الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

روايات الكاتب: وليد عارف الحجّار

 هيلانة

سيرة الكاتب

لقراءة الرواية

 

لقراءة المقابلة الصحفية

بطاقة تعريف الكاتب: وليد عارف الحجّار

 

أديب، موسيقي ورسام  سوري من مواليد دمشق 1932، تلقى دراسته الابتدائية والمتوسطة في معهد برمانا العالي الإنكليزي، حيث بدأ دراسة الموسيقى الكلاسيكية، ثم أنهى دراسته الثانوية في كلية دمشق الأمريكية، منها انتقل إلى جامعة روبرت كولدج في اسطنبول لدراسة الهندسة المعمارية، لكنه تركها مؤثراً دراسة الفن في فرنسا، فأقام في باريس حيث انتسب إلى كل من المعهد العالي الوطني لدراسة التأليف الموسيقي، ومعهد الفنون الجميلة "البوزار" حيث درس الفن التشكيلي. 

 

وفي أواخر الخمسينات سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإكمال دراسته الأكاديمية فدرس العلوم السياسية، ونال شهادة الماجستير فيها من جامعة "وسكنسن".

 

"هاجر إلى إسبانيا في الثمانينات، لكنه كره الاغتراب، فعاد إلى وطنه ليجد نفسه في اغتراب آخر.

 

يعيش حالياً في الفيللا التي بناها على الطراز الألماني "البافاري" في ضواحي مدينة دمشق، حيث يمارس هواياته، ويتابع إنتاج أعماله الإبداعية."

 

هو واسع الثقافة، والاهتمامات، يتقن من اللغات حوالي الخمس أو الست. هو أديب روائي، عضو في اتحاد الكتاب العرب.

 

في الأدب: صدرت له ثلاثية في "البحث عن الأنا" منذ عام 1973 وهى:

 

"مسافر بلا حقائب" ، "السقوط إلى أعلى" ، "رحلة النيلوفر أو آخر الأمويين" تقع جميعاً في أكثر من 1500 صفحة.

طبعت ثلاثة آلاف نسخة من كلٍ منها وزعت وبيعت جميعاً.

 

ثم مؤخراً رواية "هيلانة" عام 2002.

 

في الموسيقى الكلاسيكية: هو الآن عضو اللجنة الموسيقية العليا في سورية.

وهو للأسف، كمؤلف موسيقي، لازال غير معروف حتى في الأوساط الأكثر تنويراً أو لدى الفئة "البيروقراطية" المثقفة في بلده الأصلي، بينما هو معروف ومنتشر في أوروبا.

 

قدم للمكتبة الموسيقية العالمية العديد من الأعمال التي تحتفظ بها معاهد الموسيقى الكلاسيكية في أوروبا، نذكر منها Piano Solo: (مؤلفات لآلة البيانو)

Sonatine

Toccata

Fuge

Etude 1 Révolutionnaire (Chopeniana)•

Etude 2 Nocturne (1). Nocturne (2). Nocturne (3)•

Violin and Piano: (مؤلفات لآلتي البيانو والكمان)

Dance Crépusculaire

Romance

Méditation

Prélude Tragique

Adagio

صدر له مؤخراً(CD) في روما يحتوي مؤلفاته الموسيقية لآلتي البيانو والكمان، وهو من عزف الفنان الروسي "فيكتور بونين" وأفضل عازفين سوريين:

"غزوان الزركلي": (بيانو)، و" أشرف الكاتب": (كمان).

وقد ظهرت إحدى مؤلفاته في (CD) آخر واسمه "إيماء" ضم أعمال ثمانية من المؤلفين الموسيقيين الكلاسيكيين العرب.

 

في الفن التشكيلي:

وهو أيضاً فنان تشكيلي، أقام معارض في روما وبرشلونة وباريس... وباع الكثير منها هناك، لكنه مع ذلك لم يقم أي معرض للوحاته في العالم العربي.

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

الرواية

الفصل الرابع

الفصل الثالث

الفصل الثاني

الفصل الأول 

الفصل الخامس

الفصل السادس

الفصل السابع

 الفصل الثامن

الفصل التاسع

الفصل العاشر

الفصل الحادي عشر

الفصل الثاني عشر

الفصل الثالث عشر

 

هيلانة

 

خرجت "هيلانة" راكضة متعثرة، من دارها..غير آبهة إلى أنها لم تتم زينة وجهها.. تتلفت يميناً ويساراً مع وقع الصدى الحاد لدوي طلقات نارية قريبة، تشد قبضتيها على ما تحمله من حقائب متوسطة الحجم.. تتوقع ظهور "ميشيل"..وقد هتف لها، منذ لحظات، يشعرها بأنه في طريقه إلى المدينة.. وأنه لن يتوقف لانتظارها إلا ثواني معدودة.. فالطريق عبر سهل البقاع محفوف بالمخاطر.. والخروج من بلدتها وضواحيها، في ظلام الليل، محفوف بالقناصة، أشبه بمحاولة أكيدة للانتحار..كيف لا .. وأنوار سيارته الأمامية تحيله إلى هدف سهل مغرٍ لكل من يتدرب على إصابة الطرائد المتحركة..

ألقت نظرة خاطفة على ساعتها ..، تتمتم لنفسها في لهجة "زحلاوية" واضحة..

- "يادلّي..يادلّي.. هلأني بيغيب الضوّ..وخود يا أنص..وشوبدّو يوصلني بعدين عالشام؟"..

بانت في تلك اللحظة مقدمة سيارة "ميشيل" على المنعطف، وفاجأت أنوارها الكاشفة هرة حبلى سوداء، تسمرت في مكانها مذعورة لا تعرف الهروب.. غابت تحت العجلات، فيما تقلصت تقاطيع وجه "هيلانة" هلعاً وصرخت:

- "يادلّي..يادلّي.. راحت، هالمعتّرة.. ماتت.. ما كان فيك ما تدعسها؟!"

صاح السائق يستحثها على الإسراع والالتفات إلى ما هو أهم..وكان قد توقف قربها..

- "يلاّ ..يلاّ..هلّأ خفتي عالبسّة؟.."

ألقت "هيلانة" بأمتعتها في صندوق السيارة الخلفي متبرمة، وأسرعت تفتح الباب، قرب السائق .. وتقفز إلى جانبه..قائلة..

-"طيّب منيح.. ولوّ.. وشو ذنبها هيّي؟.. ضروري تدعسها؟.."

نظرت إلى ساعتها، مرة أخرى وتلفتت في شرود.. ثم أخفضت رأسها حذرة، تراقب ما بان عبر الظلام من السفوح العالية، المطلة على البلدة.. تتهيب رصاص القناصين..وقد تركت السيارة طرف البلدة الجانبية الضيقة، وخرجت إلى الشارع العريض الذي يخترق الوادي.. ويشطر البلدة إلى شطرين.

تعالت ضربات قلب "هيلانة" وهي تقترب من الساحة العامة التي تشرف على الضاحية المليئة بالمسلّحين الموالين للمليشيات الزحلاوية.. وتمتمت للسائق في تطيّر وقد شاهد ما يشبه إنساناً ممدداً على الأرض.. جسداً، أو جثّة ..لا حياة فيها..

- "شو هيدا..دخلك هّلي عالأرض؟.. جسّة رجّال ولاّ مرا؟!.."

- "ويّن؟"

- "هونيك.. حدّ السجرة.."

هز "ميشيل"رأسه عجباً.. وقال في صوت لاحرارة فيه..

- "ليكونوا أتلو بشي محلّ، وزتّو هون.."

- "ليكونوا أتلو.. هلأ"

- "تعي لنشوف مين هوّ ..بلكي منعرفو.."

اقترب بالسيارة من الجثة الملقاة على وجهها..إزاء الرصيف..وتوقف على بعد أمتار منها.. فبادرت "هيلانة"..فجأة، وبحزم..

- "خلّيك إنت هون.. دوّر السيارة.. أنا بنزل بشوف..وبرجع ركد..!"

وترجلت، مقتربة من الجثة في هدوء بارد، وتصميم..وراحت تتفحص ما بان من تقاطيع وجهها..ولمّا لم تنجح في التعرف على معالم جانب وجه القتيل، الملطخ بالدم المتخثر.. أحكمت قدمها تحت كتفه ورفعته في بطء..ثم قالت، بعد أن تمعنت في معالم جانب الوجه..

- "الله بيعلم مين هوّ.. شو بدنا..يا..!!"

وسحبت قدمها، مسرعة، عائدة نحو السيارة.. وحين جلست إلى جانب السائق.. قالت ... وهي تحكم خصلات شعرها وراء كتفتها..

- "مش الهيئة الحالة رح تخلص على خير.."

- "وخليها ما تخلص.. زاتن إزا ما خربت.. ما بتعمر.!"

أطالت "هيلانة" النظر في وجه السائق، ثم قالت، وهي تعود للنظر أمامها..

- "بعد بدكن ياها تخرب..أكتر من هيك؟..ليش بعد في خراب.. أكتر من هيك؟.."

لم يردّ "ميشيل" عليها.. ذكّره قولها بآراء أمه حول الخراب.. وقد تشكلت في ذهنها قناعة عبر صور المجاعة أوالموت، ورثتها عن أبيها الذي خاض هو الآخر الحرب الطائفية في القرن الماضي.. لكن، ماذا يهمه من جيل أمه وآرائه.. إنه من جيل سوف يعيد بناء الوطن، يبنيه من جديد.. وطن خالص العقيدة والدين، بل وخالص الانتماء إلى الزعيم الأوحد!! أما ابن عمه.. من لحمه و دينه.. فأمره لغزٌ لن يفهمه، مهما حاول ذلك..كيف يحارب ابن عمه في صفوف الأعداء.. وهو على الطرف الآخر من القتال؟.. كيف يقفون على اختلاف أديانهم مع الفلسطينيين في خندق واحد؟  يا لهم من أوغاد!!

كانت السيارة قد تجاوزت "حوش الأمراء".. واقتربت من الحدود.. فنظر"ميشيل" عبر المرآة إلى المقعد الخلفي يتفحص المسند الأوسط، يطمئن نفسه، يتأكد من عدم وجود ما يشير إلى ما أخفى وراءه من أسلحة خفيفة.. أسلحة وذخيرة لم يكن هدفه المتاجرة بها.. وبالرغم مما يجنيه من أرباح من وراء بيعها.. فهو لا يبيعها في العاصمة إلا لأولئك الذين يساندون حزبه.. كيف لا يدرك ابن عمه أنه لا معنى لوجود لبنان الكبير إلا إذا انطوى تحت قيادة الحزب الواحد.. والزعيم الواحد؟!.. وهم يناصرون تحركات سياسية لا غالبية لهم فيها.

*  *  *

توقف على الطريق.. مشغول البال، أمام متجر أحد أقربائه، وأسرع يملأ صندوق السيارة بالمواد الغذائية المطلوبة في دمشق.. ثم غطى هذه بعلب الحلوى، والحليب، والسمن التي يتقاضاها موظفو الجمرك إتاوة وثمناً لسكوتهم على بقية ما يقوم بنقله من معلبات عدة مرات كل يوم. لقد قيل له ذلك الصباح إن نائب المدير القديم قد استبدل بآخر جديد. وإن هذا سيبدأ عمله في الظهيرة.. ترى، هل ستسير الأمور بينهما على ما يرام؟.. هل سيصل معه إلى اتفاق معقول تتم فيه مصلحة الطرفين.. هل تسرع في ملء السيارة بالمعلبات قبل الوصول إلى اتفاق؟.. وتلك المسدسات المختفية وراء مسند المقعد الخلفي.. ماذا عنها؟.. لقد اضطر إلى نقلها وقد تسلمها اليوم، وليس لديه في بلدته من مخبأ يأمن إليه، يتركها فيه حتى صباح اليوم التالي.. فكيف يعبر الحدود، على غير عادته، في سيارة فارغة من المعلبات؟.. ألن يثير ذلك شكوك بقية الخفراء الذين تعودوا على تلقي الإتاوات فيدفع ذلك بأحدهم إلى طلب تفتيش مقاعد السيارة.. أو النظر خلف مساندها..؟ فيكتشف المسدسات!!

 لا.. لا.. عليه أن يملأ السيارة بالمعلبات.. بل وعليه أن يزيد من "الهدايا" للخفراء.. ويستبدل زجاجات الخمر، بغيرها من "الويسكي"..

*  *  *

سمع صوت "هيلانة" يخاطبه.. يستحثه على السرعة، وكان لها أسلوب الغانيات في التبرم وإصدار الأوامر، فتمتم في سره وهو يغلق غطاء صندوق السيارة..

- "على شو مستعجلة.. يا بنت الكلب!! خايفة يروح عليك شي زبون بالشام؟!"

وعاد إلى مقعد القيادة في صمت، يدير مفتاح المحرك، وهو ينظر إليها بطرف عينيه.. يلحظ العقد الذهبي الذي تحلت به لتوها.. يختلس النظر إلى صدرها الممتلئ.. وإلى حركة ساقيها اللتين لفّتهما على بعض كاشفة بذلك عن ركبةٍ بضةٍ، ملساء، وردية اللون.. تمنى لو يداعبها..

*  *  *

كان الطقس بارداً، غائماً.. لا يرى من الطبيعة المكفهرة إلا غيوم منخفضةً، وضبابٌ زاد من ظلمة الطريق فلم يعد يبدو منه إلا انعكاس نورمصباحي السيارة على الإسفلت الأسود اللامع..

 شاهدت "هيلانة" أضواء خافتة تتحرك أمامها على الطريق.. تشير إليهما بالتوقف..فسارعت للقول:

- "أوعا تاخد ركاب هه.. عم بدفع 250 ليرة، لحتى أوصل مرتاحة.. وبدون مشاكل!!"

- "طمني بالك..هيدا حاجز أمن.."

- "لمين؟.. مآومة ولا شو؟"

- "لأ..ردع..ك.. أختهن.."

- "الله ينجينا!!"

- "وعشو خايفة.. دخلك؟.. أنا يلّي لازم خاف، ومش عم بحكي شي..!

- "إنت؟.. ومن شو خايف دخلك؟.."

- "هلأ بيفتحو لي الصندوء.. وبياخدوا منّوعلى كيفهم.."

كانت السيارة قد تباطأت، ثم توقفت أمام الحاجز.. فأسرع "ميشيل" يترجل منها.. حاملاً بطاقته الشخصيّة وبطاقة "هيلانة".. وتقدم من الضابط، يسرّ له في أذنه بأمر خاص.. فنظر هذا إلى بطاقة "هيلانة" ثم تمعن في وجهها تحت وهج نور مصباحه الكاشف.. وهز رأسه، مشيراً إلى السائق بالمضيّ في سبيله..

- "أسرع "ميشيل" إلى مقعده، يدير المحرك، مبتسماً في الظلام، هامسا لنفسه..

- "بشكرك، يا رب.."

همست "هيلانة"، تسأله مستغربة، تتصنع الامبالاة

- "شو إلتلوً حتى مرأك أوام؟!

كانت السيارة قد ابتعدت عن الحاجز العسكري.. فرفع "ميشيل" صوته، مفاخراً بفطنته..يقول:

- "إلتلّو.. إنك صاحبة "أبوعمر" رئيس الردع.."بشتورا".."

- "وسدّأك؟.. هالمصطول؟!"

- "وليش حتى ما يسدّئني.. وهوّي في "أبوحدا"..ماعندو صاحبة؟.. وما بيبعت مع الشوفيرية، غراض؟"

 أخلد إلى الصمت لحظة..ثم قال وكأنه تنبه إلى أمر..

- "بتعرفي شو؟.."

كانت "هيلانة" تكتم غيظها لما استغله "ميشيل" من وجودها معه..فردت في اقتضاب..

- "لأ.. ما بعرف شو..! ولا بريد أعرف!!"

عجب "ميشيل"، وسأل في تعالٍ مفاجئ..

- "دخلك؟! ولشو شوفة الحال؟! شو عملنالك؟..سبّينا عرضك؟.."

أردفت على الفور..

- "لكان شو إلو طعمة هلحكي؟! آل أنا صاحبة "أبوإرد"..آل.."

- "أبوإرد، ولاّ غيره!! ليش غيرو..أحسن منو؟.. وانشلا مفتكري إنهم مش عارفينك.. وعارفين إصّتك.. وشوعم تعملي عندن؟.."

لم ترد "هيلانة" على ما سمعت..امتقع وجهها.. تجاهلت غمزة "ميشيل".. وبرزت صورة والدتها فجاةً في مخيلتها..تتفحصها وهي تتساءل عن طبيعة عملها في العاصمة..

