
بقلم
الكاتب: وليد الحجار

رحلة النيلوفر أو آخر الأمويين
مقدمة:
ماذا يفعل المرء إذا ما قادته الظروف لاكتشاف الجريمة الكاملة؟!
بماذا يجيب، إذا ما تصّدى له أحدهم بقوله: "وكيف تكون هذه الجريمة كاملة،
وأنت، بحسب ادعائك، قد كشفت سرّها؟!"
لكنها لكذلك!! جريمة فكرية مروّعة!! تفوق غرابة أحداثها الوصف!! تسربت
سمومها خفية عبر أذهاننا، وتمركزت في مصادر النقي في حياتنا الفكرية جزءاً
منها حتى استحال البتر، وأصبح الرجاء الوحيد يقع في معجزة بات المرضى
أنفسهم ألدّ أعدائها!!
فراس.. هجر الشرق في رواية "مسافر بلا حقائب".. بحثاً عن الحضارة المثلى
وخاب ظنه فيما وجده في الغرب من أسس آلية لحضارة استهلاكية براقة، جوفاء،
ينذر كبار فلاسفتها بانهيارها! ثم عاش أحداث وفضائح مجتمعات المال والحكم،
في الشرق الحديث، في رواية "السقوط إلى أعلى".. في عالم مركزه بيروت. تنبأ
لصورتها آنذاك بالانهيار منذ أواخر الستينات!
ها هو فراس، يعود إلى دمشق في "رحلة النيلوفر.." في محاولة لمدّ جذوره في
ترابٍ جُبل جسده منه، يعود إلى أزقة المدينة القديمة، لا سائحاً، مستظرفاً
قدمها.. بل "آخرالأمويين" باكياً على ما كان لها من بهاءٍ، شاهد مثله في
أزقة ودروب مدن الأندلس الشاميّة.. ينعم بها الأسبان، حتى اليوم، في قرطبة،
وإشبيلية، وغرناطة!!
المؤلّف
  
مقاطع مختارة من الرواية
القسم الأول
(ص32-34)
{- لكنك تعلم،
ولا بد، أن عدد المناهضين للنظرية العرقية، بين المثقفين، على الأقل، أكبر
بكثير من عدد أنصارها!
هز فراس رأسه،
نزقاً.. ورد على الفور
- إنك تخطئ مرة
أخرى، فأنا لا تهمني صحة النظرية العرقية، أو عدمها، فهي لشدة سخفها، لا
تستحق البحث.. إني إنما أتكلم عن طريقة ولادة هذه النظرية..! وتحولها، في
أذهان العامة، ولدى الجزء الأكبر من الخاصة! وذلك، عن طريق كلمة، أطلقت
جزافا، تسمية لشيء، ولها في الوقت ذاته جذور تمتد في مجال آخر.!
فإذا بالناس يتيهون عن الهدف الأصل، وينتقلون، عبر المعنى الثاني
لهذه الكلمة، إلى مجالٍ آخر، يسقطونه على المسمى.. فتُنقل التسمية، عبر هذه
الجسور، من اسم، لعدد من اللغات.. إلى تعريف لعرق إنسانيّ!!
هز "شارل غوستاف"
رأسه، كمن لم يستوعب تماماً معنى ما سمع.. وفي الوقت نفسه، بدا كأنه لا يود
أن يستزيد صديقه مما يسمع.. لكنه لم يلبث أن سأل.. متردداً..
- وهل لما تقول
من نتائج.. غير الذي ذكرت؟..
- أذكّرك على
سبيل المثال.. بعشرات التسميات التي يحلو لعلماء الآثار أن يطلقوها على ما
يكتشفونه في الشرق من حفريات..!"آرامي"، "كلداني"، "حتي"، "فينيقي"،
"آشوري"، "بابلي"، "سومري"، "آكادي"، "فرعوني"، الخ.. كل هذه التسميات،
لبضع مئات الوف البشر.. من أصل واحد.. كانت تنتقل على دفعات، بين حدود
جغرافية تكاد تكون محدودة! وهي، بدءاً من الجنوب، في شبه الجزيرة العربية،
إلى جبال طوروس.. سعياً وراء منابع المياه، والكلأ.. ثم جنوباً، على طريق
الساحل والأنهار، حتى مياه النيل..! وهل غريب أن يكون لهجرات وتنقلات هذه
الأمة الواحدة، لهجات متفاوتة، إذا تناءت؟.. وأن تبني لقراها، ومدنها،
حصوناً، لتحميها من غزو القريب، والغريب؟! ألم تكن، هذه، حال أوربا، حتى
القرن الثامن عشر؟! ما معنى أن يلقّب اليوم من عاش من الناس، منذ ألفي عام
من عرب، بالشعوب البابلية، أو الأكادية، أو السومرية.. ومن عاش منهم في
سوريا، وعلى سواحلها، بالكنعانيين، وبالفينيقيين.. وكل هذه تسميات لم تشتق
في الأصل إلا من اسم لهجة، أو لكنة، أو اسم قرية، أو ملك..
ما معنى أن نؤكد
الاختلافات في طريقة معيشة هؤلاء.. فنقول: إنه كان لكل منهم لغة، وحضارة،
تختلف عن الأخرى؟ حتى إذا رجعنا إلى مرجع آخر.. وجدنا علماء التاريخ يقولون
إن هؤلاء "الفينيقيين" مثلاً، إنما انتقلوا إلى تلك السواحل، بعد هجرات
متعددة، من اليمن، والبحرين، وأن سكان اليمن، والبحرين، كانوا، وما زالوا،
عرباً، حتى اليوم؟! قل لي بربك.. لماذا تختفي تسمية "عرب" عن هذه الشعوب،
متى تجاوزوا، في هجراتهم، بادية الشام؟!
صمت فراس هنيهة
ثم ضحك ساخراً وتابع..
- لا شك أن
للغرب عيناً ساهرة تخاف وحدة العرب، والإسلام! بعثت بمستشرقيها أمثال "دوساسي"
و"رينان".. ولجأت إلى أسلوب الغرب المفضل، في إطلاق التسميات المتعددة
الأهداف! فإذا لكل بقايا جدران قرية ما.. "جيش".. و"ملك"!! و لكل مدينة..
"مدنيّة" و"حضارات"!! ولكل اختلاف بسيط في اللهجة، أو في أسلوب الكتابة،
اسم جديد للغة جديدة!! مخالف تماماً، لاسم اللغة، التي تتكلمها الشعوب
نفسها، والتي تفرق بعضها عن بعض مئات من الكيلومترات!!
سأل "شارل"،
متعجباً..
- أتود القول:
إن كل هذه التسميات التي ذكرت، إنما تشمل أمة واحدة؟! وحضارة واحدة؟!
قال فراس، كمن يضبط صوته، كي لا يصيح في وجه صديقه..
- حضارة واحدة..
