الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 30/04/2008

سيرة الكاتب

رواية

           هيلانة

الفصل الأول

الفصل الخامس

الفصل الرابع

الفصل الثالث

الفصل الثاني

الفصل التاسع

 الفصل الثامن

الفصل السابع

الفصل السادس

الفصل الثالث عشر

 الفصل الثاني عشر

الفصل الحادي عشر

الفصل العاشر 

 بقلم الكاتب: وليد الحجار

 

 

هيلانة

 

خرجت "هيلانة" راكضة متعثرة، من دارها..غير آبهة إلى أنها لم تتم زينة وجهها.. تتلفت يميناً ويساراً مع وقع الصدى الحاد لدوي طلقات نارية قريبة، تشد قبضتيها على ما تحمله من حقائب متوسطة الحجم.. تتوقع ظهور "ميشيل"..وقد هتف لها، منذ لحظات، يشعرها بأنه في طريقه إلى المدينة.. وأنه لن يتوقف لانتظارها إلا ثواني معدودة.. فالطريق عبر سهل البقاع محفوف بالمخاطر.. والخروج من بلدتها وضواحيها، في ظلام الليل، محفوف بالقناصة، أشبه بمحاولة أكيدة للانتحار..كيف لا .. وأنوار سيارته الأمامية تحيله إلى هدف سهل مغرٍ لكل من يتدرب على إصابة الطرائد المتحركة..

ألقت نظرة خاطفة على ساعتها ..، تتمتم لنفسها في لهجة "زحلاوية" واضحة..

- "يادلّي..يادلّي.. هلأني بيغيب الضوّ..وخود يا أنص..وشوبدّو يوصلني بعدين عالشام؟"..

بانت في تلك اللحظة مقدمة سيارة "ميشيل" على المنعطف، وفاجأت أنوارها الكاشفة هرة حبلى سوداء، تسمرت في مكانها مذعورة لا تعرف الهروب.. غابت تحت العجلات، فيما تقلصت تقاطيع وجه "هيلانة" هلعاً وصرخت:

- "يادلّي..يادلّي.. راحت، هالمعتّرة.. ماتت.. ما كان فيك ما تدعسها؟!"

صاح السائق يستحثها على الإسراع والالتفات إلى ما هو أهم..وكان قد توقف قربها..

- "يلاّ ..يلاّ..هلّأ خفتي عالبسّة؟.."

ألقت "هيلانة" بأمتعتها في صندوق السيارة الخلفي متبرمة، وأسرعت تفتح الباب، قرب السائق .. وتقفز إلى جانبه..قائلة..

-"طيّب منيح.. ولوّ.. وشو ذنبها هيّي؟.. ضروري تدعسها؟.."

نظرت إلى ساعتها، مرة أخرى وتلفتت في شرود.. ثم أخفضت رأسها حذرة، تراقب ما بان عبر الظلام من السفوح العالية، المطلة على البلدة.. تتهيب رصاص القناصين..وقد تركت السيارة طرف البلدة الجانبية الضيقة، وخرجت إلى الشارع العريض الذي يخترق الوادي.. ويشطر البلدة إلى شطرين.

تعالت ضربات قلب "هيلانة" وهي تقترب من الساحة العامة التي تشرف على الضاحية المليئة بالمسلّحين الموالين للمليشيات الزحلاوية.. وتمتمت للسائق في تطيّر وقد شاهد ما يشبه إنساناً ممدداً على الأرض.. جسداً، أو جثّة ..لا حياة فيها..

- "شو هيدا..دخلك هّلي عالأرض؟.. جسّة رجّال ولاّ مرا؟!.."

- "ويّن؟"

- "هونيك.. حدّ السجرة.."

هز "ميشيل"رأسه عجباً.. وقال في صوت لاحرارة فيه..

- "ليكونوا أتلو بشي محلّ، وزتّو هون.."

- "ليكونوا أتلو.. هلأ"

- "تعي لنشوف مين هوّ ..بلكي منعرفو.."

اقترب بالسيارة من الجثة الملقاة على وجهها..إزاء الرصيف..وتوقف على بعد أمتار منها.. فبادرت "هيلانة"..فجأة، وبحزم..

- "خلّيك إنت هون.. دوّر السيارة.. أنا بنزل بشوف..وبرجع ركد..!"

وترجلت، مقتربة من الجثة في هدوء بارد، وتصميم..وراحت تتفحص ما بان من تقاطيع وجهها..ولمّا لم تنجح في التعرف على معالم جانب وجه القتيل، الملطخ بالدم المتخثر.. أحكمت قدمها تحت كتفه ورفعته في بطء..ثم قالت، بعد أن تمعنت في معالم جانب الوجه..

- "الله بيعلم مين هوّ.. شو بدنا..يا..!!"

وسحبت قدمها، مسرعة، عائدة نحو السيارة.. وحين جلست إلى جانب السائق.. قالت ... وهي تحكم خصلات شعرها وراء كتفتها..

- "مش الهيئة الحالة رح تخلص على خير.."

- "وخليها ما تخلص.. زاتن إزا ما خربت.. ما بتعمر.!"

أطالت "هيلانة" النظر في وجه السائق، ثم قالت، وهي تعود للنظر أمامها..

- "بعد بدكن ياها تخرب..أكتر من هيك؟..ليش بعد في خراب.. أكتر من هيك؟.."

