الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

رواية

حازم يعود هذا المساء

     

الفصل الثاني

الفصل الأول

 افتتاحية المؤلف

 الفصل الثالث

 الفصل الرابع

 الفصل الخامس

 بقلم الكاتب: نبيل عودة  

 

 

حازم يعود هذا المساء !!

 

 

افتتاحية المؤلف

هل يكتمل الحب بلا وطن ؟

وتكتمل الآمال بلا بيت ؟

وتكتمل الأحلام بلا ملاعب الطفولة ؟

ويجد الانسان غايته , بعيداً

عن عرائش صباه ؟!

ويتمتع بالراحة , في مجتمع ..

القيمون عليه لصوص ؟!

*****

هل تسمى حياة , هذه الملعونة ....

أمام خرائب شعبنا ،

بظلال تاريخنا المهدم ...

وحاضرنا المنفي ...

وثقافتنا المصلوبة بين اللصوص ،

وحضارتنا المسروقة ...

ودمنا النازف باستمرار ؟؟!!  

*****

اذن ...

ما هو الحب ؟!

وما هي الحياة ؟!

*****

هل يوجد حب

بلا وطن.. ؟!

هل توجد حياة

بلا وطن .. ؟!

 -----------

نبيل عودة

  

 

الفصل الأول

 

تجلى امام عيني بلا سابق توقع . انبثق وبرز من حيث لا ادري. رؤيته فاجأتني. وقفت مشدوها مستنفرا ما استطعت عليه من حواسي، للتأكد من حقيقة ظهوره .

لوهلة أكاد اكذب عيني. لا أدري ما يجري حولي. ربما لم استوعب حقيقة ظهوره؟! مسألة لم تخطر على البال. أقرب للمعجزات. ما أصعب تصديق رؤيته. فجأة ينجلي أمام عيني . هكذا بلا توقع . كصفعة فجائية تركتني مذهولا عاجزا عن الفهم والادراك.

          كان التفكير بلقائه، منذ غادر... نوعا من العبث . ولكن ها هو أمامي !.. بصورته التي أعرفها. بكيانه المميز. أتفرس به بذهول .. بحيرة.. أراه ولا أصدق.. أتفرس بوجهه المليء المكتنز، بوجنتيه البادئتين بالترهل، بقامته المتوسطة الطول ،المليئة تماما، بحركاته الرصينة...هو ولا أصدق. متى عاد؟ وكيف؟! وهل تجوز عودته؟! يقبلها المنطق؟! أنفض الاسئلة من ذهني وأواصل تفرسي وبفقدان القدرة على الفهم...

          ذكراه كانت دائما في البال .. ولكن منذ غادر، أيقنت ان ما بيننا انتهى ، لا شيء الا ذكرى طيبة عن أيام لا تنسى ، نستعيد أحداثها بحماس وشغف، غير مبالين من فقدان بعض التفاصيل والهوامش ، فحماس الذكرى يكمل ما نقص... ثم ها هو يصعقني بظهوره؟!! يفاجئني!! يتركني مذهولا أمام  حقيقة ظهوره. يتناثر المنطق ويفر مهزوما أمام تجليه الذي لا شك فيه. أواصل وقوفي مرتعشا ومتفرسا  به..بوجهه..بقامته..بحركاته..به كله.هو؟ ليس هو؟! كانت المفاجأة مزدوجة، اللقاء بحد ذاته، ولقاؤه هو بالذات،بعد أن غادرنا للأبد كما كان واضحا..!! غادرنا ؟! ولكنه عاد . ها هو مجسم أمامي. حقيقة لا جدال فيها . نفس الحركات .. والقامة ذاتها بالكرش المندفع للأمام . هل هو نوع من المستحيل ؟! من اللا منطق ؟! من الوهم ؟! ام هو حلم عابر ؟! نزوة طارئة ؟! شطحة ذهنية ؟!

لا ادري ... غير ان ما يحدث مثبت بالرؤية , فهل أكذب نفسي ؟! أغالط عيني ؟! أنكر حواسي ؟! أتنازل عن يقيني ؟! أتخبط ؟! حيرتني نفسي وتراكم ذهولي ، واشتدت هواجسي . احترت .

كان الوقت قبل الظهر . هذا اذكره تماماً . ولا ادري ان كان لذلك قيمة ما . كنت عائدا من السوق ببعض أكياس الخضار والفواكه . على الاغلب كنت لوحدي , فما علق بذاكرتي لا يشملني الا انا وهو . انا في جهة ... وهو في جهة اخرى ، وما يحيطني وما يحيطه ، لم يعلق بذهني منه شيء ، ظهر بلا سابق توقع . مفاجأتي به كانت تامة ، استحوذت على حواسي ، صعقتني . أربكتني . فجرت مئات التساؤلات في ذهني ، دخلت لأعماق نفسي حائراً . ولم أستوعب الا حقيقة واحدة ... اني أقف بمواجهته , أنا هنا وهو هناك ... انظر اليه بلهفة مأخوذاً من المفاجأة ، أستعيد في ذهني صورته . بوجهه غير القابل للنسيان , بذكراه التي تثير الحسرة والشوق , والحنين الجارف لايام مضت . هو بلا ادنى شك ، ملامحه نفس الملامح المطبوعة في ذاكرتي ، وقفته ... حركاته ... كل شيء يطابق الأصل ..

كنا وكان ، كانت ايام وليال ،  وبقيت احداث لا تغيب عن البال ابداً ،  تتردد باستمرار .. متوهجة كأنها حدثت امس عبقة خافقة حياة وحيوية ، وكأنه لا ماض يبعدنا عنها ، أو يبعده عنا.

تواصلت حيرتي وتراكم عدم يقيني ، وتهت بين مبتدأ الأشياء وخبرها ، فقدت اتجاهي وانا قبالته ، وربما فقدت القدرة على ادراك حالي . انفصلت عما يحيطني من اشياء . انظر اليه بين مصدق ومكذب لما اراه . هو نفسه !! اخيراً عاد ؟! كيف تمت عودته ؟! ومتى تحقق هذا الاعجاز ؟.. تتشابك وتتعثر الأسئلة .. ها هو بوقفته المعتادة ... دافشاً كرشه الضخم امامه ... صدره منفوخ بعض الشيء .. بأبهة طيبة . قسماته هادئة لا تعبر عن شيء . حيرني اللا تعبير الواضح . ربما يفكر بأمر ما ؟! قلق من وحدته . وهو الذي اعتاد الجلسات الصاخبة ؟! او يكون مخبولا من طول الغياب ؟! ربما أثر فيه السكون الأزلي ، وهو العاصفة التي لا تهدأ ، المندفع بحيوية ، متأجج العاطفة ، المتألق دوماً بحديثة وأفكاره ومظهره ؟!