*  *  *

ًكانت أمها من أصل دمشقي.. زاولت مهنة الخياطة في صباها، قبل أن تزفّ إلى شاب زحلاوي ورث عن أبيه أحد مقاهي الوادي.. وكان المقهى يدرّعليهما ربحاً وفيراً. وما إن توفي زوجها حتى تناقص الربح وانبرى من كانوا يعملون فيه، الواحد تلو الآخر، يأتونها بأخبار السرقات.. يتهم كل منهم غيره بالسرقة..يمنيها بالخلاص من معضلتها إذا ما وضعته هو رقيباً سرياً على غيره من الموظفين..! حتى عيل صبرها.. وأسقط في يدها حين أوشك الربح على التلاشي، وتحول مصدر رزقها إلى مصدر للخسارة.. فلم تجد في النهاية من حل، غير تأجير المقهى، لقاء مبلغ متواضع يأمن لها ولوحيدتها "هيلانة" شر الفاقة والعوز.. ويبعد ابنتها ذات الصوت الجميل عن غزل شباب الوادي الذين تنضح أنفاسهم بانغام الميجنا.. ورائحة المسكرات! لكن السنين تتالت سراعاً.. وها هي "هيلانة" في الثلاثينات من عمرها أو يزيد، ليس في جمالها الهادئ ما يلهب مشاعر الخاطبين.. ولا في إرثها ما يلهيهم عن أخبارعلاقات باهتة، زاد عددها مع الأيام حتى تعاظم في اذهان الناس، وبات حدثاً واحداً، داكن اللون.. يجعلهم، إذا ما ذكرت الفتاة يقولون في توجس:

- ".."هيلانة"؟.. شو بدكن منها.. هيدي من واحد لواحد.. ما خلت حدا من شرها..!"

*  *  *

تراءى "لهيلانة" وجه أمها  الصارم وهي تتلقّي في وجوم، منذ أشهر، نبأ قرار ابنتها بمزاولة مهنة الغناء!..

بدت أمها آنذاك وكأنها على وشك أن تطلق صيحة نكراء.. وإذ بها تصمت دقائق طويلة.. يتوارد إلى ذهنها خلالها ما سوف تعانيه من فاقة حين ينفذ بقية ما معهما من مال.. منعها ذلك الخاطر عن مهاجمة ابنتها.. فقالت في تبرم ظاهر.. وسخرية مبطنة..

- "وين.. من غير شرّ.. رح تغنّي؟.. بالوادي؟.. تحت الرصاص؟,, ولا.. "بالكازينو".. بالمعاملتين؟!.."

سخرت "هيلانة" من فكرة أنها قد تغني يوماً في "الكازينو"، وقالت:

- "لأ.. بعد بدي كتير لأوصل لهونيك..!"

تمهلت هنيهة وأضافت..

- "هلأني.. رح بلّش.. محل سهر..للعائلات.."

التفتت إليها أمها، فجأة.. وقالت، متعجبة، ساخرة..:

- " وشو بدو ياخدك.. ويجيبك من بلد لبلد؟.. منك شايفة الأتل والضرب يلّي عايشين فيه؟.."

- "شو.. ناسية أنو التيتا بالشام؟.. اليوم يلّي ما فيّي إرجع فيه لزحلة..بمضيه عندها.. أو بنام.. هونيك..

- " وبتنامي عندها..كمان.. من غير شر؟.."

هزأت "هيلانة".. قائلة.. في تهكم..

- "بعدك بتخافي عليّي؟.. ليكون مفكرتيني بعدني زغيرة؟..طاهرة..!!"

- "يا ريتك بعدك زغيرة..ما كان على ألبي همّ!!"

- "دخيلك.. وشو هو الهمّ يلي جبتلك يا؟.. بس أوليلي..الله يعدّمك ياني.. لترتاحي منّي..!!"

*  *  *

كانت السيارة قد توقفت أمام حاجز آخر.. قرب مركز الحدود، في المصنع، فتنبهت "هيلانة" إلى "ميشيل"، ينوي الترجل منها مرة أخرى لملاقاة الضابط المسؤول.. فقالت متبرمة.. متوعدة..

- "أوعك تألو إني صاحبة حدا!! بعملّك إصة إلها أول، وما إلها آخر..!"

هزّ "ميشيل" رأسه، في تعجب، منصاعاً.. ومدّ يده للجندي ببطاقتي الهوية.. دون الترجّل من السيارة.. فأعادها هذا إليه، قائلاً.. بعد تفحص سريع..

- "بتاخد معك هالشخص.. للجديدة؟"

التفت "ميشيل" مسرعاً إلى "هيلانة"، مشيراً لها بعينيه أن لابدّ لهما من النزول عند طلب مجند الردع.. وأجاب:

- "ولوّ.. أهلاً.. وسهلاً.. تفضّل يا عيني.. تفضّل.. بس عجّل شوي إزا بتريد.."

وبعد أن صعد الرجل إلى المقعد الخلفي، وراح يتفحص "هيلانة" في نظرات مبطنة سليطة، تحركت السيارة نحو مركز الحدود، ولم تتوقف عندها إلا دقائق، تابعت بعدها رحلتها عبر المنطقة الخالية من تلك المسافة، بالرغم من قصرها، لولا وجود الرجل الغريب خلفه، جلس متكئاً على المسند الذي أخفى وراءه حمله من المسدسات! ولعل "ميشيل" كان على وشك إشراك "هيلانة" في همومه..يطلب مساعدتها، فيما لو تعُثرت الأمور مع الضابط الجمركي الجديد، بما يتعلق بالمعلبات الغذائية.. يود لو أنها تدّعي أن قسماً منها يخصّها.. والباقي تحمله لدار "أبوعمر" في العاصمة، أو غيره من المسؤولين. ضاق بما فرض عليه من صمت.. تباطأ.. يستعرض الاحتمالات في ذهنه.. وإذا بالراكب الغريب يقول في لهجة شاميّة..

- "علحساب مستعجل.. شو..وين شارد؟.."

تنبه "ميشيل" لنفسه.. وقال ساهماً..

- "لا شارد، ولا شي.. الموتور حميان شويّ..بس ليكون إنت مستعجل.. وين بتريد تنزل عالمزبوط؟.."

- "بالأمن العام.. عند رئيس المركز.. ليكون أزعجتك؟.."

- "أبداً يا خيّي..! شو فيها إزعاج.. مالحنا لبعضنا البعض!"

- "انشلّه ما تكونوا عم تنزعجوا من الردع..بلبنان؟.."

رد "ميشيل" على الفور مستنكراً..

- "ولو.. شو هالحكي.. هودي إخوتنا.. بلاهم.. مدري شو كان صار فينا.."

لم تستطع "هيلانة" منع نفسها من نظرة خفيفة حدجت بها "ميشيل".. تستطلع وجهه وهو يتملّق الرجل الغريب.. وكأنما "ميشيل" أحس بنظراتها.. فتابع قائلاً..ً

- "مين، بسوريا ما إلو أرايب عنّا؟.. أبوها من الوادي.."

- ""الإخوان من زحلة؟.."

- "أيوة.."

- "والنعم.. بس إيمتا رحّ تخلصو من أخوات هاأحبة هالّي عندكم.. فوّتولنا إسرائيل على لزحلة..! ولك معؤول هالشي..!! هنّي وإسرائيل على جبهة واحدة!! كتف جنب كتف ضدنا!!"

امتقع وجه "ميشيل".. في عتمة السيارة.. ثم غاب الدم عن خدّيه.. لكنه بادرإلى القول.. مصطنعاً الموافقة..

- " إخوات الأحبة وبس؟!.. ولك بدهن تدبيح.. واحد.. واحد..!!"

*  *  *

أوقف السيارة قرب مدخل بناء الأمن العام.. وأخذ يتشاغل بالبحث عن بطاقتي الهوية.. فترجّل الرجل الغريب منها.. وهو يشكر السائق في دماثة متعالية.. وابتعد وهو يسأل..

- "بتريد خدمة.. من هون؟.."

- " متشكرين يا خيّي.. الله معك.."

سخرت "هيلانة"من ميشيل"، قائلة:

- "بدهن تدبيح!! مش هيك؟!."

التفت إليها بانزعاج.. وأجاب في تحدٍّ..

- "دخيلك.. وشو عم تعملي إنتي عندهم؟.. مش عم ترأصيلهم.. وتغنيلهم؟؟؟ بقى اسكتي وخليها لألله!.. وعلى كل حال.. أنا.. لما عم إرجع لعنّا.. عم أوم بالواجب.. وأكتر!!"

ورفع ياقة معطفه، يتّقي بللاً من الأمطار انهمر عليه وهو يترجّل من السيارة.. فأسرع راكضاً نحو المبنى الجمركي.. في حين أشعلت "هيلانة" لفافة.. نفثت دخانها حولها في تذمر وضيق، ثم راحت تمسح وشاحاً من الضباب تكاثف على زجاج نافذتها وعلى الزجاج الأمامي وهي تراقب من بعيد ما بدا لها من الأضواء الخلفية الحمراء لعدد كبير من السيارات، أمام المركز الجمركي، تنتظر دورها في التفتيش للعبورإلى الطرف الآخر..

عاد "ميشيل" ممتقع الوجه.. أغلق باب السيارة في عنف وهو يجلس أمام مقودها.. يقول "لهيلانة"، دون أن يدير مفتاح المحرك..

- "يزهر إنو الله ساددها بوجّنا هلّيلة.."

- "خير.. شوفي؟!"

التفت إليها في هدوء وتصميم.. وقال..

- "اسمعي.. أنا ما إلتلّك.. بس الصندوء ورا معبّا غراض.. وفي موَزَف جديد بالجمرك.. وائف هونيك.. مش عم يمرئ فارة بدون ما يفتّشها.. ويحرئ دينها تفتيش!"

عجبت "هيلانة".. لم تفهم ما يرمي إليه.. فقالت في حيرة ظاهرة..

- "شو إنت أول واحد محمّل غراض؟.. وليش.. هيدي، أول مرة بتروح فيها عالشام؟.. مين بدو يوصّلني عالشام.. تحت هالمطر؟!"

 ونظرت إلى ساعتها في وجل.. متابعة..

- " ولك صارت الساعة تسعة.. وعندي "بروغرام" الساعة طنعش!!"

- "طولي بالك.. هلأ بيمروء حدا منعرفه.. بأمّنك معه.."

وأطبق صمت ممضّ.. أشعل لفافة تبغ خلاله، يهز رأسه تحسباً.. يلقي بنظرات خاطفة، عبر المرآة إلى المقعد الخلفي.. وقد هاله ما كان سيتعرض إليه لولا أن ساعدته الأقدار، وأخبره أحد الخفراء، وكان مصادفة داخل مبنى الأمن، بأن الموظف الجديد، نائب رئيس المركز الجمركي، يشرف بنفسه على التفتيش.. لا يكتفي بفتح الصناديق الخلفية، وتفريغها من جميع محتوياتها، بل إنه يقلب مقاعد السيارات، ويفتش جميع المخابئ الممكنة، المختفية ضمن هيكلها المعدني..

كانت "هيلانة" على وشك الكلام.. تتململ في مقعدها في ضيق.. لا تعرف بالضبط ماذا تقول أو تفعل، حين اقترب أحدهم من السيارة، وتوجه نحو السائق، يؤشر إليه أن يفتح نافذتها. فما إن قام "ميشيل" بذلك حتى بدا لباسه الرسمي.. أسند كوعيه إلى حافة الباب.. ودون ان يتكلم أخذ يتفحص وجه "هيلانة" وثيابها.. ثم أشار إلى "ميشيل" بالخروج من سيارته، لحظة يودّ محادثته على انفراد..

همس "ميشيل" لهيلانة وهو يغادر السيارة..

- "هيدا صاحبي.. خليكي لحزة.. بلكي بدبرلنا شي طريئة!"

غاب هنيهة، عاد إلى مكانه بعدها.. يشعل لفافة ثانية.. نفخ دخانها أمامه في تمهل.. فسألته "هيلانة" في نزق..

- "خير ألك شي؟ خبّرني!!"

أجابها السائق في برود..

- "إي ألّي.. بس ما بعرف إزا كانت الطريئة بتنجح.."

- "ولك أول شو هيي.. خلصني.. بدي أعرف شو أعمل بحالي!!"

نظر إليها طويلاً ثم قال:

- "إلتلك هيدا الزلمة صاحبي.. وهو هلأ وائف عالتفتيش..كل شي بدو منّا.. هوّ إنو يجي حداً، يلهي هيداك شوي.. يشغلو شوي.. شي ربع ساعة.. ياخدو لمكتبه"

تمهل هنيهة.. ثم تابع..

- "حداً.. يدَخل نايب المدير على المكتب.. يخليه هونيك شوي.. يلهيه شي ربع ساعة، بلحكي.. بيكون صاحبي مرّأنا.. ومرّألو شي عشر سيارات،.. وعملّو إرشين نضاف!!"

لم يفت على بديهة "هيلانة" هدف السائق من إطلاعها على حديثه مع الخفير.. لكنها لم تفهم دورها بالضبط..

في تلك الخطة المفاجئة.. وَمض في ذهنها أن ما يطلب منها لهو أغلى بكثير من حاجتها في وصولٍ سريعٍ إلى المدينة..!

فردّت على الفور..

 - "ولك.."ميشيل".. شو تخمين شايفينّي بنت زغيرة أنا؟  بعدني عم إرضع؟.. مفتكرني بروح مع مين ما كان؟"

ردّ السائق عليها في هدوء

ْ– "يا ستي..إلك خمس تالاف ليرة على هشّغلة..منيح؟!"

فتحت"هيلانة" عينيها دهشة لما سمعت.. فبادرها السائق على الفور..

- "أوعي تكوني فهمتينا غلط.. كل شي مطلوب منك.. هو إنك تلهيه بالحكي.. بس حكي مش أكتر!! وهلأني بألك شو هوّي الموضوع يلّّي بيسحبو لجوّا!"

- "ولك إزا كنت ما بعرفه..! كيف بدّي إسحبو لجوّأ؟! ودخلك شو محمل إنت، ورا، حتى تدفع خمس تالاف ليرة؟ ليكون السيارة فيها شي..؟!"

- "مش أنا يلّّي رح يدفع..لأ.. مش أنا وحدي، بس..! أنا والخفير.. إلتلك بيكون مرّألو شي عشرين سيارة.. منّك عارفة شو بيطلعلو بعشرين سيارة؟.."

وحين توسم في وجوم "هيلانة" قنوطاً قد يوصله إلى ما يريد.. حدّثها عما اقترحه الخفير.. من أن عليها أن تدخل مكتب نائب المدير.. وتطلب مقابلته في أمر هام.. يأتي إليها.. فتنبئه أنها على اطّلاع على خطة جماعة تعمل بالمخدرات.. تنوي تهريب حمولة كبيرة منها، إلى العاصمة..! وتستفيض في الحديث.. مستوضحة ما سوف ينالها من عمولة إذا ما تمّ للجمرك القبض على تلك الجماعة، وحمولتها. في تلك الأثناء يكون غياب نائب المدير قد سهل مرور عدد من السيارات، ومنها سيارة "ميشيل"..

مرّت دقائق صمت طويلة مدّ "ميشيل" بعدها يده "لأهيلانة" بلفافة، وهو يقول:

- "شو رأيك؟.. هيدا الخفير.. وائف هونيك..ناطر منّي إشارة.. الشغلة ولا أسهل من هيك.. وما فيها ولا مشكلة بالنسبة إلك.. كلها حكي بحكي.. شغلة مضمونة.. وما في من وراها وجع راس.. ولا إلك علاءة بحدا.. ويا ستّي إزا رجع أبل الوأت .. وكشف على سيارتي.. بدفع هلّي عليّي.. وإنت لا تتعرفي لا عليّي.. ولا على حدا!! شو إلتي؟! وهيدي الفلوس.. سلف!! منيح؟!"

 

 

الفصل الثاني

 

جلست "هيلانة" في غرفة نائب الأمين الجمركي، تنتظر وصوله وكانت مثّلت دورها المطلوب منها وأصّرت على أحد الحجّاب أن يخفّ إليه .. ينبئه .. أن هناك من ينتظره في مكتبه، في أمر هام.. "سيدة.. تريده في قضية غاية في الأهمية..!" راحت تلقي على الغرفة نظرات متفحّصة.. تتعجب لصرامة المكان.. تستغرب ما سمعته عن صاحبه من تشددّه المفرط في التفتيش و تطبيق القانون.. يجول في ذهنها: إنها المرة الأولى والأخيرة التي ستزاول فيها مثل هذه الخدعة!! حقيقة.. لقد انصاعت لإغراء المال، ولرغبة ملحّة في الوصول السريع إلى وجهتها في دمشق، يزكيها نفورها من الوقوف في برد الشتاء القارس تنتظر مركبة غير سيارة "ميشيل"، تقلها إلى مكان عملها!