على قدر ما تقول اليوم إن للغرب حضارة واحدة في أوربا!.. هل تقولون اليوم،
في أوربا: "حضارة الغرب"، أم.. "حضارة إيطاليا".. و"حضارة انكلترا".. أو
"بلجيكا".. أو حضارة "فرنسا".. الخ؟.. إن اللغة اللاتينية قد تفرعت إلى
لهجات تطورت، وصار عنها كل من اللغات الإيطالية، والفرنسية، والإسبانية، و
البرتغالية! ورغم ذلك، فإنكم، حتى اليوم، تلقبون هذه اللغات، باللغات
اللاتينية!.. وحضارتها، بالحضارة الغربية! لو أن الحياة توقفت، فجأة، في
أوربا، اليوم.. وجاء علماء الآثار، بعد ألفي عام، ينقبون بين آثارها، فهل
ترى أنه يحق لهم تسمية ما كتب من "الهجات" الإيطالية، "لغات"؟! وإذا وجدوا
أن "ميلانو" كانت تتكلم الإيطالية، وباريس، الفرنسية.. فهل يحق لهم، الكلام
عن حضارة "ميلانية".. وأخرى "باريسية"؟! وهل ترى اليوم أن بينهما اختلافاً
حضارياً يذكر؟!
- لئن كان الأمر
على هذه البساطة المنطقية.. فلابدّ أن الكثيرين غيرك يعرفون هذه الحقائق..
فعلام تثور؟!
- ليس المهم أن
يعرفها بعض المثقفين.. إنهم لا يجرؤون على المجاهرة بها، خوفاً من أن
يتهموا بالخروج على قواعد سنها، ودرج عليها علماؤكم، من المستشرقين، طوال
قرنين من الزمان!!
- أنتم إذاً أمة
واحدة؟.. ولكم حضارة واحدة، منذ آلاف السنين! فلماذا هذا التناحر والاقتتال
إذاً.. لماذا لا تتوحدون؟ ..ها؟!
- وأنتم.. أبناء
الديانة الواحدة، والحضارة الواحدة، في أوربا.. أين تناحرنا نحن.. من
حروبكم؟! وأين حروبنا .. من مجازركم؟!
صمت الصديقان
برهة ثم ضحك "شارل غوستاف" وقال..
- صحيح.. أن
ضحايا الحرب العالمية الثانية وحدها بلغت الخمسين مليوناً من البشر.. ولا
أظن أن ضحايا حروبكم على مدى التاريخ، بلغت مثل هذا الرقم المريع!!.. قم،
تعال!.. لقد سئمت الجلوس.. لنتمشّ نحو الساحة الإسبانية.. إن لي بعض
الحاجات أود شراءها من شارع " الفراتينا"..}
* * *
(ص76-77)
{ خيم صمت طويل
على الصديقين.. طار خلاله خيال فراس إلى الماضي.. إلى الجزائر.. إلى يوم
جرى فيه حديث بينهما في القصبة..
كان عثمان
الوسيم إذ ذاك قد تربع أمامه على بساط مقهى عربي أليف.. تتوقد عيناه
الخضراوان بعشق الوطن.. لا يرى من سبيل لإنقاذه إلا بندقية المجاهد.. وكشف
أسرار العدو العسكرية!.. وهاهو ذا عثمان الآن.. وقد زاده الزمان خبرة،
ومراناً.. لقد أدرك أن الذين أنقذوا الوطن مرّة لا يحسنون إدارته، ولا
يستطيعون إنقاذه مرّتين لقد تبين له أن الذين طردوا المستعمر، يكادون
يصبحون من حيث لا يدرون أعداء الوطن الجدد!.. لكنّ سبيل عثمان ما زال على
ما كان!.. إنه اليوم يسعى وراء السلاح المتطوّر.. والعقول المخططة!!
ماذا يقول له؟!
ودّ لو يقول.."لا ياعثمان.. لاأيها المجاهد!! إن العقول المخططة لا تقبل
بأن تحرّكها أنت، ومن وراءك، من المخلصين!.. إن للعقول المتطورة الواعية
خططها وأهدافها، هي.. ولن تقبل أن تقودك إلى حيث تشاء!!"
".. لسوف تحصل
على هذا السلاح، لكنّ هذه العقول لن تسير معك بهذا السلاح، إلا بمقدار..
لقد مضت سنوات على حريّة بلادك.. لقد كان عليك أن تزرع فيها هذه العقول..
لتحصدها الآن!.. ماذا فعلت بثروات بلادك، كيف هدرتها؟.. لقد ابتعت بها
سلاحاً يتحول إلى نفايات، خلال سنوات قلائل!.. كان عليك أن تحرث الأرض،
لتزرع فيها من باستطاعته فهم وإنتاج هذا السلاح! أليس هذا ما فعلته اليابان
إثر صحوتها؟! وشعبك على ما هو.. أميّ ما زال يجهل كيف يستعمل السلاح! إن
أمتنا لا تخلو من هذه العقول، لكنها منفيّة، مشردة في بلاد الله الواسعة..
طردْتَها أنت، ورفاقك، في يوم من الأيام!.. حين كنت في غمرة حماستك..
ونقمتك على الذين ترفعوا على آبائك وأجدادك من المظلومين!.. إنك لا تلتفت
لضمّ هؤلاء إلى صفّك.. إنك لا تلتفت إلى استرجاع هذه العقول إلى وطنها!..
إنك ما زلت تكرهها، وتخافها!.. فأنت تظن أن الوطنية وقف على أصحاب الأكفّ
الغليظة، والأصوات العميقة الرنانة!.. إنك لا تثق بأحد!.. لا تثق إلا
بطائفتك، أو عشيرتك!! وبالرغم من كلّ ذلك.. فإني سأقول لك اليوم ما قلته لك
بالأمس.. سأنفذّ ما تطلبه مني بحذافيره، ولو تعرّضت حياتي للخطر.. لاشكّ
أنها لعنة التاريخ، أو أنه التاريخ، فحسب؟!.. أمثالك، من حفاة الماضي
وأبطاله، صادقون! صاروا حكّام اليوم.. لكنهم ما يزالون لا يعرفون
"غرناطة".. ولا فلاسفتها!!.. يظنون أنّ غرناطة هي القصور والمال، والعيش
الرغيد!.. وأمثالي يا عثمان، تعيسون، ما زالوا لا يعرفون سوى الكلام، والقلم.. لا يحسنون استعمال السلاح المتطوّر.. وليس من يسعى إلى اقتنائه في
أمتنا، إلا أنت!"}
* * *
(ص103)
{أمضى فراس ليلة
مع تلك الكتب، لن ينساها زمناً طويلاً!.. أخذ يخرجها من وكرها، كتاباً،
كتاباً.. ينفض الغبار عنها.. يتصفحها، في تمعنٍ.. يتسّلى بمطالعة بضع صفحات
من كل ما يجده منها، مما طبع أو نسخ بالانكليزية، أوالفرنسية، أوالإيطالية
أوالإسبانية.. وكان منها ما بدا له ثميناً.. يرجع تاريخ طباعته إلى زمن
بعيد.. ومنها ما نسخ باليد، بحروفٍ قوطيّة تتضمن زينة، ونمنمات جميلة..