لم يردّ "ميشيل" عليها.. ذكّره قولها بآراء أمه حول الخراب.. وقد تشكلت في ذهنها قناعة عبر صور المجاعة أوالموت، ورثتها عن أبيها الذي خاض هو الآخر الحرب الطائفية في القرن الماضي.. لكن، ماذا يهمه من جيل أمه وآرائه.. إنه من جيل سوف يعيد بناء الوطن، يبنيه من جديد.. وطن خالص العقيدة والدين، بل وخالص الانتماء إلى الزعيم الأوحد!! أما ابن عمه.. من لحمه و دينه.. فأمره لغزٌ لن يفهمه، مهما حاول ذلك..كيف يحارب ابن عمه في صفوف الأعداء.. وهو على الطرف الآخر من القتال؟.. كيف يقفون على اختلاف أديانهم مع الفلسطينيين في خندق واحد؟  يا لهم من أوغاد!!

كانت السيارة قد تجاوزت "حوش الأمراء".. واقتربت من الحدود.. فنظر"ميشيل" عبر المرآة إلى المقعد الخلفي يتفحص المسند الأوسط، يطمئن نفسه، يتأكد من عدم وجود ما يشير إلى ما أخفى وراءه من أسلحة خفيفة.. أسلحة وذخيرة لم يكن هدفه المتاجرة بها.. وبالرغم مما يجنيه من أرباح من وراء بيعها.. فهو لا يبيعها في العاصمة إلا لأولئك الذين يساندون حزبه.. كيف لا يدرك ابن عمه أنه لا معنى لوجود لبنان الكبير إلا إذا انطوى تحت قيادة الحزب الواحد.. والزعيم الواحد؟!.. وهم يناصرون تحركات سياسية لا غالبية لهم فيها.

*  *  *

توقف على الطريق.. مشغول البال، أمام متجر أحد أقربائه، وأسرع يملأ صندوق السيارة بالمواد الغذائية المطلوبة في دمشق.. ثم غطى هذه بعلب الحلوى، والحليب، والسمن التي يتقاضاها موظفو الجمرك إتاوة وثمناً لسكوتهم على بقية ما يقوم بنقله من معلبات عدة مرات كل يوم. لقد قيل له ذلك الصباح إن نائب المدير القديم قد استبدل بآخر جديد. وإن هذا سيبدأ عمله في الظهيرة.. ترى، هل ستسير الأمور بينهما على ما يرام؟.. هل سيصل معه إلى اتفاق معقول تتم فيه مصلحة الطرفين.. هل تسرع في ملء السيارة بالمعلبات قبل الوصول إلى اتفاق؟.. وتلك المسدسات المختفية وراء مسند المقعد الخلفي.. ماذا عنها؟.. لقد اضطر إلى نقلها وقد تسلمها اليوم، وليس لديه في بلدته من مخبأ يأمن إليه، يتركها فيه حتى صباح اليوم التالي.. فكيف يعبر الحدود، على غير عادته، في سيارة فارغة من المعلبات؟.. ألن يثير ذلك شكوك بقية الخفراء الذين تعودوا على تلقي الإتاوات فيدفع ذلك بأحدهم إلى طلب تفتيش مقاعد السيارة.. أو النظر خلف مساندها..؟ فيكتشف المسدسات!!

 لا.. لا.. عليه أن يملأ السيارة بالمعلبات.. بل وعليه أن يزيد من "الهدايا" للخفراء.. ويستبدل زجاجات الخمر، بغيرها من "الويسكي"..

*  *  *

سمع صوت "هيلانة" يخاطبه.. يستحثه على السرعة، وكان لها أسلوب الغانيات في التبرم وإصدار الأوامر، فتمتم في سره وهو يغلق غطاء صندوق السيارة..

- "على شو مستعجلة.. يا بنت الكلب!! خايفة يروح عليك شي زبون بالشام؟!"

وعاد إلى مقعد القيادة في صمت، يدير مفتاح المحرك، وهو ينظر إليها بطرف عينيه.. يلحظ العقد الذهبي الذي تحلت به لتوها.. يختلس النظر إلى صدرها الممتلئ.. وإلى حركة ساقيها اللتين لفّتهما على بعض كاشفة بذلك عن ركبةٍ بضةٍ، ملساء، وردية اللون.. تمنى لو يداعبها..

*  *  *

كان الطقس بارداً، غائماً.. لا يرى من الطبيعة المكفهرة إلا غيوم منخفضةً، وضبابٌ زاد من ظلمة الطريق فلم يعد يبدو منه إلا انعكاس نورمصباحي السيارة على الإسفلت الأسود اللامع..

 شاهدت "هيلانة" أضواء خافتة تتحرك أمامها على الطريق.. تشير إليهما بالتوقف..فسارعت للقول:

- "أوعا تاخد ركاب هه.. عم بدفع 250 ليرة، لحتى أوصل مرتاحة.. وبدون مشاكل!!"

- "طمني بالك..هيدا حاجز أمن.."

- "لمين؟.. مآومة ولا شو؟"

- "لأ..ردع..ك.. أختهن.."

- "الله ينجينا!!"

- "وعشو خايفة.. دخلك؟.. أنا يلّي لازم خاف، ومش عم بحكي شي..!

- "إنت؟.. ومن شو خايف دخلك؟.."

- "هلأ بيفتحو لي الصندوء.. وبياخدوا منّوعلى كيفهم.."

كانت السيارة قد تباطأت، ثم توقفت أمام الحاجز.. فأسرع "ميشيل" يترجل منها.. حاملاً بطاقته الشخصيّة وبطاقة "هيلانة".. وتقدم من الضابط، يسرّ له في أذنه بأمر خاص.. فنظر هذا إلى بطاقة "هيلانة" ثم تمعن في وجهها تحت وهج نور مصباحه الكاشف.. وهز رأسه، مشيراً إلى السائق بالمضيّ في سبيله..