 وتوارد إلى ذهنها، وهي ساهمة، بعض ما تسمعه، وما ينمّ إليها من ذمّ وتجريح لسمعتها، سببهما مهنتها الجديدة..! تعجبت من نفاق الناس.. وتحاملهم عليها.. أليست فيما تقوم به من "عمل" في ملاهي دمشق، بالرغم من مشقة السفر الدائم ومتاعب التعامل مع جمهور مخمور، سليط اللسان.. أليست مهنتها تلك أشرف بكثير .. بل لنقل، أقرب بمراحل إلى "الاستقامة" والصواب من التهريب واللجوء إلى خداع المسؤولين!..زاد توجسّها مما كانت مقدمة عليه، أحسّت أن مجرد التفكير في تهريب المخدرات، وفي الذين يزاولون مثل تلك الأعمال يثير في نفسها التقزز.. وكأنها، فعلاً، في شكل من الأشكال ضالعة في تلك الجريمة مع أصاحبها..

 لم يكن في الغرفة من أثاث سوى مكتب خشبي قديم، وسرير عسكري تنبّهت إلى نظافة ملاءته وغطاء وسادته.. ثم باب ضيّق يقود إلى فسحة تكاد تملؤها مائدة صغيرة تفرّقت عليها أدوات القهوة والشاي.. لكن أكثر ما أثار فضولها هو قبقاب خشبي نظيف، صُفَ إلى جانب "مشَاية" وكأنها لتلميذ شديد التزمت والترتيب، نظرت إلى الحائط، تحدّق في تفاصيل صورة علقت عليه، وحين سمعت وقع خطا ً تقترب من الغرفة، أسرعت تحكم وضع بعض خصلات شعرها على كتفها.. ثم التفتت إلى حقيبة يدها، تفتحها، في عدم اكتراث مفتعل، تخرج منها علبة "الدخان".. تنظر نحو الباب وهي تشعل طرف لفافة منها.

توقف أمام الباب رجل مديد القامة في الثلاثين من عمره، أوأكثر.. عريض المنكبين، نحيل الجسم.. كان قد تسمّر في مكانه .. يده لا تزال تشدّ على مقبض الباب، وباليد الأخرى، رفع بأصابعه خصلة شعرٍ ملساء، كاشفةً اللون، عن عينين زرقاوين سابرتين، راحتا تحدقان بالزائرة الغريبة.. تتفحصانها، كأنهما لا تصدقان حقيقة ما مثل أمامهما من غرائب الحياة..!

تمتمت "هيلانة"، وهي تمعن في وجهه، في ذهول..

- "عدنان"؟. عفواً السيد "عدنان"؟!. معؤول..؟!

 تقدم الرجل خطوتين، أغلق إثرهما الباب خلف ظهره في هدوء.. ثم تراجع، مسنداً منكبيه إلى الجدار، وهمس بدوره..في صمتٍ خافتٍ.. مخنوق..

   - "هيلانة"..

رفعت "هيلانة" يدها إلى خدّها، تقول في ذهول مكتوم..

- "يا عدرا.. يا دلّي.. شو الأيام بتخبّي!! معؤول؟!

سكتت هنيهة..قالت بعدها..

- "إنتْ.. "نائب المدير"؟.. هون؟.."

ولمّا هزّ الرجل رأسه بالموافقة.. تابعت كلامها مستغربة..

- "بعلمي كنت عم تدرس حؤوء.. شو جابك للجمرك؟.."

تلا ذلك صمت عادت بعده إلى السؤال:

- "بعدك فايئ عالأوضة إلّي كنت مستأجرا عند التيتا؟.. بالشام؟! بعدك فايئ علينا..؟ وعالبيت؟!.. من كام سني دخلك؟! كام سني صارلو هالحكي؟.."

كان "عدنان" يتفرس في تقاطيع المرأة التي بدت وكأنها تكبره بسنين، "هيلانة".. حفيدة "أم فؤاد" التي كانت تقطن داراً دمشقيّة قديمة، في "باب توما"، زاد عن حاجتها فيه عدد من الغرف، استأجر إحداها.. وأمضى فيها سنة أوما يزيد، قبل أن يتركها إلى غرفة حديثة البناء في المدينة الجامعية، متى كان ذلك؟ أمنذ عشرة أعوام؟.

كان عمره إذ ذاك ثمانية عشر عاماً. قدم من حماه، بعد جهد كبير، أقنع حينها والديه المسنين أن السكن في غرفة مستقلة خيرٌ للدراسة الجامعية من الإقامة في دار أحد أقاربهم.. وفاجأته في دار "أم فؤاد"، حفيدتها اللبنانية، "هيلانة".. كانت ترافق والدتها في رحلاتها من زحلة إلى دمشق، تأتي بين الفينة والأخرى، تمضي فيها أياماً تملأ الدار خلالها بنضارة صباها وفوح أنوثتها.. يراقبها من نافذة غرفته.. تتنقل في حديقة الدار.. تمازح جدّتها.. تداعب الهررة.. تدرك أنه يراقبها.. فلا تلتفت إليه لا تلتفت لأحد.. تتحدث مع الجميع بلهجتها الزّحلاوية الغريبة .. وتتحول لهجتها الغريبة تلك، إلى فتنة وسحر حين يصدح صوتها بغناء "الميجنا" و"أبوالزلف"، فتعلو بشرتها البيضاء، حمرةً خفيفةً.. وترتجف شفتاها الصغيرتان المكتنزتان.. في جدية وحزم وهي تقول "يا زريف الطول يابو الميجنا".. وما كان غناؤها وسيلة للطرب، بل نداءٌ للطبيعة، تطلقه الأنثى في الفضاء.. شذى، يملأ أجواءها حيث تحركت، يتصيد عبقه الذكور..

- "صار شعرك أشأر.."

قال "عدنان" ذلك كأنه يحدّث نفسه.. ثم تنبه إلى أن عينيها الخضراوين لاتزالان على سحرهما.. بالرغم مما تكاثف فوقهما من مساحيق الجمال، بألوانها الغريبة.. بل إن لون شعرها الجديد قد زاد من وضوح إغرائهما.. ولولا بعض البدانة على ذلك الجسد الملفوف.. لكانت "هيلانة" الماضي، ذاتها ، ماثلة أمامه الآن.. سيّان لديه أكانت شقراء الشعر، أم سوداءه.. هي حلم شبابه الأول.. ورجولته الأولى.. قبلة شهوته المتأججة.. يتعبد في وحدته أمام محرابها المنيع..كل ليلة.. لا يعرف إزاءها غير الصمت.. ولا يسعى إلى تجاوزه.. فبين عالميهما مسافات، وظلمات. حسبه أن يحدق في ملامحها.. يكفيه أن يلّف جسدها بنظراته وأحلامه.. يرويهما.. ينقل من ذكريات نهديها إلى سريره، كل مساء! يداعب جسده على خيالات من أنوثتها!

سألت"هيلانة" في تردد وهدوء.. وكان وراء سؤالها معاني عدّة..

- "بعدك بتصلّي؟".

ثم استدركت نفسها فجاة.. فلجأت إلى الصمت وقد علا الدم وجنتيها.. لم تفهم هدفاً لسؤالها. كأنه أفلت منها.. وحين هزّ الرجل رأسه بالإيجاب، رداً على سؤالها.. تشاغلت عنه بإشعال لفافة جديدة من عقب اللفافة القديمة.. ومثلت في ذهنها، بالرغم منها، صورة عدنان الشاب وهو يعود إلى غرفته مارّاً بالحديقة.. يمشي على رؤوس أصابعه... عاري القدمين.. وقد أتمّ وضوءه أمام بحرة الحديقة..

كانت تتعمد ترك الحديقة في تلك الأثناء تراقب حركاته من نافذة جانبية في الدور الأول.. ترى نظراته تبحث عنها في كل مكان .. تعجب لمراسم دينه التي يقوم بها! طقوس غريبة عن أجوائها.. لعلها كانت تنفر منها لاختلاف دينيهما.. لكنها لا تعرف كيف تردّ نظراتها عن أطرافه النظيفة.. عن ساعديه المفتولتين، وقدميه المتناسقتين العاريتين الكبيرتين.! لماذا كانت تنفر من مراسيم النظافة تلك؟.. أليس لأنها ارتبطت في ذهنها بعقيدة لا تفهمها؟..

نظرت إلى حذاء الرجل، وكان يزال يقف أمامها متكئاً على الحائط.. لحظت قبقابه ومشّايته.. وتبسمت، يدور في ذهنها أن قدميه الآن لابد مغسولتان.. نظيفتان.. لاأثر لأية رائحة تعرّق في جوربيه.. أين ذلك من أقدام جميع من عرفتهم خلال عشر سنين، من شباب ورجال بلدتها!!

 تدرجت ابتسامتها على شفتيها.. وهي تسأل..

- "بدّك تَضَل وائف؟! ..حدّ الباب؟!"

تنبه "عدنان" إلى موضعه.. فتقدم من مكتبه في هدوء..يغالب شروده.. فسمعها تقول..

- "بتعرف إني يمكن عمري ما سمعت صوتك؟.."

نظر إليها مستغرباً، لا يعرف كيف يتخلص من حبائل الماضي التي كبلته في تلك اللحظة..انتفض في سره كمن يسعى للعودة إلى صحوة.. فتلفت في شرود يتأمل غرفته التي بدت له فجأة غريبة عن عالمه .. مبهمة الأوصاف.. وخصلات "هيلانة" الشقراء، وزينتها الزائدة، وشاح غريب.. يحاول سدّ تواصله مع ذلك الماضي الأثير! فتسمّرت شفتاه.. كما منذ سنين.. لا كلام.. لا رغبة لديه سوى متابعة النظر إليها.. والنهل من صورة تقاطيعها..

تساءلت "هيلانة" فجأة.. في غير ما إصرار..

- "دخلك.. ليش عمرك ما حاكيتني؟.. ليش عمرك ما فتحت تمّك؟.." 

ولما لم تتلق منه أي جواب.. تابعت، تحدثّ نفسها..

- "سنة وأكتر.. وْلََك۫ ولا كلمة!! مش غريب إنتَ، يعني؟!! ولا كلمة!"

 تبسم "عدنان" لا يفارق شروده.. وقال في بساطة.. في لهجة حموية دمشقية..

- "كنت زغير.. شبّ زغير.."

ردت "هيلاتة"على الفور، تعجبت مما سمعت..

- "زغير؟.. إنت.. كنت زغير؟ إسم الله على هلجسم يلي كان عندك.. طول.. كتاف.."

ثم ترددت، وهي تنتبه إلى ما تقول، وتحاول أن تحدّ من حماسها..

- "..وهلأ.. ليش شو تغير فيك..كنت شبّ.. وصرت رجّال.."

ونقرت على يد مقعدها الخشبي، تحّسباً من العين الحاسدة..

ضحك "عدنان".. وكأن بارقة زهوّ تسربت إلى صوته.. ردّ عاقداً حاجبيه..

- "كنتِ تنتبهي لجسمي بهديك الأيام..؟"

ارتبكت هنيهة.. ولما انطلقت على الفور تجيبه بأنه أمر طبيعي لأية فتاة أن تلاحظ ما حولها.. ومن حولها..خصوصاً إذا كانو من الشباب.. وأن "عدنان" كان شاباً غريباً عن عالمها، ومن محيط لا تعرف من تقاليده شيئاً .. ثم بان على ملامحها نزق يشير إلى أنها تتقمص قوالب مسلكية مألوفة لديها تعودت أن تحتمي بها .. مدّ "عدنان" يده بحركة غريزية إلى جرس صغير، يقرعه.. يوقفهما عن الكلام، يسألها في رفق عما تود تناوله من شراب.. فصمتت، هي الأخرى، وأدركت أنها تمثّل دوراً أخرق.. كأنها تكرر في جديّة دوراً قديماً .. أغنية طفولية تعلمتها في حداثتها.. فتبسمت، وقالت بعد أن طلبت فنجاناً من القهوة..

  - "شفت، يمكن كان الحأ معك.. والسكوت بينّا، كان أفضل.."

*    *    *

قرع الباب في تلك اللحظة ولما أذن "عدنان" للطارق بالدخول، بان رأس السائق، "ميشيل"، ثم جزعه المنحني، وهو يتقدم خطوتين من "هيلانة"، يتصنعّ احتراماً شديداً.. ويقول ... وهو يخفي فرحه وامتنانه.. لطول غيابها..

- "يا ستْنا.. نحنا ناطرينك.. هلأ بنتأخر عالشام.. مش حضرتك يلّي.. عندك شغل هونيك؟.."

تنبهت "هيلانة" فجأة إلى ساعتها متسائلة.. ولما أدركت أنها قضت ما يقارب ثلث الساعة في ذلك المكتب، انقضت وكأنها ثوان أو دقائق معدودات.. استوت في مقعدها.. وهي تقول:

- "كنت بدي أحكيلك على أضيّة.. هلأني تأخرت.. وأخرتك.. خليها لبعدين.. "

- " اشربي الأهوة، على الأءل.."

فأشارت إلى "ميشيل" بانتظارها، دقائق أخرى..لما انصرف هذا سألت عدنان..

- "إنت هون على طول؟"

- "انتألت من كام يوم.. وإنتي؟.. جاية زيارة عالشام؟.."

شدّت قبضتها على المقعد، وهي تقول في تحدّ مصطنع..

- "لأ.. أنا عم بشتغل بالشام.. صرت غنّي.. ليش ما عندك خبر؟!. يحّو إسمي على الإعلانات.. معبي مدخل الشام.. على الطرفين!"

- "إسمك؟!"

ولما أطلعته على إسمها الفني.. ملأت الدهشة وجهه.. وسأل..

- "وين ساكني بالشام؟.."

- "بروح.. وبيجي..ولمّا بنام بالشام.. بنام عند التيتا.. بلبيت زاتو يلي بتعرفو.."

وضحكت، وهي تضيف في عجلة وإغراء..

- "شفت شوما أغرب الأيام.. عم نام بالأوضة زاتها..تفضل إنت واستأجر أوضتك الأديمة.. لنرحع متل ما كنّا.. من أول وجديد!"

ونهضت من مقعدها.. تطفئ لفافتها في دلال.. تحكم انسياب شعرها وثوبها.. تتجنب النظر إلى عينيه.. ولما مدت يدها له بالوداع.. نظرت إليه.. وإذا به يحدق في وجهها. ينقّل ناظريه عليها في نزق.. كأنه يرسم صورة لنهديها، ثم لكتفيها.. في خياله..

 هدأت نظراته.. وهو يمد يده إليها.. لتلاقي يدها.. ياللعجب! تلامست بشرتهما معاً لأول مرة؟!! وقال:

- "بتمرّي عليّ.. وإنتي راجعة؟.."

 ضحكت في دلالٍ وخفّة.. وأجابت، وهي تسير برفقته نحو الباب..

- "مين بيعرف؟.. شو مخبّيلنا الزمان.."

*    *    *

ما إن أغلقت الباب خلفها حتى عاد "عدنان" إلى مقعده، فجلس فيه شارداً يتنفّس ما تبقّى من عبق عطر"هيلانة" .. ينظر أمامه إلى المقعد الذي احتوى جسدها، منذ لحظات.. آثار ردفيها ما زالت بادية على المكان الذي ركنت إليه.. نهض على الفور مقترباً من المقعد.. وجال براحته في رفق فوق المكان المتجوف، يعود به بالتدريج إلى وضعه الأملس.. فسرت في جسده رعشة خفيفة وهو يحس بحرارة جسدها عبر كفّه العطشى.. كان منحنياً فوق المقعد.. فاستوى فجأة باسطاً ذراعيه في فضاء الغرفة يشدّ عضلات ظهره وكتفيه.. يتمطّى، مطبق الجفنين، وقد طار خياله إلى احتمالات بعيدة التحقيق.. هل ستعود يوماً لزيارته؟.. كيف لم تغب ذكراها من مخيلته هو لم يحظ منها في الماضي حتى بالنظرات؟.. كيف لم تنطفئ جذوة شهوته لها!! وهل اشتهى فتاةً غيرها طوال هاتيك السنين؟!

