرفة واسعة تتراص فيها الكتب، لا يخلو منها إلا السقف ويقف في وسطها جهاز الكمبيوتر على طاولة صغيرة..

ولايكاد فاتح اليحياوي ينهي تدريسه بمعهد علم الاجتماع حتى ينعزل في غرفته لا يكاد يبرحها إلا للضرورة.. ولم يشأ كريم أن يطيل الحديث، فراح يطرح المشكلة مباشرة طالبا الرأي والمشورة، ولم يزد فاتح اليحياوي أن قال:

-      ياكريم لم تعد لي علاقة بالبشر، أنت تعرف موقفي منهم، كل تصرفاتهم لا معنى لها.. 

حين كان كريم يغادر فاتح اليحياوي كانت السيارة البيضاء قد اجتازت الغابة قليلا ثم توقفت وعادت أدراجها القهقرى عشرات الأمتار، ثم توقفت وصمت محركها لينزل منها ثلاثة رجال.. ساروا بخطى بطيئة وعيون فاحصة إلى مسرح الجريمة.. وراحوا يدققون النظر في المكان وماحوله، لا أثر لأي شيء إلا لأثلام تركتها السيول، وبعض غثاء من قصب وخشب، وبركة صغيرة يكاد الماء فيها يغرق في الحمأة السوداء.

ورفع سعدون الضابط ناظريه يتأمل الربوة السوداء، وقد شمخت على قمتها سرولتان يتيمتان.. وراح ينحدر ببصره حتى قدميه، ثم استدار وراح يمد بصره إلى المنتهى.

من أين جاء القتيل؟ وإلى أين كان يود الذهاب؟ ولماذا اختار هذا الطريق دون غيره؟ وما المهمة التي كان بصددها؟ ومن هو بالضبط؟ وأين ذهبت جثته؟

وأخرجه الشرطي الأول من شروده وهو يقول بحيرة شديدة:

-      لغز محير.. ماسمعت بحياتي عن جثة هاربة

وعلق الشرطي الثاني بشيء من الثقة

-      السر في أمرين لا ثالث لهما، إما أن كريم هو القاتل، ثم أخفى الجثة في مكان ما، وجاء ليموه علينا، وإما أن القتيل إرهابي حمله رفاقه إلى حيث لاندري.

وهما احتمالان يلحان أيضا على سعدون الضابط، وعلى الشرطي الآخر الذي أضاف:

-أن الجثة كانت لشاب فقد وعيه ولم يلفظ أنفاسه بعد، ولكن ظلام الليل ورهبته ووحشية الجريمة جعلت كريم يتخيل أن الشاب لافظ أنفاسه، وفي الوقت الذي جاء ليبلغ كان الشاب قد عاد إلى وعيه وغادر المكان.

وغادر أفراد الشرطة ثلاثتهم المكان في سيارتهم المدنية والحيرة تعصف بهم جميعا.. وكان الحنق رعدا مدمدما في فجاج سعدون الضابط أي قدر رمى به في هذه المدينة المسخوطة؟ أهذه هي مدينة الواق واق التي قرأ عنها في قصص ألف ليلة وليلة؟ مامعنى أن تسمى مدينة عين الرماد؟ ومتى كان للرماد عين؟ ومتى كان للعين رماد؟  

حاشية 5:

وقضى خليفة سنوات طويلة دون زواج، ليس له من هم سوى أن يتخرج ولداه كريم وبدرة، وكان كلما ألحا عليه في الزواج قال: جيلنا أوفى من جيلكم، ليس من السهل أن ينسى الواحد منا زوجه بمجرد أن يموت.

وتحت إلحاح الجميع تزوج فطومة العقيم، لم يكن يريد ذرية ولا جمالا ولا حبا جديدا، كان يريد أن يرضي ولديه فقط، وليعش على ذكريات الحب الأول.

 

(7)

خرج سمير المرنيني من زقاقهم المقرف يتخطى برك الماء الصغيرة التي صنعتها المياه المتسربة من تحت الأبواب والجدران الجربة.. حين خرج إلى الساحة العامة أشرقت في تضاريسه الشمس فأحس كأنما نشر من رمس مظلم.. تلفت خلفه.. حسب نفسه جرذا خرج من مجاري المياه القذرة.. لعن نفسه وهو يتأمل سرواله الذي أسدله تحت حذائه وقد تبلل إلى مافوق كعبيه.. ومد أصابعه النحيفة الطويلة وراح يعبث بعصبية شديدة بشعره الذي سرحه جيدا في البيت أمام مرآتهم المشققة.

وعاوده الهدوء وهو يتجه صوب مقهى الحي العتيقة الذي عششت حوله المقاهي الحديثة.. تجاوز فتيحة الطارتا وقد تكورت على نفسها تغط في نوم عميق غير مبالية بالرائح والغادي، وغير مبالية بساقيها الموردتين المكشوفتين، وقد اكتنزتا لحما وشحما.. وقف عند الباب يتفرس في الوجوه الغارقة في بحر القمار وقد علتها سحب الدخان.. شباب وكهول وشيوخ.. معلمون متقاعدون، وخمارون، وخريجو سجون ليس بينهم مراد لعور وعمار كرموسة، الظاهر أنهما لم يصلا بعد.

وانزوى في الركن إلى طاولة موبوءة الوجه.. استوى على الكرسي الحديدي فأن تحته يطلب الشفقة.. تماسك عليه وهدأ وهو يعدل من حالة هندامه.. راح يتأمل صورة عياش لَبْلوطه، لقد قطعت من مجلة حديثا وألصقت بعناية على الجدار المقابل، ما أتعس حظك يا سمير المرنيني! لو اتقنت لعب الكرة صغيرا، وانضممت إلى فريق مدينتك اتحاد النجوم، ومن مدينتك عين الرماد ستتنافس عليك الفرق في العالم، وتحاصرك الكاميرات والصحف، وتتهاطل عليك كنوز الدنيا.. واقترب منه سحنون النادل وقد أظهرت ابتسامته حالة الدمار الذي لحق أسنانه جميعا.. فأخرجه من سبحاته.. مسح الطاولة التي تمايلت ذات اليمين وذات الشمال.. وبدل أن يسأله عما يشرب أفرغ عليه إطراء

-      تشبه ألفيس بريسلي

وابتسم سمير المرنيني متناسيا عاصفة الهموم التي عصفت بأرضه الجرداء منذ لحظات

واستغل سحنون النادل سرور سمير فطلب تبغا.. ولم يمانع سمير، ففتح علبة تكاد تكون فارغة، دلى سحنون في جوفها أصابعه ليجرف ما تبقى في قاعها، وأسرع يدسه تحت شفته السفلى فانتفخت.. تفل وأسرع يغادر المكان.. تأمل سمير العلبة الحديدية.. أغلقها، هم أن يرميها، ثم أعادها إلى جيبه.

دخل أحد الزبائن واتجه رأسا إلى إحدى الطاولات.. كانت كل طاولة تضم اللاعبين، وتضم محدقين يجلسون أو يقفون يناصرون هذا أو ذلك في حماس شديد منتظرين أدوارهم بفارغ الصبر.

ودخل عمار كرموسة فجأة.. شاب في الأربعين من عمره، قصير القامة.. قوي البنية.. أسمر اللون، حاد النظرات.. حاد الأنف.. يلبس بذلة صينية وحذاء جلديا بنيا.

جلس إلى سمير دون تحية، وراح يرفع صوته يطلب قهوة مرة له وأخرى حلوة لسمير، وهي عادته كلما دخل المقهى مع سمير.. ثم اعتدل في جلسته وهو يقول لسمير:

-      ماالجديد ياسمير ياأخي؟

وفاجأه سمير وهو يخبره أن أخاه عزوز لم يعد إلى البيت، ولم يره حتى الساعة

وأسرع عمار كرموسة يسأل عن الأمانة إن كانت وصلت إليه.. وسرعان ماخاب وعبست سحنته وهو يسمع سمير يقول له:

- عزوز لم يظهر لا هو ولا الأمانة

وغضب وهو ينتهي من تحريك ذرات السكر القليلة في الفنجان، ويضرب الملعقة على الأرض وقد تقاذفته الشكوك الكثيرة.. إما أن الشرطة قد ألقت عليه القبض، وستلحقهم الطامة قريبا، وإما أن نفسه حدثته بالاستيلاء على الكمية وبيعها وسيدفعون الثمن موتا زؤاما مع الزربوط.. وتململ في جلسته ثم عاد واعتدل وهو ينظر في سمير نظرات الريبة.

رشف سمير من فنجانه رشفة شحيحة، ومص نفسا عميقا من سيجارته، وانهمك يسعل بشدة، ثم عاد وهدأ في مكانه، وراح يتأمل الوشم الذي يطرز به عمار كرموسة يديه وأصابعه ثم قال:

-      عمار أنا خائف.. لم يتعود عزوز الغياب الطويل، أخشى أن يكون سوء قد لحق به.

ودخل شيبوب بائع الجرائد يحمل عشرات الصحف بصعوبة شديدة، واقترب منهما يعرض صحفه، ولم يباليا به فهما لم يقرآ جريدة في حياتهما.. لكنه لفت انتباههما وهو يعرض عليهما خبر اكتشاف الشرطة لجثة شاب على الطريق الوطني قرب منطقة رأس العين.

واندفع سمير كالآلي يدفع الثمن ويفتح الجريدة على عنوان كبير "اختفاء جثة شاب قتيل في ظروف غامضة"

وراح سمير يقرأ الخبر باهتمام بالغ دون أن يولي حيرة عمار كرموسة الأمي اهتماما، ولكنه أمام إلحاحه وتهديده بتمزيق الجريدة راح يخبره أن الشرطة قد بُلغت عن وجود جثة شاب على الطريق السريع قرب رأس العين، ولما انتقلت للمعاينة وجدت الجثة قد اختفت.

وسأل عمار كرموسة بحيرة:

-      ولمن تتصور الجثة؟ هل يمكن أن تكون لعزوز؟

 ونهض سمير وسار فلحقه عمار كرموسة والحيرة بادية على محياه، وهو يحاول أن يمسك بسمير ليعرف قراره.. واقترح سمير الذهاب إلى الشرطة لمعرفة حقيقة الجثة وللتبليغ عن اختفاء أخيه عزوز.

حاول عمار كرموسة خائفا أن يثنيه عن الأمر، والتريث مدة أطول، لكن سمير لم يعره اهتماما، وأسرع يعدو والجريدة في يده، ولم يفعل عمار كرموسة شيئا سوى أنه وقف في مكانه يتابع المشهد.

حاشية 6: 

كان سمير واسطة العقد، وكان أحب إخوته إلى أمه، طويل القامة، أسمر اللون، في ملامحه ملاحة ووسامة، وفي عينه دعج محبب، وهو أقرب شكلا إلى أخواله، وكانت أمه كلما أمعنت فيه النظر إلا وذكرها بأبيها الذي كانت هي بدورها أحب أولاده إليه.. ثم تعرض سمير وهو تلميذ في المدرسة إلى مرض أدخله المشفى أياما طويلة، قضتها الأم إلى جواره شاهدة على كل نفس يرسله متعافيا.. وبقدر ما كان سمير مشاغبا متمردا، كان مدللا تستلف الأم الدنانير القليلة لتمنحها له خفية كي يحقق ما تشتهيه نفسه ولو كان سجائر.

حاشية 7:

كانت فتيحة الطارتا تسكن هي وأخواتها وأمها في إحدى القرى القريبة من المدينة، وكان أبوهن مغتربا، وحدث أن عاد بأموال طائلة، وكانت هذه العودة نقمة على الجميع، فلا هو أغدق بخيره عليهن، ولا هو سمح لهن بالخروج إلى المدينة، وحدث صراع شفوي أول الأمر، تحول إلى عراك وضرب بالأيدي بين الزوج وزوجه تدعمها بنتاه الكبيرتان، حتى ضقن به ذرعا فقررن التخلص منه.

حين خلد الشيخ إلى النوم عمدت الزوجة إلى هراوة أعدتها خصيصا، وراحت تضرب بها رأسه المرات المتتالية حتى تأكدت من مفارقته الحياة، عندها شمرت البنتان مع أمهما على تقطيع الجثة وتفريقها في أماكن متفرقة.. وعمدن بعدها كل يوم إلى حرق بعض أجزائها، ومرت أيام عدة من التكتم إلى أن استطاع كلب الاستيلاء على ذراع الشيخ والفرار بها بعيدا لالتهامها، وكانت الذراع المكشوفة بداية الكشف عن الجريمة النكراء ليحال الجميع على المحكمة، ويحكم عليهن بالسجن عشرين سنة، تخرج فتيحة بعد عامين من ذلك مجنونة تتقاذفها الشوارع، ويعبث بها الأطفال.

حاشية 8:

طالما تجنب عمار كرموسة الخوض في تجاعيد أسرته.. فهو لا يعرف لأبيه ملمحا.. قيل إنه سافر إلى بلاد الغربة ولم يعد.. وقيل إنه مات.. وجد جثة هامدة في صباح يوم شتوي قارس.. لم يقتله البرد ولكن قتله الكحول الذي غدا أسير مخالبه..

لكنه كان يعرف أمه.. زهيرة الزينة، هكذا كان عمار كرموسة يسمع الجميع ينادونها دون أن يعرف هل الزينة هي لقب لها أم وصف لجمالها الفاتن..؟ كانت أمه ربعة القامة.. بيضاء متألقة كصفحة بدر مشرق.. وكان خداها حب رمان حلو.. وكان شعرها خروبيا يتهدل أغمارا على كتفيها.. وكانت تعمد إلى كحل تسور به عينيها فتسور به قلوب الرجال.. 

وكانت تقضي نهارها وجزءً من الليل تشتغل وحين تعود وقد ظمئ إلى دفء صدرها.. تضغطه إليها.. تحضنه بكلتا يديها، ويحس بدفء أنفاسها تهدهده.. ويحس بدموعها تنساب متلصصة كي لا توقظه.. ويدس رأسه الصغير بين نهديها وينام.. كان صدر أمه أرجوحة.. سلة من ورد.. سحابة ماطرة.. خميلة في ربوة.. بوراقا.. جنة خلد.. 

ذات ليل حزين كئيب بارد مرتعش الأضلاع.. وقد طردته الطفولة من رحابها.. وصله نبأ موت أمه.. كان يقف وسط الجميع كجرة مهشمة، وكانت تعاليقهم تصله سهاما صدئة:

- عاشت عاهرة، وماتت عاهرة، عليها اللعنة

- إذا مات الفاسق استراحت منه كل مخلوقات الأرض

- لقد أفسدت نساءنا ورجالنا

- لو طال عمرها لصار الهواء زانيا والشمس والقمر.

وعلم أنها ماتت مخمورة في حادث مرور مع رفيق لها..

آه أيها الموت! لو كنت رجلا لقتلتك.. لفقأت عينيك.. لقطعت أصابعك.. لقلمت مخالبك.. وأياديك.. وأذرعك.. وأرجلك.. لبقرت بطنك.. وصدرك.. بأي حق تحرمني دفء الصدر.. وحرارة الدمع.. وموسيقى النشيج.. بأي حق تحرمني أمي الطاهرة النقية.. عليكم اللعنة أيها الأوباش ما أقذركم ما أقذر قلوبكم العاهرة!

ومذ ذاك توزعته البيوت...

والشوارع.....

والأزقة.......

حاشية 9:

وحين تخرج من مدينة عين الرماد جنوبا تنهض غابة الصنوبر في وجهك، تدثر ضفتي الجبلين الصغيرين ثم ما تفتأ أن تبدأ في الانطفاء رويدا رويدا فاسحة المجال لفضاء يتنفس بعمق، شجرة هنا وأخرى هناك، وربوة صغيرة عليها شجرة يتيمة لايدري أحد من أي نوع هي، ولا في أي زمان غرست وتحتها تنبع عين ماء شحيحة، قيل إنها مربض أحد الصالحين، منها يرتوي، وبفيء الشجرة يستظل، ومن ثمارها المختلفة الألوان والأشكال يأكل.. ثم تكاثر الناس حوله، ودب الفساد بينهم، فاختفى الشيخ الصالح، قيل إنهم رأوه يعرج إلى السماء، وقيل إنه غار في عين الماء، ومذ ذاك جفت المياه المتدفقة، وحال لون الشجرة العجيبة، وفقدت ثمارها إلى الأبد.. وقيل إن العين رمتهم بحمم من الرماد أياما وليالي حتى انفضوا من حولها، وأقاموا مدينتهم بعيدا عن العين التي استمرت تدمع تحت الشجرة الحزينة، واستمر الناس يزورونها متبركين مقدمين القرابين، ومذ ذاك سميت مدينتهم عين الرماد

حاشية 10:

وكان فاتح اليحياوي في زمن ثورته يقول:"سبحان مخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي، مخرج الرماد من الماء، ومخرج الماء من الرماد، أيهما خلق من الآخر؟ أالرماد هب من الماء، أم الماء تفجر من الرماد؟

حاشية 11:

مذ كان تلميذا في المدرسة كان يعشق الكرة حتى لقبه أترابه بعياش لَبْلوطه، وحتى شكله كان كذلك، فهو بقدر ما يميل إلى القصر يميل إلى السمنة، يتصف بالاندفاع الشديد، واللامبالاة، والتهاون مع طيبة قلب شديدة.

دخل المدرسة مع سمير المرنيني ومراد لعور، وإذا كان الأول قد أكمل دراسته الثانوية، وفشل مرتين في الباكالوريا، ودخل الثاني الجامعة ليتركها دون أن يكمل الدراسة فيها، فإن عياش لم يقدر على تجاوز المرحلة الابتدائية، وكان معلمه الذي أعاد عنده السنة الأخيرة مرارا يضربه على رأسه ويقول هازئا: عندك كرة مملوءة هواء تصلح للعب لا للتفكير والعلم.

وترك عياش المدرسة ليشتغل مساعدا لصانع الزلابية دون أن يبعد عشقه لكرة القدم، ثم انخرط في صفوف فريق مدينته "اتحاد نجوم المدينة" ليصير من أكبر لاعبيه.

وهجر مهنة صناعة الزلابية التي كانت تُكدس طول العام ليلتهب الطلب عليها في رمضان، وكأن الناس لا يأكلون غيرها.. يقفون الساعات للحصول على رطل أو رطلين..

 

 (8)

وفزعت العطرة وقد كانت أمام المرآة تستعرض جسدها البض وتدندن بأغنية شرقية.. حين التفتت خلفها ورأت أخاها سمير يدلف عليها الغرفة وقد استولى الفزع على كامل جسده.. وأسرع يقذف بالسؤال شواظا في وجهها:

-      هل عاد عزوز؟

وقبل أن تلفظ شفتاها كلمة لا أردف يسأل عن أبيه وأمه، ثم انطلق خارجا، فهو يعرف أن أباه لا يدخل البيت إلا للنوم أو الأكل، أما جل وقته فيقضيه في لعبة الضامة والدومنو، أما أمه سليمة المرنيني ذات الأمراض العديدة، وذات الصبر الأيوبي فلن تعود من تنظيف البلدية إلا بعد منتصف النهار.

وأسرعت العطرة تلحق بأخيها دون جدوى، واستدارت عائدة وهي تلم أغمار شعرها الأشقر وقد كاد يغطي جسدها الممتلئ، ثم تجمعه بيديها الصغيرتين المكتنزتين، وتعصمه كحبة الطماطم في أعلى الرأس فيستوي وقد طاب له الارتقاء تاجا على رأس أميرة.

وعاد سمير فجأة فأمسكت به تلح على معرفة السر الذي يحمله، ولم يستطع منها فكاكا فأعطاها الجريدة ثم راح يوجهها إلى العنوان "اختفاء جثة شاب قتيل في ظروف غامضة"، شارحا المحتوى، ملمحا إلى إمكانية أن يكون عزوز هو القتيل، وترك العطرة في حيرتها، وعاد للخروج من جديد.

في الوقت الذي كان سمير يوزع عينيه في كل منعرج.. وعند كل مجلس بحثا عن أبيه.. كانت أمه سليمة المرنيني في البلدية تغالب آلاما مبرحة تقطع كل جسدها المثخن بالأمراض والجراح.. السكري.. وارتفاع الضغط.. ودوالي الساقين.. وبطالة رب الأسرة وأولاده.. واختفاء ابنها عزوز.

وسقطت السَلاَّتَة من يديها، فارتطمت بالدلو المملوء ماء، وتركت جسدها يستند إلى الجدار، وراحت تنزل نحو الأرض حتى جلست على الدرج المبلل.

وأسرعت صاحباتها نحوها لنجدتها، قالت الأولى للثانية:

-      احمليها معي لنبعدها عن الماء.. ياسليمة قلنا لك ألف مرة أنت مريضة وتستحقين الراحة، لكن رأسك..

وسكتت وهن يحملنها، ويضعنها ممددة فوق كرسي طويل، ووقفن عندها، قالت الثالثة:

-      في هذا البلد كل يدفع الثمن وحده، لن يبكي عليك أحد.. لاحقوق ولا هم يحزنون.

ودعتهم سليمة المرنيني بإشارة من يدها إلى مواصلة العمل، فانصرفن متذمرات.. وقد رغت الثانية:

-      أمراض الدنيا كلها في جسدها، وزادها هم الزوج والأولاد.. عشر سنوات لم تحظ بعطلتها السنوية.

-      حتى مختار الدابة لا هم له إلا مطاردة النساء

علقت إحداهن وانصرفن إلى عملهن مترقبات.

كان سمير قد وصل إلى مركز الشرطة، وجثم في قاعة الانتظار يترقب وصول الضابط سعدون الذي ما كاد يعود إلى مركز الشرطة حتى أسر إليه الحاجب أن شابا جاء يبلغ عن اختفاء أخيه، وأسرع الضابط يدخل مكتبه لاستقباله متصورا أنه رأس الخيط الذي سيقودهم إلى معرفة أسرار الجثة الهاربة.

حين فتح الشرطي الباب دخل سمير المكتب يسير على مهل بخطوات مرتبكة، وفي نفسه يدور شعور غريب بالخوف الشديد، كأنما يخشى أن توجه إليه تهمة قتل أخيه.. وأشار إليه الضابط بالجلوس وهو يقلب أوراقا كانت أمامه، وما إن جلس سمير حتى سأله الضابط عن سبب مجيئه فاندفع يختار كلماته اختيارا دقيقا

-      أنا سمير المرنيني، أخو عزوز المرنيني الذي لم يعد إلى البيت منذ أيام، وقرأت في الجريدة أن الشرطة وجدت جثة

وقاطعه الضابط

-      ولكن الجثة اختفت قبل أن نراها.. فهي مجرد أقاويل.

وراح الضابط يسأله عن كل ماعنده من معلومات.. عنه وعن أخيه وعن أسرته.. وراح سمير يجيب بكثير من الحرج والإحساس بالإهانة متأثرا بنظرات الضابط التي كانت تحمل كثيرا من العتاب.

وحين أكمل سمير تقديم كل المعلومات عن أخيه من عمله وسلوكه حتى جسده وملابسه دعاه الضابط أن يرافقه إلى مكتب آخر، فقام يتبعه وقد شبك يديه من خلفه كأنما هو يستعد للقيد.

حاشية 12:

ومختار الدابة هو شيخ البلدية ورئيسها، بدأ حياته خضارا متواضعا، ثم سائقا لشاحنة خضر، ثم بائعا للمواد الغذائية بالجملة، ثم نشيطا في الحزب وممولا رئيسيا لفريق نجوم المدينة، ومقربا من الإعلام ورجال الدولة، ثم مرشحا للانتخابات البلدية

حاشية 13:

لمختار الدابة قبيلة ذات عدد تحسم الانتخابات لصالحها دائما تحت شعار "حمارنا أفضل من فرس الغير "

حاشية 14:

ولقب مختار بالدابة مذ كان تلميذا في المدرسة، لقد كان المعلم يصفه بذلك لسوء سلوكه مع زملائه الذين طالما اشتكوا من غلظته في المعاملة

 

 

(9)

ما إن خرج كريم السامعي من مركز الشرطة عند التاسعة صباحا حتى اتجه مباشرة إلى المزرعة، حيث يشتغل أبوه منذ أكثر من يومين دون أن يعود إلى البيت والعادة بينهما هو التناوب على العمل ليلا ونهارا مع الاستعانة ببعض العمال الموسميين من حين لآخر.

خرج كريم من مركز الشرطة دون أن يطيل المكث عند الضابط الذي سمح له بالذهاب على أن يحضر كل صباح انتظارا للجديد.

وفي طريقه كان قد اقتنى بعض ما يلزمه واقتنى جريدة دون أن يتصفحها.. حين دخل المزرعة انتابه شعور طفل لم ينم أياما في حضن أمه.

وضع الأغراض والجريدة في مكان مرتفع في العريشة، وهم بالخروج، لكن أباه وقف أمامه عند الباب ودعاه للعودة حيث كان

راح كريم يصب القهوة لأبيه، وراح الأب يتصفح الجريدة، ومافتئ أن هزه العنوان  "اختفاء جثة شاب قتيل في ظروف غامضة" وراح يسأل كريم:

-      هل قرأت هذا الموضوع؟

واختطف كريم الجريدة من يدي أبيه مجيبا وعيناه تفكان الأحرف

-      لم أقرأ الجريدة تماما.. إنها الجثة التي رأيتها.. لكن ليس في الموضوع جديد.. الحكاية حسب ما رويتها فقط.. جثة شاب وجدت ليلا على قارعة الطريق واختفت بعد ذلك

وطوى الجريدة وراح يطرح جملة من الاحتمالات على أبيه

-      قد تكون جثة إرهابي.. أو جثة ضحية للإرهاب.. وقد يكون الشاب قتل خطأ بسيارة تركته طريحا، وفرت وقد تكون الجثة..

ولكن أين ذهبت الجثة؟ أين اختفت؟ يراودني أحيانا شك في أن الشاب لم يكن ميتا، ولكني توهمت ذلك وفي المدة التي تركته فيها عاد إليه وعيه فاختفى..

علق الأب وهو يرشف القهوة ويستعد لمغادرة المزرعة

-      يمكن أن تكون الجثة قد هربت، كما يمكن أن تكون قد خطفت من قاتليها.. كل شيء ممكن، وكل شيء محتمل.

وغير كريم دفة الكلام وهو يقوم، ويمشي إلى الباب

-      المهم أني ذهبت صباحا إلى مركز الشرطة، ولم أجد جديدا

وغادر الأب خليفة المزرعة، في حين توغل كريم في نسمات التربة الندية والأعشاب الطرية بكثير من الفرح والعشق.. ينتظر وصول فاتح اليحياوي لابد هذه المرة أن يحمله على الخروج من قوقعته، لابد أن يعيش مع الناس، وأن يصارع أمواج الواقع، لابد أن يترك هذه الفلسفة العقيمة التي آمن بها مؤخرا.

وفي البيت ظلت العطرة عند النافذة تتسلل عيناها عبر أضلعها ترقب حركة المارة، وقلبها يدق فزعا ورعبا، وحركة المارة في الشارع رتيبة، بعضهم يحيط بعربة علي بائع الخضر وهو منشغل بتقديم سلعه للزبائن، أو برفع صوته المبحوح من حين لآخر مادحا ماجاء به.. وبعضهم تحلق بدعاس لحمامصي لالتهام الخبز والحمص الساخن، أو للحديث عن فريق المدينة، وعن براعة عياش لَبْلوطه، وعن الملايين التي أغدقتها عزيزة الجنرال على الفريق، وعن الإشاعة في أنها سعت مع كبار مسؤولي الدولة لفرض فوز الفريق بكأس الجمهورية.

وبعضهم استند إلى الجدار أو أحاط بحلقة الضامة التي يحمى وطيسها كل صباح ومساء بين شيوخ الحي وكهوله.

وبعض الصبية يعدون وراء كرة صنعوها من قماش لفوه في جورب، وعلى الجميع تهب ريح خفيفة تحمل في غرابيلها سحب الغبار.

وأقبل مراد لعور من بعيد فانضم إلى المتتبعين لحلقة الضامة، لكنه راح يمد بصره معظم الوقت إلى النافذة حالما برؤية العطرة..

 ومراد صديق سمير وعزوز وكثيرا مايقصد بيتهم طالبا هذا أو ذاك، وتذكر العطرة أنه جاء ذات ضحى فلم يجد في البيت إلاها، وفارت شبقيته فأمسكها من يدها، وهم أن يدخل عليها البيت لولا أن تشجعت ودفعته خارجا، وأغلقت الباب وقد امتلأت هلعا.

ودخل الأب دون أن تفطن إليه فراح يرفع صوته يطلبها وهرعت إليه على إيقاع شتائمه:

-      لا تحسنين إلا احتضان النافذة، تراقبين الذاهب والآيب.

ونقلت إليه فزعها حين أخبرته أن سمير قد ذهب إلى الشرطة ليستفسر عن عزوز الذي لم يعد إلى البيت منذ أيام و.. ولم يتركها تكمل حديثها ولم يكن في حاجة إلى استفسار أكبر، بل اندفع خارجا يكاد يتعثر في اندفاعه.

حاشية 15:

كان فاتح اليحياوي في سنواته الأولى وقد عين أستاذا لعلم الاجتماع بالجامعة يفيض حماسا ويتدفق حيوية، فألهب العقول والقلوب، ولم يكتف بفلسفات نظرية، بل راح يقود الطلبة للاحتكاك بالواقع، ويدفعهم للتفاعل معه، وتغييره، وكانت عزيزة الجنرال العقبة الكؤود التي تحدته واعتبرته خطرا عليها، ومازالت خلفه حتى زجت به في السجن.

حاشية 16:

كان فاتح اليحياوي أكثر الشباب حماسة، وأكثرهم ثورة على كل مظاهر الانحراف الاجتماعي والسياسي، وكان يدرك جيدا أن سكان عين الرماد هم ضحية مؤامرة بين من يملكون الدينار ومن يملكون القانون.. وماكادت عزيزة الجنرال تستولي على أراضي الفلاحين البسطاء، وتأخذها منهم عنوة، وماكادت تشتري شركة البناء التي تشغل مئات العمال، وماكادت تضع يدها على أملاك دولة فتشتريها بأسعار رمزية حتى ثار في المدينة يقود الناقمين.. وحدث مالم يكن يتوقعه.. لقد تدخلت القوات العمومية وفرقت المتظاهرين، ليحاكم فاتح، ويَشهد بعض المتضررين على صحة ماوجه إليه من تهم.. حين زاره كريم في السجن، وقد تجلبب بالحزن العميق قال له :"التاريخ يعيد نفسه، كأني من ذرية علي، وكأن سكان عين الرماد من ذرية أهل العراق.. عليها اللعنة أمة تجمعها الزرنة والبندير، وتفرقها العصا.  

حاشية 17:

 لم يزعج فاتح اليحياوي دخوله السجن.. كثير من الشرفاء زج بهم فيه، ومازالوا يزجون، لكن ما حز في نفسه أن تنفض عنه الجموع الغفيرة التي تجمع على أن عزيزة بوالطويل ثعبان عاث في مدينة عين الرماد فسادا.. بل ووصل الحد ببعضهم أن شهدوا ضده زورا وبهتانا.. حينما خرج من السجن أعلن أنه على فلسفة أبي العلاء المعري رهين محابسه.. وأعلن أن هذه الأمة قد قضى عليها القدر بالذل والهوان.

 

(10)

أكمل فيصل الطبيب معاينة مرضاه، واتجه إلى حجرة فواز لا ليعاينه بل ليجلس معه محدثا، فهو بحاجة إلى متابعة نفسية بالأساس.. ولم يجده في سريره، فمد بصره إلى الشرفة ليجده هناك يغوص برأسه بين صفحات الجريدة.

حين وقف فيصل الطبيب عند رأسه انتبه إليه ومد يده مصافحا، وأرسل عينيه إلى عمق الصحيفة فلفت انتباهه العنوان الكبير "اختفاء جثة شاب قتيل في ظروف غامضة" ومد يده فنزع منه الجريدة وهو يقول:

-      ليس لائقا بصحتك أن تقرأ مثل هذه الأخبار.. أنت في صحة جيدة فلا تعكر مزاجك.. ستغادر المصحة غدا

وخرج الطبيب دون أن يتحرك فواز، بل وضع مرفقه على الطاولة وضغط بإبهامه وسبابته على عينيه بقوة حد الفقء.. هل هي جثة الشاب الذي صدمته وقتلته؟ من بلغ عنها؟ ولماذا اختفت؟ هل هذا الأمر يخدمه فلا يبقي دليلا ماديا يدينه؟

وراوده الشك في أن الجثة قد هربت.. أي أن صاحبها لم يمت، وهذا يعني أنه دليل مادي قوي ضده.

وفي بيتهم كانت الحيرة تتملك الأجساد الأربعة المتقابلة في قاعة الاستقبال كأنها تماثيل حجرية.. تأمل الأب سالم بوطويل الوجوه الجامدة، وهو يسند خده إلى راحة يده، ويبحث عن الدفء الذي كان يشيع في القلوب حرارة  أيام كان في أسرة أبويه، لم تكن عندهم دارة ولا سيارة ولا تلفزيون، ولم يكونوا يأكلون على الطاولات والكراسي، ولا ينامون على الأسرة، ولكن كان للحياة طعم ومذاق، وكان الحب الذي يحملونه في مخازن قلوبهم هو رصيدهم الأكبر.. ورث أبوه عن جده الأراضي الشاسعة وقطعان الغنم والبقر، وبقدر ماكان جده يحب التوسع في المال كان خيرا، يفتح بيته وقلبه للجميع.. الفقراء والمساكين وأبناء القبيلة.. وكان يلقب بأبي الفقراء.

ورفعت فيه فريدة عينيها ثم عادت لمتابعة الأغاني الغرامية، وخيالها يعيد شريط مغامراتها مع فيصل الطبيب.

وفي الوقت الذي كانت فيه نورة تحس بالنعاس الشديد رغم أنها نهضت لتوها من نومها، كانت الأم عزيزة الجنرال ترشف قهوتها على مهل شديد وذهنها يحاول أن يجمع خيوطا كثيرة تحاول أن تهرب منها.

تململ الأب في مكانه وحمل الجريدة للمرة الثانية، وراح يعيد قراءة الخبر للمرة الثانية أيضا، وعيناه لا تكفان عن النظر في زوجته.. رفعت فيه عينين غاضبتين وقالت:

-      يكاد الخوف يبتلعك..

ابتلع سالم ريقه وتمنى لو مد أصابعه فخنقها.. من أي طينة هذه المرأة اللعينة؟ وأي قدر رماها في طريقه؟ كيف تفكر؟ ولماذا بهذا المنطق تفكر؟ وانتبه إليها وهي تواصل:

-      لم نفعل شيئا.. بعض الناس يدوسون القانون كما تدوس نعالهم التراب.. ونحن يجب أن نكون تحت القانون ليذلنا ويشهر بنا؟ فواز لم يفعل شيئا سوى أنه داس طائشا خطأ وفر.. هل تريدنا أن نفضح أمرنا وقد سترنا الله؟

ونهضت تغادر مكانها وقد أنهت قهوتها، وبقي الجميع وجوما لا يبدون حركة كأن الدهشة قد شلت أجسادهم.. وعادت الحياة للأب فوقف من مكانه وقد امتلك بعض الرجولة فقال لابنتيه:

-      ماذا تقولان؟

قالت نورة

-      ومتى كنا نستطيع أن نقول في هذا البيت، نحن وأنت على السواء؟

-      لكن الأمر لا يستدعي كل هذا الجنون، الحادثة وقعت خطأ.. والشرطة ستكتشف الجاني طال الزمن أم قصر، وقد بدأت الصحف تكتب عن الحادثة

قالت فريدة وهي تتصفح الجريدة:

-      ولكن ما معنى اختفاء الجثة؟

-      وهذه هي الطامة الكبرى، أخشى أن تتطور الأمور إلى ما لا تحمد عقباه.

قال الأب هذه الكلمات وترك خلفه صمتا رهيبا، واندفع خارجا وذاكرته تعيد شريط والديه يناقشان أمر زواجه قالت أمه: خير لك أن تتزوج ذهبية بنت الطاهر، ورفع الأب عقيرته يكبح حلمها: وماذا تملك ذهبية بنت الطاهر غير الفقر؟ سأزوجه عزيزة بنت يوسف، وسيرث أراضيها يضمها إلى أرضه ليصير ثريا.. الناس لا يقاسون إلا بما يملكون.

حاشية 18:

فقدت عزيزة أمها في مأساة رهيبة، حين تجرأ أبوها فقتلها شر قتلة وهو تحت تأثير الخمرة، وفقدت أباها حين زج به في السجن حيث فارق الحياة، وجمعت عزيزة خيوط المأساة كلها بين أصابعها الصغيرة البريئة، وتوزعتها الدور هنا وهناك، ولسعتها نظرات الإشفاق ونظرات الرفض والكره، وماكادت تبلغ الثامنة عشرة حتى ورثت عن عمتها كل ماورثت عن زوجها الثري من أراضي وأموال، وتحولت عزيزة فجأة من مضغة للشفقة إلى إعصار للرفض والتحدي، وخاضت في لجة الحياة حتى استوت سيدة للمجتمع، وخصوصا بعد اقترانها بسالم بوالطويل وضمها الثروتين معا في قبضتها.

 

(11)

كانا يحثان السير باتجاه مركز الشرطة دون أن ينطقا.. كان كل منهما يسبح في افتراضات لا حد لها.. كلاهما كان يخمن أن واحدا من شلة المخدرات هي التي قتلت عزوز.. قد يكون فريد لعور.. أو عمار كرموسة.. وقد يكون الزربوط.. وقد يكونون جميعا مشتركين في الجريمة النكراء.. وفي نفس عبد الله المرنيني كان يلمع من حين لآخر قبس من أمل في أن يكون عزوز حيا، لأنه لا معنى لاختفاء الجثة، فالجثث لا تهرب ولا تتبخر.

ورغم أن الحلم نفسه كان يراود سمير ولو بشكل أقل إلا أنه كان يغالب فكرة إخبار الضابط بالأمر. هل يخبره بهواجسه؟ ولكن ماذا لو كان الأمر مجرد ظنون لا ترقى إلى الحقيقة؟ وماذا لو نبشت الشرطة خلف الجميع وعرفت حقيقة ما يفعلون من بيع المخدرات وتوزيعها؟

وصرف الأمر عن ذهنه وأبوه يمسكه من يده ويوقفه وقد كادا يصلان إلى مركز الشرطة

-      اذهب وحدك أفضل لك، وسأذهب معك في المرة القادمة.. اسأل عن كل صغيرة وكبيرة.. وحاول أن تتقصى الأمر جيدا.. ولا تخبر أحدا من أهل البيت قبل أن تخبرني.

ووقف يشيع ابنه الذي راح يحث الخطى حتى دخل المركز.

 أنهى كريم جلسته مع الضابط فقام من مكانه وهو يصافحه مودعا.. مد الضابط يمناه وضغط على أصابع كريم وهو يردد في قرارة نفسه: متى ينكشف السر وعن أي مفاجأة ينجلي؟

وأخرجه من شروده قول كريم:

-      البلاء يولد دون ضرع.. ولا يخاف النار إلا من في بطنه تبن.

وخرج يستغفر الله بصوت مرتفع.. وعند الباب كاد يصطدم بسمير وهو داخل إلى المركز.. وفي الوقت الذي كان فيه كريم يقل سيارته موزع الهواجس عائدا إلى بيته في هضبة المدينة، كان سمير يجلس إلى الضابط يتأمله صامتا وهو يقلب أوراقا كثيرة تراكمت على مكتبه.. وحين رفع عينيه قال كأنما لم يشعر بدخوله عليه:

-      أهذا أنت؟ الآن خرج كريم السامعي ولم نصل معه إلى شيء.. استمعت إليه مرة أخرى لم يغير كلامه مازال يعيد نفس الشهادة ومازال يصر على أنه رأى جثة عزوز وقد فارق الحياة.

-      هل تأكدتم من أنه عزوز؟

هكذا سأل سمير وهو يقف من مكانه فزعا.. فصمت الضابط لحظات كأنما يرتب أفكاره وقال:

-      بك أنت سنتأكد من حقيقة القتيل

ولم يرد سمير لكنه راح يتابع الضابط والحيرة تشرنق كامل ملامحه، فواصل الضابط:

-      لم يستطع كريم السامعي أن يقدم لنا مانحتاج عن القتيل سوى أنه شاب، وأنه كان يلبس مثل ما يلبس الملايين من الناس في هذا الفصل من السنة، ربما لأن الظروف الطبيعية والنفسية التي رآه فيها لم تسمح له بتشكيل صورة دقيقة عنه.

ولم يعلق سمير على كلام الضابط، بل استمر كما هو لا يبدي حراكا، ليس إلا عيناه تتحركان ذات اليمين وذات الشمال.. وراح الضابط يطرح أسئلة كثيرة مرهقة عن كل شيء يتعلق بعزوز حتى عن ملابسه ونوعها ولونها.

ونهض الضابط من مكانه، وخرج من مكتبه لحظات مارت فيها نفس سمير موارا عجيبا، وعاد الضابط يحمل صندوقا صغيرا وضعه أمامه وراح يعالج فتحه، ولم ينبس سمير بكلمة واحدة سوى أنه راح يتابع المشهد بدهشة كبيرة.

وفتح الضابط الصندوق، أخرج منه كيسا بلاستيكيا أسود، ثم وضع الصندوق جانبا، وفتح الكيس، أخرج منه فرد حذاء، وضعه جانبا وهو يلف الكيس، وسأل سمير الذي مازال غارقا في الدهشة.

-      ماذا يمثل لديك هذا الحذاء؟

ولم يفهم سمير شيئا فلم ينبس ببنت شفة، غير أنه جحظ بعينيه أكثر، وزم شفتيه الرقيقتين، ثم اندفع من مكانه، فوضع يديه على حافة المكتب متأملا الحذاء، وهو يسمع الضابط يقول:

-      هذا الفرد وجدناه مكان الجثة

-      إنه حذاء عزوز، أسود، حاد، بمقياس أربعين، إنه هو بالذات

وعاد سمير ليتهاوى على الكرسي وقد شعر بالدوار.. وقام الضابط يهدئ من روعه ويقول:

-      كن رجلا جلدا.. اعرف كيف تخبر العائلة.

ونهض سمير فخرج يجر قدميه جرا، وصورة أمه المريضة لا تفارق مخيلته كيف سيخبرها؟؟ وكيف ستقع عليها الصاعقة؟؟ 

 

(12)

حين فتحت العطرة الباب ورأت وجه أمها الأصفر الممتقع هالها مارأت فصاحت:

-      أمي ما بك كأنك بلا دم؟

واتكأت الأم على آلامها وهي تدخل.. عن أي الهموم يجب أن تتحدث وكل الجوانح هموم؟ وأي الجراح يجب أن تنكأ وكل القلب جراح؟

جلست إلى الأريكة القديمة وحلت عقدة خمارها.. تورم في العينين لافت ومثير.. وآخر في الساقين يكاد يفجرهما.. وطلبت ماء فأسرعت العطرة به.. عبته دفعة واحدة وتمتمت:

-      الحمد لله رب العالمين

وجلست العطرة إلى جوارها تسندها وتقبل رأسها.. سألت الأم وفي عينيها دموع حائرة:

-      هل ظهر شيء عن عزوز؟

-      أنت أولى بالاهتمام ياأمي

-      أنا فنيت وهو مازال شابا.. وسمير وأبوك أين هما؟

ولم تجب العطرة بل راحت تنزع خمارها، وتمدد أمها في حجرها كالصبي الرضيع

دخل سمير ساحة الحي متجها إلى البيت لا يكاد يرى أمتارا أمامه يقدم رجلا ويؤخر أخرى.. ماالذي سيقوله للعائلة؟ وهل يكفي فرد حذاء ليكون دليلا على موت عزوز؟

وأخرجه عمار كرموسة من سبحاته حين ناداه من بعيد بصوته المبحوح.. كان عمار كرموسة ببذلته الصينية التي لا يلبس غيرها يتكئ على عتبة بيت عتيق مغلق منذ سنوات، وكان يمص دخينته بنهم شديد..

وغير سمير اتجاهه نحوه وفي أسنانه اصطكاك عجيب.. وهو يرى عمار كرموسة يتكئ على الجدار كأنه جذع شجرة وسحائب الدخان تتهادى فوق رأسه.. من قتل عزوز؟ هل يمكن أن يكون عمار كرموسة؟ ربما دفعه الزربوط.. ولم لا يكون مراد لعور وهو الذي قلَّلَ من حضوره معنا هذه الأيام؟

وقبل أن يصل إليه خطا عمار كرموسة نحوه.. صافحه وراح يعود به إلى المربض وهو يسأل:

-      خيرا إن شاء الله؟

ولم يرد سمير وهو يتكئ على الجدار، وعلى وجهه مسحة من التعب والحزن، وفي عينيه ثقل يكاد يهمي

-      سمير خيرا إن شاء الله؟

وركز عينيه في ملامحه وهو يمسك كتفه الأيسر بيمناه ويضغط عليه بقوة.. وترقرقت عينا سمير وهو يقول:

-      المقتول هو عزوز

-      وجدوا الجثة؟

قالها فزعا فرد سمير المرنيني بهدوء وحزن:

-      لا لم يجدوا الجثة.

وتحول عمار كرموسة إلى الجهة الأخرى، وهو يجذب آخر نفس من الدخينة، ويدوس عقبها بخفه الأسود

-      وكيف عرفت أنه هو المقتول؟  

-      رأيت حذاءه

-      مامعنى رأيت حذاءه؟

وراح سمير يعيد الحكاية من أولها بتفصيل منتظرا أن يجد له عمار كرموسة دليلا يقنعه أن لاعلاقة بين فَرد الحذاءِ والجثة.. لكن عمار كرموسة كان ينتظر الحديث عن الكيس الأسود.. وحين لم يرد في كلام سمير سأل حذرا خشية أن يخدش مشاعر سمير:

-      والكيس؟ ألم يحدثك الضابط عن الكيس؟ ألم يجدوا كيسا مكان الجثة؟

-      نحن نبحث عن رجل، وأنت تسأل عن الكيس؟

وانطلق سمير يخترق زوبعة ترابية هبت بها ريح مفاجئة.. وراح عمار كرموسة يلحق سمير محاولا إرضاءه وتهدئته، مؤكدا أنه غير مقتنع أصلا بموت عزوز.. إن الأمر في اعتقاده لا يعدو أن يكون خدعة من الشرطة لاستدراجهم في فخ نصبوه.

ولم ينبس سمير ببنت شفة وقد كاد يقول لعمار كلكم متهمون، أنت، ومراد، وحتى كريم السامعي الذي جاء ليبلغ عن وجود الجثة الهاربة.. وسنبلغ الشرطة بكل هذه الهواجس..

وبدأ كرموسة يخفف من اندفاعه حتى توقف، وملامح عزوز المرنيني تلح عليه في الحضور.. بقدر ما يخشى على نفسه من اكتشاف الكيس بقدر ماهو حزين على عزوز الذي تربى معه، ونشآ معا، ورضعا معا ضرع المأساة والشقاء.. وعبثت بهما الأزقة، والخرائب، والأماكن الموبوءة، والسجون.. صدر واحد كان يلقاهما بالحب والصدق هو صدر الأم سليمة المرنيني.. كيف ستتلقى الخبر وهي التي حاصرتها الأمراض كفريسة جريحة تحامتها الكواسر.  

 

 (13)

لأول مرة في حياتها لم تذهب الأم سليمة إلى العمل.. ولأول مرة أيضا لم يخرج الأب إلى طاولات الدومنو والضامة كما تعود.. وفي الغرفة التي كانا فيها كان الحزن يتسلل إلى كل مكان، ويغتال كل أمل في الحياة.

كانت سليمة ممددة على فراش بسط أرضا، وقد دثرت بأغطية متنوعة ثقيلة، وعصمت رأسها بخمارين أحدهما أحمر اللون.. وعند رأسها كانت تتكوم علب الدواء المختلفة، عند رجليها كانت تجلس العطرة تعبث بظفيرتها الشقراء الغليظة وقد تدلت على نهدها الأيمن.. وجلس الأب على مقعد صغير يدفن رأسه بين ذراعيه، وقد ظهرت أصابع رجليه الطويلة المعوجة من خُفِّه البني.. وكان الصمت سيدا لا تبقره إلا أنات ترتفع ضعيفة متباطئة من فم سليمة.

وأنَّ الباب القديم أنة طويلة فزع لها الجميع، وهرعا إليه وتحاملت سليمة على عكاز مرضها ولحقتهما

- سمير ما الذي وقع؟ مابك؟

سألت العطرة وقد لمحت على وجهه حزنا شديدا

- أين هي أمي؟

  سألها وهو يتفقد الرواق بعينيه، وسأل الأب وقد أطلت الحيرة من عينيه

- ماالذي أخبرك به الضابط؟

-      لم يجدوا الجثة حتى الآن، لكنهم يرجحون أنها لعزوز لأن الذي اختطف الجثة ترك فردا من حذائه، ولقد أرانيه الضابط...

وقبل أن يكمل كلامه أو يتلقى سؤالا من أحدهما تناهت إلى آذانهم صرخة الأم، وقد سقطت أرضا فهرعوا إلى الغرفة.. كانت الأم ممتدة على ظهرها مفتوحة الفم والعينين، ممتدة الذراعين كأنها صلبت لتوها وكانت صفراء ممتقعة، وكانت ساقاها متراكبتين..

صرخت العطرة بأعلى صوتها، وراحت تصيح.. تنادي أمها.. تعمل على أن تعيدها إلى وعيها.. وأسرع سمير يضع يده على شرايين الرقبة وأذنه على قلبها يتأكد من دقات القلب، وصاح الأب يجب أن نتصل بالإسعاف.

وخرج فلحقه سمير عارضا رأيا آخر

- الإسعاف لن يصل إلينا حتى تلفظ أنفاسها، فلنتصل بقدور الخبزة

- قد تتوقف سيارته الملعونة في الطريق

- ولكنها أسرع من الإسعاف على كل حال

وخرج الأب باحثا عن قدور الخبزة، وعاد سمير إلى الغرفة لإسعاف والدته.. ولم تمر إلا لحظات حتى علا صراخ السيارة وهي تقترب من المشفى، وعلى متنها المريضة تئن أنينا خافتا وتردد نفسا تَعبا.. وإلى جوارها سمير الذي مددها في حضنه، وراح يفتش عن دقات قلبها في أنحاء صدرها ورقبتها.. وفي الكرسي الأمامي جلس عبد الله وقد علاه الخوف يقلب نظره بين زوجته ووجه السائق قدور الخبزة الذي كان يحس القلق ينعق في أذنيه، ويتسلل إلى ذهنه فيضغط على الدواسة إلى آخرها، غير مبال بما يعترضه من حفر وكتل ترابية، ناهرا الراجلين الكسالى بجرس مبحوح، مضطرا أحيانا إلى التلويح بيده، مرسلا من فمه شتائم وبصاقا.