أحقا عاد ؟!!

تناول شيئا وجلس ، كانت أمامه كأس مترعة، وبعض صحون المازة...

طويلاً نظرت اليه ، متوقعا ان ينتبه لي ، ان تفاجئة رؤيتي ، فيسرع فرحا لملاقاتي ومعانقتي ، بعد هذا الزمن الطويل ... بعد هذا الغياب الطويل .

او يكون ما اراه اضغاث احلام ؟... اوهام عابرة ؟... تخيلات عقيمة ؟؟

ابعدتنا الايام في اتجاهات لا تتلاقى ، وها هي تجمعنا بلحظة مجنونة لا تفسير لها ، لحظة مجردة من المنطق . عصية على الفهم . اكاد لا اصدق نظراتي . انظر اليه وقلبي يخفق بشدة . ربما توجسا من خداع الرؤية . او من سراب الم بي ؟!! وهم قريب من التجسد ؟!! ما بالي اخرف ؟! هل اكذب نظراتي ؟! اكذب يقيني ؟! انكر وعيي ؟! لم نعد في عصر العجائب ... انما في عصر العقل ، فأي عقل يستوعب ما ارى ؟! اي عقل يفسر غرائب ما يحدث لي ؟ اعترف اني اقف في مواجهته عاجزا عن الفهم والتقدير مشلول القدرة عن تفسير ما انا به . أتخبط وأتوه وراء مشاعري . أخلط بين اليقين والوهم . ما هو اليقين عند الانسان ؟! انها ذات الانسان نفسه ... فهل اكذب نفسي ؟! اكذب ذاتي ؟! انكر يقيني ؟!

منذ متى لم اراه ؟!

منذ متى لم تجمعنا جلساتنا الممتدة حتى آخر الليل ؟! ربما عقد كامل ، اطول قليلا او اقل قليلا , ولكنه يبدو زمن طويل ، شديد الطول . يهيأ لي انه اطول من حياة انسان .. ربما بعمر عدة اجيال , فزخم ما عشناه ، اكثر من ان تستوعبه حياة واحدة ، واقول لنفسي : " ان ما يبعد بيننا لا شيء بمقياس عمر الزمن " . فلماذا لا تحركه رؤيتي ... كما تحركني رؤيته ؟! لا ينفعل ولا يبدو عليه التأثر ، يستمر بالصمت والحركات التي تبدو محسوبة ، وانا قبالته الوح له عبثا !!!؟

كان بيته منتدانا ومركز سمرنا ، لا نفوت ليلة الا ونتجمع عنده ... بموعد او بلا موعد ، كأمواج البحر ، لا بد لها من شاطىء تصله . او نكون على اتفاق مسبق للقاء في بيت احدنا . تجمعنا لا بد منه . صرنا نعيش يومنا من اجل اللقاء مساء . صارت اللقاءات محور حياتنا ، ومهما تمضي السنون ، ستبقى تلك الايام متجليه في ذهني ، بزخمها وحيويتها , برونقها وحرارتها الانسانية , وكلما يبتعد بي الزمن ، يشتد شوقي لتلك الايام . بفرحها الذي لا يعرف نهاية ، بانطلاقتها التي لا يدركها الوهن .

كم اختلفنا واتفقنا , نتناقش , نتحاجج , نصرخ . نصمت . نصر . نرخي . ثم نضرب كؤوسنا المترعة , بكؤوس بعض , ونشرب نخب تجمعنا وصحبتنا وصمتنا وسعادتنا .

اتعود تلك الايام ؟! ايعود ذلك الفرح ؟!

كان حجة في الحديث ، يتقن الرواية . بل هو راويتنا بلا منازع . يخيل لي اني لم التق بمتحدث – راو في مثل موهبته وقدرته على الحفظ ، فهو مثقف واسع الثقافة والاطلاع ، ومجتهد في استنتاجاته وتحليلاته ، لا يستسلم امام ما يبدو لنا طلاسم ، سريع الخاطر ، باهر البديهة ، مرهف الحس ، له منطق لا يهزم بسهولة ويعرف كيف يسوق الحجج والبراهين  والامثلة والسوابق .

ما باله ينظر نحوي ولا يحرك ساكنا ؟! ربما لم يعرفني ؟! مع اني لم اتغير شكلا ؟! ايجوز اني لم انتبه لتراكم التغييرات الصغيرة والبطيئة . فانا يخيل لي احيانا اني لم اتغير جسمانيا منذ ربع قرن ؟! اما هو فلم يتغير فيه شيء كانه لم يفارقنا الا لأمسية واحدة ، ها هو امامي كما عرفته دائما . الوح له بيدي . ينظر باتجاهي ... هل حقا ينظر باتجاهي ؟! ام ينظر الى لا شيء ؟!

كان صوته جهوريا نقيا ، تعلم في صغره – يوم كانت يافا مدينة عظيمة ، يتدفق اسمها عبر الموانىء ، لكل اصقاع الارض ، كعلامة مميزة للبرتقال الجيد ، وقبل ان تهب عليها العاصفة الهوجاء اللعينة – تعلم تجويد القرآن .... فحفظه وجوده بطلاقة ، فكان يتحف جلساتنا بصوته الرخيم الجميل . مجودا ما تيسر له من ايات كرام ، يسحرنا بجمال اللغة وقوة البيان ، ونقاوة الصوت ، فنتمنى ان لا تنتهي جلساتنا ، رغم يقيننا المطلق , اننا على موعد بلقاء جديد متكرر ... فنوغل في الليل ، او يوغل الليل فينا غير دارين من امر الزمن شيئا . مسحورين بجونا البديع ، وبشملنا المجموع على مسامرته ، موغلين بالسعادة بانانية متجردين عن كل ما يقلق راحتنا، وما ينهي هدوء بالنا ، وما يخرجنا عن اطوارنا .