تذكر سؤالها فجأة عن الماضي.. عن صمته إزاءها.. حار في قصدها من وراء سؤالها ذاك.. ماذا لو كان قد بادرها فعلاً التحية، أو الكلام في ذلك الزمان الغابر.. وما الذي كان يرجوه من وراء كلمات جوفاء لا معنى لها.. هل كان في وسع الكلام أن يقوده إلى ما يتمناه؟.. إلى ما لايتمنى سواه؟.. لابد أن ذلك كان أمراً مستحيلاً.. لا من طرفها فحسب..بل من طرفه هو..!  فمضاجعة "هيلانة" أمر جلل، لم يسعَ يوماً إلى رسم خطوطها الأولى  في خياله!! أمل مبهم في طوايا أحلامه.. ما غاص يوماً في تفاصيل محاولة تحقيقه!! كانت صورة جسدها البض ماثلة أبداً في ذهنه، جزء منه، تنام وتصحو معه.. يجول بناظريه، بل براحتيه على أجزائها.. يتمثلها في خياله وهي في ثيابها، أو في العراء.. أبداً يفعل ذلك كما لو أنها تمثال حيّ.. لا وسيلة للتواصل معها إلا عن طريق اليدين..

لم يسعَ لاقتلاع شهوته تلك أو حتى للحدّ منها.. أو لجمها.. ولو كان في وسعه القيام بذلك، لما تردّد، ولانصرف بعدئذ إلى صلاته ودراسته.. ولا طاوع نفسه في اشتهاء جسدها دون غيرها.!

كان له من زملاء الدراسة شبان عديدون، يمارسون الجنس.. يحيطونه علماً بمغامراتهم.. يطلعون بعضهم بعضاً على تفاصيل  فاضحة منها.. يرسمون له الممنوع رسماً، أملاً بإثارته وحضّه على الخروج من "حرمانه".. كما حلا لأحدهم أن يصف لعدنان مغامرته العاطفية، فعجب من حالته، وكان دمشقياً دمثاً لا يخفي أمر ممارسته لجميع انواع التجارب الجنسية.. تحلو له مناقشة "عدنان"، يسائله عن حياته الخاصة ويرجع سبب تحفظه.. حيناً إلى بيئته الحموية المحافظة.. وحيناً آخر إلى تعاليم دينه..، أو يتهمه أحياناً بالبرود الجنسي.. إلى أن يؤكد "عدنان" له، نقيض كل ذلك وأنه لا يشكو من علّة جسدية ما تمنعه من ممارسة جميع ما يشتهيه الشباب..، حتى يثور الصديق، متهماً إياه بالرياء.. أو بأنه مصاب بعقدة ما.. يراجع قراءته النفسية الغريبة المستفيضة.. واصفاً إياه بأنه لابدّ يشكو من حالة راكدة من حالات الشذوذ! سببها شهوة(سفاحية) لايجرؤ على الاعتراف بها.. فتثور ثائرة عدنان.. يعقب ذلك ضحك وصراخ!!

*    *    *

لكم طالت بهما مثل تلك الحوارات.. يعجب "عدنان" في سره لمدى مغالاة ما تذهب إليه البحوث العالمية النفسية.. النظرية منها.. أليس في وسع الإنسان أن يعجب بوردة عن بعد دون السعي إلى اقتطافها أو حتى إلى محاولة تنشّق عبقها؟! ولئن كان فقيراً، جائعاً، أفليس في وسعه المرور أمام طعام ما.. ليس ملكه، يمر أمامه مرور الكرام دون مناقشة شهوته له.. أومدى شدة رغبته في الانقضاض عليه.. والتهامه..! بصرف النظرعما إذا كانت فعلته تلك حراماً، أو حلالاً؟.. حرماناً.. أو كبتاً..؟! لايقوم بذلك بدافع إرادي أخلاقي ما.. بل بخيارٍ نفسي داخلي يحضّه على المضي في طريقه الفردي غير آبه بما حوله.. لكم اتهمه صديقه ذاك، باللجوء إلى تبسيط الأمور، فلم لا يحق له هو، تبسيطها؟!.

 تبسّم من الماضي البعيد ومن ذكريات الرجولة الأولى.. وتذكر ما كان من شدة ندمه على ما قام به بعد تجربة جنسية جرت له مع امرأة عابرة في غرفة أحد أصدقائه!! لقد نجحت تلك التجربة في إرواء عطش جنسي شديد عابر.. لكن لا.. لم يكن ذلك إرواء.. بل تصريفاً أعمى.. طار إثره فوق حاجاته الداخلية العميقة، دون ملامسة حتى السطوح الخارجية منها.. لقد كره إذّاك ضمّ جسد لا يعرفه.. كره تقبيل شفاه ينكر زينتها، لا علم له بماذا هي قادرة على التفوه به، خلال أو إثر تلك المضاجعة العابرة!!  ما حاجته إلى مثل تلك التجارب الباهظة في الثمن النفسي، إذا لم يكن لها سوى ذلك الأثر الشافي المؤقت؟..

*    *    *

كان بعضهم يعجب من مزاولة الصلاة.. وها هي "هيلانة" الآن، تسأله عما إذا كان لا يزال على عادته!.. ما شأنها بذلك.. ما شأن غيره بعلاقته بالخالق.. وهل يسألهم، هو، عن علاقتهم به؟.. ليس في حاجته الجنسية ما يناقض الصلاة.. لا في مزاولته للصلاة أي هروب من حرارة جسده..! لكن "هيلانة" كانت تفهم عكس ذلك.. تبتعد عنه، حين تراه يقترب من البحرة في دار جدتها.. يهم على الوضوء.. كما كانت جدتها، ذاتها، تراقبه من بعيد، في عجب يستشف منه بعض النفور المكتوم.. نزق يبّدل من تصرفاتها الطبيعية أثناء مشاهدتها له وهو يقوم بأداء حركات الصلاة.. فيعلو صوتها، إذ تحدث هذا أو ذاك ممن حولها.. أو تعود إلى مراقبته من بعيد، من خلال نافذة غرفتها، وتخلد إلى صمت غريب..

هل كان تدينه ناجماً لتربيته ونشأته في حماه؟ ما سبب ذلك الفارق بينه وبين العديد من زملائه الجامعيين؟ لكم كره مغالاة بعضهم في تطبيق فروض بحذافيرها نسبت إلى الإيمان.. يؤمرون بمزاولة طقوس تافهة.. يُنهون عن أخرى أشد تفاهة كأنهم آلات متحركة تنصاع لأوامر يُظن أنها ربانية!..لقد نشأ على ممارسة فروض الأخلاق الحميدة، والنظافة، ليس على أنها واجبات دينية، بل على أنها من صفات الإنسان الخلوق، الحسن التربية.. فكان يتمتع بتكرار عملية الوضوء.. لا يجد غرابة في عدم السعي وراء مضاجعة حفيدة صاحبة الدار.. بالرغم مما يشاهده من فتنتها خلال زيارتها لجدتها.. تلك الفتنة أخذت عليه لبه، كما ألهب سحر نضارة جسدها جسده، خلال سنين طويلة!

*    *    *

سمع نقراً خفيفاً على الباب، دلف بعده الحاجب يطلب الفناجين الفارغة.. فعاد عدنان في ذهنه إلى واقع غرفته ثانية..

 ولولا آثار أحمر الشفاه على طرف الفنجان الذي احتست منه "هيلانة" القهوة على عجل، لخال أن جميع ما دار في ذهنه من ذكريات حوله ما كانت إلا أحلام يقظة.!

أعاد ترتيب عدد من الطلبات والمعاملات الرسمية على طاولته.. يتفحص بعضها.. يضع كلاً منها في مصنف خاص.. معظمها يتعلق بسيارات أجنبية انقضت مدتها المسموح ببقائها في البلاد..

جال في ذهنه، للمرة الألف، ما يعترضه من أمور الرشوة.. وما يرفضه منها.. وما بلغت علاقته مع بقية الموظفين من تأزم وتعقيد.. درجوا على تعاطي الرشاوى، والإتاوات.. يتلقفونها من كل حدب وصوب، وتعودوا جمعها ثم اقتسامها.. ينال كل منهم حصة تتناسب مع مكانته في السلّم الوظيفي.! فما إن تسلّم منصبه الجديد ومارس سلطته في التشدد على تفتيش حمولة جميع السيارات، ومنع جميع أنواع المخالفات، رافضاً قبول "حصته" من أية إتاوة كانت.. حتى تأزمت علاقته بمن حوله. يتفنن مرؤوسه في ابتكار المسوغات اللبقة في العرض والإغراء.. علّ ذلك يحيده عن موقفه.. أو يثنيه من مراقبة حمولات السيارات بنفسه.. دون جدوى.!

 لم يكن مع أولئك الذين يحملون الشرف والنزاهة سوط يلسعون به ظهور غيرهم.. حسبه نفسه.. ولا يجول في خاطره أن يجعل مسلكه الشخصي القويم، قدوة لغيره، يحضهم، ولو في شكل غير مباشر، على الاستقامة.. كل ما في الأمر أن طبيعته كانت تأبى قبول الرشوة.. بالرغم من حاجته للمال، في زمن يتبخر راتبه فيه منذ انقضاء الأسبوع الثاني من الشهر.! ولماذا ينفذ راتبه، بتلك السرعة.. أليس لأنه يتجاوز ميزانيته في الصرف؟ ولم يكره الصرامة في العيش.. فوالداه من قبله قد ألفا التقشف.. اعتمدا في الحياة على مورد بسيط يأتي من أرض زراعية صغيرة.. لا يتجاوزان الحدّ الأساسي المعقول في جميع مظاهر حياتهما.. قانعين بذلك، هانئين به.. ورث عنهما تلك الحاجة الداخلية الملحة بالاكتفاء الذاتي.. مارسه في بساطة منذ أيام دراسته الجامعية.. حتى بات في وسعه العيش في أي ظرف، وفي أي مكان..لا يلتفت إلا إلى ما يحتاجه من لباس،وطعام.

*    *    *

دخل مرؤوسه، يسأله للمرة الثالثة عمّا قرر اتخاذه من إجراء حيال سائق ينتظر قراره منذ ساعات، وكان قد شك في أمره وهو يقوم بالتفتيش بنفسه.. فأوعز إلى الخفير بالإشراف على تفتيش هيكل السيارة تفتيشاً دقيقاً.. وما إن اقتيدت إلى المركز المختص حتى استمهل سائقها الموظفين بمبلغ من المال، وهرع إلى من يعرفهم من الخفراء يحضّهم على التدخل لديه هو، وأخذ يزيد من قيمة المبلغ الذي يعرضه، لقاء غضّ النظر عن تفكيك أبواب سيارته..

كان الجميع على معرفة أكيدة بأن حمولة ممنوعة قد أحكم إخفاؤها في تلك الأبواب. فإما أن يسوّى الأمر على طريقة السائق.. يوزع المبلغ على الجميع، أسوة بالأساليب المتبعة حتى ذلك الحين، أو تفكك أجزاء الباب، ويكتب محضر رسمي بالبضاعة المهربة، وقد تكون ذهباً، أو أدوية باهظة الثمن، أو مالاً مهرباً أو غير ذلك.. فلا يصيب أحدهم من وراء ذلك شيء من الربح، إذ تحوّل القضية برمتها إلى الإدارة العامة في دمشق.!

لم تكن مشكلته تلكؤاً طارئاً، في نيته متابعة القضية حتى نهايتها.. بل الطريقة المثلى لبلوغ ذلك الهدف دون الدوس على الكرامة الزائفة لغيره من الموظفين.. وكان عدد منهم قد توسطوا لديه لأول مرة يتمنون عليه العدول عن رأيه.. وهذا مرؤوسه، أمامه يسأله في إصرار وهدوء منوّهاً في أسلوب ملتوٍ، زائف الكلمات، بأن السائق على صلة برئيس المركز ذاته!. وأن الموافقة الضمنية للمدير قد تكون مكفولة سلفاً لا ينقصها إلا موافقته هو!

ترى هل رئيس المركز، فعلاً، على صلة وعلم بجميع ما يجري حوله وبما يتقاضاه الخفراء من رشاوى؟!. هل مرؤوسه يخدعه في طرح مثل ذلك الاحتمال.. يتخفى وراء مشاركة أو حماية تأتيه من فوق؟! هل كان ذلك يجري في معظم الدوائر الرسمية، جميع من يتقاضون العمولات والرشاوى، يدّعون حمايات ومساندات من "جهات عليا"؟.. أم كان رئيسه فعلاً جاهلاً بما يجري في مركز عمله.. ولا في وسع "عدنان" أو في نيته، طرق بابه ليعرف منه حقيقة الأمر..مشككاً بذلك في نزاهته..! أوكاشفاً جهله المطبق، بالتوقيع على مذكرة اتهام غاية في الخطورة، تدين جميع من حوله من موظفين..! لم يجد في نهاية الأمر من حل سوى ما تعوده طوال حياته.. عليه من نفسه، وهو أصلح الحلول! ليس في وسعه إرضاء الجميع.. ولا من سبيل مأمون مفتوح أمامه، يقوده إلى معرفة نوايا رؤسائه.. قال في حزم :

- "فكّوا السيارة.. وأنا جاية لشوف.."

- "سيدي..إلتّلك.."

- "إلتّلك فكّوها.. وعلى مسؤوليتي..أنا.."

 

 

الفصل الثالث

 

               

أسرعت "هيلانة" إلى غرفتها، في بيت جدتها في دمشق، ترتدي ثوبها الأحمر المبرقش البرّاق، ثم هرعت نحو سيارة أجرة تنتظرها.. بعد أن سترت ألوان ثوبها الفاقعة بمعطف فضفاض، قاتم اللون لا يكشف من جسدها سوى عنقها المسكوب، ورزمة شعرٍ أشقر مستعار، تهدّلت خصلاته الكثيفة الملفوفة فوق ظهرها وكتفيها، وجبينها.. غطت خديها.. حتى كادت لا تترك من معالم وجهها سوى عينيها الكحيلتين، وأنفها.. ثم شفتيها المكتنزتين اللتين سارعت إلى صبغهما بمزيد من أحمر الشفاه بما يناسب ذوق روّاد الملهى الليلي الذي قادتها السيارة إليه..

لم يكن أمام مدخل الملهى، في تلك الساعة المتأخرة من الليل سوى بعض روّاد الطرقات، من باعة فتية، أوشباب من محترفي سلاطة اللسان والباحثين عن مغامرة عابرة.. أو مكسب سريع.. نظروا إليها في إعجاب شبقٍ ساذج وهي تترجل من السيارة.. يعقب ظهور حذائها المذهب، كاحلها الدقيق، ثم ما بان من ساقها الناصعة البياض، يجللها طرف ثوبها الأحمر البراق، يستره معطفها القاتم..

تقدمت من باب الملهى في عجلة وحزم.. تلجه وهي تحرّك رأسها في التفاتات متشوفة ليس حولها من سبب يحرّضها إلا نظرات نهمة بلهاء.. فصاح أحد الفتية إعجاباً بخصلات شعرها الملفوفة، "يا عيني عالدهب" وصفق، يرافقه قوله ثناء تفوه به بقية من حوله.. فاستوى زبّال.. توقف عن جمع النفايات..، وقف متكئاً على ذراع مكنسته الصلبة، حديثة الصنع. هزرأسه في حيرة.. ثم بصق في كفه، وعاد إلى كنس الشارع، يهز رأسه من جديد في عجب، واستخفاف..

دلفت "هيلانة" إلى غرفة صغيرة جانبية، خلعت فيها معطفها.. وجلست على مقعد صغير تصلح من زينتها.. تنتظر دورها في غناء يتلو رقصة شرقية أوشكت على الانتهاء، تقوم بأدائها فتاة مصرية سمراء..كانت حتى شهور مضت، تعمل شغالة في أحد البيوت.. تعاطفت "هيلانة" معها لسبب تجهله.. وكانت قد التقتها مصادفةً في الملهى، أثناء النهار، فارتأت عليها طرح زيّها جانباً واستبداله بآخر، درجت شهيرات الراقصات على ارتدائه.. مؤكدة لها أن مثل ذلك الثوب الحدييث، يبرز حركة الردفين.. خصوصاً خلال الانثناءات التي ترافق النغم العذب الحزين.. ورفعت "هيلانة" ذراعيها تشرح ما عنته.. تحرّك ردفيها في دلالٍ، وهي تدمدم أنغام "العتابا"..

كانتا آنذاك تقفان على خشبة المسرح تحت نور باهت، يخيم عليهما ظلام القاعة.. فتذكرت كيف علا صوت صاحب الملهى بالثناء عليها، وكان قد دلف إلى القاعة في سكون .. وكيف منّاها بمضاعفة أجرها إذا ما وافقت على أداء الرقص، أثناء غنائها.."بعض الرقص".. شارحاً لها أن تلك هي العادة لدى معظم المطربات في الغرب، وأنه ليس هنالك ما يشين المغنية العربية، إذا ما هي قامت برقصة خفيفة، تليّن من جمود وقفتها.. وما كل من غنى من مطربات.. هي أم كلثوم.. تلك التي كانت تقف على المسرح، صامتة، وهي في السبعينات من عمرها، يكفي حضورها لبث مشاعر الطرب في عشرات الألوف من المشاهدين!.

