|

بقلم
الكاتب: عزالدين جلاوجي

الرماد الذي غسل الماء
الإهداء:
يابشـــراه...
يذبحنا التتار البيض كل مساءْ
فتجري منا الأرض دموعا ودماء
من بحرنا حتى سيْناء
غير أنَّا كل صباح
نُبعث أنبيــــاء...
نزرع الأرض زهرا
نضمخها عطرا وإخاء
*******
إلى الأشجار التي وقفت بكبرياء في جنين والفلوجة متحدية زوابع أعداء
الإنسانية
لا طريق للكرامة إلا التضحية
ولا انتصار إلا للخير والحق والجمال
ولا منابر للخفافيش إلا الكهوف المظلمة
حبيبــي:
وأنا أتدحرج في مهاوي الأيام.. أنكث ظفائر العمر الحزين.. تتحداني براثن
الليالي الكالحات.. لم أعد أشعر بدفء الحب يحضن قلبي الصغير المرتعش.. ما
عدت أتنشق شذاه يدغدغ الفرحَ في جوانحي..
بحثت عنكَ كثيرا.. قلبت حتى ابتسامة الأطفال وتجاعيد الكبار.. وحلم الأبكار
ينتظرن عاشقا على شرفات العمر.. طاردتُكَ خلف زقزقات العصافير الرمادية،
وبين ثنايا الصَّبا يهب حزينا منكسا على مدينتنا البائسة.. ساءلت عنكَ
البراءة في وجوه الصغار.. والدموعَ المضطربة على شرفات العيون.. والأحلامَ
المقبورة في نفوس المقهورين.. وكنتُ دائما أراكَ خيط دخان ينفلت من بين
أصابعي البضةِ المرتجفة.. وتظلُّ تبتعدُ إلى الأعلى يشيعكَ الحلم في
عينيَّ.. وفي قلبي الصغير، عسى أن ألقاكَ يوما ما.. في مكان ما.
وها اليأس ياسيـدي يتغشاني غمامة من رماد.. يمد أكفانه إلى حلمي وقلبي..
وكل إشراقة فرح في نفسي.. أعرف أنك غادرت المدينة من زمن بعيد.. وجميلا
فعلتَ وبقيتُ أنا أتجرع أماني ابن زيدون:
الذكــر يقنعنــا.. والطيــف يكفينـــا
بقيت أجر كل مساء قدميَّ الحزينتين.. أقطع الشوارع المتربة.. أجلس قريبا من
راس العين.. أستلهمُ بركات الولي الصالح.. أتصفحُ وجه القمر ملفوفا بقزعات
سود.. وأحلمُ أن أراك هناك.. كان حلمي أن أكون معك بعيدا عن كل البشر..
قريبين من دقات قلبينا.. من أحلامنا.. من أفراحنا.. من دموعنا..
ولاضيرَ.. كم تهدهني الغبطةُ وأنا أراك هناك في العليين..
لست أدري ياسيــدي أأنت راءٍ مرقاي الذي كنت أرقبك منه أم لا..؟
ولست أدري أراءٍ مكاني الآن أم لا؟
ولست أبالي الآن ياسيــدي.. فقد شردتني الغربة.. وتوزعتني أرصفة المدن
الموبوءة.. ضيعتُ كل عناويني.. كسرتُ بوصلاتي.. مزقتُ كل أشرعتي.. ولامعنى
لكل ذلك مادمتَ بعيدا عني.
همٌّ واحد مازال يلح علي حتى غدا لي كابوسا مرعبا.. هو أن أنقل إليكَ حكاية
المدينة بعد أن غادرتَها.. وهي حكاية عجيبة لا تحتاج للسرد فحسب.. ولكنها
تحتاج للتأمل أيضا.. فما رأيت أغرب منها ولا أعجب.. فمنذ أن هزت جريمة
القتل الشنعاء فرائص عين الرماد والناس لاحديث يتجاذبون أطرافه إلا عنها..
ولست أدري كيف أقص هذه الحكاية العجيبة.. وقد صارت لها طرق عديدة مشهورة..
منها شائعات الناس.. ومنها محاضر الشرطة والمحكمة.. ومنها صفحات الجرائم
على الصحف.. وحتى أئمة المساجد اتخذوا منها وسيلة لوعظ الناس وإرشادهم.. بل
حتى أن أحد الأدباء قد كتبها رواية.. فسيناريو.. ثم بعثها أحد المخرجين
مسلسلا عجيبا قطع أنفاس المشاهدين.. وحبسهم أمام الصندوق العجيب أياما
وليالي.. حتى نسي التلاميذ دروسهم.. وأهملت النسوة أشغال المنازل.. وتعطل
الرجال عن العمل.. فلا ترى المدن مساء إلا كوما من الإسمنت لاروح فيه
ولاحياة.
وإذا كان الناس قد اختلفوا في وضع عناوين لها أشهرها "سوق النساء"..
و"الجثة الهاربة".. فإني ارتأيت أن أسميها "الرماد الذي غسل الماء" ولك
الحق في أن تضع لها العنوان الذي تراه مناسبا.. أو لا تضع لها عنوانا.. وقد
قسمتها إلى أجزاء أسميتها أسفارا سأرسل بها إليك تباعا.
قلب أحبك بجنون
   
السِّفْرُ الأَوَّلُ
(1)
حين خرج فواز بوطويل من ملهى الحمراء لم تبلغ عقارب الساعة التاسعة
ليلا.. كانت الأمطار تصفع وجه الأرض بغضب مارد.. استوى في سيارته الحمراء..
أدار محركها فراح يدمدم ومعه تعالت أصوات موسيقى الراي..
أحس أنه يضيع شطر عمره بمغادرته أجواء الحفل الراقص وقد انطلق
لتوه.. وأنه يضيع عمره كله حين يدع جسد لعلوعه الراقصة للعيون الشرهة
تلتهمه دون شفقة.. ولكن لا مندوحة، شرب قبل الأوان أكثر مما يجب، وأنفق على
"الشلة" كل ما معه من مال.. هم أن يوقف السيارة، ويعود أدراجه، ولكنه ضغط
على دواسة السرعة لينطلق في طريق عودته..
