
بقلم
الكاتب: وليد الحجار

السـقوط إلـى أعلـى
مقتطفات من رواية
مقدمة:
ليس
الراوي في هذه القصة ستاراً يختبئ وراءه المؤلف، بل شخصيةً مستقلةً
بذاتها.. كاتب إفرنسيٌ يبحث عن حلول لأسئلة خاصة به.. دخل الشرق عبر صديق
له، أحد أبطال هذه الرواية، وضاع في تلافيف طبقةٍ متفسخةٍ حاول عبثاً فهم
مقوماتها!
إنها
صفحةٌ من حكاية طبقةٍ يسمع عنها الناس.. سلاطين وملوك.. أميرتان تتنازعان
فتاةً طموحاً، تلهو وتعبث بعاطفتيهما. مالٌ وبذخٌ ومؤامراتُ لا آخر لها..!
أغريبٌ أن تتخبط طبيعة "الراوي" الكارتيزية في تناقضاتٍ، قد لا يرى الشرقيَ
في ظاهرها سوى أحداث مسلية؟!..
"فراس"..
شابٌ يطفو بين مرحلتين، وهو، كما يبدو لنا في "السقوط إلى أعلى"، صورة
إنسان كما يراه كاتبٌ غربيٌ، لعله متحيَز!..
لئن أراد
القارئ مزيداً من ملامح ذلك الإنسان.. فما عليه سوى أن يبدأ المرحلة معه في
"مسافر بلا حقائب" لينهيها في "رحلة النيلوفر"
المؤلّف
* * *
في العالم ألوف
الملايين من البشر.. لكل من هؤلاء قصة.. وقصة فراس واحدة من ملايين القصص،
لماذا أرويها؟.. لماذا يروي أي إنسان قصة؟..
سيقال " إنها
قصة أفراد.." ... " أفراد من طبقة تحتضر".
الكون كلٌ،
وعوالم، وذرات.. وعالمنا مجتمعات، وطبقات، وأفراد.. أثمة وجود دون تناقض؟..
وهل من تناقض دون طرفين، وجود كل منهما شرط لوجود الآخر؟..
فللذين يرون
المجتمع طبقات، أقول.. إن وجود طبقة تحتضر، شرط لوجود طبقة تحيا.. ومعرفة
طرف معادلة، شرط لفهم طرفها الآخر..
متى تبتدئ قصتي
هذه؟.. متى تبتدئ أية قصة؟..
أحين يسترعي
انتباهي حدث ما، فأنطلق منه لألاحق ما تعاقب عليه من نتائج؟.. ما هي
الأسباب التي تجمعت ليتم هذا الحدث؟ وما هي العوامل التي تراكمت لتوفر
شروطه؟..
هل هنالك بدء
لأي حدث؟.. هل الأحداث سوى تاريخ تحول انتباهنا نحوها؟.. من الذي يستطيع أن
يختار نقطة من الزمان، ليقف إزاءها، ويقول.. هنا تبتدئ قصتي، أو أية قصة
كانت؟..
ومع هذا، أراني
مرغماً على اختيار مثل هذه النقطة..
متى أبتدئ؟..
أحين وصلتني رسالة من فراس استعجلتني لزيارته؟.. وقوله.. "..ألا تود أن ترى
صديقك قبل أن يغوص في أعماق المجهول؟.. تعال إذن.. أسرع!.."
أحين أسرعت
إليه، وإلى دمشق؟..
* * *
القســـم الأول
الفصـل الأول
ص9-14
دخلت عبر
دمشق عالماً كنت أظنه أسطورة..
لكل باب
وجهان.. وجه للمارة، ووجه لمن دخل عبر الباب، ثم استدار ليرى وجهه الآخر..
أما أنا، فدخلت دمشق مستنيراً بمشعل يحمله غيري، يحمله إنسان لا ينتظر
المتلكئين! بتّ أخاف إذا التفت لأرى وجهه الخلفي، أن يسبقني المشعل، فأفقد
النور، وأضلّ الطريق.
فراس كان
دليلي، وفي الدليل يفترض التجرد.. لكن هذه القصة كانت عالم فراس وكان هو
بالذات مرشدي إلى خباياه، فأين تنتهي الحقيقة، ويبتدئ الخيال؟..
كنا في
الماضي كأوثق ما يكون عليه صديقان من ارتباط.. لكن واحدنا لم يسع بأكثر مما
تسمح ظروفه للقاء الآخر.. أما وقد قضيت شهوراً في دمشق، رافقت فيها أولى
مراحل قصة فراس، باتت هذه الزيارة فاتحة اتصال دائم بيننا، تابعت فيها
أحداثها التي أروي بأخلص ما استطعت.
لم أجد
جهداً كبيراً في جمع حوادث ما أكتبه.. كان فراس يطلعني باستمرار على ما
يجري له برسائل، رحت أنسقها، وأستخلص الأحداث من خلالها. وعندما كان يستعصي
علي فهم بعض الملابسات، كنت أسعى للقائه لأستطلع ما خفي عني من دقائقها.
لكن اهتمامي بهذا العالم الجديد سرعان ما ازداد، حتى وجدت نفسي أنساق في
أروقته كالمسحور. أحبه وأعجب به تارة، وأكرهه تارة أخرى.
واقع لزج،
أشعرني مراراً أني على وشك الاختناق.
أنا لا أقصد
بهذا القول عالم الأسطورة والوقائع المثيرة.. بل غرابة في بنيان هذا الشرق
لم أفهمها، أكاد أقول.. ازدواج في شخصيته. لعلني أستبق الأحداث حين أذكر
حواراً دار بيني وبين فراس، لكنه حوار قصير، وقصتي طويلة فلا بأس أن أذكره
الآن..