- "أسرع "ميشيل" إلى مقعده، يدير المحرك، مبتسماً في الظلام، هامسا لنفسه..

- "بشكرك، يا رب.."

همست "هيلانة"، تسأله مستغربة، تتصنع الامبالاة

- "شو إلتلوً حتى مرأك أوام؟!

كانت السيارة قد ابتعدت عن الحاجز العسكري.. فرفع "ميشيل" صوته، مفاخراً بفطنته..يقول:

- "إلتلّو.. إنك صاحبة "أبوعمر" رئيس الردع.."بشتورا".."

- "وسدّأك؟.. هالمصطول؟!"

- "وليش حتى ما يسدّئني.. وهوّي في "أبوحدا"..ماعندو صاحبة؟.. وما بيبعت مع الشوفيرية، غراض؟"

 أخلد إلى الصمت لحظة..ثم قال وكأنه تنبه إلى أمر..

- "بتعرفي شو؟.."

كانت "هيلانة" تكتم غيظها لما استغله "ميشيل" من وجودها معه..فردت في اقتضاب..

- "لأ.. ما بعرف شو..! ولا بريد أعرف!!"

عجب "ميشيل"، وسأل في تعالٍ مفاجئ..

- "دخلك؟! ولشو شوفة الحال؟! شو عملنالك؟..سبّينا عرضك؟.."

أردفت على الفور..

- "لكان شو إلو طعمة هلحكي؟! آل أنا صاحبة "أبوإرد"..آل.."

- "أبوإرد، ولاّ غيره!! ليش غيرو..أحسن منو؟.. وانشلا مفتكري إنهم مش عارفينك.. وعارفين إصّتك.. وشوعم تعملي عندن؟.."

لم ترد "هيلانة" على ما سمعت..امتقع وجهها.. تجاهلت غمزة "ميشيل".. وبرزت صورة والدتها فجاةً في مخيلتها..تتفحصها وهي تتساءل عن طبيعة عملها في العاصمة..

*  *  *

ًكانت أمها من أصل دمشقي.. زاولت مهنة الخياطة في صباها، قبل أن تزفّ إلى شاب زحلاوي ورث عن أبيه أحد مقاهي الوادي.. وكان المقهى يدرّعليهما ربحاً وفيراً. وما إن توفي زوجها حتى تناقص الربح وانبرى من كانوا يعملون فيه، الواحد تلو الآخر، يأتونها بأخبار السرقات.. يتهم كل منهم غيره بالسرقة..يمنيها بالخلاص من معضلتها إذا ما وضعته هو رقيباً سرياً على غيره من الموظفين..! حتى عيل صبرها.. وأسقط في يدها حين أوشك الربح على التلاشي، وتحول مصدر رزقها إلى مصدر للخسارة.. فلم تجد في النهاية من حل، غير تأجير المقهى، لقاء مبلغ متواضع يأمن لها ولوحيدتها "هيلانة" شر الفاقة والعوز.. ويبعد ابنتها ذات الصوت الجميل عن غزل شباب الوادي الذين تنضح أنفاسهم بانغام الميجنا.. ورائحة المسكرات! لكن السنين تتالت سراعاً.. وها هي "هيلانة" في الثلاثينات من عمرها أو يزيد، ليس في جمالها الهادئ ما يلهب مشاعر الخاطبين.. ولا في إرثها ما يلهيهم عن أخبارعلاقات باهتة، زاد عددها مع الأيام حتى تعاظم في اذهان الناس، وبات حدثاً واحداً، داكن اللون.. يجعلهم، إذا ما ذكرت الفتاة يقولون في توجس:

- ".."هيلانة"؟.. شو بدكن منها.. هيدي من واحد لواحد.. ما خلت حدا من شرها..!"

*  *  *

تراءى "لهيلانة" وجه أمها  الصارم وهي تتلقّي في وجوم، منذ أشهر، نبأ قرار ابنتها بمزاولة مهنة الغناء!..

بدت أمها آنذاك وكأنها على وشك أن تطلق صيحة نكراء.. وإذ بها تصمت دقائق طويلة.. يتوارد إلى ذهنها خلالها ما سوف تعانيه من فاقة حين ينفذ بقية ما معهما من مال.. منعها ذلك الخاطر عن مهاجمة ابنتها.. فقالت في تبرم ظاهر.. وسخرية مبطنة..

- "وين.. من غير شرّ.. رح تغنّي؟.. بالوادي؟.. تحت الرصاص؟,, ولا.. "بالكازينو".. بالمعاملتين؟!.."

سخرت "هيلانة" من فكرة أنها قد تغني يوماً في "الكازينو"، وقالت:

- "لأ.. بعد بدي كتير لأوصل لهونيك..!"

تمهلت هنيهة وأضافت..

- "هلأني.. رح بلّش.. محل سهر..للعائلات.."

التفتت إليها أمها، فجأة.. وقالت، متعجبة، ساخرة..:

- " وشو بدو ياخدك.. ويجيبك من بلد لبلد؟.. منك شايفة الأتل والضرب يلّي عايشين فيه؟.."

- "شو.. ناسية أنو التيتا بالشام؟.. اليوم يلّي ما فيّي إرجع فيه لزحلة..بمضيه عندها.. أو بنام.. هونيك..

- " وبتنامي عندها..كمان.. من غير شر؟.."

هزأت "هيلانة".. قائلة.. في تهكم..

- "بعدك بتخافي عليّي؟.. ليكون مفكرتيني بعدني زغيرة؟..طاهرة..!!"

- "يا ريتك بعدك زغيرة..ما كان على ألبي همّ!!"