زادت الأمطار هيجانا.. وبدأت الخمرة تسدل ستائرها على عينيه.. خفف
من سرعته وهو يدخل منعرجات راس العين الخطيرة.. كان الطريق مقفرا وموحشا،
لم تستطع الأضواء الكاشفة أن تهتك حجبه الكثيفة.. رفع يمناه عن دواسة
السرعة ليضعها على المكبح، ومال بجذعه إلى الأمام يمسك المقود جيدا كأنما
يخشى الانفلات من قبضته.. دار يمينا لتشق به السيارة طريق الغابة الصغير..
لم يكن في مخيلته إلا لعلوعه تتهادى بين الصفوف، تتثعبن بجسدها الممتلئ
لتلتف به على قلوب العاشقين الذين ليس لهم بد إلا الاستسلام فتسيل جيوبهم
وأشداقهم..
وأحس جسدا يقطع الطريق والغابة تكاد تنهزم.. ضغط على المكبح..
صدمه.. سقط بعيدا.. انحرفت السيارة.. وارتطمت مقدمتها بآخر شجرة معزولة في
الغابة.. انكفأ بكل الجسد على المقود والسيارة تدمدم على أنغام الراي..
ماالذي وقع؟ مدت أمه عزيزة الجنرال أصابع من حديد، وضغطت بها على قفاه..
أحس بإغماءة تلف شرنقتها على عينيه، ومخه ثم مافتئ أن استفاق وقد بدأ الدم
دافئا مالحا يتسلل إلى شفتيه.. رفع رأسه.. تمطط.. مسح الدم من على وجهه..
نزل من السيارة.. فجأة اندفع يعدو هائجا باتجاه الجسد الممدد بعيدا.. وصل
إليه.. تململ الجسد.. حاول النهوض.. مد يده إلى فواز يطلب المساعدة.. صفعه
فواز على قفاه وهو يصرخ:
- فعلتها وتطلب المساعدة..؟
ثم عاد سريعا إلى السيارة.. فتح الباب.. حمل هراوة وعاد حيث الجسد
مسجى يئن وراح يضربه على رأسه حتى هدأت حركته.. وتوقف فجأة وهو يلهث.. ثم
عاد أدراجه حيث السيارة مازالت تدمدم على إيقاع الراي.
حين استوى واضعا الهراوة إلى جنبه أحس أن جسده كله يقطر ماء.. وأن
المطر خارجا يكاد يخرق سقف السيارة إليه.. وأدرك أيضا أنه ارتكب جريمة قتل
وهو تحت تأثير الخمرة.. وتراءت له أمه تصرخ فيه.. لم فعلت مافعلت بالسيارة؟
تراجع إلى الخلف وانطلق تتمايل به السيارة لايكاد يقدر أن يقودها
على الطريق السوي.. وكاد يصدم سيارة آتية في الاتجاه المقابل..
حين وصل بيتهم اصدمت مقدمة السيارة بباب المستودع محدثة ضجة كبيرة
عاد بها إلى الوراء وفتح الباب.. أدخلها.. وراح يصعد الدرجات بسرعة على صوت
أمه تصيح باسمه.. ولم يشأ أن يجيبها ولكنه راح يسرع إليها.. وكانت مفاجأتها
كبيرة وهي تلقاه في منتصف الدرجات.
- فواز.. ماالذي وقع لك؟ أين كنت؟ ماهذا البلل وهذا الدم؟
ولم يجبها فواز سوى بنظرات خائفة، وراح يكمل الدرجات وهي تتبعه
قائلة:
- هل وقع لك حادث مرور؟
وحين دخل غرفته كانت الأم تصرخ بأعلى صوتها تطلب ابنتيها نورة
وفريدة، وماكادتا تهرعان حتى أعطتهما أمر تحضير ملابس فواز، وتحضير الطعام
له.
حين كانت عزيزة الجنرال تنـزل الدرجات بسرعة لم تكن تأبه برغاء
زوجها سالم، وكثرة أسئلته لأنها كانت الساعةَ تغوص في تلافيف الذاكرة..
تقلب صفحات الطفولة.. وهي تحاول أن تحمي أمها بيديها الصغيرتين من ضربات
سوط أبيها التي كانت تنزل عليها صواعق ماحقة.. ولم تكن الأم تقدر على دفعها
إلا بالعويل الشديد، ولا تجد عزيزة ملجأ إلا حضن والدتها الجريحة، تلجأ
إليه، وتنام على إيقاع إجهاشها المتقطع.
كانت عزيزة قد خرجت بالسيارة من المرآب.. وكانت الأمطار مازالت
تتدفق على وجه الأرض كأن السماء احتقنت دهرا كاملا.. وكان زوجها قد كف عن
أسئلته التي لا طائل من ورائها وهو يجلس بجانبها كالتابع الأمين يتابع
بعينيه قسمات وجهها الحزينة بتأثر فائق، كاتما أسئلته الحيرى.
وضغطت فجأة على المكبح فتوقفت السيارة، وانكفأ سالم إلى الأمام يكاد
رأسه يضرب الزجاج.
ولم تأبه عزيزة به ولا بالسيارة بل راحت تضرب المقود بكلتا يديها،
وقد تلاعبت أمام ناظريها صور مختلفة متداخلة.. وأسرع سالم يمد يديه نحوها
مهدئا.. وماكاد حتى دفعته عنها، واستمرت في سيرها ماسحة دموعا شحيحة نزلت
من عينيها.. وزادت من سرعة سيارتها تنحدر بها في شوارع متعرجة شبه معبدة
إلى جوف مدينة عين الرماد، ثم تعاود بعدها الصعود متجهة إلى هدفها في طريق
مستقيم تنهض على جانبيه أشجار بينها تنافر وعداء شديد.
حين وصلت قرب مصحة الشفاء توقفت فجأة وطلبت من زوجها أن ينزل وأن
يأتيها من الجهة الأخرى.. ولم يشأ سالم أن يناقش لأنه يعرف تصرفاتها الحمقى
فأسرع بتنفيذ المطلوب.. ولما وقف أمامها كالتلميذ الطائع طلبت منه أن يتصل
بالطبيب فيصل وينتظراها حتى تعود ليذهب معهما من أجل معاينة فواز.