قال لي..
_"إن
شئت أسميتها علّة.. وإن شئت أسميتها واقعاً؟.. دعني أشرح لك.. لئن صح قول "لايبنتز"
بأن اللغة خير مرآة للنفس الإنسانية، فالعلة تكمن في أن لدى الشرق اليوم
نفسين.. تحاكي الواحدة منهما لغته الفصحى، بكل ما في هذه اللغة من عظمة
وبطولة.. وتجاري نفسه الأخرى لغته العامية بما في هذه العامية من هزالة
وضحالة وفكر محدود!.. ولئن صح قول فلاسفة قرننا بأن فكر الإنسان ولغته
مرتبطان إلى حد أنهما يشكلان وحدة تامة لا تتجزأ، بحيث يستحيل على المرء أن
يفكر بغير ما تسمح له لغته.. لئن صح هذا القول، ولا شك عندي أنه صحيح، فهل
هناك أغرب من الشرقي، لا يفكر سوى بلغته الفصحى، لغة السيف، في عصر الذرة
والاقتصاد؟.. وما أتفه الشرقي الذي لا يعرف ولا يفكر سوى بلغته العامية!!"..
_إذن..
الشرقي الذي لا يتكلم سوى لغته العربية، ضائع بين أحلامه الفصحى، واقعه
العامي؟!..
_بالضبط..
_أليس
هنالك حل وسط؟..
_الحل
ليس في يدي الأفراد!.. سيأتي الحل حين يجد العرب وسيلة للتعبير، ومن
خلالها، منطلقاً في التفكير، لا يحمل في طياته أصداء معتقدات ومفاهيم
أخلاقية، وذكريات أمجاد لا تمت لواقعهم الحقيقي بأية صلة!.. لكن هذا حديث
يطول.. مالك ولمشاكلنا المعقدة؟!.."
كنت في
طريقي إلى مطار" أورلي "، مرحاً لأن نداء فراس هيأ لي العذر لمغادرة بلدي
باريس، سعيداً بالتطلع إلى قضاء عطلتي الصيفية معه.
لم أكن أدري
يومها أنني كنت أبحث عن شيء بذاته في صديقي.. وأن مرجع قلقي تجاهه كان عدم
وضوح ما أسعى إليه..
كان الشرق
أحجية تشغل من نفسي حيزاً كبيراً، من الطبيعي أن يتجسد القسم الأكبر منه
بفراس وغيره ممن عرفتهم فيه. تجول في رأسي تساؤلات عدّة، ماذا وراءهم؟..
كيف يعيشون؟.. ماذا يحركهم.. وإلى أين؟.. رحت أنظر إلى من عرفت من الشرقيين
باحثاً عن الأجوبة، أسئلة، ظننت أنني كنت أطرحها بوضوح وموضوعية متجردة.
جلست في
الطائرة أعيد قراءة رسالته.. " قبل أن أغوص في أعماق المجهول ".. أي مجهول
تراه يعني؟.. ألا نهاية للمفاجآت في حياته؟.. لكن شوقا إليه استبد بي، فرحت
أضحك في سري، وأستعيد ذكريات الطفل فيه.
ثم تهت في
أفكاري..
نظرت من
نافذتي الصغيرة.. خواطر لا قيد لها.. الأرض تزحف ببطء ممل..
غريب هذا
الهدوء!.. ألم أترك تحتي طرقاً واسعة تتسابق على أسفلتها ألوف البشر نحو
مدن تعج بملايين الناس، يقتتلون في سبيل الشهرة أو الرزق أو الاحتكار؟..
أليست هذه الخطوط الواهية التي لا أكاد أميزها هي تلك الطرق التي يقتتل
عليها الناس؟..
أليست هذه
البقع الداكنة، البعيدة، الصامتة، مدناً تتناطح فيها ملايين الأهواء
والآمال؟..
وهذه البقع
القاتمة الساكنة، التي تنقشع عنها بُسُط السحب البيض.. أليست غابات، لو
اقتربت منها، لوجدتها تطفح بالحياة والتآكل والموت؟..
أين أنا من
كل هذا الآن؟.. أين حشرجة عجلات الطائرة على مدرج كاد يلتهمها قبل أن
تقلع؟.. ودبيب المخلوقات؟.. وأنفاسها؟.. أين الطرق والمدن، والغابات،
والجبال، والوديان؟..
كيف تساوت
كلها إذ علوت؟.. ثم بهتت حين ابتعدت، ثم ضاعت!.. ضاعت؟.. هل ضاعت؟..
أسدلت ستار
نافذتي الصغيرة متعجباً، وأغمضت عيني مستسلماً لهدهدة المحركات.. عالمي
الآن فقاعة معدنية تنساب في أحشاء الأثير!.. فقاعة معدنية!..
والعالم
الآخر؟.. أين هو؟.. ذكرى؟.. معرفة؟..
وما هي
معرفتي هذه؟.. ذاكرة؟.. أثر شحنة كهربائية على إحدى ألوف ملايين الخلايا
التي في دماغي؟..
ألهذا يؤول
وجود الأرض؟.. إلى شحنة كهربائية؟.. إلى وجود في وجودي؟.. ابتسمت في سري،
هزئت متعجباً، أهكذا كان يفكر "بركلي" ؟..
لاحت في
مخيلتي صورة فراس، ليته كان معي لأحدثه بما يجول في ذهني، كنت في طريقي
إليه، هل غير الزمان من طباعه؟.. لا أظن ذلك.. الناس في تطور، وفراس يشعر
أنه قد وصل..