ما كاد يصل إلى
قعر الصندوق حتى فوجئ بعلبة خشبيةٍ صغيرة تربض على أرضه.. كشف غطاءها، وإذا
هو أمام غلافاتٍ جلديةٍ.. فتحها، فبهت إذ طالعته مخطوطات عربية قديمة.. راح
يتفحصها بلهفة من وجد أثراً فنيّاً غطّاه التراب منذ غابر الأزمان!
راودته فكرة
الاتصال بصاحب المسكن، على الفور، ليسمح له بترتيب تلك الكتب خارج صندوقها
المتآكل.. فتنبه إلى أن الليل قد ولّى.. وأن الوقت شارف أولى ساعات الصباح!
فأزمع إرجاء ما اعتزم، إلى اليومَ التالي، وهم أن يعيد المخطوطات العربية
إلى مكانها، داخل مخبئها الصغير.. وإذا ببضع صفحات مبعثرة، داخل الصندوق،
أثار انتباهه منها، ما بان من كتابات عليها.. رفعها، وإذا هي عنوانات
لمخطوطات، محفوظة، في غير هذا المكان!.. أدرك أنه أمام فهرس، أو بضع صفحات
بالية من ذلك الفهرس، فنقل ناظريه بين محتوياته، حتى توقفا فوق اسم "عبد
الرحمن بن خلدون".. وإذا هو يقرأ بين العناوين المتفرقة..
"خلاصة النظر في
فلسفة العبر"
ماذا؟! مؤلف..
على مثل هذا العنوان الفلسفي لابن خلدون؟! هل يعقل ذلك؟! كان يعلم بوجود
مخطوطات لابن خلدون.. مؤلفات، لها جميع ما قرأه من عناوين.. عدا "خلاصة
النظر في فلسفة العبر" !! كيف لم يسمع به؟.. أو يقرأ عنه؟! وهو المعجب بابن
خلدون، القارئ لجميع ما كتبه هذا المفكر الفذ! ثم ما حقيقة هذا الفهرس؟! أو
هذه الصفحات المتبقية منه؟!.. وأين بقيته؟! حينئذٍ عدل عن رأيه الأول،
وأعاد جميع ما أخرجه من مخطوطات، وكتبٍ، إلى مكانها.. محتفظاً بتلك الصفحات
الصفراء اللون.. مزمعاً اتّباع أسلوبٍ آخر في الوصول إلى حقيقتها!}
* * *
(ص116-126)
{كان فراس
يتحرّق لاستزادته من الكلام.. لكنه كتم لهفته.. وقال..
- وهل لديك
مكتبة.. فيها مثل هذه المخطوطات؟
- فُتات مائدة..
عزيزي.. فُتات مائدة.. عدد لايذكر!
- .. لماذا..
ألم تحصل في سفراتك على صيدٍ وفيرٍ؟!
ضحك "يان" متعجباً..
- صيدٌ..
وفيرٌ؟! أنا لم أكن أعود من صيدي، كما تسميه، إلاّ وشباكي تطفح به، وتفيض!!
لكن جميع ما أجمعه.. كان يذهب إلى الكاردينال.. ومن ثمّ، إلى المكتبة..
- أية مكتبة
هذه؟!
- مكتبة
الفاتيكان، بالطبع! وما غيرها؟ كان الكاردينال فيما مضى، قيّما على تلك
المكتبة.. آهٍ لو تراها.. لو تتجوّل في دهاليزها..يا "دون ماكسيمليانو"!..
هل تصدق أن فيها ملايين الكتب والمخطوطات!! إن مكتبتكم.. مكتبة "الاسكوريال"
الشهيرة.. لاتشكّل نقطة في بحرها!! إن باب المخطوطات الشرقية، وحده، يضم
مئات ألوف من المجلّدات!!
- المخطوطات
الشرقية؟! وهل هذا الباب يجمع كثيراً من اللغات؟
- .. جميع
اللغات الشرقية.. لكن معظمها، باللغة العربية..
تمهّل هنيهة، ثم تابع..
- إن أمر هؤلاء
العرب، لغريب حقاً!.. كأنهم اليوم، لا علاقة لهم البتّة بما كانوا عليه، في
الماضي! ترى.. ماالسبب.. في ظنّك؟
لم يحر فراس
جواباً.. ولم يكن محدثه ينتظر الجواب.. فأجداد "دون ماكسيميليانو".. أو
جدّه الأول.. "فيرناندو الفاريزدي توليدو" أول دوق من سلالة "ألبا"، طرد
آخر المسلمين من إسبانيا! مَحََقَ آخر معالم حضارتهم.. وساعد في امتداد حكم
ملوك إسبانيا في أوربا، حتى وصل المانيا.. وهولندا!
كان "يان
فرانتيشيك" قد شرد بعيداً.. يحاول الربط بين أفكار متقطعة في خياله.. قال
بعد لأي..
- لاشك أنهم
جُرّدوا من تاريخهم.. فأنا لم أكن إلاّ واحداً من هؤلاء الوسطاء.. ولقد كان
للكاردينال، على مدى أربعين عاماً، مئات الوسطاء، منهم من سُيّروا إلى
دمشق.. وآخرون، إلى القاهرة.. وغيرهم، إلى القيروان! ماذا أعدّد لك؟! لقد
كان له المئات منهم.. يذهبون بالمال، وكتب التوصية، إلى السفارات..
ويعودون، من الصين، والهند، والباكستان اليوم، وجميع أنحاء الشرق..
بالصناديق، تلو الصناديق، وقد طفحت بهذه المخطوطات القيّمة!! معظمها باللغة
العربية! لغة الحكم طوال عشرة قرون!!
تصاعد ما كان
يكتمه فراس في نفسه من غيظ!! نهض مقترباً من محدّثه، وراح يقلّب معه الكتب
القديمة.. متظاهراً بعدم الاكتراث لها.. إلى أن وصل إلى الصندوق الصغير..
فأخذ يقلّب صفحات بعض مخطوطاته العربية، كأنه لا يفهم ما فيها.. ثم قال..
- ما هذه.. أكتب
عربية؟!
ردّ "يان" على الفور..
- بالضبط.. وإن
لديّ في داري عدداً قيماً منها.. لشعراء، لا يعرفهم العرب!.. فهل يهمّك
هذا الأمر؟.. لئن كان الأمر يهمّك.. فإن مكتبتي رهن إشارتك؟!
- وهل كنتم
تجمعون كتب الشعر؟!