- "دخيلك.. وشو هو الهمّ يلي جبتلك يا؟.. بس أوليلي..الله يعدّمك ياني.. لترتاحي منّي..!!"

*  *  *

كانت السيارة قد توقفت أمام حاجز آخر.. قرب مركز الحدود، في المصنع، فتنبهت "هيلانة" إلى "ميشيل"، ينوي الترجل منها مرة أخرى لملاقاة الضابط المسؤول.. فقالت متبرمة.. متوعدة..

- "أوعك تألو إني صاحبة حدا!! بعملّك إصة إلها أول، وما إلها آخر..!"

هزّ "ميشيل" رأسه، في تعجب، منصاعاً.. ومدّ يده للجندي ببطاقتي الهوية.. دون الترجّل من السيارة.. فأعادها هذا إليه، قائلاً.. بعد تفحص سريع..

- "بتاخد معك هالشخص.. للجديدة؟"

التفت "ميشيل" مسرعاً إلى "هيلانة"، مشيراً لها بعينيه أن لابدّ لهما من النزول عند طلب مجند الردع.. وأجاب:

- "ولوّ.. أهلاً.. وسهلاً.. تفضّل يا عيني.. تفضّل.. بس عجّل شوي إزا بتريد.."

وبعد أن صعد الرجل إلى المقعد الخلفي، وراح يتفحص "هيلانة" في نظرات مبطنة سليطة، تحركت السيارة نحو مركز الحدود، ولم تتوقف عندها إلا دقائق، تابعت بعدها رحلتها عبر المنطقة الخالية من تلك المسافة، بالرغم من قصرها، لولا وجود الرجل الغريب خلفه، جلس متكئاً على المسند الذي أخفى وراءه حمله من المسدسات! ولعل "ميشيل" كان على وشك إشراك "هيلانة" في همومه..يطلب مساعدتها، فيما لو تعُثرت الأمور مع الضابط الجمركي الجديد، بما يتعلق بالمعلبات الغذائية.. يود لو أنها تدّعي أن قسماً منها يخصّها.. والباقي تحمله لدار "أبوعمر" في العاصمة، أو غيره من المسؤولين. ضاق بما فرض عليه من صمت.. تباطأ.. يستعرض الاحتمالات في ذهنه.. وإذا بالراكب الغريب يقول في لهجة شاميّة..

- "علحساب مستعجل.. شو..وين شارد؟.."

تنبه "ميشيل" لنفسه.. وقال ساهماً..

- "لا شارد، ولا شي.. الموتور حميان شويّ..بس ليكون إنت مستعجل.. وين بتريد تنزل عالمزبوط؟.."

- "بالأمن العام.. عند رئيس المركز.. ليكون أزعجتك؟.."

- "أبداً يا خيّي..! شو فيها إزعاج.. مالحنا لبعضنا البعض!"

- "انشلّه ما تكونوا عم تنزعجوا من الردع..بلبنان؟.."

رد "ميشيل" على الفور مستنكراً..

- "ولو.. شو هالحكي.. هودي إخوتنا.. بلاهم.. مدري شو كان صار فينا.."

لم تستطع "هيلانة" منع نفسها من نظرة خفيفة حدجت بها "ميشيل".. تستطلع وجهه وهو يتملّق الرجل الغريب.. وكأنما "ميشيل" أحس بنظراتها.. فتابع قائلاً..ً

- "مين، بسوريا ما إلو أرايب عنّا؟.. أبوها من الوادي.."

- ""الإخوان من زحلة؟.."

- "أيوة.."

- "والنعم.. بس إيمتا رحّ تخلصو من أخوات هاأحبة هالّي عندكم.. فوّتولنا إسرائيل على لزحلة..! ولك معؤول هالشي..!! هنّي وإسرائيل على جبهة واحدة!! كتف جنب كتف ضدنا!!"

امتقع وجه "ميشيل".. في عتمة السيارة.. ثم غاب الدم عن خدّيه.. لكنه بادرإلى القول.. مصطنعاً الموافقة..

- " إخوات الأحبة وبس؟!.. ولك بدهن تدبيح.. واحد.. واحد..!!"

*  *  *

أوقف السيارة قرب مدخل بناء الأمن العام.. وأخذ يتشاغل بالبحث عن بطاقتي الهوية.. فترجّل الرجل الغريب منها.. وهو يشكر السائق في دماثة متعالية.. وابتعد وهو يسأل..

- "بتريد خدمة.. من هون؟.."

- " متشكرين يا خيّي.. الله معك.."

سخرت "هيلانة"من ميشيل"، قائلة:

- "بدهن تدبيح!! مش هيك؟!."

التفت إليها بانزعاج.. وأجاب في تحدٍّ..

- "دخيلك.. وشو عم تعملي إنتي عندهم؟.. مش عم ترأصيلهم.. وتغنيلهم؟؟؟ بقى اسكتي وخليها لألله!.. وعلى كل حال.. أنا.. لما عم إرجع لعنّا.. عم أوم بالواجب.. وأكتر!!"

ورفع ياقة معطفه، يتّقي بللاً من الأمطار انهمر عليه وهو يترجّل من السيارة.. فأسرع راكضاً نحو المبنى الجمركي.. في حين أشعلت "هيلانة" لفافة.. نفثت دخانها حولها في تذمر وضيق، ثم راحت تمسح وشاحاً من الضباب تكاثف على زجاج نافذتها وعلى الزجاج الأمامي وهي تراقب من بعيد ما بدا لها من الأضواء الخلفية الحمراء لعدد كبير من السيارات، أمام المركز الجمركي، تنتظر دورها في التفتيش للعبورإلى الطرف الآخر..