وفي مساء ذلك اليوم زار كريم رفقة أبيه خليفة بيت عبد الله المرنيني، وفي نفسيهما حرج واضطراب، إذ ليس بينهما سابق معرفة شديدة، ترجل كريم من السيارة ولحق به أبوه فوقفا قريبا من الباب إلى اليمين، وعليهما تردد بين.. سأل الشيخ خليفة:

-      أرجو أن نجد الأب هنا

ولم يعلق كريم بل اتجه مباشرة إلى الباب ودقه، ثم تراجع خطوات حيث أبوه قائلا:

-      الناس يعيشون في بيوت تشبه المغارات

-      هذا الحي من أقدم الأحياء في المدينة، كان الناس أثناء الاستعمار يسمونه حي العرب، وقلب المدينة تسمى حي الفرنسيين

وهم كريم أن يقول:"وهل معنى ذلك أننا لم نتحرر؟ ولكنه سكت وهو يسمع باب البيت يئن متأوها، ويخرج منه عبد الله المرنيني ممتد القامة.. أشقر اللون نحيفا، يكاد رأسه يتحول إلى مجرد جمجمة عارية.. صافحهما مرحبا وعلى وجهه حيرة.

وحين لم يسرعا بتقديم نفسيهما عجل بدعوتهما إلى تناول قهوة بالبيت، ودخلا كأنهما مدعويين سلفا.. وفي الرواق التقاهما سمير وقد عرف كريم، فمد يده مصافحا مرحبا، ودخل خلفهما إلى غرفة الاستقبال.

وقبل أن تصلهما القهوة التي كانت جاهزة، كان خليفة قد قدم نفسه، وقدم ولده، وأكمل حديثه بقوله:

-      نحن فقراء.. نشأنا في الجوع والحرمان، وندرك آلام الفقراء وحرمانهم.. وصدقا أثر فينا كثيرا فقدك عزوز، وأثر فينا أكثر ماوقع للزوجة الكريمة شفاها الله، واعتبرنا إخوة لك، ونحن مستعدون لمساعدتكم بما نقدر.

وعاد سمير إلى الحكاية من أولها، يسأل كريم عن تفاصيلها ولم تضف إجابات كريم سوى حرائق جديدة في قلب العائلة.. وسوى زوابع من الحيرة.

حاشية 19:

وقدور الخبزة هو جار عبد الله المرنيني، قضى شبابه حارس مرمى في صفوف فريق نجوم المدينة، دون أن يواتيه حظ التألق والشهرة والمال.. ليس له حديث إلا عن عالم الكرة، يعرف أسراره وأهم لاعبيه وكثيرا من تفاصيل حياتهم، وهو إلى ذلك كثير الكلام لا يقدر أحد على التصدي لسيل تحليلاته، فيحيطون به مستمعين متعلمين، والويل لمن عارضه أو قاطعه في الكلام، يميل بدنه إلى السمنة، استطاع أن يشتري سيارة بائسة ينقل بها الناس داخل مدينة عين الرماد وفي ضواحيها دون أن تعترض عليه الشرطة لحالة الفقر المزرية التي كان يعيشها، سمته أمه البخوش إبعادا للعين، فقد كانت تثكل في صغارها، لكنه يفضل عليه اسم قدور الذي التصق به منذ صغره، ولقبه الناس بالخبزة لأنه كلما سئل عن أجرته قال: أعطوني ثمن خبزة، قدور لا يطلب إلا خبزة ويعطيه المستأجر ماقدر أنه حقه، وقد يكون أكثر أو أقل. 

 

(14)

حين يئسا من حضور سمير اندفع عمار كرموسة يدلف الغابة باتجاه الطريق السريع.. ولم يجد مراد لعور بدا من أن يلحق به وهو يصرخ في عمار بعصبية:

- هل مازال المكان بعيدا؟

- قد وصلنا.. مباشرة بعد هذا المنعرج

واندفع مراد لعور مسرعا يجر كلبه الأبيض الضخم من سلسلته.. وخلفه عمار كرموسة مهرولا لا يكاد يلحقه، وقد تسارعت أنفاسه، وأتعبه جسده الذي مال إلى السمنة

وقطعا المنعرج وأطلا من فوق الهضبة الصغيرة على الطريق المعبد يمتد أمامهما أسود متعرجا كتنين متأوه، وعلى طول جسده المسجى تقف أشجار وشجيرات صنوبر في غير انتظام تتأمله في بلاهة.

وقبل مئات الأمتار من وصولهما راح عمار كرموسة يشير بيمناه إلى المكان بالضبط:

- هناك بعد الشجرة الأخيرة المعزولة

ووصلا إليها، وراحا يذرعان المكان، يدققان النظر في كل ما يجدانه، وكلما اتسعت دائرة بحثهما قل أملهما في العثور على المبتغى.. قال عمار: 

-      من المستحيل أن نجد الكيس حتى لو بقي هنا.. سابلة مرت من هنا.. وأمطار غزيرة جرفت كل شيء

ورد مراد لعور وهو يواصل البحث مع كلبه

- إذا استبعدنا عثور الشرطة على الكيس، أو استيلاء كريم عليه

-      أو أي أحد آخر.. فهو غنيمة ثمينة

وثارت ثائرة مراد لعور وهو يوجه الاتهام لعمار

- ولا يمكن أن يكون هذا الآخر إلا أنت

وتدافعا، وتصايحا، وتبادلا سبابا مقذعا.. وكلاما فاحشا.. وتهما مختلفة، ثم غادرا المكان لا أحد يكلم الآخر.

لكنهما في المساء اجتمعا مرة ثانية.. كانت الساعة الخامسة، وكان الفصل خريفا لكنه كان صحوا دافئا.. انضم عمار كرموسة أولا إلى مجموعة الفتيان في حين تردد مراد لعور قليلا ثم أسرع بالانضمام.. جلس وسطهم وطلب زجاجة خمر راح يرتشفها على مهل وقد أطبق عليه الصمت.. ومن بعيد أقبل سمير وقد بدأت الخمر تعبث بعقله.. توقف وسط الحلقة وجرع ما تبقى في زجاجته وصاح منتشيا:

- اسقني حتى أرى الديك حمارا

وظهرت خيرة راجل من خلف الجدار، وقد اتسعت فتحتا أنفها، تسعى للرد على سمير:

- والحمار حمارا ياحمار

وتمدد عمار كرموسة بجوار سمير الذي بدأ يفقد الوعي، وراح يجرع خمرته على مهل، ويسرع بنظراته بعيدا، في الوقت الذي كان فيه بعض من اليافعين يتبادلون شم أكياس الغراء.

وهم في العادة يجتمعون كل مساء تقريبا في هذا المكان الذي يطلقون عليه خربة الأحلام، وهو سجن كبير أقامته فرنسا أثناء استعمارها للوطن ثم أهمل وبقي خرابا لطالبي المحرمات بكل أنواعها.

وأقبل الخبطة بقامته الممتدة وجسده القوي يحمل صندوقا من زجاجات الخمر يعرضه على الفتيان:

- اشرب ياعمار.. هل أفتح لك زجاجة..؟ خيرة راجل أرجل منك.. وحدها تشرب صندوقا وأنت لا تحسن إلا المص كـ...    

وهرع الشباب يحيطون بالخبطة يتخطفون الزجاجات يجرعونها بنشوة وقد جلسوا في حلقة كبيرة.. وفي الوقت الذي راح بعضهم يتقيأ أو يتألم أقبل قدور الخبزة من بعيد تسبقه الفرحة العارمة معلنا في الجميع أن هذه الجلسة سيدفع ثمنها كلها، ولو استمرت حتى الصباح، بمناسبة انتصار المجاهد الكبير أسامة بن لادن على الكفار من اليهود والأمريكان، وهو يفجر مركز التجارة العالمي بنيويورك.. وعلا التصفيق ثم ما فتئ أن تحول إلى تكبير ورقص.. وقامت خيرة راجل وسط الجمع لاتكاد تثبت في وضعية وراحت تخطب:

-      امض يا بن لادن أسامة.. الله معك.. ومعك نحن

وصفقوا لها جميعا.. وطفق أحدهم يبكي فهزه قدور الخبزة وضربه قائلا:

-      لماذا تبكي مع الانتصار؟

-      لأنه عميل الأمريكان

رد شاب نحيف تلمع عيناه كنجمتين في السماء.. وأردف آخر:

-      لماذا لم ندع بن لادن للسهرة معنا؟

ونزل فيه الجميع سبا وضربا وبصاقا وصاح أحدهم:

-      أقيموا الحد على عدو الله

وراح قدور الخبزة يخنقه تحت ركبته وهو يقول صافعا وجهه:

- ابن لادن كالصحابة المطهرين.. هل تظنه نجسا مثلك؟    

أما في بيت عبد الله فقد كان الحزن سحابة سوداء صامتة تغشى الأسرة كلها.. وحدها العيون الستة تدور في محاجرها كأنما ترقص على إيقاع القلوب الثلاثة، محاولة اختراق الجدران الباهتة العليلة.. انقلب الأب عبد الله على جنبه الأيمن فأن السرير الحديدي تحته.. أنهت العطرة تسريح شعرها، وقد كاد يغطيها وهي تجلس على الأرض.. استغفرت العمة كوثر الله وهي تمسد أنفها النحيف وقالت:

-      أسرعي بلم شعرك وحضري لنا قهوة ثقيلة، كأن برأسي صخرة عظيمة

وقامت العطرة من مكانها وهي تجمع شعرها بتشبيكة حمراء كلون فستانها المورد.. رفعت العمة عينيها في أخيها، وأرادت أن تتفوه، ثم تراجعت فصمتت، وعاودت تتأمله وفي عينيها حيرة، وفي نفسها اضطراب وصراع، ومافتئ لسانها أن انطلق من عقاله كأنما يتحداها:

-      ياعبد الله ياأخي هذا قدرك، هل تعاند السماء؟

وصمتت لحظة ثم واصلت دون أن تسمع رده:

-      مات خير الناس وسيدهم محمد، ومات الأنبياء والصالحون، فهل نخلد نحن؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله

وجلس عبد الله من ضجعته، وقال بحرقة كأنما كان ينتظر منها هذا الكلام

-      يا ابنة أمي لقد قسا علي هذا القدر الذي تذكرينه، وضربتان في الرأس تردي.. كل هذا الهم، وضيعت البكر، وها أمه في المشفى لا تكاد تنطق 

وسكت، وسكتت كأنما طعنها بخناجر صدئة.. ورأته وهو يمد إصبعين نحيفتين إلى عينيه، لم تدر أعصر بهما همه دموعا، أم سد بهما مجرى الهم؟ 

ودخلت العطرة بصينية القهوة فوضعتها أرضا، وجلست قريبا منها وراحت تملأ الفناجين

كان الأب يتأمل الفقاقيع وهي تتراكم في الفناجين كالهم المتراكم في قلبه ثم ما تفتأ أن تتلاشى كما تتلاشى أحلامه الصغيرة التافهة وكانت العمة كوثر تتابع ذراع ابنة أخيها كالبللور يكاد يضيء وتذكرت فتوتها حين كانت تتباهى بها أمها قائلة لكل من تعرف: لو رأى الذئب كوثر لعطش.. وحين كان كل معارفها يضربون بها المثل قائلين: وهل منكم من تزوج مثل كوثر..؟ وكان شيخ الحي وإمامه حين يراها يقول وهو يرى حالة الأسرة المزري: سبحان الله يخرج الحي من الميت.

ثم جنى عليها ذلك فلم تتزوج فهل يجني هذا الجمال الرهيب على العطرة فتبقى عانسا؟ 

وأكمل الأب قهوته على عجل، فنهض من مكانه، واندفع خارجا تاركا أخته وابنته تتجرعان قهوتهما.. كان عبد الله يقضي الوقت كله في لعب الضامة وأحجار الدومنو مع العشرات الذين يجتمعون متحلقين حول مبنى المسرح البلدي، لا يغادر الواحد منهم مكانه إلا لطعام أو قضاء حاجة، حتى إذا بدأ الليل يزحف تفرقوا إلى بيوتهم كالحشرات.. أما بعد الزوابع التي عصفت به فصار يقضي صباحه يطوَّف بأزقة المدينة وشوارعها، عين الرماد وحدها بغبارها، بقذارتها، ببؤسها بواديها النتن الذي يبقرها نصفين، بأبنيتها الحزينة، بسكانها الذين يملؤون شوارعها حركة بلهاء، وحدها عين الرماد تزيد رماده رمادا فتنسيه همومه ومآسيه، ووحدها بمرآتها الغبشة تعكس نفسه المحطمة.  

حاشية 20:

لا شيء يجعل خيرة راجل ذكرا إلا ملابسها، أما هيأتها وملامحها ومشيتها وحتى نبرة صوتها فهي جميعا تجزم أنها أنثى، والجميع على يقين أنها خنثى، لذلك سموها خيرة راجل، وهي رجل فعلا لا تجتمع إلا مع الرجال، ولا تعمل إلا عملهم، بل راحت تمعن في مخالطة الأشرار منهم، تتناول السجائر، وتشرب الخمرة، وتسهر الليل كله دون أن يجرؤ أحد على لمسها أو التعدي عليها.. تصرع كل ذكر يتحرش بها جنسيا.. وهم في الحقيقة لا يفعلون ذلك إلا إذا كانوا سكارى.. فجسدها ليس مغريا لأي تحرش.

وتقضي نهارها في مستودعها الخاص بكهرباء السيارات الذي كتبت على مدخله لافتة كبيرة "مستودع خيرة راجل لإصلاح السيارات"، ورغم أن جنسها أنثى على الوثائق الرسمية، إلا أنها ترفض الإقرار بذلك.. وأكثر الناس من نسج الحكايا حولها وحول جنسها بالذات، فقال بعضهم لا علامة لها، وقال آخرون إنها تحمل عضوين أحدهما مؤنث والآخر مذكر، وقال لفيف ثالث هي مذكر من الأسفل مؤنث من الأعلى، وقال أحد أئمة المسجد إن ظهورها من علامات اقتراب الساعة.. وستخرج الدابة قريبا لتطبع الناس بالكفر أو الإيمان.

حاشية 21:

الخبطة هو أخو نصير الجان، امتهن مع أخيه بيع السجائر منذ كان صغيرا، وصار في يفاعته مهربا للسلع على الحدود الجزائرية التونسية والليبية، واستطاع في الأخير أن ينال ثقة الكبار الذين يجتمعون في ملهى الحمراء، فسمحوا له بفتح ملهى صغير في الغابة جنوب المدينة، تقصده الطبقة الوسطى التي تتوق إلى دخول ملهى الحمراء في خطوة تالية، وكثيرا ماعد الخبطة محل ثقة الجميع وواسطة مهمة بين نزلاء ملهى الحمراء وزبائنه من الكبراء، ومن الشباب خاصة، في ترويج المخدرات وتقديم الحسناوات من بنات عين الرماد أو من الوافدات من كل مكان.. كأنما الخبطة كان يمثل المصفاة العازلة لكل تسرب إلى ملهى الحمراء.. وهو الذي كان سببا في وصول مختار الدابة ونصير الجان إلى كرسي القيادة في البلدية.  

حاشية 22:

والخبطة في الخامسة والأربعين، ممتد القامة، ممتلئ الجسم، ثخين الشفتين، لامع العينين، مجعد الشعر، أبيض اللون، يميل إلى الحمرة، معتد بصحته، لايلبس إلا الملابس الخفيفة صيفا وشتاء كأنه يتعمد إظهار الرسومات التي وشمها على ساعديه المكتنـزين كساعدي ملاكم جبار.

حاشية 23:

المسرح البلدي تحفة المدينة، بناه الفرنسيون قبل الثورة، وزرعوا فيه الحياة حين ينقلون إليه حركتهم ليلا، ويضخون شرايينه فنا وإبداعا، ومذ غادر الفرنسيون المدينة تسللت إليه يد اليأس والقنوط، وتغشاه حزن عميق رهيب لف الجدران البيضاء والأبواب البنية والتماثيل التي ثبتت من الخارج رمزا لآلهة الفن والجمال.  

حاشية 24:

وقبل أن تتفتح أكمام العطرة ظلت كوثر ألهة للجمال، ممشوقة القد، خضراء العينين، شقراء الشعر، بلورية الجيد، رمانية الصدر، وظل الجميع يحسدون كل من يتقدم لخطبتها، يتمناها الشباب، ويحلم الكبار بموت زوجاتهم للاقتران بها، وظل قدور الخبزة بلباسه الأنيق يوقف سيارته قريبا من بيتهم منصتا لعبد الحليم حافظ: عيناها سبحان المعبود.. فمها كالعنقود.. ويضيف: خدها زهر وورود.. وظل إمام المسجد يدرِّس عن تعدد الزوجات وعن الطلاق تمهيدا لخطبتها، فلما رفضته راح يلح في قراءة إنا أعطيناك الكوثر في كل صلواته.

 

(15)

وفي جلسة عادية التقى الضابط سعدون مع مساعديه لمواصلة بحث قضية الجثة الهاربة.. قدم الشرطيان آخر مالديهما من معلومات أهمها مشاهدة مراد لعور وعمار صباحا يتجولان في مسرح الجريمة، ومشاهدة فواز يتوقف لدقائق بسيارته الجديدة مكان الجريمة دون أن ينزل منها

وقدم الشرطيان في ملف خاص كل المعلومات عن الشباب الثلاثة:

- عمار كرموسة شاب في السابعة والثلاثين من عمره، قصير القامة، بدين، يملأ الوشم كثيرا من أنحاء جسده.. نشأ يتيم الأب في أسرة معدمة تسكن الأحياء القزديرية.. تسرب من المدرسة في سنواته الأولى.. ماتت أمه التي كانت تمارس البغاء في حادث مرور مع مجموعة من السكارى.. اشتغل في أيامه الأولى نادلا، ثم مساعد بناء، ثم بائع خمرة في حانة، ثم بطالا.. دخل السجن مرتين.. مرة بتهمة الضرب العمدي المبرح والجرح باستعمال السلاح الأبيض ضد رب العمل.. ومرة بتهمة السكر العلني وانتهاك الآداب العامة.

-      مراد لعور في الثلاثين من العمر.. طويل، نحيف، أحول العين اليمنى، نشأ في أسرة ميسورة تميل إلى التدين.. معظم أفرادها يحفظون القرآن الكريم.. أبوه من مجاهدي ثورة التحرير.. قضى سنوات نشيطا ضمن صفوف الجماعات الإسلامية، يحضر نشاطاتها، ويحضر حلقات توجيهاتها وذكرها.. دخل الجامعة ليدرس الآداب.. وقع في شباك حب زميلة له، نافسه عليها أستاذه وظفر بها.. تمرد فضرب أستاذه ليطرد من الجامعة.. تشرد بعد ذلك وتمرد على كل قيم الأسرة والمجتمع.. دخل السجن مرة بتهمة حيازة وتناول المخدرات.

-      فواز بوطويل في الخامسة والثلاثين من عمره.. معتدل القامة، بهي الطلعة، أنيق اللباس.. يعيش في أسرة ميسورة الحال.. تملك مزارع شاسعة.. فشل في الباكالوريا ثلاث مرات.. يقضي معظم وقته في مخالطة أبناء الأثرياء من الجنسين.. يميل إلى معاقرة الملذات وعلى رأسها الخمرة.. مدلل كثيرا من أمه التي تسيطر على الأسرة بشخصية فولاذية.

وراح الضابط يربط بين هؤلاء الثلاثة وصاحب الجثة عزوز السامعي ليتبين له أن بين مراد لعور وعزوز المرنيني وعمار كرموسة صداقة تعود للسنوات الأولى من الدراسة، وبينهم أيضا شيطنة وصعلكة وتمرد ودخول للسجن.. أما فواز فلا علاقة له بهم على الإطلاق.

وخرج الشرطيان، في حين أسبل الضابط سعدون ذراعيه وغاص في أريكته وقد ارتفعت صدريته لتغطي رأسه تقريبا، وامتدت ساقاه حتى تجاوزتا لوح المكتب الأمامي

لم يكن يحس بالنعاس بقدر ما كان يحس بالتعب الشديد، وبدوار قاس يهز رأسه كله.. من فجع هذه الأسرة المنكوبة في بكرها؟ وأين ذهبت الجثة؟

وعادت إلى ذاكرته صور عشرات الجثث السليمة، والجثث المنكل بأصحابها.. جثث بلا عيون.. بلا رؤوس.. بلا مذاكر والتي تعود أن يراها مرماة على قارعة الطريق.. هل يمكن أن يكون عزوز ضحية هذا الإرهاب الذي راح يضرب بجنون البلاد والعباد؟ ولكن أي نوع من الإرهاب وقد فرخ وتعدد في هذه البلاد؟

   

(16)

بدا الأب سالم غاضبا لايكاد يهدأ في مكان واحد، يذرع البيت الفسيح من غرفة لأخرى، يلبس صدريته ثم ينزعها.. يضغط ربطة العنق ثم يرخيها.. يمد أصابعه المرتجفة إلى رقبته يمسدها بعنف، يمرر يمناه على وجهه منحدرا من جبهته إلى حنجرته ضاغطا على عينيه.. تمنى في هذه الساعة لو وجد نفسه فجأة في شعاب وفجاج ليصرخ ملء رئتيه.. تمنى لو فقد صوابه واتزانه، ونزل في كل ماهو أمامه تهشيما وتكسيرا.. تمنى لو كان مجرد فلاح فقير يرعى شويهات، ويأكل كسرة شعير تصنعها أنامل زوجته.. تمنى لو لم يكن أصلا في هذا الوجود.. ما معنى أن تملك المال والعقار والمزارع، ثم أنت لا تملك نفسك؟ ما معنى أن تأكل كل مالذ وطاب، وتلبس أجمل الثياب، وتركب أفخر السيارات، ثم أنت مضطرب الروح والنفس؟

وأحس فجأة بدوار يعصف برأسه.. وبخدر يسري في كامل عضلاته.. وأسند جسده الطويل على المكتبة ودفع بنفسه إلى الأريكة فاستوى عليها، وأرخى رجليه إلى الأمام، ورأسه إلى الخلف حتى ظهرت سنام حنجرته أبرز من ذي قبل

ودخلت فريدة فجأة وقد أكملت زينتها، وخرجت من حجرتها، وهالها المنظر، فأسرعت إليه تسعفه بكأس ماء، عبه سريعا، وعاد إلى وضعيته وهو يقول بصعوبة:

- يافريدة يابنتي، أمك لا محالة قاتلتي 

ولم تشأ فريدة أن ترد عليه لأنها سمعت منه هذا الشريط، ألف مرة ومرة، ولأنها على موعد مع فيصل الطبيب ولا تريد أن تفوت على نفسها هذه الفرصة التي ستخرج فيها معه إلى مكان حالم علها تظفر به فريسة متخبطة في شباك حبها.

وأمسكها بقوة من يديها يمنعها عن الانصراف، لا بد أن يفرغ قلبه من همومه قبل أن ينفجر.

حدثها عن رغبته في قتل والدتها، وعن خيبته معها، وأنه تعيس الحظ لأنه تزوجها.

وانفجر يبكي وينتحب عائدا باللائمة على أبيه لأنه هو الذي زينها له:

- فتاة جميلة وثرية.. أرضها لا تغرب عنها الشمس.. لاتشغل بالك بما يقال عنها.. المرأة يعقلها أولادها

وتعالى بكاؤه وهو يقول فلا يكاد يبين:

- هاهي كبرت.. وهاهي أنجبت.. ولكنها لم تزدد إلا جنونا.. سأقتلها كما قتل أبوها أمها.

وانسابت أصابعها الرقيقة البضة من قبضة أبيها الغليظة، وقد تحولت قوته صراخا فهرعت إلى الباب تغادر البيت كأنها لم تسمع شيئا.

وحين كانت تشق طريقها تحت الأمطار الغزيرة إلى موعدها الجنوني كان الأب يغرق في دموع أحزانه 

ولم يبق لسالم غير صالح المِيقْرِي صديقه المتقاعد بعد غربة طويلة في فرنسا ترك فيها شبابه وترك رجله اليمنى.. عاد صالح من المهجر منذ سنوات.. ليقضي ما تبقى من عمره في تربة الأجداد كما يقول دائما ويردد، ويدفن بين الذين مضوا من أهله وأقاربه..

وهو يعيش مطمئنا هانئا.. كبر الأولاد وتزوجوا إناثا وذكورا، فالبيت شبه خاو إلا منه ومن زوجته التي حرصت على أن تعوضه ما فات من عمره في الغربة، فتحولت فتاة في مقتبل العمر تلبي له كل مايطلب وتسعد به وهو يخرج في أبهى حلة.

وليس لصالح المِيقْرِي مكان يذهب إليه مع إعاقته غير البيت والمسجد والحديقة العامة.. وليس له صديق يجالسه غير سالم الذي جمعت بينهما الصدفة. 

وهما يلتقيان في حديقة الأمير عبد القادر يوميا تقريبا.. يتبادلان أطراف الحديث في ما مضى أو في هموم السياسة والاقتصاد والواقع الاجتماعي، وفي الدين أيضا

وحديقة الأمير التي تتوسط المدينة كانت تحفتها وعروسها، تتربع على مساحة مستطيلة تملؤها أشجار الزان والفلين والزينة من كل نوع.. وتزينها أشكال وأنواع من الأزهار.. وتضحك في جنباتها برك فوارة تقذف بابتساماتها في أوجه الزوار.. وتتنوع فيها الممرات الإسفلتية والحجرية التي تناثرت عليها كراس حديدية مزخرفة هنا وهناك.. ووقفت في كل زاوية منها أعمدة وتماثيل رومانية تذكر الجميع بالحضارات والشعوب التي مرت على المدينة.. وعصفت بها يد الزمن، فلم يمض إلا عقدان أو أكثر بقليل حتى تناهبها جشع البطون الكبيرة، لتتقلص أمتارا أمام رحف الإسمنت المسلح الذي كومه حشحوش وعزيزة من كل جانب.     

واعتاد سالم وصالح أن يجلسا بعيدا عن الأنظار عند مدخل صغير يطل على مقهى شعبي عريق.. وما إن يحس النادل أن الصديقين قد اتخذا مكانهما تحت العريشة حتى يهرع إليهما بلعبة الضامة يردفها بقهوتين خفيفتين.

ودخل سالم الحديقة يقتلع رجليه من الأرض هائما في دهاليز همومه وشعاب مشاكله، حتى جلس حيث اعتاد أن يجلس غير مبال بعشرات الفتيان والفتيات الذين توزعوا مثنى مثنى فوق الكراسي والأرصفة، وعند جذوع الأشجار محاولين الذوبان عن الأعين المتطفلة.

ولم تمض إلا لحظات قليلة حتى لحق به صالح يتكئ على عصاه الحديدية ذات القدم الإسفنجية ليسمح ليمناه بالانتقال مستقيمة كأنها عمود صلب.

وجلس قبالته مستعينا بيديه على الكرسي مادا يمناه في استقامة نحو صاحبه وهو يقول:

- لم يعد لنا مبرر للبقاء.. الحدائق أصبحت مرتعا للشباب الفار من شبح البطالة إلى التسكع والتهور

-      حكامها هم سبب ضياعها...

وسكت صالح فاسحا المجال لسالم حتى يفرغ ثورته على الحكام وحين انتهى إلى قوله:

- ونحن أيضا السبب "كما تكونوا يولى عليكم"

كان صالح قد نظم الأحجار على طاولة اللعب وأذاب السكر في قهوته وقال:

- الناس على دين ملوكهم يا سالم يا أخي، دعنا نلعب لننسى.

وانهمكا في اللعب الذي راق لصالح بالانتصارات التي كان يحققها على صاحبه الذي لم يكف عن الحديث عن زوجته، يلعنها حينا، ويلعن نفسه حينا آخر، ويعود باللائمة في أغلب الأحيان على أبيه دون أن يترحم عليه.

وحين أذن الظهر قاما معا متجهين إلى المسجد، واستغل سالم هذه الدقائق ليفرغ ما في بركانه من غضب:

- ما أفعل يا أخي؟ هل أقتلها؟ هذا هو الحل والله لأقتلنها.. أبي هو السبب زوجنيها طمعا في أرض أبيها، فإذا بها ابتلعت كل ما أملك من أراض.. ولاقيمة لي أمامها كأنني غير موجود البتة أو كأنني مجرد خادم عندها.. ابنها زرعت فيه أخلاق النساء، وابنتها البكر طلقتها عنوة من رقبة زوجها لتتحول إلى متسكعة تلهث خلف سراب الطبيب مغرورة بجمالها.. وأخشى أن تقع الكارثة علينا جميعا.. أكاد أسمع سخرية الناس من حولي، بل أكاد أسمع حتى سخرية الأشجار والحيطان.. ماذا أفعل؟ قل لي ماذا أفعل؟ هل أقتلها؟ هذا هو الحل سأقتلها..

وخفض صوته وراح يتمتم مواصلا ما كان يقول كأنما يسير وحده.

حاشية 25:

كان أول لقاء بين فيصل الطبيب وفريدة يوم زارته في عيادته مع أمها التي كانت حريصة على أن تربطه بها، ومعهما عاش الطبيب فيصل مغامرات حلوة، حيث وجد نفسه فجأة غارقا في لجج المال والحب والمعارف.

حاشية 26:

وتتناقل بعض الألسنة أن صالح المِيقْرِي قد كان عميلا أثناء الثورة، وأن سبب هجرته التي كانت بعد خروج الاستعمار كانت خوفا من الانتقام، ليعود بعدها بسنوات فيتزوج، لكنه ظل يعمل بفرنسا، وكون ثروة طائلة، وهو دائما يعلن نقمته على البلاد والعباد مرددا:"لو بقيت فرنسا هنا لنعمنا جميعا بالعدالة والرفاهية"

 

(17)

حين دق الباب دق قلبها وارتعشت في مكانها صفيصفة فاجأتها العاصفة.. ترددت في مكانها لحظات تشتم بذاكرتها رائحة هذه الدقات الغريبة..

وعادت الدقات تعلن عن نفسها فانتفضت في مكانها.. وضعت الكتاب الذي كانت تطالعه جانبا واندفعت إلى الباب تلف رأسها بخمارها.. تسبقها دقات قلبها وتحليق خيالها وتمتمات شفتيها.. اللهم اجعله خيرا.

وكأنما صعقها تيار كهربائي فتراجعت إلى الخلف بمجرد أن فتحت الباب وقد أبصرت رجل الشرطة يسده بجسده الثخين

وألقى الشرطي التحية:

- السلام عليكم

وردت التحية محاولة تهدئة نفسها وقد لمحت شرطيين ينزلان من السيارة ذات اللونين الأبيض والأزرق 

-      نريد كريم.. هذا منزله أليس كذلك؟

سأل الشرطي فردت بدرة وقد زاد اضطراب نفسها، وأحست بارتعاشة تلفها

- لا أحد في البيت من الرجال

واندفع الضابط يقترب من البيت مظهرا ورقة في يده

-      عندنا أمر بتفتيش المنزل يحسن أن تحضروا معنا

-      ليس في البيت إلا أنا وزوجة كريم وزوجة أبي

وأسرع الشرطي يسأل:

-      كم عمر زوجة الأب؟ يحسن حضوركم جميعا معنا

-      عمرها اثنان وخمسون سنة، ولكنــ...

وسكتت وهي تسمع صوت نوارة من خلفها تدعوهم للدخول، فانسحبت بدرة مشرعة الباب، فاندفع رجال الشرطة خلفها في تردد.. دخلوا حجرة الاستقبال وغرفة كريم، ثم غرفة بدرة والمطبخ، وعَبـرَ الرواق الجانبي دخلوا فناء صغيرا مبلطا تتخذه الأسرة مرآبا للسيارة.. وفُتح الباب المقابل فظهرت من بين شدقيه امرأة تجاوزت الخمسين بقليل، ممتدة القامة، معرقة الوجه، ثم ما فتئت أن أغلقت الباب خلفها، وأسرعت بدرة تشرح الأمر

-      إنها زوج أبي...

واندفع رجال الشرطة يدقون الباب عليها...

مساء حين رجع كريم السامعي إلى البيت وقبل أن يوقف السيارة في الفناء لمح غيضا على الوجوه، وأسرع ينزل دون أن يوقف السيارة جيدا كما تعود، ولحق بزوجته إلى قاعة الاستقبال حيث كانت بدرة تجلس على الأريكة في وجوم غير مبالية بما يعرض على التلفاز.

- ما الذي وقع؟

هكذا سأل كريم زوجته التي لم تجبه، ولكنها أجهشت بالبكاء فاسحة المجال أمام بدرة التي اندفعت غاضبة وقد غلبتها الدموع:

- أوقعونا في حرج أمام الناس، كل الجيران والمارة تكتلوا قريبا من البيت.. وفتشوا كل الغرف حتى مسكن الشيخ الوالد.. لماذا نفتش كأننا مجرمون؟

- الجميع يعرف من نحن، ولا أحد... سأذهب الآن إليهم لأعرف عما يبحثون

وخرج كريم سريعا يكاد يتعثر على وجهه.. تاركا خلفه هما يجثم على صدور الجميع.    

مع خيوط الفجر الأولى وصل خليفة إلى المزرعة التي بينه وبينها عشق كبير يحس فرح التربة، ورقصات البذور، وهي تنتشي بين أنامله وأغاريد الشتلات والبراعم.. وحدها الأرض تعيد إليه ألقه وحبه للحياة، معها يغتسل من أدرانه.. من أحقاده.. من هبوطه.. معها يستوي على عرش الإنسان.. أعطاها مذ كان صغيرا دقات قلبه، ودفقات شرايينه، وقطرات عرقه فأعطته الإنسان.. يردد دائما لا فرق بين الأرض والإنسان هو الأرض الصغرى وهي الإنسان الأكبر.. وحين يسأله الناس.. من علمه هذه الفلسفة؟ يقول ملء فيه: الأرض

وبمثل ما يسعد وهو عليها يتلذذ عبقها، وينتشي كبرياءها.. حين يقلبها رضيعا بين يديه.. وحين يزرع في رحمها الحياة.. وحين يعفر جبهته عليها ساجدا لله

بمثل ما يسعد بذلك يحس بالاختناق وهو يغادرها إلى البيت، حيث عفن المدينة ونفاقها ليبيت فيها حجرا مظلما.

وامتدت يده إلى الأغصان والأفنان يقلب وريقاتها بعناية الأم وتناهى إلى سمعه الذي بدأ يثقل أزيز سيارة قادمة من بعيد فحول بصره دون أن يبعد يده عن الغصن، وماكاد يتأكد من توجهها نحوه حتى اهتم للأمر، وخطا يستقبلها كأنما يستقبل ضيوفا دعاهم لمأدبته.

وماكاد يصافحهم حتى راح يدعوهم إلى دخول العريشة لتناول القهوة التي تعود خليفة أن يأتي بها في الكاظمة كل يوم

- كيف حال الفلاحة ياعمي خليفة؟

-      وتعرفني؟

وما كاد الضابط سعدون يقدم نفسه، ويقدم مرافقيه حتى ظهر، القلق على محياه، ولكنه حاول إخفاءه وهو يسحبهم إلى العريشة، ويسرع بصب القهوة

وبادر بالسؤال:

- وأين وصلت القضية؟

- القضية معقدة وغامضة، والمتهمون عدة، ولا ندري من يرسو عليه الاتهام

- على المجرم الحقيقي إن شاء الله، وأعتقد أن ابني كريم أبعد عن الجريمة بعد السماء عن الأرض، حتى التدخين أقلع عنه.

وأنهى الضابط قهوته فوضع الفنجان على طاولة قديمة بجانب الكاظمة والسكرية وقال:

- يا عمي خليفة كثر الله خيرك، وأرجو أن تسمح لنا بمعاينة المزرعة

واضطرب خليفة وحدثته نفسه أن يصيح فيهم، ويطردهم من مزرعته التي سقاها بعرقه ودمه، وأهرق فيها شطرا من عمره ثم تماسك قائلا:

- لك أن تفعل ما تشاء

وانطلق ثلاثتهم إلى أماكن محددة قريبا من البئر، ثم كوم التبن والقش، وقريبا من بعض الأشجار، يفترقون حينا ويجتمعون حينا آخر، ووحده الشيخ خليفة لم يتحرك قيد أنملة، بل بقي واجما في مكانه معتدل القامة قوي البنية أسمر اللون كلون الأرض وسنابل القمح.. ودموعه تكاد تنزلق من عينيه لايدري لها سببا آخر سوى أن كريم كان الأعز في البيت عند أمه المرحومة.

حاشية 27:

لم يعرف خليفة مهنة غير الفلاحة، ورثها أبا عن جد حتى عندما اغتصبت فرنسا منهم أراضيهم فضل أبوه أن يستصلح البور والسفح ليزرع فيه الحياة، وحصل بعد الاستقلال على قطعة كبيرة مع بعض زملائه لخدمتها ضمن شعار الأرض لمن يخدمها، ومع ذهاب ريح الاشتراكية تنازلت له الدولة عن هذه القطعة التي مازال يبذر في رحمها مابقي من سنوات عمره.

 

(18)

تعالت أصوات الملاعق والشوك تتسابق في التهام الطعام الذي كانت رائحته زكية تملأ المطبخ، وتتسلل عبر النافذة التي كانت مفتوحة قليلا.

ولم يشأ فواز أن يمد يده إلى الطعام أمامه بل بقي واجما يرقب حركة الجميع، ويقلب بصره في الجميع الذين لم يأبهوا به أول الأمر

ورفع الأب رأسه نحوه فانطفأت شهيته إلى الطعام، فمسح فمه، ودفع الصحن من أمامه، ورفعت الأم بصرها في الأب، ثم في ابنها فقالت مباشرة كالآمر:

- فواز كُلْْْْْْْْْْْ

وتظاهر بالأكل يدفع الملعقة إلى فمه في غير رغبة.. وأكملت مضغ ما في فمها جيدا وقالت:

- قد يقتل الذئب كلب الصيد

وكان فواز قد قضى اليوم كله في البيت، ولاحظ ضابط الشرطة ومعاونيه في سيارة زرقاء يعبرون المنطقة مرارا، ويحدقون في البيت، فهاتف أمه يخبرها بالأمر

وأحس الأب بما يدور في ذهني زوجته وابنه فوقف من مكانه وهو يقول:

- اتبع أمك وستدخلك غار الثعبان

وغادر طاولة الطعام تحت وابل من شتائم الأم.. وأنهت فريدة طعامها متأففة ولحقت بها الأم وفواز، فيما بقيت نورة تتناول عشاءها بكثير من الشهية وتنصت لأمها تصرخ في البيت:

- رحم الله أمي كانت تقول "الرجال كاليهود، لا أمان لهم ولا عهود"

ودخلت عزيزة غرفتها في عصبية، وتمددت على سريرها منكفئة على وجهها كطفل صغير يخشى خطرا داهما.

كان الليل حالكا، وكانت الأمطار غزيرة حين عاد يوسف ثملا.. دق الباب بعنف.. فتحت عرجونة ترتجف.. انهال عليها صفعا وشتما وبصاقا.. صرخت مستنجدة.. زاد غضبه.. أمسكها من شعرها وراح يجرها خارج البيت.. مازالت الأم تصرخ بأعلى صوتها ومازالت الأمطار تتهاطل والليل يئن في عباءته السوداء.. ووحدها الطفلة عزيزة ذات الخمسة أعوام تقف باكية عند الباب تدعوها صرخات أمها إلى النجدة ويكبلها خوف أبيها.. يربطها الأب إلى جذع شجرة في حديقة البيت، ويتركها فريسة للأمطار والبرد والليل الحالك، وتتسابق خطواته إلى البيت يحمل عزيزة الصغيرة كما يحمل النسر كتكوتا صغيرا غير مبال بصياحها وانتحابها الذي راح يهدأ رويدا رويدا كأنما تبتلعه من شدة الخوف.

تجهش عزيزة بالبكاء كطفلة صغيرة وهي تضغط يديها وأسنانها دون أن تتحرك من مكانها ودون أن تغير من وضعيتها وتستسلم لنوم مليء بالكوابيس والأحقاد.    

 (19)

رغم أنهم تعودوا على التهام السلم المرمري كل يوم بأقدامهم وهم يزورون أمهم أكثر من مرة في اليوم، إلا أن أقدامهم مازالت تزل عنها خوفا مما سيلاقون.

كانت العطرة في الطليعة مهرة شقراء.. وخلفها كان سمير يحمل في يده كيسا.. وبعيدا عنهما كانت العمة كوثر والوالد وقد أرهقته السنون ودخان السجائر الذي مافتئ يعشش في رئتيه.

حول سريرها وقفوا جميعا واجمين يرقبون نفسا ضعيفا يتردد في صدرها.. وعينين عاشقتين تترددان على الوجوه، تترجمان لغة القلب المرهق المتعب الذي عجز الجهاز عن قياس دقاته الواهية.. وأنابيب شبكة عنكبوت تكاد تغطي الوجه.

كان سمير تمثالا حجريا قديما عبثت به الطبيعة القاسية.. وكان قلب عبدالله يبكي كما تبكي النوارس التي ضيعت أعشاشها.. وعلى ربوتي الخدين الموردين انسابت دموع ساخنة هادئة من ينبوع قلب العطرة المفجوع.

وتحركت الشفتان النحيفتان بصعوبة مرتجفتين مرددتين في غير وضوح:

- أنا.. بخـ.. ير.. الحـ.. مد لله...

وانحنت العطرة كما تنحني أشجار الزينة بفيئها، وجمعت أكمام ثغرها المورد، فطبعت حبا على جبين أمها.. ثم جثت تضم الأصابع المعروقة المصفرة وتدخلها عش الصدر الدافئ حبا.. وتطهرها بغيث الفؤاد.

وانسحب عبد الله المرنيني يجر قدمين ثقيلتين متلفتا نحو السرير وقد أحس أن قلبه قد فارقه ليتخلف عنه، ولحقته كوثر فسمير، وراحت العيون تنسج رداء الوداع الأخير.. وانسلت العطرة من عش الأمومة وخرجت..

عند الباب وصل رئيس البلدية مختار الدابة ونائبه نصير الجان، وعاد عبدالله معهما.. وقفوا لحظات عند السرير ثم انصرفوا..

وهما يهمان بركوب السيارة أكد السيد مختار الدابة لعبد الله الذي بقي واقفا أمام الباب أنه في الخدمة إذا احتاج شيئا تقديرا لسليمة التي قضت عمرها عاملة مخلصة في البلدية.

وحين انطلقت السيارة الفارهة بقي عبد الله متسمرا في مكانه، يعيد شريط مختار الدابة منذ أن كان زميلا لزوجته سليمة في المدرسة، إلى أن صار رئيسا مسؤولا عن سليمة المنظفة، وعن كل سكان عين الرماد.. ثم تحرك متمتما ولكنها عزيزة الجنرال.

وحين عادوا إلى البيت وجدوا كريم وأباه الشيخ خليفة في انتظارهم أمام الباب.. دخل الجميع وبقي الشيخ عبد الله يعرض عليهم شرب قهوة بالبيت واعتذر كريم وهو يقول:

- كثر الله خيركم.. قصدنا المشفى لعيادة الزوجة الكريمة وجدناها مرهقة جدا.. نحن إخوة ومستعدون لتقديم الدعم متى احتجتم

وراح يفتح صندوق السيارة ويسلم قفة كبيرة للشيخ عبد الله ويقول:

-      هذه هدية متواضعة..

ودفعها عبد الله يرفضها بلطف، وسارع خليفة يقسم على عدم ردها، مؤكدا أنها مساعدة بسيطة.. وركبا السيارة وانطلقا.. كان خليفة وكريم يحسان بالراحة الكبرى، وفي بيت عبد الله كان غضب وشك، قالت العطرة:

- هذا الحضور المتكرر، وهذه الهدايا المتعددة مما يثير الريبة.. وجه كريم لا يبعث على الاطمئنان.

وقال كريم لأبيه وهو يدخل المدينة الجديدة، ويوقف السيارة عند الضوء الأحمر

- عجبت لهذه الطبقة المسحوقة كيف لا تثور؟ كيف ترضى بعيشة الزواحف والحشرات والحيوانات الضالة في بلد من أغنى بلدان العالم؟

عطس الأب كرتين وقال:

- لسانك هذا هو الذي جنى عليك.. الأرزاق من الله.. الله وحده يخلق الفقير ويخلق الغني.. والأرزاق كالأعمار.

ضحك كريم في أعماقه على إيمان أبيه وحدث نفسه، هل يمكن أن يكون الله الرحيم هو السبب في موت الملايين جوعا ومرضا وبردا، وهو نفسه السبب في رفاهية الملايين أيضا؟؟ وهم أن يرد على أبيه، أراد أن يقول له، إن الله خلق ما يكفي البشرية جميعا من هواء وماء ونور وغذاء ليترك مسؤولية التقسيم للبشر، ويختبرهم فيها، لكن أنانيتهم هي التي خلقت هذه الطبقية المقيتة.. وكثير منهم يموتون قبل آجالهم.

واشتعل الضوء الأخضر فارتفعت أبواق السيارات من خلفه تستحثه على الانطلاق.

حاشية 28:

"إذا أردت قضاء مآربك فعليك بعزيزة الجنرال.." هكذا يردد الجميع.. وهكذا يعتقدون أيضا.. كلما ضاقت الدنيا بأحدهم هرع إليها، وهي تعرف الجميع، تمد خيوطها السحرية فإذا الحق باطل والباطل حق، وقد سماها الناس الجنرال لقوتها ولعلاقتها بالجنرال صاحب ملهى الحمراء.. والجميع يعرف أيضا أنها وراء وصول مختار الدابة ونصير الجان إلى كرسي البلدية لتسهل على نفسها تحقيق ما تريد، وهي أيضا كانت وراء سجن فاتح اليحياوي الذي حرض الناس ضدها وضد مختار الدابة بعد استيلائها على قطعة أرض وسط المدينة، وعلى جزء من حديقة الأمير، وعلى مدرسة ابتدائية صرح كذبا وزورا أنها مهددة بالسقوط.

حاشية 29:

يميل كريم إلى السمرة.. وفي وجهه تعرق مما يجعل خديه مدببين وعينيه فارغتين مع انجذاب إلى الخلف.. وفوقهما يقترن الحاجبان الكثان.. وفي اللحية تدبب غير محبب.. في نظرته صرامة وقوة مع طيبة قلب وحب للفن والجمال.. كثيرا ما ينكسر بسرعة.. لقد تعلم منذ صباه أن يأخذ الأمور ببساطة فإذا صعبت عليه أهملها ولو كانت فيها خسارة.. 

 

(20)

حين وصل استدعاء الشرطة إلى بيت مراد لعور تزوبعت الجدران من حوله.. وامتدت الألسنة سياطا تجلده من كل حدَب وصوب.. وحين فر بجلده غضبت الأم فلم تأكل غداءها.. وتثعبن الأب فانتقى هراوة وجلس أمام الباب على صخرة رومانية أخرجت أثناء حفر أساس البيت ينتظر ابنه الذي أقسم بالطلاق أن يهشم رأسه.  

ولم يجد مراد لعور مهربا إلا أن يلجأ إلى صاحبه عمار كرموسة الذي وجده في انتظاره كأنما هما على موعد.. وقبل أن ينطق مراد لعور فاجأه عمار كرموسة باستدعاء الشرطة له واستقرا أخيرا على الذهاب.

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد الزوال بدقائق حين وصل عمار كرموسة ومراد لعور أمام مركز الشرطة، ووقفا على بعد أمتار يترددان في الدخول، يعرض كل منهما الأمر على صاحبه يستشيره فيه، واندفعا معا كأنما اقتنعا أن لا مناص من الدخول قال مراد:

-      اثنان لا مهرب منهما.. الله والدولة.. والدولة أخطر من الله.

رد عمار:

-      أخشى أن ندخل فلا نخرج

حين دخلا مكتب الضابط سعدون فوجئا أيضا بسمير المرنيني عنده يجلس واجما لا يحرك ساكنا، ولا ينبس ببنت شفة، وجلسا قبالته، قال مراد لعور في نفسه:

-      لقد اشتكانا.. هو السبب في مجيئنا إلى هنا

وقال عمار كرموسة في نفسه:

-      الظاهر أننا متهمون جميعا

ولم يسكت الضابط طويلا، فما إن أكمل تقليب الأوراق التي كانت أمامه حتى رمى بالقلم في ضجر وقال:

- كل واحد من أفراد الشعب يحمل هما واحدا، ونحن نحمل هم الجميع، عليها اللعنة مهنة

وسكت يضع رأسه بين يديه، ويمد نظره بين أصابعه يتأمل وجوه الثلاثة بكثير من الإشفاق، وكان الثلاثة أجسادا باردة مصنوعة من الحديد يبدو عليها الحزن والأسى، وتحت الجفون غضب وتمرد.. بدا عمار كرموسة أكثر سمرة حتى اختفى الوشم الذي رسمه على صدغه.. وبدا جلد وجهه متهرئا، تهدلٌ في الخدين والجفنين، وتجعد في الجبهة كأنما حرثت بمأساة العمر.. وكان مراد لعور طويلا نحيفا لم تستطع النظارة الرخيصة أن تخفي العور في عينه اليمنى.. وكانت ساعته منفلتة من ذراعه النحيف تكاد تفر منه، لولا أصابعه المعروقة التي وقفت حارسا أمينا.. وكان سمير منضبطا في جلسته يضم يديه وذراعيه كأنما يخشى فرارهما.

ماذا تخبئ هذه الملامح؟ ومن أين أبدأ في قراءتها؟ وإلى أين أنتهي؟ وهي كتاب ضخم جمع كل مآسي أبناء هذا الشعب.. هل يصدق أن يكونوا مجرمين وليسوا ضحايا؟ إلى متى يسلب هؤلاء ولا يمنحون؟ 

ردد الضابط ذلك في نفسه، وقال موجها الكلام إليهم محاولا أن لا يكون وقعه قاسيا على نفوسهم المنهكة:

- وصلتنا معلومات دقيقة تفيد أنكم الذين قتلتم عزوز المرنيني.

وانفجر سمير يبكي كالطفل الصغير رافضا هذا الاتهام في غير إبانة

- هل يقتل الإنسان أخاه وقد حمل معه في بطن واحدة ورضع معه ثديا واحدا..؟ تمنيت لو كنت القتيل مكانه..

وغلبته الدموع فلم يستطع أن يواصل الكلام، كان يجهش حتى يكاد يختنق

وأشار الضابط للشرطي فأخرجه من المكتب.