ما باله ينظر الي ولا يحرك ساكنا , اهتف باسمه بلا صوت , ارفع يدي باشارة السلام , وعيناي تترصدان حركات وجهه , حركات يديه , اتجاهات نظراته .

في ليالينا وسهراتنا كان ينطلق احيانا ... مغنيا بعض ادوار عبد المطلب ، او عبد الوهاب ، او ام كلثوم مفسرا باستاذية ، الطبقات الصوتية واصولها ، مشيرا للابداع وقصور المغنين ، في هذه الطبقة الصوتية او تلك , او نصمت مستمعين الى سيمفونية ، وكأن على رؤوسنا الطير، وحقيقة تقال ، انه يفهم بالموسيقى الكلاسيكية ، كما يفهم بتجويد القرآن وبالموسيقى العربية ، فهو يذكر عشرات الالحان الكلاسيكية ومؤلفيها وبعض مقاطعها ، ومناسبة تأليف كل لحن , وتركيبته بحيث يجعلك تتلمس ادق الاحاسيس واجلى المشاعر , التي تتوهج بها المقطوعة الموسيقية المعينة , مما يسهل فهمنا لهذا اللون , الذي كان , حقيقة ... بعيداً عن جونا وميولنا وثقافتنا , وكان " البوليرو " لرافل ، و " الدانوب الازرق " ليوهان شتراوس ، هما اللحنان اللذان لا ينفك يصفرهما خلال نهاره ، متلذذا ، غارقا في نفسه وعمله .

كان يعطينا من اعماقه ، نافذة اوسع لعالمنا , وشمولية شاسعة للفنون والثقافات ، لا تزال متجلية في نفسي ونفوس بقية الاصحاب .

كان يعشق الادب بحديثه وقديمه ، ويحفظ مقاطع مختارة ونوادر طريفة .. له ذاكرة ممتازة ، وكثيرا ما اعاد على مسامعنا مقاطع لا يزال يحفظها منذ ايام شبابه المبكر . ويحفظ نوادر الادب القديم ويعرف كيف يرويها ، جاليا باسلوبه الفذ ، اجمل معانيها ، فيبهرنا ويفتح اعيننا على كنوز لا حصر لها .

وماذا لا اذكر عنه ؟! ولكنه يصدمني بنظراته التي لا معنى لها ؟! يراني ؟! بلا ادنى شك !! يعرفني ؟! الوح له بيدي مرات متكررة ، يثيرني ويقلقني بصمته وانطوائه غير المفهومين . اردت ان اصيح به " انا هنا " ولكن نظراته الباردة الموجهة نحوي اصمتتني .

ما الذي اعاده ان لم يكن حنينه الجارف للاصحاب ولاحلى الاوقات ؟!

اتذكر نهمه وحبه للطعام ، وتفننه في تحضيره . والحق يقال انه سيد المطبخ بلا منازع ... فاذا وضع يده على شيء . يجعله يؤكل حلالا ، وهذه مسألة لا نقاش حولها ، بحكم كوني احب الطعام مثله ، ولكنني اعجز عن مجاراته في الكميات ، وكثيرا ما قال لي بحماس وتأكيد :

-انت احسنهم , كل !!

ويقول لبقية الاصحاب :

-الطعام متعه يا كارهي المتع . تعلموا منه ومدوا ايديكم . انا اكره الذي لا يأكل .

اما اسوأ صفاته فهي صفة الافراط في الشرب . لا يعرف لشربه حدودا ، وكل الاوقات مناسبة لديه للشرب . لا فرق بين صباح ومساء ، احيانا يجعلك تشعر انه لا يشرب بهدف الترفيه والمتعة والمسامرة ، وانما لان هناك عدوا ينتقم منه . كيف ؟! لا ادري !! نحاول بالاف الحجج ان نضع حدا لافراطه فيغلبنا ويجعلنا نفرط مثله ، وها هو يعود وحنينه للكأس اقوى من كل حنين . يشرب ولا ينتبه لي او انتبه ولم يعرفني . ربما يدندن لنفسه بلحن ما , ها هو يرفع الكاس لشفتيه . يشم الخمرة مستمتعا قبل ان يرشفها .

لم نكن نستطيع ان نجاريه بالكميات التي يشربها ، فهو اذا ما يسيطر دافع الشرب عليه ، ومتى لم يسيطر ؟! يشرب كل ما تطوله يده من اصناف الخمرة .. بابيضها واحمرها !!

كان بيته منتدانا كما قلت . وكان اخا لنا , صديقا , وحبيبا , سنديانة ضاربة جذورها عميقا في قلوبنا ، لا بد لنا من المرور به يوميا . نتجمع باغراضنا ، ونمد الطاولة ، بكل المازات التي تخطر على بال ، بل بكل ما يصلح للاكل !!

كان اخوه ، شريكه الوحيد في بيته .. صيادا هاويا , يصيد ولا ياكل ، يمارس الصيد كنوع من الرياضة كما يبدو فكان يزودنا بكميات كبيرة من السمك ، كنا ننظف احيانا فرشا كاملا ... وكان صاحبنا يتحفنا بمعرفته لكل انواع السمك ، وكيف لا ، وهو ابن بحر يافا ؟! وبسببه ، اكتشفت ان الذ مأكولات الارض واطيبها هو السمك بلا منازع !!

بدأ اليأس يعتريني من تجاهله لي . احترت واشتدت حيرتي ، وبدأت اشعر بثقل الوقت . ضايقني وضعي ، واقفا قبالته كالأبله مصعوقا من ظهوره ... وهو ينظر الي ببرود او ربما لا ينظر الي ؟!

كانت جماعتنا تضم تشكيلة من الاصدقاء مختلفي الاتجاهات والميول .. فالهندسي والاكاديمي والدهان والاديب المحترف وشاعر العامية والمغني وانا العبدلله .

وبالطبع صديقنا ... سنديانتنا .

كان الوقت يمر ثقيلا كئيبا وانا اقف في مواجهة نظراته عله يعرفني ، كنت متحمسا لمعانقته ، يشدني الشوق لجلساته واحاديثه وموسيقاه .