وماكادت تنهي كلامها حتى انطلقت بالسيارة كالصاروخ تشق جدار الظلام
البهيم متحدية الليل والأمطار، والطريق الممتلئ ماء.
حاشية1:
يقع ملهى الحمراء في جوف الغابة، تحضنه أشجار الصنوبر والفلين من كل
حدب وصوب كقلب محاط بالأضلاع.. كان زمن الاستعمار بيتا لحاكم المدينة..
وصار بعد الاستقلال مركزا لبحوث الزراعة.. وتنازلت عنه الدولة لجنرال
متقاعد ليحوله إلى ملهى يؤمه كبراء القوم وساداتهم، ولا يدري الناس لماذا
سماه هذا الجنرال ملهى الحمراء؟ أنسبة للون الجدران الخارجية الأحمر؟ أم
للون الخمرة وحمرة لياليها؟ أم نسبة لقصر الحمراء الذي شيده الأجداد
بالأندلس؟ وضيعوه بين الخمرة والجواري؟ والغالب هو السبب الأول، لأن سيادة
الجنرال كان شبه أمي، وبالتالي لاعلاقة له بالأندلس وحمرائها، وادعت بعض
الألسنة أن الرجل انتهازي لا يحمل أية رتبة عسكرية.
حاشية 2:
لا أحد يدري بالضبط من أين جاءت لعلوعه، ولم يكلف أحد نفسه طرح هذا
السؤال فقد ملكت على الجميع نفوسهم وقلوبهم، وشغلتهم بجمالها، فصارت حديث
مجالسهم وسمرهم، ولكنها هي تذكر جيدا أنها درجت صغيرة في ضاحية منعزلة من
ضواحي مدينة عين الرماد، وتذكر جيدا ذلك الصباح الذي كانت برفقة أمها في
السوق تجمعان فضلات الخضر والفواكه لتعودا بها مساء إلى بيتهما القزديري
المعزول، تذكر حين التقتهما السيدة جميلة، وكيف راحت تحدق في الصبية وفي
عينيها دهشة قائلة:"ترمين الدر في المزابل وتدثرينه بالخرق البالية؟ عقابك
عند الله عسير، بيعيني الفتاة، ومدت يدها فأمسكتها، ودق قلب الأم خوفا
فتشبثت بها.. واتفقا أخيرا أن تمنحها مليونين كل شهر مقابل أن تعيرها
لعلوعه أربعة أيام في الأسبوع، وكانت لعلوعه في ثيابها البالية غير
المتناسقة شمسا ملفوفة بالكآبة.
ولم تمض إلا أشهر حتى صارت لعلوعه حديث الناس والقصور والجرائد
والقنوات، وصارت لعلوعه الراقصة محج الولاة والوزراء والجنرالات والأثرياء،
وتحدث عنها مسؤول كبير قائلا: لقد رفعت راية الوطن في دول العالم.. وقبل
ممثل الثقافة جبينها.
حاشية 3:
ومدينة عين الرماد كالمومس العجوز، تنفرج على ضفتي نهر أجدب أجرب
تملأه الفضلات التي يرمي بها الناس والتي تتقاذفها الرياح.. تتدرج فيها
البنايات على غير نظام ولا تناسق.. يسد عليها الريح من الجنوب أشجار غابة
صغيرة.. تعاود الانحدار مرة ثانية على جبل صغير تشقه طريق معبد، تنـز قريبا
منها عين الرماد الأصلية التي قيل إن السكان قد هجروها ثم اتخذوها مزارا
ومعبدا.. وتمتد المدينة من الجهة الأخرى مرتفعة قليلا ثم مستوية ثم هابطة
إلى أسباخ نخرة..
وتمتلئ مدينة عين الرماد بالحفر وببرك المياه القذرة.. يتوسطها سوق
منهار السور.. تتلوى شوارعها وأزقتها التي تضيق وتتسع في غير نظام.. إلى
جانب من جنوبها تمتد مساحة كبيرة مستوية تلتصق بالمدينة ثم تغوص في
الغابة.. وحدها هذه الجهة تقوم بها بنايات أنيقة منظمة أقامها الفرنسيون
يوم أسسوا المدينة التي سموها (la
belle ville)
المدينة الجميلة، ومافتئت الكتل الإسمنتية تتكتل حولها كخلايا سرطانية حتى
شوهت كل ماحولها من هكتارات ضخمة.
(2 )
ظل كريم السامعي يغالب ظنا يلح على نفسه إلحاحا مقلقا..ما الذي رآه
ممتدا يمين الطريق؟ أهو جثة إنسان طوحت به سيارة مجنونة.. أم غدر به ورمي
على قارعة الطريق؟ أم هو حيوان من الحيوانات الكثيرة التي اعتادت أن تعبر
الطريق على غير هدي فتُلقم ضربة قاتلة؟ أو ربما لا يعدو مارأى أن يكون كيسا
تافها لا معنى له.
لكن صورة الإنسان ظلت تسيطر على نفسه، وتكاد تكون يقينا لايقبل
النقاش.. أوقف سيارته يمينا ثم استدار بها.. ليقطع ميلا بالتقريب وعند
الهاجس أوقف سيارته وترجل.
كانت الأمطار مازالت تلهث منحدره.. وكانت حواف الطريق قد جرت بماء
غزير يكاد يتحول سيولا عارمة.. وصدق ظنه كان ما رأي جثة شاب ملتوي الرجلين
مهشم الرأس ينكفئ على وجهه كأنما يحاول الفرار من الموت..
عند رأسه جثا.. ومد إصبعين مرتجفتين إلى رقبتيه.. ثم دس يمناه
فوضعها على صدره يتحسس نبضات قلبه.
ورن جرس هاتفه النقال وألح في الرنين فلم يأبه به، بل أسرع يمتطي
سيارته ويسرع بالابتعاد..
بعد أقل من ربع ساعة أوقف كريم السامعي سيارته الرمادية أمام مركز
الشرطة.. وتنفس بعمق كأنما أحس بالنجاة من كارثة خطيرة.. ثم فتح الباب ونزل
مسرعا.. وقبل أن يعيد الباب كان شرطي يقف أمامه مستعدا لإشهار رشاشه، وأسرع
كريم السامعي يشرح له الأمر:
- جئت لأبلغ عن جثة رأيتها على قارعة الطريق..