وما كاد حتى اندفع عمار كرموسة كأنما تحول خطيبا مفوها

- يا سيدي الضابط لسنا قتلة.. وعزوز من أحب الناس إلينا.. نشأنا وكبرنا معا.. وكبرنا في بيتهم.. أمه أمنا.. وأبوه أبونا.. وأسرته أسرتنا.. واقتسمنا المر والحلو إن كنا ذقنا حلوا.. حالة عزوز وحالة أسرته تُبكي حتى قلب الشيطان، ولا يــ... 

وقاطعه الضابط:

-ولكنكم أصحاب سوابق خطيرة، وارتكبتم جرائم، أنت أدرى بها، فما معنى أن لا تقتلوا عزوز؟

ولم يمهل عمار كرموسة صديقه مراد لعور كي يقول شيئا، بل استمر في المرافعة بنفس الحماسة

-      أنت تعرف ياحضرة الضابط واقعنا المزري.. كل الأبواب غلقت في أوجهنا.. اليتم.. الفقر.. البطالة.. فتصعلكنا وتشردنا.. مرة لنكسب لقمة العيش.. ومرة لننسى.. ومرة لننتقم.. أنا.. تجاوزت الأربعين.. لابيت.. لامال.. لاعمل.. لا زوجة.. لا أولاد.. أليست حياة كلاب؟

-      أنتم سبب كل ذلك

هكذا رد الضابط من دون قناعة منه ليرتفع صوت مراد لعور مبحوحا:

- حاولنا طلب الرزق الحلال لكن غيلان المال التهمتنا.. إن وجدت لنا عملا فنحن مستعدون منذ الآن

كل الذي تفوهوا به صدق لا شك فيه.. إن الإنسان لا يولد مجرما.. المجتمع.. الوحوش التي تستولي فيه على كل شيء هي التي تخلق ذلك، وتشجعه عن قصد أو دون قصد، ردد الضابط سعدون ذلك في قراراة نفسه وهو يقلب صفحات الوجوه

وساد الصمت لحظات كان الضابط خلالها يعيد إلى ذاكرته ماجمع عن هؤلاء الثلاثة من معلومات.. مخدرات.. سرقات.. سجون.. حياة تشرد نبتت في تربة الفقر واليتم وأُرضعت بلبان الحرمان والتشرد.. ماعلاقة هؤلاء الثلاثة بمقتل عزوز؟

أسئلة حيرى طرحها الضابط على نفسه زادت من حيرته وقلقه، ثم نهض من مكانه وهو يقول:

- رأيناكما في الأيام الماضية تبحثان عن شيء ما في مكان مقتل عزوز..

وسكت الضابط يقلب صفحات الوجهين.. ويقرأ بين سطور العينين.. دق القلبان المفجوعان، تجمدت كل حركة فيهما، خرست ألسنتهما

ودق جرس الهاتف فالتفت الضابط ليرفع السماعة.. التفتت الملامح إلى بعضها البعض، ولاحظ كل منهما في الآخر الدعوة إلى الصمت والإنكار.

التفت الضابط إليهما وهو يضع السماعة.. تفرس فيهما لحظات وقال:

-      يمكنكم أن تنصرفوا، وغدا أرجو أن أراكم هنا صباحا.

وانصرف يغادر المكتب فانصرفا خلفه ليكتشفا أن سمير قد غادر المركز منذ مدة.

تنفس عمار كرموسة بعمق كأنما يريد أن يبتلع هواء الدنيا كله.. ونزع مراد لعور نظارته، وحك عينيه مركزا على العين العوراء.. أخرج دخينة وأشعلها وهو يقول:

-      الأمر خطير ياعمار

- ماذا تقصد؟

- نحن متهمون بالقتل واخشى أن يكون كيس المخدرات عند الضابط

- داهية عظمى، لابد أن نخبر الزربوط، هو وحده قادر على طي الملف مع معارفه

وواصلا السير جنبا إلى جنب وفي نفسيهما بركان من الغضب يمور حتى يكاد ينفجر.. كلما حلما بالربح الكبير والعاجل لتحقيق حلم البيت والأولاد والزواج تحداهما الواقع بقسوة..

زحف الليل سريعا على المدينة يتلوى كأخطبوط رهيب، تسعرت شبقيته إلى الرماد والغبار، وإلى الجدران الكئيبة في المدينة.. ظلت فتيحة الطارتا تبحث عن جدار رحيم.. عن رصيف دافئ.. عن حضن من التراب تأوي إلى صدره.. وبات الخبطة كثور إسباني هائج.. وفي ملهى الحمراء قضى الجنرال الليل كله يستجدي شرفات اللعلوعة.    

حاشية 30:

مذ كان سعدون طالبا على مقاعد الدراسة كان يحلم بدولة الحق والعدالة، دولة المساواة بين الأمير والرعية، بين الفقير والغني، بين القوي والضعيف، كان يقرأ عن أبي ذر وعمر وأبي بكر وابن عبد العزيز، ويهتز للمثالية العالية، ويحلم بها مجسدة في الواقع، وقرأ لإفلاطون والفارابي ولمونتسيكيو وماركس وماو وتشيقيفارا ولنكولن.. ولذلك اختار الشرطة ليملك الوسيلة لإقامة العدل..

حاشية 31:

عانى سعدون من ظلم المجتمع، ومن التفاوت الطبقي وهو صغير، كم افتقد لحذاء يقي أصابعه الصغيرة برودة الأمطار، ولحساء دافئ يلوك به الخبز الجاف.. وكم افتقد كراسا أو كتابا.. وكم تحمل في سبيل ذلك...

حاشية 32:

وعزوز المرنيني هو بكر أبويه، لم يذق طعما للسعادة مذ تنسم الحياة.. لقد ولد قبل الأوان.. وعاش طفولته يعاني من نقص التغذية، ودخل المدرسة سنواته الأولى، ثم غادرها ناقما إلى غير رجعة، ليتشرد مع عمار كرموسة، ولتستغل براءتهما في العمل، ثم في بيع الدخائن، ثم في الترويج للمخدرات.

وكان عزوز المرنيني يشبه أباه نحافة وطولا ويأسا نائما دائما على تضاريس الوجه.. وسجائر يمتصها حد التقديس والعبادة.. ثم بدأت حياته تتحسن مذ عرف الزربوط وتقرب منه فصار واسطته في توزيع المخدرات والترويج لها.    

حاشية 33:

كان الليل بهيما.. يغط في ربعه الأخير.. وكان الجميع قد اندسوا داخل قوقعاتهم كحلازين بليدة.. وحده الخبطة كان يذرع الأزقة وقد اشتد سعاره، يتمرغ على الأرض كبهيمة أصابها الجرب.. يصيح في مسمع البيوت الصماء كالفحل الذي ضيع أنثاه.. يضرب رأسه ويديه بالجدران التي بدأت ترتعش بردا.. اجتاز الساحة الكبيرة وولج الحديقة العامة.. تناثرت أمامه قطط تكومت في مدخل البوابة، تغلغل في أحشائها يملأ منخريه هواء ككلب صيد يتحسس فريسته.. على ضوء القمر لملم جسد أطرافه تحت شجرة عرشت على الأرض.. اقترب منه وقد التمعت عيناه.. اتسعت حدقتاه ومنخراه.. قام الجسد من مكانه واستوى قبالته.. تقهقر خائفا ثم انسحب بين الأشجار.. لحق به وقد اشتد سعاره.. وثب عليه أسدا ينقض على فريسته.. صاحت فتيحة الطارتا مرعوبة، حاصرها بنبال الرعب ومخالب الترهيب.. بسطها أرضا تقيأ فيها حماقته.. انبطح على ظهره كبهيمة وغاص في نوم عميق.

بعد أشهر لاحظ الناس انتفاخ بطن فتيحة الطارتا غير المألوف قال علي الخضار:

- سبحان الله مجنونة! تحبل مجنونة زانية

علق دعاس الحمامصي:

- فتيحة الطارتا قطة كبيرة، تعرف كيف تقتل ولا تعرف كيف تحبل؟

وبعد أشهر رأى الناس صباحا فتيحة الطارتا مضطجعة كالميتة في بركة دم وبالقرب منها وليد صغير يسبح في غيبوبة

حمل المهتمون الأم والطفل إلى المشفى، حين علم عمار كرموسة بالخبر قال لمراد لعور:

- حتى المجنونات لم يسلمن من مخالب الكلاب، وماذنب الصغير؟

ضحك مراد لعور وقال:

-للأسف انتهى عهد الجيوش الانكشارية         

وراح يشرح لصاحبه قصة الجيش الانكشاري الذي بدأ مع الأتراك.

 

 (21)

وتهادت السيارة بين الحفر الفارغة والممتلئة غير آبهة بجموع القاطنين المتجمعين هنا وهناك، يلعبون الضامة أو الدومنو، أو يشغلون أنفسهم بالرائح والغادي، وهدأ صياح علي الخضار المتجول وهو يهمس في أذن دعاس لحمامصي:

- هذه سيارة مختار الدابة. 

- أمير المؤمنين يتفقد شؤون الرعية

وانفجرا ضاحكين والسيارة تعبرهما مغلقة النوافذ.. راح علي الخضار يتابعها بعينيه فيما استغل الزبون الموقف وراح ينتقي حبات البطاطا البيضاء.. قال علي الخضار

- إنه يقصد بيت عبد الله

-      والناس يعرفون أنه يقصد العطرة.. مسؤول فاسق وسراق

واشرأبت الأعناق جميعا تتابع السيارة وهي تقصد بيت عبد الله وتتوقف عندها.. وامتدت أعناق النساء والفتيات عبر النوافذ والأبواب تستغرب حضور مختار الدابة شخصيا إلى هذا الحي الموبوء وقصده بيت عبد الله بالضبط.

وارتفع بوق السيارة فانفتح الباب وأطل منه رأس كوثر، وعاد فتراجع سريعا ليفسح الطريق أمام عبد الله

قال نصير الجان وقد شاهد فتنة كوثر

-      عجب تسكن تلك الدرة هذه الأكواخ؟

-      ومن يتزوج من هذا الحي وكل نسائه عاهرات.. إلا إذا كان كبيرا يقصد اللذة لا الذرية

 ووصل عبد الله إلى باب السيارة، وكان قد عاد سريعا إلى البيت ليلبس صدريته.. ترجل مختار الدابة مسلما، ثم عاد للركوب طالبا من عبد الله أن يركب.. وأبى ملحا على دخول البيت، ولم يفوت مختار الدابة الفرصة فترجل وأغلق الأبواب، واندفع داخلا وراء عبد الله يلحقه نائبه.

حين استويا على المقاعد البلاستيكية كان عبد الله قد عجل يطلب القهوة

داس مختار الدابة عقب السيجارة على الأرض الإسمنتية رفع ربطة عنقه ليضعها في حزام سرواله.. حرك مفاتيح سيارته في سبابته وقال:

-      خمسون سنة عن الاستقلال، بعضنا لم ينعم بخيراته

-      الأرزاق بيد الله، وهؤلاء تعودوا على الكسل والخمول

ودخل عبد الله المرنيني بصينية القهوة مجددا الترحيب.. وضع الصينية أمامهم وراح يصب القهوة

-      ياأخي عبد الله نحن ندرك حالتكم المزرية وخصوصا بعد فقدكم عزوز، ومرض سليمة الشديد نرجو لها الشفاء العاجل.. سنجد لك ولسمير عملا، والبنت يمكنها أن تعمل مكان أمها.

واندفع عبد الله يرد دون أن يحول بصره عن الفناجين يذيب فيها السكر

-      كيف يمكن أن تعمل ابنتي منظفة وهي متخرجة من الثانوية؟

-      ياعمي عبد الله حاشا لله، بنتك ستعمل موظفة معززة مكرمة

وقاطعه نصير الجان مواصلا كلامه وهو يتذوق القهوة

- وفي البلدية منصب واحد إن ضيعته ابنتك الآلاف يلهثون وراءه، وأنتم أحق به من كل الجوانب

وشربا القهوة وخرجا على عجل في حين بقي عبد الله في بيته تتقاذفه الأمواج العاتية.. هل يقبل بعرض مختار الدابة وهو يكاد يجزم بغرضه الخبيث؟ أم هل يضيع فرصة العمر في توظيف ابنته؟ وزاد فصب قهوة أخرى وراح يرتشفها على مهل وهو يتخيل موقف أبناء الحي من زيارة مختار الدابة إليه.

كان اليوم بردا قارسا رغم صفاء السماء.. تدثر الناس بكل ما ادخروه من ألبسة شتوية.. واحتموا جميعا بمقهى الحي قريبا منها كان يقف علي الخضار أمام سلعته الفقيرة، وعند بابها وقف دعاس لحمامصي أمام طاولته الممتلئة فولا وحمصا وقطع خبز.. وفي الداخل يتراكم الناس كهولا وشبابا بعضهم يلعب الدومنو وآخرون يتبادلون لغطا.. وعلى الجميع سحب دخان تصطدم بالسقف وتعود نازلة.

جنبا إلى جنب وصل عمار كرموسة ومراد لعور.. وقفا عند الباب.. طلب عمار كرموسة قطعة خبز بالحمص الدافئ المملح، وانزويا على طاولة صغيرة وكرسيين حديدين.. راح مراد لعور يعيد الكلام على مسامع صديقه، مؤكدا له أن لدى الشرطة ما يدل على الإثبات.. ويقلق عمار كرموسة فيرد عليه وهو يمضغ لقمة الخبز بأن الأمر لا يعدو أن يكون تخمينات يحاول الضابط سعدون أن يهز بها نفوسنا.

وأقبل سمير المرنيني.. دخل المقهى واندفع مباشرة حيث جلسا فهو مكانهما المفضل.. ولم يجد سمير كرسيا فارغا فدفع مراد لعور وجلس بجواره وهو يقول:

-      نحن معا وزن الريشة.. عمار كرموسة يزن أكثر منا مجتمعين

نفض عمار كرموسة يديه من بقايا الخبز، وراح يبتلع آخر ما تبقى في فمه وهو يقول:

-      أنا قلبي أبيض.. والله ينظر إلى القلوب.

وراح سمير يقدم مبررا لعدم ظهوره منذ الصباح:

-      قضيت كل الصباح في المشفى.. حالة الوالدة لم تتحسن.. ورئيس البلدية أجل ملفي وملف الوالد وقبل ملف العطرة

-      شغل كل البنات مادامت الأجرة لا تتعدى أجرة خماس زمن الإقطاع

علق مراد لعور وهو يشعل آخر سيجارة في العلبة، ويضغط عليها بقبضته، ثم يرميها تحت الطاولة، وانتظر رد سمير الذي قال:

-      لو تصرف قبيحا مع العطرة لأقتلنه شر قتلة

قال عمار كرموسة كأنما يمتحن رجولته

- هو يأكله الدود وأنت يأكل شبابك السجن   

وأقبل سحنون النادل بصينيته القديمة، وراح يمسح الطاولة بمنشفة أذهبت الأوساخ بياضها وفمه، يفتر عن ابتسامة تظهر تسوس أسنانه وتهرؤها.. ثم رفع رأسه، ووقف مستقيما كالجندي يحمل الصينية على أطراف أصابعه، ويعبث بيده الأخرى في جيبه المثقل بقطع النقود ويقول:

-      كالعادة ثلاثة كؤوس من القهوة..

ودون أن يتلقى جوابا اندفع يخوض في الحديث عن مقابلة الغد، وقد صارت حديث العام والخاص، وقد ملأت صور الفريق كل مكان، وكل محل، وكبرت صور عياش لَبْلوطه، وعلقت حتى على السيارات.. وفي البيوت.. وخشي سحنون من غضب صاحب المقهى فتلصص في وجهه بنظرة جانبية، وأسرع إلى المحسب يشق سحائب الدخان وضجيج الزبائن.

حاشية 34:

تناقلت الصحف أنه رفض المشاركة في المقابلة حتى يمنحه الوالي قطعة أرض وسط المدينة وحتى يمنحه مسير الفريق مئة مليون، وانقسم الناس بين مؤيد لما يقدمه من جهد جبار في تحقيق الانتصار العظيم للمدينة، وبين رافض، ففي الفريق من يقدر على انتزاع النصر.

 

(22)

لزم فاتح اليحياوي غرفته لا يبرحها بعد أن دخل صوما مستمرا دام أياما اكتفى فيه بشرب عصير البرتقال، كان يعيد قراءة الفكر العربي منذ نشوئه ومدى تأثره بالفكر الآخر.. كان يعيد قراءة واقع الإنسان العربي وموقف المثقفين منه، ومحاولتهم إصلاح الواقع.. لاشيء تغير يافاتح، هو ذا الحجاج يشهر سيف الطاغية في كل شبر من هذه الأرض.. هو ذا أبو ذر منفيا إلى الصحراء، هو ذا عبد الله مصلوبا على جدار الكعبة، هو ذا الحسين مضرجا بالدماء في كل فج.. هي ذي السجون تضج بآلاف العقول الرافضة.. هي ذي الأمة تساق إلى مسالخ التتار كالسائمة.. لا شيء تغير. 

لاشيء تغير، غير أن النهار كان مختلفا، زحفت الأمواج البشرية تعبر الشارع الذي استسلم كلية لضربات الأرجل المتسارعة.. أطل فاتح اليحياوي من النافذة واضعا عينيه على شاطئها الحاد، وراح يتأمل النهر الهادر من البشر والسيارات والأعلام واللافتات وصور عياش البلوطة.. ثم مافتئ الشارع أن سكن.. بعد منتصف النهار أغلقت كل المحلات التجارية أبوابها وخفت الحركة في كل الشوارع.. وظل صوت المؤذن يتيما.. وأبواب الجامع تفغر فاها لا تدب عليها إلا أقدام ضعيفة.

الصوت الوحيد الذي ظل ينبعث من النوافذ هو صوت المعلق على المقابلة التي كانت تجري بين فريق عين الرماد وفريق مصري.. كانت المقاهي ممتلئة حد التقيؤ، حتى أن الناس ظلوا لأكثر من ساعتين وقوفا متراصين لم يؤثر فيهم تعب ولا دخان السجائر.. وحتى أن بعض أصحاب المقاهي استغلوا فرصة المقابلة فأخذوا عن الزبائن مقابلا ماديا، وفرضوا عليهم جميعا أن يتناولوا المشروبات لديهم: قال فاتح اليحياوي وهو يسحب رأسه داخل غرفته كسلحفاة يائسة: عليها اللعنة غمة، لو بعث فيهم الأنبياء لقتلوهم.. لو كان أبو حيان حيا يرزق لأحرق كل كتبه.. لو كان المتنبي في هذا الزمن لردد:

أنا في أمة تداركها الله *** غريب كصالح في ثمود

وفي المساء قرأ: أن يحيى النبي بن زكريا قتله ملك وقدم رأسه لعاهرة تقربا منها.. هل يمكن أن يقتل مختار الدابة النبي لو طلبت منه لعلوعه ذلك؟ ولم لا والتاريخ يعيد نفسه؟

وفجأة عادت أمواج البشر تبقر بطن الصمت من جديد فاندلقت أمعاؤه تملأ المكان البائس.. واندلعت الزغاريد والأهازيج وأبواق السيارات تعلن فرحتها العارمة دون أن يسكت المعلق، كأنما يعلن بفرحته العارمة عن استرجاع القدس أو الحمراء، ودون أن يفتح فاتح اليحياوي مصارع النافذة قال: الحمد لله لقد لحقنا بركب المتحضرين كالبرازيل والأرجنتين.

وسهرت مدينة عين الرماد إلى الصباح فرحا بالنصر المؤزر على الفريق المصري، وبات المختصون على شاشة التلفزة يحللون كل صغيرة وكبيرة في المقابلة، وباتت الأهازيج والأغاني تبث دون توقف

وفي مساء الغد أقيمت الاحتفالات فخطب الوالي والوزير، وقرئت رسالة الرئيس الحاملة فرحته وتهانيه ورقصت لعلوعه على إيقاع الفنانين، وبصبص مختار الدابة للجميع مستغلا الفرصة ليؤكد جدارته في قيادة المدينة مرة أخرى، وأغدق الحاج حشحوش وعزيزة الجنرال وكل الأثرياء من أموالهم الكثير دعما للشباب، وإسهاما في تفجير طاقاته وإبداعاته الخلاقة.. كرم عياش لَبْلوطه بقطعة أرض هامشية وسط المدينة، وبنصف مليار جزاء وفاقا، قال فاتح اليحياوي صمتا وهو يتأمل جدران غرفته المتآكلة، ويسمع أنين مكتبته تحت ثقل الكتب وكأنما تناهى إليه من الشارع:... عدو الوطن....  

عند الصباح كان فاتح اليحياوي يخرج إلى خلوته بجبل المدينة.. كانت الشمس شاحبة.. والشوارع مزينة بلون الغبار.. والناس في كل مكان من المدينة كالخنافس يلتصقون بالجدران وبالأرض.. في عيونهم زيف.. وعلى ملامحهم انكسارات رهيبة.. في كل مكان فغرت الدكاكين والمقاهي أفواهها.. وعلى قارعة الطرق تكومت سلع صينية ويابانية وتركية من أعواد تنقية الأسنان، ومناديل الورق، حتى الدراجات والدراجات النارية، مرق كالسهم بين الجميع، وراح ينحدر إلى الوادي الجاف الذي يقسم المدينة قسمين، ثم يرتفع مرة ثانية في اتجاه مستقيم مايفتأ بعده أن تلوح له قمم أشجار عجائز على أوراقها حزن طافح، تقف صامتة تفتح عيونها شاهدة على رماد نبع فغمر الماء، فكانت مدينة عين الرماد.. كانت الأشجار الأولى ملتوية منكسرة فقدت كثيرا من ألقها وانسجامها، متباعدة فقدت كثيرا من دفء المحبة فيما بينها، في أجسادها تنغرز نصلات هنا وهناك، وتظهر ضربات فؤوس وسواطير.. بعدها تبدأ الغابة في الاكتظاظ، يملأ فاتح اليحياوي رئتيه هواء، ماذا لو لم تترك لنا فرنسا هذه الغابة؟ هل نقيم مثلها؟ تناهى إلى سمعه نعيق السكارى، لم يبال به، وراح يرتقى صخرة كبيرة حيث يستوي غار كبير.. طار سرب الحمام خادشا محيا الصمت الرهيب، ثم مافتئ أن عاد إلى مكانه آمنا مطمئنا، لقد ألف فاتح اليحياوي منذ زمن طويل..

استوى فاتح اليحياوي على الصخرة في مكان مستو.. ثنى ساعديه.. جذب إلى رئتيه نفسا عميقا وثانيا وثالثا، كأنما خرج لتوه من مغارة ملوثة، وراح يتأمل رؤوس الأشجار الخضراء وقد استوت منحدرة تغطي السفح الآخر كله متصلة بالسهول الفارغة العذراء.. وفوقها تنتصب قبة السماء زرقاء صافية، تقف الشمس في نهايتها آيلة للانتحار.. هذا مكانك الطبيعي يافاتح.. يجب أن تفر من تلك الكتل البشرية المريضة، ومن مدنهم الموبوءة، ومن شعائرهم وطقوسهم الزائفة، لست أنت الأول ولن تكون الأخير، لقد فر أبو العلاء إلى عماه وإلى غرفته الضيقة، وفر حي بن يقظان، وفر محمد بن عبد الله، كل الفلاسفة والمفكرين والأنبياء، وكل أولي العقول كانوا يفرون من الزيف والكذب والخداع إلى صفاء الطبيعة ورونقها وصدقها، مايهمك أنت إن صلحوا أو فسدوا لا سبيل إلى إصلاحهم وتقويمهم فليعبدوا أصنامهم، وليعيشوا كالبهائم يؤدون الوظيفة البهيمية ثم فلينقرضوا.. لقد قلت كلمتك في آذانهم ولم يسمعوا "الساكت عن الحق شيطان أخرس، وأنتم جميعا ساكتون، فعليكم اللعنة أيتها الشياطين الخرساء" وتملص فاتح اليحياوي من هواجسه وراح يذوب في الكون يخترق أسراره متمثلا تأملات حي بن يقظان.. وقد بدأت تحلق حوله بسمات البراءة وأكمام الزهور ورفرفات العصافير.  

          

 (23)

البيت صامت كقبو مهجور.. نباح الكلب يتسلل من باب الحديقة إلى داخل البيت فيتردد صداه قويا.. يدخل سالم من الخارج.. يغلق الباب ويقف لحظات ينصت وحين لا يحس بأي شيء يندفع إلى ردهة البيت وهو يصيح:

-      آه ياسالم قفر بيتك وخلا.. صار فندقا للنوم فحسب.

وخرجت عزيزة من غرفتها متثائبة منفوشة الشعر وآثار التعب بادية على وجهها

-      ما الذي حل بك لتصيح كغراب النحس هكذا؟

واعتدل سالم في مكانه وخفض صوته وهو يقول:

-      لم أنتبه إليك، لكني التقيت فريدة خارجة للعمل.

وسكت لحظات سار خلالها خطوات مضطربة، ووقف عند باب غرفته وواصل كلامه:

-      لباسها لم يكن محترما وألسنة الناس طويلة، خصوصا وهي... ثم مامعنى العمل في... هل بنتنا في حاجة إلى دريهمات تعطى لها.. الحمد لله نحن أثرياء.

وأطلت عزيزة برأسها من الحمام ثائرة تحمل في يديها المنشفة ووجهها يتقاطر ماء

- نحن في عصر الديمقراطية، وعملها ليس إلا ترفيها عن النفس، وأنت لادخل لك.

وأطل فواز من غرفته بمنامته البيضاء وقد أيقظه من نومه ضجيجهما المرتفع، واتجه مباشرة إلى الحمام، وأرادت عزيزة أن تواصل كلامها وهي تمسح وجهها وأطرافها لكن جرس الباب دق في تلك اللحظة، وأراد الأب أن ينزل لفتحه هروبا من المواجهة مع زوجته لكن ابنه سبق ينزل الدرجات بخفة الشباب وهو يصفر.

ودخلت عزيزة إلى غرفتها فيما بقي سالم مكانه كأنما ينتظر ما يعود به فواز الذي دخل مضطربا وهو يتأمل ورقة مبسوطة أمامه، وسأل الأب بحيرة:

-      من الطارق؟

ومد فواز يده بالورقة لأبيه وهو يقول:

-      الشرطة.

وراح الأب يلتهم الكلمات المحبرة على الاستدعاء.. ثم رفع رأسه يتأمل حوله ثم راح يكيل التهم لعزيزة:

- أمك هي السبب.. قلت لها ألف مرة هذه حادثة عادية.. ابننا كان في حالة سكر.. صدم متهورا على الطريق.. نقر بالأمر للشرطة ونوكل محاميا بارعا وتخرج منها كالشعرة من العجين، ولكن..

وقاطعه فواز في غير ثقة

-      أنا عندي دليل تبرئتي.. المصحة تشهد أنني بت فيها تلك الليلة.

-      اعتمد على تخريفات أمك وستدفع الثمن غاليا.

وارتفع صوت عزيزة تدعو ابنها للالتحاق بها، فأسرع فواز إلى غرفتها في حين بقي سالم واجما في مكانه يتمتم كلمات غير مفهومة..

بدأ الحديث بين عزيزة وابنها خافتا، ثم بدأ يرتفع رويدا رويدا.. وتناهي صراخ فواز إلى سمع أبيه فخرج من قاعة الاستقبال بعد أن دخلها وجلس فوق كرسيها دون أن يشعل الضوء، ودون أن يفتح النافذة متلذذا بجو الظلام الذي كان يسود المكان.

وارتفع صوت فواز وهو يكشف لأمه خوفه الشديد من المشكلة، وراح يغادر الغرفة والأم خلفه تصيح فيه:

-      أنا امرأة ولكني من حديد.. لو كنت رجلا لاستعمرت العالم، ولوضعت كل الرجال تحت قدمي

ولم يدر سالم كيف بدرت منه:

-      وماذا أبقيتِ؟ نحن جميعا تحت رجليك

وتغيرت ملامح عزيزة وقد اشتد غضبها حتى صارت كأنها اللبؤة الجريحة التي ديس عرينها، وراحت تكيل أطنانا من الشتائم والسباب مهددة بقتل سالم الذي أحس بالخوف، فراح يرسل من عينيه توسلات للشفقة والصفح.. ولاذ فواز بفيء الصمت الرهيب الذي هتكته أمه وهي تمسك به من رقبته وتجلسه بجانبها على أريكة في الردهة قائلة:

-      يجب أن أقطع من قلبك عرق أبيك.. أنت جبان مثله.. إما أن تكون مثلي أو أقتلكم جميعا.. غدا يجب أن تذهب إلى الشرطة كأنك لا تعرف شيئا تماما، ولن يزيدوا على مساءلتك عن مكان تواجدك في تلك الليلة

وهم فواز أن ينطق ليطلب أخذ الدليل الطبي معه، لكن أمه واصلت حديثها، وقد ارتفع صوتها أكثر، وتورمت عروق رقبتها، وتفصد جبينها عرقا باردا، وانتشر في حنجرتها حريق كاد يمنعها من الصراخ:

-      يجب أن تتظاهر بعدم تذكرك لتطلب مهلة للتفكير، وفي المرة القادمة ستأخذ معك الدليل حتى لا تتهم بإعداد الأمر مسبقا.

ونهض فواز متباطئا متثاقلا مُطأطأَ الرأس مترددا، يكاد يستدير إلى أمه ليصرخ في وجهها بالرفض.. ورفعت الأم رأسها إلى الجدار فوق الأريكة فلمحت إطارا كبيرا به صورتها عروسة تزف إلى سالم ورفعت رأسها فرأت زوجها يتكئ على الباب المغلق، وعادت سريعا ببصرها إلى الإطار، ومدت يديها كالعاصفة فاقتلعته ورمت به الأرض، فتطايرت شظاياه تملأ المكان جميعا.

انكمش سالم على نفسه وقد ارتجف قلبه رعبا، وعاد إلى مكانه لاعنا حظه التعيس الذى رمى به على هذه المتمردة، أو رماها عليه..

واندفعت عزيزة إلى غرفتها منفوشة الشعر، محمرة الوجه، فضربت الباب خلفها حتى ارتجت جنبات البيت كله، وخرج الكلب من مكمنه نابحا معلنا عن استيائه..

ارتمت عزيزة على سريرها الذي لم ترتبه بعد.. غرست وجهها المنكفئ في الغطاء.. كان سيل من الدموع مندفعا من أعماقها، لكنها كانت تقيم أمامه سدا منيعا من التحدي... و...

هو المساء حزين.. والسماء مكفهرة التضاريس.. دخل الأب البيت، وعلى ملامحه لوحات للتعب.. جلس على الكرسي.. دق على الطاولة بيديه، وهو يصطنع ابتسامة لابنته الصغيرة التي ارتفع عويلها ففرت منه إلى أحضان أمها.. صرخ يطلب قهوة.. اعتذرت الأم لعدم توفر البن.. نزع الأب حذاءه، ورمى به الأم فأصابها في أنفها.. هطل الدم مدرارا.. هال عزيزة الصغيرة منظر الدم، وهالها صراخ أمها تستغيث، فدخلت حجر أمها كأرنب صغير طاردته النسور، وباتت في عش أمها التي باتت جالسة في المطبخ تئن وتبكي بكاء خافتا.    

خرج سالم من البيت وهدير الصدمة يتغشاه.. خرج كأنما يخرج ظله لاغير.. خرج ينكأ جروجا ما اندملت منذ اقترن بعزيزة.. وكخشبة مبللة رماها الموج تهالك على الكرسي الحجري بحديقة الأمير.. لالون في الكون ولا طعم.. مد رجليه إلى أقصاهما يعتصر ألما شديدا في ركبتيه.. مد رقبته إلى الخلف.. مطط ذراعيه، ثم عاد فضغط بهما رأسه الذي اشتعل شيبا، أغمض عينيه واسترخى تماما، وقد وصل سمعه وقع أقدام صالح المِيقْرِي الذي حيا وجلس، وقد أدرك أن سالم بوطويل يمر بدوامة عنيفة، مد رأسه من السياج.. طلب من النادل قهوتين نظر في صاحبه مليا.. هم أن ينطق، ثم أحجم إلى الصمت.. سمع صوتا يرتفع من بعيد: خيرا خيرا، فاتخذه مركبا لبلوغ ضفة صاحبه:

-      قال الفأل خيرا خيرا.. تفاءلوا خيرا تجدوه.. احك يا سالم لتتخلص من كابوسك.

واعتدل سالم في جلسته، وقد شبك أصابعه ضاغطا عليها يفركها حتى ترتفع قرقعاتها:

-      أي خير أصبت حين يكون قلب البيت شرا

- لا مناص لك إلا أن تصبر.. المرأة حين تنجب تصير حبلا يعقل الزوج، فارض بقدرك.

عن أي قدر يتكلم صالح؟ ولماذا اختاره القدر هو بالذات؟ وهل هو قدر فعلا أم ضعف ومذلة منه؟ وماذا لو تشجع فجز رأس هذه الأفعى التي لم ترقب فيه إلاًّ ولا ذمة.. هل يصفه الناس بالمجرم أم بالرجولة؟ وهل سيحاسب في الآخرة قاتلا أم حرا انتصر لكرامته؟

وقطع صالح دخان سبحاته وهو يذيب السكر في قهوته:

-      دع الأمر لله، فليس أجمل من الصبر

ولم يلمس سالم قهوته ليكشف لصاحبه عن جرح غائر في صدره:

-      وحتى الشرطة بعثت باستدعاء لفواز

وخشي أن يسأله صالح عن السبب والجرم فأضاف:

-      ولا ندري ما وراءه، أنت تعرف تربية النساء وسوق النساء

ونهض من مكانه يبرحه دون أن يستأذن، ودون أن يلمس فنجان قهوته، تاركا صالح في مكانه وقد جمد ذراعه الذي مده إلى فمه ليرشف قهوته، وراح يتابعه بنظره، وقد تفطر قلبه إشفاقا وحسرة.

 

(24)

كان الصباح باكرا.. نسمات برد تعبث بالوجوه الحزينة، وتحاول التسلل إلى أجساد العمال الذين بدأوا يدبون إلى أعمالهم، يحملون أو يتأبطون طعام غدائهم الذي لا يعدو في كثير من الأحيان خبزا جافا أو خبزا وجبنا وربما بطاطا.. صوت محرك شاحنة النظافة يقلق نوم الصمت مصرا على إيقاظه.. وخلفها يهرول العمال يحملون الأكياس البلاستيكية، والدلاء الحديدية المتراكمة أمام الأبواب، ويرمونها داخل الشاحنة كلاعبي كرة السلة.

وصل سمير والعطرة إلى بوابة المشفى، وشقاها في عجل دون استئذان.. لحق بهما عبد الله وهو يقول في غير ثقة:

-      ستكون بخير إن شاء الله.

ولم يرقهما هذا الكلام، فلم يعلقا عليه، بل التزما الصمت تاركين لوقع أقدامهم المهرولة مهمة الرد:

عند باب الجناح قالت العطرة كأنما تطمئن نفسها:

-      لقد طمأننا الطبيب البارحة

 وسكتت فجأة كأنما تنتظر جوابا ثم واصلت مستغيثة:

-      يارب.

ودخلا غرفتها وتسمرا عند الباب، وهما يجدان السرير فارغا، وآلة قياس دقات القلب باردة، وقد تدلت منها ومن حولها الأنابيب والأسلاك.. حين تراجعا كان الأب قد لحق بهما.. وارتفع عويل العطرة، وظهر على الوجوه اضطراب وخوف شديد، وأطلت ممرضة بدينة من قاعة العيادة تطرد النوم من جفنيها، وهي تصيح فيهم.

-      ماهذه الفوضى؟ شيئا من الاحترام والأدب.

واندفع الثلاثة يسألون عن سليمة المرنيني.. ليأتيهم الجواب من ممرضة أخرى ظهرت لتوها من إحدى غرف المرضى

-      اهدأوا اضطربت حالتها ليلا فنقلناها إلى قاعة العناية المركزة.

وأغمي على العطرة فتهاوت أرضا، واندفع سمير وأبوه للاطلاع عليها، لكن ممرضا قصيرا بدينا اعترضهم وهو يقول:

- وحده الأب يمكن أن يراها.

واندفع عبد الله في اضطراب شديد يمسك بكتف الممرض وهو يسأل:

-      ماالذي وقع يا ولدي؟ أخبرنا الحقيقة لا إله إلا الله محمد رسول الله.

-      صدقت... سليمة المرنيني... إنا لله وإنا إليه راجعون.

وجحظت عينا سمير.. واصفر وجهه.. وارتعشت شفتاه.. وتلعثم كلامه وقال:

-      لكن الطبيب طمأننا البارحة وحالتها..

وقاطعته الممرضة النحيفة التي انتهت من إسعاف العطرة:

-      الآجال بيد الله وحده.. والطبيب لا يدفع الموت حتى عن نفسه.

وفي الصباح أشرقت الشمس صفراء عليلة تئن تحت وطأة ركام أسود من السحاب.. صمت دامع يسربل البيوت والجدران.. أنين متقطع في الأبواب القديمة.. بضع كراسٍ مختلفة ألوانها وأشكالها اصطفت في الزقاق الضيق.. عشرات من الناس بعضهم يستوي على الكراسي، وجلهم يُقعي أو يقف مستندا الجدران.. مراد لعور يرش الأرض بيده من دلو حديدي يقمع ثورة الغبار.. سمير يملأ الفناجين قهوة، ويوزعها على الحاضرين.. عبد الله يقبع على كرسي خشبي أسود يمص دخينته في لامبالاة.. بجواره جلس دعاس لحمامصي ببذلته السوداء القديمة المنكمشة، يضع رجلا فوق رجل، ويتخذ كفه اليمنى وسادة لخده.. علي الخضار يقعي قريبا منهما على الأرض يفتح فخذيه المنتصبين، ويسند خديه على كفيه الممتلئين، ويمد نظره في لامبالاة إلى باب البيت الذي عجزت كلة عن ستره لتكشف عن نسوة يتحركن منشغلات.. فاتح اليحياوي يقف مستندا إلى الجدار الترابي القديم يثني ذراعيه، ويلوي ساقا على أخرى، ويغيب عن كل ماحوله كأنما هو مجرد تمثال بائس.

سعل عبد الله مرات متتالية، وقد لمح عمار كرموسة يلج فم الزقاق ببذلته الصينية الزرقاء التي تعود أن يلبسها، وقد بدا أكثر بدانة مما ألفه.. حيى الجميع، فلم يتلق إلا تمتمات من الشفاه الحزينة.. أمسك سمير من ذراعه النحيفة، ومشى به خطوات حتى انفردا.

- اشترينا الكفن وغسلناها في المشفى، واتفقنا مع سيارة إسعاف على نقلها في الوقت المحدد

دمعت عينا سمير بغزارة رغم الإجهاد والحمرة اللذين بدوا عليه.. موت والدته بهذه السرعة وبهذه الطريقة هد كل دعائم حياته.. سليمة التي قضت عمرها كله أما وأبا تشقى وحدها.. وتتألم سرا وحدها.. وتدمع عيناها في الخفاء وحدها.. هي التي كانت تمسح دموع الجميع وتبلسم جراحهم، وتمرر يديها الحانيتين على القلوب التي أنهكها هم الزمان.

مارآها اشترت يوما ثوبا جديدا، ولا تقلدت زينة، ولا شبعت أصلا، ومااشترت دواءها كاملا كما وصفه الطبيب، وكانت تشرق ملامحها سعادة حين ترى الابتسامة على وجوه أفراد أسرتها.

وضمه عمار كرموسة إلى صدره، وهو يقول وقد سبقته الدموع:

- سليمة أمي أنا أيضا، وأنتم أسرتي، لا أريدك أن تحزن، لأن أمنا المرحومة لا تحبنا أن نحزن أيضا

وسكت يكفكف دمعا حزينا منكسرا.. سكت يخنق جهشات راحت تتحدى صبره وعزيمته وقال:

- لماذا نبكي ياسمير؟ نحن لم نفرح يوما.. ولم تضحك لنا الدنيا يوما.. الحزن والدموع والآلام والانكسارات رفيقة الدرب وإلى الأبد؟       

وأخرج رزمة نقود دسها في يد سمير وهو يقول:

- هذا مليون مساهمة مني، أقسم إن رددته علي أن لا أكلمك مدى الحياة

وانسحب يغسل خديه بعبراته...ويغسل فناجين القهوة المستعملة وقد ارتفع صوت المقرئ: اقتربت الساعة وانشق القمر....

تساءل فاتح اليحياوي في سره عن أي ساعة يتكلم..؟ لماذا تحزن هذه الأمة بهذا الشكل لموت واحد منها وهي جميعا ميتة؟ متى تقيم مناحة على كل أفرادها؟ على واقعها المزري المريض؟ ومن أي عقاب يخافون؟ وهم يعيشون الهوان في الدنيا.. كالطباخ الصائم يتعذب جوعا وأمامه مالذ، وطاب.. وكيف يحلم هؤلاء بجنة الآخرة وقد فشلوا في إقامة جنة الدنيا؟   

وبدأ الناس يتوافدون نساء ورجالا راجلين وراكبين، وبدأت أصوات السيارات تبقر بطن الصمت الرهيب.

بعيدا توقفت سيارة مختار الدابة، ودون أن ينزل، ولا أن يفتح الزجاج راح يتأمل ما أحاط به من بنايات قديمة متهرئة.. أزهق روح المحرك.. كسر مفصل الأريكة إلى الخلف قبل أن يكسر مفصل الصمت، وتمدد قائلا لنائبه نصير الجان:

-      هذه الدور تتكبر عليها حتى الكلاب.. بنتها فرنسا لكل من كانت تخشى شغبهم، وأحاطتها بالسياج الشائك المكهرب، وكان الدخول إليها أو الخروج منها لا يكون إلا بإذن.. وذهبت فرنسا وبقيت هذه الدور ينخر الزمان عظامها حتى أضحت عجوزا فانية تكاد تلفظ أنفاسها...

- وكيف لم تحصل المرحومة على مسكن، وهي عاملة بالبلدية؟

مص مختار الدابة سجارته التي أشعلها للتو، وأخرج نفسه من منخريه حتى كاد الدخان يحجب الرؤية.. تقزز نائبه نصير الجان في أعماقه، وتنحنح معبرا عن استيائه، واسترق النظر في ملامح مختار الدابة الذي كان يضع عود الثقاب بين شفتيه يعبث به يمينا وشمالا وقال:

- سليمة المرنيني لا تحسن إلا أن تعمل.. بعض الناس خلقوا وقودا يشتعل، وظهورا تمتطى.. كأنما يحملون الوطن على ظهورهم.. وواقعنا يقول: كن ذئبا وإلا أكلتك الذئاب، وسليمة المرنيني لا تعدو أن تكون حملا وديعا.. ومهما يكن كل شيء بقضاء الله وقدره، والله هو الذي يقسم الأرزاق بين عباده.. لو اجتمعنا كلنا من أجل أن نمنحها مسكنا ما استطعنا لأن الله لم يأذن.

تمنى نصير الجان في أعماقه أن يسكت مختار الدابة عن خطبته الطويلة ليقول له: وهل سيأذن الله هذه المرة؟ لكن مختار الدابة لم يسكت إلا لحظات ليواصل:

- هذه المرة سنمنحهم سكنا وسنوظف ابنتها العطرة مكانها، هي أحق به وأجدر

وقاطعه نائبه وقد فتح شفتيه الغليظتين مبتسما، ومد إبهامه يعيد طاقم أسنانه العلوي إلى مكانه:

-      يشاع أنها أجمل فتاة في المدينة.

وانبسطت أسارير مختار الدابة فأعاد الكرسي إلى وضعيته الحقيقية، وداس سجارته في مرمدة السيارة بأصابعه وهو يقول:

- العطرة المرنيني لم تلدها امرأة في الأرض، وهي أجمل فتاة في الوجود.. وعلى سنة الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - سأتزوجها

وسكت يمسك المقود بيديه محدقا في الفراغ، محلقا في أحلامه الوردية، ولم ينبس نصير الجان ببنت شفة، وراح يتابع نظرات رئيسه وهو يفكر في العمة كوثر المرنيني.

ومن بعيد أقبلت سيارة الإسعاف بيضاء كالكفن تحمل جثمان المرحومة.. نزل مختار الدابة ونائبه.. من السيارة وهرعا إلى حيث تجمهر الرجال الذين بدأوا يقفون احتراما لوصول الجثة، وهرع سمير وصاحباه وبعض الرجال من الأقارب فأنزلوا النعش ودخلوا بالجثة إلى البيت بصعوبة لضيق المدخل، وتعالى العويل يهز جنبات الزقاق، ويهد سد الصمت الذي خيم منذ الصباح.. علامات حزن وقلق كانت تظهر على كل الوجوه، وعلى خدي عبد الله انسابت دموع جارحة، وهو يغرز وجهه في الجدار عند الباب وأمام عينيه سريعا راحت تومض الذكريات الحلوة والمرة محاولا الإمساك بها دون جدوى.. ما أقصر أعمارنا نحن التعساء.

وخرج الرجال بالجثة في عجلة يحملونها على الأكتاف متدافعين متزاحمين.. وتدافعت النسوة من خلفهم كالعاصفة ووقف عمار كرموسة ومراد يسدان الباب عليهن ويحاولان رد العطرة وقد غدت مهرة جامحة متمردة تناثر شعرها واحمر وجهها وعلا ندابها مبحوحا يفجع الحي بأسره ويدك بسنابكه القلوب الخاشعة والجدران والأزقة المتربة والسقوف الباهتة وفي الفضاء القريب حلق سرب حمام يستحم بنور الشمس الذي بدأ يبزغ باستحياء ثم يحط على أسقف القرميد والإسمنت.. وعلى أسلاك الكهرباء مضطربا حزينا متعالي الهديل.

وحين تنفس الصبح من الغد عميقا حزينا كانت الأسرة قد عادت لتوها من المقبرة.. كان الأب يلتف بالصمت الرهيب يفرغ شحنة حزنه في سجائره التي لم يتوقف عن مصها، كما لم تتوقف عينا العطرة عن إرسال الدموع.. لقد قعدت هذا الصباح طويلا أمام القبر تشم ترابه، وتتمسح به، وترسل أنات حزينة تقطع جلاميد الصخر، تشكو لأمها مرارة الفراق، ووحشة الحياة التي ستواجهها دون مرشد ولا قلب حان.. وظل سمير رجل الدار يكتم حزنا دفينا بدت آثاره على قسماته، لكنه ظل رجلا يسير الأمور ويوجهها.

حتى عندما زارهم هذا الصباح كريم السامعي برفقة أبيه، واستقبلهما سمير عند الباب، أسرع بإدخالهما إلى البيت، وقد بدا الارتباك عليه.. ليس كون كريم متهما بقتل عزوز، ولكن البيت الذي يقطنونه ليس في المستوى.

ودار الحديث مقتضبا بينهما وبين عبد الله الذي لم يكف عن مص سجائره، وعن إظهار حزنه الشديد على فراق زوجه بعد فراق ولده، ووجد كريم الفرصة ليعيد حكاية عثوره على الجثة في تلك الليلة الماطرة وختم كلامه بقوله:

- أتعبتنا الشرطة ياعمي عبد الله، وصار من اللازم علينا الذهاب إلى المركز بين يوم وآخر للخضوع إلى تحقيق روتيني لا معنى له.. ومهما يكن فإننا نسأل الله أن يكشف القاتل.

وعلق سمير وهو يقدم فنجاني القهوة لهما وفي عينيه شك وريبة:

- ياقاتل الروح أين تروح؟

 وأسرع كريم يجرع القهوة ويندفع واقفا وقد وصله نصل الجملة والنظرة.. ووقف أبوه بعده فودعا وخرجا

وماكادا حتى اندفعت العطرة وسط البيت كاللبؤة الجريحة وقد اشتدت حمرة خديها

- هو القاتل لا جدال.. الموت يصول على كل وجهه.. وفي عينيه بريق المجرمين

ولم يزد الأب سوى أن تمتم في قرارة نفسه:

-      سبحان الذي خلق النساء

ولم يشأ كريم ولا أبوه التعليق على الحي وأزقته الضيقة، ولا على البيت الضيق الشبيه بالكهف وقد اسودت جدرانه وسقفه من شدة الرطوبة، وكادت تنطبق على بعضها البعض، وأسرعت السيارة تلهث مبتعدة، وقد فسح الصمت الرهيب المجال لصوت المحرك المبحوح.

وتهادت السيارة، ثم توقفت على جانب الطريق، وأشار كريم بذراعه إلى مكان قريب:

-      هنا بالضبط وجدت جثة عزوز

ودون أن يعلق الأب استمر كريم:

- لست أعجب من قتل عزوز، ولكن أعجب من اختفاء الجثة، كأنما هربت، وكأننا في فيلم أمريكي

-      لو لم يسلك درب المخدرات، ما وقع له الذي وقع

وأراد كريم أن يقول له:"يا أبت كاد الفقر أن يكون كفرا" ولكنه سكت فاسحا المجال مرة أخرى لصوت المحرك يدمدم كصوت رعد عقيم.. وراح يعيد إلى ذاكرته كلام فاتح اليحياوي: هل صدقا هؤلاء الرعاع ليسوا في مستوى أن يعيش الإنسان معهم؟ هل صدقا ليس بينهم وبين الحيوانات فرق إلا شكل أجسادهم؟ وأين يريد فاتح اليحياوي أن يحيا؟ في المريخ.. في المشتري.. في جنة آدم؟ كل البشر سيان.. نسخة واحدة.. ليس فقط سكان مدينة عين الرماد.. أما المدينة المثالية فلا وجود لها إلا في أذهان الفلاسفة والأدباء.   

حاشية 35:

نصير الجان من أكثر الأسماء شهرة في مدينة عين الرماد.. في الخامسة والأربعين من عمره.. نحيف الجسم ممتد القامة قليلا أملس الشعر.. سريع الحركة، يهرول متماوجا كأنما يكاد يسقط.. في عينيه حول خفيف أصابه في يفاعته حين عصفت به حمى شديدة.. ألصق به أقرانه هذا اللقب ليس لحوله ولالسرعة حركته فقط، بل لمكائده ومقالبه التي كان ينصبها لهم.. غادر الدراسة مبكرا واشتغل في تهريب الممنوعات باطنا، لكنه لا يشتغل في الظاهر إلا ببيع السجائر في طاولة يقيمها في الشارع الكبير.. بدأت حياته تتغير مذ دخل ملهى الحمراء، ومذ ربط علاقات مشبوهة مع مختار الدابة، وصارا متلازمين لا يفترقان إلا لماما.

حاشية 36:

نصير الجان هو أحد الذين شهدوا لحساب عزيزة الجنرال ضد فاتح اليحياوي حين ثار ضدها، واتهمها بنشر الفساد والمخدرات، والاستيلاء على ممتلكات الشعب بطريقة غير شرعية.