وصل؟.. إلى
أين؟.. إلى ماذا؟..
من أي معدن
هو خيط " أريان " الذي يهتدي به؟.. وبضوء أي منطق تراه يستنير؟.. هل يتيه
في عالم الخواطر مثلي؟.. يطرح أسئلة لا يجد أجوبة لها؟..
لابد أن
هنالك حلولاً كثيرة تستعصي عليه، فالتناقضات حيث سرنا، ومعرفة أسرار الوجود
لم تُعطَََ لأحد.. لكن فراساً لا يقف موقفي من هذه الأمور، ولا يطرح على
نفسه الأسئلة!..
الناس إما
عارفون بالشيء، أو جاهلون به.. أما هو.. فلكم أوقعني في حيرة بما أفهم منه..
ماذا أقول..
أيعرف فراس ما يجهل؟.. أيجهل واعياً ما يعرفه. إنه يرفض أصلاً هذا المنطق
أو مثل هذا التصنيف.. ألم يقل لي مراراً: " سيأتي ذلك اليوم الذي فيه ستسقط
منطق أرسطو من زادك.."
نقلت
المكبرات صوت قائد الطائرة.. " نحن نحلق الآن فوق قبرص.. سنهبط في دمشق بعد
نصف ساعة ".. دمشق!.. أتيت دمشق لأول مرة منذ عامين، حللت إذ ذاك ضيفاً على
صديقي، وقضيت في صحبته أشهراً عدة..
ما أحزن
الذكريات التي تركتها تلك الزيارة في نفسي..
قيل لي إن
في دمشق دمشقيين تعكس حياتهم وتصرفاتهم خضرة بساتينهم، ودماثة الجداول التي
تمر في بيوتهم.. فتشت عنهم فلم أجدهم، بحثت عن بقاياهم حتى ملني البحث..
أين هم؟.. ترى ماذا حلَ بهم؟..
كرهت الشرق
لفرط شغفي به!.. لا ريب أنها مرحلة يجتازها.. أو سأجتازها أنا.. تخلف
سيتخطاه.. أو نقمة، سأنساها!.. لكن الفرق شاسع بين كاتب غربي مثلي، يدوّن
الأحكام على أوراقه، وبين إنسان يعيش هذا الواقع عن كثب، ويتعذب من
تناقضاته!..
ما أسهل على
نفس الإنسان ألا تعرف سوى عالمها فتعيش قانعة به، غير مدركة لنقصه وعيوبه.
وما أكثر هؤلاء القانعين في تلك المدينة..
حتمية
تاريخية يمر بها الشرق.. ولابد وأن لها من آخر..
قد يحزن
الإنسان على جمهور متأخر يطبل ويزمر لفنانين وأدباء باهتين.. جمهور ينصب
على نفسه حكاماً من طينته.. حلقة تكاد تكون مفرغة، يؤذي المتأخرون فيها
بعضهم.. يأسف لها الإنسان، لكنه لا يبكي!.. إنها دراما، ولست بتراجيديا!..
إن ما يبكي
في الأمر، أن المأساة بأوسع معانيها، هي مكان الفنان الحق، وموقفه من هذه
الجماعة، ثم مصيره على أيديها..
ماذا أقول..
لو أن العالم بأجمعه كان على نسبة واحدة من التخلف، لسهل الحل أمام الفنان
الواعي، ولكان صمته، أو موته في بعض الأحيان، حلاً لأسبقيته!.. لكن،
والعالم كما هو عليه من اختلاف في درجات الحضارة، فما أقسى أن يولد لجماعة
متخلفة إنسان سباق حق، ليجد أن لا مكان له على أرض يحبها!.. فنان تتنازعه
نداءات حضارات أخرى، فيسد أذنيه، يمزقه الإغراء أمام غناء حوريات البحر،
بينما قومه، خلافاً لقوم " أوليس " يجرحونه، ويدفعونه إلى بتر جذوره
واللجوء إلى غير قومه، وغير أرضه..
جال في ذهني
قول آخر لصديقي..
_يقول
" هولدرين " : " يمكن للإنسان أن يسقط إما إلى الأعلى أو إلى الأسفل "..
فما أقسى على الفنان أن يرى جهل قومه يدفعه لأن يسقط إلى فوق!!..
لم أكن
أتصور قط بأن زيارتي تلك ستنتهي بزواج صديقي.
أذكر يوماً
جلسنا فيه في إحدى مقاهي باريس، وإذ كنت أحرضه عى الزواج من فتاة إفرنسية
أحبَها، قال لي متهكماً بلهجة المعلم، وكأنه يقرأ في كتاب : " الزواج مؤسسة
أوجدها المجتمع للحفاظ على الملكية الفردية.. إن أول إنسان قال " هذه أرضي
" وأراد أن يرث أبناؤه عنه ما ملكه، كان عليه بالطبع أن يضمن صحة ما ينسب
إليه من بنين.. فامتلك في بادئ الأمر المرأة، فإذا ما تطور المجتمع، وتطورت
بالتالي ملكيته للمرأة، تحولت إلى ما نسميه اليوم " زواجا ً"، ثم أوجدت كل
بيئة نظاماً، أو عقداً لهذه المؤسسة يتوافق مع ظروفها الخاصة.."
ما الذي حدا
به إلى الزواج إذن؟.. يرفض الزواج من فتاة أحبها وأحبته، ثم يعقد لنفسه على
فتاة شرقية لا يكاد يعرفها..
ألأنها
شرقية؟.. أين الشرق وأين ما تحمله هذه الكلمة من حضارة وصور، مما هو عليه
الشرق اليوم؟..