- كنّا نجمع كل
شيء.. وكنّا في سباقٍ مع جميع مكتبات أوربا!.. "دون ماكسيميليانو" لا أظن
أن لديك فكرة واضحة تماماً عمّا كان يدور في هذا الصدد!.. لئن كان
"الفاتيكان"، والعديد من أديرة أوربا، قد فطنت في الماضي إلى أن أسرار
العلوم، والفلسفة، ومفاتيحهما، موجودة لدى العرب.. وإن على الكنيسة الحصول
على هذا السرّ، لتخنقه، في مكتباتها قبل أن يتسرّب عبر الترجمة والنسخ، ثم،
عبر الطباعة، إلى يد الشعب.. خشية أن يفلت زمام قيادته الروحية، من أيديهم!
أقول لك.. لئن كان الفاتيكان قد فطن إلى هذا الأمر، منذ عشرة قرون.. أي قبل
أن تفتحوا غرناطة، بخمسة قرون! فلقد بدأت مكتبات العالم أجمع هذا السباق..
بدفع من حكوماتها.. منذ قرنين، على أقل تقدير! إن حملة نابليون، وحدها، إلى
مصر، لم تترك في ذلك البلد المسكين إلا قصص ألف ليلة وليلة، وكتب الشعر،
والتاريخ الهزيل!!
تعجب فراس لسعة
اطّلاع محدثه.. وقال..
- وعمّ كنتم
تبحثون إذن؟! ما دام هذا السباق قد بدأ منذ قرون؟!
- إن شباك
الصياد تجمع كل ما يتحرّك.. ومن ثمّ يأتي التصنيف! وهنا بيت القصيد!
- وهل كان
للكاردينال قصد معيّن؟! بعد مضيّ هذا الزمان الطويل على بدء سباق الصيد!؟
- بالطبع!! لقد
كان دائم البحث عن المخطوطات الفلسفية! وسبب ذلك، ما وصله من هولندا من
فهرسٍ قديمٍ، طار لبّه له! لن أنسى ما حييت، لهفته، واضطرابه، وهو يحدّثني
عما يريد!! ولاشك أن الأمر كان بالغ الأهمية.. ولكن الكاردينال كان يخفي
طبيعة عاطفية، خلف قناع الوقار الديني، وذكاءً مفرطاً، تحت قبعة
الكاردينالية، الحمراء!!
- أي فهرس،
تتكلم عنه؟! ماذا يعني وصول "فهرس"، بالنسبة إليه؟!
أدار "يان
فرانتيشيك" ناظريه نحو فراس، يحدق في وجهه، رغم ضعف نظره الشديد.. يحاول
استطلاع ما يمكن أن يرتسم على وجهه الإسباني النبيل، من انطباع! كان على
وشك أن يقرن اسم محدثه بأسماء أحد أجداده! لكن تذّكر حنقه، حين ذكر قضية
الألقاب، أمام المندوب الفرنسي.. فآثر متابعة تجاهله للقبه.. قال وهو
يبتسم..
- إنه فهرس من
مكتبة يقال إنها كانت ﻠ "الدوق فيرناندوالفاريزدي توليدو"... أعظم قوّاد
إسبانيا العسكريين.. ومؤسس دوقية سلالة "ألبا" العظيمة!! إنك تفهم ما
أقول!! يقال.. وأنا، إنما أقول.."يقال".. جمّعها عنوة، من حيث توارت في
بيوت الأندلس العربية.. وسافر بها إلى هولندا!! خطفها.. أو سباها.. إلى
هولندا!!
سأل فراس في
تجاهلٍ تام لأهمية ما كان يسمع..
- ولماذا لم
يحرقها، كغيرها من المخطوطات العربية؟!
- "دون
ماكسيميليانو".. أرجوك!!.. إن "دون فرديناندو" لم يكن إنساناً كغيره من
الناس!.. لقد أحرق ما أحرق، من مخطوطات، مدفوعاً بهدفٍ مبيت!! أراد من جهة،
إزالة تاريخ العرب، والمسلمين، من تراب الأندلس! لكنه احتفظ بعدد غير قليل
من المخطوطات التي تشمل خلاصة الفلسفة، والفلك، والعلوم، والموسيقا..
للاستفادة منها وسافر بها إلى هولندا!!
- .. ولماذا
هولندا بالذات؟!
- "دون
ماكسيميليانو".. إن جميع ما أرويه لك الآن قد أتاني مباشرة من الكاردينال "بانيفيلي"
نفسه، نقلا عن مصادر، في كلٍّ من حاضرة روما، ومدينة أمستردام!! وإنك..
إنك..لو لم تكن "دون ماكسيميليانو" بالذات.. لما تفوّهت أمامك بحرف واحد
مما تسمع!!
هزّ فراس رأسه،
وتمتم..
- حسنٌ.. وماذا
بعد؟
- لقد كان هدف
مَنْ خطّط لهذا الموضوع.. هو ترجمة هذه المخطوطات والتصرف بها.. بما يتماشى
مع أهداف الحقّ، والكنيسة!!
امتقع وجه
فراس !! حملق في محدّثه، ثم أدار وجهه عنه، محاولاً جهده ألاّ يبدي من
انفعاله ما يصل إلى محدثه العجوز.. وسأله..
- التصرف بها؟!
ماذا يعني هذا .. بالضبط؟
- .. في كل
بساطة.. نشر، ما يراد نشره، باللغة اللاتينية، بعد حذف ما ينافي الدين منه،
وما يتطلب الواجب الديني حذفه.. ثم، زيادة ما يُراد، هنا.. أو حذفه، هناك!!
لكن لماذا تتعجّب؟ إن المكتبة الفلسفية المسيحية كانت في أشدّ الحاجة إلى
مثل هذه المخطوطات.. ليس لخدمة الدين الإسلامي الذي كتبت من وحيه، بالطبع..
بل لخدمتنا، نحن!! فما الغريب في ذلك؟! ثم، أليس الله، واحداً؟! أوهكذا يجب
أن يكون.. لدى الجميع؟! إن الهدف كان.."استعارة" النصوص والمخطوطات..
تقديمها للفكر الأوربي، في لغة أوربية، وقالب أوربيّ، ليس غير!! ولو أنها
نُشرت تحت أسماء مؤلفيها العرب، لغاب القصد من ورائها، ولأصبحت قراءتها
ترفع من شأن الدين، والعقل الإسلامي.. بينما المقصود، كان، خدمة العقل
الأوربي، وعقيدته.. اللّذين ظلاّ عاطلين عن العمل، طوال ألف عام!!
توقف "يان" عن
الكلام برهة، يستجمع أفكاره.. ثم تابع..
- تسألني لماذا
"هولندا".. نعم.. لكنك تعلم ولاشك أن "دون فيرديناند
والفاريز".. "كبيرإسبانبا"..
حكم هولندا مدة لابأس بها.. باسم التاج الإسباني بالطبع..
كان العجوز
يحاول أن يتأمل وجه "دون ماكسيميليلنو".. ينظر إليه من تحت إطار نظارتيه،
يحاول رصد الأثر الذي يتركه كلامه على الحفيد الأصغر! ﻠ "دون
فيرديناندوألفاريزدي ألبا" الذي يتحدث عن أخباره!!