ولم يمهله الشرطي ليكمل كلامه، وأشار إليه بالدخول، والجلوس في قاعة
الانتظار ريثما يفرغ الضابط من عمله..
استوى على كرسي خشبي طويل، ثم مافتئ أن نهض من مكانه، وهو يحس
بإزعاج البلل الذي أصابه.. نزع نظارته.. نظفها بمنديله.. دلك عينيه، وراح
يتأمل صورا علقت على الجدار لمجرمين وإرهاربيين بلحى طويلة ودون لحى، وتحت
الصور كتب نداء للمواطنين للمساعدة على القبض عليهم، ومبالغ إغرائية تقدم
لكل من يقوم بذلك.
حين عاد كريم للجلوس تلقى الإذن من الشرطي بالدخول فحمد الله لأنه
أحس بالبلل يتسلل إلى كامل جسده مخترقا كل ما كان يدثره من ملابس.
وقف الضابط من مكانه وعلى وجهه تبدو ملامح الإعياء الشديد.. صافح
كريم السامعي، وعاد للجلوس ليرد على رنين الهاتف الذي راح يرن دون توقف.
سأل الضابط:
- إذن جئت تبلغ عن جثة؟
واندفع كريم يشرح الأمر منذ خروجه من مزرعته تاركا أباه خليفة
السامعي.. حتى رؤيته الجثة ملقاة على قارعة الطريق وتأكده من موتها.
وماكاد الضابط يكمل كتابة المحضر، ويطلب من كريم التوقيع عليه حتى
أسرع يطلب من رجاله الإعداد للانتقال إلى المكان.
(3)
عادت عزيزة إلى مصحة الشفاء حيث تركت زوجها بانتظارها.. كانت ثيابها
مبللة، ودون مبالاة دخلت المصحة متجهة مباشرة إلى مكتب الطبيب الذي وجدته
بانتظارها مع زوجها.. وهب يستقبلها وقد امتلأ دهشة:
- ما الذي وقع لك؟ كأنك عائدة من معركة.
ولم تشأ أن تعلق على كلامه بل راحت تستعجله:
- فواز متعب.. أصابه بلل شديد.. ويظهر أنه تناول كمية كبيرة من
الخمر
وهم سالم أن يعلق فرفعت فيه عينين مخيفتين، فتراجع إلى حِمى الصمت
فواصلت:
- أرجو أن تذهب معنا في سيارة الإسعاف لمعاينته وحمله إلى
المصحة.. هو بحاجة إلى الراحة والمتابعة
وأسرع الطبيب يعد الأمر دون أن يعلق.. ركب سالم بوطويل في سيارة
الإسعاف.. في حين ركب الطبيب مع عزيزة التي أخبرته في الطريق أن ابنها
تخاصم مع صاحب ملهى الحمراء، وإذا مارُفعت دعوى ضده سيكون ذلك تشويها لسمعة
العائلة.. وطلبت منه في الأخير أن يراعي ذلك فيشهد أن فواز قد دخل المصحة
في حدود الرابعة مساء لتكون دليلا له على عدم ارتكابه الجرم.
ما إن أكمل الطبيب فحص فواز حتى أمر بحمله إلى سيارة الإسعاف، وعجل
الممرضان إلى نقله على المحمل، وبقيا ينتظران الطبيب الذي وجد لذة في
البقاء داخل البيت مع عزيزة.. ثم مافتئ أن فطن لحاله فاستأذن في الخروج،
وراح يغادر البيت وعيناه مثبتتان على فريدة ذات الخامسة والعشرين ربيعا،
ينساب شعرها الأسود الفاحم على كتفيها بكثير من الفرح والابتهاج، وبكثير من
الانسجام مع ثوبها الأبيض الكاشف الذي لم يستطع أن يكتم أنفاس نهديها
المتطلعين إلى الأعلى.. ولاحظ فيصل الطبيب ما في عينيها من سحر واهتمام صعب
عليه التخلص منه، كأنه رآهما للمرة الأولى.
وأدركت عزيزة ذلك فراحت تربت على كتفي فيصل الطبيب وهي تقول بنبرة
متكسرة فيها من حرقة الغيرة:
- أرجو أن تزورنا قريبا وسنسعد بالجلوس معك.. اهتم بفواز...
انطلقت سيارة الإسعاف بهم تحت جنح الظلام تاركة قلب فيصل وأحلامه
خلفه.
لقد رأى فريدة عشرات المرات، وكان كلما رآها تحرك شيء ما في قلبه..
وكان قد جلس إليها وحدثها وتبادلا شيئا من النجوى، لكنه أبدا مطلقا لم يرها
بمثل الفتنة التي ظهرت بها اليوم.. وأبدا مطلقا لم يحس بالحلول في ذاتها
كما أحس اليوم.. أي نوع في النساء هي؟ وهل الحياة أولا وأخيرا إلا امرأة؟
لم يعد سالم بوطويل إلى فراشه، ولم يغير حتى ثيابه، بل ولم يستطع
حتى أن يجلس.. عشرات من الأسئلة كانت تدور في خلده، ويجب أن يطرحها على
زوجته لكنه لم يكن ليجرؤ.. يعرف أنها قد تفور وتثور كالبركان، وتقلب ليلهم
كوابيس مزعجة.
وانزوى في قاعة الاستقبال.. دون أن يشعل النور، ودون أن يقفل جهاز
التلفاز، وكان يقدم صورا لمجازر جنين.. أشلاء.. شباب وشيوخ وأطفال ودمار
شامل للمدينة.
جلس على الأريكة الحمراء الفاخرة.. تمدد على ظهره واضعا يديه
المشبكتين تحت رأسه.. ومد ساقيه على الجانب الآخر من الأريكة.. وضع اليمنى
على اليسرى، ثم أحس بضغط شديد في رجليه فقام بنزع حذائه دون أن يغير من
وضعيته..