صحيح أن
فراساً هو الآخر ولد في الشرق.. لكن ظروفه شاءت ألا يتشرب منه سوى عبير
صنوبره ودفء تربته الحمراء.. تلقف من الغرب ثقافته، فغدا نبتة برية صلبة
الساق، قوية، تفوح للشرق منها حضارة الغرب، بمنطقه وتنسيقه، وإن تحركت في
الغرب، تبوح بشذى شرقي، وثقة بأصالة تاريخ يعود إلى آلاف السنين.
  
القسم الأول
الفصـل الثـاني
ص19-23
_أما
زلت تذكر كيف كان لقاؤنا الأول؟..
كان فراس
يقود سيارته في نزهة هادئة في ضواحي دمشق الوارقة، ضحك، وقال دون أن ينظر
إلي..
_أذكر
كيف كنت تتفحصني في بهو الأوبرا الزجاجي!.. وأضاف مازحاً.. هل يمكن للمرء
أن ينسى تلك النظرات؟..
أجبته
على الفور..
_تستغرب
نظراتي ؟!.. كيف لا أتفحصك، حين أراك في لباسك الأسود الأنيق بالأوبرا، ثم
أذكر أني شاهدتك في اليوم ذاته بزيّ بحّار، تعلو أذنك لفافة دخان، بينما
تعزف ألحان باريس القديمة على أرغن يدوي أمام مقاهي الحي اللاتيني؟!..
بحقك كيف
تود ألا أتفحصك؟!!..
فقهقه في
مرح..
_وهل
تذكر الفتاة التي كانت معي؟..
_لا..
لم تلفت الفتاة انتباهي في بادئ الأمر، ولكنني حين عدت إلى المقهى، في
اليوم التالي، لأتحقق من أمرك، رأيتكما تقتربان، حتى إذا ابتدأت بالعزف،
تحينت فرصة اقترابها مني، وسألتها عن هوية الرسام الذي كانت تعرض رسومه
للبيع..
_رسوم
بالحبر الصيني؟..
_نعم،
رسوم جيدة، موضوعها شاب يشبهك، في زي بحّار، له لحية، ولفافة على أذنه،
متكئ على شجرة، يعزف على أرغن "بارباري"!.. صورتك بالذات!..
_وبماذا
أجابتك الفتاة؟..
_أذكر
أنها قالت بلهجة مسرحية طريفة.. " إن الرسام يا سيدي، هو هذا الموضوع الذي
تراه على الرسم.." ثم نظرت إليك:.." هو هذا الأباشي الذي تراه متكئاً على
الشجرة " ، ومدت ذراعها بحركة مسرحية نحوك، ثم قالت.. " هو مكسيم!..
مكسيمنا الشهير" !.. وأنت، ماذا فعلت أنذاك؟.. هل تذكر؟..
_لا..
ماذا فعلت؟..
_كنت
تنظر إلينا.. وإذ أشارت الفتاة إليك بذراعها، حركت قبعة البحّار التي على
رأسك إلى الأمام، حتى كادت تغطي عينيك، وقمت بانحناءة مسرحية فيها الكثير
من التهكم والمزاح!..
عاد فراس
إلى القهقهة.. ثم أعقب بشيء من الشرود.
_بودي
لو أعرف ماذا حلّ بهذه الفتاة.. كانت جميلة طموح، من أصل إسباني، واسمها "
بيبيتا " أو هكذا كانت تقول!.. ولها صديقة جميلة كانت تغني في " التابو " ،
دارت الأيام، فإذا بصديقتها تصبح " جولييت جريكو " الشهيرة!.. أما هي فقد
غابت أخبارها عن الحي، لا أحد يدري إلى ماذا آلت!..
سكت
فراس.. طارت ذكرياتي إلى حي " السان جرمان "، وكيف ابتعتُ عدداً من تلك
الرسوم التي كانت تحملها الفتاة، طالباً منها أن تعرفني إلى " مكسيم "..
إلى فراس..
مكسيم..
اسم اتخذه فراس لنفسه في باريس.. أتراها نزوة من نزواته؟.. أم هرباً
لاشعورياً من كل رباط بحاضر أو بماض أو بمستقبل؟..
أذكر أني
سألت يوماً صديقاً له عن رأيه فيه فأجاب: فراس إما مجنون، أو إنسان على
درجة عالية من الذكاء، يلهو ويهزأ من الجميع..
نظرت
إليه، وإذا به يمعن النظر إلي..
_هل
عدت إلى البحث والتدقيق؟..
ابتسمت،
لعل مظهري كان قد اتخذ طابع الجدية المضحكة!.. أشعلت لفافة وسألته مغيّراً
مجرى الحديث..
_ماذا
تنوي أن تفعل الآن؟.. ألا تحدثني عن المجهول الذي أنذرتني أنك ستغوص في
أعماقه؟.. ألا تفكر أبداً بالرجوع إلى باريس؟..
_سأذهب
إلى الشرق..
_ألست
في الشرق؟..
_مزيداً
من الشرق!..
_أي
شرق تعني؟..
_إلى
الصحراء والرمال.. إلى الخيام والخيل والبدوالرحّل!!..
ومدّ يده
كمن يشير إلى أفق بعيد..
_أجادٌ
أنت؟..
_طبعاً!..
_وماذا
ستفعل هنالك؟..
_هيئ
نفسك لهذه المفاجأة!.. سأقوم بإدارة مشفى أو شركة إسمنت!..
لم أستطع
أن أخفي عجبي وحيرتي..
_وماذا
تعرف عن إدارة المشافي أو شركات الإسمنت؟.. ما علا قتك بهذه الأمور؟..