يراني ؟...

 لا يراني ...؟

 لست ادري !!

كنت وما زال مصعوقا من رؤيته . ظهوره قلب كل مفاهيمي . هز روتين حياتي . فيقيني انه لن يعود  تلاشى بلحظات ، وايماني غير المفهوم الان ، بأن من يذهب لا يعود ، يتبدد !!

كان الموقف يزداد تشابكا بين المنطق السليم وحقيقة ما يجري . بكيناه يوم ودعناه ، وايقنا ان اجمل ايام العمر انتهت بوداعه ، وتحولت جلساتنا الى واجب ممل بعده , كآبة وانتظار لفرج لا ياتي ، ثم بدأنا بالتفرق والتشرذم وابقى الواحد بالكاد على علاقة بشخص اخر ... وتحولت صداقتنا الى رصيد غير مستعمل ... نلتقي بحرارة لتبادل تحيات عابرة . ويمضي كل في سبيله . صحيح ان ذكراه بقيت في اذهاننا .. في وجداننا ، في حرارة اللقاء بيننا ، ولكنها ذكرى لشيء جميل غادرنا . تلاشى من حياتنا . فقدناه . هل حقا فقدناه ؟! ذهب ولن يعود ؟! ووجهه المطبوع في ذهني ؟ وقامته المعروفة والمشهورة بكرشه المدفوع للامام ؟! ووقفته ، نفس الوقفة التي يتجلى فيها الان ... والكاس بيد والسيجارة " الجيتان " باليد الاخرى .

كان يقول مشيرا الى سيجارته :

- هذه حارة تماما كما لو انها غجرية بالفعل !! ( جيتان تعني غجرية ) .

حتى سيجارته تؤكد انه هو نفسه . لماذا يصمت هذا الصمت في مواجهتي ؟! ويبدو غارقا بنفسه بذهول غير مفهوم ؟!

 يراني ؟!

 ربما يراني ، ولكنه لا يحرك ساكنا .

 ترى هل استبد به السكر ؟..  ربما يشرب منذ زمن ؟!

آه يا صاحبي القديم ... لا بد من شيء غير عادي في الموضوع . انت نفسك ولست انت . وجهك البادىء بالترهل.. ولكنه غريب بلا حيويتك . أهي الخمر ؟! ولكن السكر لم ينسك اصحابك مرة . كنا نحن عائلتك ودنياك ... لا تطيب لك الحياة بدوننا ، ولا تطيب لنا الحياة بدونك .

اشرت له بيدي شاعرا بكابوس يأس وضيق ، اردت ان اناديه .. ان اعلن عن نفسي بطريقة حاسمة ، ولكنه لاه عني بكأسه وسيجارته ، وببعض المكسرات المالحة امامه .

صامت . مدد من الصمت يحيطه .. ربما يفكر . يحزنه ما يراه بعد هذه الغيبة الطويلة . بحث عن صحبه فلم يجد منهم احدا حوله .. وهو الذي اعتاد ان لا يجلس بلا صاحب .

 يبدو كئيبا شديد الكآبة ، لدرجة تشغله كآبته عما حوله . شدة صمته وجموده تجعله يبدو كلوحة مؤطرة ... رغم انه يتحرك . اللوحة الجيدة ايضا ملأى بالحيوية والحركة ، ولكنه يتحرك بلا حيوية ، يؤلمني ما به .. يرفع كأسه لشفتيه . يقبل الكأس ؟... يبلع بلعة ... يأخذ نفسا عميقا من غجريته . ويطلق الدخان بتلذذ وبطء ، ثم يلتقط بضع حبات من المكسرات ويلتهمها ... نفس الرغبة بالأكل والتلذذ به . اما حيويته فمفقودة . لا اراها . لا المسها . يبدو غريبا بدونها ...!! رغبته الجلية بالأكل والتلذذ به جعلتني ازداد انتباها له تيقنا منه ..  وازدادت رغبتي لاثارة انتباهه لي .

اعتراني حماس شديد وانا اتخيل نفسي اخبر الاصدقاء بالمفاجأة . مفاجأة ظهوره المذهلة . عودته مخالفا كل منطق .

 وما يهمني المنطق امام الحقيقة المتجلية ؟

 سارفع تلفونا لكل الاصحاب . افاجئهم وابشرهم بعودة سنديانتنا .

-الو ... سهيل ... لقد عاد ... اليوم رأيته ... اقسم اني رأيته .

سيفاجأ اولا بصوتي ونبرتي . لن يفهم ما اعنيه والا ذهبت حلاوة المفاجأة . وتقريبا اتوقع جوابه :

-نبيل ماذا جرى لك ؟! منذ فترة طويلة لم ارك , وتتصل لتقول لي كلاما غير مفهوم ؟!

-حازم ... حازم بلحمه ودمه .. اليوم رأيته .. التقتيه فجأة .. شيء لا يصدق ..  لا تسألني ..اترك المنطق جانبا .. اتكلم عن رؤية بأم العين .. لا تصدق ؟ أنا ايضا لا اصدق ..  نلتقي عنده مساء !!

واقفل السماعه ، ليصعق بالخبر والمفاجأة .. لن يصدق حتى حازم بعينية . تماما كما اراه امامي .. ليهرش ذقنه مفكرا حائرا ..  ليتحرك عن مقعده باحثا عن صاحبنا ..  لينقل الخبر لكل الاحباب والمعارف ...

-الو ... فوزي ؟!

وكالعادة ترد زوجته ...

-من يريده ؟!

-انت سكرتيرته ... منذ متى لديه سكرتيرة ...؟!

-نبيل ؟!

-نفسه .. يا خبيرة بالاصوات . أين فوزي ؟! سلامات يا اسمر يا عربيد , لماذا لا ترد على التلفون بنفسك ... عندي خبر مفاجاة ... اصمت واسمعني للاخر , اليوم التقيته صدفة . وجدته امامي .. كان يشرب كاسا عند منصور !! ... عرفت من ؟! ... يدخن سيجارة جيتان ... بتلذذ وكانه بوصال مع غجرية حقيقية .. لا تصدق ؟! انا رايته ولم اصدق . اسمع بلا مقاطعه ... اترك المنطق برعاية زوجتك . هل عودك جاهز ؟! مساء نلتقي عنده !!