تنبهت "هيلانة" إلى اقتراب وقت ظهورها على المسرح.. ثم سمعت المقدمة الموسيقية لأغنيتها.. فنهضت لفورها.. وخرجت إلى الخشبة .. تقترب من مكبّر الصوت في خطوات ثابتة.. لا تهاب صياح بعض السكارى، وهي التي تطمح للغناء يوماً في "الوادي".. في زحلة بالذات.. بين صحبها، ومعارف طفولتها، وبين حسّادها! تثبت لهم أنها ليست تلك المرأة الخفيفة اللعوب.. وأنها، إذا احترفت مهنة الغناء فليس مرد ذلك كونها تسعى نحو النهاية المحترمة لكل فاقدة عفة. بل لأنها تسعى فعلاً، للثبات على قدميها، على درب الحياة.. تكسب عيشها من كدّها ومن يدري.. لعلّ في صوتها من المزايا ما قد تكشف عنها الأيام. فيقودها ذلك إلى مجدٍ، عرفت مثله غيرها من المطربات..

كانت "هيلانة" تدرك أن جميع من ينظرإليها من المشاهدين، وهي على خشبة المسرح، إذا ما التفتت نحوه، يظن أنها تبادله النظرات..لا ينتبه إلى العتمة التي تخيم فوق الحاضرين، وتحجبهم عنها، لا يدري أن وهج الأنوار الكاشفة يغشى ناظري من يقف أمام مكبر الصوت يكاد يعميها عن حميع من في القاعة، فالمطرب لا يميز من أفراد الجمهور إلا من جلسوا إلى موائد الصفوف الأولى، لا يرى من عمق الصالة إلا أشباحاً داكنة تتحرك في الظلام.. لذلك، ما إن كفّت عن توزيع الابتسامات في الفضاء، وجهتها إلى أولئك المجهولين.. وفتحت شفتيها تردد الكلمات الأولى من الموال "صرلك سنين وراهم .. بتتعب، وما بيعتبو الحلوين" حتى تحولت ابتسامتها إلى زمّة صارمة، تعودتها منذ طفولتها.. وهاج الحنين في قلبها، كعادتها.. وهي تنهي ذلك المقطع من الأغنية.. لترد على وقع تصفيق الحاضرين.. "يا ظريف الطول يابو الميجنا.. شو بحبك أنا.." غمرها شعور عارم مجهول الطبيعة.. أحزانها.. غربة تنشر الصقيع في أطرافها كلما زاد تحديقها في الأنوار الساطعة.. تدرك أن كل العيون ثحدّق بها.. لاترى أحداً بعينه، فلا تكترث إلا لخفقات أوتار داخلية في نفسها تهمس لها بأمور تتجاهلها، أثناء حياتها اليومية، تساؤلات نبض بها مجمل كيانها..أين ولّى زمن الصبا الأول.. زمن اللهفة المسكرة؟.. أين تلاشى زمن النظرات الواجفة، التي كانت إذا ما أطلقتها نحو أحدهم أو إذا التقت عيناها عينين سوداوين أو لامست نظراتها جسداً ممشوقاً فتياً، مكشوف الصدر.. وأحست أن في وسع ذلك المجهول الذي يبادلها النظر، لو أراد ذلك، أن يمسك بيدها في تصميم و صمت، فيقودها إلى حيث شاء.. يطرح جسدها حيث يريد.. ويرتشف من رحيق شهوته منها، ما طاب له ذلك!! ما أعظم جهل الرجال بطبائع المرأة..! ما أغرب أسلوب تقرّبهم من النساء..! لو كانت هي رجلاً لما افلتت براثنها منها امرأة.. لو كانت رجلاً.. لعرفت الطريق لمضاجعة جميع النساء..!

 كانت "هيلانة" في الطور الأول من صنعة الغناء، لم يغلب على وعيها بعد، برود مهنيّ ما.. ما زالت تطرب للنغمات التي تطلقها حنجرتها.. تتقمص معاني الكلمات التي تتلفظها أو تقبلها في ذهنها على الأقل..لا تعي أنها تغنّي لجمهور لا وجود له بالحقيقة! احترف السوقيّة.. جاء يشاهد جسدها وحركاتها، ووجهها، لقاء ثمن كأس الشراب المسكر الذي يحتسيه.. لا يصغي إلى غنائها بقدر ما كان يراقبها.. يكاد لا يميز من أدائها إلا نغماً، إذا ما تعرّفه، شاركها في ضرب الإيقاع، والتصفيق له.. يقوم بذلك في هرجٍ بدائيٍّ يتناسب طرداً مع ما تناوله من مسكرات! يبتكر تصرفات و تعليقات مبتذلة، مقيتة، ليس هدفها الثناء على ما تقوم به.. بل إشباع حاجته هو في الحصول على مسرّة توازي ما ينفقه من مال!

*    *    *

كان من بين المعجبين بها، رجل في بداية سن الكهولة.. أسمر الوجه قاتم التقاطيع، كثيف الشاربين، ممتلئ البطن، يجلس وفي رفقته دائماً، شاب أو شابان، لا يبادلهما الحديث.. يقومان بحراسته وبتنفيذ ما يطلبه منهما، تعوّد أن يطلب "هيلانة" للجلوس إلى مائدته، إذا ما أنهت وصلتها الغنائية.. يحضّر لذلك بفتح الباهظ من زجاجات المسكرات.. ينهض مرافقاه و يبتعدان عن مائدته، إذا ما دنت "هيلانة" منهما، فينتحيان مائدة منعزلة، حريصين دوماً، قبل الجلوس، على أن يظهر لمن حولهما ما تمنطقا به من السلاح..

لم يكن في اتفاق "هيلانة" مع صاحب الملهى ما يفرض عليها الجلوس إلى أيٍّ من زبائن الملهى ممن هو قادر على دفع ثمن ذلك، عن طريق استهلاك المزيد من كؤوس أو زجاجات الشراب.. كان ذلك شأن بقية "الفنّانات" من راقصات و محترفات السهر.. أما هي، فقد اقتصر عقدها على الجلوس إلى موائد النخبة من رواد الملهى.. جميعهم، على صلات وثيقة مع جهات متنفذة في المدينة، مراكز قوى لا يمكن تجاهلها.. وبعضهم، ذوو مناصب حسّاسة.. في وسع أي منهم، إذا ما أراد ذلك، زج صاحب الملهى في أماكن لا يعرف قعرها، أو سرّها.. إلا الله!

*    *    *

سرعان ما أنهت "هيلانة" وصلتها الغنائية.. فعادت إلى غرفة الزينة، تحكم تصفيف شعرها.. تنتظر وصول النادل، يطلبها للجلوس إلى مائدة ذلك الرجل.. تتبسّم، وهي تتسائل عمّا يمكنها الحصول عليه منه، وقد بدأ في تقديم الهدايا لها، دون مقابل .. تسخر في سرّها من أسلوبه في الغزل.. تذكر ما حدّثها عنه من أنه لا يسعى إلى أكثر من جلسة هادئة معها، من حين إلى حين.. تذكّره لكنتها اللبنانية بزحلة التي عرفها وأحبها في شبابه.. فهو يستمرئ غناءها.. يعجبه أكثر ما يعجبه، تفردّ شخصيتها، رغم أنوثتها الظاهرة.. وجرأتها في مواجهة جميع من حوله! سمة، لمسها عن قرب لدى معظم سكان بلدتها العنيدة!.

 ضحكت وهي تذكر ردّها على قوله يوماً، منذ أسابيع.. وكان القصف على أشدّه على بلدتها..

- "من هيك يا "بو رعد" من محبتكم فينا.. نازلين فينا دكّ!!"

ضحك بدوره آنذاك من قولها..

- "عم نضرب الخاينين منهم.. يلّي بدهم إسرائيل.." 

لم تشأ الردّ عليه بقولها إن معظم البلدة من هؤلاء.. لا يرون في حربهم تلك، خيانة لأحد، بل نصرة لقضيتهم، يحاربون صفّاً واحداً مع مرتزقة أتوا لمساعدتهم، من جميع أنحاء الأرض!. أتوا من فرنسا وبلجيكا، بل إن بعضهم أتى من جنوب افريقيا؟

اكتفت بالسؤال في حنق.

- "طيّب.. ونحنا؟.. وأنا.. دخلك..؟ شو ذنبنا نحنا؟.."  

هزّ رأسه في صمت.. ولم يقل لها إنه يشك في تعاطفها مع الخونة.. وإن الأمر، بالرغم من الظواهر، بات معركة فصل لدى الطرفين..زمّ شفتيه وهو يهزّ رأسه ببطء.. واكتفى بأن تبسّم، قائلاً:

- "صحيح.. شو ذنب الحلوين.."

*    *   *

تقدمت نحو مائدة "أبورعد" تتلفت في تشّوف كعاتها تدفع عنها نظرات المعجبين.. وحين عاد مضيفها إلى الجلوس، بعد السلام عليها، جمعت "هيلانة" ثوبها العريض بين المائدة والمقعد، تجّر نفسها عبر المكان الضيق للجلوس إلى جانبه.. تلتفت، في الوقت ذاته، نحو مرافقيه البعيدين.. وتربط، لأول مرة، بين احتمال طبيعة عمله الحساس، وما يدور في بلدتها، وحول جبالها، من معارك طاحنة!.

بعد عبارات الترحيب والمجاملة.. أخذ يعبرعن إعجابه بجمالها بين حين وآخرثم قال لها:

- "بدنا نشوفك شي يوم.. على ضو النهار.. على شي غدا.. أو عشا.. ومنتمشور بعدو.. بشي محلّ.. على رواء.."

- "على رواء؟.. بالشام؟.."

- "بالشام.. بشتورة.. أو بعنجر.. وين ما يعجبك.!".

تنبهت، إذ سمعت منه سهولة إمكانية تنقله، عبر الحدود، وهي تجهل طبيعة عمله.. فقالت في تملّق..

- "شو..شوهيدا! عندي كل هالشي.. وما ني عارفة.. آعدة مع مين.."

سرّ "أبورعد" لمديحها بالرغم من هدوئه الظاهر وحركاته المتكلفة المدروسة.. جهد في إعطائها صبغة الرجل القوي، ذي العلاقات والمعلومات الواسعة.. فأضاف، رافعاً كأسه، كأنه يشرب نخبها..

- "إلتلك سوئي مع السوء.. يا "هيلانة".! ولسّا بتنبسطي كتير.."

ولما تبسّمت.. وتململت، كأنها لا تفهم ما يرمي إليه من وراء تحريضه.. وهي التي لم يبد منها، بعد، أنها تنوي التمنع، أو الصدود..هزّ رأسه.. ينتظر منها، بعد هنيهة صمت، أن تكون قد وعت في ذهنها الهدف الذي يريد من إشارته إليه. أمور لايجدر بإنسانٍ أريبٍ أن يناقشها في أماكن عامة.

- ".. حطي إيدك بإيدي.. وما بتكوني غير مبسوطة منّا..!"

تسارعت تساؤلات "هيلانة" في ذهنها.."إيدي"؟.."منّا"..؟". من تكون الجهة التي رمى إليها وهو يتحدث في صيغة الجمع؟! رمقت مرافقيه الشابين، وهي تشعل لفافة تبغ.. وجال في ذهنها، أنه لو صحّ ما تتوقعه من قصد مضيفها.. في  ربطه إشاراته مع طبيعة نفوذه، وعمله فليس هنالك ما تخشاه من إرضائه، ولو ظاهرياً.. ما دامت تعمل في دمشق!. ولها فيها، مصالح، يحسن التنبّه إلى حمايتها. ودعمها.

رفعت كأسها نحوه في هدوء، ترد على نخبه..وقالت..

- "ليش لأ.. الناس لبعضها البعض.. والدنيا أخد.. وعطا.."

 صفق "أبورعد" يستدعي النادل.. يطلب زجاجة "ويسكي" أخرى.. ثم مال نحوها، يهمس في أذنها..يقول..

- "هيلانة".. إنتي من زحلة.. طمني بالك.. ما بدي منك شي بيخصّ زحلة..بس .. في ناس من عندكم عمّا يهربو سلاح لعنّا.. لهون.. عمّا يدخلو سلاح لهون.. للشام.. وعم يوزعوه على جماعتهم، هون.. بدنا نعرف مين عم يشتغل على الخط.. وعلى مين عم يتوزع هالسلاح.."

فتحت "هيلانة" عينيها دهشة، وقالت مستنكرة..

- "وشو إلي علاءة أنا، بالسلاح؟!أو هلّي عم بيتسلموه؟! ليكون مفتكر.."

قطع الرجل حديثها.. يربت على يدها.. ويقول مبتسماً، مهدّئاً..

- "لأ.. طمني بالك.. لو كان لك علاءة معهم.. ما كنا خليناكي هون.."

ردت في دلال ساخر..

- "يكتر الله خيرك!!"

أجابها في حزم وهدوء..

- "وخيرك كمان.. بس من اليوم ورايح، بدنا منّك تفتحي عيونك، وأدانك.. لأنو السلاح عم يجي من شتورة.. عن طريء زحلة والجبيل..".

- " طيب.. رح أفتح عيوني..هيك.. منيح هيك؟!.

وحملقت في وجه محدثها بما أضحكه.. لكنه تابع حديثه مثل حزمه وهدوئه السابقين..

- "من اليوم، ورايح.. يا "هلّو".. بدنا منك تدوري على هالجماعة.. وتتعاوني معهم! والباقي علينا.. في شي.. هالكلام؟.."

صمتت "هيلانة" هنيهة، يبدو عليها أنها تمعن التفكير في طلبه.. تستنكر في سرها ما سمعته من تصغير اسمها.. ثم أجابت .. كأنها تتنازل عن حقها في المعارضة..

- "لأ.. ما في شي.. يأطع السلاح.. ولّي بيستعملو.."

ربّت الرجل ثانية على ظهر يدها الممدودة على الطاولة.. وأنهى الحديث بقوله.

- "تمام.. هادا اللي بدي ياه منك.. وبكرا.. على الغدا.. بفهمك كمالة الموضوع.. وبالتفصيل..".

*    *    *

مشت "هيلانة" في تثاقل، عبر حديقة دار جدتها المعتمة.. ثم دخلت غرفتها تنظر إلى سريرها، تسعى إليه.. تلقي ما تخلعه عنها من ثياب، كيفما اتفق، تمسح زينة وجهها..، إلى أن تقوقعت في فراشها.. تحت غطائه البارد، تدسّ يديها بين فخذيها، تحفظ حرارة جسدها.. تغالب ما عصف في خاطرها من تساؤلات شغلتها.. تستعرض حوادث يومها في صور متقطعة.. متشابكة.. تعجب، هي التي تعودت نسمات زحلة الوادعة، ما هبّ عليها فجأة من لفحات دمشق!!.

ماذا يضيرها لو تظاهرت بالقبول إذا طلب منها "أبورعد" التعاون معه فيما يريد، وهي التي لا علم لها بشيء عما طلبه.. وليس هنالك ما يجبرها على اختلاق الأكاذيب لإرضائه؟، لكنها عجبت لغبائه.. فهل يعقل لمثلها.. فيما لو وصل إلى سمعها شيء.. أن تشي، بأي كان من أبناء بلدتها.. وعقيدتها ودينها مهما كرهت أعماله، وأنكرت انتماءاته؟.. ثم كيف يصل أمثال "أبورعد"هذا إلى مراكزهم ..وهم لا يدركون مثل هذه الأمور الأولية البدائية؟.. أولعلها هي ، الساذجة!. وأن "أبورعد" أكثر دهاءً مما تظن..لا يثق بها.. ولا ينتظر من ورائها معلومات أو وشاية ذات بال!! ماذا يريد منها، إذن؟.. وهي التي تكاد لا تنتقل بين زحلة ودمشق إلا مع "ميشيل".. لا يحشو صندوق سيارته بغير معلّبات الطعام.. تعرفه حق المعرفة، وتعرف رفضه مراراً التعامل مع المخدرات!.

تنهدت.. تميل على جنبها الآخر..ترتاح للنعاس.. ما أبعد عالم "ميشيل" ورفاقه عن عوالم وأجواء "أبورعد" ومرافقيه، سواء كان ذلك في أسلوب كسب العيش، أو في أهدافه.. وما أقربها هي إلى طبائع أهل بلدتها.. في السعي وراء الممنوع.. وفي التربص ومخادعة الغير.. هل جميع الناس على هذه المذاهب.. يخطون درب الحياة على هذه الطرائق نفسها؟!