ضحك
طويلاً.. أوقف سيارته في مكان هادئ، ثم قال وهو يشعل لفافة شرع يدخنها
بهدوء..
_أتذكر
الأمير هلال؟.. سفير بلاده في باريس؟..
_أذكر
أنك حدثتني عنه في الماضي.. وعن مرحكما حتى الصباح حين كنت تريه مجاهل
باريس!..
_بالضبط!..
وتابع
وهو لا يزال يبتسم..
_إن
لزوجة هذا الأمير أختاً تدعى ميساء هي صديقة زوجتي، والسبب في قراري هذا..
تنبه
فجأة إلى أمر، فاستدار نحوي بحماسة طفولية ظاهرة..
_يجب
أن أحدثك عن لقائي الأول بها.. ألديك مانع؟..
_طبعاً
لا!..
صمت فجأة
ثم قال..
_لم
أكن أدري بصداقتها لزوجتي إلا منذ حين.. كنت قد مللت التعرف إلى صديقات
زوجتي.. مللت زينتهن الموحدة.. وعقولهن الفارغة.. وتعليقاتهن المتشابهة. "
كم أنت محظوظ بزواجك يا فراس ".. " قلما اجتمعت العفة والتحرر في امرأة
مثلما اجتمعت في زوجتك ".. " سيدة صالون من الدرجة الأولى ".. وما أن كانت
تسنح لبعضهن فرصة التحدث على انفراد، حتى كن يشرن إلى قبحها بأقوال مثل.. "
لقد أحسنت الاختيار يا فراس.. فالجمال ليس كل شيء!.. " " إن زوجتك ست بيت..
وفي هذا ما يعوضها عن جميع ما قد ينقصها من الأمور الأخرى.. " فلما أصرت
زوجتي على أن أتعرف بميساء.. " صديقتها ميساء ".. " أخت زوجة الأمير هلال "
هيأت نفسي لأسوأ الاحتمالات.. وأيقنت أن هذه الصديقة ستفوق جميع من سبقنها
في فن إطراء زوجتي والمبالغة في وصف مزاياها!..
سكت
قليلاً ثم تابع..
_دهشت
لما رأيتها.. أقبلت أصافحها بصمت وأنا أنظر إلى شعرها الذهبي المتهدل على
كتفيها.. وأعجب بنظراتها الذكية المتفحصة!..
مازالت
تعلو شفتيها ابتسامة رسمت لحظة دخلتْْ، وإذا بها تقول بعد تردد..
_..
وأنا كذلك!..
أجبتها
دهشاً..
_ماذا
" كذلك " ؟..
_أنا
الأخرى لم أكن أتوقع أن تكون على هذا الشكل!..
فاجأني
تعليقها، فقلت..
_يالك
من مفاجأة سارة!..
لكنها
أردفت وكأنها لم تسمع ما قلت..
_ربما..
ومن طينة واحدة كذلك!..
_ربما!..
وإزاء
الصمت الذي تلا حديثه وجدتني أسأله..
_ولكن
ما علاقة هذا بأمر عملك الذي حدثتني عنه؟..
_كل
العلاقة.. إذ نشأت منذ ذلك اليوم صداقة بيننا لا علاقة لزوجتي بها.. حاولت
ميساء من خلالها على حد قولها أن تخرجني من قوقعتي.. أو " أن تدخل إلى
عالمي نفحة إنسانية ".. لابد أنها كانت تراني جاف الطباع!..
حدثته
ميساء عن أشياء كثيرة كان يجهلها عن الشرق.. حدثته عن عالم أختها قطر
الندى، زوجة الأمير هلال.. عن الخيل، والصحراء، وأمراء الرمال، وأميراته،
حتى أحيت في نفسه شوقاً إلى تلك البقاع.
لم يكن
فراس قد التقى بأختها قطر الندى زوجة الأمير هلال بعد، ولم يكن قد مضى زمن
طويل على معرفته ميساء، لذلك لم يطلع زوجته ولا ميساء على معرفته السابقة
بالأمير.. لعله أرادها دعابة في بادئ الأمر.. أما وقد أنس في نفسه ميلاً
جاداً للذهاب إلى الشرق.. حدث ميساء وقرر إزاء اقتراحها أن تسأل صهرها
الأمير هلال، عن فرص العمل في بلاده، أن يكتم أمر معرفته السابقة بهلال،
تاركاً للأمير الخيار في الكشف عن هذه المعرفة..
وتابع
فراس..
_تحيّنت
ميساء فرصة مرور الأمير في بلدها وحدثته عن الأمر، فأبدى اهتماماً دون أن
يشعرها هو الآخر أنه على معرفة بي.. حتى ظننت في البدء أنه سها عن معرفتي،
لكن سرعان ما أيقنت عكس ذلك، لا أخال إلا وأن له هدفاً بعيداً ستكشفه
الأيام!..
_أهو
الذي مكنك من هذا العمل؟..
_إنه
يملك كلا من شركة الإسمنت والمشفى!.. سيان عنده أن أكون على رأس هذه أو ذاك!..
  
القسم الأول
الفصـل الـرابع
في
القصر.. أو هكذا كان يسميه من يؤمه.. استقبلت قطر الندى ، زوجة الأمير
هلال، فراساً وزوجته..
القصر
فوق رابية تطل على العاصمة.. وفي قصة فراس عواصم كثر.. الجميل منها
والقبيح، الشرقي منها والغربي، أما هذه العاصمة بالذات، فغريب أمرها، هي
العاصمة والدولة في الوقت ذاته، ولنقل شبه عاصمة لشبه دولة!.. وما كانت
لتصبح هكذا لو لم يكن أفرادها أشباه رعايا، أشباه مثقفين، أشباه جهلة،
أشباه متفككين!.. قوم يجهلون واقعهم، ويبحثون عن وجه لهم بين أنقاض تاريخ
طويل، ويرون في الأطر التي يختارونها لوجوههم أوسمة يفاخرون بها، وهويات
يتبنونها!..