عاد "ميشيل" ممتقع الوجه.. أغلق باب السيارة في عنف وهو يجلس أمام مقودها.. يقول "لهيلانة"، دون أن يدير مفتاح المحرك..

- "يزهر إنو الله ساددها بوجّنا هلّيلة.."

- "خير.. شوفي؟!"

التفت إليها في هدوء وتصميم.. وقال..

- "اسمعي.. أنا ما إلتلّك.. بس الصندوء ورا معبّا غراض.. وفي موَزَف جديد بالجمرك.. وائف هونيك.. مش عم يمرئ فارة بدون ما يفتّشها.. ويحرئ دينها تفتيش!"

عجبت "هيلانة".. لم تفهم ما يرمي إليه.. فقالت في حيرة ظاهرة..

- "شو إنت أول واحد محمّل غراض؟.. وليش.. هيدي، أول مرة بتروح فيها عالشام؟.. مين بدو يوصّلني عالشام.. تحت هالمطر؟!"

 ونظرت إلى ساعتها في وجل.. متابعة..

- " ولك صارت الساعة تسعة.. وعندي "بروغرام" الساعة طنعش!!"

- "طولي بالك.. هلأ بيمروء حدا منعرفه.. بأمّنك معه.."

وأطبق صمت ممضّ.. أشعل لفافة تبغ خلاله، يهز رأسه تحسباً.. يلقي بنظرات خاطفة، عبر المرآة إلى المقعد الخلفي.. وقد هاله ما كان سيتعرض إليه لولا أن ساعدته الأقدار، وأخبره أحد الخفراء، وكان مصادفة داخل مبنى الأمن، بأن الموظف الجديد، نائب رئيس المركز الجمركي، يشرف بنفسه على التفتيش.. لا يكتفي بفتح الصناديق الخلفية، وتفريغها من جميع محتوياتها، بل إنه يقلب مقاعد السيارات، ويفتش جميع المخابئ الممكنة، المختفية ضمن هيكلها المعدني..

كانت "هيلانة" على وشك الكلام.. تتململ في مقعدها في ضيق.. لا تعرف بالضبط ماذا تقول أو تفعل، حين اقترب أحدهم من السيارة، وتوجه نحو السائق، يؤشر إليه أن يفتح نافذتها. فما إن قام "ميشيل" بذلك حتى بدا لباسه الرسمي.. أسند كوعيه إلى حافة الباب.. ودون ان يتكلم أخذ يتفحص وجه "هيلانة" وثيابها.. ثم أشار إلى "ميشيل" بالخروج من سيارته، لحظة يودّ محادثته على انفراد..

همس "ميشيل" لهيلانة وهو يغادر السيارة..

- "هيدا صاحبي.. خليكي لحزة.. بلكي بدبرلنا شي طريئة!"

غاب هنيهة، عاد إلى مكانه بعدها.. يشعل لفافة ثانية.. نفخ دخانها أمامه في تمهل.. فسألته "هيلانة" في نزق..

- "خير ألك شي؟ خبّرني!!"

أجابها السائق في برود..

- "إي ألّي.. بس ما بعرف إزا كانت الطريئة بتنجح.."

- "ولك أول شو هيي.. خلصني.. بدي أعرف شو أعمل بحالي!!"

نظر إليها طويلاً ثم قال:

- "إلتلك هيدا الزلمة صاحبي.. وهو هلأ وائف عالتفتيش..كل شي بدو منّا.. هوّ إنو يجي حداً، يلهي هيداك شوي.. يشغلو شوي.. شي ربع ساعة.. ياخدو لمكتبه"

تمهل هنيهة.. ثم تابع..

- "حداً.. يدَخل نايب المدير على المكتب.. يخليه هونيك شوي.. يلهيه شي ربع ساعة، بلحكي.. بيكون صاحبي مرّأنا.. ومرّألو شي عشر سيارات،.. وعملّو إرشين نضاف!!"

لم يفت على بديهة "هيلانة" هدف السائق من إطلاعها على حديثه مع الخفير.. لكنها لم تفهم دورها بالضبط..

في تلك الخطة المفاجئة.. وَمض في ذهنها أن ما يطلب منها لهو أغلى بكثير من حاجتها في وصولٍ سريعٍ إلى المدينة..!

فردّت على الفور..

 - "ولك.."ميشيل".. شو تخمين شايفينّي بنت زغيرة أنا؟  بعدني عم إرضع؟.. مفتكرني بروح مع مين ما كان؟"

ردّ السائق عليها في هدوء

ْ– "يا ستي..إلك خمس تالاف ليرة على هشّغلة..منيح؟!"

فتحت"هيلانة" عينيها دهشة لما سمعت.. فبادرها السائق على الفور..

- "أوعي تكوني فهمتينا غلط.. كل شي مطلوب منك.. هو إنك تلهيه بالحكي.. بس حكي مش أكتر!! وهلأني بألك شو هوّي الموضوع يلّّي بيسحبو لجوّا!"

- "ولك إزا كنت ما بعرفه..! كيف بدّي إسحبو لجوّأ؟! ودخلك شو محمل إنت، ورا، حتى تدفع خمس تالاف ليرة؟ ليكون السيارة فيها شي..؟!"

- "مش أنا يلّّي رح يدفع..لأ.. مش أنا وحدي، بس..! أنا والخفير.. إلتلك بيكون مرّألو شي عشرين سيارة.. منّك عارفة شو بيطلعلو بعشرين سيارة؟.."