 

 

 

السِفْرُ الثَّانِي

 

(1)   

واستمرا صامتين لايحس الواحد بوجود الآخر حتى دخلا المزرعة، وغطتهما أشجار السرو الواقفة في صفين طويلين كجنود يشاركون في استعراض.. ثم مافتئت السيارة تخرج إلى جدائل الشمس فتنعكس على صفحتها متلألئة.. وبدا السهل ضاحكا دهاقا بشتى أنواع الخضر، وتعانقت على جسده الطري سنابل جذلى بالحياة تفتح ذراعيها تستحم برذاذ الماء المتطاير من آلات الرش.. وطفح البِشر على محيا عزيزة الجنرال فأمهلت السيارة حتى كادت تتوقف، ودون أن تحول عينيها عن المزرعة قالت:

-      الخير عميم.. سنزوج فواز هذا العام.. سنقيم له حفلا تتسامع به الدنيا.

وماكادت أسارير سالم تنبسط حتى عادت للعبوس كأنما لدغته أفعى

-      فواز رِجل في السجن وأخرى في الشارع...

وضغطت عزيزة على الدواسة فانطلقت السيارة محدثة زوبعة من الأتربة.. واندفعت تطلق من فمها حمما ترجم زوجها:

-      لا تنبس شفتاك إلا بالنحس.. تبا لك

وانعجن سالم وذاب في أريكته.. وتوقفت السيارة عند بيت بني وسط المزرعة، وقف أمامه شاب أشقر غليظ طويل معروق الوجه كث الشعر.. وإلى جانبه وقفت زوجته صورية.. فتاة سمراء ممتلئة الجسم متألقة العينين كالحة الشعر

قال سليمان مرحبا بعزيزة:

-      زارتنا البركة، ما أسعدنا وقد صرنا نراك كل يومين أو ثلاثة!

وتلملمت عزيزة في أريكتها وقد أحست أن كلمة زارتنا البركة جعلتها في عمر العجائز، ولكنها تغاضت عن ذلك ونزلت وهي تقول:

-      كيف هو المحصول هذا العام؟

ولم تنتظر جوابا، فواصلت وهي تبتعد قليلا مع سليمان:

- أنت عليك خدمة الأرض وأنا علي الاهتمام بكما.. مفاجأتي لكما لاتتوقع.

 ولم يتحرك سالم من مكانه، ولم ينبس بكلمة واحدة، كان ذهنه يقلب جملة سليمان "وقد صرنا نراك كل يومين أو ثلاثة" وكانت عيناه تتسلقان أهداب صورية وحاجبيها كهلالين كالحين يعرشان في صفحة مرمرية.

مشى الثلاثة أمتارا، ثم انفصلت عنهما عزيزة، وراحت تشق بساط البطاطا، وقد هاجت أوراقه، وبدأت تصفر وتتهالك.. ولم يغير سليمان بصره عنها، ولم يهتم بسالم الذي مازال يركز بصره على صورية وقد ملأت فستانها المورد اللامع ويحلم بذهبية بنت الطاهر.. بسمرة الأرض المعطاء تلتصق به.. تضمخ عواطفه بالحب.

سارت عزيزة عشرات الأمتار فقطعت مشاتل لخضراوات مختلفة.. وعبرت بيوتا بلاستيكية بيضاء لامعة كبيوت الأسكيمو.. ووقفت لحظات تنظر جهة الغرب، ثم عادت أدراجها سريعا

ودون أن يحول سليمان بصره عنها قال لزوجته التي تحولت إلى شماله، ومدت يدها تجس بأناملها أسفل ظهره:

-      ياصورية.. عزيزة هذه وراءها سر كبير، ولابد أن أكشفه.

وأسرعت صورية تسحب أصابعها وتقول في انفعال:

- أعوذ بالله.. ومتى كنت تتدخل في شؤون الآخرين؟ أم ترغب في أن تلدغك عزيزة؟

ودار سليمان عائدا حيث كان وسارت صورية خلفه كظله، واتسعت حدقتا سالم وفغر فاه، ودق قلبه وهو يتمتم:     

-      صدق من سماك سليمان إنك لملك حقا.

حمل سليمان رفشا كان مرميا على الأرض فوضعه على ظهره كالجندي يستعرض سلاحه.. واستدارت صورية خلفها فرأت عزيزة وقد اقتربت منهما كثيرا كأنما رجعت عَدْوًا، ولحقت بزوجها، وراحت تلتصق به كأنما أحست بالخوف عليه.

نزل سالم من السيارة وانضم إلى سليمان وزوجته، ولحقت بهم عزيزة وقد بدا عليها شيء من الإعياء حاولت إخفاءه بمحاولة السيطرة على أنفاسها.

-      بارك الله فيكما، أوفر محصول رأيته في حياتي.

وأشرق وجه سليمان وهو يقول:

-      هذا من فضل الله.

واستغلت عزيزة هذه الجملة لتعرض مشروعها الذي جاءت من أجله

-      ولنشكر الله على نعمه قررت أن نقوم بمشروع خيري

وسكتت ترنو بعيدا وتنتظر ردود الفعل الأولى.. ولم يطل سكوت صورية حتى راحت تلهج بفضل عزيزة وخيرها:

-      ليس غريبا عليك فعل الخير

واندهش سالم وقد ثارت في نفسه عشرات الأسئلة.. عن أي مشروع تتحدث المجنونة.. وقطعت حيرته وهي تقول:

- كونت جمعية خيرية هدفها إعادة ترميم مقبرة النصارى والحفاظ على حرمة المقابر.. سألت الإمام فأخبرني أن الإسلام يدعونا إلى احترام الموتى وحماية قبورهم مهما كانت دياناتهم، وأخبرني أن هذا الفعل أعظم من الحج ذاته وهو صدقة جارية.

 ولم يعلق أحد على الفكرة لأنها مادارت في ذهن أحدهم، وأحست هي بحيرتهم فسألت:

-      ما رأيك يا صورية؟

وعجت صورية ترد في اضطراب:

- فكرة عظيمة.. المقبرة تحولت فعلا إلى وكر للشذوذ والانحراف والفساد، وشوهت القبور تشويها ما كان يخطر ببال أحد حتى كادت تزول

ولم تنتظر عزيزة ردا آخر فأسرعت إلى سيارتها، ولحق بها زوجها وانطلقا يعودان إلى البيت

وخرج سليمان من كهف صمته والغبار يحجب السيارة وقد ابتعدت:

-      إن وراء عزيزة ما وراءها.

وإن لم ترد صورية على زوجها فإنها راحت تقلب الأمر في ذهنها محاولة إقناع نفسها بوجود هدف ما وراء الاهتمام بالمقبرة، ووصلت أخيرا إلى أن الأمر لا يعدو أن يكون قطعا لأطماع بعض الفلاحين في ضم المقبرة إلى مزارعهم.

حاشية 37:

ورث سليمان عن أبيه خدمة الأرض، وهو بدوره ورث ذلك عن آبائه وأجداده، كما ورث عنهم قوة البنية وطول القامة وحمرة البشرة وحب الأرض حتى لو كان عطاؤها لغيرهم.. ويمتاز سليمان عنهم أنه على قدر من العلم، وعلى قدر من الفطانة أيضا جعلته يحتال لكسب قوته، فهو لا ينتظر ما تجود به عزيزة، بل يأخذ من الحقل كلما سنحت له الفرصة فيبيع ويدخر، ويحلم بامتلاك أرض يسقيها بعرق جبينه فتشرق خيرا عميما..

وسليمان ليس وحيدا في خدمة الأرض، بل معه العشرات بين دائمين وموسميين، لكنه هو المقيم وحده، وهو المشرف على الجميع، والنائب عن عزيزة في كثير من شؤون المزرعة، ورغم ذلك فهو يكرهها ويمقتها، ويتمنى لها كل الشر. 

حاشية 38:

يشتغل سليمان في مزرعة سالم، وهي عدة هكتارات ورثها عن أبيه الذي دفعه إلى الزواج من عزيزة دفعا، تقع المزرعة جنوب مدينة عين الرماد على بعد عشرين ميلا أو أقل، يفصلها عن المدينة الغابة الكثيفة، ثم امتداد من الأرض البيضاء الجيرية.. وماورثته عزيزة أكثر بضعفين، وهو أجود وأكثر خصوبة وأبعد من مزرعة سالم، وقد عملت عزيزة على تسجيل المزرعتين باسمها ليتبخر حلم الأب في قبره.. وليقضي سالم ما تبقى من حياته حسرة وأسى.

 

(2)   

قضى مختار الدابة دقائق معدودة يتنقل بين جوانح مكتبه في خفة الطير ينضد كل شيء فيه، ويعدِّل من باقات الورد التي اشتراها حديثا، ويرش الجو بزجاجة عطر اشتراها خصيصا للمناسبة، ثم استوى على أريكته.. ضمخ ثيابه  وشعره عطرا باريسيا وعدل من هندامه.. وراح يدق بجرس هاتفه النقال.

عجل نصير الجان يدلف المكتب وقد وصلته الرسالة عبر جرس هاتفه، ولم يتمالك نفسه ففغر فاه وذراعيه ومنخريه، وراح يتأمل المكتب ويستنشق الرائحة الزكية.

-      كأنك في انتظار ملك.

-      وماذا يساوي ملك أمامها؟

رن جرس الهاتف فاندفعت يده بحركة لا إرادية تقطع السلك.. وهدأ فراح يتأرجح في أريكته الدوارة يسند رأسه إلى الخلف وينفث دخانه على مهل مشكلا دوائر ورسوما يتابعها بعينيه حالما.. واضطرب نصير الجان دون أن يدري ماذا يفعل، وسأل مترددا وقد اشتد ظهور حوَله:   

-      هل أدخلها أم نبدأ بمشاكل المواطنين؟

واعتدل مختار الدابة في جلسته وقد بدا القلق على محياه، وراح يدوس سجارته في المرمدة.

-      دائما تفسد علي أحلى لحظات عمري أيها الغبي.. وهي وأنا ألسنا من المواطنين؟ ومتى وأين تطرح قضايانا؟

وخرج نصير الجان كالسهم ليعود بعد هنيهة يفتح الباب المبطن بالجلد، ويمد ذراعه الطويل في جوفه وقد تعرقت صلعته:

-      تفضلي.. تفضلي

وهرع مختار الدابة يعود إلى جلسته الأولى مزهوا.. وتهادى البدر يرفل في هالته فاجتاز عتبة الباب وشق السجاد الأحمر واستوى بين يديه.. وسرى الخدر في أعصاب مختار الدابة فخيل إليه أنه هارون الرشيد محاطا بجواريه.

وانطلق نصير الجان مثرثرا، ولطاقم أسنانه طرطقة مزعجة يحدثها كلما أسرع في الحديث:

- أهلا وسهلا البلدية بيتك.. السيد الرئيس لا هم له إلا ذكرك.. تفضلي تفضلي.

وفطن مختار الدابة إلى نفسه فقام من أريكته التي اندفعت إلى الخلف حتى صدمت المكتبة المزينة خلفه.. ومد يده يصافحها ويتعمد الضغط على أصابعها.. وأحس بالإلهام يغمره كالشلال، وتشكلت في ذهنه على الفور قصيدة غزلية هم أن يبوح بها.. ثم تماسك خشية الخطإ وكتمها حرقة في قلبه يؤجلها إلى موعد آخر.

وجلست العطرة على الأريكة الخضراء فبدت كعروس البحر التي يحكى عنها في الأساطير، وجلس مختار الدابة قريبا منها.. وفي عينيه دهشة.. وفي لسانه تلعثم.. وفي ذهنه: "ليس من رأى كمن سمع".

وتحرك نصير الجان يهم بالخروج وهو يقول:

-      سأحضر لكما قهوتين.

واضطرب مختار الدابة في جلسته، وقام من مكانه ومد يده مشيرا إلى الثلاجة التي انزوت في المكتب الواسع

-      العطرة لاتشرب قهوة سوداء.. تشرب عصير السماء

واختلفت رجلا نصير الجان فكاد ينكفئ على وجهه متجها إلى الثلاجة التى فتحها على مهل كأنما يفتح كنزا تحرسه الجن.. ومد يديه فحمل إناء الزجاج بكل أصابعه فوضعه على الطاولة الصغيرة بينهما، وألحق كأسين طويلتين مزخرفتين فملأهما عصيرا عطرا أحمر مشكلا من فواكه مختلفة كأنما هبطت من السماء.. وقام يتلمظ بعينيه وشفتيه وخرج.

حمل مختار الدابة الكأس الأولى فقدمها بأصابع مرتعشة للعطرة، واحتضنت أصابعه الكأس الثانية فرشف منها رشفة بلل بها جفاف الشفتين وصدأ الحلق.. وعبت العطرة جرعة كبيرة وصل صداها إلى سمعه، وتوهمها تنزل في حلقها عبر رقبتها ونحرها.

وأحس مختار الدابة أن الصمت قد طال أكثر مما يجب فهشم صلافته بقوله:

- سنوزع المساكن هذه الأيام وسنمنحكم مسكنا يليق بكم وسأمنح أخاك عملا

وصمت ينتظر ردا.. ولم تفعل شيئا سوى أن وضعت كأسها ومدت يديها تعصم شعرها الذي حاول الانفلات من أسنان المشبك المنحس.. واعتدل مختار الدابة في جلسته وهو يقول:

- لا شيء يغلو عليك، وإذا احتجت للقمر فليس بمنأى عن قبضتي

وضعت العطرة كأسها وقد رشفت منه ماتبقى وقامت من مكانها تستأذن في الانصراف.

-      مازال الوقت مبكرا وأنت لم تجلسي إلا دقائق

-      أرسلني والدي لأتسلم الوظيفة التي وعدت بها

ووضع مختار الدابة كأسه ممتلئا كما هو.. وقفز إلى مكتبه وبسط وريقات، وأخرج من جيبه قلما فاخرا وقدمه إليها لتوقع

ومالت لتوقع فاستند بذراعيه إلى حافة المكتب.. وجحظت عيناه وهو يتابع كل حركة فيها حتى نسمات أنفها

واستوت فمد يده برزمة من النقود وضعها لها في حقيبة اليد، وعجل يقسم بأغلظ الأيمان أن تأخذها لها أو لوالدها ليستعينوا بها على شراسة الأيام والليالي.

وحين انغلق الباب خلفها نُشر مختار الدابة إلى الحياة الدنيا فمسح عرقا تصبب على جبينه وصدغيه.. وأرسل كل ما في الكأس في جوفه كأنما يطفئ نارا متسعرة.. وهرع نصير الجان كالشبح لا يكاد يستقر في مكان، ولعينيه حركة عجيبة كأنما يبحث عن بقايا العطرة بين تلافيف المكان.

حاشية 39:

تقع مقبرة النصارى كما يطلق عليها السكان أعلى مدينة عين الرماد قريبا من الغابة، أحاطها الفرنسيون أيام تواجدهم بعناية فائقة حيث كان يمثل سورها تحفة رائعة، وتمثل هندسة قبورها ومازرع فيها من أشجار وأزهار لوحة لإبداع الإنسان والطبيعة، ومثلت القبور الرخامية تحفا مختلفة الأشكال والألوان.

وماكادت فرنسا تنسحب بعساكرها حتى بدأ الهجوم على المقابر، فسلب شباك المقبرة، وهدم سورها، ونبشت قبورها، وتحولت صحراء قاحلة تحتضن السكارى والشواذ

 

(3)   

وطال انتظاره في المكتب الضيق.. وأحس بالقلق يمد أصابعه ويضغط على أوداجه.. فتح أزرار قميصه بعصبية وأشعل سجارته الثانية.. وضع رجلا على رجل وراح يتأمل ظفائر حذائه البني وقد لمعت تعكس ضوء الكهرباء.. أعاد ساقيه إلى وضعهما الطبيعي وبدأ يخض ركبتيه ذات اليمين وذات الشمال.. ويمناه تعبث بمفاتيح السيارة.

صر الباب الذي كان مفتوحا قليلا، وأطل منه رأس شرطي، وفي لمح البصر عاد من حيث أتى تاركا فواز مغمورا بهواجسه ووساوسه وأمواج الدخان التي إصاعدت إلى السقف.. وشيئا فشيئا بدأت تنزل إلى الأسفل معبرة عن ضعفها وخورها وعجزها عن اختراق السقف.

ردد في نفسه:

تبا لهم ما أحقر الانتظار! لم... ودخل عليه الشرطي قاطعا عنه تفكيره يطلب منه أن يتبعه إلى مكتب الضابط.

دخل فواز بوطويل على مهل وقد ازدادت دقات قلبه أكثر من اللازم رغم محاولته اليائسة.. كبح جماحه.. ألقى التحية، وبقي واقفا ينتظر رد فعل الضابط سعدون الذي لم يأبه بوجوده، واستمر في مكالمته الهاتفية.. أحس فواز أن قلبه قد زادت دقاته... وأحس بريقه بدأ يجف أكثر.. هم أن يخرج سيجارة بسرعة ويلتهمها بنهم شديد دون أن يشعلها.. استدار.. رفع رأسه.. بدت له الحديقة الصغيرة من خلال النافذة، شجرتان مخضرتان يتأرجح بينهما عصفوران بلعبة الكر والفر، يثيران قلق قط لم يتوقف عن المواء.

وضع الضابط السماعة مكانها بقوة فاستدار فواز مبتسما.. حياه الضابط معتذرا ودعاه للجلوس.. حين جلس فواز على الكرسي مقابل الضابط لم يستطع أن يثبت مكانه.. كانت القشعريرة تضرب كل عضو فيه.

انتهى الضابط من تقليب وريقات أمامه وقال:

-      أهلا بك مرة ثانية.

-      لقد اتعبتمونا ياحضرة الضابط.

-      لا نقوم إلا بالواجب، وقد تحضر لدينا عشرات المرات.

وسكت الضابط لحظات أخرى يقلب الأوراق أمامه ويسترق النظر خلالها إلى فواز ثم قال:

-      لقد انتهت مهلة تفكيرك يافواز، فهل لديك إجابة؟

صمت فواز لحظات يلملم أشتات أفكاره التي حاكها في البيت مع أمه.. بلل شفتيه.. ابتلع ريقه وقال:

- فعلا.. خرجت مساء من البيت.. تجولت في المدينة أقل من ساعتين، زرت مختار الدابة في مكتبه، ثم عدت إلى البيت.. في الطريق عطبت السيارة.. نزلت أتفحص الأمر، وكانت الأمطار غزيرة، تبللت تماما كأنما غطست في بحر.. عجلت بالعودة.. في الطريق أحسست بارتعاش شديد.. تحول ذلك في البيت إلى حمى قاهرة، مما استدعى طلب الطبيب الذي طلب الإسعاف، ونقلني إلى المصحة وكان ذلك في حدود الساعة الرابعة والنصف أو الخامسة لا أذكر بالضبط.

قاطعه الضابط متسائلا:

-      وهل لديك دليل؟

وأخرج فواز تقرير الطبيب، ودفتره الصحي، وبطاقة المعالجة، وسلمها جميعا للضابط قائلا:

-      بقيت ثلاثة أيام في المصحة

تسلم الضابط الوثائق.. قلب فيها النظر مرارا.. وضعها في الملف.. طلب من فواز أن يوقع على أقواله وسمح له بالانصراف.

حين كانت دقات حذاء فواز تبتعد خارجة.. كان الضابط يسند رأسه على المكتب، ويحيطه بذراعيه محاولا النوم.. وشوراع عين الرماد تختنق غبارا.

ماكاد فواز يخرج من مركز الشرطة حتى لمح أمه في انتظاره بسيارتها البيضاء الجديدة، وماكاد فواز يستوي في مكانه حتى أطلقت وابل أسئلتها وهي تطلق العنان لسيارتها:

-      عن أي شيء سألك؟

-لم يسألني إلا عن مكان تواجدي يوم الحادث، وأعدت على مسامعه ما سمعته منك بالضبط، ثم سلمت له وثائق الإثبات وانصرفت، ولكن تبين لي أنه خبيث جدا

-      ولكنه لن يفعل شيئا أمك أقوى منهم جميعا.. أعرف أنك خائف ورثت قلبك من أبيك، لا تخف مادمت معك، والضابط سعدون سيدفع الثمن غاليا..الحق في هذا البلد للمال والقوة..

ثم صمتت لحظات وواصلت:

- كل هذا الوطن عين الرماد........

 

 (4)   

على إيقاع ارتطام الصحون والملاعق والكؤوس كانت نوارة كالنحلة تنتقل من مكان إلى آخر تعد طعام العشاء، وقريبا منها جلست بدرة تعالج ماتكوم أمامها من رز ملفوفة بخمار صمتها، وأحست نوارة بالضجر، ولم تدر من أين تبدأ حديثا جديدا فعمدت إلى إحداث ضجة أكبر بالأواني التي أمامها علها تثير قلق بدرة فتنطق لكنها استمرت جامدة في مكانها، كأنما هي آلة برمجت لأداء عملها فالتفتت إليها قائلة:

-      لم أنت صامتة كأنما ابتلعت لسانك؟

ورفعت بدرة عينين ذابلتين، وزحزحت بحة اعترضت خطوات كلماتها، وقالت:

-      ولو وجدت خيرا من الصمت لفعلت

وصمتت.

وصلت الكلمات إلى قلب نوارة المرتعش نسمة باردة قاسية.. خنجرا صدئا.. فجيعة دون سابق إنذار.. ما أقساك أيها الزمن الغادر كلما فتحنا كوة للشمس أغلقتها.. وارتدت عن فجاج وساوسها، وفي نفسها إصرار على هزيمة الحزن داخلها:

- كل شيء بالمكتوب، وفي كل تأخر خير، ولكن الإنسان خلق عجولا

لم تفتح بدرة فاها، وانشغلت بصب الرز في الطنجرة ووضعه على الفرن.. ليس لأي شيء طعم في الحياة، وهي لا تستحق منا كل هذا العناء، ورددت دون شعور منها:

تعب كلها الحياة فما أعجب *** إلا من راغب في ازدياد

وجلست نوارة إلى جوارها تعصر يديها من الماء، وتعيد مد كميها قائلة:

- لا تصدقي أبا العلاء المعري، فليس أصدق من إيليا أبي ماضي

إن شر النفوس نفس يؤوس *** يتمنى قبل الرحيل الرحيلا

وانكمشت بدرة على نفسها تدفئ أعضاءها التي سرت فيها القشعريرة، كأنما هي تتعرض لزمهرير شديد، وقد تذكرت فاتح اليحياوي.. أَجُنَّ فاتح اليحياوي لأنه اتبع سبيل الفلسفة وتعمق في دراستها؟ أم لأنه يعيش في مدينة عين الرماد التي لا تصفق إلا للبلهاء  

مدت نوارة ذراعها كفنن ربيع نضر، فأحست به بدرة يطوق قلبها بأمومة افتقدتها منذ سنوات، وأدخلت رأسها في عش صدرها.. مدت نوارة أصابعها إلى هامتها، وراحت تدلك شعرها الأسود اللامع، وقالت وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة:

- الثمانية والعشرون ربيعا لا تعني شيئا يا بدرة، كثيرات بلغن أكثر من ذلك وتزوجن.. أعرف أن أباك قلق بشأنك.. لا تعتبي عليه، وقدري فيه قلب الأب.

ورفعت بدرة رأسها فمسحت دموعها بأناملها النحيفة، وجمعت أشتات شعرها فأسدلته على ظهرها وقالت:

- أصبح العمل يتعبني أكثر من اللازم.. أكثر من أربعين طالبا في أقسام لاتتوفر على أدنى ضروريات العمل ولا أنبوب لإجراء تجربة

ونهضت نوارة من مكانها لتراقب الطعام وهي تقول:

- يحسن بك أن تأخذي حقك من الراحة سأكمل العمل وحدي

ولم ترد عليها بدرة ولم تذهب إلى غرفتها كما طلب منها، بل راحت تعد الطاولة لطعام العشاء، وهي تعرف أن زوجة أخيها تتعب أكثر منها في القيام بشؤون البيت وشؤون أولادها الصغار..

وانكفأ دلو من الماء فهرعت كلتاهما إليه لإنقاذ ماتبقى من دم عروقه، واصطدمتا فسقطتا على الأرضية المبللة، وانفجرتا ضاحكتين دون أن تقوما.. قالت نوارة:

- بت حتى الرابعة صباحا اعتصر شرايين الحنفية، ولم أملأ إلا نصف ماعندنا من دلاء

ووقفت بدرة وهرعت إلى إناء أخذ يزفر غيضا فوق النار، ولحقت بها نوارة وهي تقول:

-      حين يعود كريم غدا سيشتري لنا صهريج ماء

واندفعتا كلٌّ إلى غرفتها لتغير الملابس، وقد نشرت كل منهما صفحة من قلبها تروي مأساة كريم الذي أراد أن يقدم خيرا فنال شرا.

 

(5)   

لم تستطع العطرة أن تنهي المعركة لصالحها مع وحش الأرق الذي ظل يهتك ستائر عينيها، وتقلبت في فراشها مرارا فارتفع أنين سريرها الحديدي مزعجا عمتَها كوثر التي كانت تنام قبالتها، فأخرجت رأسها من تحت الغطاء الوبري الأخضر بدرا يضيء في سماء مكفهرة وقالت:

-      لم تنامي بعد؟

واستوت العطرة على سريرها الذي ازداد أنينه، وضعت مخدتها في حجرها واتكأت عليها.. تثاءبت بعمق وقالت:

-      حيرني رئيس البلدية.. حمم الخبث تتطاير من عينيه.

-      أفعاله كلها تدل على ذلك.. وسمعته لدى الناس سيئة

-      لم ينو خيرا من توظيفي، ولا من توظيف عشرات الإناث اللواتي ملأ بهن مكاتب البلدية

-      وهل حكموا البلدية حبا في الشعب..؟ كل يلهث خلف مصالحه وأطماعه.. مدينة عين الرماد كالمرأة الطالق الكل يطمع فيها.

وعادت العطرة للاتكاء، وجذبت فوق جسدها البض غطاءها المخملي الموشى وقالت:

- لعنة الله عليه عمل ذل.. سأبصق يوما في وجهه وأخرج..

عطست العمة كوثر مرارا ومدت يدها فمسحت أنفها وتدثرت بغطائها وقالت:

-      لعله يريد الزواج.. فلا تتسرعي في إصدار الأحكام.

وأحست العطرة أن في الجواب إهانة لها.. كيف تتزوج من كهل بلغ الخمسين من عمره وهي الكاعب الفاتنة التي يتمناها كل فتى..؟ وكيف تجرؤ على مخادعة زوجته وترميلها مع أولادها الخمسة..؟ وأرادت أن تقول لعمتها: ولماذا لم تتزوجي أنت ضرة وقد خطبك الكثير؟ ولكنها عدلت عن كل ذلك.. تنفست بعمق وابتلعت ريقها وقالت:

-      ما أخبث الرجال.. يبطرون مع أول شعاع للنعمة

وأحست العمة بقلق العطرة وضجرها مما قالته فسكتت لحظات ترتب فيها أفكارها واندفعت قائلة كأنما وجدت حلا للمعضلة:

-      غضبك سيفسد كل شيء لاتثوري في وجهه وكوني طعما للوحش ليقع في الهاوية.. حين تترسمين وتحصلين على مسكن انقلبي ضده بكل....

- ياعمتي هذا ثعلب كبير.. ولست أنا أول ضحية، ولن أكون الأخيرة، وكلام الناس لا يرحم.. يصنعون من الحبة قبة

وجلست العمة في مكانها، وقد رمت الغطاء بعيدا ثائرة:

- اللعنة عليهم جميعا.. هؤلاء الناس لايحسنون إلا تمطيط ألسنتهم دون فائدة.. لو كان فيهم خير ما انتخبوه رئيسا للبلدية.. أيعقل أن تحكم الدابة آلاف البشر؟ إنهم دواب مثله.

دست العطرة رأسها تحت الغطاء تاركة لأنفها وعينيها متسعا للتنفس والرؤية وقالت:

-      وماذا ينتخبون، كل المُرشحين من كل الأحزاب عملة واحدة.. كلهم دواب وأنعام وبهائم.

وخشيت أن تمتد عمتها في الثرثرة فواصلت:

- تصبحين على خير.

لقد وقع النعاس أخيرا في شباك عينيها، وقبل أن ترحل في عوالمه حدثت نفسها: وهل كانت أمي أيضا فريسة جنسية لهؤلاء المرضى وأمثالهم؟ أبناء عين الرماد كفحول الثيران طاقتهم في فحولتهم وبطونهم.

حاشية 40:

مذ دفع الفقر بسليمة إلى البلدية منظفة وهي تتعرض للتحرش الجنسي، من الموظفين، ومن قبل شيوخ البلدية خاصة.. في سواد عينيها الكبيرتين.. وفي ألق ملامح وجهها الأسمر.. وفي امتلاء جسدها.. وفي رخامة صوتها فتنة لا تقاوم.. ولكنها أبدا ظلت كبرياء يرفض أن يُدنس.. وظلت إعصارا من الرفض الصامت.. بقدر ما تتفانى في إتقان عملها بقدر ما تحمل بغضا لكل الزيف الذي راح يعشش حولها، ويمد لنفسه سيقانا وأذرعا، ولكل الرماد الذي ظلت تمطر به سماء المدينة وتهب به رياحها.

 

 (6)   

ترجلا من سيارة التاكسي وراحا يتوغلان في أحشاء الغابة.. أشجار الصنوبر تشمخ برؤوسها تحجب أشعة الشمس الباهتة التي بدأت تنهزم أمام زحف أصابع الظلام.. وأشجار البلوط تجثم كعجائز مقعدات تملأ الفراغات بين جذوع أشجار الصنوبر.. تعرجا في الدرب الباهت لتتكشف أمامهما ساحة فسيحة أعدها نزلاء هذا المكان خصيصا لنشاطهم.. دخان الشواء يدغدغ الأنوف.. سيارات كثيرة تعانقت هنا وهناك على اختلاف ألوانها وأشكالها.. عشرات الشباب والكهول.. نساء ورجالا تفرقوا في السيارات، وتحت الأشجار يعاقرون زجاجات خمرهم، ترتفع صيحاتهم وقهقهاتهم.. أغاني ماجنة مختلفة ومتنوعة تنبعث من السيارات.. مظاهر مجون وخلاعة تهتك حرمة كل حشمة..

على صخرة كبيرة جلس الرفيقان تتنقل عيونهم بين الأجساد العارية لعشرات العاهرات.. أخرج عمار كرموسة علبة صغيرة ولف لفافة حشى بطنها بكمية من المخدرات ودفع بها لسمير وأسرع يحضر أخرى لنفسه.. امتص عمار كرموسة نفسا عميقا وأخرج دخانه من أنفه في نشوة كبيرة، وقال وهو يتأمل بعطف ملامح صاحبه:

-      لا تعجبني حالتك اليوم يا سمير

سخر سمير في قرارة نفسه من هذا الكلام وهو يشرئب بعينيه يتابع تموجات الدخان التي ظهرت على إثر انبعاث ضوء سيارة بعيدة.. ما لعمار يهذي بهذا الكلام كأنما لا يعرفني، وكأنما لا يعرف أن حالتي لم تعجب في يوم من الأيام

واستمر عمار كرموسة في كلامه وهو يحك جبهته بيمناه، كأنما يحاول أن يزن كلاما يخشى فيه من ردة فعل سمير:

- ستفرج قريبا، لقد وظفت العطرة، وسيوظف الوالد، وربما أنت أيضا، وستمنحون مسكنا ينقذكم من الخم الذي أنتم فيه.

- كلها ألاعيب ثعلب ماكر أكاد أشم ما خلفها من مكر.. كيف تفتح علينا خزائن..

وأحس سمير فجأة باختلال تفكيره وجسده فقام من مكانه ترنح لحظات وثبت مكانه، رمى بعقب السيجارة على الأرض، وتمطط حتى كادت أعضاؤه تنفصم عن بعضها البعض.. ثم ركن إلى جذع شجرة وراح يتبول دون أن يسكت.

- لم لا تتزوج ياعمار؟ انظر لهؤلاء الكلاب.. للجميع نساء في البيوت.. ولهم هنا عشيقات.. ونحن نحترق من أعماقنا.. تزوج ياعمار.

ورمى عمار كرموسة عقب لفافته على الأرض وراح يدوسها بحقد شديد، وقد أثار سمير في أعماقه مواجع لا تهدأ ونكأ جروحا لا تندمل.. كيف يجيب؟ ومن أين يبدأ؟ وترجل من فوق الصخرة فاستوى على الأرض ببذلته الزرقاء، ودس رأسه بين ركبتيه وكفنه بذراعيه وقد ترقرق قلبه دموعا.

عاد سمير إلى مكانه ووقف مستندا إلى الصخرة واضعا يديه في جيبي سرواله

-      لا تحمل هما أنا مستعد أن أزوجك أختي العطرة.

وأحس قلبه ينفلق قسمين.. أحس خنجرا حادا يشقه في لمح البصر من أعلى إلى أسفل.. هو ذا الحلم البعيد.. والأمنية التي يستحيل تحقيقها.. العطرة بالنسبة إليه نجم لا يمكن بلوغه.. جوهرة في أعماق قاهرة يستحيل بلوغها.. يكفي من العطرة القرب.. يكفي من العطرة إشراقة ثغر وإطلالة محيا.. يكفي أن تتهادي أمامه غزالة.. وأن تحوم حوله يمامة.. أليس يغضب الله اقترانه بها؟ كيف يراق العسل الرضاب أمام بهيمة، أو ينثر أمامها الفل والياسمين؟ أو تقلد درا وياقوتا؟

وفطن من سبحاته الطويلة فرفع رأسه إلى صاحبه وهم أن يقول له أن العطرة أخت له، وأنها.. وأقبل الزربوط من بعيد بجثته الغليظة وكرشه المنتفخة، وقد امتلأت ذراعاه وشما كأنه صهريج زفت.. وابتلعا لسانيهما ونهضا لاستقباله.. وعجل الزربوط يسأل:

-      وعلى ماذا استقر الرأي عندكما؟

وسكتا....

كيس المخدرات سلمته أنا شخصيا وكالعادة لعزوز المرنيني كي يسلمه لكم أنتم الثلاثة.. عمار وسمير ومراد لعور لتوزيعه كالعادة، ولكن فوجئنا بمقتل عزوز وباختفاء جثته.. وما يشغل بالي هو أين اختفى الكيس الثمين؟ ويقينا هو معكم، وأنتم تعرفون الواجب

ولم يفطن عمار كرموسة إلى نفسه حين اندفع في استعطاف يرد على الزربوط:

-      أنت تعرفنا منذ سنوات.. ما خناك أبدا حتى حين قبض علينا وحوكمنا وسجنا وتحملنا كل ذلك وحدنا.. ونحن مستعدون أن نقسم على المصحف الشريف لإثبات براءتنا.

وسكت الزربوط مليا يعقف شاربيه إلى الأعلى بإصبعيه الغليظين، ويمسد بمهل كرشه المنتفخة براحة يسراه.. وركن الصديقان إلى زاوية الصمت وفي عينيهما خوف وترقب من انهيال اللكمات عليهما.. وواصل الزربوط كلامه:

- حسنا سأتحمل المسؤولية أمام الكبار، وسأمتحنكم بكمية أخرى على شرط أن يكون حظكم نصف ما كنتم تنالونه.

وانصرف دون أن ينتظر منهما ردا.. تنفس سمير وهو يبتعد عن عمار كرموسة وقال:

- هذا طريق سيء ياأخي عمار، سنضيع الصحة والسمعة والحياة، ولن ننال شيئا

ومن ذا لا يرغب في الفرار من هذا الدرب القذر؟ هكذا ردد عمار كرموسة في قرارة نفسه دون أن ينطق بكلمة واحدة وهو يرى الزربوط مقبلا من بعيد وفي يده كيس أسود.

ورجعا راجلين خوف السدود الأمنية.. وطالت بهما المسافة وهما يسيران في طريق متعرج.. لم يدخلا الحي في المدينة القديمة، واتجها مباشرة إلى ملهى خربة الأحلام كما تعود الشباب تسميته.. مجموعة من البيوت الخربة وسط مجموعة من أشجار الصنوبر والزيزفون الضخمة المعمرة التي امتدت إلى السماء، وامتدت ذات اليمين وذات الشمال مشكلة درعا يحمي الغرف جميعها من كل الجهات كأنما يتحدى السكان الذين تنافسوا في نهب المسكن وسرقة قرميده وأبوابه ونوافذه، ولم يتركوا فيه إلا أحجاره الثقيلة التي بنيت بها جدرانه.

والمسكن كان لمعمر فرنسي أقامه بيتا له وسط الأراضي الزراعية، محدثا فيها ثورة للإنتاج الزراعي والحيواني، وماكادت فرنسا ترحل حتى تكدست عليها أكواخ، وكتل إسمنتية، وامتدت فوقها شوارع مغبرة وأزقة ضيقة.

وبلغ الصديقان خربة الأحلام وقد بلغ الجهد منهما مبلغه، وانزويا في ركن قصي، وفتحا الكيس على ضوء القمر، وراحا يقسمان السلعة.

وضع سمير المرنيني نصيبه تحت قميصه واتكأ على الجدار يترقب متلفتا وقال:

- عيشة مُرة ياعمار يا أخي

ولم يرد عمار كرموسة، بل تكور على نفسه ككرة سوداء كبيرة، وأسند ظهره على الجدار.. ومن قال إن حياتهما غير ذلك؟ وماذا يمكنهما فعله الآن؟ هكذا هي الدنيا حظوظ وأقدار، تبتسم للبعض وتكشر في أوجه البعض.. تحن على آخرين حنو الأمهات، وتقسو على البعض قسوة الأعاصير المدمرة.

واستمر سمير يتكلم عن حالته وحالة أسرته، وعن أمه المسكينة التي ماتت شغالةً أمةً في قصور المسؤولين.. يأمرونها فتطيع.. ويقفون عند رأسها فترهب.. ويوبخونها فتسكت.. ويؤنبونها فتطأطئ رأسها.. وربما طمعوا في شرفها وكرامتها، كل ذلك من أجل أن تأتيهم بخبز مغمس بالمذلة فيأكلوا دون أن يحسوا.. وتقيأت عيناه دما.. وبطنه جرعات حامضة مُرة.

هم عمار كرموسة أن يصرخ فيه اسكت كلامك يذبح قلبي، لم تنكأ جراحا؟ لم ترفع عنها ستائر غيبتها عن الأنظار؟

ووصلت مسامعهما خطوات حذرة تلمس وجه الأرض خلسة، وعرفا أنه مراد لعور الذي توجه مباشرة إلى مكانهما، ووقف عندهما دون أن ينطق، ولم ينطقا هما أيضا، وأخرج عمار كرموسة رزمة وأعطاها له، فدسها مباشرة تحت إبطه وجلس قبالتهما، وأخرج لفافة وأشعلها، وهو يقول:

-      سيأتون اليوم بكثرة، وقد نبيع كل ما عندنا هنا

-      وهل تأمن مكر الشرطة؟

سأل سمير وهو يتكور على نفسه أكثر كأنما أحس بالبرد الشديد يتسلل إلى عظامه، ومد عمار كرموسة يده إلى مراد لعور فأخذ منه اللفافة وجذب منها نفسا عميقا، وعلق وقد أحس بثقة أكبر:

- بعض رجال الشرطة أكثر إدمانا منا، وستراهم بعد لحظات كالكلاب يحبون أمامك يترجونك في لفافة.. بل في مصة

-      لا تتشفَّ، فبعضهم أشد بؤسا منا، وأكثرهم من أحيائنا الفقيرة

هكذا علق سمير وهو يشعل لفافة جديدة ثم واصل:

- كان يمكن للقدر أن يقلب الأمور فأكون أنا شرطيا، ويكون ذلك الشرطي بياعا للمخدرات، لافرق بيننا

وسكتوا يعيدون إلى ذاكراتهم حوادث وقعت لشرطة في هذا الملهى فافتكت منهم أسلحتهم، أو قتلوا غيرهم دفاعا عن أنفسهم، أو رغبة في لفافة أو عاهر؟

وسمعوا وقع أرجل بدأت تقترب منهم، وبينها منافسة شديدة وتوق لبلوغ المقام، قال عمار كرموسة منهيا الكلام:

- ولا فرق.. صغار الشرطة يقصدوننا، ومتوسطوهم يقصدون ملهى الزربوط، وقادتهم يسهرون في ملهى الحمراء يسكرون من كأس لعلوعه الراقصة.

وأراد مراد لعور أن يقول: لو وقعت لعلوعه بين يدي لمصصتها لفافة، ولسكرت بها طول العمر.

ولكن القادمين وصلوا فتركها في نفسه حرقة كحرقة الزمن الخائن.

وفاجأهم من خلف الجدران صوت غليظ يدعوهم إلى الاستسلام لرجال الشرطة، وتملكهم الفزع فوقفوا متخذين وضعيات مختلفة، فيها جميعا استعداد للفرار، وما كادوا حتى تراجعوا وهم يكتشفون أن صاحب الصوت هو قدور الخبزة يجر كيسا من الخيش ممتلئا زجاجات خمر، يفتح فمه العريض عن ضحكة لا تفسر بسهولة.. أهي للفرح أم للبكاء..؟ واندفع سمير باتجاهه يضربه على ظهره وهو يقول:

-      بقيت صعلوكا لأفعالك الدنيئة

واجتمعوا.. عشرات من الشبان والكهول، يفضل بعضهم المخدرات، ويميل آخرون إلى الخمر، ويكتفي بعض فقراء المدمنين بالكحول.

وابتاعت خيرة راجل خمس زجاجات دفعة واحدة، وراحت تعبها تباعا، ومافتئت أن توقفت وهي تسمع عمار كرموسة يقول:

-      ومن أين لك بالمال إن لم تبيعي شرفك؟

-      ومن أين يأتيها الشرف وهي أكبر عاهرة؟

-      وهل للرجال فيها أرب وهي تشبه القوريلا؟

وفتحت فجأة عليهم زجاجة خضتها جيدا فراح رذاذها يتهاطل عليهم، وحين تراجعوا متقهقرين راحت تقهقه وتقول:

-      أبناء العاهرات

وتعالت الضحكات من كل جهة، وراح سحنون النادل يتلمظ، وهو يتابع رذاذ الخمرة قائلا:

-      يا جماعة التبذير حرام   

حاشية 41: 

لا يجمع سكان عين الرماد عرق واحد، وإنما هم أعراق شتى، أهمهم قبيلة أولاد سيدي مخنفر التي ينتمي إليها مختار الدابة، يميل معظمهم إلى التجارة، ويحبون جمع المال الجم بكل السبل المشروعة، وغير المشروعة ويرفضون سلوك درب العلم، فهو لا يعلِّم في اعتقادهم إلا التخاذل والجبن وخصوصا من القانون والدولة التي يخضعونها لسلطانهم بكثرة عددهم ومالهم، وتأتي قبيلة سيدي فرفار التي ينتمي إليها نصير الجان في المرتبة الثانية، غير أن طائفة من أفرادها يحبذون طلب العلم ومنهم فاتح اليحياوي.. أما البقية فهم أشتات من قبائل متفرقة أكثرهم وافد على عين الرماد.

حاشية 42: 

منذ أن استطاع الزربوط وهو أخو نصير الجان أن يكسب قلب الجنرال حتى سمح له بفتح ملهى في وسط الغابة سماه ملهى الخضراء، تيمنا بملهى الحمراء، واستطاع الزربوط في ظرف وجيز أن يكسب إليه زبائن أقل من ملهى الحمراء، وأكبر من خربة الأحلام، واستطاع أن يكون واسطة بين الكبار والصغار في قضاء المآرب وتقديم الرشاوي، واستطاع أن يحصل لمختار الدابة وأخيه نصير الجان على فرصة الترشح في حزب السلطة.

حاشية 43: 

وخربة الأحلام كما سماها روادها صارت متنفسا للفقراء والمنبوذين، يتقيأون فيها همومهم، ويحلقون بين حجارتها وجدرانها الخربة خلف أحلامهم الضائعة كدخان في يوم ريح، وأهم نزلائها وعمار كرموسة ومراد لعور سمير المرنيني وأخوه عزوز وقدور الخبزة وخيرة راجل وسحنون النادل ودعاس لحمامصي وعياش لَبْلوطه، قبل أن يتغير حاله إلى الثراء فيصير من ندماء الجنرال.

حاشية 44: 

ظل سحنون النادل يحلم بالزواج ويكلم به كل من يدخل المقهي التي اشتغل بها منذ العاشرة من عمره، كان يؤكد أنه سيتزوج تحقيقا لحلم أمه، فلما ماتت ظل يؤكد أنه سيتزوج تطبيقا لوصيتها له، فلما تجاوز الأربعين عصف به سن اليأس فركن للصمت الرهيب، غير أن كل من يلقاه كان يعمد إلى إثارة الموضوع معه ممازحة ومداعبة.. ورغم أن شعر رأسه قد ابيضَّ حتى صار وَبرا، وأن أسنانه اصفرت وسقط بعضها، وأن علائم الشيخوخة قد رقصت بمكر على ملامحه إلا أنه كان يحبذ أن يُفاتح في الموضوع.

 

(7)   

حين خرج من ملهى الحمراء أحس نفسه يطرد من جنته.. قد ينسى كل شيء لكن طيف لعلوعه لم يفارقه وهي تتثنى بين يديه بثوبها الشفاف كجنية البحر التي خلدتها الأساطير.. وهل يعتبر حيا من لم ير لعلوعه؟ ولم ير رقصها الشرقي الذي يسيل لعاب كل المشاهدين وينقلهم إلى عوالم الخيال التي لم تعرف إلا في عوالم ألف ليلة وليلة؟

ولأول مرة منذ زمن أنفق ملايين حملها معه، ولأول مرة منذ الحادث الرهيب شرب حتى الثمالة..

حين صفق الباب خلفه جلس في مقعد سيارته أكثر من ساعتين يسترد أنفاسه، ويحاول طرد طيف لعلوعه الذي بقي يلح على البقاء، وحين بدأ يعود إلى وعيه انطلق بسيارته على مهل.. أوقفها خارج البيت ودخل حذرا على مشطي رجليه.. وفوجئ بأمه تقف في انتظاره كشرطي صارم.. رأى في عينيها حمم الغضب الجارف فتوقف في مكانه، وعقد يديه خلف ظهره كتلميذ صغير يقف أمام مدرس جبار.. وحاول أن يغلق فمه حتى لا تشم فيه رائحة الخمر.. سألته كالزلزال:

-      أين كنت؟

لو تدري أمه أين كانت عيناه الحمراوان؟ لو تدري أمه بماذا اكتحلتا؟ لو تدري أمه أيَّ عطر تنشق منخراه؟ وأي در لمست يداه؟ لو تدري ولكن...

وأسرعت أمه تجره أمامها كمجرم يساق إلى مخفر الشرطة، ودخلت به مباشرة إلى غرفتها، وغلقت خلفها الباب كما يغلق باب السجن، وأمطرته بوابل من عتاب عينيها.. وفجأة جلست إلى جواره كقطة حنونة، وقد تغير صوتها نسمة هادئة:

- يافواز.. ألم أنهك عن رفقاء الليل؟ وعن الملاهي.. وعن الخمرة التي تنبعث من فمك؟

وسكتت ولم يرفع عينيه في وجهها.. همَّ أن يقول لها يا أماه الحب الجارف أكبر مني ياأمي.. لقد ملكت علي اللعلوعة أنفاسي.. وملكت خفقات قلبي.. وملكت دفقة الدم في شراييني.. وملكتني أنا وأنا وأنا...

وبقي صمتا باردا، فمدت أصابعها إلى شعره.. تخيلها مخالب لبؤة تتخلل رأسه وسألت:

-      ماذا تعشيت؟

وهم أن يقول: لعلوعه.. لكنه صمت.. وتجاوزت الأمر وهي تلتصق به وتحضن يديه بين يديها

- في ذهني أمر مهم سأنبئك به الآن، ولا أريد منك رفضا فأنا أدرى بمصلحتك

ولم يتحرك من مكانه.. ولم يرفع رأسه البتة.. ومتى رفض أوامر أمه وهي التي لا تسمح برأي يعلو على رأيها..؟ ونزلت عليه فكرتها كالصاعقة

-      فواز يجب أن تتزوج

ومن يتزوج غير لعلوعه؟ وهل سنه هو عمر للحب أم للزواج؟

ملأت كأس ماء وعبته دفعة واحدة كأنما تطفئ لهيبا اندلع فجأة في أحشائها، وقالت وقد ضمت يديها إلى صدرها:

 - حسبت الأمر جيدا ورأيت أن زواجك الآن ضروري.. وجدت لك عروسة تليق بالمقام..

وانتظرته ليقول شيئا، ولم يزد على أن رفع بصره فيها، وجمد كتمثال بائس فواصلت:

- بدرة بنت الشيخ خليفة أخت كريم.. فتاة مثقفة، عمرها ثمان وعشرون سنة، تشتغل أستاذة بالتعليم المتوسط

ووجد فواز منفذا للحديث، فحرر يديه من قيدهما، وأطلق لسانه من عقاله

-      أتزوج أخت متهم بالقتل؟

- والشبهات أيضا تحوم حولك، ولذلك يجب أن تتزوج أخت كريم.. لاتسألني عن كل التفاصيل ولا تكلمني في فلسفة الحب هذه.. أنا لا أؤمن بها.. الزواج مصلحة. 

وسكتت لحظات عادت فيها للجلوس بجانبه لتواصل فجأة كأنما أدركت مايدور في ذهنه:

-      والطلاق أيضا مصلحة

وهو يعرف أن كل شيء يحسب عند أمه بحساب المصلحة، ولا أثر عندها لشيء يسمى العواطف.

وارتفع فجأة صوت أمه وهي تشق الباب قليلا تنادي أباه الذي هرع إليها كأنما كان ينتظر ذلك، ودخل فجلس بانضباط شديد كجندي أمام ضابطه، ووجد فواز لنفسه عزاء وهو يعرف مصدر خنوعه لأمه

-      حدثتك منذ أيام عن رغبتي في تزويج فواز

وراح سالم يعيد لذهنه شريط الحكاية مكبرا صورة ثورتها في وجهه وهو يبدي تحفظه، ولم يعلق منتظرا منها إكمال الفكرة، وأكملتها بسرعة محددة الفتاة وأسرتها، وأنهت كلامها آمرة:

- أريدك أن تذهب غدا إلى أبيها الشيخ خليفة وتتعرف عليه.. اختلق أي سبب.

وغيرت كلامها باتجاه فواز:

- وأنت يجب أن تبدأ من الغد.. وفي المساء يجب أن أعرف نتائج تحركاتكما.

حين انسل سالم وفواز إلى غرفتيهما ارتمت عزيزة فوق سريرها الوثير لاعنة في نفسها مجتمع الرجال الذي يقمع المرأة، ويقطف منها حق فعل ماكلفت به زوجها.. وشتان بين امرأة من حديد، ورجل باهت الرجولة.