والأميرة
قطر الندى شبه أميرة في شبه قصر!..
أما قطر
الندى المرأة.. فصوت أبح أخاذ.. عينان يقظتان في جسد ممتلئ فارع، وأعصاب
ثائرة تحدّ عبثاً من هدير أنوثتها الجارف..
لم تكن
قطر الندى أجمل أخواتها أو أذكاهن..
فالكبرى
كانت تفوقها علماً وحضور بديهة، اختارت الثقافة رحالة أسرجت بها طموحها
وانطلقت لا تلوى على شيء!.. سعى أحد الأمراء إلى الزواج بها، فازدرته،
وآثرت عليه رجلاً من بيئتها.. لم تكن تصبو إلى المال أو ما يشترى بالمال من
سؤدد، لطالما تمنى والدها أن يكون بكره ذكراً ليرث السلطة من بعده.. لعلها
في أعماقها كانت تود لو تكون ذك الذكر لتصل إلى ما يصل إليه الذكور من أمرة.
وكما لا
يمكن لملكين أن يعتليا عرشاً واحداً، ورغم ما لميساء من بأس في مضمار
الثقافة، لذلك لم تنازع أختها الكبرى ما اختارته لنفسها من حدود، فاختارت
السحر ميداناً لها، واعتمدت الدلال سلاحاً، جهزت له في ذلك عينيها
الزرقاوين، وخصلات شعرها الأشقر!..
وبين
أختين تكبرانها، اعتلت كل منهما قمة أقسمت ألا تزيح عنها قيد أنملة، وجدت
قطر الندى نفسها تكاد أن تكون خاوية الوفاض مما يمكن لها أن تعتز به!.. فلا
هي، رغم جمالها، من الجمال بما يتيح لها أن تفاخر ميساء، ولا هي رغم
ثقافتها، من الاطلاع وقوة الحجة بما يسمح لها أن تناهض أختها الكبرى.
طفولة
غير سعيدة بين أب عملاق ظالم، وأم جاهلة، وأختين متشامختين! فلماذا لا تقبل
بهلال كمنقذ لها من سأمها؟!.. وهل يمكن لغير أمير شاب ثري أن يرفع من شأنها
ويوصلها إلى ما تشتهيه من عزة وبأس؟!..
هلال
إنسان مذنب لا يعرف ذنبه.. هو ابن سلطان، وأخ سلطان في عالم كان والده فيه
أول سلاطينه!..
ولد بين
جدران قلعة كبيرة من طين.. وشب على الرمال بين قوم سعيد منهم من لبس حذاء..
حتى إذا أغدقت الطبيعة من ثروتها على والده الشيء الهائل، ناب أمه، وهي
المحظية الأولى لدى السلطان، من الثراء الشيء الوفير..
ما ذنب
هلال سوى أن ثراءه أتاح له أن ينتقل من القرون الوسطى إلى القرن العشرين
بطائرة خاصة؟!..
بيعت قطر
الندى إلى الأمير هلال لقاء حلي، وقصر، ووعد منه بدعم أهداف عائلتها
السياسية بما له من نفوذ مالي واسع..
أجمع
القوم على أنها " زيجة " ولا أروع.. وكي لا تُتّهم عائلتها بتضحيتها من أجل
المال، راح جميع أفرادها يسعون إلى المجالس ويتحينون الفرص كي يؤكدوا بأن
هلالاً، خلافاً لإخوته الثمانين، رجل مثقف، يتكلم الانجليزية، ويقضي معظم
أيامه في أوروبا!.. أما عن حياته الخاصة، فقد حاروا كيف يؤكدون للناس بأنه
لا يقتني من الجواري سوى عدداً يسيراً، وأنه سيعتقهن حالما يتم زواجه بقطر
الندى!.. أما ابنه الذي تجاوز عمره الخمس سنوات، فأكدوا للجميع بأنه ليس من
" زوجة شرعية " سابقة، بل من جارية نكرة لا يذكر أحد اسمها!..
زفت قطر
الندى إلى هلال في حفل يزخر بالبذخ والمال والبلادة!..
قُلدت
العروس بالماس والذهب، وحصل جميع من كان حاضراً زفافها على الهدايا
المتوقعة!.. وما أن سأل قاضي الشرع عن قيمة المتأخر، حتى استل هلال من جيبه
دفتر شيكاته، ووقع على ورقة منه أعطاها إلى قطر الندى، طالباً منها أن
تملأها بالمبلغ الذي ترتئيه!..
كانت هذه
مفاجأة فغرت لها أفواه الجميع!.. أهذا تحدّ؟ حب جنوني؟!.. أم هي طريقة
الأمراء في احتقار المال؟!..
أعطت قطر
الندى الشيك إلى عميد العائلة، وبعد تشاور بسيط، نهض هذا وأعاد الشيك
للأمير قائلاً إن العائلة لم " تبع " قطر الندى لهلال، بل قدمتها " هدية "
له!..
لم يهزأ
أحد من هذه الحادثة!.. ولم ير الحاضرون فيها سوى النبل في العائلتين!..
قالوا..
" حقاً.. لا تولد العظمة إلا من ارتباط العظماء
"!..