واقفل السماعه !! واتصل مع الاخرين :

-جميل ؟ ... سلامات .. سيمون ؟ .. اين وصلت مع صاحبك النواب ؟!

وانشر المفاجأة عليهم . اجعلهم يطيرون من الفرح . عادت ايام زمان .. الايام التي لا تنسى . ايام الفرح . والسمر حتى الفجر . لن تتبدد ليالينا امام التلفزيون ومقارعة الاولاد ,, عودته اجمل من الحلم .

هل حقا عاد ؟!

هل يعود من يغادرنا ؟

كنت لا ازال اتحرك امامه محاولا لفت انتباهه . ينظر لجهتي ولأمر غير مفهوم لا يحرك ساكنا .

ربما لا يراني ؟!

 يثيرني ببرودته غير المتوقعه ؟.. يربكني بتجاهله غير المفهوم .

 أيجوز انه ليس هو ؟!

 اكاد افقد ثقتي بنفسي . ما يعتري هذا الرجل ؟ هل عاد جسدا بلا روح ؟! فقد ذاكرته ؟ فقد صلته بماضيه ؟ نسي ما يربطه بالاصحاب ؟ تلاشت ذاكرته ؟ أمّحي الماضي من ذهنه ؟!

مذهلة الافكار التي تراودني عنه . شعرت ببعض الخوف من استمرار تدفقها وغرابتها .. نفضتها من ذهني ثم ناديته كمن افاق من غفلته :

-حازم ..

ينظر الي فيقشعر جسدي وتنقبض نفسي انقباضا مؤلما. يتاملني بهدوء غريب وعميق كمن يحاول ان يتذكر شيئا ... فاشعر بحرارة اشد من حرارة النار تصليني . يغرقني العرق والضيق . يعود الى كاسه بتلقائية دون ان تسبب رؤيته لي لاي رد فعل عنده . يواصل سحب الانفاس من " الجيتان " ورشف الخمر والتلذذ بالمكسرات المالحة . ينتقل جسدي من الحرارة الشديدة الى برودة كبرودة الماء المثلج .

يعذبني تجاهله لي . ماذا اقول للاصحاب ؟ هل كتب على شملنا الا يتجمع ثانية ؟! ان يمتد الفراق ويغيب اللقاء ؟! تتلاشى السعادة وينتهي الفرح ؟! يتضائل الامل ؟! يسود خريف ؟!

 نشتهي الربيع وتفرع احلامنا من الامنيات ؟ تزاحمت استفساراتي وتوالت تعجباتي . سعيت وراء مجهول يهبني الهدوء . ظهور غريب امامي .. هل انا في زمن غير زمني ؟! في مكان غير مكاني ؟! في عالم غير عالمي ؟! اومأت اليه يائسا . واصل صمته ورشف الخمرة من كأسه . شعرت اني اطلت الوقوف في الشارع ناسيا نفسي ، غير منتبه لنظرات الناس المارين حولي . ربما يقولون اصابه الهوس فجأة ؟! لطف الله حل عليه ؟!

 هل اتقدم واخبره بحقيقتي ؟ انشط ذكرياته ؟ هل اكشف اللثام عن بعض ما يجمع بيننا ؟ انزع الحجب عن ايامنا وليالينا ؟ افتح ابواب الماضي ... واطلق ذاكرته من سبوتها ؟!

اردت ان انطلق نحوه واعانقه عنوة . ولكن برودة رد فعله غير المتوقعه على ندائي اوقفتني . اثقلت لساني واضاعت مني الكلام , وانزلت علي الصمت .

مضت برهة ثقيلة وانا اتنقل بين الحر الشديد والبرودة القاسية . وفجأة اتقدت فكرة في ذهني فخف حملي .

تقدمت نحوه بوجل ما . تخلصت من اكياس الخضار والفواكه قرب المدخل ووقفت قبالته مستنفرا كل حماسي مجندا كل حواسي ، وموقظا كل افكاري ، متحضرا لمرافعتي . واجهته وقلت بهدوء وانبهاري باد متجل :

-حازم ؟... متى عدت ؟!

-اشتقت فجئت ؟!

اجاب ببرودة حيرتني . فاصررت :

-متى ؟!

-منذ اشتقت !!

لا يبدو عليه شوق لشيء سوى كأسه . واصل اتكاءه , غير اني لمست اتساع حدقتيه وهو ينظر الي فاستبشرت خيرا ، رغم بلادة اجاباته وعدم وضوحها  وغموض احاسيسه .

-      اشتقنا لك يا حازم .. الواقع ان مجيئك غير متوقع .. نوع من المستحيل ..  شيء لا تفسير له ..  لو ايقنا انك عائد لسعينا لاعادتك ... الى لقائك .

يبتسم ابتسامة صغيرة لا تعبر عن فرح ولا عن يقظة . مع ذلك كانت كافية لاثارة حماسي واملي ويقيني بقرب ذوبان الجليد بيننا . كانه يخبرني بابتسامته عما في قلبه . وعلى نقيض ذلك , كنت كلما ازددت تأملا في حقائق ما يجري تفيض حيرتي اكثر .

هل حقا غادرنا ام اني واهم ؟!

 ربما انا من فقد ذاكرته وها هي تعود لي ؟ ربما هو لا يتوقع عجيبة تعيد ذاكرتي ؟! ماذا يحدث لي ؟! وما هذا الذي يخطر على بالي ؟! واين تغيب الحقيقة ؟! ولماذا يتاملني بهذا الشكل ؟! ها هو يحرك شفتيه ... ترى ماذا يريد ان يقول ؟!

-      هل تعرفني ؟!

ما هذا السؤال ؟! بل ما هذه الورطة ؟! يفحصني ؟! سأل بهدوء وبكلام قاطع لا يتفوه به الا ذوو المعرفة القاطعة . شعرت برأسي ينقطع عن جذره , بافكاري تعوم حائرة مترددة ، وبخواطري تتلاشى .

اجبت وكنت كمن يتعربش خشبة نجاة في بحر لجوج :

-      اعرفك ؟! وكيف لا اعرف حازم ؟! لم يكن لي صديق عزيز على نفسي مثلك !!

-      انا لا اتذكرك !!