برزت صورة عدنان فجأة، في خيالها.. وادعة.. شفافة.. آمنة..أي عالم هذا الذي ينتمي إليه عدنان؟. ولكنها لا تعرف نموذجاً مثل عدنان إلا هو.

تبسّمت، في ظلام غرفتها.. يغلبها النعاس.. يغالبها النوم.. وطارت في خيالها إلى جسده.. ما ألطف بشرة عدنان البيضاء .. وأطرافه القوية، والمتناسقة، وما أنظفها. ترى، أين هو الآن؟ ماذا يفعل؟. ترى.. هل له زوجة يضمّها الآن بساعديه القويتين.. يلفها في تلك اللحظة.. في الفراش.. هل له زوجة تقبّل عنقه القوي.. لافّة ذراعيها حول خصره أو ساقيه..؟

*    *    *

صحت من نومها، في اليوم التالي، على صوت جدتها، تناديها.. تحثها، في رفق، على النهوض من الفراش..

- "أومي يا بنتي، أومي.. صارت الساعة واحدة.. شو مانك رايحة على زحلة اليوم.. أومي يا حبيبتي، أومي اشربي أهوتك.. هلأ بتبرد.."

فتحت "هيلانة" جفنيها المثقلين بالسهر. تستوي بعض الشيء في فراشها، مستندة على وسادتها.. تتقبّل الفنجان، من جدتها وإلى جانبه ركوة عارمة بالقهوة.. ثم همست، سائلة..

- "حدا اتصل فيّي؟.."

- "حكا واحد.. ما آل إسمو.. آل ناطرك عالغدا.."

ولمّا همت الجدة على مغادرة الغرفة.. نادتها "هيلانة"، تقول..

- "تيتا.. وين رايحة؟.. ما بدّك تأعدي عندي شوي؟.."

تلفتت جدتها، تخفي امتعاضها لما تناثر في أرجاء الغرفة من ثياب الرقص البراقة.. وتمتمت..

- "رايحة جيب فنجان، لحالي.."

عادت بعد هنيهة، تجلس قبالة حفيدتها، ترشف القهوة وهي تراقب قطرات خفيفة من المطر، حوّلت حجارة أرض الحديقة المغبرة إلى مربعات صقيلة، ملونة، لامعة.. باتت أشكالها الهندسية الدمشقية القديمة، وكأنها أصداء لماضٍ مترف.. يستنكر ما صار إليه تخلف المكان..

 قالت بعد لحظات..

- "مين هادا "أبورعد".. دخلك؟"

هزّت "هيلانة" رأسها، ثم تنهدت، وهي تجيب في حيرة وزهد..

- "شو بعرّفني.. واحد من هون.. شغلتو مهمة..آل.."

 ثم أضافت.. بعد صمت..

- "يا تيتا.. شايفتلّك الدنيا حتخرب.. ياأما.. خربت وخلصت.."

- "وشو هو هلّي خربان فيها..دخلك؟.."

- "بعد بدك أكتر من هيك؟.. ولوّ.!"

رشفت الجدة قهوتها.. وبادرت في تصبّر.. وأناة.. في لهجتها الشامية..

- "شوفي يا بنتي.. إنتي لسّاتك زغيرة.. وعيتي عالدنية مبارح.. نحنا.. مرئت علينا أيام سودا..ندوّر فيها على رغيف الحنطا مانلائي.. بأا شو عم تحكي؟! شو شفتي إنتي لحتا عم تحكي هالحكي؟.."

- "ولوّ.. يا تيتا.! كل هل أتل والدبح.. ما معبّي عينيك؟.."

- "..لأ يا حبيبتي.. أنا ما إلت هيك.. بس إمي كانت تحكيلي أشيا.. لسّا أفزع من هي بكتير..!!"

- "أفزع من هيك؟!. هيدا لبنان، راح.. وصار عشرين شأفي.."

- " شو يلّي راح فيه يا بنتي؟.. لاراح ولا إجا.. رجع متل ما كان..!"

- "شو.. إيمتا كان هيك؟.."

- "طول عمرو كان هيك.. أبل ما إجت فرنسا.. كيف كان؟.. إمي.. الله يرحمها.. كانت من زغرتا.. وكانت تحكيلنا على بيت فرنجية وعالمردة من ميت سنة.. كأنها عم تحكي على يلّي عم يصير اليوم.. وليكُن بيت إدّة هربو لفرنسا.. وطول عمرو هالوالي بيجي مع هالوالي.. وهادا..ضد هداك.. والكل بيسمع كلمة الوالي بالشام.. بأا شو هوّي هلّي تغير دخلك؟.. أنا لهلأ بوعا لما كانت بيروت وطرابلس وصور وصيدا.. وكل الساحل إسمو سوريا.. وبلاد الشام.. من حلب واسكندرون، لعند بير  سبع، وغزة..

 نظرت "هيلانة" إلى جدتها في عجب وحيرة.. وقالت.. شبه هازئة..

- "هيك لكان.. ليكون صرتي قوميّة!"

 لكن جدتها تابعت كأنها لن تنتهي من سرد صور الماضي وهي تحكي تلك الذكرى التي فاجأت حتى خيالها الخصب..

- ".. وبتعرفي يا بنتي إنهم، من زمان، أسّمو سوريا لخمس دول كمان؟.. ما بأا إلا يعملو من كل ضيعة، دولة.. من هيك إجا وأت صارت فيه كل حارة دولة.! وكل أبضاي، رئيسها!!"

- "يعني إنتي مبسوطة، بهلّي صاير؟.."

- "يا بنتي أنا شو دخلني.. بس خايفي عليكي، وعلى إمك.. هديك، المعترة، آعدة تحت الضرب، بزحلة.. وإنتي رايحة وجاية، وما بتيجي على البيت كل ليلة، إلا وش الضو.!"

ردت "هيلانة" في تحفّز، تدفع عنها نصائح وتخوفات جدتها..

- "تيتا.. لاتبلشي نصايحك عند الصبح.!"

هزّت رأسها وهي تنهض، تتشاغل عما أرادت قوله..

-"آل صباح.. آل.. لك صار بعد الضهر.."

ثم تابعت بعد هنيهة، وهي تجمع آنية القهوة، وتتجه نحو الباب..

-"أنا علّمت إمك الخياطة.. وعشنا العمر كلّو ما حدا حكى علينا.. يا بنتي مو عيب الواحدة تغنّي.. بس.. لازم تدير بالها كتير..كتير..الغنا شي.. والرجال شي تاني.."

ثم أقفلت الباب خلفها، مرتاحة إلى أنها قد تجرأت في النهاية، وأبدت رأيها في المنحى الجديد الشائك لحياة حفيدتها، ..نادمة في الوقت ذاته على ما بدر منها .. وهي تعلم حق العلم، أنها وابنتها "أم هيلانة"، تعيشان، منذ فترة لا بأس بها، على ما تكسبه حفيدتها، وأنهما، لولا مهنتها الجديدة تلك لأدركتهما الفاقة، ولما استطاعت التغلب على مصاريف الحياة المتزايدة.. ومقهى ابنتها في الوادي، قد خلا من كل شيء حتى من مقاعده وآنيته.. وهي أسيرة دارها في دمشق، لا يكفيها مورد غرفتيها، لسد حاجتها لشراء الدواء..

*    *    *

ركبت "هيلانة" سيارة الأجرة، متوجهة نحو موعدها، في إحدى ضواحي المدينة، تغالب غصة في حنجرتها، فتغلبها.. تذمّ وتبكي من قجرها الذي لا يكتغي بجور السنين على حملها، بل يثقل كاهلها بعبء إعالة عجوزين متبرمتين ..تهرب من تقريع الواحدة منهما، لتصطدم بنصائح الأخرى!.

ماذا تريدان منها؟.. أتريدان منها الكف عن ملاقاة الناس؟.. والموت جوعاً في منزل إحداهما؟.. لقد تجاوزت الثلاثين من عمرها .. أين هي اليوم مما كانت عليه منذ عشرة أعوام، أو تزيد؟! لا تكلم من الشباب إلا من تروق لها قبلاته..! ترفض الهدايا، في أنفة.. تودّ في سرّها لو كان في استطاعتها هي توزيع الهبات!!

كيف لا تقبل الهدايا اليوم؟ بل، منذ سنين، وريع مقهى والدها قد تبخّر، ولم يعد بدل إيجاره السنوي يكفي نصف ما تحتاجه والدتها لمصاريف الدار.. ألم تزاول العمل كموظفةٍ في الهاتف.. عدة سنين، وراتبها لا يكفيها ثمن اقمشة ثيابها.. التي تخيطها والدتها لها؟. لقد خبرت عقم الحياة الوظيفية خلال تلك الفترة، وعرفت قدرة ألسنة الناس على الإساءة للآخرين.. تنهش الأقاويل سمعة كبار رجال بلدتها، وزوجاتهم،! تلوك أعراضهم.. فما بال تلك الألسنة قد تناولتها، هي بالتجريح والتخريش!! ويزيد على ذلك ما تطوع بعضهم ممن بادلتهم ساعات الوصال بالإدلاء به من وصف مفصّل لمفاتنها!! لا يشفع لها أنها كانت ترفض الهدايا.. وأنها ما تمددت على فراش، في خلوة أحد، بل كانت هي التي تقود الذكر إلى ما تريد!!

لماذا لا تقبل الهدايا، بعد كل هذا؟.. ولماذا لا تتنازل اليوم عن بعض كبريائها، فترضى أن ينتقيها غيرها، وقد أشبعت في الماضي حاجاتها في اختيار الرجال؟..

هل تجاوزت في ذلك حدوداً أخلاقية معينة حتى بات بعضهم ينعتها بالانحراف؟.. أي حدود وهمية هذه، التي تفصل بين نوع هدية، وأخرى؟! بين القيمة النقدية لهذه، أو تلك!! وما الفارق الحقيقي بين تقبّل سوارٍ ذهبي.. وبين تسلّم قيمته، نقداً، لتبتاعه هي بنفسها!! ثم، ما الضير في أنها ادخرت ذلك المال.. أو أعادت تلك الهدايا إلى أصلها: مال.. تدخره أو تنفقه على حاجاتها اليومية؟.. لعلها لو تنبهت إلى "المظاهر"، منذ البدء، لجنبت سمعتها ما يتناولها الناس به من سوء..آه.. ليتها فطنت إلى ما تخبئه لها الأيام!! كان شبابها، حينذاك، يدعمها ويشد أزرها، ويُهيئ أنها لابدّ ستلتقي قريباً شاباً يحمي حبهما من جميع هفوات الماضي الصبيانية! ما السبيل لها إلى أن تعلم أن عنادها وقدرتها على التحدي سيفتران مع مرور السنين .. وأن التحدي ذاته، إنما هو سلوى ستخبو مع انحسار الشباب!.

*    *    *

جلست إلى مائدة "أبورعد" تنصت إلى حديثه الرتيب في صمت، يحدثها عن ماضيه.. عن طفولته القروية.. و يشرح لها تسارع الأحداث.. وتشابك حياة الجميع بما يسود الوطن من اضطراب ودسائس.. تنبهت إلى نظرات الرّواد تفرقوا حولهما معظمهم من العسكريين، يتناولون طعامهم في نهم وسوقية.. يتحينون فرص التفات مضيفها عنها، للتحديق بها في إعجاب سليط.. لا يعرفون من النظرات إلا الوقحة منها.. يتهامسون، أو يتحركون في مقاعدهم في توتّر مكتوم.. كأنما الأنثى طريدة، إذا ما دنت منهم، حركت حوافزهم للصيد والآنقضاض!

كان ذلك في الماضي يحضّها على الردّ.. تستعرض وجوه الجميع، في سخرية، بادية.. تتوقّف عند نظرات تروقها من صاحبها.. تبادله النظر أو التحديق، تتمنى لو أن في ناظريها شرراً تصيب عينيه به، حتى يكفّ عن تلك المقارعة، فيبتعد عنها، أو تستكين نظراته إليها، فيبادلها إعجاباً بإعجاب!

أليس غريباً ألا تلتفت اليوم إلى التصرفات السوقية.. تبررها.. ترجعها في حدسها إلى حرمان قديم قد عانى منه هؤلاء.. أو إلى أنها من أساليب الغزل.. تعلموها.. وهم ما زالوا صبية.. يلجؤون إلى الأزقة والشوارع هرباً من ضرب أهلهم. تتحول جميع تصرفاتهم إلى عدائية مكتومة، ينتقمون عبرها من بطش هؤلاء..!

لقد رأت تلك النظرات نفسها، تتحول في القضايا الوطنية او العقائدية، إلى طائفية مقيتة.. عمياء.. ترجمت عنفها المكتوم إلى ذبح وتقتيل. أليس عجيباً أن يكون فهم هذه الأمور قد فاتها وهي في ريعان الصبا، ونضارته.. تردّ على هؤلاء، بمثل لغتهم.. تبادلهم نبال العنف حتى في أساليب الغزل والكلمات..!

*    *    *

كان مضيفها قد تطرّق في التحليل السياسي، وتفسيرالأمور، إلى مواضيع لا تهمّها في شيء.. يستفيض في الشرح، مستشهداً بمبادئ اقتصادية.. شعارات ونظريات يحتمي وراءها كالمتاريس! يطلق الأسماء الأجنبية كزخّات الرصاص!! يعلم حق العلم أنها لا تكترث في الحقيقة إلى ما يقول.. يتابع حديثه تحت تأثير النبيذ، كأن دافعاً يحضّه على تأكيد ذلك الشرح لنفسه.. يستعين به، على جهله.. كقارب نجاة يمرّ عبر الأحداث العاتية..

ما الذي تبدل في حياتها، حتى باتت لا تكترث لما يقوله أو يفعله أمثال مضيفها. وهؤلاء الذين تبعثرت موائدهم، في جميع أنحاء المطعم.. يتكلمون ويتحاورون بمثل الطريقة التي يأكلون فيها.. تغوص أيديهم في طعامهم.. تنال منه كأنها، وأفواههم، في سباق إليه!! يشهرون المبادئ في وجوه بعضهم تائهون عنها.. ما سعوا إليها، أو إلى الوظائف والرتب، إلا سعياً وراء المال.. والنساء،والسيارات!

هزئت من نفسها.. هل ترى علّة في كلّ ذلك؟.. طبعاً لا.. وقد علّمتها الحياة حقائق قاسية غابت عنها في صباها!..حقائق،

ربما تعلمها هؤلاء.. لكنها تعجب لريائهم..لا تفهم سبباً لمحاربتهم دول المال، ومراكز المال.. وهم في نهاية الأمر.. لا تحركهم إلا حاجاتهم للمال.. وسعيهم إليه!! لماذا لا يكاد هؤلاء يحصلون على ما يريدون منه.. حتى يتحول عوزهم الأصلي إلى حاجاتهم للاستزادة منه!! ما الذي تبدّل في مسرى حياتها.. حتى شرعت تنظرإلى ما يدور حولها في ذلك  الاكتفاء النفسي.. بالرغم من أنها لاتزال كغيرها في حاجة إلى جميع ما يطلبه الناس من الحياة؟!

*    *    *

عجبت لصورة عدنان تتراءى لها في ذهنها، ودهشت لهذا التناقض في سلوك من تعرّفت عليهم من الرجال داخل خفايا نفوسهم!! فهذا عدنان،"موظف".. لايقبل الرشوة!! رجل في مثل وسامته أو شبابه.. لا يزال يقوم بتلك الفروض الإيمانية من الصلاة؟.. ولا عجب، إن جمعتهما الظروف، ثانية.. أن يخلدا إلى الصمت من جديد..! ما أعجب عالمه.. وما أبعد عالمها عن عالمه الغريب عن الواقع الحالي!!

تطرق إلى سمعها صوت "أبورعد" يتكلم عن الوطن.. والعروبة.. وكانت على وشك العودة في ذهنها إلى أفكارها الخاصة، وما إن تخطر صورة عدنان في مخيلتها حتى تتنسم شذى عبقٍٍ صافٍ..

سمعت مضيفها يتفوه بكلمة زحلة، في صيغة السؤال.. لم تشأ "لأبي رعد" أن يفطن على شرودها، فأسرعت تلمّ شذرات ذاكرتها من حديثه الطويل، وسألت..

- "شو بها زحلة.. دخلك؟.."  

تبسّم الرجل، وكان قد مال إلى الوراء مسترخياً، وقد امتلأ بطنه طعاماً، وشراباً حتى التخمة.. وقال..

 -"سلامتها.. وسلامتك يا ست الكل.."

ثم كرر على مسامعها مجمل ما كان قد استفاض في شرحه، من أن الوطن وحدة متكاملة.. لا تستطيع الأقليات فيه المطالبة بانتماءات منفردة، تناقض مصلحة الوطن الكبير..