لم تمض
أيام على هذا الحدث الكبير، حتى حصل عميد العائلة المذكور على ستين ألف
دولار من أحد المصارف، كفله بدفعها هلال!.. ولم تمض عدة أيام حتى دُفع هذا
المبلغ نقداً إلى أحد الزعماء السياسيين كي يدرج اسم العميد في قائمته
الانتخابية الرابحة!..
بعد
زيارة قصيرة لبلاد هلال، تعرفت قطر الندى أثناءها إلى والدة زوجها، وإلى
حشد لا آخر له، من الأمراء والأميرات، اختارت الغرب لتمضية شهر العسل.. ففي
الغرب أبهى الملابس، وأثمن المجوهرات وأروعها.. وللغرب اسم آخر للقبها
الجديد، اسم له وقع أطرب في نفسها، ومعنى أجلّ..
ألم تقض
الليال الطويلة وهي تردد في خلدها أنها ستصبح أميرة، " أميرة".. " أميرة "،
ومن يدري، لئن أحكمت دورها في الغرب فلسوف يوجه إليها الكلام مسبوقاً ﺒ ..
" يا صاحبة السمو الملكي
"..VOTRE ALTESSE ROYALE
أجل..
وستجري عملية جراحة لأنفها ككل ذوات الشأن!.. إذ من منهن تضاهيها جمالاً؟..
لئن كان عند بعضهن مسحة من جمال، فمن منهن تصل إلى مستوى إصبع قدمها
الصغيرة بالثقافة والمدنية وإتقان العادات الغربية؟.. وعلاوة على هذا.. فمن
منهن لها مجد أبيها الراحل؟!..
وخطر في
الغرب زوجان سعيدان.. هلال فخور بعروسه الجميلة، أكبر مجوهراته، " جوهرته
المتحركة " ، وقطر الندى كالدمية ترفل بعزة زوجها وسؤدده، وتمني النفس
بتحقيق آمال طفولتها العظام!..
وكان لها
ما أرادت!..
غدت
فجأة.. " صاحبة السمو الملكي ".. أميرة، بالإفرنسية، والإنكليزية،
والإيطالية، وأينما تنقلت، وحيثما حلت، ينحني أمامها الجميع، وتلثم يدها
الرجالات والسفراء!!..
نزلت
أسواق العواصم الكبرى تنهش من مفتخراتها ما لذ لنهمها وطاب، حتى غدا متاعها
الشخصي يزيد على الخمسين حقيبة، تنقلها معها حيثما ذهبت!..
كان
للمال والبذخ أثر آخر على نفسها، إذ سرعان ما تعودت الأمر والنهي، وبات
كلامها العادي مليئاّ بالتعالي وعدم المبالاة!..
تحولت
أحلام العظمة إلى دم يرف في عروقها، وتضخمت حبابة التيه التي بدأت بها
رحلتها، فأصبحت فقاعة كبرى علت إلى رأسها وطفت، حتى بات ذلك الرأس الجميل،
وكأنه مجبر على العوم فوق كتفيها الأبيضين، غير عابئ بما قد يقف في طريقه،
كأنما بات من المستحيل عليه أن يطأطئ لأحد!..
مرت
شهور، وضاق هلال ذرعاً بهذا التحول الذي طرأ عليها.
أشعرها
بضيقه مراراَ، فلم تكترث.. لمّح إلى إسرافها، فأصمت أذنيها!.. ألم تتزوجه
لأنه أمير ثري ؟..
ما
قيمة ما تبتاعه بالنسبة لثروته الطائلة؟.. ألا يملك مئات الملايين؟!.. وهل
للفتاة أكثر من شهر عسل واحد في حياتها؟.. فإن لم تشبع رغبتها بالشراء
الآن، فمتى تشبعها؟!.. أحين تشيخ، والزينة حينئذٍ لن تليق بها؟!..
خيل
إليها أنها أحبته حين كان يحب نزواتها!..
كانت
تعود إلى الفندق مسرعة، تنتظر السعاة بلهفة لتريه ما ابتاعته. كان حبها
يزداد له بازدياد عدد الطرود، وبازدياد ما تسمعه من استحسان كلما فتحت
طرداً جديداً أمامه، وكلما سمعته يردد.. " جميل ".. " جميل
"!..
مالها
اليوم تغص من نظراته!..
ما لحبها
ينقص كلما تابعت فتح الطرود وأحست بامتعاضه وازدرائه لما تبتاعه من ثياب؟!..
كان هلال
في حرج من أن يفاتحها صراحة بأمر إسرافها، وكأنما أدركت حرجه هذا،
فاستغلته، لتتابع ما سارت عليه!..
ولما جاء
يوم عيل فيه صبره، وبخها، فلم تذعن، بل أحست أنها تخوض معركتها الأولى معه،
وأن لابد لها من أن تنتصر، أو على الأقل، أن تفهمه منذ البدء أنها ليست ممن
يستسلمن بسهولة!..
ناهضته
حتى جف حلقها، وما تعود هلال أن يناقش بل يطاع، فلما أعيته الحيلة في
ترويضها، أطلق غضبه، وزجرها بشدة، فما كان منها إلا أن أجابته بمثل ما
زجرها به!..
شحب وجهه..
_اخرسي
أيتها القذرة!.. سأقتلك إن أعدت الكرة
!!!
أدركت
أنها تجاوزت حداً لم تعد تدري كيف تتراجع عنه..
قالت
مترددة، جاهدة أن تبدو كمن لم تفققد ثقتها بنفسها..
_حسناً!..
لاتعد إلى مثل هذا الكلام..
انفجرت
من صدر هلال صيحة مروعة..
_أحذرك!..
أحذرك أن تنسي بعد اليوم أنك لست أكثر من امرأة!.. أحذرك أن تنسي من أنت أو
تنسي أنك تخاطبين أميراً.. وابن ملك!..