نفس اللهجة الواثقة القاطعة التي لا يتفوه بها الا ذوو المعرفة القاطعة ... ومع ذلك لمست ، او هذا ما اردت ان أشعر به ، بانه لم يوصد الباب بعد . ومع ذلك آلمني جوابه .

اندفعت لذهني بلا ترتيب ذكريات متشابكة من الزمن الماضي . حاصرتني الذكريات ولم تترك لي منفذا . انكمشت وانخرست لحين غارقا بكابوس شديد .

 اصفاد ثقيلة تقيد فكري وتحول دون تذكر ما كان بيننا .

اصررت على العودة لذاكرتي للتاكد من حقيقة افكاري وتوضيحها . كنت كمن يصعد جبلا بالغ الارتفاع وعلى كاهله حمل ثقيل ... ما ان يبلغ بحمله قمة الجبل ، حتى يهوى حمله للقاع ... فيعود ليسحب حمله صاعدا مرة اخرى .. انها مأساة سيزيف ، تتكرر باسلوب عصري ، دون تدخل الالهة واحكامها الغريبة .

عدت افحص يقيني . افحص نفسي . افحص وضعي , ربما وهما عابرا يعتريني ؟ خلل بالرؤية ؟ خيال جامح يشق طريقه متجاوزا منطق الاشياء واصولها .

أتأمله وهو لا يحرك ساكنا . لا يضايقه وقوفي امامه وتحديقي به ...

 

**********

كان يسافر للعمل معي يوميا ، كنت امر عليه في بيته في الصباح الباكر ، وكثيرا ما ايقظته ودخلت مطبخه اعد فنجاني قهوة منتظرا ان يرتدي ملابسه .. نشرب قهوتنا ونسافر للعمل . كان المسافر الوحيد معي ، وبسببه لم التزم بنقل عمال اخرين ، محافظا على علاقات خاصة وتفاهم تام ولغة مشتركة جمعتنا، وصداقة مميزة شدتنا بحبالها فلم نفترق .

مساء وبعد انتهاء العمل ... لا بد من شرب عدة زجاجات بيرة اثناء العودة .. فالمسافة على حد تعبيره تستغرق ساعة سياقة كاملة مما يشكل تبذيرا للزمن لا بد من تغطيته بشيء يشرب او يؤكل، ودائما يؤكد بخطابيه يتقنها وبمرح ظاهر :

-      كلما شربت اكثر يزداد ظمأي .. هل تعرف من هو اشعر الشعراء ؟! انه صاحبي ابو نواس ..  هو الوحيد الذي يفهمني كما فهمته ، مع ان زمني غير زمنه .. علماء اللغة والادب لن يفهموا تجليه وعليائة اذا لم يمارسوا الشرب ويدمنوا عليه . الشرب يا صاحبي هو زهرة الحياة ، هو الفردوس. الم يعد سبحانه وتعالى الصالحين بانهار من الخمر والعسل ؟َ! فما البأس علينا اذا لم نصبر ؟! نحن هنا كفئران التجارب ... شربنا وسعادتنا وانبساطنا هو النموذج والمثال الذي ينتظر الصالحين .. فليهنأوا بما كتب لهم ولترتو اعينهم بما ينتظرهم . فلهم الانهار اما نحن فلنا بعض الزجاجات والحمدلله .... هو الوهاب .. فقط ابو النواس يفهمني ... وانا افهمه. وداوني بالتي كانت هي الداء .. والدواء من داء الخمر هي انهار الخمر ، فهل يطولنا نصيب فيها ؟!

كنت اصل للبيت جائعا ، وكثيرا ما دعوته للعشاء معي ، او دعاني للعشاء عنده . وعلى اي حال لا بد من اللقاء بعد العشاء لتوديع يومنا ببضع كؤوس من الخمر . حتى تملكتني عادة الشرب اليومية. غير اني لم افرط بالشرب مثله . كنت اقف على الشاطىء بالا قدمي، وكان صاحبي يغوص في اعماق البحر ظمآنا لا يعرف الارتواء ، جذلا سعيدا كالاطفال ، ثم يطلق عقيرته بالغناء ، او بما تيسر له من سور كرام .. فيتجلى في صوته وابداعه !! فما باله لا يتذكرني ؟! ربما يتجاهلني ؟! ربما ..؟! الف سبب وسبب ؟!

- لا تتذكرني حقا ؟! ألم نعمل سوية لمدة سنتين في مكان عمل واحد ؟! الم تسافر معي يوميا ؟! وامسياتنا وسهراتنا ؟! والليالي التي قضيناها متسامرين حتى الفجر ، فربطنا ليلنا بنهارنا دون ان نعرف للتعب معنى وللارتواء طريقا ؟!

- صح  صح .. الان اتذكر .. لم اعرفك في البداية..!

قال خارجا من هدوئة ، تاركا لابتسامته ان تشع اكثر .

تيقظت احاسيسي ونفضت عني الكآبة ودبت الدماء في عروقي من جديد . ومع هذا بقيت وجلا . فكلامه خال من الحرارة . كلمات تنطلق من جهاز تسجيل على شكل انسان . لا يبدو انه يعيرني اهتماما ، او يلقاني بحرارة صداقة طويلة . تصرفاته تتناقض مع اندفاعه وحميته بلقاء الاصدقاء . ربما ليس هو ؟! كل الظواهر البارزة تؤكد انه هو . اتكون المشكلة في نفسي ؟! هل هو يسايرني ؟! تراه يشك بعقلي ؟! ام يجرب قوة اعصابي ويقيني ؟! ظهوره فاجأني .. صعقني . ظهر مخترقا حدود المنطق . متجاوزا للأدراك العقلي . ولكني صاح ويقظ وافكاري مستقرة رغم ظهوره الغريب . لم افقد قدرتي على التفكير بترو . لم تعم افكاري في بحار هوجاء . ولم تتخبط امام ظهوره المذهل ، ولم تنحدر قدرتي على التمييز والملاحظة . انه حازم !! ما باله يحطم نشوتي بلقائه ؟ وما هو الغريب فيما يحدث معي ؟!اليس ما يلم بي حالة غريبة تتناقض مع منطق الحياة ؟!