ثم ضحك من
خاطر مرّ في ذهنه.. فأردف على الفور..
- .. ولا تستغرب
بُعد هولندا، عن الأندلس!.. إذ.. ماذا تفعل الهرة، حين تمسك بفريستها؟..
ألا تراها تهرب بها بعيداً، بعيداً إلى مكان آخر؟.. بعيداً عن الأنظار؟..
في مأمن من المراقبة؟
حرّك فراس
رأسه.. موافقاً.. متعجباً.. لايدري ماذا يقول.. فتنهد "يان فرانتيشيك"..
وقال، مبتسماً في مكرٍ مبطّن..
- يا لغرابة
الأقدار.. ها أنا ذا أخبر الدون "ماكسيميليانو" عن سرٍ كتمه الدون "فيرناندوالفاريزدي
توليدو".. منذ خمسة قرون!
تبسم فراس، يجاري تعجب محدثه، وسأل..
- وهل يعرفه
الكثيرون غيرنا.. يا "سينيور"فرانتيشيك"؟
سرّ "يان" أن يسمع اسمه على شفتي حفيد "دون فيرديناندو" فقال..
-لا أحد عدا
الكاردينال "بانيفيلي".. ونحن! والسبب، في ذلك، يعود إلى أخبارهذه الواقعة،
حين أتت من أمستردام، قبل الحرب.. وصلت إلى الكاردينال "بانيفلي" مباشرة..
وكان، هو القيّم على المكتبة والمسؤول عن جميع الشؤون الثقافية في
الفاتيكان، آنذاك... أمّا عن المصدر.. أي "أمستردام".. فإن الكاردينال الذي
كان فيها
آنذاك، كان قد توفّي.. وتعاقب على كرسيه كاردينالان..
نهض فراس من
حيث كان جلس على مقعد خشبي كبير، قبالة "يان فرانتيشيك".. تقدم ثانية نحو
صندوق الكتب والمخطوطات العربية.. وسأل، مستفسراً..
- إن هذه قصة..
أو رواية طريفة.. بل مثيرة، ولاشك! لكن أين يوجد هذا الفهرس الذي تتحدث
عنه؟.. وماذا حلّ به؟!
قطّب "يان"
جبينيه، وهو يتلمّس قعر الصندوق الصغير بأصابعه، لا يتوقع العثور فيه على
شيء.. وقال متعجباً..
- .. لك كامل
الحق ألا تصدق رواياتي!.. فأنا أتكلم عن جريمة، شاهدتها، وما من جثة هنالك،
تدعم ما أقول!!.. "دون ماكسيميليانو".. ما رأيك إذا قلت لك إني كنت أملك
نسخة مخطوطة وإنها سرقت مني!!
عاد بنظره إلى
قعر الصندوق وتمتم لنفسه..
- .. أظن أنه
كان قد بقي منها بضعة وريقات.. لا أجدها الآن.. لابدّ أنها تبعثرت.. أو
بليت.. من يدري..
ثم عاد
بناظريه، يرفعهما في اتجاه وجه فراس، ويكرر..
- .. إني لم
أفهم هذه الحادثة قط.. لم أجد لها أي تفسير!.. لماذا اختفى الفهرس من
صندوقي؟!.. وبالمناسبة، فلقد كان في هذا الصندوق، العديد من المخطوطات
العربية الثمينة.. زمن اختفاء الفهرس..
- إنك تناقض
نفسك.. سنيور"فرانتيشتك"!
تعجب هذا، وسأل..
- أنا.. كيف؟..
- تقول إنه ليس
غيرنا، و"الكاردينال" على علم بقضية الفهرس، اليوم.. فكيف يكون ذلك صحيحاً
إذا كان الفهرس قد سرق منك؟!.. إن الذي سرقه لابدّ أن يكون على علم بهذه
القضية!
تبسّم "يان" في
خبث.. وأجاب..
- إلا إذا كان
الكاردينال، نفسه، هو الذي حرّض أحدهم على سرقته مني!!.. لمَحقِه من
الوجود!!
- وكيف يصل إلى
ذلك.. أليس هنالك سجلّ مفتوح بمحتويات المكتبة؟!.. ألا تدرج جميع محتوياتها
في فهارس مكشوفة؟!
قهقه "يان
فرانتيشيك" لما سمع، وقال..
- لكم أنت
متفائل!.. شريف النوايا، يا"دون ماكسيميليانو"!.. وهل تظن أن فهارس "الاسكوريال"
تكشف للناس جميع ما تحتويه مكتبتها؟!.. إن من الصعب عليك أن تتحرى الأمر
بنفسك، هنا، في "الفاتيكان".. فلا شك عندي أنك قادر عليه في إسبانيا!.. وأن
لك من العلاقات من يفتح لك الأبواب إلى ما يُخفى عن الناس، في المكتبات، من
آثار!.. آثار لها فهارس لا يطّلع عليها إلاّ رؤساء الأديرة!
تنهد طويلاً،
وحرك يديه كمن يتلمس طريقه في الظلام، وقال..
- ..لقد عملت
إلى جانب الكاردينال، في تلك المكتبة، ردحاً من الزمن.. كان يستعين بي
لتصنيف، وتسجيل، ما كنت أعود به من كتب.. تصوّر.. إنه لم يكن يثق حتى
بالعاملين بها، من الكهنة!!.. ولعله لم يكن يثق بي، أصلاً.. إلا لمعرفته
بأنني.. سواء شاء، أم أبى، فأنا لا يمكن أن أجهل وجود المخطوطات التي حصلت
عليها بنفسي!!.. آه.. لو كنت ترى أروقة تلك المكتبة، وسراديبها الرطبة،
الحالكة الظلمة.. والمخفية، في بعض الأحيان!!.. ليتك تراها يوماً!!
تنبه من
شروده، وتابع قائلاً..
- كنت أحدثك عن
الفهارس.. فيا عزيزي "دون ماكسيميليانو"، إعلم أن الفهارس بالنسبة لتلك
المكتبة، مثل دفاتر الحسابات، بالنسبة للتاجر!.. فكما أن للتاجر منها
عدداً، لا يُظهر منه إلاّ ما يناسب المدقّق.. كذلك، لمكتبة الفاتيكان!!
- والفهرس
الحقيقي؟!.. هل هو في حوزة القيّم وحده؟!
تبسّم "يان فرانتيشتيك" في سخرية، وتعجب..
-.. لا شك أن
هنالك فهرساً يظن كل قيّم، بدوره، أنه الفهرس الحقيقي!!.. لكن الحقيقة هي
أن ليس للمكتبة من فهرس حقيقي جامع!.. فلقد تعاقبت على الفاتيكان عصور كادت
أن تصل النوائب والكوارث، أثناء بعضها، إلى عتبة بابه!!.. وفي كل مرة، كانت
السراديب تفتح، عن سراديب أخرى، تحتها، وخلفها.. ويجري إخفاء تحفه،
ومخطوطاته!.. وفي كل مرة، كانت الفهارس تختفي، ثم تعود!.. لاأحد يعرف ما
ينقص منها، أو ما يضاف إليها!!