مادت
الأرض تحت قدميها..
أدركت
فجأة، كصفعة تتلقاها على وجهها، أن بإمكانها، أن تترفع عن جميع أهل الأرض
من دونه!..
لئن
أصبحت أميرة فذلك بفضل زواجها منه، وإن نعمت بالثراء، فليس ما تنعم به سوى
فتات من بقايا مائدته!..
أحست
فجأة بأنها تتمنى لو يزاح هذا الإنسان من الوجود.. تمنت لو يموت، إذ
بإدراكها لمكانته، أدركت أن كلمة واحدة منه تستطيع أن تحطم ما ابتنته
لنفسها من عظمة، وأنه الإنسان الوحيد الذي يستطيع أن يقوم بذلك.. إشارة
منه.. وتعود إلى العدم!..
طغى بعد
تلك الحادثة على نفس كل من الزوجين شعور بالكراهية نحو الآخر.. حل بينهما
جفاء ظنّا أنه سيلازمهما إلى الأبد,..
تحاشى كل
منهما الآخر، لكنهما لم يوفقا إلى ذلك وهما يؤمان الفنادق في الغرب..
أسابيع.. سرعان ما اتضح لهما بعدها أن الجرح الذي تركه ذلك الخلاف لم يكن
من العمق كما تراءى لهما في بادئ الأمر!.. لعلهما كانا في طريقهما إلى
تنامي تلك المشاحنة، لو لم يتدخل القدر ليحفر بينهما هوة لم تكن في حسبان
أحد!..
لم يكن
زواج قطر الندى لوحة بذخ فحسب، بل عرف الزوجان حسد الحاسدين ودسائسهم،
وتدخّل لدى الطرفين من الوشاة من أنذر كل منهما بمساوئ الآخر، وأطلعه على
خفايا حياته الخاصة قبل الزواج.
وكان من
بين هؤلاء من أكّد لهلال أن قطر الندى ليست بالبراءة التي تدعيها، بل أن
لها ماضياً حافلاً بالمعجبين، وأنها واظبت على لقاء آخر هؤلاء حتى يوم
زفافها!..
أهمل
هلال ما استطاع هذه الأقاويل، أنسته ساعات السعادة الأولى غيرته وظنونه،
لكنّ برود قطر الندى نحوه جاء يحرك الظنون في رأسه!..
تحركت في
خاطره صور كان يرى فيها قطر الندى تقبًل رجلاً لا يعرفه، يراه مطبقاً على
شفاهها بينما هي مستسلمة له، فيصمت لفترات طويلة، ويعتريه شعور بارد
كالموت.. يكاد لفرط امتعاضه، يود لو تموت على الفور!..
وكأن ذلك
الشجار جاء ليحرك النار تحت الرماد، إذ عاودته تلك الخيالات، وتلظى بسعيرها
من جديد، حتى أيقن أن برود زوجته نزوع عنه، وحنين منها إلى ذلك الماضي..
وكأن
القدر أراد أن يشفي غليله من غرور قطر الندى، إذ لم تمض أسابيع على ذلك
الشجار حتى وصلت إلى هلال رسالة تكشف أن لزوجته رسائل غرامية في حوزة
أحدهم، وأنه على استعداد للتنازل عنها لقاء مبلغ كبير من المال!.. وكي لا
يشك الأمير بأن هنالك حيلة في الأمر، ضمّن الكاتب مغلفه عينة من تلك
الرسائل!..
وعلى متن
يخته الكبير الذي ابتاعه بمناسبة شهر العسل، جلس هلال وقطر الندى يرشفان
القهوة، وينظران إلى شواطئ فرنسا بوجوم.
الشمس
تميل إلى الغروب.. والقوارب السريعة تمخر البحر، تحاذي اليخت، ثم تلف حوله
ناثرة رذاذ الموج عالياً، بينما أصحابها يمرحون ويهتفون إلى أهل اليخت
مداعبين.. فترفع قطر الندى يدها بتعب، وترد التحية ملوحة لهم ببطء، بينما
تنظر خلسة نحو هلال بقلب واجف يحس أن جميع هموم الأرض لا توازي ذرة من ثقل
التوجس الذي تعانيه..
هلال
ينظر إلى الرسالة، ثم إلى الأفق ثم يعود إلى قطر الندى..
يشرد وهو
ينظر إلى الفتية اللاهين، يود لو أن هذه الرسالة لم تصله!.. لو أن الأمر
ليس إلا حلماً مزعجاً!..
يحس
بملمس الرسالة بين أصابعه، فيعود إلى الواقع، يحدق في زوجته، يحار بما يشعر
نحوها.. يحار في كيفية مقتها!..
أراد أن
يسألها.. لماذا لم تطلعه على هذه العلاقة!,, لماذا؟.. أحس بعقم سؤاله، هبْ
أنها أطلعته، فما الذي كان سيتغير في الأمر؟!.. أليس في سؤاله هذا رغبة منه
في أن يصفح عنها؟!..
أحسّ أن
لاجدوى من هذا السؤال. ورغم ذلك، سألها، كان لابد له من أن يسألها..
¬_لماذا
لم تخبريني بأمره من قبل؟..
أراح
سؤاله هذا شيئاً مما في نفسها.. كأن قبضة مشدودة على عنقها بدأت تتراخى. لم
تجبه.. أحست ببارقة نور في مكان ما من هذا الظلام.. شيء ما في نفسها أكد
لها بأنها على وشك الخروج من هذا التيه.. لزمت الصمت..
_أجيبي!!..
ما لك تصمتين؟..
|