وانكفأت على وجهها تتذكر أباها وحشًا له مخالب وأنياب يمتص دم أمها، وهي تنتفض كغزالة لاحول لها ولاقوة.. وأجهشت تبكي...

وكان سالم يسأل نفسه، ماذا لو كانت أمه حية، ترى ما يقع له؟ هل كانت ستقبل به وهي التي ربته طفلا ويافعا مدللا لا تسمح بالنسمة أن تؤذيه.. ولا تسمح حتى لأبناء الجيران أن يلعبوا معه أو يتصلوا به، وهو وحيدها الذي لم ترزق به إلا بعد سنوات وسنوات؟

حاشية 45:

لا يمكن للجلسات في ملهى الحمراء أن تكون ذات قيمة إذا خلت من الرقص الشرقي، ولا يكون لجلسات الرقص الشرقي طعم إذا لم يزهر في بستانها زهر لعلوعه التي تركت الجميع يلهث خلفها بمن فيهم الجنرال الذي شغفته حبا، حتى تناقل الناس قصصه ونوادره سرا بينهم خوفا من بطشه، ولا تبالي لعلوعه بما يمنحه لها الجنرال تقربا ولا بأجرتها كراقصة في الملهى، لأن ماتجمعه كل ليلة من هدايا المعجبين يفوق مدخول كل عمال مدينة عين الرماد.

حاشية 46:

كان فواز يعجب حين يسمع الآية:"الرجال قوامون على النساء"وينتصب في ذهنه سؤال كبير: إذن فلماذا تشتم أمي أبي سالم؟ ولماذا تصيح في وجهه فلا يملك إلا أن يسكت؟ وفواز مذ أدرك التمييز بين الأشياء أدرك أن أمه لا تحترم أباه، وأنها أقوى منه، وكثيرا ما أراد أن يصيح في معلميه: لهذه الآية استثناء هو أبي.

حاشية 47:

أما سالم فنشأ في جو أسري مختلف تماما، تقدس فيه أمه أباه الذي يقدس بدوره الجد.. وكانت أمه دائما تتخذهما المثال المحتذى: كان جدك وكان أبوك، وكن مثل هذا تارة ومثل ذاك تارة أخرى.. وكانت أم سالم تدللـه وتخاف عليه، وتلبي كل طلباته مهما كانت صعبة، ولم تشبهها إلا ذهبية بنت الطاهر والتي كانت وهي صغيرة تستجيب لكل مايريد مادام يغدق عليها ببعض الطعام والنقود

 

(8)   

عقارب الساعة تلهث لتتعانق عند منتصف النهار.. غبش في جو الحجرة يكاد يخنق الأنفاس.. تعطس بدرة مرات متتالية.. تسعل سعالا جافا.. توقف الطالب الذي وقف تحت السبورة يلوح بيديه ذات اليمين وذات الشمال يدوس بالطلاسة كتل الطباشور.. وانسحب الطالب يجلس في مكانه وقد علا الشيب شعره.. وفتح الطلاب بعض النوافذ التي مازالت تصلح للفتح.. وعلا ضجيجهم مغطيا على سعالهم المرتفع هنا وهناك.. وجلست بدرة إلى المكتب تنتظر دق الجرس كسجين ينتظر ساعة إطلاق سراحه.. وتراءت لها رؤوس الطلاب كرؤوس حيات تتعالى وتمتد نحوها لتخنقها.. أي معلم سلك هذا الدرب ورضي به؟ وأي معلم سلك هذا الدرب وخرج منه سالما؟ وتذكرت قول طوقان:

يامن يريد الانتحار وجدتها *** إن المعلم لا يعيش طويلا

ودق الجرس مبحوحا فاندفع الأطفال كقطيع فزع يتدافعون عند الباب الذي ظل يصطفق عشرات المرات.. ولملمت بدرة آثار شقائها من فوق المكتب، وانسحبت تجر رجليها المتعبتين، وقد تسلق الألم حادا كخناجر مدببة إلى أعلى فخذيها.

حين همت بالخروج عائدة إلى البيت أخبرت أن شابا في انتظارها منذ أكثر من ربع ساعة، وضربت زوابع الحيرة ذهنها.. هل يمكن أن يكون الزائر أحد أولياء التلاميذ جاء يستفسر عن ابنه؟ ستكون هذه سابقة مارأتها منذ دخلت التعليم.

ورأته يقبل نحوها ممتد القامة.. أشقر اللون.. أخضر العينين.. كامل الأناقة.. شديد الثقة والاعتداد.. ومد يده يصافحها ويتعمد إطالة الإمساك بإصابعها المرتعشة.

وجلسا.. وهي تلحظ نظراته المتفحصة ملامحها.. سألته:

-      لأول مرة مذ بدأت هذه المهنة يزورني ولي تلميذ

وابتسم في وجهها، وشجعتها ابتسامته فواصلت:

- الأسرة تخلت عن واجبها.. والمجتمع تخلى عن واجبه.. والمدرسة وحدها لاتصنع جيلا عظيما.

وأحست أنها تكلمت أكثر من الواجب فصمتت تنتظر مايقول.. وتعثرت الكلمات بين شفتيه.. وسرت حمرة في وجنتيه وقال:

-      لست ولي تلميذ.. إنما جئت لأمر خاص ياسيدتي..

وتلعثمت كلمات في فمها ثم عادت فابتلعتها، ولم تنطق بل حملقت فيه تنتظر ماذا يريد

-      أنا فواز بوطويل قضيت زمنا أبحث عن زوجة مناسبة إلى أن رأيتك

واضطربت وهي تتلقى كلاما لم تكن تنتظره.. ابتلعت ريقها وهدأت من اضطرابها وقالت:

- يا أخي أنا لا أعرفك.. والحديث كله يجب أن يكون مع أبي وأخي.. نحن أسرة محافظة وأنت تعرف أقصر الطرق.

وقام فواز من مكانه مبتسما فقامت معه بدرة، ومد يده مصافحا ضاغطا على يديها وهو يقول:

- المهم موافقتك أنت.. أما أبوك فسأتصل به اليوم، ونحن أيضا من أسرة محافظة.

وتركها جامدة في مكانها لاتقوى على الحركة وقد تعالت دقات قلبها.. وحين اختفى من أمام عينيها عاودت الجلوس تبتلع ريقها وتسترجع أنفاسها...

في الوقت الذي كان فيه فواز يعود إلى البيت ليبشر أمه بالخطوة التي قام بها، كان أبوه يقتحم مزرعة الشيخ خليفة.. تريث قليلا داخل السيارة التي أوقفها عند مدخل المزرعة، ولاحظ خليفة ينصرف عن عمله، ويرفع إليه النظر محدقا.. واستمر يتقدم بالسيارة حتى انتهت به الطريق عند تجمع قصب أخضر ملتف نما عند تجمع مائي كبير مشكلا مستنقعا صغيرا.

وترجل وهو يشهد خليفة السامعي يقصده، وماكاد يتلقى التحية ويرد عليها حتى راح يعلق على ما في المزرعة من خيرات.. وعقب الشيخ خليفة.

- ولكننا ياسالم يا أخي لا نحمد الله.. الخير كثير لكن الجرائم أكثر.. كأن الانحراف أصبح عدوى تنتشر به الريح

- معك حق، إذا فسد الإنسان لم يعد للحياة طعم مهما كانت رغدة.

وسارا يمران قرب مستنقع الماء الذي شكلته المياه المتدفقة تلقائيا من جوف الأرض، وقصدا العريشة، فعجل خليفة يصب القهوة من الكاظمة وهو يعتذر لسالم بوطويل الذي تظهر الرفاهية على ملامحه وثيابه

- ولكن عذرا إنها قهوة فلاح

ولم يرقه الأمر وخليفة يخرجه من زمرة الفلاحين العاشقين الأرض، ويرمي به في زمرة الصعاليك الذين أغرتهم المدينة بزخارفها.. وتأمل يدي خليفة وقد علاهما التراب فظهرتا أكثر غلظة ويبوسة، وهم أن يغمس يديه في التراب والطين والحشائش.. هم أن يمرغ جسمه كله في الوحل.. حلم أن يعود يوما إلى البيت منهكا متشبعا بعشق الأرض فتلقاه أميرة البيت وقد امتلأت شوقا تغسل أطرافه، وتمد فراشه، وتدلك مفاصله وعضلاته بأصابع الحب.. وعاد إلى نفسه فقال:

- كلنا فلاحون، وأرضنا إلى جوار أرضكم من عقود..

 وجلسا على الأرض.. اعتلى سالم صخرة صغيرة وُضعت هناك مقعدا وافترش خليفة الأرض في فرح غامر.. كان يدغدغ وجه الأرض بعود يحمله في يده، ويعيد على مسمع سالم الذي جمد مكانه يرشف قهوته، يعيد على مسمعه ذكريات الجوار، وكل ما يعرفه عن الأسرة، ولكن قبل عشرين سنة، أي قبل أن ترحل إلى مدينة عين الرماد من هذه الضواحي الخضراء.

وتمنى سالم أن لايسكت خليفة عن سرد ذكريات الفلاحة الجميلة، وتمنى لو استطاع أن يتقيأ أمامه واقعه الموبوء، ولكن اضطر أن يتحدث تقديرا لخليفة الذي سكت عن الكلام فاسحا المجال لضيفه:

- يا خليفة الفلاح لا يحسن اللف والدوران، ولذلك سأقولها لك دون تمهيدات.. عندي ابن وحيد رغبت في تزويجه، وقد اختار ابنتكم الكريمة، وأرجو أن لا أرد خائبا.

وفوجئ خليفة بالأمر فلم يجد ما يعلق به إلا جملة حفظها عن جده عن ظهر قلب:

-      المرأة والرجل خلقا للزواج.. المرأة عيبها في شرفها والرجل عيبه في ذراعه.

وأحس سالم بالقبول المبدئي، واشتم رائحة الرجولة الحقيقية من كلمات خليفة فقال مطمئنا:

- الحمد لله عندنا من فضل الله، ومزرعتنا هي أكبر مزرعة في هذه الجهة، ومحصولها يغرقنا نعيما

وأحس خليفة بالتقزز من افتخاره بدنيا زائلة فشد على يده مصافحا وقال:

- بارك الله لك في هذا الخير العميم.. عد إلي بعد أسبوع سأستشير صاحبة الشأن وأخاها، ولن يكون إلا ما أراد الله.

وامتطى سالم بوطويل سيارته وراح يستدير بها، ووقف خليفة السامعي يودعه وعلى محياه ابتسامة خفيفة وفي قلبه فرح غامر.. وأخيرا هاهي بدرة تحظى بزوج أرجو أن يكون صالحا.

مساء حين كانت السيارة تتهادى في الطريق الزراعي كان خليفة يتأرجح على أريكتها الأمامية كطفل صغير في مهده، وكان يود أن يخبر ابنه كريم عن خطبة بدرة لكنه لم يجد رأس الخيط بعد، وظل يرفع فيه عينيه مرة بعد أخرى، ثم يعود فيخفضهما من جديد.. وأحس كريم بحيرته فسأله دون أن يغير تحديقه إلى الطريق العام الذي دخله للتو وزاد من سرعة السيارة:

-      أراك ساكتا على غير العادة

- ماذا أقول؟ لاإله إلا الله محمد رسول الله، هذا الزمان صعب، والشقراء ضاعت بين الشقراوات.

وتبسم كريم وقال:

-      المهم أن تسلم السمراوات.

ولم يجاره الأب في ضحكه، ولم يرد عليه، إنما شبك أصابعه وفرقعها، ومطط ذراعيه يعصر عنهما ألم المفاصل وقال:

- حال أختك يحيرني تقدم بها السن ولما تتزوج.. أخشى أن أرحل وأنا غير مطمئن عليها.

وسكت لحظات ينتظر رد فعل كريم الذي آثر الصمت تقديرا لأبيه، ولم يستمر صمت خليفة طويلا وواصل:

-      جاءني اليوم الشيخ سالم بوطويل يطلب بدرة لابنه فواز

وقلل كريم من سرعة السيارة وهو يسمع هذا الخبر الجديد:

-      على بركة الله المهم أن تقبل

وانتفض خليفة وهو يسمع هذا الكلام الذي يشطب رأيه تماما، فقال بصوت مرتفع:

- وأنا لا رأي لي؟ وأختك هل وجدناها مرمية في الشارع؟ أم اشتريناها بضاعة من السوق؟

وأحس كريم أن أباه قد فهمه خطأ فأراد تلطيف الجو فقال:

- أقصد أن بدرة أستاذة ذكية ومتعلمة، وتعرف ما ينفعها وما يضرها جيدا.. ولا حرج من أن نسأل نحن عن الشاب وسيرته جيدا.

ولفهما الصمت من جديد، كل حلق في عالم من الأحلام والكوابيس، تاركين المجال للسيارة تهدر في مسمع الطريق الأصم.

لم تأبه عزيزة بدخول سالم عليها وقد دخل يحمل قفة صغيرة.. واشتغلت بمداعبة العصافير في القفص الكبير الذي وضع وسط الردهة فوق مائدة فاخرة من الخشب والمرمر أعدت خصيصا لذلك..

وقلل سالم من اندفاعه ونسي كل ماجاء من أجل قوله.. كانت عزيزة تقف أمامه بثوب أبيض شفاف يبدي كامل زينتها، وقد تهدل شعرها إلى أن بلغ منتصف ظهرها وبرزت عجيزتها أكثر مما ألفه عليها.. وعلى عضديها ظهر بياض متلألئ أشرب حمرة.. وعلى بداية إبطيها ظهرت تجعدات تصرخ بتقدم السن طالما حاولت عزيزة إخفاءه.

وانتظرها لتسأله لكنها راحت تعدل من وضعية القفص جيدا.. ولها هو عنها يحمل القفة إلى المطبخ، وحينما عاد وجدها تجلس على الأريكة الحمراء التي انزوت في ركن الردهة، وتجاهلها متجها إلى حجرة الاستقبال، ورمت إليه بصنارة لسانها فجمد مكانه:

-      هل ذهبت إلى المزرعة؟

والتفت إليها بكل مافيه، واندفع يفرغ كل مافي جوفه من أخبار:

- زرته في المزرعة ورحب بي وحين عرضت عليه الأمر طلب مهلة أسبوع حتى يستشير ابنته وأخاها وبعد...

 وساءها هذا الرد فنهضت من مكانها متجهة إلى غرفتها وهي تقول:

-      عجبا ماصدق أن يقصده خاطبُ ثم يعقد الأمر

وسكتت لحظة ثم استدارت إليه وقد وصلت باب غرفتها:

-      أخرج معك الكلب ليتفسح

دخلتْ.. وجمدَ مكانه.. في الوقت الذي ارتفع نباح الكلب من الحديقة

حاشية 48:

حاولت عزيزة الجنرال أن تظهر بمظاهر الطبقة الراقية في كل حياتها، فهي تختار لنفسها أرقى السيارات، وتغير لباسها وتسريحة شعرها وفق الموضة، وهي تمارس الرياضة مرتين في الأسبوع في قاعة خاصة بالرياضة النسوية، واقتنت منذ سنوات كلبا من أصول روسية تشرف على ابتياع طعامه بنفسها، وتعرضه على الطبيب دوريا بنفسها، وتصحبه إلى الحمام بنفسها، ولم توكل لزوجها إلا الخروج معه كل يوم أحد للفسحة وتنظيف حضيرته يوميا، ورغم الثراء الذي تتمتع به عزيزة ظلت ترفض وجود خادمات في بيتها.

 

 (9)

ظل عمار كرموسة يرقص فرحا وهو يحث الخطى نحو مقهى الحي.. وكان كل شيء يرقص.. الأزقة.. الجدران.. الحمائم فوق السقوف.. القلوب في الصدور.. عيون الأطفال يعبثون ملفوفين بضباب الغبار خلف كرة صنعوها من جواربهم القديمة.. ومر بعلي الخضار ودعاس لحمامصي فحياهما بحرارة، وابتاع كأسا من الحمص الساخن المدثر بالتوابل.. ودلف المقهى فأسرعت أدخنة السجائر ودقات حجارة الدومنو تحتضنه وتقذف به إلى الزاوية التي تعود الجلوس فيها.

دفع بالمرمدة البالية بعيدا وانساب فوق الكرسي، فمد ساقيه، ورفع رجلا فوق رجل، وأدخل رأسه في صدره حتى بدا كسلحفاة عملاقة.. وراح يمد عينيه وقد فتحهما قليلا يرقب جموع الناس، وقد تكوموا فوق كراسيهم بثيابهم البالية يزفرون في وجوه بعضهم دخانا كالحا، وتتنافس أصابعهم المعروقة على التقاف حجارة الدومنو.. ودار في خلده أن سكان مدينة عين الرماد هم أمهر البشر في لعب الدومنو.. فلماذا لا تقيم المدينة ألعابا عالمية هنا؟

ولم يفطن حتى وقف سمير إلى جواره.. ثم جلس على الكرسي المقابل متخذا نفس وضعيته دون أن ينطق.. وحول عمار كرموسة بصره ببطء يتأمل صاحبه.. وتلاقت العيون فانفجرا ضاحكين.

واعتدلا في جلستهما وسأل سمير وهو يصيح في النادل لإحضار قهوتين:

-      أراك سعيدا.. بعتَ كل شيء؟

-      أرسل الله إلي ثريا فبعته الكمية بثمن لا يخطر على بال.. وأنت؟

-      ألا ترى السعادة حتى في الجدران.. كأن كل شيء ابتلع حتى الثمالة.. وكادوا يفتتونني ويشربونني.

وقهقه عمار كرموسة وهو يقول:

-      صدقوا.. فكل جسدك صار مخدرات.

وانتكست الابتسامة على وجه سمير فغدت حزنا أسود.. هذا الطريق كلب غادر بقدر ما يبصبص لك بذنبه يمكن أن يلتهمك في لحظة.. وتراءى له أخوه عزوز جثة هامدة.. وتراءت له كلاب بشرية تجره إلى المجهول.. وتناهت إلى سمعه صرخاته يستغيث.. ويعدو سمير في كل اتجاه باحثا عنه دون جدوى.

جمع عمار كرموسة يديه فوق الطاولة المتهرئة وقال:

- هذه عادتك تقطف البسمة كلما أشرقت على شفاهنا.. دعنا نفرح يوما

ولم يجبه سمير واستمر عابسا قنوطا كأرض جدباء وواصل عمار:

- الناس كلهم فرحون بسببنا.. من يزرع الدفء في هذه القلوب الباردة؟ دعك ياسمير من هواجسك ووساوسك.. اسمع اسمع عندي فكرة.. ماذا لو نقترح ألعابا عالمية في الدومنو في مدينة عين الرماد؟  

ووصل النادل إليهما بقهوتين وضعهما على الطاولة، وخض يمناه في جيبه فقهقهت النقود محدثة إيقاعا، ضحك له النادل وسال لعابه:

-      المال هو الحياة، يحيي الموتى، ويشق في البحر طرقا.

وخفت من صوته كالخائف وواصل:

-      نحن أموات من دون قبر

وسكت لحظات يقلب الطرف في كل ما حوله، وأسرَّ لهما:

- جئتكما بقهوتين رائعتين، وجزائي قطعة صغيرة تأخذني إلى عالم الأحلام.

وعاد يتأمل ما حوله ثم واصل بحسرة:

- وما ينسيني همومي؟ حياتي كلها نادل لا بيت ولا زوجة.. سالت مرة الإمام فأرشدني - عليه اللعنة – إلى الصوم.

وضحكا، وهما يجدفان السكر في الفنجانين.

حين رجع سمير إلى البيت والليل يزحف على الحارة، كان كئيبا أكثر من المعتاد، صار مزاجه هذه الأيام أشد تقلبا، مايكاد شعاع الأمل يبزغ على روابيه حتى تهاجمه جحافل اليأس والقنوط، وصار الخوف كخلية نحل تسكن أعماقه.. انزوى في حجرته فوق سريره الحديدي دون أن يطلب عشاء، ودون أن يعرض أحد عليه ذلك.. كانت نفسه تئن كما يئن السرير الحديدي تحته.. وكان ضميره يعذبه.. أسئلة واستفهامات لا حدود لها؟؟؟ آخرها ماالذي جاء بسيارة الشرطة إلى الحي؟ هل هي دورية عادية أم أن في الأمر سرا.. إن أخذوني سأفضح الجميع حتى رجال الأمن الذين تعودوا الابتياع من عندي.

ودق الباب عنيفا وهرع سمير يتعثر في غطائه وقد ارتفعت دقات قلبه.. خيل إليه أن الشرطة تقف عند الباب مشهرة السلاح في وجه عمار كرموسة المكبل بالأغلال، وقد جاءت إليه بناء على اعترافه.. وألحت الدقات على الباب الهزيل.

وقف سمير عند الباب ومد نظره عبر شقة فيه واستوى واقفا فمسح عرقا تفصد على جبينه، وحمد الله في سره، وراح يفتح الباب على مهل.

وقف النادل أمامه مائل الرأس مهشم الأسنان، وفي عينيه انكسار وخيبة، وأدرك سمير قصده فزجره قائلا:

-      اذهب عليك اللعنة سيارة الشرطة ظلت تلح في الدوران

وبصوت مبحوح ذليل أجاب النادل:

-      لو قطعوني ما ذكرتك..

وتراجع سمير إلى الخلف حتى سد الباب ثم دخل وأمسك به وصفقه بقوة، وراح يحكم إغلاقه وقد أحس بشهوة البكاء والنشيج المتعالي.. عليها اللعنة أمة تشجع أمثالي وتقمع أمثال فاتح اليحياوي.

حاشية 49:

تتشكل عين الرماد من جملة من الأحياء الفقير المتراصة التي يصعب عليك في كثير من الأحيان الفصل بينها، تبدأ في أسفل المدينة عند اتساع الوادي أكواخا قزديرية ثم ترتقي باتجاه الأعلى حيث الجبل والغابة، وحيث المدينة الفرنسية القديمة، وحيث ترتكز المؤسسات العمومية وبيوت علية الناس.. وأكبر أحيائها الفقيرة الحي العتيق حيث يسكن سمير المرنيني، وعمار كرموسة، وشيبوب، ودعاس لحمامصي، وعلي الخضار، وغيرهم ويمتاز هذا الحي بضيق أزقته حتى ليتراءى بيتا واحدا كبيرا.. تمثل أسلاك الكهرباء والهاتف شبكة عنكبوت محكمة النسج وتتدفق مياهه القذرة طول العام، ورغم أن مسكن سمير يقع في طرفه إلا أن الشمس يصعب عليها الوصول إليه.

      

 (10)   

فرح في الوجوه.. وحزن على الجدران المسودة.. حركة دؤوبة في البيت.. ثماني أيدي تظافرت جميعا في تكويم الأثاث وإخراجه إلى الزقاق الضيق ثم ترصيفه في الشاحنة لنقله إلى المسكن الجديد بالعمارات..

صاحت العمة كوثر في الجميع، وهي تضم إلى صدرها جملة من المخدات:

- كأنكم خرس لم أسمع زغرودة واحدة.. أم تدخرون ذلك إلى لحظة الوصول؟

وتناهى كلامها إلى مسمع الأب الذي دخل من الزقاق، فوقف مكانه، واتكأ على الجدار مرهقا وقال:

-      لو رأيت هذه المساكن المغشوشة لفضلت عليها هذه الحارة البائسة.

ورمت العمة كومة المخدات في صدر أخيها، وردت عليه معاتبة

-      احمد الله.. الناس يعيشون كالحيوانات في أكواخ قزديرية

ثم سكتت لحظة كأنما أرسلت هذا الكلام تمهيدا لكلام لاحق

-      واشكر سي المختار لو لم يكن هو..

وسكتت العمة فجأة عن إكمال جملتها، ومدت يديها تحمل بعضا من الأغطية المتراكمة على الأرض.. وترك سمير الطاولة التي كان يحملها، وركز نظره في أخته العطرة التي علقت باندفاع على ماقالته عمتها:

- صدقت لو لم يكن سي المختار ما حصلنا على سكن وما استطعنا...

وانفجر سمير في وجهها كالصاعقة الماحقة وهو يضرب الطاولة إلى الأرض فتتشظى أعضاؤها

- بل أستطيع أن أذبحه يوما من قفاه كالخنزير.. كان حثالة المجتمع فصار سيدا ومسؤولا؟

والتفتت إليه العمة، ثم خطت إليه تاركة الأغطية تتدحرج من يديها، وأمسكت به مهدئة:

-      قبل الكلب من فمه حتى تقضي حاجتك منه

ودفعت به إلى الزقاق لتسرع بإطفاء نار الخصومة.. واستمر إخراج الأثاث ملفوفا بالصمت الحزين

حين فرغ جوف الحجرتين من أحشائهما عاد سمير إلى الداخل يمرر نظره على الجدران المسودة، وعلى الأرضية الإسمنتية المشققة.. كان طيف أمه ينساب هاربا من مكان لآخر.. وكان هو يحاول القبض عليه فيجمد خائبا منهارا.. وكانت ملامحه تتغير فجأة انبساطا وانقباضا.. ووقف عند الجدار الأيمن ورفع بصره إلى صدره.. كانت صورة أمه مازالت معلقة هناك.. لقد عمد إلى أن يتركها آخر ما يخرج من البيت.. ودخلت العطرة، ولحقها الأب.. وتجمدوا جميعا حيث هم، تُعانِق أعينهم الصورة التي علقتها العائلة بعد رحيل سليمة المرنيني عن الفانية.

وانفجرت دموع سمير.. وفي جسمه سرت ارتعاشة شديدة، ومد يدين مرتجفتين فأخذ الصورة الموضوعة في إطار مذهب.. وتقدمت العطرة والأب، وامتدت الأيادي تحمل الإطار، وتخرج به كما تحمل هيكل إلـه.

حين كانت الشاحنة الصغيرة تغادر الزقاق حذرة من أن تصدم جدران المنازل وسقوفها، كانت أسراب الحمام تحط وما تفتأ أن تحلق مضطربة.. وكان أفراد العائلة يعيدون أشرطة الذكريات الحلوة والمرة جميعا.. هنا ولدوا، ودرجوا، وتجرعوا من الدهر كؤوسا من العلقم، وأخرى ختامها فرح عابر..

وظل سمير المرنيني وهو يركب في مؤخرة الشاحنة على ركام الأثاث يتطلع خلفه.. يقرأ ذكرياته على كل ذرة من الحارة.. منذ أن درج صبيا يلهو بقططها ويتلذذ أتربتها، ويقضي حاجته عند جدرانها.. ومذ دق قلبه حبا فتعلق بابنة الجيران رحمة، يعدو خلفها، وخلفها يرفرف قلبه فيمتطيان الجدار يتبادلان النجوى.. رحمة التي لم ترحمها أسلاك الكهرباء المزروعة موتا زؤاما في جوارح الحارة.. كان اليوم قبرا متوحشا، ورحمة تمد يدها في غفلة من قلبها فتمس ناب الأفعى، ويرتعش بدنها الغض كاليمامة الملدوغة، وتسقط أرضا تاركة في قلب سمير ثلما عميقا لا يمكن ردمه.

ترك سمير من يومها المدرسة، وصارت قبلته المقبرة، يجلس الساعات الطوال إلى قبر الحبيب.. يعصر ذاكرته كحبة ليمون ليعيد كل لحظات الحب.. وبدأت الذاكرة تتعب، وراح سمير يبعثها إلى الحياة بأقراص ولفائف مختلفة.

آه كم كنت قاسيا أيها الدهر الخؤون...!!!    

ودخلت الشاحنة الحي الجديد، وتهادت لتتوقف تماما أمام العمارة المقصودة.. ووصلت شاحنات وعربات تحمل إلى الحي الجديد دعاس لحمامصي، وعلي الخضار، وشيبوب بائع الجرائد، ومن بعيد كان سحنون النادل يتدافع عربة يدوية أثقلها أثاثا حتى انثنت عجلاتها، وإلى جوارها عجوز تسندها خشية أن تنهار، وفي عينيها فرح بالمسكن الجديد.. كان المكان.. وكان الفرح ورودا تتهادى في الفضاء.. وفي الممرات غرست شجيرات خضراء سيقت إلى حتفها سوقا.. وعند المدخل العام لافتة ترحيب، وأعلام، وألوان، ومصابيح، وعيون كاميرات، وشرطة، وأطفال مدارس، وكادحون حشروا منذ الصباح الباكر.. ومسؤولون ببذلاتهم وأحذيتهم اللامعة وأشرطة مدت تقطع الطريق، ومقص، وعصفورة صغيرة، والكون كله في انتظار فخامة الرئيس ليدشن مئة مسكن جمعت في عشر عمارات.. وأقيمت تلك الليلة حفلة خاصة، رقصت فيها لعلوعه، ومختار الدابة، وحضرها كبراء مدينة عين الرماد، منهم الجنرال وعياش لَبْلوطه وعزيزة الجنرال والحاج حشحوش.

حاشية 50:

قيل إن مدينة عين الرماد قد ذبحت مئة كبش.. عشرون كاملة تبرعت بها عزيزة الجنرال وحدها إكراما لفخامة الرئيس.. وقيل إن خلقا كثيرا جيء به من كل المدن المجاورة.. وجيء أيضا بالعازفين وضاربي الدفوف، وعارضي الأجساد، ومتقني الألعاب الفلكلورية إكراما للرئيس.. وقيل إن المدينة احتفلت الليل كله ورقصت بملء قلوبها.. وقيل إن أهل المدينة قد وقعوا جميعا دون استثناء رسالة رفعوها إلى فخامة الرئيس يرجونه فيها أن يتواضع، ويضحي فيترشح مدى الحياة خدمة للوطن وللشعب.. وقيل إن فاتح اليحياوي غادر المدينة قبل يومين إلى خلوته بالجبل ولم يعد إليها إلا بعد يومين.. وقيل أيضا إن له حساسية مفرطة تصيبه كلما رأى مظاهر الزينة في المدينة انتظارا لمسؤول كبير.

 

(11)   

برغم الفرح العارم الذي راح يزهر على ربوة القلب، إلا أن غيوم حزن ظلت ترفض الاستسلام والانسحاب.. فلم يدخل خليفة إلى بيت كريم ليدغدغ خدود الأحفاد بقبلات تعودوها، وإنما عرج على بيته، ولم يسكت طويلا حتى راح يفرغ حقائب أسراره على مرأى من زوجته التي نشطت تحضر القهوة، وتجلس ملتصقة به مسرة:

- الرأي الصائب أن تزوجها دون تردد.. كاد قطار العمر يرمي بها في محطة العنوسة.. أعرف أنك ترغب في استشارتها.. ولكن ثق أنك... زوجها حتى لاتبقى خادمة لتلك الأفعى.

تبرم خليفة من ثرثرة زوجته، ولم يكفه مجابهتها بصمته.. فهم أن يدفع بها بعيدا عنه.. وفاض إبريق القهوة فعجلت إليه، وماكادت حتى عادت بفنجان القهوة تذيب فيه السكر وقطرات منه تتهاوى منتحرة على الأرضية.. وضعت الفنجان وجلست ملتصقة به لتكمل سيل كلامها وتبكمت فجأة وقد رأت بدرة تدخل عليهما فتململت في جلستها.. اعتدلت ثم غادرت.

قبلت بدرة أباها على رأسه، وجلست إلى جواره تحتضن يسراه بيديها، وتغمض عينيها تنشر ماطوي في ذاكرتها الصغيرة عن أمها التي غادرتهم فجأة ذات صيف بعد أن مشطت ظفائرها..

ومد الأب أصابع مرتعشة إلى رأس بدرة كأنما يسعى إلى دغدغة ذاكرتها أكثر، وأسند رأسه إلى الجدار مركزا بصره على السقف الأبيض الصقيل ليتخذه مرآة لماضيه الجميل.. وتنحنحت بدرة مرات وقالت:

-      هل عندك الجديد؟

وذبحت طائر الحلم عنده فاعتدل في جلسته وقال:

-      لاجديد يا بنيتي، أنا أنتظر ردك..

ونكست رأسها فانسدل شعرها الأسود ليلا يحجب صفحة الوجه الأسمر وقالت:

-      في قلبي تردد..

وتدخلت زوجة أبيها وهي تقف على جانب باب الغرفة كأنما كانت تنتظر الفرصة:

- حياء الأبكار.. الرأي عندي أن تزوجها هذه فرصة، ولا يُعثر على البيض مرتين

واستاء الأب مما فعلت، وقالت فالتهب في وجهها شواظا:

-      وأنت كالثعلب تدخلين أنفك في كل شيء.. ماتراه ابنتي أفعله

ودافعت بدرة عبرات تدحرجت إلى حافة أشفارها متنافسة على الانتحار، وامتلأت يأسا وقنوطا فقالت:

-      ما تربيت على فعل رأيي.. ماتراه يا أبي يرضيني ويسعدني.

وقفت بدرة وجمدت مكانها ولم يشأ أبوها أن يفتح جيوبا أخرى للنقاش فوقف إلى جوارها وخطا خطوتين أراق بهما دم فنجان القهوة وقال:

-      كل شيء بقدر الله ومشيئته.

وانسحبت بدرة خارجة فاسحة الفضاء لزوجة أبيها التي طارت إلى جانب زوجها، وفتحت قناتها من جديد:

-      ألم ترها وتسمعها، إنها راضية كل الرضى

ونفخ الأب خديه وزفر متأففا، ثم خرج صافقا الباب خلفه كأنما يغلقه سجنا على كابوس رهيب.     

قطعت بدرة الفناء الصغير الذي يفصل بين المنزلين ودخلت الرواق تجر قدميها المكبلتين بأغلال القلق والحيرة.. مرت على غرفة أخيها إلى غرفتها ولكنها مافتئت أن عادت.. وقفت عند الباب الذي كان شبه مغلق، وكان كريم غارقا في كوم من الأوراق يغمس رأسه فيها متمتما وقد بدت على ملامحه شباك للتعب.

وتفطن لوقوفها متلصصة فرفع عينيه.. فركهما.. رمى بالقلم في مهاوي الأوراق وتمتم مستغفرا الله

دفعت بدرة الباب برفق ودخلت سائلة:

-      لو رآك من لا يعرفك لظن أنك مدير لشركات كبرى.

واستوت جالسة بجواره عامدة إلصاق جنبها إلى جنبه، وتمنت في أعماق قلبها لو تستطيع أن تسند رأسها إلى صدره.. ولو تُقبِّل كل جزء في وجهه ورأسه.

ورفع هو عينيه في أخته وقرأ على وجهها سحائب هموم سود تسعى أن تغتصب منها نضارة الشباب.. لف ساقا على ساق وجمع أوراقه إلى فخذيه وركز عليها ساعديه وقد لف ذراعيه.. وأحست بدرة باضطرابه فرسمت على محياها ابتسامة باهتة وقالت:

-      يبارك الله في خدمة الأرض، ويَأْجُر عليها.

ووجد كريم أخيرا منفذا ينفجر منه، وينفس براكين صدره الملتهبة:

- حاشا للأرض.. ولكن مصاريف الضرائب والكهرباء وغلاء الآلات جعل الرابح الحقيقي من الفلاحة هم التجار وحدهم.. يشترونها منا بالأبخس ويبيعونها بالباهظ

وتململ لحظات يعيد جمع أجزاء جسده، ويعيد لملمة أفكاره المشردة وواصل قائلا:

- لما كنت مغنيا كنت أحسن.. كل أصحابي اشتهروا وجمعوا أموالا طائلة.. هذا الشعب يابدرة يا أختي شعب لهو وعبث لا يؤمن بالعلم ولا بالثقافة ولابالعمل الشريف.. انظري ما الذي وقع لفاتح اليحياوي؟

وصلتها هذه الكلمات خناجر حادة تسّاقط على قلبها المثخن بالهموم.. صحيح ماقال طالما واجهها الجميع حتى طلبتها: "وماذا فعلت أنتِ بالتعليم؟ المتسول في بلادنا خير من المعلم..؟" واندفعت تسد عليه طريق الحديث:

-      البركة في القليل والغنى في القناعة... كنت منذ لحظات عند أبي.

وأحس كريم أنها أرادت أن تغير دفة الحديث قبل أن تمخر سفينة الكلام في اللجج العاتية فسألها مجاريا:

-      وما رأيك فيما عرض عليك؟

-      تركت الأمر له.. وما يراه صائبا أراه معه.

-      حتى أنا لم أسأل عنه إلا قليلا، والناس مختلفون، ونياتهم مستترة.

وطأطأت بدرة رأسها وقد تعانقت دموع في عينيها:

-      المهم رجل وانتهى

وأحس كريم بمشاعر أخته الحزينة، فصمت لحظات يختار كلمات تناثرت أمامه في الهواء

- الأمر يخصك بالأساس يا أختي.. والزواج ليس لعبا.. وأنت متعلمة، ونحن في زمن حرية المرأة

وضحكت بدرة في أعماق قلبها من زمن حرية المرأة ونهضت من مكانها.. سارت خطوتين نحو الباب ثم التفتت إليه وقالت:

-      الزواج بالنسبة لي مغامرة.. وكل امرأة وحظها في الحياة.

وخرجت بدرة من الغرفة وكلمات زمن حرية المرأة كجلاميد صخر تتهاوى في فراغ ذهنها الكليل.

وبقي كريم في مكانه لا تطرف عيناه، تتزاحم على ذهنه مئات القضايا.. قتلُ عزوز.. زواج بدرة.. إفلاس الفلاحة.. ثراء رفاقه في عالم الفن... زمن حرية المرأة.. نصير الجان.. عزيزة الجنرال.. مختار الدابة.. الحاج حشحوش، وتذكر ذات ربيع حين قضى مع فاتح اليحياوي أياما يحضران لندوة فكرية، ووقفا عند الباب ينتظران الوافدين.. كان الحضور قويا ولكنهم بمجرد أن يلجوا الباب كانوا يقصدون القاعة الكبرى حيث تقام حفلة غنائية، وكان كريم يقول:

-      ألم أخبرك يا فاتح؟ الشعب شعب لهو.. حتى الذين جاؤوا من أجلنا باعونا في آخر لحظة، ألم ترهم؟ إنهم يتجاهلوننا ويقصدون قاعة الحفلة؟

وقامت الحفلة حتى الليل، وانصرف المحاضر معهما يتأبط أوراقه وقد تملكه يأس شديد، وبات فاتح اليحياوي يتجرع خيبات هذه الأمة مرددا بينه وبين نفسه:"هذه أمة تجمعها الزرنة والبندير وتفرقها العصا" 

بعدها بأشهر استولت عزيزة الجنرال على مدرسة قديمة وسط المدينة لتشيد فيها دَارَةً ضخمة.. تناقلت الشفاه رفضا جبانا.. صدع فاتح اليحياوي بالرفض.. سارت الحشود خلفه من شارع لشارع.. وقفوا أمام البلدية عاصفة هوجاء تصرخ بسقوط مختار الدابة ونصير الجان وعزيزة الجنرال.. تدخلت قوات مكافحة الشغب.. فرقت المتظاهرين واعتقلت فاتح اليحياوي.. تفرقت حوله الجموع.. شهد ضده بعضهم.. اتهموه بتحريضهم ومغالطتهم.. سجن أشهرا وخرج ليدخل سجنا أعمق.     

حاشية 51:

ماوقع بين كريم ونوارة لم يعرفه الناس في الواقع، ولم يعرفه هو إلا من خلال كتاب طوق الحمامة لابن حزم الذي أهداه له فاتح اليحياوي بعد أن وقع الذي وقع.. وماالذي وقع..؟

كان المساء رائقا جميلا استرجعت فيه مدينة عين الرماد أنفاسها بعد يوم قائظ ملتهب، وتهاطل غيث كبَّل الغبار الذي ظل يهدد حياة الجميع.. ليس يدري ماالذي ساقه إلى ذلك الشارع.. وليس يدري ما الذي دعاه أن يرفع بصره إلى تلك الشرفة المستديرة.. كانت بفستانها الأحمر المطرز، وشعرها الفاحم المنسدل على الكتفين.. كانت بوجهها المتألق سمرة.. بتقاسيم الوجه الفاتنة تشبه كل الجميلات العربيات والبربريات.. كاد يرفرف من مكانه فيقطع أفنان شجرة مشمش تعالت على الشرفة تكاد تحجبها.. ورجع إلى فاتح اليحياوي عجلا ليدثره بطوق الحمامة.. ولم تمض إلا أشهر حتى كانت نوارة معه وإن ظل يناديها حسناء دون أن يعي جيدا فكرة الحب من نظرة واحدة    

حاشية 52:

وقضت نوارة سنوات حلوة مع كريم في جو العائلة الكبير يظللهما قوزح الفرح متألقا متوهجا حتى أصر الجميع على خليفة كي يتزوج، وماكادت الدخيلة تنزل بينهم حتى بدأت سحب داكنة تتشكل في سماء الأسرة مغطية شيئا فشيئا على قوزح الفرح.

حاشية53:

كلما تذكرت بدرة أمها ارتسمت أمامها سريعا تلك اللحظات الأخيرة وقد أكملت لها تسريح شعرها، ثم قامت من مكانها لتتهاوى فيه بسرعة، وماكاد الجميع يهرعون إليها حتى صارت جثة هامدة، لم ينفع نقلها إلى المشفى شيئا، ولم تفقه نوارة شيئا سوى أن سكتة قلبية لسعت أمها وسرقتها منها إلى الأبد ليحاول الأب المسكين طوال سنوات أن يقوم بالدورين معا، وأن يعصر من قلبه الدافئ المترع حنانين معا.

 

(12)   

كالأمير كان يجلس على أريكته الفاخرة التي كانت أول ماجدد حين دخوله البلدية.. وكجارية أندلسية.. كجميلة أَرِّيسِيَّة كانت تقف إلى جانبه كباقة جمعت كل أطياف الزهر.. وبأصابعها البضة كانت تقلب أمام عينيه أوراقا ليوقعها.. وكان يجلس على سنام الانتشاء.. تستحم عيناه من شلال عبقها وفيض حسنها.. وتوقف لحظة ليسترد أنفاسه التي شردت بها الأنامل الخلابة:

-      أين خاتمك؟

ولم تجبه، بل بقيت تمسك الورقة أمامه كأنما جمدت عن الحركة، واستمر في الحديث:

-      اشتريته لك بأكثر من مليونين.

طوت أصابعها إلى راحتها، وطوت ذراعها إلى جسدها، فاندفع مختار الدابة يتمايل برأسه ويغني:

-      خمسة ملايين ذهب.. وعقلي ضاع وذهب

أحست بالتقزز فابتعدت قليلا.. وضمت يديها إلى أسفل صدرها، وتاهت بجبينها، وقالت متحدية:

-      غدا أعيد إليك ذهبك.

ودفع أريكته إلى الخلف ونهض من مكانه يطوقها بعينيه ويكاد يلف حولها ذراعيه، وقال معاتبا:

- لم لا تفهمينني؟ أنا مستعد أن أبيع كل شيء من أجلك.. البلدية.. وشعبها.. ومن أجلك أتحدى كل شيء حتى أخوك سمير الذي لا يراني إلا وأمطرني بنظرات عدائية.

وابتعدت عنه أكثر كعصفور غير فننا في شجرة وقالت:

-      لعل أخبارك قد وصلته وسيضيع كل شيء مني ومنك

وكالكلب اللاهث تدحرج قريبا منها وقال:

-      وأنا أريد أن أتزوجك على سنة الله ورسوله

وخاضا في حديث عن شرعية التعدد وعدمها.. وتحول مختار الدابة عالما يحلل ويشرح.. وحين لاحظ صمتها المطبق سمح لها بالانصراف على أمل أن تحضر معه الليلة حفلا في ملهى الحمراء بمناسبة زواج ابن الجنرال.

وخرجت العطرة فارتمى مختار مرة ثانية على الأريكة، وراح يحلم بوجوده في الحفلة إلى جوار العطرة يتحدى بها لعلوعه التي طالما تحدته.

ولم تذهب العطرة إلى الحفلة كما وعدت.. فقد كانت تشم رائحة الرفض في كل مكان، ونهضت صباحا تتعانق في ذهنها أحلام وكوابيس، ويتدافع في نفسها رجاء ويأس.. ولبست أحسن ثيابها وخرجت إلى الردهة، وفيها شيء من الكبرياء والغرور، وماكادت تتألق حتى ظهر سمير من غرفته وهو في ثياب النوم وعلى ملامحه غضب ثائر:

-      العطرة.. إلى أين..؟

وفزعت كغزالة فاجأها ليث جائع.. وتلعثمت في كلامها وقالت:

-      صباح الخير..

واقترب منها سمير أكثر ورأت في عينيه ثعابين الحقد، وخشيت أن يمد يديه فيصفعها فاجتمعت على نفسها هلعة وقالت:

-      للعمل كالعادة..

وأمسكها من ذراعها فرمت حقيبتها، وغطت وجهها بذراعيها تحاول اتقاء ضرباته، ودفع بها إلى الجدار وهو يقول:

-      لن تذهبي اليوم.. ولن تذهبي منذ الآن.. كثر عليك كلام الناس

والتهب وجهها غضبا كأنما التهبت فوقه جهنم، وجمعت شجاعتها وقالت:

ليس في الناس إلا طول ألسنتهم.. لا لشيء إلا حسدا من نفوسهم المريضة

وهدأ سمير من براكين غضبه فابتعد قليلا عنها كأنما يود أن يمنحها شيئا من الأمان وأن يخاطب فيها العقل:

-      يا أختي لا دخان من دون نار

وخرج الأب من غرفته وتوجه مباشرة إلى ابنته فأمسكها من ساعدها وقال برفق:

- ياالعطرة ماقاله سمير هو عين الصواب ابعثي شهادة طبية وانتهى الأمر.

وهدأت العطرة كجمرة غطاها ماء غزير، وقالت وهي تحمل حقيبتها.

-      حاضر.. حاضر

ودخلت غرفتها فلحق بها أبوها في الوقت الذي بقي سمير في الردهة يجول به الغضب ويصول.

دق الباب بهدوء ودفعه بهدوء، أيضا كأنما يخشى تهاويه.. وفي فمه تترقرق كلمة:

- العطرة.. بنيتي العطرة..

ومدت أصابعها المرتجفة تمسح دموعها عن عينين محمرتين.. استنشقت دموعها.. رفعت شعرها المتهدل في غير انتظام.. كان الأب قد وقف أمامها وهي تجلس على سريرها، وقبل أن يجلس قال معاتبا:

-      مالك تغضبين لأتفه الأسباب؟

وجلس إلى جوارها يحتضنها، وتذكرت في حضنه الدافئ حضن أمها الرؤوم الذي افتقدته زمنا، فتوغلت في خمائله الدافئة، وهي تجهش بالبكاء قائلة:

- أن أتهم في شرفي ليس أمرا بسيطا ياأبي.. منذ وفاة أمي صار لي عفريتا.

وطوقها بذراعيه.. وضمها إلى صدره يسعى إلى إسكانها عش القلب عصفورا مهيض الجناح، تاركا للصمت فضاء لازرديا تورق فيه شمس الحب.. ومد يمناه كيد الملائكة، فمسح دموعا كادت تشق على الوجنتين جداول رقراقة وقال:

-      لولا حبه لك مافعل الذي فعل.. هو أخوك وسمعتك من سمعته.

 وسلت رأسها من صدره بهدوء وقالت:

-      لست صغيرة أرضع إصبعي.. تهمني سمعة العائلة أكثر مما تهمه

وعاد الأب يضمها إلى صدره بيمناه مداعبا شعرها بيسراه وهو يقول وعلى شفتيه ابتسامة الرضا:

- مادمت حيا لك أن تفعلي ما تريدين.. دعيه يعود لهدوئه ثم عودي لعملك.. فلن أقبل بك باكية منذ اليوم.

ومسحت دموعها وقامت من مكانها خارجة من غرفتها.. وجلس حيث هو في سريرها يتأملها.. أعادت إليه مشيتُها كل حركة كانت تقوم بها أمها سليمة المرنيني..

آه.. وعليك ألف رحمة يا حبي الأول والأخير.. وطار به الخيال إلى أيام الشباب حين قرر والده أن يزوجه.. وحين خطب له.. وحين جاؤوا بالعروس دون استشارته.. ولم يرها عليها الرحمة إلا يوم دخوله بها.. فملأت قلبه غبطة وسرورا.. وملأت حياته سعادة وحبورا.. وحين فتح عينيه على الحياة أظلمت في وجهه ففقد فلذة الكبد.. وفقد شمس القلب.. فأفل عمره إلى الأبد.

ودفع جهدا ضئيلا بقي في نفسه فخرج إلى الشارع الأغبر كانت جدران العمارات صفراء باهتة بلون الموت.. وعلى الوجوه قتامة وحزن.. توغل في الحزن منحدرا إلى مستودعات الحاج حشحوش وقد وصلت شاحنات السلع وأحاط بها عشرات العتالين يتنافسون في إنزال الحمولة.. قدور الخبزة.. شيبوب.. سحنون النادل.. فانخرط معهم وقد خيل إليه أن كل سكان عين الرماد يعملون عتالين.  

حاشية 54:

من أكثر الكلمات التي شاعت بين أغنياء مدينة عين الرماد، الزواج على سنة الله ورسوله، حتى أن إمام المسجد الجامع اتخذ موضوع تعدد الزوجات محورا لدروس متتالية، وكان يصر أن ذلك يدخل في إطار "من أحيا سنتي بعد فساد أمتي فله أجر شهيد.." 

حاشية 55:

 دام عرس الجنرال الذي أقامه لابنه بالتبني أسابيع، صارت فيه عين الرماد قبلة للشخصيات من السياسيين وذوي النفوذ، وقضى مختار الدابة أياما لا يبرح المكان بين الحسان والملاح ممثلا لأبناء عين الرماد، تاركا مهمة تسيير البلدية لنائبه نصير الجان.

 

(13)   

وأقبل سالم بوطويل من بعيد برفقة صالح المِيقْرِي الذي كان يحاول بعرجته مسايرة صاحبه الذي كان عجلا نحو المقهى، وتوقف فجأة دهشا وهو يرى خليفة قد سبقهم إلى الموعد ففتح ذراعيه وصاح:

-      سبقتنا وأنت رجل المكرمات

وجلسوا وعلى وجوههم يزهر فرح عامر.. وارتفع صوت سالم يدعو النادل للإسراع بما يشربون.. ومد صالح عصاه مع عرجته وقال:

-      نعرس هذا الصيف

وعلق سالم بسرعة:

-      نحن حضرنا كل شيء الكباش والكسكس و...

وصل سحنون النادل فوضع أمامهم ثلاثة كؤوس قهوة، وانسحب بسرعة ملبيا نداء الزبائن الذي ارتفع من كل حدَب وصوب كأنما هو أصوات استغاثة.

تناول خليفة كأسه الساخن بأصابعه الباردة فأحس بالنشوة تسري في كل خلاياه وقال بصوت خافت متردد:

-      إذا قدر الله.