- "دخلك، إنت عم تحكي عن البيوت .. والسجر..ولّلا عن الزلم والناس؟"

وقفزت في خيالها مباشرة إلى القتل والذبح اللذين يدوران حول بلدتها.. إلى المجازر البشعة، والتشويه المريع الذي يقوم به الجميع، ضد بعضهم بعض.. تعرف حدود جميع الخلافات الروحية التي تفصل سكان بلدها.. لكنها لا تفهم كيف كان جميع السكان، إلى الماضي القريب يعيشون متجاورين ويجلسون إلى موائد بعضهم بعض.. يرقصون ويغنون تحت سقوف واحدة.. يصفقون ويطربون إلى الكلمات والأغاني ذاتها!!

*    *    *

نظرت في وجه محدثها وعيناها الساهمتان تعكسان ما يجول في ذهنها من تساؤلات تعودّت إزاحتها عن طريق حياتها اليومية.. ثم تمتمت..

- "هيك بدّن، هيك تعلمو من هنّي زغار.. بيئلولن إنتو غير شكل.. إنتو أحسن من غيركن.. إنتو مَنكن عرب.. كيف بدّك يفتكرو إنن متلك، اليوم؟.."

أطرقت هنيهة، تستعرض شواهد كثيرة على قولها.. لاتودّ.. ولاتجرؤ على ذكرها أمام مضيفها.. ثم هزّت رأسها في حيرة صادقة، وقالت..

- "منيح انا إسمي "هيلانة".. بس كيف بدّك "زميرالدا" الزحلاوية.. يا أما "أوجيني".. تحسّ أنها متل "بديعة".. أو "رحمة"؟ هيدي بتصلّب بالشمال، وهيديك بتصلّب عاليمين.. يئطع المدارس وساعتا، شو بتمرّئ إشيا وإشيا، وما بيفهمها الواحد.. ويفهم ضررها وشو مخبا وراها.. إلا بعدين..!"

وعادت تنظر إلى محدثها في صمت.. تجمع كل ما تعرفه عنه، وعن المتحمسين أو الموتورين من أبناء بلدتها، ممن يتابعون القتال.. ترى الهوة السحيقة التي تفصلهما، فتدرك أن زمن بناء الجسور، بين هذين الفريقين، قد ولّى.. وأن ما يحرّك بعضهم على ما يقوم به إنما هي خيوط، نسجت جذورها في هذه البلاد، منذ زمن بعيد، قد ترى أوّلها.. أما أصولها، فهي فسيحة العمق خفية..هيهات أن يدرك المرء كيف تتبادلها الأيدي.. القريبة منها والغريبة!!

أخرجت "هيلانة" مرآة حقيبة يدها، تصلح زينة عينيها، وشفاهها.. ثم نهضت في تثاقل.. تأسف لأنها تناولت النبيذ، وهي التي تؤثر عليه "العرق" الذي قد تعودته بنيتها منذ حداثة سنها.

 لحظت سيارة الأجرة، وكان "ميشيل" في انتظارها.. خارج سور المطعم العسكري.. فتركت مضيفها في الداخل، بعد أن شرحت له أنها تود إخفاء صحبتها معه أمام أهل بلدتها.. مما سرّ "أبورعد".. ظناً منه أنها تحرص على إخفاء مهمتها الجديدة.. وما جال في ذهنه أنها ما قامت بذلك إلا خوفاً من استغلال السائق لتلك الصحبة، والتشهير بها، هنا وهناك، وهي التي وطدت العزم على أنها لن تشترك في المؤامرات والقتل مهما عظُم الإغراء.. ولن تساعد أحداً من الطرفين قط على الطرف الآخر، في تلك الحرب الضروس..

 ما إن استقرت في مقعدها الخلفيّ وانطلقت السيارة نحو مركز الحدود، حتى تبسّم "ميشيل" وهو يشعل لفافة تبغ.. يقول في مبالغة وإجاب..

- "نيّالك يا عمي! كل ما لك لفوء.. شو على بالك؟.."

- "شو المعنى يعني؟.."

- "ولوّ.. يا ست "هيلانة"، ليش مين هلّي بيفوت على هنّادي بهل بلد.. غير يلّي هنّي فوء..فوء!!

ردّت "هيلانة"هازئةً.

- "والنعم.. من هلّي فوء ومن هلّي تحت.."

سرّ "ميشيل" لسماع سخريتها.. فردّ على الفور..

- "إي.. بس الواحد فيه يستفتد منهم.. فليش ليضوع فرصة.. إزا كان طالع بإيدو يستفيد؟.."

- "شو المعنى يعني؟.."

- " المعنى.. يل ستنا.. إنو إزا كنتي مستعدة تفيدي غيرك.. في مين بيفيدك! وبيفيد الواسطة يلّي بتعرفيها.. كمان!!"

عبّ من لفافة التبغ نفساً عميقاً.. ثم أردف، ينظر في المرآة التي أمامه.. يستجلي وقع كلماته عليها..

- " مش عم بئصد ألف، ولا ألفين!! هلمرّة.. الموضوع فيه أكتر من هيك.. بكتير!!"

أحسّت "هيلانة" أن في نبرته ما يدلّ على ثقة كريهة.. ثقة وتصميم إنسان يعرف أنه يقود غيره إلى أولى خطوات الضلال! ولم تكن هي ممن يعيرون كبير التفات إلى قيم الفضيلة أو الشرّ.. لكن إحساساً دفيناً تحرك في أعماقها.. ينذرها بعواقب الأمور.. يحرّضها على توخي الحرص على سلامتها الشخصية..

قالت في ثقة، وبرود..

- "شوف يا "ميشيل".. حكي من هانّوع مابدّي إسمع..! مبارح سايرتك، وعملتها، عالحدود.. حتى إخلص أوام..! لو كنت معتازة فلوس.. كان فيها ، وما فيها!. بس الله كافيني.. وعندي إمي وستّي على رئبتي.. أنا  منّي متلك.. لا إدّامي ولا وراي!

إزا لحؤوا ومسكوني.. إمي وستي بيموتوا من الجوع! بأا من هون، وبس!! حديس من هانّوع ما بدّي إسمع.. يا أما.. هيدي أول وآخر مرة بركب معك.."!

سارع "ميشيل" إلى التراجع.. قائلاً..

-"هو..هو!! طولي بالك يا عمّي.."

لكنه سرعان ما أضاف في صوتٍ عميق ولهجة جادة جديدة على مسامعها...

- "..انشلّا فكرك أصدت إنو نهرّب مشروب.. أوأكل؟.. أو حتى حشيش كمان؟.."

لم تدرك "هيلانة" ما رمى إليه.. فتابعت النظر إلى عينيه، عبر المرآة الصغيرة.. تنتظر منه إنهاء كلامه، فقال في تمهّل..

- " الدنيا متل مَنّك شايفة.. آيمة، آعدة.. وفي إشيا كتير لازم تروح وتجي من على الحدود.. وزلم كمان! صحيح ما فيكي تحاربي، يا ست "هيلانة"! بس فيكي تساعدينا..بهلّي فيكي عليه.."

ردّت على الفور، لا ترغب في السؤال عن التفاصيل..

- "ليش دخلك.. مل بيكفي هلّي عم إدفعو؟.. ولازم حارب كمان؟.."

- "يا معنا.. يا علينا!! وكل واحد بيعمل يلّي بيئدر عليه!!"

وفجأة عيل صبرها من المنحى الدفاعي الذي وجدت نفسها بغتة فيه.. فقالت في نزق..

- "صرت حضرتك تصدّر أوامر؟.. من إيمتا دخلك يا "ميشيل"؟.."

قلب شفتيه في امتعاض مكتوم.. ثم قال..

- "لا بصدّر أوامر ولا شي.. نحنا آخر الناس.. يا ست.. بس بيسوا تمدّي إيدك لهلّي عما يموتوا كرمال بلدك.. ودينك!!"

 أجابت في اقتضاب.. في لهجة من تود إقفال الحوار..

- " لما بيطلع بإيدي.. ما بأصّر.. وكل مين عليه من حالو، يا "ميشيل"!! في أعلى منك بكتير بالفِرأة.. ولمّن بدُّن مني شي.. بيعرفو يتصّلو فيّي.. ويطلبوه!!"

*    *    *

اقتربت السيارة من المركز الجمركي، فتوقف "ميشيل" في صف طويل، يتساءل عن سبب التأخير، وما جرت عادة الخفراء تفتيش المغادرين من سورية إلى لبنان.. قال وهو يجمع أوراق السيارة.. ويستعد للخروج منها..

- "الهيأة.. هيدا المدير الجديد.. وائف هونيك! عم يفتش الرايحين، والجايين.."

ثم سمعت "هيلانة" صوته، وقد توقف خارج السيارة برهة.. يستطلع، عن بعد سبب التأخير.. يقول..

- "يا أخو ال..!! هيدا هوّي.."

ثم اختفى، ليعود بعد دقائق وقد أنجز معاملات الخروج.. فاقترب بسيارته من مركز التفتيش حتى توقف تماماً ينتظر التفات أحد الخفراء إليه..

لم تفهم "هيلانة" سبباً لتسارع ضربات قلبها وهي تسمع صوت عدنان يسأل السائق عما يحمله في صندوق سيارته.. لا ينظر إلى من في داخلها.. ولا يميز وجوه من اشرأبّت أعناقهم، ينظرون إليه في ودّ مصطنع..! لم تفهم سبباً لتوثب فؤادها وهي تراه عبر الضباب.. يتقدم من النافذة في بطء، منحنياً، ليطل منها إلى الداخل، فينظر إليها في دهشة وصمت..

حيّته بهزّة خفيفة من رأسها، وهي تفتح زجاج النافذة وقد علا الدم وجنتيها، لا تكترث لما تدفق عبرها من هواء جليدي، غمرها، حتى أشعرها أنها لا تقوى على الكلام.. تبسّم لها عدنان في صمت..لايحيد عينيه عن ناظريها.. تكشف ابتسامته الهادئة أسناناً ناصعة البياض.. ثم أغلق جفنيه هنيهة، في إشارة حميمة ودود! لم تدر "هيلانة"، إلا وقلبها يخفق بشدة محيرّة لتلك الإشارة!!

وقع عدنان على ما بين يديه من أوراق، وأذن السائق بمغادرة المركز، ثم أعار "هيلانة" نظرة طويلة، متسائلة.. في هدوء صامت.. والتفت إلى ما تلا سيارة "ميشيل" من مركبات، تنتظر المرور..

لم تدر "هيلانة" ما إذا كان "ميشيل" قد تنبه إلى ما جرى، خلال تلك الدقائق الخاطفة، لكنه اجتاز سهل البقاع، في صمت، على غير ما تعودته منه.. يتوقف أمام حواجزالتفتيش، دون تعليق! يلقي السلام على العسكريين، في هدوء، يتحيّن فرص التفات "هيلانة" إلى ما وراء نافذتها من منظر السهل، والبيوت المهملة.. ليطلق نظرات عبر مرآته الصغيرة، إلى عينيها الساهمتين.. يتصرّف هو الآخر في شرود مفاجئ، كأنه مشغول بما وقع عليه مصادفة من سرّ مكتوم دفين!.

*  *  *

تنبه لوجود عدد من المركبات المتفجرة على طرفي الطريق في بلدة شتورة، لم تُبق النار منها إلا على هياكلها السوداء! كأنها جماجم، هائلة الحجم.. مخيفة!! اضطر للتوقف برهة في بلدة تعلبايا.. وعند سماعه تلك الطلقات النارية.. صدرت من مكان ما.. على شكل زخّات متقطّعة.. سارع بعدها للخروج من تلك البلدة.. يتمنى، للمرة الألف لو أن لبلدته طريقاً آخر غير تلك المحفوفة بالأخطار.. وقد شُقَت عبر عدد من القرى، معظمها لا يكنّ أصحابها لبلدته وأهلها، سوى الكراهية والحقد!!

تجنب عبور طريق إحدى الضواحي الخطرة، المحيطة بمدخل بلدته الرئيسي، فسلك درباً جبلية جانبية.. تتجه مباشرة نحو الكروم.. وهي السفوح المرتفعة المحيطة بوادي زحلة.. ما إن دنا من أول حاجز تفتيش، وهو تابع للميليشيات المسيطرة على نصف البلدة.. حتى مدّ يده خارج النافذة، ملوحاً لأفرادها في سرور.. ولأول مرة، منذ ترك الحدود، عاد بناظريه إلى مرآته الصغيرة ينظر عبرها مباشرة إلى عيني "هيلانة" التي تشاغلت عنه بالنظر إلى تمثال العذراء، الإسمنتي الكبير، المطل على البلدة.. تتمتم صلاة قصيرة..

قال وهو يشعل لفافة تبغ، مرتاحاً لسلامة الوصول..

- "آه من هالأيام!.. يا عدرا خلصينا بأا.."

تنبهت "هيلانة" هي الأخرى من شرودها الطويل..وتمتمت..

- "مين كان عارف.. إنو الحالة رح توصل لهون.."

- "ياألله.. شو بتضلّيك بتشكي!.."

- "ليش.. شو كنت عم تعمل إنت.. دخلك؟.. مش كنت عم تشكي للعدرا؟ كنت صلّيلا أبل ما توصل الحالة لهون!!"

- "ليش منّيك شايفة الشباب؟.. في حدا استرجى يدعس خطوة بالبلد؟.. حدا إدر يفوت عليها؟!"

- "إي.. وبعدين؟.."

- "بعدين.. شو؟.."

- "شو رح يطلع منها هالوأفة؟.. رح تعلنو جمهورية زحلة الحرّة؟!.. طريئ ما عرفتو تفتحوهلنا لفاريّا؟.. بدي إفهم شو آخرتا!!"

نظر "ميشيل" في عينيها نظرة طويلة.. ثم قال كمن يسعى لاستشفاف أمر كان خافياً عليه..

- "يعني.. بتريدي.. أو بتفضلي.. إنو نسلّم البلد؟.."

انتفضت "هيلانة" لقوله.. وأجابت على الفور..

- "هيدا يلّي بعد نائصني.. عما تخونّي يا "ميشيل"!. أنا إلت إني بفضل سلّمها؟.. زاتاً هيدي رح تكون آخرتها!! كل واحد حكى كلمة عأل.. بيطلعلو واحد متل حضرتك!! بيعملو خاين!! لسّا بتشوف.. يا"ميشيل".. رح نضلّ نصفّي ببعضنا.. حتى ما يضلّ فينا إلا المجانين.. وأتالين الأتلا!!

 

 

 

الفصل الرابع

  

 

عاد عدنان إلى مكتبه عابساً، يستر رأسه من مطر غزير بات رذاذه يتناثر فوق الإسفلت وكأن الأرض تغلي وتفور. دخل إلى غرفته يودّ لو يصفق الباب خلفه صفقاً! لكنه تمالك نفسه، وأغلقه في هدوء.. ثم توجه إلى الملحق، حيث المائدة الصغيرة وأدوات الشاي، فأشعل الموقد الغازي، تحت إبريق الماء، يمعن التفكير، يبحث عن حلّ لمشكلة ما.. لم يخطر بباله قط أنه سوف يواجهها في عمله الجديد!

ماذا يفعل إزاء جماعة من الناس، لصوص في ثياب وظيفيّة.. غضبوا لمحاربته التهريب والرشوة.. تكتلوا، ثم تحركوا ضده.. شكوا أمره إلى رئيس المركز، بدعوى أنه يتعمد إعاقة حركة المسافرين لأسباب تخريبية.. مما دفع هذا إلى تنحيته عن ممارسة التفتيش بنفسه، طالباً منه التخفيف من حماسته في أداء الواجب، والاكتفاء بالمراقبة من بعيد!!

لم يفت رئيسه، بالطبع، شكره على ما كان يبذله من جهد.. قام بذلك مبتسماً، شارحاً له أن في المبالغة ما يشابه الإهمال في أداء الواجب، إذ ليس كل من حمل شيئاً من لبنان، يعتبر مهرباً.. وأن معاملات الرسوم الجمركية تستهلك الوقت ذاته، سواء تعلّق الأمر بمئات ألوف الليرات، أو بضعة عشراتها، لذلك لا طائل من إضاعة وقت الموظفين من أجل بضائع أو رسوم تافهة..

*  *  *

أنهى ترتيب بعض المعاملات، وهو يرتشف الشاي، يزمع العودة إلى داره في وقت مبكر.. وكان قد اكترى مسكناً متواضعاً في المنطقة ذاتها، داراً، أعدت لتكون مركزاً لمزرعة صغيرة على سفح تلّة صغيرة تشرف على مركز الحدود.. وفجأة، حين سمع نقراً على باب مكتبه.. لم يردّ عليه.. ثم تكلّم بنزقٍ، يأذن للطارق بالدخول وهو يتوقع دخول مرؤوسه.. الذي يأتيه، كعادته، بإحدى المعاملات المخالفة للقانون.. طالباً منه التساهل بشأنها.. مستعطفاً إياه.. يقسم أشد الأيمان أن لا منفعة شخصية له من وراء ما يطلبه، عدا الرأفة بصاحب المعاملة، المسكين!