لماذا لم يتزوج ذهبية بنت الطاهر وكانت رفيقة صباه؟ ورفيقة أيام
الدراسة؟ لماذا لم يجرؤ ويصيح في الجميع إني أحبها ولا أريد غيرها؟
وانسابت ذاكرته تعود به إلى المحطات الأولى التي بدأ قلباهما يخفقان
بالحب، وبدأ كل منهما يختصر العالم في الآخر.. لم يجرؤ كي يقول لها أحبك،
ولم تجرؤ هي أيضا.. ولكن كل نبضة في جسديهما كانت تدل على ذلك.. في
العيون.. والشفاه.. والخدود.. وفي اليدين.. والقدمين.. وحتى في اللباس.. في
نسمات الهواء التي كانا ينشقان.. وتزوجت ذهبية شابا جاءها من بعيد..
التقتها أمه في الحمام، وأعجبت بها، وتم الزواج.. هل هو قدر الله؟ أم هي
خيباتنا ننسبها زورا وبهتانا لله؟
وفي غرفتها لما تنم عزيزة رغم أنها قد أخذت حماما دافئا، وأنها لبست
ثياب نومها، إلا أن النوم تمرد على جفنيها، وتنافرت حواسها جميعا كأنها
لأناسي مختلفين كل الاختلاف.. كانت أصابعها منشغلة بجهاز التحكم.. وكانت
عيناها تتابعان أغاني عربية راقصة.. وكان جنباها يراوحان الاتكاء على غطاء
السرير الحريري.. وكان ذهنها يعيد شريط ماوقع اليوم بالتفصيل الدقيق كأنما
هي ترسم خطة خوض غمار معركة ضد جيش عصري
(4)
كانت الساعة الحادية عشرة ليلا حين توقفت سيارة الشرطة تسبقها سيارة
مدنية، وتلحقها أخرى.. ونزل رجال الشرطة في المكان الذي حدده كريم السامعي،
بعضهم بلباس مدني لكنهم جميعا كانوا مدججين بالأسلحة.
سأل الضابط سعدون كريم السامعي الذي كان معهم في سيارة الشرطة عن
مكان الجثة، فراح يندفع إلى المكان مشيرا بيمناه متلفتا ذات اليمين وذات
الشمال، وقد عرشت الدهشة على ملامحه.
- كانت هنا أقسم أنها كانت هنا.. سبحان الله!
وتفرق جمع من الشرطة يبحثون في كل الأنحاء مستعملين الأضواء
الكاشفة، في حين قام بعضهم بمهمة الحراسة.
قال الضابط، وقد يئس من وجود الجثة:
- هذا تبليغ كاذب ياسي كريم.. وإزعاج شنيع للسلطة.. وعقابه
وخيم
وراح كريم يقسم بأغلظ الأيمان أنه رآها.. وأنه تأملها كثيرا، وجس
نبضها عن طريق شرايين الرقبة، وعن طريق دقات القلب، وأنه تأكد من موتها..
وأمر الضابط الرجال بالاستعداد للعودة، فهرعوا متوجسين يمتطون
سياراتهم تحت جنح الظلام، وقد أطفأوا مصابيحهم الكاشفة، وارتفع صوت أحدهم
منبها إلى أنه وجد شيئا، وراح يقدمه للضابط الذي راح يفحصه على نور
المصباح.
وأعادت نوارة زوجة كريم الاتصال للمرة الثالثة دون جدوى.. في
البداية كان الهاتف يرن لكن كريم لا يرد، أما في المرة الثانية والثالثة
فقد أغلقه تماما..
- في الأمر إنَّ، ليس من عادة كريم أن يتأخر عن الرجوع إلى البيت،
وليس من عادته أن لا يرد على الهاتف أو يغلقه.
أعادت أخته بدرة هذا الكلام للمرة السابعة على التوالي، وأعادت
نوارة توكيد كلامها نفس عدد المرات والحيرة تلهث على وجهيهما، وضمت بدرة
إلى حضنها ياسر بن كريم الأصغر وقد نجحت أخيرا في إعادته للنوم دون أن
تتحرك من جلوسها على الكرسي قرب النافذة التي ظلت تفغر فاها على الشارع
المعتم..
أعادت زوجته نوارة النظر من النافذة، ودققت بصرها في فجاج الشارع،
ثم عادت للجلوس قريبا من بدرة، وقد رفعت رأسها إلى الساعة الحائطية
- مالعمل الآن؟ مضى منتصف الليل ولم يعد.
وردت بدرة وهي ترمي ببصرها إلى الشارع
- منذ ساعتين لم تمر سيارة واحدة في هذا الشارع..
- الناس ينقطعون عن التنقل بعد العاشرة إلا للضرورة القصوى
وسكتتا والخوف يلف على عنقيهما حباله الغليظة.. فهما تدركان أن ظروف
البلاد تحت ظروف حالة الطوارئ واشتداد هول الإرهاب أصبحت صعبة جدا، وأن
التنقل ليلا يعد مغامرة خطيرة العواقب.. وكثيرا ماحصد الرصاص أرواحا بريئة
ليست في الحابل ولا في النابل.. وليست في العير ولا في النفير، ولكن ساقها
قدرها إلى موت ظالم.
ودار في خلد نوارة أن تخرج بحثا عنه، ثم عدلت عن الفكرة إلى وجوب
الاتصال بالشرطة، أو بالمشفى، لكن بدرة قالت وهي تقوم من مكانها وتضع الصبي
في سريره:
- ماذا لو اتصلنا بفاتح اليحياوي..؟ يجب عليه أن يتصرف في المسألة.
ولم تتشجع نوارة للفكرة ففاتح اليحياوي مازال محنطا بمآسيه
وانكساراته.
ولما همت بالرد تناهى إلى سمعها صوت محرك السيارة.. فمدت رقبتها إلى
الشارع..كانت ظلمته تتراجع منهزمة أمام مصابيح السيارة.
ما كاد كريم يلج البيت حتى ارتمت على صدره وقد سبقتها الدموع
لتمنعها عن الكلام.. ووقف هو يضمها إلى صدره يغالب تعبا قاهرا.. ما أصعب
فراق دفء الحبيب ولو ليلة واحدة والتفت ببصره فرأى أخته بدرة تنتظر دورها،
وقد امتلأت عيناها بالدموع..
ودخلا جميعا إلى الدار، كان الصغار نياما، وكانت زوجة الأب في بيتها
من الضفة الأخرى من الفناء الواسع الممتلئ أشجار فواكه وزينة.