وأعاد سالم وضع كأسه الذي حمله وهم أن يرتشف منه وقال:

-      دعني أقبل رأسك.. حتى أنا ارتحت إليك منذ الوهلة الأولى.

ووقف فاحتضن رأسه بيديه وقبله بعمق ومال ليتلفت إلى صالح المِيقْرِي الذي أسعده هذا التوافق وهو يقول:

-      إنما خلقت المرأة للرجل

وبقدر ماكان خليفة مؤمنا بمثل هذا الكلام بقدر ماكان يخشى على ابنته أكثر بعد كل خطوة يخطوها للزج بها في جحيم أو جنة الزواج.. وانتظر سالم يعود إلى كرسيه وقال:

-      بدرة هي ابنتي الوحيدة، ومذ فقدت أمها وأنا لها الأم والأب

وشق سالم غشاوة الحزن التي خيمت على الرؤوس:

-      وسأكون لها أما وأبا يا خليفة يا أخي

وارتفع صوت سالم من جديد يدعو النادل يطلب مشروبات باردة فرحا بموافقة خليفة على الزواج.. وحاول خليفة أن يمنع ذلك لكنه مافتئ أن خضع أمام إصرار سالم الذي انفتحت شهيته للحديث، وسرد النكت والتعليق على واقع الناس كما لم يتعود..

إن زواج ابنه سيغير حياة العائلة كلها تغييرا جذريا.. بل وسيغير في عينيه مدينة عين الرماد كلها..

وخرجوا فيما بقي سحنون النادل يتابع الثلاثة يبتعدون وفي ذهنه جملة من الأسئلة عن حقيقتهم وسبب لقائهم في هذا المقهى وما رآهم من قبل فيه.. وأقبل قدور الخبزة يمسد بطنه بيمناه وإلى جانبه شيبوب ودعاس لحمامصي.. وهب سحنون يلقاهم مبتسما.. وماكادوا يجلسون حتى راح يمسح الطاولة النخرة بخرقة قماش ذهب بياضها.

- أنا أدفع ثمن المشروبات

وقد عُرف عن قدور الخبزة الكرم، مايكسبه بيمناه ينفقه بيسراه مرددا: لن أعيش أكثر مما عشت.. وقد تحسنت حاله المادية منذ صار رئيس العتالين عند الحاج حشحوش يقبض من السيد ومن العتالين وينهب ما استطاع إليه سبيلا.. قال شيبوب قاطعا سحائب الصمت:

- ياقدور يا أخي يجب أن تطلب من الحاج حشحوش أن يحسن مرتباتنا.. نظل اليوم كله نفرغ القناطير المقنطرة ونقبض الريح

قال دعاس لحمامصي:

- كلما رأيته يحدق فينا شزرا ونحن نلهث ونتصصب عرقا إلا وتمنيت قتله

- أما أنا فسأقتله حقا

ودلف عليهم سحنون النادل حديثهم وهو يضع المشروبات قائلا وعلى وجهه فرح:

- سمعتم الجديد؟

ودون أن ينتظر إجابة واصل يقول:

 - لقد قررت فرنسا منح الجنسية الفرنسية لكل جزائري ولد قبل الاستقلال.. لقد كلفت جاري بمهمة استصدار وثائقي.. وقد جاءني بها منذ لحظات بعد أن وقف في الطابور منذ الصباح..

وتصايح فيه الزبائن فاندفع ملبيا وقد حلقت به الأحلام من خلف البحر.

منذ ساعات الفجر الأولى كان قدور الخبزة وشيبوب ودعاس لحمامصي في طليعة الطابور الطويل أمام البلدية لاستصدار الوثائق اللازمة وحلمهم كبير بالعبور إلى بلد الجن والملائكة.    

حاشية 56:

كان صالح المِيقْرِي كلما رأى تبرم سالم من الواقع الذي تمر به أسرته والمدينة جميعا يقول إمعانا في إغاضة صاحبه:" ولماذا أخرجتم فرنسا؟ لو تركتموها سيدة لنعمتم بما ينعم به الفرنسيون والمهاجرون أمثالنا.. ألم ترهم يتزاحمون على وهم اللحاق بها؟" حتى إذا ماكاد سالم ينفجر غيظا كتم صالح المِيقْرِي ضحكته وابتلعها

 

(14)   

الصمت الرهيب من حولها يزيد من شراسة الأشباح التي كانت تتراقص على سطح مخيلتها.. لقد فقدت في هذا البيت الجديد كل ماكان يعشوشب فيها من ذكريات جميلة.. ذكريات الطفولة.. وذكريات الحب الأول.. وذكريات أمها وطيفها الذي كان يزورها حينا بعد آخر يحلق في جو الحارة والبيت القديم.. حتى أسراب الحمائم التي كانت تغزوهم فلا تمل سليمة المرنيني من إطعامها، وعلى نفس العادة سارت العطرة، حتى هذه الأسراب لم تعد تحضر.. ورفعت بصرها إلى الردهة عبر باب المطبخ فلمحت صورة أمها التي ثبتت في إطار مذهب على الجدار.. لقد صارت ابتسامة الصورة باهتة..

وعادت بها الذكرى إلى الحارة دون أن ترفع بصرها عن حبات البطاطا التي كانت تسلخها سلخا سريعا.. ودق الباب فارتعشت كصفصافة لوتها العواصف بقوة.. ونهضت تمسح دموعها.. ولم تكد تخطو خطوتين حتى فاجأتها عمتها كوثر تدخل عليها المطبخ في حجابها الرمادي وخمارها الملون، وقد فرت من حصاره خصلات صفراء تدلت على الجبين كأغمار الحرير:

-      مالعصفورتي تبكي؟   

وعانقتها مقبلة وهي تقول:

-      الأهوال من حولي كأمواج البحر الشتوية.

وارتمت كوثر فوق كرسي أبيض مسند إلى الجدار، وراحت تحل عقدة خمارها على مهل، ثم تجمع الخمار وتدسه بين ركبتيها فبدت أصغر مما كانت.. وبدت أكثر جمالا وتألقا.. وبدت على خديها حمرة متوهجة تهزأ بالسنين الأربعين.. وعادت العطرة إلى مكانها تجمع حبات البطاطا وقد أكملت تقشيرها دون أن تلتفت إلى عمتها التي فتحت شفتي جرح غائر:

- علمت أنهم حبسوك عن الذهاب إلى العمل. 

ورمت ماكان في يديها وقد تقاطرت أصابعها ماء، كما فاضت عيناها دموعا

- حكم القوي ياعمتي.. سمير تحول لي عفريتا متوحشا.. لا عذر له إلا أن الناس ينهشون بأنيابهم الحادة أعراضنا

وكلما كان صوتها يزداد ارتفاعا كانت عمتها كوثر تزداد انغماسا في هدوئها، وأحست العطرة بذلك فتوقفت فجأة عن الكلام، وراحت تمسح يديها في ثوبها:

-      حتى أنا وصلني هذا الكلام الذي توتوت به الشفاه

والتهبت العطرة فزعا.. وجحظت عيناها.. وعجلت تركن إلى يمين عمتها كتكوتا صغيرا يحتمي بجناح أمه.. شدت على ذراع عمتها بأصابع من حديد، ورنت ببصرها تتفرس كل حركة في ملامحها وقالت:

-      لا أريد منك إخافة.. يكفيني ما أنا فيه.. ما الذي سمعته؟

ومدت العمة أصابع يدها اليسرى فشدت بها يمنى العطرة، وانحنت قليلا باتجاهها وقالت:

-      جاءتني زوجته إلى البيت.

واندفعت العطرة واقفة وقد امتقع لونها حتى غدت كورقة خريفية مهملة، ووقفت بين يدي عمتها مستفسرة:

-      زوجة مختار رئيس البلدية..؟ ماالذي تريده؟

وأمسكت كوثر بيدي العطرة وجذبتها لتجلسها أرضا أمامها محاولة تهدئتها:

- جاءت تطلب مني أن أبعدك عن زوجها.. لا تخشي شيئا، أقنعتها أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد إشاعات، وأن العطرة مخطوبة لفواز

وانفجرت العطرة باكية، ودست رأسها في حضن عمتها كأنما تحاول الاحتماء من خطر محدق.. ومدت كوثر أصابعها إلى رأس العطرة، وغاصت بها في خصلات شعرها تحقن خلاياها بإكسير الحنان وقالت:

- لا تخشي شيئا ما دمت معك.. والآن يجب أن تتركي أمره، لقد حققت ماصبوت إليه.

ورفعت العطرة رأسها من حضن عمتها وقد أحست بالراحة تسري في كل جسدها.. مسحت خديها من دموع تناثرت عليها كقطرات ندى فوق أكمام زهور حمراء.. وراحت تجمع خصلات الحرير المتهدل على صدرها الناهد، وانسحبت مبتعدة وهي تقول:

-      حلم واحد سأسعى إلى تحقيقه.. فواز...

وماكاد الاسم ينفلت من بين شفتيها الرقيقتين حتى نهضت عمتها من فوق كرسيها، واقتربت منها أكثر وهي تقول:

-      حلمك هذا رفرف بعيدا، وطار إلى حيث لا عودة ياصغيرتي.

وارتبكت العطرة من جديد فغيمت ملامحها وقالت:

-      ماذا تقصدين؟

- علمت أنه خطب أستاذة تسمى بدرة السامعي، وهي أخت كريم الذي ادعى أنه وجد جثة عزوز، ومازالت الشرطة تحقق معه حتى الآن.

- بدرة السامعي..؟ بدرة السامعي..؟ أعرفها.. أستاذة العلوم في المتوسطة التي كنت أدرس بها.. بدرة السامعي؟ فواز يتزوج بدرة السامعي العانس؟ لماذا؟ لم يبق في المدينة كلها إلا بدرة السامعي؟ ما كنت أدري أن كريم القاتل هو أخ لبدرة السامعي، يجب أن نتحرك بسرعة لإفساد هذا الزواج اللعين.. وحدي سأكون من نصيب فواز.. وحدي.. حتى نحن لم نتحرك.. تأخرنا كثيرا...

وأسندت العمة ظهرها للمغسل، وشبكت أصابع يديها، ووقفت إلى جانب العطرة التي كانت أطول منها قليلا وقالت:

- يجب أن تتصلي به شخصيا.. هذا رقم هاتفه تحصلت عليه بطريقتي الخاصة.. وأنا سأتحرك باتجاه أمه لأنني علمت أنها مفتاح الأمر كله.. أما هو فشخصيته ضعيفة، وكل من تفوز به ستجعل منه خاتما في إصبعها تديره كما يحلو لها.. ووراء الرجل ثروة تسيل اللعاب.

وتحولتا فجأة إلى إعداد طعام الغداء يلفهما صمت رهيب.. وسبحت العطرة في أحلام المؤامرة.. كلما ضاع منها خيط أمسكت برأس خيط آخر.         

حاشية 57:

مازالت العطرة تذكر ذلك الصباح الجميل حين تناهى إليها دق على الباب فأسرعت تفتحه.. ودق قلبها الصغير وعيناها تعانقان عيني زكريا بن الجيران.. ودق أشد وهو يتجرأ فيمد يده إليها مصافحا وضاغطا على أصابعها ولافا قلبها المرتعش بصمت طويل.. ومذ ذاك حلقت في فضاء الحب الذي دخلته من بواباته الواسعة بعيدا عن أعين الأهل والجيران.. ولم تمر سنوات حتى وجد زكريا أو زيكو كما كان يحلو لها أن تناديه نفسه متهما بالتستر عن جماعة إرهابية كان يقودها أحد جيرانهم.. ولم يجد زيكو بدا من الفرار والالتحاق بالجماعة حيث يتمركزون في جبل المدينة.. ولكن الفتى لم يفلح في ذلك ووقع في قبضة رجال الجيش الذين قتلوه.. وجاءوا بالجثة إلى المدينة، ولأول مرة تندفع العطرة نحو المكان دون أن تعير أسرتها اعتبارا.. ولم تلحق إلا بالمحفل يبتعد بالجثة...

حاشية 58:

لا يبعد مسكن العمة كوثر عن مسكن أخيها عبد الله كثيرا، وهو مسكن الأسرة الكبير، حجرتان من القرميد يتوسطهما رواق طويل ينفتح على حوش كبير، تغطي أرضيته طبقة اسمنتية سوداء وتقوم في جوانبه أشجار كروم تمد عريشتها فتكاد تحجب الشمس، وفي وسطه تقوم شجرة تين عجوز ظلوا جميعا يحيطونها بالرعاية والتقديس لأنها بركة الجد الأكبر، وفي ركن الحوش الأيمن تقوم سقيفة صغيرة هي مطبخ العائلة، وفي الركن الأيسر يقوم المرحاض والمغسل، وعلى السقوف عشرات الأعشاش للحمام والخطاف، ومذ مات الوالدان استحوذت كوثر على التركة دون أن يجرؤ عبد الله على مطالبتها بشيء، ولم يزد لخوفه الشديد على أخته العانس سوى أن حصن الأبواب والنوافذ بشبابيك الحديد، وقد حاول كثير من الظامئين اختراق ذلك إلى شهد كوثر دون جدوى.

 

 (15)   

تثاءب الصباح يطرد عن جفونه عقد الليل الطويل الذي جثم بكلكله على المدينة فكاد يخنق أنفاسها الباهتة.. التحق الطلبة بمدارسهم.. والعمال بمناصب عملهم.. وبدأت الشوارع والمقاهي تستقبل معاشر البطالين.. أما فواز فقد رفع ستائر عينيه وأرسل نظرات كسلى إلى النافذة المغلقة فتناهى إليه غبش يسد الطريق أمام أشعة نور باهتة منكسرة حزينة فعاد يدس رأسه تماما تحت الغطاء كما يفعل الحلزون، واستسلم لأحلام مثقلة بالنوم.

ورن جرس الهاتف يقطع عنه كل شيء لكنه لم يأبه له، وانقلب على جنبه الأيمن باتجاه النافذة، ووضع ذراعه الأيسر على أذنه يسدها سدا محكما.. وعاد الهاتف للرنين مرات يكاد يخرق طبلة الأذن.. تمنى فواز أن يكون أحد أفراد الأسرة في البيت لكن الظاهر أن لا أحد.. وزاد إلحاح الهاتف فدس رأسه تحت المخدة التي وضعها فوق رأسه وشدها بذراعه شدا عنيفا وهو يلعن أول من اخترع هذا الجهاز اللعين.. وانقطع الرنين فاسترخى عميقا، وبدأ يخلد للنوم الذي طار من قفص الجفنين وعاد ليحط على الأشفار منتظرا فرصة أخرى.. لكن الرنين عاود الارتفاع وفزع النوم فطار محلقا إلى غير رجعة، ورمى فواز بالمخدة بعيدا وأبعد عن هيكله دفء الغطاء الذي تبعثر في الغرفة متحررا وقد عادت إليه أنفاسه..

جلس فواز على حافة السرير، وأسند ذراعيه عن يمين وشمال يتكئ عليهما ليقوم متأملا في جو الغرفة الذي امتلأ أحلاما راحت تحلق فزعة والهاتف يشتد رنينه ويعلو.

ووقف أمام الجهاز وقد ركن إلى الصمت فحمد الله في سره، وتحركت قدمه ليعود بحثا عن عصافير الأحلام، لكن الرنين عاود يمد ذراعيه فيكبله حيث هو:

-      ألو.. ألو.. ألو..

ولم يصل أذنَه أي صوت فانفرجت أسارير وجهه، وجلس على الكرسي محدثا صوتا مسموعا وهو يسحب كل الهواء المتناثر حوله:   

-      ما أحلاه عطر وردة متفتحة الأكمام!

وانفجرت في سمعه متهمة إياه بالخداع.. وأدرك أن في الأمر إنَّ.. وأن الغزالة فريسة جديدة سعت إلى الشباك برجليها فمد رجليه ووضع ساقا على أخرى، وأسند مرفقه على طاولة الهاتف الزجاجية.

وراح يرميها بباقات غزله فترد عليه هي نافرة ناشزة معيرة، وأدرك أنه ليس أمام فتاة كاللواتي تعود على العبث معهن فسأل:

-      كيف حصلت على رقم هاتفي؟

-      هو أشهر حتى من اسمك

وصدمته جرأتها الزائدة.. ودار في خلده أن وراء هذه الفتاة سرا كبيرا.. وهم أن يسألها عن اسمها ولكنه تراجع عن ذلك لأنه تعود أن تسعى إليه الفتيات، ولم يسع إلى امرأة في حياته إلا إلى لعلوعه التي مازالت وستبقى حلمه الأسمى، وسيبقى جمالها نموذجا لجمال بنات حواء جميعا، وقد نذرت نفسها أن تعرضه أمام كل من يريد، رافضة أن تستأثر به أنانية رجل واحد.. ووصله سؤالها طلقة قاتلة:

- أصحيح ماشاع عن خطبتك بدرة السامعي تلك العجوز الشمطاء أخت كريم القاتل؟

وبهت فلم يُحِرْ جوابا، وراح يلملم أطراف نفسه المبعثرة يبحث من أين يبدأ الحديث واستمرت

-      بكل ماتملك من زينة لا تساوي جَمَّةَ شعري

-      وكيف عرفت أنه قاتل؟

وجاءه الرد سريعا ليمحو عنه حيرته

-      لأنه قتل أخي عزوز المرنيني

واعتدل في جلسته وقد عادت به الذكرى إلى الحارة الفقيرة.. وإلى جثة شاب يدوسه بسيارته، ثم يضربه بهراوته، ثم يختفي في ظروف غامضة.. وقطعت عليه تفكيره وهي تقول:

-      لم أنت ساكت؟

-      أسترجع أمام بصري وجهك الجميل حين زرناكم للتعزية

وأغراها كلامه رغم برودته فقالت:

-      هل توافقني في أنني خير منها؟ كنت أنتظر أن تخطبني بدلها.

وأحست أنها قد بلغت رسالتها، وألقت طعمها فقفلت الخط في وجهه.. رمى بالسماعة في مكانها، ولم يغادر كرسيه، وأعاد الشريط الذي كادت العطرة أن تقطعه.. أين هو عزوز؟ هل يمكن أن تصل الشرطة إلى حقيقته؟ أمن الممكن أن يُتهم كريم بالجريمة ويدفع ثمن خطإ لم يرتكبه؟ وما يدرينا لعله وجده حيا فقتله ثم أخفى جثته.. واندفع يستوي على كرسيه وقد أفزعه احتمال مرعب.. ماذا لوكان عزوز حيا؟

وأحس أمه تعود إلى البيت وتصعد الدرجات بسرعة، فمزق شرنقة احتمالاته، ونهض يجر رجليه عائدا إلى غرفته داسا جسده الحلزوني الملفوف بالخمول بين طيات الغطاء

حاشية 59: 

لعلوعة هي الحلم الجميل النازل بردا وسلاما في قلب عين الرماد، وإن ظلت لسنوات تعيش في ملهى الحمراء، إلا أنها ظلت تعيش في خيال كل واحد من أبناء المدينة، لم يجرؤ أحد أن يطلبها للزواج لأنها أعلنت صراحة أنها وهبت عمرها للرقص، وأنها ترفض أن يستأثر بجمالها واحد دون غيره.. هي كما تؤكد دائما زهرة تعبق على الجميع.. غير أن ألسنة الجميع تردد سرا وجهارا في يقين أو ريب أن لعلوعه قد تزوجت الجنرال سرا.. وأنها تبيت معه كل ليلة بعد السهرة.. ودليلهم أن الجنرال لم يعد يصحب معه في سفرياته الفتيات الحسناوات كما تعود، وإن أشاع هو أنه قد تاب منذ حج ووقف أمام قبر رسول الله معاهدا. 

 

 

   (16)   

حشد من المواطنين ينتظرون في طابور كبير أمام مكتب مختار الدابة وقد بدا القلق على وجوههم واضحا جليا.. وحده مختار الدابة كان يختلي في مكتبه على كرسيه الدوار الوثير محفوفا بأنغام أغنية شعبية، وهو يعيد محاولاته الاتصال بالهاتف.

فتح النائب نصير الجان الباب الخلفي بمهل شديد، وتسلل خفية عن أعين بعض المواطنين المنتشرة هنا وهناك تراقب كل المداخل.. وقف لحظات دون أن يتلقى ردا على تحياته العطرة، فعاود الخروج ليقع في شباك المواطنين الذين اندفعوا كالسيل العرم، وقد تعالت أصواتهم واختلطت، يطلبون مقابلة رئيسهم، وحاول نصير الجان تهدئتهم مقدما عذرا واهيا:

-      السيد الرئيس في اجتماع مع وفد من الوزارة

ومن بين الرؤوس الغاضبة تهاوت عبارات شتم لم يفهم منها نصير الجان سوى:

-      ... مشغول بالعطرة... 

وحاول نصير الجان تهدئة الأمور قبل التهابها فقال:

-      أنصحكم بالعودة مساء...

واختلطت الأصوات الرافضة حانقة.. وما فتئت أن خمدت وأحد المواطنين يصيح فيهم:

-      يا جماعة نعود مساء إما أن يستقبلنا أو نحرق البلدية

واستحسن الجميع الرأي فاندفعوا ينفضون جماعات وفرادى وقد ارتفعت احتجاجاتاهم.

تنفس نصير الجان الصعداء وهو يردد:" ياه يا أولاد الكلب لو لم تكونوا غاشي ما حكمكم دابة وجان".. وعاد إلى مكتب مختار الدابة، وقف أمام الباب لحظات يعدل من هندامه، ويمسك أنفاسه المتلاحقة، ومد أصابع يمناه فثبت طاقم أسنانه جيدا، ودق الباب الأمامي بلطف، ثم دفعه أيضا بلطف مماثل.

وكان مختار الدابة مازال غارقا في محاولاته الهاتفية، وقد رقصت حوله أنغام موسيقية، وكلمات أغنية شعبية، ولم يهتم مختار الدابة لدخول نائبه بل ضرب بالسماعة في مكانها على الجهاز حتى ارتجف نصير الجان في مكانه، ودار بكرسيه، ثم وقف وراح يذرع المكتب ونصير الجان يتابعه بعينيه الصغيرتين ثم اندفع قائلا:

- تتحداني هذه اللعينة.. جعلت منها باهتمامي امرأة ورجوت إخراجها من كهوف الفقر المدقع لكنها أبت..

وتجرأ نصير الجان ليقول بصوت خافت متمسكن:

-      ياسيدي أنت تعذب نفسك

-      لا بد أن أتصل بها

-      قطع أبوها خط الهاتف وهي أرسلت شهادة طبية بشهر كامل

وانكمش نصير الجان مكانه كأنما يتقى ضربات تهاوت عليه من مختار الدابة الذي راح يقذف عليه بأطنان من صخور فمه.. لم يفهم نصير الجان منها إلا:

- تتمنون مني أن أحرق جسدي ليفسح لكم الميدان وأنتم صنع يدي ياأوباش..؟ أنت بالذات جئت بك من الشارع بطالا، لصا، بائعا للسجائر للأطفال المتمرسين وفرضتك على الجميع لتصير العضو الأول في هذه البلدية، من أجل ماذا؟

وسكت مندفعا يطل من النافذة حيث كانت بعض النسوة الأرامل يتجمعن في انتظار صدقات البلدية.. تقزز داخله وهو يدس يديه في جيبه.. تفل عبر الزجاج عليهن، ومد بصره بعيدا يتأمل عين الرماد كأتان مبقورة ترفع رجليها إلى الأعلى.. عاد إلى مكتبه وقد خطرت له فكرة إرسال إحدى الموظفات رسولا إلى حبيبة القلب العطرة.

دلف عليه الحاج حشحوش الباب فهب لاستقباله وراح يتقيأ همومه بين يديه عله يجد في يده المفتاح السحري.. لم يبال الحاج حشحوش بما قال مختار الدابة لأنه في اعتقاده أمر هين وقال:

- أنت مدعو مع جانك الليلة في بيتي المأدبة كبيرة وسيحضرها الكبار

ضحك قائلا وهو يهم بالانصراف:

- سنحل قضيتك الليلة.  

حاشية 60:

أول من أوحى لمختار الدابة بالترشح هو الخبطة، وضمن له رضى الكبار عليه.. وماهي إلا أيام حتى كان مختار الدابة يجتمع مع الجنرال ثم مع عزيزة ليلقى لديهما القبول التام.. واشترط الخبطة أن يكون نصير الجان الثاني في ترتيب القائمة، واستطاعوا ملء القائمة بأسماء أخرى.. ممرنين ومعلم وإمام وموظفين و... وأستاذ جامعي وجد نفسه في ذيل القائمة، وكلف بالقيام بالحملة الانتخابية، أما مختار الدابة فكان يقول دائما: أنا أمي حقيقة ولا عيب فقد كان رسولنا الكريم أميا غير أني أفهم في السياسة، وسأخرج عين الرماد من أزمتها كما أخرج رسولنا الناس من الظلمات إلى النور...

وحده فاتح اليحياوي تصدى لهذه القائمة، ووحده ظل يحرض الناس ضدها دون أن يفلح، وتهافت الناس يوم الانتخاب على الصناديق مانحين أصواتهم لمختار الدابة، ووجد فاتح اليحياوي نفسه منبوذا.. ثم وجد نفسه أمام الشرطة متهما بالتحريض على الشغب.. ثم وجد نفسه يُذبح من الوتين إلى الوتين بتنازل مختار الدابة عن حقوقه ضد فاتح اليحياوي الذي ظل يجتر في خلوته قول المتنبي:

وماقَتلُ الأحرار كالعفو عنهم  ** ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟

وقوله:

العبد ليس لحر صـالحٍ بأخٍ  **  لو أنه في ثياب الحر مولـود

لا تشتر العبد إلا والعصا معه ** إن العبيــد لأنجاس مناكيد

ماكنت أحسبني أحيا إلى زمن ** يسيء لي فيه كلب وهو محمود

 

   (17)   

تخلصت عزيزة من ثيابها وعوضتها سريعا بلباس النوم فأحست بارتخاء شديد في كل عضلات جسدها كأنما كل التعب راح يتسارع هربا من الأعماق منتحرا على مهاوي أعصابها.. وهمت أن تلجأ إلى فراشها وتستغرق في نوم عميق تستحم به من الإعياء، ولكنها مافتئت أن غيرت رأيها، ودفعت جسدها دفعا للخروج إلى قاعة الاستقبال.. كانت في حاجة إلى أن تفرغ شحنات من شهوة الثرثرة.. ولم تجد أمامها إلا فواز الذي ليس من عادته أن يشركها في الكلام، وإنما يؤثرها بالحصتين معا.. وجلست إلى جواره دون أن تنطق.. ودون أن تنطق أيضا مدت يدها فتناولت حبة تفاح حمراء، وراحت تغرز فيها أسنانها، وتقضمها بشهية متعمدة إثارة صوت مسموع.. وغرس فواز عينيه في شاشة التلفاز يتابع فيلما لرعاة البقر غير عابئ بالحركات التي راحت تختلقها اختلاقا لتثير اهتمامه، وماكادت ترمي بالسكين فوق الطاولة الصغيرة فيلثم شفاه الصحن الكبير الممتلئ فواكه، ويترنح كسكير على الأرضية حتى أدرك فواز أنه قد تجاوز الحد بتجاهله وانتبه إليها وهو يقول:

-      التفاح فاكهة مغذية للجسم، مجددة للشباب

وبقدر ما سرت الأم بانتباه ابنها أخيرا بقدر ما ساءها مقطع الجملة الثاني، فهي ماتزال نظرة كفنن تفاح صيفي يانع، ولذلك عدلت عن إظهار ضعفها والحديث عن الآلام الحادة التي مازالت تضغط على كل جسدها، واعتدلت في جلستها وهي تقول:

- قضيت اليوم كله عملا شاقا.. أعلنت عن تأسيس جمعية خيرية.. وذهبت مع أبناء الجمعية إلى مقبرة النصارى.. رممنا سورها.. وغرسنا أرضها أشجارا.. وكلفنا بها حارسا أمينا وافترقنا.

-      كل هذا في يوم واحد، إنه عمل شهر

-      أمك الجبارة تذلل كل الصعاب

-      سأناديك من الآن فصاعدا عزيز بدل عزيزة

ونفخ الإطراء في معاطسها فضمت ساقيها إلى بعضهما البعض فوق الأريكة، والتمعت عيناها متناسية ما بها من تعب وألم وقالت:

- لا تخطئ أيها الغِرُّ، أمك خير من ألف رجل، واللعنة على كل الرجال.

وصمت فواز واستدار بعينيه يتابع لقطة رجلين يتقاتلان من أجل امرأة وقفت بعيدا تتلذذ بتناحرهما.. لقد لعنتنا جميعا دون استثناء.. هل هي صادقة؟ ربما.. ألم يخسر أبونا آدم جنته من أجل امرأة؟ إذن حق لها أن تلعننا جميعا.. وغاصت عزيزة في شاشة ذاكرتها تتأمل مشاهد تعذيب أمها، ثم سرعان ماعادت إلى نفسها، وقد أدركت أن ابنها قد بدأ يهرب انتباهه منها فسألت:

- واتفقت على لقاء مع العطرة؟ حسنا فعلت.. بعد زواجك من بدرة يجب أن تتزوج من العطرة.

وارتسمت على محيا فواز لوحة فسيفسائية للحيرة.. ماهذا الجنون الذي تهذي به أمه؟ وأي محيط عاصف تهم بإدخاله فيه، وهو زورق صغير لاحول له ولا قوة..؟ وتحركت شفتاه ليقول شيئا، ولكنه سكت وقد لمح تحرك شفتي أمه:

-      لابأس ياصغيري ستفهم كل شيء في حينه...

ولملمت تعبها وخرجت تجره إلى غرفتها.. وبقي فواز فاغرا فاه، متجلدا ذهنه.

وماكاد الصباح يمد ذراعيه على المدينة متثائبا حتى قفز فواز من سريره على غير عادته، ونشط في إعداد نفسه، وخرج عجلا يمتطي سيارته البيضاء الجديدة.. عرج على المقهى فتناول فطوره، وهو يتأمل ملامحه وهندامه في المرآة الكبيرة المثبتة على الجدار، وفي نفسه اعتزاز بوسامته القادرة على اصطياد أجمل الفتيات.

وحين استوى على كرسي القيادة راحت السيارة تتهادى به ببطء شديد، وراحت أنغام موسيقى أغنية شبابية تنبعث فتملأ عليه جو السيارة وتحلق به في عوالم الأحلام.. ودخل الحي الجديد، والسيارة تتهادي في حفر الطريق، وراحت النشوة تصَّاعد خمرا يسكر كل ذرة منه وهو يردد الأغنية مع الشريط، وفي خياله صراع مرير بين ملكين طائرين محلقين.. العطرة ولعلوعة.. تلج إحداهما طاردة الثانية، وماتكاد حتى نتهزم أمام الثانية، وتتزاحمان لتجلسا عن يمين وشمال حوريتين.

ووصلت السيارة عند العمارة فتوقفت غير بعيد عند نافذة مشرعة، وقد شرع نوافذ قلبه وعينيه ينتظر طيفا يتراءى من النافذة، أو يجود به الباب على الشارع.. لابد أن أراها اليوم، ولابد أن أحدثها.. لابد أن أسهر معها الليلة.. وذبحت أحلامه سيارة مختار الدابة، وهي تتوقف غير بعيد من سيارته، ثم تعاود الانطلاق من جديد، وماتكاد حتى تعود، ويفتح مختار الدابة الزجاج مرسلا بصره ثاقبا إلى الباب والنافذة، ثم يغرد ببوق السيارة مرتين أو ثلاثا، ويفتح الباب فيتراءى منه سمير.. ولم يشعر فواز بنفسه إلا وهو ينطلق بالسيارة مبتعدا وخيبة مريرة تعض بأنيابها الحادة على قلبه العاشق.

وفتح مختار الدابة الباب، وترجل، وتأمله سمير وقد وَخَطَ الشيب رأسه متحديا أصباغا سوداء.. وقد بدأ الترهل يمرح على وجهه، يمتص عنه رحيق الشباب رغم قميصه الأبيض وبذلته السوداء الأنيقة، ورغم زخات العطر الباريسي التي ضمخ بها نفسه هذا الصباح من جوربه حتى شعره.

اكفهر وجه سمير، وانبسطت أسارير مختار الدابة، ومد يده مصافحا بكثير من الثقة، وقد انفتح فوه العريض عن ابتسامة عريضة.. وبقي سمير ملفوفا بعواصف الغضب وقد تفجرت في عينيه رعودٌ حاقدة

-      لم تبخل علينا بزيارتك يا سمير والبلدية قبلة للجميع؟

وبسرعة سحب سمير أصابعه المرتجفة كأنما هي ارتجاج قلبه المقرور وقال:

-      أتحتاج شيئا مني؟

ودون أن يرتب مختار الدابة كلماته اندفع يقول، وقد علت وجهه حمرة مصفرة، وتعثر لسانه في مهاوي شدقيه:

- لا.. أنا في الحقيقة.. أنت ملائكتك أخف من الريشة.. يحبك كل من يراك.. أنا أبغي لك الخير.. وأين الشيخ عبد الله؟ أرجو أن أراه وأطمئن عليه؟

 ورفع سمير رأسه فأشفق عليه، ولم يشأ أن يمعن في ذبح كبريائه أكثر وقال:

-      يحس تعبا خفيفا، ولا يمكن أن يقابل أحدا

-      والعطرة.. لِمَ انقطعت عن العمل؟

وفار الدم في كل مجاري جسده النحيل، ورنا ببصره إلى وجه مختار الدابة، ومد يده يعدها للضرب:

-      وأنت ساقط.. تسأل عن النساء يا ولد الكلب، يا مختار الدابة؟

وحاول مختار الدابة أن يهدئه بيديه وبكلمات متذبذبة، ثم ارتمى داخل السيارة، وقبل أن يغلق الزجاج قبلته لكمة سريعة على وجهه حتى ارتج لها.. وماكاد المحرك ينطلق لتنطلق السيارة حتى وصلت زجاجَها بضع صخرات هشمت كل شيء.. وهرع جمع من السكان يمسكون بسمير، ويوقفون اندفاعه وهيجانه.

وباتت العطرة تركن إلى كهوف الصمت الرهيب ليس خوفا من ردة فعل أخيها، ولكن للأنباء التي وصلتها عن إقامة العرس الكبير في بيت فواز.. ورغم وعود كوثر الكثيرة من أن فواز سيكون من نصيبها أينما ذهب فإن قلبها لم يشأ الاطمئنان. 

حاشية 61:

وأعظم ما يشغل عزيزة الجنرال هو أن تظهر أمام الناس في كامل لياقتها أصغر سنا، وأكثر تألقا، لذلك فهي حريصة كل الحرص على اقتناء أفخر الملابس، وأرقى مواد التجميل كما تحرص على الذهاب إلى قاعات الحلاقة وممارسة الرياضة

حاشية 62:

قيل إن الشرطة قد داهمت الحي واعتقلت سمير المرنيني موجهة له تهمة الاعتداء على رمز البلدية مختار الدابة، وقد كان في جولة تفقدية لمصالح المواطنين في حيهم الجديد، وقيل إن مختار الدابة قد تنازل عن ذلك رحمة بأحد أفراد رعيته.

 

(18)

حناجر تصدح عاليا بالغناء.. وأخرى تعانق الفضاء البعيد بالزغاريد.. موسيقى عالية ماتكاد تستقر حتى تتغير.. فتيات يتفنن في الرقص ويتنوعن فيه.. جمع من الفتيان يتوزع على الأرائك والكراسي يتابع الرقص مصفقا وينهض بعضهم مثنى وفرادى للمشاركة في الرقص ومغازلة الفتيات...

ودخلت عزيزة مثقلة بفستانها التقليدي، وبعشرات القطع الذهبية التي زينت أصابعها وجيدها وخصرها.. اتجهت مباشرة إلى ابنها وراحت تنبهه بصوت مرتفع غاضب إلى وجوب الإسراع بإعداد نفسه للذهاب إلى بيت العروس

وماهي إلا دقائق معدودة حتى كانت السيارات الثلاث تشق طريقها إلى بيت خليفة.. وماهي إلا دقائق أيضا حتى استقبلهم أهل العروس وقد ارتفعت أبواق السيارات تمزق حجاب الليل..

كان خليفة يجلس قريبا من بدرة.. وكان يحبس دمعة فارت من منبع القلب.. أي شرخ سيتركه ابتعاد بدرة عن البيت..؟ وأي عذب يطفئ شوقا إلى ملامحها وملامح والدتها التي كانت تذكره بطيفها الأسمر الجميل..؟ وارتفعت أبواق السيارات وتلتها زغاريد النسوة فأحسها يدا خائنة تمتد لتخطف من شغاف قلبه فلذة كبده العزيزة، فانجذب إليها، ورص جسده النحيل إلى جسدها الغض، ومد ذراعه فطوقها وضغطها راغبا في إدخالها قلبه المفعم بعواطف الأبوة.. وأحس حزنه ينتقل إليها فيزيد حزنها، وترخي ستائر عينيها الملبدتين بالسحب القاتمة المشحونة بالدموع، وتحركت شفتا الأب في تمتمة لا تكاد تسمع:

-      مبروك عليك بنيتي.

وسكت يبحث عما يقوله، وقد تبعثرت كلماته بين أطلال اضطرابه.. وخشي أن يمطر الحزن من عينيها فواصل:

-      سيصلح الله أمورك..

وسكت وهو يسمع ابنته تصيبه بصوت خافت ينوء تحت وطأة الحزن الشديد:

-      أنا خائفة..

هل أخطأ في الموافقة على هذا الزواج؟ هل دفع بابنته إلى طريق مجهول النهاية؟ ولكن متى ستتزوج؟ أليس الزواج حظا وقضاء وقدرا، ولا دخل لكثرة الحسابات فيه؟ ولكن ألم يقل الأوائل: زواج ليلة تدبيرة عام؟ وعبثا حاول إقناع نفسه بصحة ما أقدم عليه..

ودخل محفل النسوة عليه يرتفع غناؤهن وزغاريدهن فمال على ابنته قائلا:

- لا تخافي أنا معك.. رمى بابتسامة خجولة وقام وقد امتلأت الدار نسوة، فانسحب خارجا

وأحاطت بها النسوة وقد اختلفت أشكالهن وأحجامهن وأعمارهن، ولكنهن اشتركن جميعا في الملابس الثقيلة المزخرفة، وفي كثرة قطع الذهب المختلفة، وكثرة الأصباغ التي لونت الأوجه والشفاه والعيون فأظهرت جمالا أحيانا، وأظهرت قبحا أحايين أخرى.

وارتفع الغناء والزغاريد والنسوة يشاركن في تخضيب العروس بالحناء.. ويستقبلن فواز ليتبادل مع عروسه لبس الخاتم.. ويتناوبن مجاورتها لأخذ صور معها، وبينهن كانت فتاة في الأربعين من عمرها.. شاحبة اللون.. بادية الأخاديد.. طويلة القامة.. جافة العود.. تكاد تكون شجرة جافة تقف في حديقة ربيعية.. ذبلت أوراقها.. ويبست.. لم يغير فيها طلاء الوجه ولا غلاء الملابس شيئا.. وكانت تحمل على عاتقها كاميرا التصوير، تثبت دقائق لتغير زاوية التصوير، مركزة على العروس وعلى عزيزة وبنتيها وقد كن الآمر الناهي.

أحست بدرة بدوار شديد كأنه الزوبعة يضرب فجاج دماغها ويكاد يشقه قطعا متناثرة.. وبموج القيء يكاد يندفع عبر بلعومها إلى فمها.. ورفعت عينين ذابلتين في ملامح الحاضرات، وهمت أن تصيح فيهم جميعا ابتعدوا عني.. ولمحت زوجة أخيها وهي تزرع ابتسامات عريضة في وجوه الجميع ناشطة في توزيع القهوة والمشروبات والحلويات.

وتحلقت النسوة يتكئن على الجدران يتبادلن الأحاديث والأغاني، وتشرق ثغورهن بالابتسامات، وتصهل أكفهن بالتصفيق، وتزقزق حناجرهن بالغناء ووسط الحلقة بضع من فتيات يقل عددهن ويكثر راقصات يتفنن في لي أجسادهن الغضة، وتهرع من حين لآخر، زوجة كريم لتمد يدها فتخطف قطعة النقود من إحدى الحاضرات، ويرتفع صوتها بالتبريح ذاكرة المبلغ وصاحبته والمُهدى له.

وفي غرفة أخرى اجتمع الرجال من أقارب فواز وأصدقائه، ومن أقارب خليفة وجيرانه يتبادلون الحكايا، وقد علت وجوه معظمهم سعادة وفرح.. وعلت رؤوسهم سحب الدخان الذي كان بعضهم يمص لفائفه.. كان خليفة صامتا لايكاد يفتح فاه إلا مجاملة لهذا أو ذاك.. أما كريم فكان نشيطا يرحب بالضيوف ويوزع عليهم الحلويات والقهوة، وحان وقت العشاء فتحلق الجميع حلقات من ستة أفراد، ووضعت وسط كل مجموعة صينية بها صحن من الكسكسي وآخر من اللحم.. ويتولى أحد أفراد المجموعة صب المرق وتوزيع اللحم، ويشرع الجميع في الأكل وقد خيم صمت مطبق على المكان، لا تقطعه إلا ضربات الملاعق في الصحون.

وفي الغد كان الموكب الضخم يزف بدرة عروسة إلى بيت فواز تتهادى حولها الفرحة مرفرفة بجناحيها، ويتكور الحزن أسود قاتما في قلبها فتطرف به عيناها.

حاشية 63:

ومن عادة سكان عين الرماد اعتماد التبراح في الأعراس، وهي أن يقف أحد العارفين وسط الحضور، ويتلقى نقودا مهداة إلى العريس أو العروس فيذكر بصوت مرتفع المبلغ وصاحبه ولمن يرفع إهداءه

 

(19)

جر خليفة قدميه جرا يدخل المزرعة مبكرا مشتت الذهن مثقلا بالتعب الشديد.. فكر كثيرا هذه الأيام ولم ينم إلا ريثا.. مازال السؤال الكبير يقف كالمارد في نفسه.. هل تزويجه بدرة من فواز رأي صائب؟ وهل يستقيم لها الحال ويستقر بها الأمر؟ أم؟؟ ويحس قلبه ينشطر نصفين فزعا.

وانغمس سريعا في عمله.. كان يحاول أن ينسى بكل الوسائل.. وبزغت الشمس دافئة كعروس شقراء تكاد تملأ صفحة الشروق.. ودغدغت الأرض فعلت وجهها ابتسامة عريضة.. وبدأ جسد خليفة يتراخى ونفسه تطمئن، وراحت وساوسه تفر هاربة إلى غير رجعة.

وتناهى إلى سمعه صوت سيارة تقترب فترك الرفش يسقط من يده أرضا، ورفع بصره فرأى سيارة الشرطة تنساب باتجاهه.. مسح أنفه بإصبعيه وردد في نفسه: خيرا إن شاء الله.. واندفع يلقى السيارة التي ماكادت تقف حتى راحت تفرغ من جوفها الضابط سعدون ومرافقين له.. وأسرعوا بالتحية والمصافحة كأنما يقصدان تهدئة خليفة الذي أسرع يقول:

-      خيرا إن شاء الله؟

-      مهمتنا نشر الخير دائما

قالها الضابط سعدون وعلى شفتيه ابتسامة ثم أردف:

-      كنا نرجو أن تستقبلنا بالقهوة..

ومشى معهم خليفة خطوات صامتا لا يعرف من أين يبدأ الكلام ثم قال:

- سمط كل شيء وسمج.. الطعام.. الشراب.. النوم.. الكلام.. كل الحياة صارت بلا طعم

وسكت دون أن يرد الضابط الذي استمر في المشي والإصغاء، وخلفهما كان يسير الشرطيان وقد توزعت عيونهم في كل أنحاء المزرعة كأنما يبحثان عن ضالة، وكان لزاما على خليفة أن يقطع هذا الصمت المخيف فقال:

-      مازلتم تبحثون عن جثة عزوز المرنيني وعن قاتله؟

ووجد الضابط منفذا يتسلل منه لبدء الحديث:

-      وهذا الذي جئنا من أجله

وامتقع وجه خليفة كأن مصاصة سحبت كل ما فيه من دم، ورفع عينيه في الضابط مستفسرا دون أن ينطق وواصل الضابط:

-      علمنا أن الجثة مدفونة في هذه المزرعة.

وسرى خدر مميت في كل جسد خليفة.. وارتعشت شفتاه.. وطرفت عيناه.. وتقعرت بطنه المترهلة.. وارتفع الانقباض فأحاط قلبه حتى وصل فمه فصبغ شفتيه بزرقة داكنة.. وتلعثمت الكلمات مترددة في شدقيه:

-      لا نترك المزرعة ليلا ولا نهارا

عاد الشرطيان إلى الضابط دون أن يجدا شيئا يدل على صدق ادعائهما، فمد الضابط يده مودعا وهو يقول:

-      أرجو أن تزورنا غدا في المركز.. نحن في حاجة إلى سماع أقوالك 

ثم أردف وقد أسرع بالانسحاب

-      إجراءات عادية فلا تخش شيئا.

وانطلقت سيارة الشرطة مبتعدة.. أما خليفة فقد جلس حيث كان واقفا وقد دس رأسه بين ركبتيه، وضغط أذنيه براحتيه ليمنع عنهما العالم بأسره.

كانت الشمس قد ارتفعت ولكنها فقدت كثيرا من رونقها وبهائها، وبدأت تميل إلى التوحش المحرق.. وكان سرب من الغربان يطارد في الأرض دودا، ويعزف للكون نعيقا مفجعا.

انسابت سيارة الشرطة الزرقاء على أرض المزرعة متهادية في خيلاء، وقد امتد الضابط في الكرسي الأول بجوار السائق، وفي نفسه مزيج من الأحاسيس المتناقضة، ولم يدر في قرارة نفسه أيفرح أم يحزن؟ دون أن يدري تعليلا لذلك.

وانعرجت السيارة إلى اليمين، وأسرعت على الطريق المعبد حديثا، وقد قامت على جانبيها مئات من أشجار السرو والصفصاف تمنع الشمس من العبور كأنها حشد من الجنود يقف مستعدا لدفع هجوم كاسح.

وقطعت السيارة أكثر قليلا من ميلين، ثم خففت من سرعتها فعرجت يمينا لتخوض مجددا في لجة الخضرة.. لم يكن الطريق هذه المرة مدببا، بل كان مفروشا بصخور ثبتت بعناية فائقة، وقامت على الضفتين أشجار صغيرة صبيحة الوجوه.. مبتسمة الملامح.. وشيئا فشيئا بدأت الفرحة تنبطح أرضا لتشرق على ملامح الخضر المتنوعة التي ملأت السهل.. وتراءى من بعيد بيت صغير بُني حديثا على عجل، مازالت لبناته تواجه الحر والقر عارية، واكتفي السقف بشرائح إسمنتية مدببة.

وخرج سليمان الخادم في ملابس عمله، وقد شمر سرواله إلى ما تحت الركبتين، وحمل بيده بوطه البلاستيكي الأسود يهم بلبسه.. وماكاد سليمان يبصر السيارة حتى هرع إليها، وفي نفسه فرح وخوف دون أن يرمي ماكان في يده..

وتوقفت السيارة قريبا منه ونزل الضابط سعدون، ونزل بعده الشرطيان، وأسرع سليمان وهو يصافح الجميع إلى تقليب دفتر حياته ليتأكد أنه لم يفعل شيئا في الأيام السابقة ولاطول حياته البسيطة، وأخرجه الضابط من سبحاته بسؤاله:

-      أراك سعيدا نشيطا في عملك.

-      الأرض هي حياتي لا أقوى على الابتعاد عنها ساعة من الزمن

-      حتى لو دعوناك إلى مركز الشرطة

ورمى سليمان بالبوط جانبا حتى أحدث ضجة بسقوطه، وراح يفرك أصابعه الغليظة، وقد أحس بالبرد يتسلل إلى أدق الشعيرات فيها، وقال مترددا:

-      أمر الدولة لا يناقش.. والمثل يقول:"لا تفعل يدك فلا يخاف قلبك"

وتفرق رجال الشرطة في أرجاء المزرعة يمدون أعناقهم، وترفرف أعينهم هنا وهناك بحثا عن كل ما يشتبه به.. لم يتحرك سليمان من مكانه، بل بقي جامدا كتمثال بارد، وراحت عيناه تتابعان رجال الشرطة في كل حركاتهم وسكناتهم، بينما راح ذهنه يرتاد شكوكا أخرى، ويستقر فرحا على عزيزة التي ظل يتمنى لها كل شر، وهي التي تفننت كالحية في لعق عرقه ودمه وشبابه.

وأحس بحركة خلفه فالتفت ليجد امرأته، وقد مدت عنقها عبر الباب وفي عينيها حذر وحيرة.. ونهرها بأصابع يده دون أن يدور كلية.. وتقهقرت إلى الخلف دون أن تختفي كلية، بل ظلت واقفة عند الباب تشقه شقا بسيطا تتلصص منه عن هؤلاء الأغراب.. وشعر سليمان بأمرها لكنه لم يبال، وواصل التركيز على رجال الشرطة الذين كانوا قد اقتربوا منه عائدين.

-      علمنا أن جثة شاب قد وجدت هنا في إحدى هذه المزارع

- تقصد جثة عزوز المرنيني؟ يستحيل أنا لا أترك المزرعة ليلا ولانهارا.. ولكن خيال الناس ينسج حولها قصصا غريبة

وطلب منه الضابط أن يحضر في الغد صباحا إلى مركز الشرطة.. وارتموا جميعا في جوف السيارة التي انطلقت بسرعة تغادر المكان تاركة زوبعة تلف سليمان الذي لم يتحرك قيد أنملة، ولم تلفت انتباهه حتى زوجته التي وقفت أمامه تنتظر منه شرحا لما وقع..

 

(20)

وهزت دقات عنيفة الباب فهرعت العطرة تمد رقبتها من النافذة، لم تر الواقف عند الباب جيدا لكنها لمحت يده التي كان يستند بها إلى عتبة الباب وقد امتلأت وشما.. ولمحت أعلى الرأس المغطى بقبعة إيطالية سوداء، وتبين لها أن الطارق شاب قوي البنية.. قصير القامة، وحدثها قلبها أن في الأمر شرا ما.. وسحبت رأسها من النافذة وقد ارتفعت الدقات مرة أخرى، وهرعت لتمنع أخاها عن الخروج.. وماكادت تخطو خطوات حتى تناهى إلى سمعها اصطفاق الباب، وظهر سمير بطوله ونحافته ليفاجأ بالزربوط يقف سادا الباب كأنه وحش ينتظر خروج الفريسة من وكرها.. وانقض عليه بمخالبه القوية، وجذبه إليه بقوة.