وحين توسم في وجوم "هيلانة" قنوطاً قد يوصله إلى ما يريد.. حدّثها عما اقترحه الخفير.. من أن عليها أن تدخل مكتب نائب المدير.. وتطلب مقابلته في أمر هام.. يأتي إليها.. فتنبئه أنها على اطّلاع على خطة جماعة تعمل بالمخدرات.. تنوي تهريب حمولة كبيرة منها، إلى العاصمة..! وتستفيض في الحديث.. مستوضحة ما سوف ينالها من عمولة إذا ما تمّ للجمرك القبض على تلك الجماعة، وحمولتها. في تلك الأثناء يكون غياب نائب المدير قد سهل مرور عدد من السيارات، ومنها سيارة "ميشيل"..

مرّت دقائق صمت طويلة مدّ "ميشيل" بعدها يده "لأهيلانة" بلفافة، وهو يقول:

- "شو رأيك؟.. هيدا الخفير.. وائف هونيك..ناطر منّي إشارة.. الشغلة ولا أسهل من هيك.. وما فيها ولا مشكلة بالنسبة إلك.. كلها حكي بحكي.. شغلة مضمونة.. وما في من وراها وجع راس.. ولا إلك علاءة بحدا.. ويا ستّي إزا رجع أبل الوأت .. وكشف على سيارتي.. بدفع هلّي عليّي.. وإنت لا تتعرفي لا عليّي.. ولا على حدا!! شو إلتي؟! وهيدي الفلوس.. سلف!! منيح؟!"

 

   

 

الفصل الثاني

 

جلست "هيلانة" في غرفة نائب الأمين الجمركي، تنتظر وصوله وكانت مثّلت دورها المطلوب منها وأصّرت على أحد الحجّاب أن يخفّ إليه .. ينبئه .. أن هناك من ينتظره في مكتبه، في أمر هام.. "سيدة.. تريده في قضية غاية في الأهمية..!" راحت تلقي على الغرفة نظرات متفحّصة.. تتعجب لصرامة المكان.. تستغرب ما سمعته عن صاحبه من تشددّه المفرط في التفتيش و تطبيق القانون.. يجول في ذهنها: إنها المرة الأولى والأخيرة التي ستزاول فيها مثل هذه الخدعة!! حقيقة.. لقد انصاعت لإغراء المال، ولرغبة ملحّة في الوصول السريع إلى وجهتها في دمشق، يزكيها نفورها من الوقوف في برد الشتاء القارس تنتظر مركبة غير سيارة "ميشيل"، تقلها إلى مكان عملها!

 وتوارد إلى ذهنها، وهي ساهمة، بعض ما تسمعه، وما ينمّ إليها من ذمّ وتجريح لسمعتها، سببهما مهنتها الجديدة..! تعجبت من نفاق الناس.. وتحاملهم عليها.. أليست فيما تقوم به من "عمل" في ملاهي دمشق، بالرغم من مشقة السفر الدائم ومتاعب التعامل مع جمهور مخمور، سليط اللسان.. أليست مهنتها تلك أشرف بكثير .. بل لنقل، أقرب بمراحل إلى "الاستقامة" والصواب من التهريب واللجوء إلى خداع المسؤولين!..زاد توجسّها مما كانت مقدمة عليه، أحسّت أن مجرد التفكير في تهريب المخدرات، وفي الذين يزاولون مثل تلك الأعمال يثير في نفسها التقزز.. وكأنها، فعلاً، في شكل من الأشكال ضالعة في تلك الجريمة مع أصاحبها..

 لم يكن في الغرفة من أثاث سوى مكتب خشبي قديم، وسرير عسكري تنبّهت إلى نظافة ملاءته وغطاء وسادته.. ثم باب ضيّق يقود إلى فسحة تكاد تملؤها مائدة صغيرة تفرّقت عليها أدوات القهوة والشاي.. لكن أكثر ما أثار فضولها هو قبقاب خشبي نظيف، صُفَ إلى جانب "مشَاية" وكأنها لتلميذ شديد التزمت والترتيب، نظرت إلى الحائط، تحدّق في تفاصيل صورة علقت عليه، وحين سمعت وقع خطا ً تقترب من الغرفة، أسرعت تحكم وضع بعض خصلات شعرها على كتفها.. ثم التفتت إلى حقيبة يدها، تفتحها، في عدم اكتراث مفتعل، تخرج منها علبة "الدخان".. تنظر نحو الباب وهي تشعل طرف لفافة منها.

توقف أمام الباب رجل مديد القامة في الثلاثين من عمره، أوأكثر.. عريض المنكبين، نحيل الجسم.. كان قد تسمّر في مكانه .. يده لا تزال تشدّ على مقبض الباب، وباليد الأخرى، رفع بأصابعه خصلة شعرٍ ملساء، كاشفةً اللون، عن عينين زرقاوين سابرتين، راحتا تحدقان بالزائرة الغريبة.. تتفحصانها، كأنهما لا تصدقان حقيقة ما مثل أمامهما من غرائب الحياة..!

تمتمت "هيلانة"، وهي تمعن في وجهه، في ذهول..

- "عدنان"؟. عفواً السيد "عدنان"؟!. معؤول..؟!

 تقدم الرجل خطوتين، أغلق إثرهما الباب خلف ظهره في هدوء.. ثم تراجع، مسنداً منكبيه إلى الجدار، وهمس بدوره..في صمتٍ خافتٍ.. مخنوق..

   - "هيلانة"..

رفعت "هيلانة" يدها إلى خدّها، تقول في ذهول مكتوم..

- "يا عدرا.. يا دلّي.. شو الأيام بتخبّي!! معؤول؟!

سكتت هنيهة..قالت بعدها..