بدأت الحيرة تنتابني من جديد وبشدة اكبر . بدأت اشك جديا بما يجري معي . الى ذهني تتصاعد اسئلة متكررة تتقاذفني بين الكآبة والانفراج. بين فرح اللقاء وبرودة الاستقبال . اين تلاشت ايامنا المتوهجة بالسرور وليالينا المترحة بالنشوة ؟!

هل هو حلم يعتريني في صحوتي ؟! كيف وكل الامور واضحة جلية ؟! هذا انا ، هذه اكياس الخضار ، هذا شارع البنك ، هنا مقهى منصور بوجوه زبائنه الذين لا يتغيرون ، وهذا حازم بكرشه المندفعه للامام وبوجهه الممتلئ .. بقامته المربوعة .. باناقته في اللباس، وبالعطور التي تفوح منه .. بطيبته .. بصوته .. بسيجارته " الجيتان " ، فكيف لا اعرفه ؟! كيف وبيننا زماله عمل ، وصداقة شخصية عميقة لم يهزها الزمن تمتد على مساحة عقد كامل من السنين ؟! الم نكن نلتقي لمدة تزيد عن خمس عشرة ساعة يوميا بين العمل وجلسات السمر ؟!

مضت لحظة التقطت فيها انفاسي . طفوت الى اعلى عليين . ثبت يقيني وترسخ ، ورأيت الصورة بكمالها العجيب ، متجاوزة لابسط قواعد المنطق.

ذكرته باسماء الاصدقاء ، وسألته ان كان يذكر ايامنا الحلوة . حاولت التأكد ان كان يدرك فعلا ما كان بيننا .. فبدت حالي كممتحن لا يعرف اكثر مما يعرفه تلميذه . تذكر الجميع ونسيني وانا الاساس ، فوثب علي حزن عابر وحيرة شاملة ، فصمت التقط انفاسي مزمعا على الخروج والذهاب في طريقي . غير انه ضحك وطلب لي كأسا ، واشار لي بالجلوس على مقعد مرتفع قبالته . تأثرت من دعوته . همهم بكلمات لم افهمها ، ثم اشار لاكياس الخضار، وسالني ان كان معي بعض الفاكهة ؟ اسرعت واحضرت تفاحتين ، وحبتي خوخ وبعض المشمش . فابدى حماسا زائدا ، وقال سعيدا واساريره تنفرج :

-      التفاح ملك الفواكه !!

واضاف :

-      لم آكل منذ زمن طويل ... منذ غادرت .

حسبت فترة غيابه في ذهني واجبت مذهولا :

-      مستحيل ... ثماني سنين بلا طعام ؟!

-      وبلا فاكهة !!

حيرني كلامه فاثرت الصمت ، متوقعا ان يكون قد حدث لعقل الرجل شيئا. ولكنه يبدو رزينا كما عهدته ، هادئا كما عرفته ، فما باله يروي لي قصصا لا تخطر على بال ؟!

سالته بنوع من الاستسلام امام ظاهرته الغريبة منذ البداية :

-      وهل كنت تشرب الماء ...؟!

لم يرد على سؤالي بقصد او بغير قصد ، لا ادري !!

 الوقت الذي جمعنا ووهبنا السعادة هو الذي فرق بيننا واغرقنا بالحزن ، وهو الذي يجمع بيننا اليوم بشكل لم اجد له تفسيرا معقولا حتى يؤول الزمن الى انتهاء .

رفع كأسه :

-      بصحتك ...

دعاني للشرب سعيدا

-      بصحتك ...

اجبت متوجسا من سعادته او من حقيقة ما انا فيه ، مؤكدا لنفسي خلو ما يعتريني من الاحلام .. وبقي غموض شديد يتحصن في ذهني ، اعجز عن الولوج اليه وفهم محتواه ، فقبلت بالامر الواقع ، وانا على يقين انه سرعان ما يعود الى طبيعته التي اعرفها . وقلت لنفسي : " لعله اشتاق لكأس خمر فجاء يشربها ويعود من حيث اتى ؟! "

ساد صمت حار بيننا .. وتسربت لانفي روائح الريحان الذي ينمو بكثرة فوق القبور التي تقع مقابل مقهى منصور ، حيت فاجأني لقاؤه .. فاعتراني خوف وقلق شديدان ، ولم ادر ما الدافع لهذا الربط بين الريحان والقبور. بحثت عن صورة او فكرة اهرب منها مما يعتري ذهني من افكار غريبة. استعصى الموقف علي فاذا بالكرب يجتاحني اجتياحا . ما لي اخوض الطرق الوعرة معذبا نفسي ومرهقا فكري ؟! لأقبل بما هو واضح جلي، فلحظات السعادة قد لا تعود .

 افرغت بعصبية نصف الخمر في جوفي ، وتجلدت متحملا حدتها ، فخف كربي ونشط فكري ولمعت بذهني صور عدة وذكريات متلاحقة .. فسالت كمن افاق من غفلته :

-      هل تذكر أمينة يا حازم ؟!

-      آه ... زوجتي !!

رغم مفاجأتي له بالسؤال الا ان جوابه جاء تلقائيا وبشكل عادي .

-      ولكنكما لم تتزوجا ؟!!

-      أمينة كانت دائما زوجتي .

يقينه هز ثقتي بنفسي وجعلني اتساءل بيني وبين نفسي : " ما بال الانسان يتجاهل ويتعامى ويدعي ما لم يحصل . ويفضل الظلام على النور والغموض على الوضوح ؟! " .

عدت اساله غير قادر على اخفاء استهجاني وحيرتي من المفارقات الغريبة التي تحدث معي :

-      أمينة نفسها ؟... اليافاوية ابنة التركي ؟!

-      أجل زوجتي ... دائما كانت زوجتي !!

اختلطت حواسي بشكل يصعب فصله ، واحترت في معرفة حقيقة مشاعره وحقيقة نفسه .

ربما هو حقا انسان آخر يحمل نفس الصفات ونفس الشكل ونفس الميول ؟! كيف اتاكد من حقيقته ؟! ربما يهذي وقد عاد مصابا بالمس ؟! او تهيأ له اشياء غير واقعية ؟! يخلط بين ميوله ورغباته ، وبين واقع الاشياء وتطور الاحداث ؟!

أين أنت من أمينة يا حازم ؟!