وأدرك سمير أن في الأمر إنَّ، فأسرع يقدم جملة من التبريرات علها ترد عنه الكرب العظيم:

- خيرا أخي زربوط.. لقد جئتك بكل المبلغ.. والليلة سأحضر مع مراد لعور، وعمار كرموسة لنأخذ كمية أخرى..

-      اغلق فمك.. وأخيرا أصبحت رجلا تضرب أسيادك..

ولم يفهم سمير شيئا فلزم الصمت ينتظر اتضاح الأمر، لكن الزربوط وقد أزبد فمه ضغط على أوداج سمير حتى كاد نفسه ينقطع وقال:

-      لماذ سكت..؟ سي المختار صاحب الخيرات يضرب؟

وفهم سمير الأمر فأسرع مجيبا وهو يحاول اتقاء ضربات الزربوط

-      لكن هو تعدى على شرفنا

- وهل الزواج حرام؟ الزواج على سنة الله ورسوله بثلاثة بأربعة حتى بمئة المهم على سنة الله ورسوله

 ودفع سمير ليرتطم بالباب ويسقط نصفه داخل الرواق، وهرعت إليه العطرة تحمله، ورفع الزربوط عينيه فلمح العطرة وقد ترامى شعرها الأشقر ذات اليمين وذات الشمال، وبرز نصف نهديها على شرفة الفستان الأحمر.. وأسرع الزربوط مبتعدا وهو يعض على قلبه مناجيا نفسه: مختار الدابة ياولد الكلب، وهل تعرف كيف تستنشق العطرة أيها الحمار؟

واستوى سمير واقفا بسرعة مندفعا للحاق بالزربوط لينتقم لكرامته التي ديست أمام أخته.. أو للتظاهر أمام السكان الذين اجتمعوا أنه ليس خائفا

- دعه ياسمير

قالها دعاس الحمامصي وعيناه تنغرزان كمسمارين صدئين في صدر العطرة، فرد سمير

-      تفوه ولد الكلب، خريج السجون

وانتبه إلى كثرة الذين تجمعوا أمام البيت، ولمح عيونهم المتدافعة على مفاتن العطرة، فاندفع يزجرها لتدخل، وأغلق خلفه الباب، ودفع الجمع بنظرة من عينيه فهموها فشرعوا يتفرقون، وأقبل من بعيد مراد لعور، وقد بدت على ملامحه علامات التعب والمرض.. ولم يسأله سمير عن ذلك خشية أن يفيض بالحديث عن الأمراض، وأنواع الأدوية المستعملة، وأشهر الأطباء.. وفاض عليه يحكي حادثته مع الزربوط متوعدا بقتله، وتنظيف الدنيا منه، ولو كلفه ذلك بقية عمره سجنا.. ولم يكن في الحقيقة إلا جاسا نبض مراد لعور ليعرف موقفه من الأمر.

ولم تمض إلا أيام على الحادثة حتى أقنع عمار كرموسة سمير بوجوب مرافقته إلى الغابة لمقابلة الزربوط، وفار سمير وثار أول الأمر، وماكاد حتى استسلم للأمر واقتنع به.. كل الطرق نحو الهدف يجب أن تبدأ من التقرب إلى الزربوط، حتى الطريق إلى قتله.

كانت الشمس قد توشحت بملاءة الحزن حين دلفا الغابة.. سيارات فخمة تراصت تغلق الطريق بالكامل.. وأصوات غناء وضجيج، وصياح وقهقهات تمزق شرنقة الصمت الرهيب، وقد عجز الليل عن تثبيتها.. ودغدغت أنفه روائح شواء تسللت عبره إلى معدته الخاوية.. وعزفت فتيات إيقاع ضحكات فتسربت سريعا إلى مكامن شهوته.. وهم أن يقول شيئا لعمار الذي اختار صخرة كبيرة واتكأ عليها، ولكنه أحجم وهو يرى مدير المالية ومدير الثقافة وقد نزلا من إحدى السيارات، واندفعا نحو المركز، ولحق بهما الحاج حشحوش وهو يتلمض حينا وحينا يرمي بموج من القيء.. الحاج حشحوش بنفس القميص الأبيض الذي يصلي به الجمعة، وربما بنفس القميص الذي حج به مرارا.

وهم أن يقول لكنه سكت وقد رأى الزربوط قادما من بعيد، فجمد مكانه ملتصقا بجذع شجرة الصنوبر الضخمة حتى صار جزءً منه.. واندفع عمار كرموسة خطوات يستقبل الزربوط الذي انهمر ممطرا كلمات مقذعة

- ولد... أين هو؟ لم يأت..؟ مازال يتحداني..؟ سأدفنه حيا.. سأحرمه حتى من التشهد.. ومراد أين هو؟ هو أيضا يتحاشى لقاءنا كالنساء يبعن أعراضهن في البداية، ثم يتظاهرن بالشرف، ولكن اطمئن سـ....

وتجمد سمير في مكانه، وأحس مثانته تمتلئ بولا، ومستقيمه يمتلأ فضلات، ورجا لو يتكتم عمار كرموسة عليه لكن حلمه تبخر، وهو يسمع رد عمار:

- يازربوط أنت عاقل، وقلبك كبير، وخيرك سابق علينا كلنا.. وسمير جاءك برجليه، وهو لايحب لك إلا الخير، عامله كأخيك الصغير.

وبسرعة تغير مزاج الزربوط، وأحس بالارتخاء في كل عضلاته، وهو كالصحراء الواسعة بقدر ما يسرع في الالتهاب يسرع أيضا في البرودة.. وبسرعة أيضا رفع عمار كرموسة صوته مناديا سمير دون أن يتلقى ردا، وأعاد النداء ثانية وثالثة رافعا صوته دون جدوى.. وهرع يبحث في كل مكان فلا يجد لصاحبه أثرا، ويرتبك عمار كرموسة فلا يُحِيرُ جوابا.. ويرعد طقس الزربوط، وتثور براكينه من جديد

-      ولد الكلب جاء معك‍ وهرب

-      عجيب كان هنا‍‌‍‍‍‍!

رد الزربوط مندهشا:

-      أنت شاهد على خيانته هذه المرة، سأذبحه كالشاة، وأرتوي من دمه.. وستكون شاهدا معي أيضا.

 وحمل عمار كرموسة الكيس الأسود كالعادة، وعاد إلى بيته الذي مازال يقع في الحي العتيق.. حين وصله كان الليل يكاد ينتصف.. وضع المفتاح الكبير في القفل، وأداره يفتح باب الحوش الصغير، وفوجئ بالضوء ينبعث من المرحاض الذي انزوى في الركن الشمالي كمركز مراقبة تغطيه أسقف البيوت المحيطة به من كل جانب.. هل نسي هو الضوء مشتعلا منذ الصباح؟ وتناهى إلى سمعه صوت صب الماء، وتصادم الأواني الحديدية، ودارت في نفسه عشرات الأسئلة قطعها صوت سمير معرفا بنفسه.

-      أيها الكلب، أنت هنا؟

وفتح غرفته الوحيدة المتعددة الصلاحيات، فهي مرقد، ومطبخ، وحمام، ووكر للمخدرات، ومعرض كبير للصور الخليعة، وصور المغنيات والرياضيات والممثلات.. وتهالك فوق السرير الحديدي الذي أنّ تحته مرات قبل أن يركن لأنين خافت متقطع، وراح ينزع حذاءه وهو ممدد، ثم رماه بعيدا، وسرى الدم في قدميه المتورمتين، وضع رأسه على يديه اللتين شبكهما جيدا، ورنا ببصره إلى السقف الإسمنتي الأسود، وقد كاد يمتلئ عناكب.. ورفع دعوة عميقة لذلك المحسن الذي اشترى له هذا البيت بالأموال التي جمعها للحج، ولولاه لما زال حتى الآن يؤنس القطط والكلاب المشردة في شوارع المدينة، ينام على فوهات المخابز شتاء وعلى فوهات المبردات صيفا.. وقفز إلى ذاكرته عياش لَبْلوطه مذ كان طفلا يملأ الحي شيطنة، إلى أن صار نجما تتزاحم خلفه كاميرات العالم، فلعن في نفسه البشرية وقيمها.

ودخل سمير يغلق حزام سرواله دون أن ينطق، وجلس إلى جوار عمار كرموسة يرمقه بشق بصره متنظرا مايقول، وقد ارتجف قلبه أكثر مما يجب.. واستوى عمار كرموسة في مكانه، واندفع يتحدث كأنه أب يوجه نصائحه لابنه الصغير.. لامه عن تصرفه الجبان، وأكد له طيبة قلب الزربوط، ووصفه بأنه مجرد آلة في يد الوحوش الكبيرة، وحدثه عن أهمية المكان الذي كانا فيه: هناك تباع الذمم، وتنتهك الأعراض، وتزهق الأرواح، وهناك تشترى المناصب الكبيرة، وهناك تحلب البنوك، وتمص الدماء.

وقفز إلى شاشته الحاج حشحوش الذي دخل المدينة منذ سنوات بائعا لحزم الأعشاب الطبية التي يحسن انتقاءها من الجبل.. ثم بائع سجائر..ثم مهربا.. ثم.. ثم مليونيرا وسيدا ومصليا وحاجا.. ومتحكما في رقاب الناس.. وضمائر المسؤولين.. وختم كلامه الطويل:

-      لهؤلاء أياديهم الطولى.. ولا ضمائر لهم.. نحن بالنسبة إليهم كالشعوب المتخلفة بالنسبة لأمريكا.. وأنت تعرف ما الذي فعلوا بفاتح اليحياوي.. حتى انزوى بعيدا عن شرورهم كحلزون يغلق عليه قوقعته.

حاشية 64:

والحاج حشحوش وجهان لعملة واحدة، مثلما يسعى للمسجد ويتصدر الصف الأول، ومثلما يحج كل عام وينفق على الفقراء والمساكين الملايين من ثروته الطائلة، يسعى أيضا إلى مجالس اللهو التي يقيمها المسؤولون والأثرياء أمثاله، فيعربد، ويلهو، ويدفع من ماله لمن يحتاجهم عونا له، وهو دائم الترديد لقول بديع الزمان الذي لم يحفظ من دراسته غيره:

اعمل لرزقك كل آلة     لا تقعدن بذل حاله

وانهض بكل عـزيمة      فالمرء يعجز لا محاله

 

(21)

ألغى مختار الدابة كل التزاماته.. واختار لرفقته نصير الجان وعياش لَبْلوطه وقصد مع الصباح الباكر منزل فاتح اليحياوي.. وفي نفوس الثلاثة رهبة لم يقدروا على تفسيرها ولا تجاوزها.. عجل مختار الدابة يدق الباب وقد تملكت الرهبة كل مفاصله، وأطلت الأم وأمطرت الثلاثة بالترحاب ظانة أنهم من رفاق فاتح، وراحت تفسح لهم الطريق دون اسئذان ابنها.

ماكاد الثلاثة يدخلون حجرة فاتح حتى ضاق نفسهم كأنهم يصعدون في السماء، واضطرب فاتح وقد اقتحمت عليه هذه الحثالة خلوته.. وضع نصير الجان جملة من الهدايا جانبا وراح يقلب بصره في رئيسه كأنما يرجوه أن يعجل بالحديث حتى يفروا بجلودهم من هذا القبو الرهيب وقد راحت روائح الكتب تتسلل إلى خياشيمهم.

تململ مختار الدابة في مجلسه وراح يجتر كلمات جاء يجرها معه من مكتبه، ولكن الكلمات ظلت تتزحلق غائصة في رئتيه فحول بصره إلى عياش لَبْلوطه يحثه على الحديث.. وعياش هو أجرؤهم في هذا الموقف فبينه وبين فاتح وشائج طفولة

قال عياش لَبْلوطه وهو يحاول أن يظل هادئا رزينا:

-      أنت تعرف يافاتح أنك مفخرة المدينة والمدن تفتخر بمشاهيرها كالفنانين والرياضيين والمثقفين، وقد جئناك مبعوثين في أمر مهم.

لم ينبس فاتح اليحاوي بكلمة واحدة، وحدهما عيناه ظلتا تفتشان في بلاهةِ الوجوهِ الثلاثةِ عن سر المجيء فلا يظفر إلا بينابيع للرماد الأسود الكالح، وقطع عليه مختار الدابة حيرته وهو يقول:

-      لقد شرفنا السيد الجنرال فأرسلنا إليك.. يحتاجك في خدمة

وسكت الثلاثة يقلبون الطرف في تضاريس وجه فاتح اليحياوي، يحاولون قراءة الجمود الذي تملكه فصار تمثالا باردا دون أن يسأل عن سر هذا الاستقدام، ودون أن يرد بالنفي أو الإيجاب كأن الأمر لا يعنيه وتفتح عياش لَبْلوطه عن السر كحلزون ضخم

-      أنت تعرف قيمة الجنرال وفضله على المدينة وأهلها وتضحياته دفاعا عن الوطن.. وللجنرال تاريخ حافل بالأمجاد لذلك قرر أن يكتب مذكراته لتبقى قبسا لشباب الوطن.

وتوقف عياش لَبْلوطه وهو يلحظ مختار الدابة يهم بمقاطعته

- وسيادة الجنرال يتقن الفرنسية أما العربية فلا يحسن إلا ان يخطب بها خطبه الحماسية أما الكتابة ففيكم البركة

حين هموا بالخروج لم يقم فاتح اليحياوي لتوديعهم بل استمر جامدا في مكانه كأنما هو مجرد جثة باردة.. إلى متى يستمر مسلسل الكذب والتدجيل وتزييف التاريخ والضحك على أذقان الجميع..؟ وإلى متى يبيع الكتاب والأدباء أقلامهم مرتزقة للتافهين والطواغيت؟ إلى متى نخدع عيون الناس ونستخفهم حين نصنع من عجوتهم آلهة من خراء؟

تدافعت مناكب الأفكار في رأسه فراح يسجل جملة من الخواطر في كراسه الذي تعود أن يحمله معه إلى خلوته في الجبل..

كتب بعنوان:

"المِنْحَة"

... جَمَعَ مجْلسَ وُزرائِه.. قصَّ عليهم رُؤْياه:

- رأيتُ أرجُلاً مقطُوعةً تدْلكُ سَاقيَّ.. رأيتُ بعدَها نفسِي أعْدُو كالغَزالِ.

قَالَ كبِيرُهُم:

- أطالَ اللهُ عُمرَ مَوْلانا.. تَعْبيرُ الرُؤيَا أنْ تقطَعَ بعْضًا منْ أرْجُلِ الرَّعيَّة،ِ ثم تَدْلكَ بها ساقيْكَ، وسَتُشْفى من شلَلِكَ الذي لازَمَك عُقُودًا.

هلَّلَ المجْلِسُ لهذَا التَّفْسِيرِ العبْقَريِّ.. ثم ازْدَرَدُوا أَلْسِنتَهم.. انْقَدَح مَوْلاهم شررًا وقال:

- بلْ أعْلْنُوا في الرعيَّةِ أنِّي خصَّصْت مِنْحةً لكلَّ معوقٍ تكْفيرًا عنْ أفْعالِي في قطعِ أرْجُلِ الصَّعالِيكِ.

حينَ بزَغَ الفجْرُ تجمْهَرَ أفرادُ الرَّعيةِ يتقدَّمُهُم كبيرُ الوُزَرَاءِ وقد قطَعُوا جمِيعًا أرْجُلَهُم

 

وكتب بعنوان:

" أنا ربُّكُم"...

دخلَ المدينَةَ علَى حينِ غفْلةٍ منَّا.. كانَتِ الرِّيحُ عاصِفًا فيهَا صِرٌّ.. وكانَ في الجوِّ بردٌ وقَرٌّ.. لَزِمْنا جَميعًا بيوتَنَا لا نبْرَحُ.. وكانَ صوْتُهُ يصِلُ قُلوبَنا كعُوَاءِ الذِّئَابِ أو كشخِيرِ الغِيلانِ.. دثَّرَنَا الرُّعْبُ فبِتْنَا نَرْقُبُ عيْنَ الصُّبْحِ، ومَا كَادَ حتَّى وَجَدْناهُ يقفُ في السَّاحَةِ، فيهِ مِن كلِّ شيْءٍ إِلا شيْء الإنسَانِ.. حينَ اكْتَمَلَ جمْعُنا أخرَجَ حِبَالا فَإذا هِيَ حيَّاتٌ، ومَدَّ قامَتَهُ فإذَا هوَ أُفْعوَانٌ.. فَغَرْنَا جَمِيعًا أفْوَاهَنا ورُحْنَا نرْمِي إِليْهِ بكلِّ ما نَمْلِكُ.

صاحَ فسَكتْنا قَالَ:

- أنا ربُّكُم الأَعْلَى.. لِي هذِه المَدينَةُ.. أنتْمْ نِعالي وبِغَالِي.. وهيَ جُبَّتِي وَجَرَّتِي...

خَرسنَا جَميعًا.. تَهَادَى أُفْعُوَانًا.. جَأَرْنَا:

أنتَ ربُّنَا الأعْلَى.. أنتَ أنتَ..

ودُونَ أنْ تَسْكُتَ الشِّفَاهُ اشْرَأَبَّتِ الأَعْناقُ.. وقامَتُهُ تمْتَدُّ كالحَبْلِ تَصَّاعَدُ إلى عرْشِ الرَبِّ.

 

وكتب ثالثا بعنوان:

"الصَّنَم"

بَذرَ في قُلُوبِهم تِبْرَ المَحَبَّةِ.. طوَّقَ عيُونَهم البَرِيئَةَ بِبَاقةٍ أكْمامُها..

 - أنا.. ابْنُكم.. الأوْفَى.. و.. خادِمُكم.. الأمِين..

نَمَتْ حَوْله الأوْرِدةُ والشَّرايينُ أكاليلَ غارٍ.. ثم رَفَعَته على عرْشِ القلبِ..

حينَ استَوَى على العَرْشِ غدَتْ شَرايينُهم وأوْرِدتُهم أذرُعَ أخْطبُوطٍ تمتَصُّ منه دفْءَ الطينِ وتحْقِنُه بإِكْسِيرِ الربِّ.. صار صنَمًا.. ثم نِصْفَ إلَهٍ.. ثم إلَهًا.. وصارَ بينَه وبينَهم برزَخٌ لا يبْغِيَانِ.. رَمَاهم في الجُبِّ وهم يجْأَرونَ.. ثم قَذَفَ في قلُوبِهم باقَةً من سِهامٍ نصْلاتُها

- أنا.. ربُّكُم.. الأعْلَى..و.. إلَهُكم.. الأكْبَر..

 مَسخُوا ربَّهم عجْوَةًً.. ثم أكَلُوه

 

وكتب أيضا:

"الاحْتِرَاق"

.... وانْدلعت النَّارُ في.. يالَهَوْل الفاجِعة! النَّارُ تنِّينٌ مُتوحّشٌ يَلتهمُ كلَّ شيء.. الجُدرانُ تَتهاوى.. الأَشْجارُ تحترِق.. الدُّخانُ يمدُّ أصابعَهُ المعْروقةَ يخنقُ كلَّ شيْء.. وتَجري وسطَ الشَّوارعِ كالمعْتوه.. تتقطَّعُ أنفاسُك.. يَغسلُكَ العرقُ.. تُوقِف النَّاسَ.. تَسألهم.. تُلحُّ في السُّؤال.. يمضونَ كالقِططِ المُشرّدةِ.. كالنِّعال.. تَدخلُ ساحةَ فَسيحة.. كلُّهم كانوا هُناك.. يَنسجونَ على نَوْل الضحك.. ليلاً أسودَ قاتماً.. يملأهُ الذباب.. وضجيجُ الصفَّاراتِ والبالُونات.. وصياحُ الحواة.. تخضُّ رأسَك.. تفركُ شعرَك.. تفركُ عينَيْك.. تحدّقُ في كلِّ الاتِّجاهات.. لاشيءَ تغيَّر.. تحاصرُك ألسنةُ النِّيرانِ.. يحاصرُك ظَلامُ الدُّخان.. تَعدو.. تبتلعُ المَسافات.. يَبتلعُكَ اليأسُ والقلَقُ..

غَزا الدُّخانُ منخريْك.. انطلقتَ تَعدو.. تبحثُ عن منفذٍ للهروب.. زُقاقٌ يصبُّ في زقاقٍ.. كلُّ الأزقَّة متاهةٌ لا تَنتهي.. الدُّخانُ يسرقُ النُّور مِن عينيْك.. العرقُ يتفجَّر مِن كلِّ أنحاءِ جسَدك.. لا شيءَ حولكَ.. أمامكَ هذا الظَّلامُ تتاراً.. تسربلَ بالفؤوسِ وبالحِراب.. وخلفكَ كلُّ النُّجوم فَقدنَ العُيون.. فقدْنَ الصَّواب.. لاشيْء حولَك.. غيرُ هذا السَّراب.. وهذي النَّار تُعشش.. في أوردةِ الأرضِ اليَباب.. لا شيءَ حولَك.. مذبوحةٌ حناجرُ العنادِل.. مقطوعةٌ ألسنةُ الشَّحارير.. مشنوقةٌ عروقُ هذا التُّراب.. واسعةٌ شقوقُ هذهِ الأرْض.. تبتلعُ الزَّهر والقَوْزَحَ.. والنَّسائمَ العِذاب.. مرَّت أربَعون وأربعُون مرَّت.. تمرُّ أربَعون.. بَعدها أربَعون.. ومازالتْ تَعوي الذِّئاب.. تُصفِّر الرِّيح تُسْفي الرَّمادَ والتُّراب.. تغطِّي جنَّة شدّادَ.. وكلَّ رَواب.. وأنْتَ وحْدك.. سَرقوا منْك النَّبض.. سَرقوا منْك الأسْماء.. وكلَّ الألْقاب.. سَرقوا مِنك سَعف النَّخيل.. سَرقوا مِنك نجومَ اللَّيل.. سَرقوا بَلْقِيسَ.. دفءَ الفُؤاد.. يا للخَراب !.. سَرقوا مِن عينيْك زرقاءَ اليَمامة.. ومِن لِسانِك اللُّعاب.. سرَقوا كلَّ شيءٍ.. وأنتَ يانفحةً مِن عيْن النَّبي.. يازخَّةَ الشَّوْق في قَلب الصِّحاب.. تَمضي وَحدك.. تمارِسُ العِشقَ والاحتِراق.. تعانقُ الاغتِراب.. من الأزرقِ يأتيكَ الجوهَر.. تأتيكَ العيْن.. والسَّنا والكِتاب.. تمْضي نحوَ الصَّلد.. تُضاجع بِكراً.. تُفجِّر عطراً.. تُزيلُ غِشاوةَ الاكتِئاب..

- مدينتُنا يا أحبتي ضاجعَها هُولاَكُو على الأرضِ الخَلاء

واغتالَ مِن أُفقها بدراً كان يُبدِّدُ الظَّلماء

واجتثَّ شَرايينَها مِن سِدرةِ المُنتهى

مدينتُنا أسْلمتْ شمُوسَها للدُّود والفنَاء

فَهَا مدينتُنا

لا تُنجبُ غيرَ البُلهاء.

 

بعدها قام فاتح اليحياوي يعد حقيبة الإسراء.. عليه الآن أن يحرق كل سفنه.. عليه أن يلملم صيحاته التي ظل يطلقها في واد غير ذي زرع.. كثيرا ما صاح في سكان مدينة عين الرماد "أيها الناس إنكم لا ترونهم صغارا إلا لأنكم ساجدون" لكنهم ظلوا يغوصون بجباههم في الأرض حتى انغرزت رؤوسهم كالنعام.. ما الذي يفعله فاتح اليحياوي في هؤلاء وقد قضى عليهم القدر باللعنة.

  

 (22)

 بسطت كفها وراحت تصب غضبها على الباب البني اللامع الذي راح يهتز حتى يكاد يتهاوى وحتى يملأ صداه البيت كله.. وقفز فواز من تحت اللحاف وقد أدرك أن أمه هي الفاعلة، وماكاد يستوي واقفا عند الباب يهم بفتحه حتى دفعته فارتطم بوجهه وتراجع إلى الخلف فتلقاه حضن زوجته، ووقف باهتا يبحث حواليه عن أية كلمة يسد بها طوفان غضبها.. ولم تمهله ليقول شيئا بل قذفت في وجهه مئات الكلمات التي تزاحمت وتعثر بعضها ببعض فتهاوت من بين شفتيها ولم يصله إلا قولها:

-      صرت ديوثا

قال وهو يعدل هندام منامته

-      ياأمي...

وتراجعت بدرة تلم أغمار شعرها الأسود المتراخي خلفها في حزن وهي تسمع كنتها تقول:

-      سيد الرجال لا يفتح الباب.. هي تفتحه.

واستدارت بدرة إلى عزيزة ورأت في عينيها جمرات من حقد وأرادت أن تصب على الجمر دلوا من الماء ليبرد فقالت بهدوء:

-      صباح الخير خالتي عزيزة

-      تدخلين العمل الساعة الثامنة

 قال فواز:

- هو ذلك بالضبط

ولم تبالي أمه بجوابه فواصلت:

-      والساعة الآن السادسة والنصف

وراحت بدرة تغير بعض ثيابها وهي تفتح أذنيها ملتقطة حتى أدق الأنفاس.. وتأمل فواز ساعته وهو يقول:

-      مازال الوقت مبكرا..

وسكت ينكمش على نفسه وهو يرى ثورة عزيزة الجنرال وقلقها

-      والقهوة والفطور من يحضرهما؟ أنت وحدك يجب تحضير ذلك كل صباح.

وأدركت بدرة أن الحرب قد بدأت وبدأت بقوة وهو ماكانت تتوقعه.. لم يكن قلبها مطمئنا تماما منذ البداية، وأكملت لبس ثيابها بسرعة، واندفعت قائلة:

-      حاضر.. حاضر

وخرجت وجلس فواز إلى سريره فوق الغطاء الذي تكوم على الحافة وقد تدلى طرف منه على الأرض، وخفتت عزيزة من حدتها، واقتربت أكثر من ابنها جامعة يديها إلى بعضهما كأنما تحاول أن تشعره بالأمان.

-      تعرستْ شهرا يكفيها هذا.. هل تتعرس عاما؟

ولم يرد فواز على أمه دون أن يدري السبب، أهو الخوف أم الاحتقار؟

وخرجت عزيزة متوعدة ولم يسمع فواز من كلامها غير.. ديوث.. سأضع لك إصبعين...

عند السابعة كان بعض أفراد الأسرة يتحلقون حول طاولة الإفطار.. فواز.. سالم.. عزيزة.. وقد انسحبت بدرة بعد إعداد الفطور إلى حجرتها.. أما نورة وفريدة فمازالت كل منهما في غرفتها.

كان سالم يأكل في لامبالاة كأنما كان ينتظر أي سبب ليغادر الطاولة.. وكان فواز يوزع حواليه غضبا ظاهرا من خلال الأصوات التي كان يحدثها بأواني الأكل.. ورفعت عزيزة فيهما نظرات حادة ثم خفضت بصرها واستمرت تدهن خبزها زبدة ومربي، ولم تقو على كتمان سيل الكلام الذي اندفع إلى فمها:

-      تشفقان عليها؟

-      بدرة ياأمي...

-      مازالت جديدة على البيت وللعروسة...

- تناول فطورك واسكت.. هذا بيني وبين ابني وأنت لا دخل لك... 

 وقام الأب منصرفا دون أن يرد إلا بتمتمات وصل منها إلى أذن عزيزة..

- قلب من حجر

فردت:

-      تشج رأسك

ونهض فواز أيضا بهدوء منتظرا أمر أمه بالجلوس ولكنه لم يأت.. حين كان يبعد وصلت الأختان وانخرط الجميع في قهقهات على ماكانت ترويه الأم.

ودخل الأب قاعة الاستقبال غير مبال بالأغنية التي كان يبثها التلفزيون ولابالمغنية وأجسام الراقصات الشبه عاريات وغاص في تفكير عميق.. هل الزواج قضاء وقدر حقا؟ أم هو تقدير وحساب؟

ودق الباب ثم ارتفع صوت الجرس قويا، وخافتا وسمع سالم الباب يفتح دون مبالاة، وتناهى إليه صوت سليمان الخادم، وأثاره الأمر فاستوى على المقعد وأرسل سمعه عبر الباب عله يلتقط ماجاء بسليمان.. لكن عزيزة احتاطت للأمر وقادته إلى غرفة تحت السلم صممت خصيصا لاستقبال هذا النوع من الضيوف.

كانت الغرفة واسعة جدا بها ثلاث أرائك قديمة، وغطت بلاطها الأبيض المرقط بالأسود زربية كبيرة بدا عليها القدم، وعلى الجدار الأيسر الطويل مقابل الباب علق إطار كبير لمنظر طبيعي شتوي، وفي الجدار الصغير المقابل فتحت نافذة صغيرة تطل على الحديقة تنبعث منها تكشيرة الكلب بين الحين والآخر، وكان في الغرفة نور خافت دعمته مصابيح في السقف وعلى الجدران، وكان في الغرفة برد خفيف أحست به عزيزة فانكمشت تجمع الدفء إليها.. ولم يبال به سليمان فجلس مباعدا بين ساقيه الطويلتين وقد امتدت ركبتاه الغليظتان حتى كادتا تصلان أعلى صدره.. ولم تمهله عزيزة كثيرا، ولم تطلب له فنجان القهوة الذي كان يحلم به، بل أسرعت تسأله سؤالا مقتضبا عن سر زيارته.. وأسندت رأسها على يدها الصغيرة البيضاء، وفتحت أذنيها وعينيها فبدت لسليمان قطة ماهرة

وانطلق سليمان بالتفصيل الممل يحكي عن زيارة الشرطة للمزرعة، وعن كل ما دار بينه وبينهم، وهو يراقب بعينيه مدى تأثير كل كلمة يقولها.. لكن عزيزة لم يطرف لها جفن.. ولم تحرك ساكنا البتة.. ولم تهزها أية كلمة مما قال سليمان الذي رمى قنبلته الأخيرة وهو على يقين أنها ستهز كيانها هزا عنيفا.

- أخبرني الضابط أن الشك كبير في أن جثة عزوز المرنيني مدفونة في المزرعة

 وانتظر سليمان لحظات يجوس بعينيه خلال ملامحها ولم ير شيئا غير عاد، فواصل يقص عليها كيف ذهب إلى مركز الشرطة ملبيا استدعاءهم.. وعن كل سؤال طرح عليه.. وكل جواب رد به.. ولم يكمل حديثه.. كانت في نفسه أشياء كثيرة يريد أن يقولها.. وكانت في نفسه حرقة إلى اكتشاف مايدور في هذا الكهف العميق المغلق على أسراره.

وفاجأته وهي تقف قائلة:

- لا يهمك الأمر.. ليس وراء الشرطة عمل إلا توهم الأشياء وخلق الأساطير

ومدت يمناها تصافحه فاحتضن أصابعها الصغيرة بيده الكبيرة وخرج ممتد القامة وفي أنفه رائحة قهوة حلم بها ولم يذقها.

ووقفت عزيزة مشيعة وقد دست رأسها بين كتفيها.. وثنت ذراعيها.. ودست يديها تحت إبطيها الساخنين.. وانتصب سالم بجانبها وفي عينيه حيرة شديدة.

-      أكثروا التنقيب عندنا

ورفعت فيه عزيزة عينين ممتلئتين حنقا، وانصرفت تصعد درجات إلى الطابق الأول ولحقها زوجها، وماكادت تدلف حجرتها حتى وقف بين بنتيه مهددا بكارثة ستلحق الأسرة كلها بسبب عناد الأم وتعنتها.

قبل أن ينتشر الناس في المدينة كانت شوارع عين الرماد وأرصفتها تتناقل إشاعة وجود جثة في الحي القديم قرب المنزل الذي تقطن فيه كوثر المرنيني.. وهرعت الشرطة إلى المكان فحملت الجثة إلى المشفى وشرعت في عملية بحث واعتقالات طالت كوثر المرنيني وشيبوب ودعاس لحمامصي وقدور الخبزة وغيرهم.

 

 (23)

عادت بدرة إلى بيتها وقد تجاوزت عقارب الساعة الرابعة والنصف، كل شيء قد صار بالنسبة إليها حملا ثقيلا.. وظيفة التعليم التي انهكتها وكادت تمتص منها مابقي من رحيق الشباب.. وهذا الحمل الذي جاء سريعا وراح يعلن عن نفسه بسرعة أكبر من جوف بطنها الذي أسرع بالانتفاخ حتى غدا كرة ضخمة تكاد تعيقها حتى عن الحركة.

وماكادت ترمي بمحفظتها حتى غيرت ملابسها.. ودخلت المطبخ، فشدت خصرها بالمنشفة.. وانهمكت في إعداد طعام العشاء.. لم يكن في البيت أحد ليس هناك من يدخل قبل السادسة مساء.

ودخلت عزيزة الجنرال فاندفعت سريعا إلى المطبخ.. تناهى إلى سمعها صوت حركة داخله، فمدت رقبتها عبر الباب ثم أعادتها دون أن تنطق وابتلعتها حجرتها.. ودخل سالم حزينا كئيبا يدفع نفسه دفعا شديدا.. وأحس بوجود بدرة داخل المطبخ تمزق حركة عملها شرنقة الصمت الرهيب.. ووجدها فرصة سانحة ينفرد بها ويبثها بعض همومه.. أراد أن يحدثها عن طغيان عزيزة، عن قصة الجثة، وعن فساد الناس في عين الرماد.. وماكاد يرفع بصره حتى لمح حذاء عزيزة البني وتناهى إليه صوت حركتها داخل حجرتها فأحجم عن تنفيذ ماجال في خاطره.

كان الليل قد بدا يغزو أطراف النهار.. وكان فواز في إحدى قاعات الشاي مع العطرة يذيب هو سكره في قهوته، وتحتضن هي بيديها البضتين زجاجة البرتقال.. يسود بينهما صمت طويل قطعته العطرة متهمة فواز بالكذب والخداع.. ولم يمهلها حتى أسرع يرد عن نفسه مؤكدا أنه كالملائكة طهرا ونقاء.. وأن قلبه كالحليب بياضا وصفاء.. وأن زواجه من بدرة كان خطأ جسيما ارتكبه وسيسعى لتصحيحه بسرعة.

كانت العطرة تدرك أن في كلام فواز شيئا من الصحة وفيه شيء من الكذب أيضا.. ولكنها كانت تحبه وهي مستعدة للتضحية من أجل افتكاكه.. ولكن لماذا تريد كل ذلك؟ ذلك هو السؤال الذي ظل يحيرها.. هل هي أطماع مالية؟ أم هو لمجرد التحدي؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون لعب أطفال ورغبات مراهقين؟ أم أن هذه هي طبيعة الحب تهجم هكذا بسرعة ودون سابق إنذار؟

وفاجأته العطرة بقولها:

-      هي حامل في شهرها الخامس

ارتبك قليلا ثم استرجع السيطرة على نفسه وهو يقول مبتسما مداعبا:

-      لا يخفى على النساء شيء

- أنت تعرف أن المرأة سجنت جنيا في قنينة.. إما أن.. وإما أن أسجنك في زجاجة مسك أيها الجني الصغير.

ورأى فيها أمه.. الإصرار على المطالب.. والاطلاع على كل شيء.

ودق جرس هاتفة النقال فأسرع يفتح الخط وينخرط في المكالمة فيما بقيت العطرة ترشف من زجاجتها وتتابع بعينيها الخضراوين حركاته.. ثم مالبث أن أغلق الهاتف وعجل يعود إلى البيت معتذرا على أمل لقاء آخر.

حين وصل البيت كانت أمه في انتظاره على أحر من الجمر وهي تبدي اهتماما كبيرا بتنظيم البيت، وترنو بكل حواسها إلى الباب كأنما تنتظر وافدا مهما.. ودخل فواز غرفته ثم عاد إلى حجرة الاستقبال حيث تجلس أمه فجلس قريبا منها دون أن ينبس بكلمة.. ولم تهتم أمه به فراحت ترفع صوتها تستدعي ابنتها فريدة، وماكادت تقف أمامها حتى أصدرت إليها الأمر:

-      أكملي تحضير العشاء بدل زوجة أخيك

وبدا على فريدة الاستغراب.. وهمت أن ترفض.. ثم ما فتئت أن لزمت الصمت، واندفعت لتنفيذ أوامر أمها وقد رأت في عينيها غضبا عارما.

ونقلت عزيزة عينيها في الحجرة.. كل شيء مرتب كما يجب.. وكان فواز ما يزال يجلس بجوارها على الأريكة.. يجلس خياله إلى العطرة يتأمل ملامحها الجميلة الرائعة.. وكانت نورة داخلة خارجة تزين المائدة وتملؤها فواكه من كل نوع.. ودق الجرس فجأة فهرعت عزيزة تنزل الدرجات وتفتح الباب ثم تعاود الصعود مع ضيفها وتعلقت كل العيون به تنتظر هذا الوافد المهم.

وظهرت عزيزة وخلفها كريم متألقا في مظهره يحمل هدية متوسطة الحجم ملفوفة بغلاف لامع، وقادته عزيزة من يسراه تدخل به البيت مرحبة..

-      نحن الآن أهل وإن لم تزرنا نحن فزر أختك على الأقل..

وقام فواز مرحبا بصهره، وصافحته نورة وفريدة دون أن تنطقا.. وراح فواز يلقي كلمات الترحاب والمجاملة.. وخرج سالم من غرفته في ثياب نومه وفوجئ بمجيء كريم، وماكادت حيرته أن تبددت وعزيزة تعلن أنها دعت كريم لزيارتهم الليلة من أجل توطيد العلائق الأسرية.. وأسرع سالم مرحبا مصافحا وفي ذهنه زوبعة للحيرة.. ماالسر وراء هذه الدعوة المفاجئة؟ وأسرعت بدرة فسلمت على أخيها محاولة أن ترسم على شفتيها ابتسامة باهتة تخفي بها حزنا قاتما طال مكثه على تضاريس وجهها.. ومدت عزيزة يديها فاستلمت الهدية ودفعت بها إلى بدرة.. ودخلوا جميعا إلى حجرة الاستقبال تتعالى بينهم الضحكات وترتسم على الوجوه ابتسامات تخفي وراءها براءة وحيرة

أنهت عزيزة ضحكتها المتميزة والتفتت إلى بدرة مشيرة بيمناها إليها قائلة:

- هاهي أختك اللبؤة.. ستفرحنا بطفلة عما قريب.. لكن حذار أنا التي أسميها، وأنا التي أربيها

وعلق سالم:

- وماذا أبقيت لي ولبدرة؟

فرد كريم:

-      تكبر في عز جدتها

والتفت إلى أخته ليقرأ في عينيها نفس الحزن المغشى بابتسامة رقيقة.

وخاض الجميع في أمور مختلفة.. تحدثوا عن السياسة.. وعن المجتمع.. وعن اتهام الشرطة لكريم وفواز.. وتحدثا عن الزراعة وغلاء الأسعار وظروف المعيشة التي صار الجميع يتخبطون في شباكها.. وعن عين الرماد وماصار واقعا فيها.. وغيرت عزيزة الحديث فسكت الجميع ينصتون إليها:

 

- لعل الذي لا يعرفه أكثركم هو أن كريم كان في بداية حياته قبل أن يتحول إلى الزراعة فنانا.. وفنانا كبيرا يجيد العزف على العود والبيانو.. وله صوت عندليبي

وأثار الأمر المفاجئ بدرة فتمهلت في تقشير حبة التفاح الحمراء، ورنت ببصرها تتابع ملامح أخيها الذي كان يرتشف كأس العصير.. ورمى سالم بقشرة الموز على المائدة وراح يلوك على مهل مافي فمه يخضه يمينا وشمالا كأنما يستخرج زبدته وفي ذهنه سؤال كبير: ما السر في اجتماع الأسرة لأول مرة بهذا الشكل؟ أليس هذا الذي ينقصنا؟ أليس هذا الذي يكمل سعادتنا؟.

-      ذاك زمان الشباب أما اليوم فأنا زوج وأب

قال كريم فرد فواز

-      أنت مازلت في ريعان شبابك.. والفن...

وقاطعته أمه مواصلة

- الفن لا يعرف سنا.. ومن الخسارة أن تضيع موهبتك في هذا الوطن الذي لا يحسن إلا قتل المواهب.. لكن... الدنيا نأخذها..

ورفعت رأسها إلى زوجها تستنجد به ففهم قصدها فاستوى في جلسته وهو يقول:

قال شوقي:

..................  *** إنما تؤخذ الدنيا غلابا

وردد الشطر مرارا يبحث عن أوله فلم يفلح فتدخل فواز مكملا:

على قدر أهل العظائم...

وانفجر الجميع ضاحكين فتدخلت بدرة منقذة الموقف، وقد تغير مزاجها:

وما نيل المطالب بالتمني ***  ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

كانت فريدة تجلس في مكانها وقد داهمها النعاس فمال رأسها إلى الخلف، واخفت يديها تحت فخذيها يلتقط سمعها جملة ولا يبالي بجمل أخرى.. وكانت نورة تصب الشاي والقهوة.. ونشطت بدرة في حمل الصحون الفارغة لتفسح المجال لصحون المكسرات.. الجوز واللوز والفول السوداني

حملت عزيزة كأس شاي وسلمته لكريم وهي تقول:

-      الشاي ضروري للفنانين

وتناول الكأس منها فرشف مرة وثانية ووضعه منصتا لحديث عزيزة:

- أنا خيّرة، كل الناس يعرفون علي ذلك وأنا مستعدة أن أنفق كل مالي من أجل الخير، كونت هذه الأيام جمعية خيرية، وأنت يا كريم واحد من العائلة، وأنا مستعدة أن أدعمك لتكون فنانا كبيرا.. بل ولأدعم الحركة الثقافية في المدينة.. أحلم بتمويل مهرجان فني ثقافي لاكتشاف الأصوات الجميلة.. وأحلم بتأسيس شركة للتسجيل والنشر والإشهار...

تنحنح سالم فحدجته عزيزة بنظرات ثاقبة.. ومرر فواز يمناه على ذقنه متلمسا شعر لحيته الذي بدأ يطل برأسه.. وجلست بدرة محدقة في كريم كمن ينتظر النطق بقرار خطير.. نظر كريم يتأمل الوجوه جميعا.. كانت فريدة تغرق في نوم عميق وقد انفتح فمها.. وكانت نورة تعبث بظفيرتها غير مبالية بكل الذي يجري حولها.. وأدركت عزيزة أن لحظات الصمت قد طالت فقالت:

-      نحن مدعوون إلى عرس أحد الأقارب وستكون مغني العرس دون منازع.. يجب أن نفخر أمام الجميع أن في عائلتنا فنانا

وأسرع فواز معقبا:

-      لن نحضره إلا إذا كنت حاضرا

-      موضوع يحتاج إلى تفكير

-      مدخول الأعراس أفضل من كل عمل آخر.. الفنانون صاروا أثرياء

واستهوت الفكرة كريم فأسرع بالموافقة وانفض المجلس.. خرج كريم فشيعته عزيزة إلى خارج البيت.. دخل فواز غرفته تاركا أختيه في مكانيهما وأعماقه تبتسم.. ما الذي تريده عزيزة من كل ما فعلت؟ هل هدفها هو خدمة الفن فحسب؟ ولم تكلمه بدرة التي تمددت بجواره على السرير وظلت الليل كله تبني وتهدم.. لا شك أن وراء الأمر سرا.. فكيف تمنع كريم من هذه المغامرة الخطيرة.. هل تخبر أباها؟ ستشعل نار الفتنة حينئذ.. وكان سالم قد سبق الجميع إلى غرفته دافعا نعاسا تغشاه فجأة.. لا يمكنه أن ينام حتى يعرف سر هذه الطيبة التي هبطت فجأة على زوجته عزيزة الجنرال التي كانت تتمدد في سريرها تغرق في نوم عميق على أنغام موسيقى كلاسيكية هادئة.

حاشية 65:

أفشت عيون متلصصة أن اللقاءات قد تعددت بين العطرة وفواز في قاعات الشاي والمطاعم، وفي ضواحي المدينة بترتيب من العمة كوثر التي كانت تهندس كل شيء، وأضاف آخرون أنها قضت معه الساعات الطوال في ملهى الحمراء دون علم أسرتها، وأنها أثارت غضب لعلوعه التي خشيت من منافستها خاصة، وأنها أصغر منها سنا.

حاشية 66:

تحت شعار بالثقافة والفن تتقدم الشعوب والأمم تشرف عزيزة الجنرال شخصيا وبحر مالها على سهرات الصيف وسهرات رمضان، تدخل بذلك البهجة على قلوب أبناء مدينتها، وقد منحتها البلدية وسام الوفاء اعترافا بفضلها على مدينة عين الرماد.

 

  (24)

كانت السيارة السوداء وهي تدخل الحي أشبه بخنفساء حديدية كبيرة يعلو صوت محركها صوت كل شيء.. وتنفث قصبتها الهوائية دخانا أسود قاتما يترك آثاره على الأرض.. وكان الزربوط يستعمل يمناه في القيادة ويخرج اليسرى تتدلى من نافذة الباب حتى تكاد تلامس الأرض.. وأدرك أنه تجاوز البيت فكبح جماح السيارة فجأة ومد يمناه فرفع قبعته الإيطالية السوداء فبدت جبهته أكثر لمعانا، واستدار بالسيارة حتى وقف أمام الباب يكاد يرتطم بالحائط، وحاول فتح الباب الذي يغلقه بحبل صغير فشده عمار كرموسة وهو يقول:

-      تمهل يظهر أنه غير موجود في البيت

ودفعه دون مبالاة وهو يقول:

-      حتى لو عاد إلى بطن أمه العاهرة الـ...

-      دعك منه أنت أكبر وأعقل أعدك أنه سيأتيك مستسمحا

وأصر الزربوط على النزول.. لا بد أن يلقى سمير.. هدف واحد ظل يصرح به.. يجب أن أبزق في وجهه القذر حتى يعرف قيمة أسياده

وأقبل سمير من بعيد وما كاد يرى السيارة السوداء مفقوءة العينين تكاد تصدم الجدار حتى هرع إليها، وقد دار في خلده أنهم بعض من العشاق يطلبون العطرة التي صارت حديث العام والخاص في هذا الحي الجديد.. حتى الشيوخ لم يعد لهم حديث عن غيرها في المقاهي والمساجد ومجالس الحي.

وتقابلا وجها لوجه فهزت المفاجأة سمير.. وجمد مكانه.. ودفع الزربوط الباب خلفه بقوة فارتطم وعاود الانفتاح.. ومد أصابعه الغليظة فأمسك بتلابيب سمير حتى منعه من ابتلاع ريقه.. وجمع كل لعاب فمه وقذفه في وجهه ساخنا ملوثا خمرا وتبغا، ولم يدر سمير كيف دفع قبضته إلى وجه الزربوط الذي فقد أعصابه فاستل خنجره وسدده إلى بطن سمير فسقط أرضا.. وكان عمار كرموسة يحاول الخروج من الباب المحاذي للجدار دون جدوى فقفز يخرج من باب السائق.. وقفز الزربوط إلى السيارة وانطلق بها على غير هدى.. وتجمع الناس كأنما يدفعون إلى المكان دفعا، ينسلون من الأبواب، وينزلون من درجات العمارات، ويخرجون من المنعطفات القريبة، ووصل الخبر إلى المقهى فهرع كل من فيه.. وحمله عمار كرموسة بمعية شاب وانطلقا به إلى سيارة توقفت لتوها.. وانطلقوا به إلى المشفى..

وتفرق الناس في اتجاهات مختلفة إلا بعض شبان اتكأوا على جدران قريبة وراحوا يتبادلون أطراف الحديث في شأن ما وقع.. يرمون أبصارهم علهم يظفرون برؤية العطرة التي كانت تشق الباب قليلا تتسمع الأخبار وهي قلقة على أخيها.. ووصل مراد لعور يحث خطاه وقد ظهرت عليه علائم القلق الشديد، وحين وصل الباب تناهى إلى بصره ضوء ينبعث إلى الخارج وأدرك أن العطرة تقف هناك فتوقف لحظة كأنما يعد نفسه لهذا الأمر الذي جاء من أجله..

قبل منتصف النهار سلمت الشرطة جثة الحاج حشحوش.. وما كادت صلاة الظهر تنتهي حتى كان الموكب الجنائزي يزحف نحو المقبرة.. المئات جاءوا من كل حدب وصوب.. على وجوه الأهل كانت علائم للحزن الشديد.. في قلوب العتالين تشف وحيرة مما سيلقاه الحاج من عذاب أليم.. على محيا مختار الدابة ونصير الجان خوفٌ حاولا إخفاءه بحزن منافق.

قال دعاس لحمامصي:

- يستحق ما وقع له

-      كان يقصد بيت كوثر المرنيني عليه لعنة الله

رد شيبوب فعلق قدور الخبزة:

سيلقى الويل في قبره من منكر ونكير.

في مقدمة الموكب أسر مختار الدابة لصاحبه:

-      لم يعد في الحياة أمان.. كلنا مهدد.

لم يرد نصير الجان واستمر في مشيته مُطأطأ الرأس

بعد يومين ألقت الشرطة القبض على الزربوط بعد مطاردة عنيفة في الغابة ووجهت إليه تهمة قتل الحاج حشحوش.. قال سكان عين الرماد إن الدافع للقتل صراع من أجل كوثر المرنيني.. وقالوا إنه صراع من أجل مكاسب مادية.. وقال آخرون قد رفض الحاج دفع ديون عليه للزربوط مقابل ماكان يشربه من خمر عنده.    

حاشية 67:

رغم الديكور الجديد الذي أدخل على مقهى الشروق إلا أن الناس ظلوا يطلقون عليها مقهى المتقاعدين لأن كل الذين يقصدونها صغارا وكبارا يغرقون في القمار منذ الصباح حتى منتصف الليل لا هم يشغلهم إلا الاستمتاع بلذة الانتصار والانكسار، وقد كانت المقهى عهد الاستعمار مخمرة للمعمرين والموالين لهم واستطاع المجاهدون اختراقها مرارا لزرع قنابل داخلها، ولكنها كانت كل مرة تبعث من جديد

 

 

 

السِّفْرُ الثَّالِثُ

 

(1)

على غير العادة رجع خليفة إلى البيت غداء وقد بدت على ملامحه مظاهر قلق واضطراب.. سأل نوارة وهو يتوجه إلى الحمام عن كريم.. وصلها السؤال وهي في المطبخ تعد الغداء فتركت ما كان بيدها وأسرعت تلحق به.. وقفت متكئة على الباب فيما كان خليفة يغسل يديه ثم يتوضأ للصلاة وهو يعيد السؤال:

-      سألتكِ عن زوجك

ثنت ساعديها على صدرها وقالت باهتمام بالغ:

- لا أعلم عنه شيئا.. يخرج صباحا ويعود ليلا لست متعودة على أن أسأله عن الأماكن التي يقصدها..