- ولماذا لا
تُجرد محتوياته؟ ويصار إلى برمجتها، على حاسبات "الكترونية"، في ظنّك؟.. أو
لعلهم قاموا بذلك الآن..؟
- إنها خير
طريقة لقتل الهدف!.. إن كان الهدف من هذا الجرد، هو حماية المخطوطات.. فإن
خير طريق للقضاء عليها.. هو أن يكُشف عن أسمائها!!.. خصوصاً على لوائح
الكترونية، في متناول الجميع!! لا يا عزيزي لا!.. إن "الفاتيكان" ليس على
هذه العفوية والسذاجة في التعامل مع الجميع!
تعجب فراس
لقوله.. وسأل..
- .. وماذا تعني
بكلمة "الجميع".. وهل هنالك من "غرباء".. داخل أسوار الفاتيكان؟!.. وهل
هنالك غير الكهنة.. بل، نخبة هؤلاء، ممن يعملون فيه؟!
رفع "يان
فرانتيشيك" رأسه، نحو وجه محدثه، ونظر إليه يستغرب جهل، وعزلة الاستقراطية،
التي سمحت للغرباء بغزو عقر دار مقرّها الروحي.. والعبث بأقدس مقدّساتها!!
قال، في
أناة..
- وهل هناك من
"يزرع" هؤلاء الكهنة.. ويعرف كيف تُختار البذور؟!.. أليس الكهنة في الأصل،
أناساً عاديين؟.. من عامة الشعب؟.. يلتحقون بالكنيسة، والشاطر منهم، من
يعرف اسم جدّه؟!.. لا.. لا شك أن الكنيسة تدقق، حسب قدرتها في أصل، ونشأة،
ودوافع، من يلتحقون بها.. لكن.. وهنا يقع السؤال الأهم.. كيف لها أن تعرف
ما إذا كان المنتسب إليها هو من أصل يهودي.. يتعمد إخفاء عقيدته؟!.. وهل
للدين، لون، يظهر على الوجوه؟!.. إنه أسلوب معروف.. إنها عادة أجهزة التجسس
القديمة.. تدفع بعناصر لها، تنزلق في صفوف أعدائها.. والعكس، بالعكس!.. وقد
تصل هذه العناصر المتخفية، إلى أعلى المناصب، في الجهاز المعادي!!
سأل فراس، يتعمد
عدم خبرته في هذا المجال..
- ولماذا اليهود
بالذات؟
- لأن الكنيسة
الحقيقية، هي عدوّهم الأكبر!.. والأناجيل، لَعَنَتْهم، وحكمت عليهم
بالتشرّد إلى الأبد، جزاء ما فعلوا بالسيد المسيح!!
صمت فراس
برهة.. ثم سأل.. وهو يعرف الجواب..
- ألم يقرر
المجمع الكنائسي، مؤخراً.. إزالة لعنة التشرد، هذه، عنهم؟!
- .. ومن تظنهم
كانوا وراء هذا القرار.. من رؤساء الأساقفة؟!.. قرار ينقض مباشرة، نصوصاً
صريحة، وردت في الأناجيل الأربعة!!
تدافعت في رأس
فراس خواطر لا حصر لها.. راح يحارب في نفسه ميل الإنسان الغريزي للسعي وراء
أقرب الحلول، وأسهل الأجوبة!.. يقاوم فكرة حصر جميع ما مرّ به من أحداث
متفرّقة، في بوتقة واحدة، سعياً وراء إجابة سهلة، صريحة!
أثار حديث "يان
فرانتيشتيك" في نفسه، هواجس دقيقة.. تعجب من نفسه، كيف كان على وشك التخلص
منه.. وإذا به، يفتح أمامه عوالم أقل ما يقال فيها.. إنها عادت به إلى أيام
طفولته الأولى!.. أيام أحاديث جدّته.. وزرعها في نفسه حبّ البحث والتنقيب،
لا عن هوى، أو تسلية.. أو حتى، عن حبٍ للبحث العلميّ، المجرد.. بل بدافعٍ
من حسٍّ غريب.. هو دينيّ، ولا علاقة له بالدين!.. قوميّ، ولا علاقة له
بقومه!
لطالما قاوم في
نفسه ميلاً طبيعياً إلى قصص البطولة، والتضحية!.. كان يقرأ في طفولته
سِيَرالأبطال.. تغص حنجرته، بما يعتمل في صدره، وهو يعيش، مع أبطالها، قصصVan
Howe وSir
Galahad
وKing
Richard لا يميّز
الخير، من الشرّ فيها!.. إلى أن لفتت جدّته تارخ خولة، وخالد وصلاح الدين،
ثم(قيس، وعنترة، وابن زيدون).. فتعلّم كيف يميّز الصالح من الطالح،
والقبيح، من الجميل، والعدو، من الصديق!
هاهو ذا يقف أمام عالم، لم يخطر له على بال!.. عالم فيه، بالنسبة
إلى الإنسانية جمعاء، من التصوّر والخيال أكثر مما فيه من واقعٍ
ملموس!!.. ورغم ذلك، فهاهو أمام فنان كهل.. يكاد يتعثّر إذا ما سار وحيداً
في الظلام.. يحدثه عنه، حديث العالم، الدّاري!.. لا قصد مباشر له من وراء
حديثه، سوى إحياء رفات قلعته الدارسة!}
* * *
(ص137-139)
{أعجب فراس منذ
البدء، بمرونة، ودقة أصابع "بالوما" المتمرسة في العزف والأداء.. لعله كان
يتوقع ما تعّود سماعه من عزف "الصالونات"، المتوسّط الجودة!.. فما إن تخطّى
ذهنه ذلك الانطباع الأول.. حتى انزلق إلى الموسيقى نفسها، فبدت، كأنها تنبع
من لوحات، وجدران "الفيلا لودوفيزي"، نفسها ترجّع صدى، فيمور فوق رؤوس
الحاضرين في وئام، كأن تلك الموسيقى كُتبت لعصرهم، في زمن مضى..
ما كان في حاجة
لسماع جوقاتٍ بكاملها، تعزف ألحان "فيفالدي" أو "باخ" لينفذ من خلال أصوات
العديد من آلاتها المجتمعة، إلى سرّ روح الغلرب، متمثلة في ما تخلقه من
الجوقات من بحارٍ زاخرةٍ بجميع أنواع الحركة والحياة.. يسيطر تمازجها على
إحساس السامع، تبعث في عاطفته أمواجاً متتالية.. تتمكن من وعيه الجدلي..
فلا يستطيع، إذا تكلّم، إلا اللّهج بالثناء.. ولا، إذا صمت، إلا الغرق في
لجج العاطفة..