هل انت حازم حقا ؟! حازم المتجلي دوما ؟! الفطن ؟! المستقصي عن الحقائق من صميم الغموض ؟! الحذر في تقييماته ؟! المباغت في وضوح افكاره ؟! هل انت حازم حقا ؟!

الوجه وجهك رغم الشحوب البارز . القامة قامتك ، والكرش المندفع للامام كرشك . والصوت صوتك .. نفس اسلوب التنفس واللهاث ..  دائما ينقصك شيء من الاكسجين . ربما يعتريه ذعر غير مفهوم ؟! هل حقا كانت نهاية لا بداية بعدها ؟! نصلٌ غاص للاعماق فقطع سبل الافكار والامال والاحلام .. فاقعى الأسد عاجزا عن الحركة ، وتجمدت العاصفة فانتهت الرسالة وانتهى الانسان وتجلى العدم ؟!

حقا اقول ان نظراتك لا تعجبني .. فيها كل شيء غير مفهوم ، اخاف ان اقول غير بشري ، نظرات انسان من عالم متجمد . ارتشفت نصف الخمرة المتبقية بالكأس عل نارها تحرق قهري من حقيقة ما يجري وغموض ما يعتريني وعذاب ما يعصف بي .

ماذا اقول للاصحاب ؟!

كيف اخبرهم بعودتك ؟!

اقول لهم عاد حازم الذي نحبه ولكنه مختلف عن حازم الذي نعرفه ؟! ام اقول عاد حازم الذي نعرفه ولكنه مختلف عن حازم الذي نحبه ؟!

لاول مرة اشعر بالندم من لقائي به . اخاف ان تتشوه صورته والذكريات التي احملها عنه . ليتني لم القاك .

 هل اتجاهلك وامشي ؟!

 همي الان ان اتخلص من شرب ما في الكأس لأغادر مهزوما مبهدلا . أشعر بالألم حتى الأعماق .

أقول لنفسي : " هذا هو الفراق حقا "!!

كأني بمركب بلا شراع ولا دفة، يتأرجح مع الامواج ، يعلو وينخفض بعنف .. وتدفعه الامواج بلا اتجاه .. ينشد من عليه النجاة ، لكن لا قبطان يضبط سيره ، ولا يابسة تلوح مبشرة بأمل الوصول للبر ، ولا حمامة مع غصن زيتون !!

-      اشرب !!

يحثني كعادته مما يثلج صدري بعض الشيء . ربما البعد المتواصل يجعله حذرا في الانطلاق على سجيته مع اصحابه القدامى . او يكون نام نوما طويلا يجعله كالمخبول ، متراخي العاطفة والمشاعر ، متجلد الحواس بعيدا عن الائتناس ، لا يعي ذهابه ولا ايابه ، خالي الفكر ، متلاشي الذهن ، ماضيه راقد في نفسه ، وحاضره خالي الملامح .

كانت أمينة خطيبته ، يوم كان شابا يافعا ، يقيم مع والديه في مدينته يافا ،التي يذكرها دوما بحماس خاص  ، فارتبطت يافا باسرار حبه وارتبط بيافا ، فكمل الواحد الاخر . وكان نهار وكان مساء ، وتكون زمن الوجد وامتد ليتصل مع البحر ، يتسع به .. يكبر بكبره .. فتجلى برفقة حبيبته ومدينة حبيبته .. وبحر حبيبته .. فعاش في دهشة الحب المتكررة .. حتى جاءت العاصفة الهوجاء فاقتلعت الناس وعصفت بهم دون حساب للارتباطات والعواطف والآمال والاحلام ... فحل زمن السفر الدائم والشوق الهائم .. وظل كل شيء يدور بلا استقرار .. وجرد الناس من الآمالوالأحلام والامنيات .. وحل شقاء بلا شطآن وتشتتت الجذور !!

وانفصل الحبيب عن حبيبته .. وانفصل الانسان عن ملاعب صباه .. وتاه في عالم غريب . يحاول ان يجدد ما كان .. فيرفضه المكان الغريب .. يبحث عن تجديد ما انقطع فتصده حقائق عصية عن الفهم .. تلاشى النور وانتشر التأوه ... تلاشى الحب وانتشر القهر .. تلاشى الانسان من الانسان .. صارت الحياة قرينة الموت .

وكان صباح ...

وكان خريف ...

وكان شتاء ...

وكان صيف ...

وافتقد الربيع ...

ومضى الزمن ...!!

مضى بطيئا عسيرا مليئا بالقلق . وكان لسان حازم يقول :

-      الفرج يا مالك الجنة. الفرج يا واهب الراحة وموزع الحب ومهندس الاماني . انقذنا من هذا الطريق الغريب ..خلصنا من هذه الحياة الاليمة . ما بالك تتجاهل وتعمى عن رؤية الظلم ؟ هبنا شيئا من حقنا يا وهاب . اشفعوا لنا يا انبياءنا واولياءنا .. اشفعوا لنا  يا اهل الجنة الكرام .. انقذونا من الفراق العسير والضياع الاليم .. اعطونا ضوءا نشد السير نحوه .. حلما نشق الدرب اليه .. وهما نتعلق به .

بعد ضياع وتنقل وصل حازم ووالداه واخوته لمدينة الناصرة ، فاستقروا فيها .

وغرق الناس بمآسيهم ومشاكلهم . كل يبحث عن جذوره ، وما تبقى من أهله .. أين اوصلتهم العاصفة .. هل ما زالوا احياء .. من مات منهم .. من نجى . أين استقر بهم المقام .. كيف يتدبرون ..  بمحاولة اولى لالتقاط الانفاس ...

يومها لم اعرف حازما .

كنت طفلا وكان شابا يافعا .

يوم عرفته لم يكن قد تزوج أمينة .

ويوم غادرنا لم يكن قد تزوج أمينة .

 ومن يومها لم يعد ..

وأمينة ايضا أصبحت ذكرى ..

ويافا التي شهدت توهج الحب بين القلبين الشابين لم تعد يافا التي تحتضن اهلها .

اصبحت غريبة .. مغتصبة . لا تجد من يداوى جراح روحها .

فمتى تزوجها اذن ؟!

سالته وانا ادق كأسي بكأسه :