وسكتت لحظات كان خليفة قد أنهى وضوءه وراح يجفف وجهه وذراعيه وماكاد يستدير إليها حتى واصلت تسأله:

-      حالته هذه الأيام لم تعد تطمئنني

-      هل حدثك عن شيء فيما يخص اتهامه؟

-      لا

وتأملته تنتظر جوابه كأنما كانت تعتقد أنه يخفي عنها شيئا.. لبس خفا بلاستيكيا وخرج باتجاه المطبخ فلحقته وجلست قبالته، وهمت أن تضيف جملة من الأسئلة تزاحمت في ذهنها لكنه نطق قائلا:

- لم تعد عنده حماسة للفلاحة.. صار يتهرب أكثر من اللازم.. ولاحظت أنه صار يدخن بشراهة بعد أن توقف عنه منذ سنوات.. وصار يبدي ضجرا من كل شيء.

 وسكت فلم تعقب نوارة بكلمة واحدة، جمدت مكانها لحظات ثم قامت تقدم طعام الغداء لخليفة وذهنها يعيد ملاحظاته عن كريم.. كل ماقاله صحيح حتى هي لاحظت عليه فتورا وقلقا وتبرما من الحياة.. وصارت تشم في فمه وثيابه رائحة التدخين.

مساء وقد عاد خليفة إلى الحقل، تسلل كريم إلى البيت يقصد حجرة منزوية صغيرة في نهاية الدهليز بها خزانة قديمة، عليها حقيبة حمراء، ومجموعة من علب بذور، وبعض قطع غيار، وآلات فلاحية صغيرة تهالكت في غير نظام على الأرض بالقرب من ثلاثة أكياس خيش ممتلئة ومربوطة.. مد كريم يده فأشعل المصباح الصغير الذي لم يقو على تبديد ظلام حجرة صغيرة من دون نافذة.. ومسح كل ماقابله بنظرة عجلى، ثم استدار شمالا، ومد يده إلى الباب يدفعه حتى كاد ينغلق.. فتراءت له رفوف ثبتت على الجدار.. مد يديه إلى وسطها فحمل صندوقا بلاستيكيا.. وضعه على الأرض على مهل، وجذب كيسا قعد عليه وراح يفتح الصندوق بهدوء كأنما يفتحه على جثة عزيز لديه.. ومد يده إلى جوفه فأخرج كيسا قماشيا أبيض، وضعه في حضنه كما تضع الأم صغيرها، وراح يفك خيوطه كأنما يزيل عنه القماط.. وأخرجه... وقد تلألأت أشعته وانعكست على نفسه، فارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة، وحمل ريشة وضرب على الأوتار فراح النغم الشجي يزرع الفرح العارم في كل شيء، وتراقصت أمامه طربا الجدران والخزانة والآلات الفلاحية، وغمرته نشوة سماوية عربدَتِ القلبَ.. فأغمض عينيه.. وحلق في عالم ليس عالما للبشر.

وفُتح الباب بهدوء ووقفت نوارة وقد ارتسمت على ملامحها لوحات للدهشة والفرح، ولم تشأ أن تلفت انتباهه فبقيت في مكانها تصغي وقد اندمجت كلية في المشهد لتصير لحنا تتردد به الغرفة الصغيرة الواسعة.

وفتح عينيه - وقد عاد إلى الغرفة - على زوجته تسد الباب المفتوح وقد ارتفع تصفيقها:

- برافو برافو برافو

ولم يقف كريم من مكانه بل امتد متكئا بظهره على الجدار، وقد أحس أنه تنفس كل تعاسات الدنيا:

-      حقا الموسيقى لغة الطهارة

وجلست بجواره وقد تذكرت اللحظة كل قصص المحبين.. عبلة وعنترة.. جميل وبثينة.. ليلى والمجنون.. ابن زيدون وولادة.. كريم ونوارة.....

وأحس بقربها فسأل ممهدا:

-      هل أحسن العزف؟

-      وتحسن الغناء أيضا، أنسيت أنك فنان؟

واستغل هو بسرعة الفرصة فسأل:

-      وهل توافقين إذا عدت للغناء

وكمن لسعت.. ثارت من مكانها وسألت:

-      وما تغني؟ السوق اليوم يملأه العفن.. وأذواق الناس أردأ من أذواق البهائم.

وأسرع يقف إلى جانبها كأنما يحاول التأثير عليها.

-      المهم أن نكسب مالا.. أمثالي الآن يكسبون الملايير دون كد ودون تعب.. وما كسبت أنا من الفلاحة؟ لا شيء يا زوجتي العزيزة، وما ربح أبي وهو الذي أفنى عمره في خدمة الأرض؟

وشردت عنه لحظة ثم انفجرت فيه: 

- أبوك شريف كالأرض.. طاهر كالماء الذي يسقيها.. فهو عندي أعظم من كل أثرياء الأرض

وارتفع صوت الصغير يبكي فهرعت إليه مغاضبة، وبقي هو في مكانه يشد العود إلى صدره ممسكا أوتاره بكلتا يديه كأنه يخشى أن يخطف منه، وصوت زوجته يوافق صوت ضميره.. هل عندنا فن؟ وهل يريد هؤلاء الناس فنا؟ إذن لكان الأمر رسالة.. ولكن أين ذلك وقد اختلط الأمر على الناس؟ ولكنها المادة ومطالب الحياة.. والمثل العليا لاتطعم من جوع ولا تلبس من عري.. وماذا يضير؟ نكسب مالا ونحافظ على قيمنا وشرفنا.. وقفز فاتح اليحياوي إلى ذاكرته، كان يقول له كلما زاره، المهم أن يعيش الإنسان قناعته ثم يجوع أم يشبع فالأمر سيان؟ ألم يجع الأنبياء والفلاسفة وتشبع البهائم؟

حاشية 68:

كان فاتح اليحياوي منذ يفاعته ميالا للفنون.. فقد مارس المسرح والرسم وتعلم الموسيقى والغناء، ولكنه مذ دخل الجامعة كبر فجأة وشغف بالدراسات الاجتماعية، وآمن بوجوب ثورة الناس من أجل تغيير واقعهم، وكان يحدث كريم بأفكاره كلما التقاه:" على المتنورين بالعلم أن يزرعوا في الناس تقديس العقل والمعرفة ليغيروا واقعهم... تغير الواقع الاجتماعي يبدأ من إصلاح السياسة لأن السياسي هو الرأس التي تقود وتوجه...."

تعرض فاتح اليحياوي لانتكاسات كبيرة جعلته يعيد كل حساباته، ويصاب بإحباط رهيب، ويفقد الثقة في الناس جميعا فينطوي على نفسه بعيدا عن الجميع وقد آمن أن هذا النوع من البشر لا يمكن إصلاحهم.    

حاشية 69:

تأثر كريم كثيرا بأفكار فاتح اليحياوي، فقد كان نافذته على المعرفة، بكثرة قراءته لكتب الفكر والثقافة والفلسفة، وكان يحب الموسيقى مذ كان صغيرا، وأتقن العزف على العود، وكثيرا ما كان يخرج مع فاتح اليحياوي إلى غابة المدينة يستمتعان بوحي الأوتار الساعات الطوال، ومنذ أن تزوج كريم انشغل بأمور الأسرة تاركا فاتح اليحياوي يعيش عالمه وحده.

 

 (2)

جمعتهما مقهى الشروق لم يطل بهما الوقوف سريعا.. انطلقا في الطريق المحفر الممتلئ وحلا وماء.. كان عمار كرموسة وهو يحمل كيسا أسود أشبه بدب سمين.. وكانت عيناه تلمعان رغم التجاعيد التي بدأت تحيط بهما.. وكان يبذل جهدا في مشيه.. وكانت أنفاسه تحدث في الجو دخانا ما يفتأ أن يتلاشى ويزول، وإلى جانبه كان مراد لعور نحيلا فارع الطول كأنما مطط أكثر من اللازم، وحتى ليخال للناظر إليه من بعيد أن لباسا يمشي دون جسد.. أو كأنما هو فزاعة نصبت في الحقول لتفزع عصافير الدوري.. وكان يجد صعوبة في الحديث مع عمار كرموسة لأنه كان يسير ناحية عينه العوراء.

وماكادا حتى انعطفا يمينا وسارا بضعة أمتار ليدلفا بوابة المشفى، وراحا يصعدان الدرجات إلى الطابق الأول.. ينط مراد لعور في المقدمة كأنه كنغر نحيف.. ويدب عمار كرموسة خلفه وقد زاد لهاثه:

-      كأنه.. مشفى.. حيوانات

قالها عمار كرموسة، وصمت وهو يمسك بحاجز الدرجات، وهو لم يقلها نقدا لحالة المشفى بقدر ما قالها ليخفف اندفاع مراد لعور الذي أدرك مراده فتوقف وقد تغيرت دقات قلبه:

-      صدقت لا شيء في مشافينا حتى النظافة

ودفع بقدمه عقب سيجارة مازالت تدخن لافظة أنفاسها الأخيرة.. وفي الركن تكوم غبار وبقايا ورق

وأنهيا الدرجات ثم انعرجا يمينا وسارا جنبا إلى جنب متجهين إلى قسم الجراحة.. أزال عمار كرموسة قبعته الإيطالية السوداء وهو يحمد الله أن صاحبهما ليس في الطابق الخامس، وقطع عليه مراد لعور تفكيره وهو يقول:

-      نحمد الله أن فرنسا تركت لنا هذا المشفى

لم يعقب عمار كرموسة على صاحبه إلا سرا

-      وكأن باقي المؤسسات من صنعنا

ودخلا القسم فزكمت مناخرهم روائح لا تحتمل ودخلا الغرفة.. كان سمير ممددا على سريره الحديدي يتكئ على مخدته المطرزة، ويغطي جسده إلى الصدر بغطاء أبيض خفيف، وعلى الطاولة الليلية تراكمت أدوية وأطعمة، وكان وجهه مستنيرا.

وماكاد يراهما حتى هش واستوى قاعدا مكانه.. قبلاه وجلسا على كرسيين قريبا منه.

قال مراد لعور مازحا:

- أنت بخير.. على الأقل خير من عمار.. ما كاد يصعد حتى استنشق كل أكسجين الكرة الأرضية.

وضحك الثلاثة..  

ومد عمار كرموسة بصره إلى السرير المجاور، كان غطاؤه الأبيض مطرزا ببقع حمراء قانية لآثار دم نزف من مريض كان ينام عليه.. وفهم سمير الأمر فراح يشرح:

- كان عليه شاب لفظ أنفاسه منذ يومين في هذا المكان.. أغطية الأَسِرَّة لاتغير إلا بمرور الأسابيع مهما تراكمت عليها الأوساخ، لو أريتكم غطاء سريري.. لكني أغلفه بغطاء جلبته معي من البيت وكذا الوسادة والغطاء

وفيما كان عمار كرموسة يتابع الشرح باهتمام وتأثر دون أن يبعد عينيه عن مشهد الغطاء المتسخ قاطعهما مراد:

-      أره الكيس ياعمار

ومد يده إلى الكيس قال سمير:

-      لا أريد أكلا

وسحب عمار كرموسة الكيس يبعده عن يد مراد لعور وهو يقول لسمير:

-      جئناك بما يمنحك النشوة.. مصة واحد..

وأكمل مراد:

-      وتطير دون جناحين

ولم يجارهما سمير في الفرح الذي رفرف حولهما وقال:

-      عفا الله عما سلف

-      صار إماما

قالها مراد لعور وعاد يجلس مكانه متابعا تعليق سمير

- نجوت من موت محتم.. سببه هذا الطريق المنحرف.. الرأي أن نسلك طريقا آخر.

وبدا عمار كرموسة متأثرا بالكلام فلزم صمتا مطبقا كالتابع يؤمن على كلام شيخه بتحريك رأسه.. ومد مراد لعور يديه ثانية إلى الكيس وفتحه فأخرج منه علبة فض غلافها المزين، وأخرج منه قنينة عطر بخَّ بها كل وجه سمير الذي غطى عينيه.. وراحوا جميعا يضحكون.

بعد يومين غادر سمير المشفى تاركا إحدى كليتيه.. كان أبوه يفرض عليه المكوث بالبيت يراقبه مراقبة صارمة.. لم يكن يريده أن يتحرك كثيرا ولا أن يبذل أي جهد.. ولم يكن يريده أن يخرج حتى أمام الباب.. كان يقول له دائما:

- يكفيني ما وقع من فواجع.. فقدت أخاك وأمك.. وكدت أفقدك.. الزم بيتك ودعك من قرناء السوء.

وكان سمير يحس بعواطف الحنان تغمره وترفرف حواليه معوضة كل ماضاع منه.. لكنه كان يتخذ كلام أبيه سببا لمهاجمة أخته

- إذا كنت تراقبني فالأولى أن تراقب العطرة.. استغلت مرضي وانشغالك بالعمل خارج البيت وانطلقت كلية من عقالها.

ولم يعجل عبد الله بالرد.. بل جلس على كرسي بلاستيكي أبيض مقابل سرير سمير.. وضع رجلا على رجل وأخرج دخينة أشعلها على مهل.. مص منها بعمق ونفث من كل فتحات رأسه.. في نفسه أيضا الاعتراض نفسه.. ألسنة الناس طويلة والعطرة فتاة جميلة مشتهاة ولعلها تقع كالفراشة في محرقة الغواة.. ولاحظ ابنه مازال يركز فيه بصره كأنما مازال ينتظر جوابه فقال:

- وماذا تريدني أن أفعل معها؟ مريضة وذهبت إلى الطبيب ولا تنسى أنها يتيمة

ولاحظ عبد الله أن كلامه لم يرخِ عضلات وجه ابنه التي استمر تشنجها علامة رفض كل ماسمع فاستمر يقول:

-      أخبرتني عمتك كوثر أن أم فواز قد خطبتها

وقام سمير من سريره وخرج من غرفته وهو يردد في نفسه: عمتي وراء كل المشاكل

وظل الأب في مكانه ينظر إلى اللفافة بعشق كبير، ويمصها بنشوة رهيبة دافعا عن ذهنه خواطر تراكمت وتزاحمت.. أهمها، لماذا مازالت الشرطة تبحث في ملف طوي على الأقل نفسيا؟ لماذا تصر على تقشير جرح كاد يندمل؟ وأين ذهبت جثة عزوز؟ هل مات حقا؟ وهل مارآه كريم هو جثة عزوز؟ وتزاحمت عليه أسئلة أدخلته متاهات الحيرة والقلق.

 

  (3)

كانت الساعة الحادية عشرة ليلا حين أحس سالم بوطويل بحركة غير عادية في البيت.. أصوات أقدام تجر، وأبواب تفتح، وأنات ترتفع خافتة بين حين وآخر.. وأصاخ سمعه لحظات ثم دفع الغطاء عنه واندفع خارجا، وظهرت أمامه بلباس نومها الشفاف وقد انبطحت أرضا على جنبها الأيمن لا حراك بها.. وعجل فأدارها لتنبطخ على قفاها وهو ينبهها.. وأسرعت تستجيب.. كانت صفراء فاقعة زاد من صفرتها حلوكة شعرها الذي أحاط بوجهها.. ولاحظ أن صدرها وبطنها منتفخان أكثر مما ألف.. ودفع ذراعه تحت ظهرها يساعدها على الوقوف.. وما كادت تقف حتى ازداد أنينها وألمها.. وراح سالم يدق الباب على زوجته وبنتيه.. ودلف حجرة ابنه يوقظه فلم يجده.. وعاد يسأل بدرة عنه لتخبره باقتضاب أنه لم يعد بعد.. فدلف حجرته وراح يلبس ثيابه بسرعة.. وماكاد يعاود الخروج حتى كانت عزيزة منتصبة القامة في الردهة غير مبالية بآلام بدرة التي كانت تمزق الصمت حولها وسأل سالم:

-      ماذا نفعل لها ؟

-      وماذا نفعل لها؟ خذها إلى المشفى وانتهى الأمر.. ليست أول امرأة تلد

وجلست على الأريكة لا تفتح عينيها كثيرا خوف هروب النوم منهما.. وهبط سالم فأعد السيارة ورجع يدثر بدرة ويساعدها على نزول الدرجات.. لم تتحرك عزيزة من مكانها لكنها قذفتهما بطلقات من فمها:

-      لا تنسي.. أَسْم الوليدة عرجونة

وامتلأ سالم حنقا حتى فاض خارجا من جسده.. وهم أن يقول لها كلاما سيئا ثم لزم الصمت.. ما فائدة أن يُوجه كلام سيء لمخلوق سيء رديء لاذوق له ولا أحاسيس

وكانت بدرة تحلم أن تسمي ابنتها اسما جميلا يتناسب مع عصرها.. وكانت عزيزة تصر على أن يكون اسم الوليدة على اسم امها تخليدا لها.

حين كانت السيارة تخرج من المستودع متجهة إلى المشفى يغطي محركها على أنين بدرة وقد تحررت فاشتد ارتفاع صوتها.. نهضت عزيزة من مكانها تحاصر نعاسها وتدلف حجرتها لتواصل نومها.

وفي الغد صباحا حين كان فواز مع العطرة كان سالم يعود ببدرة إلى البيت وقد أشرقت على وجهها شمس موشحة بالغيوم، وفي حضنها كانت تنام الصغيرة وردةً للبراءة والحسن، وكانت السيارة ممتلئة هدايا ولعبا مختلفة جاء بها كريم وخليفة ونوارة.... وكان وجه سالم يفيض بشرا وفرحا عارما يطمر به غيضا دفينا

قالت بدرة وقد سبقتها عبرة:

-      لو كانت أمي حية...

-      لو.. لكننا لسنا مخيرين.. فلنتكيف وفق الواقع

رد سالم وهو يقول في قرارة نفسه لو تزوجت ذهبية بنت الطاهر.. هل أعيش كل هذه التعاسة؟ ونسي بدرة ووليدتها الصغيرة.. ونسي أنه يسوق سيارة وأنه عائد إلى البيت.. لقد عادت به الذكرى إلى أيام الطفولة واليفاعة حين كان يرى العالم كله ذهبية.. أين هي الآن؟ وماذا تفعل؟ وكم لها من البنين؟ وهل هي سعيدة في حياتها؟ دون شك كانت أخبارها تصله دائما، وكان هو حريصا على التقاطها؟ لقد اقترنت ذهبية بشاب لا تعرفه.. عامل بسيط محدود الدخل لكنه كان يحبها ويرى العالم كله فيها، واطمأنت هي بالبيت الجديد وأخلصت له وسعدت به، ولا يهم أن نعيش أغنياء أو فقراء المهم أن نعيش سعداء.. إلى أن كشرت الدنيا في وجهها حين خطف الموت منها زوجها.

وتوقفت السيارة أمام البيت، وأسرع سالم يفتح بابها ويحمل الصغيرة بيمناه ويساعد أمها بيسراه.. وبهدوء مد يده يفتح الباب فألفاه مغلقا، واستعمل الجهاز مطالبا بالفتح، وجاءه صوت عزيزة:

-      عدت بها؟ وماذا سميتم الصبية؟

وأدرك سالم أن زوجته تتصرف بحمق.. ولكنه لم يشأ أن يثيرها أكثر، ولا أن يبعثر حماقاتها أكثر، بل راح يرد متوددا:

-      أروع اسم في الدنيا كلها.. أنا وأمها وجدها خليفة وخالها كريم.. كلنا.. كلنا جميعا منحناها اسما رائعا..

وسكت ينتظر ردها الذي تأخر قليلا ونطقت كأنما تلوك شيئا

-      وأنا لا محل لي من الإعراب.. أنا عزيزة...

وقاطعها سالم وهو يحافظ على هدوئه

-      منحناها اسم وردة.. وهي فعلا وردة.. افتحي وستفاجئين بالحفيدة الصغيرة الرائعة.. تشبهك تماما.. سبحان الله!

ولم يفلح سالم في إقناعها.. وبقيت تصر على أن الصبية يجب أن تسمى عرجونة وفاء لأمها التي توفيت ذات شتاء مظلومة مقهورة.

كانت السماء تلك الليلة لعنة على الأرض تجلد وجهها بسياط الظلام والريح والمطر.. وانطفأت مصابيح الشوارع.. لم يغادر يوسف البيت لمعاقرة الخمرة كما تعود، ليس خوفا من الطبيعة لكن لم يبق له ما يصرفه.. باع كل أثاث البيت.. الثلاجة.. المدفأة.. الخزانة.. باع حلي زوجته.. وما يصلح للبيع من ثيابها.. وظل أياما يهددها بالبيع.. ويهددها ببيع البنت.. ويحاول أن يقنعها ببيع البيت الذي ورثته عن أبيها.. وتحول تلك الليلة وحشا ضاريا.. بدأ الخلاف بينهما لفظيا ثم مافتئ أن صار بالأيدي واشتد ركلا ولكما ورفسا.. ودفعت مخالب الوحش براءة عرجونة فارتطم رأسها بالسارية.. وراح يسحبها - وهي تحاول صارخة أن تمنعه - إلى حديقة المنزل فيربطها إلى جذع الشجرة خائرة القوى ويوصد الباب، ويحمل الصغيرة كقبرة مهيضة الجناح ويبعد بها.. كانت خطوط الدم آخر مارأت من أمها.. وكان صياحها المختنق بغضب الطبيعة آخر ما سمعت.

وفطنت عزيزة إلى نفسها وقد انحدرت على وجنتيها دمعتان، واسود وجهها حنقا كأنه سحابة راعدة، وانسحبت إلى غرفتها تلعن كل رجال الكون.

كان سالم بوطويل قد وصل بسيارته وبجواره بدرة يلفهما صمت رهيب، وفتح خليفة الباب وقد هزته المفاجأة.. قال سالم وغيض يلوي عنق لسانه:

-      خليفة ياأخي لعل بقاء بدرة هنا عندكم أفضل لصحتها وصحة ابنتها، سأتكفل بكل المصاريف، وسأزورها يوميا.

أدرك خليفة السامعي أن في الأمر إنَّ.. وكمن لم يفهم راح يرحب بهما ويدخل ابنته البيت مودعا سالم الذي رفض الدخول.. وهرعت نوارة وقد اضطربت بين حزن بدرة وفرحة أبنائها بالصبية.. هرعت ترمي بباقات الترحاب وتعد لبدرة غرفتها.

دخل خليفة فجلس على حافة السرير.. شبك أصابعه الحرشاء، وخفض عينيه المثقلتين بالهموم دون أن ينطق.. كان منهكا تعبا.. يغطي وجهه غبش حزين.. وكان يحس أمام ابنته بالذنب الكبير.. ودون أن يسمع تفاصيل الحكاية كان يدرك يقينا أنها مدية تقطع الوتين.. وكانت بدرة تطأطئ رأسها تحلب أجفانها عبرات حزينة، وماكادت تمضي لحظات حتى دخلت نوارة لتفتق شرنقة الصمت.. وانتقل الحديث من بدرة وبيت زوجها إلى المزرعة وكريم الذي لم يعد منذ أيام للعمل.. وانفجرت بدرة تحكي عن زيارته عزيزة، واقتراحها تمويل حفلاته وتسجيلاته، ولم يملك خليفة نفسه وقد اشتد عليه الضغط فانسحب خارجا.. وبقيت نوارة في مكانها تمور متميزة من الغيظ الشديد، في الوقت الذي لم تكف بدرة عن إرسال الدموع..         

ولم تنتظر عزيزة طويلا بعد طرد بدرة من بيتها لتسرع بربط علاقة مغرية مع العطرة.. علاقة نسجت خيوطها بين العائلتين العمة كوثر وفرح لها فواز كثيرا.. واعتبرت العطرة الأمر انتصارا كبيرا لها ولمشاعرها وأحاسيسها.. ومنت نفسها بالرفاهية والسعادة، وتوديع حياة الفاقة مدى الحياة.

قالت لعمتها كوثر وهي تتنقل داخل البيت الضيق بخفة كبيرة:

-      ما الذي مازال ينقصنا؟

وضحكت عمتها وهي تجلس على الأريكة الجديدة التي اشترتها العطرة من خالص مالها لهذه المناسبة السعيدة:

- لقد نورت البيت.. تشبهين الفراشة وأنت تتنقلين بين إعداد الحلويات والكعك وتزيين نفسك

وسكتت كالحالمة ثم قالت:

-      الجمال يُسعى إليه ولا يسعى إلى أحد.

وصمتت العطرة تتأمل جمال عمتها الفاتن، وتعيد إلى ذاكرتها قول كل من يراها: أنت تشبهين عمتك كوثر.. ورددت في نفسها: لقد غرك جمالك فجنى عليك.. فهل يجني علي أنا أيضا؟

ووصلت عزيزة فرفرفت حولها القلوب.. وجلست في صدر الدار.. وعجلت العطرة تقدم إليها مالذ وطاب من المأكل والمشرب، وتكاد تقدم لها قلبها وعينيها وحتى روحها.. وزاد ذلك عزيزة غرورا فانتفخت في مكانها على الأريكة الجميلة، وراحت تمارس سيادتها، وتلقي بأوامرها، وتجد اللذة الكبرى وهي ترى الجميع خدما ملبين.

وتشعب الحديث ليصل إلى بدرة وأخيها المتهم بالقتل، وتفتيش الشرطة مرارا للمزرعة، ووصل الأمر إلى سمير قالت العمة:

- لقد نجا من قتل محتم.. الحمد لله.. لقد شفي وأطلق سراح عمار كرموسة.

قالت العطرة معلقة:

-      لكن الدولة لم تعاقب المجرمين

رشفت عزيزة ماتبقى في فنجانها ووقفت تستعد للانصراف وهي تؤكد لهما أن العرس سيكون الأيام القادمة وخرجت.

التصقت العطرة بعمتها ونشوة الفرح تدغدغ أعماقها سعادة وحبورا، وراحت العيون الأربعة عبر النافذة تتابع عزيزة الجنرال تركب سيارتها البيضاء وتنطلق مبتعدة.

حاشية 70:

ظلت نفس عبد الله مضطربه دون أن تجزم بموت عزوز.. كان هناك حلم يبزغ حينا بعد آخر بين سحائب سود تغشي حياته كلها قائلة له: مازال عزوز حيا، هل هي الحقيقة أم هو الوهم؟ هي نفسه هكذا تظل في كل حياته متشبثة بشعاع الأمل حتى ينطفئ تماما.

حاشية 71:

كلما تذكر سالم بوطويل ذهبية بنت الطاهر تذكر قول الشاعر وما الحب إلا للحبيب الأول، وكلما ردد البيت تمتم.. هذا أصدق بيت قرأته 

 

   (4)

ظل الضابط سعدون واقفا يدور هنا وهناك لا يقدر على الاستقرار في مكان واحد.. يرسل بصره من النافذة بين الفينة والأخرى.. وحين أحس بالتعب يتسرب إلى مفاصله وعضلات ساقيه تهاوى على الأريكة دون أن يثبت.. كان يتحرك في كل اتجاه، وكان ينثر أمامه أوراقا تجمعها حافظة حمراء.. ودق جرس الثامنة فقفز إلى الباب يفتحه ويطل منه.. وسريعا وصل الشرطيان المساعدان، دخلا ولزم كل منهما مكانه في الوقت الذي أسرع الضابط إلى الباب يغلقه ويجلس قبالتهما مقلبا أوراقه بعناية فائقة ليرفع بصره قائلا:

-      تعرفون أن قضية الجثة الهاربة لم تنته بعد

وسكت كأنما ينتظر ردهما الذي لم يدم طويلا حين علق أحدهما

-      تشبه قضية فلسطين.

قال الآخر:

-      كل الناس نسوها حتى أهل الضحية.. وانشغلوا بجريمة قتل الحاج حشحوش.

-      لكن الشرطة لا تنسى، ويجب أن تنصر الحق.. نحن صوت الضحية.. وهي تصرخ في داخلنا: أنصفوني.

وخيم عليهما الصمت من جديد.. في الوقت الذي غرق الضابط من جديد في أوراقه ركب الشرطيان أجنحة الخيال.. ما الجديد في القضية؟ وما الذي سيكشف عنه الضابط؟ هل قتل عزوز حقا؟ ومن قتله؟ أم هل فر واختفى؟ وماالدافع إلى قتله أو اختفائه؟

ورفع الضابط نظره عن أوراقه وقبل أن ينطق قال أحد الشرطيين:

-      أفي القضية جديد؟

ونشر الضابط أمامه أوراقا وهو يقول:

- وصلتنا رسالتان الأولى منذ أسبوع يخبر كاتبها أنه رأى عزوز حيا يرزق في مدينة وهران.. متمتعا بصحة جيدة، والثانية منذ يومين تؤكد موت عزوز المرنيني.

-      كلاهما رسالة مجهولة والرسالة المجهولة لا يعتد بها

ولم يبال الضابط بهذا التعليق فاستمر في كلامه

- الرسالة الثانية تؤكد أن كريم قتل عزوز بهراوة ودفنها في مزرعته شمال البئر

وسريعا تحرك الرجال الثلاثة في سيارتهم المدنية يلفهم صمت رهيب.. هل سيضعون حقا أيديهم على حل هذا اللغز المحير؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون افتراء وخداعا؟ وما المصلحة في اتهام كريم زورا وبهتانا؟ وما علاقة فواز وعائلته بكل ما يقع؟ وما صحة الشهادة التي تؤكد رؤية عزوز بمدينة وهران؟ كان الضابط قد قدم الرسالتين المكتوبتين على الإعلام الآلي إلى المخبر ولم يعثر عليهما على أي أثر لبصمات.

حين وصلت السيارة المزرعة كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة بقليل.. وكان الجو باردا والسماء ملبدة تنذر بالأمطار الغزيرة.. وحده خليفة كان يقلب نظره في الأرض التي تحدت كبره وأعجزته فلم يعد قادرا على دغدغتها، ولا على تضميخها بحبات عرقه.. وحده كان يقف إلى جانب صفصافة باهتة عارية الأذرع والسيقان وقد امتص السوس ماء الحياة منها

وتوقفت السيارة قريبا منه ونزل الرجال الثلاثة.. لم يبال بهم ولم يأبه لمجيئهم.. لكنه سأل وهم يصافحونه:

-      مازلتم لم تكملوا إزعاجكم لنا؟

-      لن نعود بعد هذه الزيارة.. سنقوم بتفتيش بسيط

وتفرقوا حول البئر.. وأسند خليفة سنواته السبعين على جذع الصفصافة وقد أحس نفسه هدفا لكل سهام الدهر تتعاوره من كل حدب وصوب غير مبال بالضابط الذي وقف قريبا منه ينتظر باهتمام شديد نتائج البحث.

وتحرك الضابط خطوات يلقى الشرطيين وقد عادا سريعا.. لم يهتم خليفة لهما ولم يرفع رأسه فيهما تماما.. ومد أحد الشرطيين يده بكيس أسود للضابط وقد بدت الغبطة على وجهه:

- وجدناه 

وكمن عثر على كنز من كنوز علي بابا احتضن الضابط سعدون الكيس وعجل يمتطي السيارة.. انتبه خليفة للأمر فتحرك من مكانه واقفا واندفع نحوهما كمن يريد أن يستفسر عن شيء ما.. لم تمهله السيارة وانطلقت تبتعد وقد قمعت رغبته في الاستطلاع.

ذلك المساء لم يستطع الضابط سعدون أن يستقر في مكانه حتى تم القبض على كريم، وحين رآه يدخل المركز مكبلا بالأغلال تنفس الصعداء، وجلس على أريكته، وأشعل سيجارة نفث دخانها إلى الأعلى بزهو وخيلاء وهو يحدث نفسه: وأخيرا وقعت أيها النذل الحقير.

ودخل كريم على الضابط ملفوفا بالدهشة، وأسرع يطرح السؤال وقد احمر وجهه، وتلعثم لسانه:

-      ما الأمر؟ ماالجديد؟

وأشار إليه الضابط أن يجلس وأسرع أحد الشرطيين يفك عنه الأغلال.. راح يدلك معصميه ويعيد سؤاله مرتين أو ثلاثا.. قدم له الضابط كأس ماء وهو يلاحظ جفاف شفتيه واضطراب أصابعه وسأل الشرطي:

-      أين وجدتموه؟

-      يعد لحفلة الليلة

ابتسم الضابط بسخرية وقال:

-      نسيت أن أبارك لك.. صرت فنانا كبيرا.. تركت خدمة الأرض خدمة للفن

اعتدل كريم في جلسته.. بلل شفتيه.. جمع كل شجاعته وقال:

- دون استهزاء من فضلك.. والناس أحرار فيما يفعلون.. هل يمكن أن أعرف لماذا أنا هنا؟

وبثقة مطلقة استدار الضابط للشرطي الذي كان يجلس قريبا من الباب وقال:

-      سنريك مفاجأة سارة

قام الشرطي من مكانه وخرج.. استند الضابط سعدون إلى الخلف وراح يدور بأريكته يمينا وشمالا وقد ارتسمت علامات للحيرة على تضاريس وجه كريم

وعاد الشرطي بعد لحظات فوضع كيسا أسود على المكتب وانسحب ليقف في مكانه الأول وقد جمع يديه خلفه، وراحت عيناه تدوران في محجريهما بين كريم والضابط كأنهما عينا قط بري.. وركز كريم عينيه في الكيس ببلاهة.. امتدت يدا الضابط إلى الكيس يهم بفتحه وقد ركز نظره على ملامح كريم ثم تراجع عن فتحه دون أن يبعد يديه عنه وقال:

-      هاقد جئنا بالعلبة السوداء، فما رأيك؟

-      عم تحكي ياحضرة الضابط؟ لا أكاد أفهم ألغازك

- الكيس الأسود، ألم تدسه ذات ليلة ماطرة في مزرعتكم قرب البئر

واندفع كريم قائما وقد هزته المفاجأة.. واضطرب كل شيء فيه.. وخارت قواه.. واصطكت فرائصه جميعا.. ثم عاود الجلوس وتمتم بكلمات تهاوى معظمها من شفتيه قبل أن يصل إلى أذني الضابط:

ومد الضابط أصابعه وراح يفتح الكيس على مهل وهو يقول:

-      في الكيس عسل مصفى.. ملائكة بررة كرام.. من دفن الكيس في المزرعة؟

-      لا علاقة لي بالكيس.. وما رأيته في حياتي

واستند إلى الخلف وطوى ذراعيه إلى بعضهما البعض بقوة كأنما يحاول أن يخفي اضطرابه.. ورفع الضابط إليه بصره ملتزما الصمت لحظات ثم قال:

-      أنت فنان كبير ولك أعداء كثر.

وأسرع يخرج هراوة خشبية في طول الذراع وحجمه، ذات مقبض في حجم اليد، ورأس مدبب مكور بعناية فائقة، وقبل أن يطرح سؤاله بادر كريم للسؤال:

-      ماهذه الهراوة؟

-      اسألها

عاد الضابط للغة الاستهزاء وسكت لحظات ثم واصل:

-      وأنت أيتها الهراوة، هل لك علاقة بمقتل عزوز المرنيني؟

وتريث كريم حتى أكمل الضابط سخريته الطويلة وقال:

-      يا حضرة الضابط أنا لست مجرما ولا منحرفا.. ولا علاقة لي بعزوز لاخيرا ولا شرا..

- لقد وجدنا على الهراوة دم عزوز ووجدنا على الكيس بصماتك ووجدنا الاثنين في مزرعتك.. أم هل لك أيها الفنان الكبير أعداء لا نعلمهم؟

ووضع كريم في الحجز ليحول في الغد إلى العدالة.. ونام الضابط سعدون تلك الليلة ملء جفنيه غبطة وسرورا.

 

   (5)

باهتة زوايا البيت وقد خلت من الصغار.. لامعنى لكل ما يتكوم على الأرض أو يلتصق بالجدران مهما غلا ثمنه وارتفعت أهميته.. وحده الصمت الرهيب يدثر القلوب.. ووحده الحزن يبرعم على الوجوه.. في الركن كانت بدرة تنزوي متقوقعة كسلحفاة مريضة غار من وجهها ماء الحياة ومن عينيها انطفأ بريق الأمل.. وفي نفسها أسئلة تذبح القلب.. هل تقدر على فراق ابنتها الوحيدة؟ وهل خضوعها لإرادة أبيها تصرف حكيم؟ لقد أرضته أول الأمر فخسرت.. فلماذا تخضع هذه المرة؟ هل من أجل إرضائه تقدم نفسها قربانا؟

وإلى جانبها كان يجلس أبوها يدور بعينيه في كل مكان.. وقد انتفش شعره وغزاه الشيب.. وامتص الألم رحيق الحياة من وجهه.. فتهدلت عيناه وتثاقلت شفته السفلى حتى غدت أكثر مما كانت.. ولمع على وجهه شعر اختلف بين السواد والبياض مشكلا لوحة للمأساة.. ما أقسى نوائب الدهر تضرب كالعاصفة المدمرة فتحيل ربيع الحياة مقبرة للموت والفناء.. أي سهم يداري وهو يفقد كل شيء دفعة واحدة.. ابنه.. ابنته.. مزرعته.. وأخيرا هاهي نوارة التي ظلت ربيع البيت تختفي فجأة مع أبنائها زارعة في البيت جليدا يميت كل شيء.

وتنهد دون شعور منه مرددا بين شفتيه استغفارا باهتا.. وأحس ألما يبدأه عند الحزام ثم يبدأ في الصعود تدريجيا حتى ينفخ صدره فلا يقوى على التنفس.

وكانت زوجته تركن على مقعد صغير، تتكئ على الجدار، تتابع بعينيها كل حركة يأتي بها زوجها، وتعيد إلى ذاكرتها شريط حياتها منذ بدأته معه طارحة على نفسها جملة من الأسئلة: إلى أين يسير القطار؟ وفي أي محطة سيتوقف؟ وما نتيجته؟ وما محلها هي من كل ذلك؟ وأحست بالألم تمور به نفس زوجها فرأت أن تكسر جدار الصمت لتخفف عنه الحصار فسألت:

-      خليفة.. لم تخبرنا أين قضيت هذا الصباح؟ وما فعلت؟

ورفع عينيه المثقلتين فيها وقد بدت له نمرا مفترسا.. وهم أن يقول لها انسحبي واتركيني لهمومي.. ثم حول بصره إلى ابنته وفي عينيها المركزتين عليه قرأ إصرارا على الجواب عن السؤال.

تنحنح وهو يمسد بإصبعيه حلقه ثم شبك بين أصابعه ورفع بهما ركبته اليمنى فبدا كأنما يعتصر ألما شديدا وقال:

- ذهبت إلى محافظة الشرطة لأسأل عن ملف كريم.. وحين خاب ظني توجهت إلى محام، وكلت إليه القضيتين، والمستقبل في حكم الغيب.

وقام من مكانه يغادر الغرفة، ولحقت به زوجته ليفسحا المجال أمام دموع بدرة كي تنهمر بغزارة.. لقد فعلها أبوها بكل قسوة حين قرر إرجاع ابنتها الصغيرة ذات العام الواحد إلى أبيها.. وخليفة السامعي حين يقرر يقرر بصرامة لا تحتمل النقاش.

وفي السجن تغير كريم كلية.. صار منطويا على نفسه يقضي الساعات الطوال لا يكلم أحدا.. ينسج أفكارا ثم ينكثها.. يعيد إلى مخيلته كل محطات حياته التي كانت رتيبة عادية.. في قريتهم المعزولة المهمشة ولد في أسرة مزارعة فقيرة.. رحل إلى المدينة حين منحت الدولة أباه قطعة أرض أعطاها سنوات من عمره لتصير على ماهي عليه.. وبفضلها صار له سكن.. دخل الجامعة وتخرج منها مهندسا فلاحيا دون أن يحصل على عمل، ووجد مزرعة أبيه لتقيه من الضياع.. تعلم الموسيقى وهو في الثانوي واكتشف الجميع قدراته الصوتية الفائقة.. غنى في الأعراس والمناسبات والحفلات العامة.. وكسب من وراء ذلك أموالا كثيرة، ومنذ أن تزوج اعتبر نفسه قد كبر عن عبث الشباب ليهجر الغناء تماما، وبقي حب الموسيقى قائما في نفسه.. كلما ألح عليه هرَّب عوده إلى غابة المدينة وارتوى من لحنه.. وفجأة تحداه الزمان ليصير متهما بجريمة قتل، ثم تثبت التهمة فيزج به في السجن عشرين سنة كاملة مع غرامة تزيد عن عشرة ملايين.

ووقف أحد السجناء عند رأسه فرفع إليه رأسه وأشار إليه بيده أن يجلس بجواره، وجلس السجين وهو يقول:

-      اشتقت الأولاد.. أو اشتقت أمهم

وضحك.. فحزن.. بأي شجاعة سيقابل أم الأولاد التي ضحت كثيرا ليس من أجله فحسب بل من أجل العائلة الكبيرة وعوضتها فقدان الأم..؟ ماالذي سيقوله لها وللبراءة في عيون أطفاله وقد أصبح الجميع يرونه مجرما ويسمونهم بذلك؟

ومتى سيخرج؟ هل سيجد بعد هذه السنوات شيئا يذكر؟ هل سيكون للحياة طعم ورائحة؟ هل سيجد أباه الذي أنهكته السنون وهمومها وانكساراتها؟ أباه الذي هده هو بحماقاته وتصابيه؟ هذا الأب العظيم الذي كان يراه مفخرته.. الأب الذي ضحى بكل ما يملك من أجل أن يراه رجلا كبيرا أمام الجميع؟

ولمعت في ذهنه فكرة الفرار من السجن؟ وبعد ذلك، هل الأمر بمثل السهولة التي يفكر فيها؟ إيه الدولة أياديها طويلة، وياويح من وضعته نصب عيونها..

ومد السجين بجواره يده إلى كتفه ينبهه إلى انتهاء فترة الفسحة ودخلا إلى المراقد.

كانت نوارة قد غادرت البيت مع أولادها بمجرد إدانة كريم والحكم عليه بعشرين سنة سجنا دون أن تستأذن أحدا تاركة في البيت هوة مرعبة..

وفر خليفة إلى كهف الصمت وقد جحظت عيناه.. ولمعتا.. وشع منهما بريق مخيف وعلى الوجه ارتسمت لوحة للحزن القاتل، فقد سودت البشرة واشتعل الرأس شيبا..

وصارت بدرة كالمجنونة.. تغيرت في الطباع والمزاج والنظرة إلى الناس وفقدت كل أمل في الحياة وهي ترى الزلزال يضرب كل قلاعها فيهدها دفعة واحدة.. وكثيرا ما صارت فكرة الانتحار تلح عليها وكثيرا مادخلت مع مدير المؤسسة في خلاف لتأخرها وكثرة تغيباتها عن العمل وبالغت هي في الأمر رغم تهديد المدير بتوقيفها عن العمل.

كان كريم يؤكد لصاحبه الجديد أنه بريء وأن العدالة لا معنى لها إذا كانت تتهم الأبرياء لمجرد دلائل لا يدري كيف دست له وكان صاحبه يجد فرصة ليبدأ بسرد حكاياته ومغامراته.

حاشية 72:

بدرة ذات نفس حساسة جدا، لا تحسن التوسط في العواطف، فهي إما أن تعطي كل شيء أو تمنع كل شيء.. كانت ترفض أن تكون كالشمس تختفي لتستمر على صفحة القمر.. كانت تقول دائما أنا كالنحلة قد أمنحك العسل، ولكني قد امنحك السم ولو كان في ذلك موتي.

 

   (6)

قضت العطرة أكثر من ساعة تطل من شق النافذة عبر الفضاء.. رأت مراد لعور يتكئ على الجدار يمص دخينته ويرنو بعينه السليمة إلى النافذة.. ورأت علي الخضار يرفع صوته يدعو الزبائن إلى سلعته ورأت دعاس الحمامصي يركن ظهره إلى الجدار ينضد قطع الخبز فوق بعضها البعض... ولكنها لم تكن تأبه بكل ذلك حتى إذا ما أطلت السيارة البيضاء أطلقت دويا فرحا في البيت، وهرعت لتصطدم بعمتها التي اندفعت نحوها وغرقتا في الضحك عاليا.. وحضر الأب من حجرة الاستقبال، ولحقه سمير بسرواله القصير ولحيته المبعثرة وقد بدا عليه فرح متحفظ ملفوف بالوقار والرفض.. وتعالت أجراس السيارات تعلن الفرحة في الجميع، وتعالت الأغاني من الحناجر والأشرطة من داخل البيت وخارجه، ودخل المحفل.. عزيزة وبنتاها وابنها وبعض الأقارب والأصدقاء.. ليلحق بهم عمار كرموسة ومراد لعور وامتلأ البيت بهم.. يجتمع الرجال في غرفة ليتركوا الباقي للنساء.. ولمعت أضواء المصورات.. وقدمت المشروبات والحلويات على اختلاف أنواعها.. وتفننت النسوة في الرقص واستعراض الأجساد والزينة وأنواع الملابس التقليدية، دون أن تنسى عزيزة نشر سيرة بدرة والطعن فيها مؤكدة أنها تنازلت عن ابنتها.

وغاب سالم عن الحفل البهيج، لم يعد بمقدوره الاستمرار في لعب دور التابع الصامت.. منذ أن عادت وردة إلى البيت نسي كل شيء وأعطاها كل عمره.. حول غرفته روضة للطفولة.. بجانب سريره أقام سريرها.. وقريبا من خزانته استوت خزانتها.. وامتلأت الأدراج والأرضية لعبا.. وامتلأت الجدران صورا، تنام في حضنه وتأكل معه، ولا يقوى على الابتعاد عن البيت إلا وهي برفقته.. وانتقل سالم من عالم الكبار الشرس المريض إلى عالم الصغار البريء، وانسلخ من كل عمره ليعود سريعا إلى طفولته التي لم يذكر أنه عاشها كما يجب، كان أبوه قاسيا وصارما لا يعرف إلا شيئا يسمى العمل، ولايعرف من هدف في الحياة إلا جمع المال ولو كان على حساب كل شيء.. وكانت أمه تخاف عليه حتى من هبة النسيم.. فكانت تمنعه من الخروج إلا برفقتها، وتمنعه من مخالطة الأتراب إلا تحت سمع الكبار وحراستهم 

ودب سالم على ركبتيه وكفيه مقلدا الحمار، وعلى ظهره استوت وردة تضرب رقبته بقطعة جلدية.. ويحرن فيعلو ويهبط وتنفجر الصغيرة مقهقهة من أعماقها، وينبطح هو على بطنه ثم ينقلب على ظهره وهي فوقه.. ويتنفس بعمق نافثا كل أحقاد الكبار وأضغانهم.. وتلح الصبية وهي تجذبه من رقبته على مواصلة اللعبة.

ودق الجرس فاستوى سالم قائما.. حاول بسرعة أمام إلحاح الجرس أن يسوي ما تبعثر من شعره وهندامه، وخرج تتبعه وردة.. حين فتح الباب هزته المفاجأة وفغر فاه.. لكن كلامها قطع عليه ذلك:

-      بنتي ياعمي سالم.. بنتي.. لا بد أن أراها.. أكاد أجن.. أكاد أجن.

وأجهشت تبكي فاندفعت وردة من خلف سالم وارتمت في حضن أمها باكية.. ضغطتها إلى صدرها تشبعها تقبيلا وانتبه سالم لنفسه فجلله الحزن:

-      صبرا بنيتي، قد تكون أقدارنا مؤلمة

-      لابد أن أسترد ابنتي لقد رفعت دعوة للمحكمة

قالتها وتلفتت خلفها مرارا، خائفة وقد سمعت محرك سيارة يرتفع صوته من بعيد.. وأسرع سالم فاسترد منها وردة وانطلقت تختفي مسرعة وهي ترجو أن يأتي بها إليها إلى العمل.

حين نزلت عزيزة الجنرال كانت وردة تبكي بكاء حارا مرددة لفظة ماما، وكان سالم يجهد نفسه لإسكاتها، يحاول إغراءها بكل ما يملك وما لا يملك وقد أربكه عودة عزيزة الجنرال بسرعة.. وتسلل الشك إلى عزيزة فدارت بعينيها هنا وهناك.. وتشممت الهواء من حولها.. وحدقت طويلا في وردة وفي سالم الذي راح يشير إليها ويقول:

-      هاهي ماما.. هاهي ماما 

واشتد الشك بعزيزة فاندفعت إلى الشرفة تطل منها وتجول ببصرها في كل اتجاه.. وعادت فدلفت غرفتها ودخل سالم غرفته دون أن يتبادلا حديثا.. كان سالم قد قطع كل علاقة مع عزيزة.. بل وقطع كل علاقة مع حياته.. مذ دخلت وردة حياته عاد إلى طفولته وراح يكبر شيئا فشيئا حتى صار فتى يهتم بهندامه وجسده، وتكثر لديه الأحلام التي كانت تراوده قبل زواجه.. حلمه بشريكة الحياة.. حلمه بالأيام الحلوة التي سيقضيها معها.. حلمه بنشوة الحب.. حلمه بالأطفال الصغار يملأون عليه حياته.. حلمه بذهبية بنت الطاهر حبيبة القلب.

 وملأت العطرة على فواز حياته وشغلته عن كل شيء، ليس عن بدرة وابنته وردة فحسب، بل حتى عن لعلوعه التي طالما أقسم بأغلظ الأيمان أنها من مسك الجنة.. وأن الأرض ما رأت أجمل ولا أفتن منها.. وأنه مستعد أن ينسى كل من في الوجود من أجلها.. وأنها مهما تأمره يطعها، ولو احتاجت إلى مال الدنيا لقال لها لبيك.. وأنسته العطرة نفسه فغرق في اللذة معها، لا يكاد يغادر البيت إلا وهي معه.. وسعدت عزيزة لسعادة ابنها وانصرافه عن الملاهي الليلية التي أخذت ماله وشبابه وشغلته بمعاقرة الخمرة وربما حتى تناول المخدرات فانصرفت إلى جمعيتها التي أسستها، وأقامت بفضلها علاقات كبيرة مع جهات وجمعيات فرنسية، بل وحتى مع عوائل المقبورين في المقبرة المرممة، وصاروا يؤمون المدينة ويزورون عزيزة في بيتها يمنحونها شكرهم وتقديرهم، وتهاطلت عليها شهادات التقدير لما تبذله وتلقت منهم ومن الجهات الرسمية في الولاية والوزارات دعما معنويا وماديا مستعينة في كل ذلك بفيصل الطبيب والعمة كوثر..

ولم يكن فيصل طبيبا للعائلة فقط.. ولا عضوا في الجمعية فحسب.. بل هو صديق حميم لعزيزة.. وعاشق موله لها.. رغم أنها تتجاوزه بسنوات إلا أنه كان يراها الحياة كلها، وكثيرا ما يصل به الأمر أن يطلب منها الخلع من سالم ليتزوجها، وكانت هي تحس بنشوة الانتصار وهي تسمع منه هذا الكلام فتدعوه أن يحبها ويتزوج ابنتها فريدة..