لقد درس
الموسيقى، وكان يعزفها ويكتبها.. يعرف مدى ما يستطيعه العلم أن يزيد على
اللحن البسيط من انواع الزخرف، والمرافقة.. حتى ليضيع اللحن، ويصبح أسلوب
العرض والتنميق هو الهاجس الأول، والأخير..
تذكر قولاً ﻠ "سغوفيا"
عن وحشية صوت البيانو.. وصراخ، وزعيق الكمان.. وأن ليس سوى القيثار،في
نظره، من آلة لا تعرف المبالغة.. وعاد في ذهنه إلى وطن القيثار.. إلى
الأندلس، وتحسّر على زمنٍ كاد القيثار فيه أن ينطق بالعربية.. لغة آبائه،
وأجداده..
* * *
كانت "بالوما" قد أنهت عزف مقطوعتها الثانية.. ولعلها أوشكت أن تستريح..
حين سألها فراس، في لهجةٍ بدت للحاضرين كأن فيها شيئاً من التحدّي..
- وهل تجيدين "الفلامينكو"..
كذلك أيتها الآنسة..
أدارت "بالوما"
وجهها نحوه، وهي لا تزال على شرودها الأول.. لم يفارقها، منذ أن أمسكت
بقيثارها.. لم ترد على سؤاله.. لكنها أطرقت تنظر إلى أوتار قيثارها، ثم
ضربت بيدها اليمنى فجأة على خشبه، ثلاث طَرقاتٍ.. ماتعاتٍ.. مصممة.. أطلقت
بعدها لجميع أصابع يدها العنان.. في سيل من العزف الصاخب، ذهل الحاضرون
لعنف مقدّمته! ولما أدخله على رتابة جوّهم الأنيق، من حرارة مفاجئة، ودفق
عاطفةٍ لا تعرف التريّث أو الكلل!
اختلط الإعجاب
بالتأثر على وجوه الحاضرين! لكن أكثر الذين تبدّت عاطفتهم على ملامحهم كانت
الكونتيسة "دل بيلار".. امتزج تأثرها بمسحة من القلق، بانت في نظراتٍ راحت
تنقلها على وجوه غيرها من المدعوّين.. تحاول استطلاع حقيقة انطباعهم..
تتيهّبه.. تتساءل عن كيفيّة تقبّل ذاك الجمع، لموسيقى الأندلس، البعيدة كل
البعد عن الأناقة المدروسة للمكان ومن فيه من الحاضرين من ذوي الألقاب
الكلاسيكية!.. تردّدت في فهم دوافع "دون ماكسيميليانو" في طلب ذاك النوع من
الموسيقى، من أختها.. هل كان يشير إليها، هي، من طرفٍ خفيّ.. وإلى أصلها
الأندلسي المزعوم!.. لو أن عينيه ما كانتا تبرقان إعجاباً بما سمع، لأوشكت
تظنّ أنه يحاول أن يلصق بها تهمةً باطلةً.. ثم التشهير بها.. على الطريقة
الساديّة المترفّعة لأهل الشمال!}
* * *
(ص143-145)
قال فراس،
هازئاً..
- إن "فرساي"،
قصة طويلة!! إنها التطبيق العمليّ، للمدينة الفاضلة.. على يد الأرستقراطية
الفرنسية!.. جميع النبلاء.. الطبقة الحاكمة، بأسرها.. تعيش، في مئات الغرف،
من قصرٍ هائلٍ، في ظلّ حكم أكبر ملوكها.. "ملك فرنسا"، لويس الرابع عشر!
ردّ "شارل غوستاف".. في شبه دفاعٍ.. كأنه يستبق الهجوم!
- لعله حلّ "طوباوي"..
لكن.. ليس هنالك من ينكر جماله!.. جمال "فرساي".. وحدائقها.. رغم مساوئ تلك
الطبقة.. وعلاّتها..
تابع فراس في
سخريةٍ، مبطّنة، لاذعة..
- جمال
"فرساي".. الذي لا مراحيض فيه؟! ولا دورات مياه؟! أُذكّرك بقول "ميشلسة"
الكبير "ألف عام لأوربا.. دون حمّام"!!
بهتت "بالوما"..
وسألت..
- دون حمّام؟..
ماذا تعني بذلك؟!.. ألف عام؟!
- إن الكنيسة
تكره الحمّام.. ولقد ظلّت تكرهه.. حتى القرن التاسع عشر! لقد كرهته..
هكذا.. وبكل بساطة.. وأوصت ضدّه! ذكّرها بحمّامات روما العريقة.. ثم
بحمّامات العرب.. والمسلمين!.. وليس الذنب ذنب الكنيسة وحدها .. فأوربا،
بلاد باردة.. كرهت النظافة، على مرّ العصور! تكرها حتى اليوم.. تصّوري.. إن
هنالك من كان يجاهر بأن الدهن، والقذارة، يشكّلان طبقة يجب تركها على بشرة
الإنسان.. لحمايته من البرد، أو العوامل الطبيعية!! ولقد قيل هذا القول..
في زمن "فولتير".. و"ديكارت".. وكبار مفكّري أوربا!! يا لقذارتهم!
بادر "شارل
غوستاف" مفسراً..
- لا.. لا.. إن
للأمر علاقة بالنظرة الدينيّة للكون.. فالكنيسة تكره الجسد.. الذي هو،
بالنسبة إليها، سجن الروح.. فكيف تريدين لها أن تكترث لنظافة هذا السجن؟!
أجابت "بالوما"
متعجبة، ساخرة..
- أفلا يقوم
السجناء بتنظيف سجونهم؟!
- ثم.. هنالك
مسألة الجنس.. فالكنيسة تكره الجنس كذلك.. فترى في التعري، والاعتناء
بالجسد.. نداء للبواعث الجنسية!.. وفخاً، يسقط الإنسان فيه.. في المعصية
الكبرى!!
ضحكت
الماركيزا "كولونا" التي كانت تفخر بجسدها، وتغتسل كل يوم.. وقالت..
- .. لقد كانت
"ماري أنطوانيت" تأتي بالمغطس الصغير.. إلى غرفتها.. وتنزل فيه، دون خلع
ثيابها الداخلية! تصوروا!
علّقت
"الكونتيسة دل بيلار".. موافقة..
- ثلاث مرات..
أو أربعاً في السنة! على أكثر تقدير!!
كان "باتريس"
على وشك قول شيءٍ ما.. ربّما، دفاعاً عن ملوك أسلافه.. فأشارت "الماركيزا"
إليه بيدها.. قائلة..
- لا.. يا
عزيزي.. فأنا من أصلٍ فرنسي.. وأعرف خفايا حياة القصور!.. فإن كان في
إمكاننا السكوت عن معظم مساوئها.. أو المرور عليها، لتسويغها، بشرح أسبابها
التاريخية.. فإن هنالك أموراً حضارية لا يمكن السكوت عليها، أو تسويغها!..