- "إنتْ.. "نائب المدير"؟.. هون؟.."

ولمّا هزّ الرجل رأسه بالموافقة.. تابعت كلامها مستغربة..

- "بعلمي كنت عم تدرس حؤوء.. شو جابك للجمرك؟.."

تلا ذلك صمت عادت بعده إلى السؤال:

- "بعدك فايئ عالأوضة إلّي كنت مستأجرا عند التيتا؟.. بالشام؟! بعدك فايئ علينا..؟ وعالبيت؟!.. من كام سني دخلك؟! كام سني صارلو هالحكي؟.."

كان "عدنان" يتفرس في تقاطيع المرأة التي بدت وكأنها تكبره بسنين، "هيلانة".. حفيدة "أم فؤاد" التي كانت تقطن داراً دمشقيّة قديمة، في "باب توما"، زاد عن حاجتها فيه عدد من الغرف، استأجر إحداها.. وأمضى فيها سنة أوما يزيد، قبل أن يتركها إلى غرفة حديثة البناء في المدينة الجامعية، متى كان ذلك؟ أمنذ عشرة أعوام؟.

كان عمره إذ ذاك ثمانية عشر عاماً. قدم من حماه، بعد جهد كبير، أقنع حينها والديه المسنين أن السكن في غرفة مستقلة خيرٌ للدراسة الجامعية من الإقامة في دار أحد أقاربهم.. وفاجأته في دار "أم فؤاد"، حفيدتها اللبنانية، "هيلانة".. كانت ترافق والدتها في رحلاتها من زحلة إلى دمشق، تأتي بين الفينة والأخرى، تمضي فيها أياماً تملأ الدار خلالها بنضارة صباها وفوح أنوثتها.. يراقبها من نافذة غرفته.. تتنقل في حديقة الدار.. تمازح جدّتها.. تداعب الهررة.. تدرك أنه يراقبها.. فلا تلتفت إليه لا تلتفت لأحد.. تتحدث مع الجميع بلهجتها الزّحلاوية الغريبة .. وتتحول لهجتها الغريبة تلك، إلى فتنة وسحر حين يصدح صوتها بغناء "الميجنا" و"أبوالزلف"، فتعلو بشرتها البيضاء، حمرةً خفيفةً.. وترتجف شفتاها الصغيرتان المكتنزتان.. في جدية وحزم وهي تقول "يا زريف الطول يابو الميجنا".. وما كان غناؤها وسيلة للطرب، بل نداءٌ للطبيعة، تطلقه الأنثى في الفضاء.. شذى، يملأ أجواءها حيث تحركت، يتصيد عبقه الذكور..

- "صار شعرك أشأر.."

قال "عدنان" ذلك كأنه يحدّث نفسه.. ثم تنبه إلى أن عينيها الخضراوين لاتزالان على سحرهما.. بالرغم مما تكاثف فوقهما من مساحيق الجمال، بألوانها الغريبة.. بل إن لون شعرها الجديد قد زاد من وضوح إغرائهما.. ولولا بعض البدانة على ذلك الجسد الملفوف.. لكانت "هيلانة" الماضي، ذاتها ، ماثلة أمامه الآن.. سيّان لديه أكانت شقراء الشعر، أم سوداءه.. هي حلم شبابه الأول.. ورجولته الأولى.. قبلة شهوته المتأججة.. يتعبد في وحدته أمام محرابها المنيع..كل ليلة.. لا يعرف إزاءها غير الصمت.. ولا يسعى إلى تجاوزه.. فبين عالميهما مسافات، وظلمات. حسبه أن يحدق في ملامحها.. يكفيه أن يلّف جسدها بنظراته وأحلامه.. يرويهما.. ينقل من ذكريات نهديها إلى سريره، كل مساء! يداعب جسده على خيالات من أنوثتها!

سألت"هيلانة" في تردد وهدوء.. وكان وراء سؤالها معاني عدّة..

- "بعدك بتصلّي؟".

ثم استدركت نفسها فجاة.. فلجأت إلى الصمت وقد علا الدم وجنتيها.. لم تفهم هدفاً لسؤالها. كأنه أفلت منها.. وحين هزّ الرجل رأسه بالإيجاب، رداً على سؤالها.. تشاغلت عنه بإشعال لفافة جديدة من عقب اللفافة القديمة.. ومثلت في ذهنها، بالرغم منها، صورة عدنان الشاب وهو يعود إلى غرفته مارّاً بالحديقة.. يمشي على رؤوس أصابعه... عاري القدمين.. وقد أتمّ وضوءه أمام بحرة الحديقة..

كانت تتعمد ترك الحديقة في تلك الأثناء تراقب حركاته من نافذة جانبية في الدور الأول.. ترى نظراته تبحث عنها في كل مكان .. تعجب لمراسم دينه التي يقوم بها! طقوس غريبة عن أجوائها.. لعلها كانت تنفر منها لاختلاف دينيهما.. لكنها لا تعرف كيف تردّ نظراتها عن أطرافه النظيفة.. عن ساعديه المفتولتين، وقدميه المتناسقتين العاريتين الكبيرتين.! لماذا كانت تنفر من مراسيم النظافة تلك؟.. أليس لأنها ارتبطت في ذهنها بعقيدة لا تفهمها؟..

نظرت إلى حذاء الرجل، وكان يزال يقف أمامها متكئاً على الحائط.. لحظت قبقابه ومشّايته.. وتبسمت، يدور في ذهنها أن قدميه الآن لابد مغسولتان.. نظيفتان.. لاأثر لأية رائحة تعرّق في جوربيه.. أين ذلك من أقدام جميع من عرفتهم خلال عشر سنين، من شباب ورجال بلدتها!!