وانهالت الأسئلة الكثيرة على كريم تطلعا لمعرفة الحقيقة، وتعبيرا عن
الحيرة الكبيرة التي تملكتهما.
وراح كريم يعيد سرد الحكاية من أولها، لكن باختصار شديد، وهمَّ أن
يطلب طعاما، أو يحمل نفسه على الاستحمام، لكن النعاس غلبه فنام حيث هو دون
أن يغيِّر ملابسه.
وقامت نوارة من مكانها محاذرة، ومدت بدرة يديها فنزعت حذاءه
ولحقتها..
حاشية 4:
وفاتح اليحياوي هو ابن خالة كريم السامعي.. لم تجمع بينهم المدينة
الواحدة فحسب.. بل والبيت الواحد أيضا.. لقد قضيا الطفولة معا لايكادان
يفترقان في ليل أو نهار، حتى اضطرت العائلتان إلى تسجيلهما في مدرسة متوسطة
بين الحيين، وكان التنافس بينهما على أشده لكن ميولهما اختلفت ففي الوقت
الذي اختار فيه كريم السامعي دراسة الزراعة، مال فاتح اليحياوي إلى دراسة
علم الاجتماع والأدب والفلسفة.
وفي الوقت الذي كان كريم السامعي يقضي معظم وقته عاملا بالمزرعة،
كان فاتح اليحياوي يتخذ من بيته صومعة يمارس فيها رهبنة العلم والفكر
والثقافة، ويقرأ كل ما تصله يداه من سقراط وكنفشيوس مرورا بالغزالي وابن
رشد وابن طفيل وابن عربي إلى كانط وديكارت وتشومسكي.
وإذا تزوج كريم من نوارة وأنجبا أولادا، فإن فاتح اليحياوي ظل يرفض
الزواج مخيبا آمال والديه، تاركا الفرصة لإخوته الأقل منه، مؤكدا مقولة
أمه: فاتح تزوج الكتب
وقد قضى فاتح اليحياوي سنوات معتزلا الناس، يقضي وقته في القراءة
والتأمل وسماع الموسيقى، والوحيد الذي كان يجرؤ على اقتحام خلوته هو صديق
الطفولة كريم السامعي الذي كان يسميه حي بن يقظان، وكان فاتح اليحياوي يحس
بالنشوة وهو يسمع هذا اللقب ويقول:
- ليتني أكونه.. تلك درجات العليين الفائقين
ثم تنفتح شهيته للحديث عن آسال وسلامان وحي وأمثالهم في واقع
الناس
(5)
استيقظ من نومه على صوت المؤذن يجلجل في الفضاء يمزق غشاء الصمت
الرهيب.. مازال التلفاز كما تركه، ولكنه كان يبث مدائح دينية.. اعتدل في
جلسته على الأريكة الحمراء.. فرك عينيه ونظر في الساعة الحائطية.. كانت
عقارب الساعة تزحف نحو الخامسة صباحا.. مد رجليه ويديه.. كان التعب يكاد
يشل كل حركة فيه..
عاد بالذاكرة إلى ليلة الأمس.. أسئلة كثيرة كانت تدور بذهنه.. هل
يستطيع اليوم أن يطرحها على زوجته عزيزة الجنرال..؟ وحين همَّ بالوقوف من
مكانه دخلت عليه وقد استيقظت لحينها.. وما إن ركز بصره عليها حتى مدت
أصابعها فأشعلت المصباح وسألت:
- بت ليلك هنا على الأريكة؟
وصمتت لحظات وهي تتوجه نحو التلفاز فتطفئه ثم واصلت:
- يجب أن نزور فواز صباحا.. لقد ذهبت البارحة حين تركتك بالمصحة إلى
الجنرال لأخبره بالأمر، يمكن أن يساعدنا.
وكان كلامها هذا جوابا عن شطر من حيرته.. شبك أصابعه الطويلة، وراح
يدلك كفيه ورفع رأسه، وسأل بسرعة
- ماالذي فعل فواز حتى يحتاج إلى كل هذا الاحتياط والدعم؟
- لقد كاد يقتل إنسانا، وجريمة القتل...
وقاطعها سالم وهو يلبس خفا وجده أمامه، ويقوم من جلوسه
- هو لم يقتل إنسانا، ولكنه دهم إنسانا بسيارته وسواء...
واستدارت عزيزة راجعة وهي تقول:
- شرف العائلة لايجوز أن يدخل مراكز الشرطة، ولا قاعات
المحاكم.. أم نسيت هو ابن من...؟
وتوقفت في مكانها، ثم استدارت نصف استدارة فظهر خدها المتورد شهيا،
وقرطها الطويل متأرجحا وقالت:
- لقد أخبرت فيصل الطبيب أن فواز قد تخاصم مع جماعة داخل ملهى
الحمراء، وهو تحت تأثير الخمرة.
وابتلع الباب عزيزة متجهة إلى الحمام، فعاد سالم بوطويل إلى مكانه
ممتدا على الأريكة، وقد هدأت نفسه لأنه تلقى الإجابة عما كان يشغله.. لكنه
دخل دوامة أخرى من الأسئلة.. لماذا تتصرف زوجته مع هذه القضية بكل هذا
الاهتمام؟ وهل حقا يعنيها شرف العائلة؟ وماذا يضير هذا الشرف إن داس أحد
أفرادها إنسانا فقتله؟
وماهي إلا ساعة من زمن حتى كانا في المصحة.. وحده صوت كعب حذاء
عزيزة كان يعزف إيقاعه في الرواق الطويل.. ووحده سالم كان يتبعها وقد ركز
نظره على عجيزتها التي بدت أكبر مما ألف.. حول الكيس الأبيض إلى يده الأخرى
وردد في قرارة نفسه، ماينقص عزيزة هي أنها ليست امرأة طيعة.. وأما غير ذلك
فهي امرأة كاملة يتمناها كل رجل لم يعرف شيئا عن طبيعتها.. وهي أجمل بكثير
من ذهبية بنت الطاهر لكن ذهبية نبع من الود والسكينة.. كالنسمة المنعشة..