لا من بعيدٍ.. ولا من قريب!
نظر "باتريس"
إليها قلقاً.. مستفسراً.. فأجابت، ضاحكة..
- حقاً إني لا
أفهم ذلك! كيف كان الملك يدير مؤخرته العارية.. لأحد النبلاء.. بعد انتهائه
من التغوّط.. كي يمسحها النبيل بقطعة من القطن!! ثم يهديه الملك تلك
القطعة، القذرة.. كذكرى عزيزة، لما نابه من شرفٍ رفيع!!
علا صوت "بالوما"
بصرخة مكتومة..
- لابدّ أنكم
تمزحون!! وهل يعقل ذلك؟! إنني لم أقرأ هذا في أيّ من كتب التاريخ التي
درسناها!! "ملك الشمس"، موحّد فرنسا!!
هزء
فراس منها..
- وهل التاريخ
يدرس في المدارس؟!
عادت إلى تساؤلها، في عصبية ظاهرة.. تكرر ما سمعته، كأنما لا تحسن
استيعابه..
- وهل كان ملك
فرنسا، فعلاً، يقوم بذلك؟! أمام النبلاء؟! كل صباح؟! ويهدي القطنة لمن يقوم
بمسح مؤخرته؟! يالها من حضارة!! خيرٌ لعلماء "الانثروبولوجيا" دراسة مثل
هذه الظواهر.. البدائية.. في مجتمعاتنا نحن.. بدل من دراستها في جزر
"هاييتي"، أو غابات " الأمازون"!!
علقت الكونتيسة
"دل بيلار" قائلة..
- إن ما يحيرني
هو.. هل كان النبلاء يعتقدون، فعلاً، أن تلك القطنة، بما عليها من غائط
ملكيّ، هديّة ملكية رفيعة.. ذكرى، تجب المحافظة عليها؟! هل كانوا يقومون
بذلك عن قناعة أم، مجاراة لنزوة الملك؟!
هزّ فراس رأسه
في شيء من النزق، وقال..
- سيدتي.. ليس
الأمر نزوة عابرة، ولم يقتصر على ملوك فرنسا وحدها.. إن أوربا ظلّت تتناسى
عيوب ماضيها .. حتى نسيتها! وهل تظنين ان ملكاً، يدير مؤخرته أمام بلاطه،
إذا لم يكن ذلك البلاط يرحّب ويبتهج بما يرى؟! أم هل تظنين أن مثل هذه
الفعلة "الحضارية"، يمكن أن تكون من ابتكار جيلٍ واحدٍ!! ولا يبدّل في
الأمر شيئاً، أن يفسّر أحدهم ذلك‘ فيرّجعه إلى أحد الطقوس التي لها علاقة
بالتوتم "الفرويدي"!}
* * *
(ص150)
{- لقد قرأت في
إحدى روايات الدوقا "دي لامبادوزا"، وصفاً مثيراً لسهرة أرستقراطية، في
بداية هذا القرن.. كان النبلاء يبولون ويتغوّطون، أثناءها، في إحدى حجرات
القصر.. في أوعية، وآنية خزفية، أو معدنية.. بلغ عددها المئات!!.. هل ذلك
صحيح؟
قهقه "الدوقا
داوستي" على مهل.. وأجاب..
- صغيرتي.. كانت
تلك الحال، في بيوت الجميع، وخلال كل الحفلات.. حتى الحرب العالمية الأولى!
لكن ما أهمل "لامبادوزا" توصيله للقارئ.. هو تلك الرائحة الزكية.. التي
كانت تتدفق على الحاضرين.. من تلك الغرف المليئة بمئات آنية البول..
والغائط!! وقد يطفح بعضها.. أو تندلق محتوياته على الأرض! إن تلك الرائحة
النتنة المروعة .. لم تكن تملأ على الأوربيين بيوتهم، وشوارعهم فحسب، بل
إنها كانت تخيم على المدن، تطفو فوقها!.. حتى إن رائحة الغائط.. كانت
تستقبل المسافرين وهم على بعد أميال من مدنٍ شهيرةٍ مثل باريز، ولندن،
وغيرها!! فما قولك؟!}
* * *
(ص160-162)
{كانت عادة
إيطالية قديمة، تقضي أن تقصّ الخمائل في الحدائق، في شكل أقواسٍ، وقببٍ،
ومغائر.. كأنها أعشاش لمخلوقات كبيرة..
سمع أصواتاً
خفيفة، أشبه بالهمس، تنبعث من وسط الجدار النباتي العريض، فتعجب، إذ لم ير
خلفه، مباشرة، من فراغ، يتسع لغير سور الحديقة الحجري!..
مشى إزاءه برهة في الظلام، يلامس بيده المفتوحة سطحه المورق.. يتعجب
لما سمع، إلى أن وجد نفسه أمام فتحة بدت له، كأنها مدخلٌ لنفق كان قد شُذّب
وسط ذلك الحائط النباتي..
ولج داخل عتمة
الخميلة، يعبر النفق، يعلل نفسه بأنه إنما يحتمي من زخّة مطرٍ خفيفةٍ كانت
قد بدت بالهطول!.. لكنه، تسلل على رؤوس أصابعه، في هدوءٍ وحذرٍ، وقد شحذ
أذنيه، يتسقّط مصدر ما سمعه من همس.. يسعى نحوه.. يودّ مفاجأة غيره، لا أن
يباغت بهم!!
توقف على بعد
خطواتٍ من حركة بانت قبالته.. تسمّر في مكانه، برهة طويلة، سمع بعدها همساً
مكتوماً، لم يفهم دلالته!!
سمع صوت احتكاك
عود ثقابٍ، سطع بعده نوره البرتقالي، بغتة، لبرهة جزيئاتٍ من الثانية.. ثم
عاد المكان، إلى ما كان عليه، من ظلامٍ دامسٍ!
طُبِع في ذهنه
خيالاتٍ مما رأى.. ماذا رأى؟!.. شخصين، أم ثلاثة؟.. ثلاثة.. بالتأكيد!..
ثلاثةٌ، واقفون.. هل كان غيرهم.. على الأرض؟!.. لم يعد يذكر!..
والواقفون؟.. من هم؟!.. جميعهم عراة.. أو أنصاف عراة!! الثلاثة متلاصقون..
لم يتبيّن لون شعر الفتاة.. كانت وسط الشابين.. مستسلمة لهما.. لا تبدي
حراكاً!
أحس بالدم يعلو
إلى وجهه، وسمع ضربات قلبه في صدغيه!!.. من تكون الفتاة؟!.. لا.. لايمكن أن
تكون هي.. لا.. هذا لا يمكن!!..
من تكون إذن؟!.. إنه لم ير شعراً أشقر.. لعلها إحدى المدعوات.. أو
فتاة من شغّالات القصر!.. والشابان؟!.. هل كانا من النُدُل؟!.. لا شك في
ذلك!
|