 تدرجت ابتسامتها على شفتيها.. وهي تسأل..

- "بدّك تَضَل وائف؟! ..حدّ الباب؟!"

تنبه "عدنان" إلى موضعه.. فتقدم من مكتبه في هدوء..يغالب شروده.. فسمعها تقول..

- "بتعرف إني يمكن عمري ما سمعت صوتك؟.."

نظر إليها مستغرباً، لا يعرف كيف يتخلص من حبائل الماضي التي كبلته في تلك اللحظة..انتفض في سره كمن يسعى للعودة إلى صحوة.. فتلفت في شرود يتأمل غرفته التي بدت له فجأة غريبة عن عالمه .. مبهمة الأوصاف.. وخصلات "هيلانة" الشقراء، وزينتها الزائدة، وشاح غريب.. يحاول سدّ تواصله مع ذلك الماضي الأثير! فتسمّرت شفتاه.. كما منذ سنين.. لا كلام.. لا رغبة لديه سوى متابعة النظر إليها.. والنهل من صورة تقاطيعها..

تساءلت "هيلانة" فجأة.. في غير ما إصرار..

- "دخلك.. ليش عمرك ما حاكيتني؟.. ليش عمرك ما فتحت تمّك؟.." 

ولما لم تتلق منه أي جواب.. تابعت، تحدثّ نفسها..

- "سنة وأكتر.. وْلََك۫ ولا كلمة!! مش غريب إنتَ، يعني؟!! ولا كلمة!"

 تبسم "عدنان" لا يفارق شروده.. وقال في بساطة.. في لهجة حموية دمشقية..

- "كنت زغير.. شبّ زغير.."

ردت "هيلاتة"على الفور، تعجبت مما سمعت..

- "زغير؟.. إنت.. كنت زغير؟ إسم الله على هلجسم يلي كان عندك.. طول.. كتاف.."

ثم ترددت، وهي تنتبه إلى ما تقول، وتحاول أن تحدّ من حماسها..

- "..وهلأ.. ليش شو تغير فيك..كنت شبّ.. وصرت رجّال.."

ونقرت على يد مقعدها الخشبي، تحّسباً من العين الحاسدة..

ضحك "عدنان".. وكأن بارقة زهوّ تسربت إلى صوته.. ردّ عاقداً حاجبيه..

- "كنتِ تنتبهي لجسمي بهديك الأيام..؟"

ارتبكت هنيهة.. ولما انطلقت على الفور تجيبه بأنه أمر طبيعي لأية فتاة أن تلاحظ ما حولها.. ومن حولها..خصوصاً إذا كانو من الشباب.. وأن "عدنان" كان شاباً غريباً عن عالمها، ومن محيط لا تعرف من تقاليده شيئاً .. ثم بان على ملامحها نزق يشير إلى أنها تتقمص قوالب مسلكية مألوفة لديها تعودت أن تحتمي بها .. مدّ "عدنان" يده بحركة غريزية إلى جرس صغير، يقرعه.. يوقفهما عن الكلام، يسألها في رفق عما تود تناوله من شراب.. فصمتت، هي الأخرى، وأدركت أنها تمثّل دوراً أخرق.. كأنها تكرر في جديّة دوراً قديماً .. أغنية طفولية تعلمتها في حداثتها.. فتبسمت، وقالت بعد أن طلبت فنجاناً من القهوة..

  - "شفت، يمكن كان الحأ معك.. والسكوت بينّا، كان أفضل.."

*    *    *

قرع الباب في تلك اللحظة ولما أذن "عدنان" للطارق بالدخول، بان رأس السائق، "ميشيل"، ثم جزعه المنحني، وهو يتقدم خطوتين من "هيلانة"، يتصنعّ احتراماً شديداً.. ويقول ... وهو يخفي فرحه وامتنانه.. لطول غيابها..

- "يا ستْنا.. نحنا ناطرينك.. هلأ بنتأخر عالشام.. مش حضرتك يلّي.. عندك شغل هونيك؟.."

تنبهت "هيلانة" فجأة إلى ساعتها متسائلة.. ولما أدركت أنها قضت ما يقارب ثلث الساعة في ذلك المكتب، انقضت وكأنها ثوان أو دقائق معدودات.. استوت في مقعدها.. وهي تقول:

- "كنت بدي أحكيلك على أضيّة.. هلأني تأخرت.. وأخرتك.. خليها لبعدين.. "

- " اشربي الأهوة، على الأءل.."

فأشارت إلى "ميشيل" بانتظارها، دقائق أخرى..لما انصرف هذا سألت عدنان..

- "إنت هون على طول؟"

- "انتألت من كام يوم.. وإنتي؟.. جاية زيارة عالشام؟.."

شدّت قبضتها على المقعد، وهي تقول في تحدّ مصطنع..

- "لأ.. أنا عم بشتغل بالشام.. صرت غنّي.. ليش ما عندك خبر؟!. يحّو إسمي على الإعلانات.. معبي مدخل الشام.. على الطرفين!"

- "إسمك؟!"

ولما أطلعته على إسمها الفني.. ملأت الدهشة وجهه.. وسأل..

- "وين ساكني بالشام؟.."

- "بروح.. وبيجي..ولمّا بنام بالشام.. بنام عند التيتا.. بلبيت زاتو يلي بتعرفو.."

وضحكت، وهي تضيف في عجلة وإغراء..

- "شفت شوما أغرب الأيام.. عم نام بالأوضة زاتها..تفضل إنت واستأجر أوضتك الأديمة.. لنرحع متل ما كنّا.. من أول وجديد!"