كالماء العذب النمير.. وهل المرأة غير هذا؟ وليس بعده إلا جسد من لحم ودم
قد يكون فيه من الوحشية ما يجعله مفترسا؟
ووصلت عزيزة عند غرفة ابنها فتوقفت فجأة، وتوقف سالم خلفها كظلها..
مدت بصرها إلى جوف الغرفة.. كان فواز مازال نائما، وانسابت على مشطي رجليها
تدخل الغرفة، وجلست قريبا منه على كرسي أبيض، وكرجع الصدى تحرك سالم خلفها
فدخل وبقي واقفا بجانبها دون أن يضع الكيس الأبيض من يده ولكنه كان يحدق في
فواز، ومثله كانت تفعل عزيزة
وفجأة دخلت الممرضة فألقت التحية، وردت عزيزة بصوت خافت وفطن فواز..
فتح عينيه واستدار ليرى أباه ثم أمه، وألقى تحية مقتضبة ردها الأبوان..
ومدت عزيزة رقبتها إلى خده فقبلته وسألت:
- أنت اليوم أحسن حالا
- مانمت حتى آذان الفجر لكني بخير، هل من جديد؟
ولم تجبه الأم بل مدت يدها إلى الكيس الأبيض، وراحت تخرج مربى وكعكا
وشرائح لحم وفواكه بسطتها على السرير، وراحت تطعم ابنها كالصبي الصغير وهو
مستسلم متلذذ.. وسالم واقف في مكانه ينقل عينيه بين فواز وزوجته، ونفسُه
تردد: تربية نساء
وخرج ليقف في الرواق متحركا في خطوات باهتة إلى اليمين والشمال،
ومافتئت عزيزة أن لحقت به، حدجته بنظرة سريعة، واندفعت إلى مكتب الطبيب
الذي خرج صدفة فحيا عزيزة التحية الحارة، ودخل معها إلى المكتب يقودها من
يمناها دون أن يعير سالما أي اهتمام
وتأثر سالم فاستدار إلى الجدار، وضربه بقبضته وهو يردد
- اللعنة على هذا الزمن.
ثم أسرع بالدخول على ابنه الذي كان يحاول أن يعود إلى النوم، وهو
يتابع أغنية على إحدى القنوات العربية
- خيرا إن شاء الله أبي؟
وجلس الأب مغاضبا على الكرسي الأبيض وراح يشكو عزيزة لابنها.. يشكو
تمردها وعدم تقديرها له، وتدبير الأمور بنفسها.. استدار فواز لأبيه وهو
يقول مهونا:
- يا أبي أنت تعرف أمي أكثر مما أعرفها.. قد تفعل كل ماتريد
ولو أغضبت العالم كله من حولها، ولكنها رغم كل حماقاتها طيبة، وقلبها
أبيض.. تغضب بسرعة وترضى بسرعة أيضا.
واسترخى سالم على الكرسي فمد رجليه إلى الأمام واضعا اليمنى على
اليسرى مشبكا أصابعه عند أسفل بطنه، وأغمض عينيه، وراح يتلاعب بإبهاميه وقد
عادت إلى ذاكرته أيامه الجميلة مع ذهبية بنت الطاهر، ثم عبست ملامح وجهه
وقد قفزت إلى ذاكرته مشاهد ذلك اليوم العصيب، والموكب يخرج بذهبية لتزف
عروسا لرجل لم يعرفها ولم تعرفه..
وحن قلبه لرؤية ذهبية الأرملة، أين هي الآن؟ وماذا فعل القدر بها؟
هل تزوجت؟ أم مازالت؟ وهل هي تعيش مع أهلها، أم هي في بيتها مع ابنتيها؟
وماذا.... ودخلت عزيزة تبحث عنه فاغتالت أحلامه.
(6)
التاسعة وبضع دقائق.. صمت مطبق يخيم على البيت بأسره.. بدرة في
حجرتها تعد نفسها للخروج إلى العمل.. نوارة في المطبخ تعد طعام الغداء..
أصوات احتكاك النعل الجلدي الأبيض تتجه إلى الحمام.. دخله.. استوى واقفا
أمام المرآة.. شحوب ظاهر.. وتعب يطل من بين تجعدات بدأت تنبسط على كامل
الوجه.. فتح عينية جيدا في المرآة.. سحب جفن عينه اليمنى فاليسرى.. خيوط
حمراء تكاد تلف بياض العينين.. مطط بالإبهام والسبابة جلد الخدين.. نفش
شعره بأصابعه عدة مرات.. وفتح الحنفية فلم يتلق منها سوى صفير متواصل يشبه
الفحيح.. مال إلى اليمين، ملأ إناء وضعه على المغسل وراح يتلذذ بالماء
البارد.
وهو يدخل المطبخ لتناول الإفطار التقى أخته بدرة تحمل محفظتها وتهم
بالخروج.. وعلى ملابسها تناسق خلاب في تمازج الحجاب الحشيشي والخمار
الرمادي الفاتح.. وفي عينيها حسن العربيات اللواتي تغنى بهن كثيرا الشعراء
قديما وحديثا، وتغنى بهن لوركا شاعر إسبانيا الكبير.
وأخرجته من شروده:
- صباحك سعيد.. أصبحتَ مرتاحا.
- صباحك أسعد.. كلما زاد عام في عمرك زدت جمالا.. كأنك
تتراجعين إلى الخلف
ابتسمت وقد أعجبها الإطراء، وراحت تغادر البيت.
دخل المطبخ، وجلس إلى طاولة الطعام يتأمل قوام زوجته نوارة، وهي تعد
له الإفطار.
سألته دون أن تنظر إليه:
- أصبحت بخير؟
- أنا بخير دائما.
ومدت يديها تضع الإبريق والفناجين، فأمسك يمناها ليطبع قبلة عميقة
عليها.. سحبت يدها بدلال، وانشغلت يتقديم الخبز والكعك والمربى وهي تسأل
مبتسمة:
- تتظاهر بحبي؟
وسحب إليه الفنجان يملأه حليبا وهو يقول:
- كما يحب الأنبياء الوحي
وجلست بجواره تُعدُّ له صامتة قطعَ الخبز.. وجاراها هو أيضا في
الصمت جارحا خد السكون بأنين الخبز تحت أضراسه.. وقد تذكر صديقه فاتح
اليحياوي.. هل سيخبره بالأمر؟
وارتفعت نحنحات خليفة ووقع أقدامه السريعة وهو يقطع الفناء
والدهليز، ويدلف غرفة المطبخ طارحا السؤال، وهو يقف عند الباب سادا الضوء
الذي كان يتسلل إلى الداخل من الفناء
- خيرا إن شاء الله حيرتني
ووقفت نوارة ولحقها كريم فقبلاه على كتفه اليسرى، وعاد كريم للجلوس،
وجلس الأب مقابل ابنه، وقد ظهر وهو في ملابس العمل فلاحا متاصلا في الفلاحة
- ليس إلا الخير
وغير كلامه إلى زوجته
- نوارة قهوة للحاج
وسألت نوارة:
- عمي خليفة قهوة أو حليب؟
- لابأس سأفطر مع كريم..
وراح يصب الحليب وهو يسأل:
- أخبرني.. لم تأخرت؟ هل من الأولاد من هو مريض؟
ولم يرد كريم سريعا.. كان يبحث عن منطلق للحديث.. وكان يحاول أن
يخفف الوطء على أبيه.. وقبل أن ينطق اندفعت نوارة تجيبه وقد رأت تسمر
عينيه على ملامح ابنه
- وجد وهو عائد جثة شاب على قارعة الطريق
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
هكذا ردد الأب وهو يحول بصره إلى نوارة التي واصلت كلامها:
- وقضى زمنا في مركز الشرطة، وحين خرجوا لمعاينة الأمر لم
يجدوا الجثة
وتحول الأب ببصره إلى ابنه يسأله
- وأين ذهبت، ابتلعتها الأرض..؟ لعلها ضحية إرهاب
- كل شيء جائز.. وكل شيء صار إرهابا.
- وكيف كان رأي الشرطة؟
- إذا لم تجد الفاعل الحقيقي قد تحول التهمة إليه
أجابت نوارة وهي تقدم فنجان القهوة للشيخ خليفة الذي ركز بصره في
ملامح ابنه كأنما كان يريده أن يتكلم هو
وأحس كريم بما يدور في ذهن أبيه من حيرة وقلق فقال:
- كانت نيتي فعل الخير؟ ويظهر أن فعل الخير في هذه الأيام ليس
بالأمر الهين.. سأعود إلى الشرطة وأتحرى منهم الأمر..
وحين كان كريم يود الاسترسال في الكلام دخلت زوجة أبيه فطومة العقيم
التي تزوجها أبوه خليفة بعد إلحاح ولديه عليه لتقوم على شؤونه، وتؤنسه في
وحدته، فلا هي فعلت هذا، ولا فعلت ذاك، ولا تركته يهنأ ويطمئن، ولم تكن إلا
بديلا سيئا عن زوجته.. طويلة كانت فارعة الطول، نحيفة شديدة النحافة،
لاتكاد تنزع خمارها من على شعرها، ولاتكاد تتوضأ، يدل على ذلك الرائحة
الكريهة التي تنبعث من جسدها.. وكثيرا ما كان خليفة يجلس في وحدته، أو في
عمله ويغني مواله الخاص الذي ألفه ولحنه هو بنفسه "ضيعت حمامة وضيعني
الغراب.. واش جاب لغزالة للكلب المجراب"
ونهض الشيخ خليفة يستعد للعودة إلى المزرعة.. وانسحبت نوارة تهتم
بشؤون أبنائها.. ودخل كريم غرفته وراح يستعد للقاء فاتح اليحياوي، ثم
الذهاب إلى مركز الشرطة..
وقف كريم أمام غرفة فاتح اليحاوي المنعزلة في حوشهم الكبير، وقد غطى
مدخلها أفياء شجرة تدلت كأذرع أخطبوط، بدأ الربيع يبتسم على براعمها..
والغرفة ضيقة يستعملها للنوم واستقبال معارفه، يمتد في ركنها الأيسر سرير
خشبي، ويتوسطها حذاء جدارها الأول طاولة صغيرة تحيط بها أرائك خشبية مطرزة،
وعلى الجدران ساعة حائطية صامتة، ولوحات مختلفة رسمها جميعا فاتح اليحياوي
تمثل أكبرها مظهرين سرياليين لحي يرضع غزالة، وحي يطوف ويرنو للشمس، وفي
الجدار المقابل باب مشرع يفضي إلى غرفة واسعة تتراص فيها الكتب، لا يخلو
منها إلا السقف ويقف في وسطها جهاز الكمبيوتر على طاولة صغيرة..
ولايكاد فاتح اليحياوي ينهي تدريسه بمعهد علم الاجتماع حتى ينعزل في
غرفته لا يكاد يبرحها إلا للضرورة.. ولم يشأ كريم أن يطيل الحديث، فراح
يطرح المشكلة مباشرة طالبا الرأي والمشورة، ولم يزد فاتح اليحياوي أن قال:
- ياكريم لم تعد لي علاقة بالبشر، أنت تعرف موقفي منهم، كل
تصرفاتهم لا معنى لها..
حين كان كريم يغادر فاتح اليحياوي كانت السيارة البيضاء قد اجتازت
الغابة قليلا ثم توقفت وعادت أدراجها القهقرى عشرات الأمتار، ثم توقفت وصمت
محركها لينزل منها ثلاثة رجال.. ساروا بخطى بطيئة وعيون فاحصة إلى مسرح
الجريمة.. وراحوا يدققون النظر في المكان وماحوله، لا أثر لأي شيء إلا
لأثلام تركتها السيول، وبعض غثاء من قصب وخشب، وبركة صغيرة يكاد الماء فيها
يغرق في الحمأة السوداء.
ورفع سعدون الضابط ناظريه يتأمل الربوة السوداء، وقد شمخت على قمتها
سرولتان يتيمتان.. وراح ينحدر ببصره حتى قدميه، ثم استدار وراح يمد بصره
إلى المنتهى.
من أين جاء القتيل؟ وإلى أين كان يود الذهاب؟ ولماذا اختار هذا
الطريق دون غيره؟ وما المهمة التي كان بصددها؟ ومن هو بالضبط؟ وأين ذهبت
جثته؟
|