رفع ناظريه، وإذا "هيلانة" تقف بالباب.. ثغرها مفتّر عن ابتسامتها الساخرة، اللطيفة.. تتردد في الدخول.. تقول له، هامسة..

- "يسعد مساك.. بفوت؟ ولا.. خلص الدوام؟.. ألي الموظف.. إنك رايح علبيت.."

نهض عدنان على الفور.. مستنداً على ذراعي مقعده، وتقدم منها، مرحباً.. يتمتم أنه كان على وشك الخروج.. فسألت..

- "مع مين بتنزل عالشام؟ .. بدّك وصلك معي؟..

ولما أخبرها أنه لايذهب إلى دمشق.. ولا يسكن فيها.. بل يقطن في المنطقة ذاتها، على بعد عشرات الأمتار من مكتبه.. لا يزور العاصمة إلا أثناء العطل الأسبوعية.. فتحت عيناها الكحلاوين دهشة ولهفةً.. وسألت..

- "ومع مين ساكن هون؟.. يا دلّي.. إنت لوحدك؟ لسة ما اتجوزت.. بعد؟.. عايش لوحدك؟.."

أجابها مبتسماً وهو يقفل أدراج مكتبه بالمفتاح.. ويتشاغل عن النظر إليها بتصفيف بعض أدوات الكتابة على مكتبه..

- "لأ.. لسّاتني عازب.. عندك شي عروس؟.."

قهقهت..في صوت عذب، خفيض.. وقالت..

- "ألله يأطعن.. ليش في أكتر من النسوان؟.. بس بدنا وحدة تناسبك.. إنت يا عمي، لسّاتك بتصلّي، وبتصوم.. إنشالّه فكرك ملاءات عروس إلك.. شغلة هينة؟.."

ضحك.. وقال بدوره.. متنهداً..

- "إيه.. الله بيفرجها.."

ثم جلسا.. ينظران إلى بعضهما.. في سكون وودّ حميم.. يبعث وجهها في نفسه ذكريات أيام خوال.. أرّقت شهوته لها لياليها، وأضرمت في جسده ناراً، جمرها لازال تحت الرماد.. في وسعها الاستفاقة من سباتها في أية لحظة!! وراحت "هيلانة"، تمعن النظر في تقاطيع وجهه المتناسقة.. تنزلق نظراتها فوق نبضات الوريد في عنقه، إلى خطوط أطرافه القوية.. والممشوقة.. تحط على عروق يديه، وأصابعه الطويلة المتحفزة.. يعيدها كل ذلك إلى ماضيها، إلى صباها.. وعذريتها.. وما كان يحرّك شهوتها، آنذاك من تفاصيل في أجساد الذكور.. سألت، كأنها تحدّث نفسها..

- "على شو بتسهر؟.. هيك لوحدك؟.. مين بسلّيك؟.."

ردّ في بساطة..

- "عندي تلفزيون.. وكتبي.. ومجلات.."

ثم أضاف في أنس محبّب..

- "وعندي أطّة.. شو حلوي.. شأرا متلك.. إسمها "عطرة".."

سألت، "هيلانة" في تردد.. وقد غلبها الحياء..

- "بتورجيني ياها؟.."

- "ليش ما عندك شغل؟"

- " بينطرني "ميشيل" شويّ.. معليشي.. ياما نطّرني هوي!؟

*    *     *

نهضا.. متجهين نحو الباب.. وأدرك عدنان فجأة.. أن جميع من في المركز من موظفين سوف يلاحظون اقتياده امرأة إلى داره.. وحّدث نفسه بأن تلك أمور تخصه، وليس من شأن غيره التدخل بها.. يدعم حجته بقوله إنما هي مجرد زيارة.. زيارةعابرة.. ثم يذكر نفسه أنها أول زيارة تقوم بها أنثى لسكنه.. وأنه ما حلم في يوم من الأيام، أن تكون صاحبة تلك الزيارة الأولى، "هيلانة" ذاتها!!

ترددت "هيلانة" هنيهة، ثم سألته قبل الخروج من غرفة المكتب..

- "عندك حدا بيوصّلني عالشّام، أو عزحلة، إزا تركت "ميشيل"؟.. عم فكر إلو إني راجعة لزحلة.. حتى ولو ما طوّلت عندك.. هيك أحسن.. بلا ما يعرف إني رح زورك.."

أجاب عدنان في حفاوة وحماس..

- "طولي أدّ ما بدّك.. ألف مين بيوصلك لمطرح ما بتريدي!!"

- "طيب.. ومنين الطريء لعندك؟..بفضّل روح لوحدي لبيتك.. هيك أحسن.."

ولما وصف لها الدرب المؤدية إلى سكنه.. أقفلت، مسرورة لحذرها..

- "منيح.. سبأني إنت..أنا رح أول "لميشيل" إني راجعة عزحلة.. وبلحأك.. بعد شويّ.."

تمشت نحو دار عدنان، تسبقها أفكارها المبعثرة إليه.. تنظر في شرود إلى ما حولها من أشجار تعرّت من أوراقها.. وأخذت مصابيح السيارات المارة تكشف أشكالها الملتوية.. ثم تختفي في عتمة الليل الداكن.

*    *    *

سرعان ما ابتعدت عن مجال أضواء السيارات.. تتقدم على نور مصباح باهت ينير مدخل دار متواضعة، مستقلة، لا يفصلها عن الطريق الجانبية إلا درب ترابية بللتها الأمطار.. لحظات، وكانت أمام مدخل الدار، تطرق بابها في إلحاح، تدق قدميها على الأرض.. تحاول عبثاً تنظيف حذائها وحماية نفسها من زخة برد مفاجئة.. ثم نظرت، متأسفة، إلى قدميها.. وتمتمت، تضبط قشعريرة برد مفاجئة..

- "ما عليك..هلأ بمسحلك ياهن.. يادلّي  شو برد، برّا وشو دفا هون."

- "أعوزبالله.. شو تمسحيهن.. شو نحنا غربا؟.."

وقام عدنان على الفور إلى عصا في طرفها ممسحة، يزيل آثار الطين عن طرف السجادة. ثم تمتم متردداً.. يتحاشى النظر إلى وجهها..

- "ليش ما بتشلحي كندرتك.. وتدفّي رجليك عالصوبة؟.."

أطلقت ضحكة تموَه فيها عن ارتباكها.. وقالت..

- "ليش.. أنا مطوّلة؟.."

ثم عادت إلى التلفت حولها.. تسأل في طفولية محببة..

- "وينها.. البسّة؟..بس.. بس.. تعي .. تـعي.. وينها؟.. شو يزهر إنها هربت مني؟"

نهض عدنان في شرود وهدوء.. وكان يجلس على طرف السرير.. فتقدم من حيث جلست "هيلانة"، قرب الموقد، في وسط الغرفة.. فجلس القرفصاء، أمامها.. يمسك كاحلها بيد وباليد الأخرى، يخلع حذاءها في رفق.. لايفهم سبباً لجرأته، يقول لها.. وعيناه قد تسمّرتا لعينيها.. والوريد في عنقه يكاد ينفجر لما تدفق فيه من دمه..

- "يزهر إنك ما بتسمعي الكلمة.. أوام..يزهر.."

لم يدر، وقد جلس القرفصاء قبالتها.. وعيناه عالقتان على ناظريها، إلا وساعداه يمتدان في وجل وتصميم نحو جذعها.. يطوقان خصرها، في لهفة حائرة، مكبوتة.. يميل عليها بكامل جذعه.. كمن تلاشت قواه..راكعاً على الأرض.. دافناً رأسه في صدرها العارم.. يعبّ من عبق ثوبها، وما لامسه جبينه وأنفه من تكوّر نهديها.. ليتمتم لها، ولنفسه، كلمات وأصواتاً مبهمة.. اختلطت بزفير أطلقته "هيلانة" وهي تستقبل رأسه.. وتضم عنقه إلى صدرها.. تلفّه بكلتا كفيها المفتوحتين، وبكلا رسغيها وأصابع يديها المتشنّجة!!

تمنى لو يقول لها أشياء وأشياء.. لو يبوح بأحاسيس غريبة، مفاجئة، تمكنت منه.. لو يكاشفها على الأقل، بأنه يحلم بتلك اللحظة منذ سنين، إنه ربما كان يجهل ذلك! لكنه فقد السيطرة على شفتيه ولسانه.. فلم يحرّكهما إلا جائلاً بهما على جيدها، وذقنها، وشفتيها!

ولعلها أدركت ما فاضت به نفسه.. ما يدور في خاطره.. وودّت لو تقول إن انتظارها، هي الأخرى، قد طال، من حيث لا تدري! لكنها آثرت الصمت، أو أجبرت عليه.. تضم عدنان إلى صدرها بكل ما أوتيت من رقة، ورغبة، عملتا كألسنة النار في هشيم جسدها!! يفهم كلاهما ما يخفق به قلباهما من إحساسات مفاجئة.. جارفة، وما يستعر في جسديهما من شهوة مكبوتة متبادلة.. لا يتوقف الكلام في ذهنيهما .. لكنه يسيل في أقنية تلتف حول نفسها.. لتقود إلى الشفاه، وقد تدفق عبر تلك سيل جارفٌ عاتٍ من شهوة الشباب الأولى..فجّرتها عفوية اللمسة الأولى.

*     *     *

فتحت "هيلانة" عينيها في الفراش برهة.. وما هي إلا لحظات حتى استغرقت في نوم عميق.. تحسّ بثقل ساعد عدنان، وقد لفّ صدرها.. وأحاطت يده نهدها.. تصغي لأنفاسه الهادئة الرتيبة، وقد نام، ورأسه على كتفها.

تملّصت منه، في رفق وسكون.. واستوت في الفراش، رأسها على كفّها.. يتكئ ساعدها إلى المخدة.. لا يشوب سكون الليل إلا صوت ناعم مخملي.. ينبعث من المدفأة التي انتشرت أشعة لهبها النحاسية.. تتلاعب فوق جميع ما وقعت عليه من أثاث الغرفة.

أمعنت النظر في وجه عدنان المسدل الجفنين.. وكاد رأسه يغوص في إبطها.. تتلقى أنفاسه الدافئة الناعمة على نهدها، تنبعث من شفتينن مفترتين، كأنما إلى وشك البوح لها بما لم تتلفظا به خلال ساعات الهوى!

ماذا بينها.. وبينه؟.. ما أكبر الفارق بين عدنان.. الجسد المفتول.. المكتمل التكوين.. وعدنان.. الفتى البكر،الحييّ.. النضر الروح، الزكي الأنفاس، هذا الذي كان يضاجعها منذ برهة.. يا لغرابة ظروف حياتها! كم تحمل تلك الظروف من مفاجآت مذهلة!!

دققت النظر في ساعتها.. فلم تفلح في استطلاعها الوقت..هل توقظ عدنان؟.. ومرّ في ذهنها، فجأة، أنها قد تندم على ذلك.. وأنها، لوأيقظته، فهي تخشى اختفاء الفتى الذي تكشف لها منذ ساعات.. وقد يفتح عينيه، عدنان، الرجل، ذلك المتحفظ البعيد.. عدنان الصلاة والصوم، والصمت المطبق!

ماذا بينهما؟.. ماذا تريد منه؟.. ولماذا تناديها تلك الأرض.. الخصبة.. البكر.. وهي التي تعلم أنها لم تعرف في حياتها إلا الطرق المعبدة.. طرق التنقل والترحال؟..

عادت تملّي النظر من جفنيه المسدلين، الأهدبين.. تقترب بنهدها من شفتيه المفترتين النائمتين.. تلامسهما في حذر.. تسأل نفسها.. ماذا تريد من ذلك الطفل؟.. ماذا تودّ له؟.. وهل من مكان في حياتها لعلاقة لابدّ أنها ستكون متطلّبة، جارفة، عطشى، مع إنسانً ذي نفس غضة مثل نفسه؟.. أليس خيراً لها أن تضع حداً لما بينهما، في هذه اللحظة بالذات؟.. تنسحب، في سكون، وتختفي من حياته إلى ما شاء الله؟..

لم تدر إلا وهي تتملص ثانية من ساعديه.. تنزلق في هدوء تام.. وفي لمح البصر.. وكانت منتصبة على قدميها العاريتين، تجمع حاجاتها، في صمت .. ترتدي ثيابها.. تتدثر بمئزر صوفيّ كان على أحد المقاعد..ثم تفتح الباب، فتخرج منه، تتحاشى أثناء إغلاقه إصدار صوت يوقظ صاحب الدار..

هرعت إلى الطريق العام، تتجه نحو المركز الجمركي. تخطف نظرة إلى ساعتها، تتبين الوقت.. كانت الساعة تقارب الواحدة صباحاً، وسيل السيارات المسافرة قد انقطع، وتحول إلى مركبة تمر كل عدة دقائق.. فتقدمت من أحد الخفراء، وهو ينهي تفتيش إحدى السيارات، وطلبت منه مساعدتها في تسهيل وصولها إلى دمشق.. نظر الخفير إليها مليّاً.. وقال..

- ".. مو حضرتك يلّي بتركبي مع "ميشيل"؟.."

- "تمام.. بس هالمرة، إجيت مع ناس، انأطَعِت فينا السيارة هونيك.. دخل عينك.. مستعجلة شوي.."

- "مو حضرتك بتغني بل..بل..إي والله..في إلي صاحب ما بيروح لهونيك إلا بيشوفك.."

تبسمت "هيلانة" في سرور.. وقالت..

- "تمام.. وألو.. المرة الجاية يجي يشوفني.. ويألي أنو صاحبك.."

سرّ الخفير بدوره لقولها.. وجدّ في الطلب من كل عابر للمركز، أن يقلّها معه، ما هي إلا دقائق حتى صارت بعدها في سيارة خصوصية.. إلى جانب سائقها المتوسط العمر.. تتجه نحو دمشق!

سرعان ما شدّها منظر الثلوج المتساقطة.. تراكمت على الطريق، وفوق السفوح وأشجار الصنوبر والسرو والسنديان.. تغريها أنوار السيارة الكاشفة على متابعة الانتباه إليها.. نجوم براقة بيضاء تتراقص على خلفية معتمة، لا قعر لها، تنادي انتباه "هيلانة" وكأنها ترغب في منعها عن العودة في ذهنها إلى الوراء.. إلى ما تنازعها من هواجس وانطباعات..

كان لتواقت تجربتها مع هطول الثلوج أثر طيب، مفرح، على قرارة نفسها.. اقترن نقاء الطبيعة في إحساسها من حيث لا تدري، بأنفاس عدنان.. حيث تمازج مع عبق بشرته، المنبعث عطره من إزاره الصوفي الذي تلفّحت به قبل خروجها من داره..

*     *     *

تقبلت لفافة تبغ من صاحب السيارة.. تلحظه في عدم اكتراث.. لا يسعها إلا الإجابة، في دماثة عن أسئلة وجهها إليها.. تردّ في كل مرة في تأدب واقتضاب، كأنها توحي إليه بالالتفات عنها.. ولعل ذلك قد زاد الرجل اهتماماً بها.. فوجئ بتحفظها و

عزلتها.. وهو الذي توقع من امرأة وحيدة، في الواحدة من الصباح، أن تكون أكثر ميلاً للمباسطة، والمزاح!.

تذكرت أن ساعات العناق لابدّ قد محت جميع زينتها عن وجهها.. فسرت لذلك، وغالبت رغبتها في النظر إلى مرآتها لتفحص وجهها.. الخالي من المساحيق، وأحمر الشفاه، ما يشير إلى خفة أو ميل للعبث!

عجبت لنفورها من حديث الرجل.. وأنكرت على نفسها كرهها لمديحه الذي بات يضّمنه لكل سؤال، أو تعليق! ما الذي طرأ عليها من تغيير حتى باتت تشعر بذلك الاكتفاء الداخلي.. وهي التي، حتى ساعات مضت، عاشت حياتها في مناوءة مع الآخرين.. في قراع دائم، شمل الأصدقاء واللأعداء.. لا تكلّ من المنازلة.. سواء في أمور عاطفية أم في علاقات الحياة اليومية!. لا تثق بأي إنسان كان.. عرفت من أمور الرجال ما علمها أن الإطراء ما هو إلا أسلوبهم للوصول إلى فراشها!. لاتعرف طريقاً للتحقق من صدق نواياهم، غير الكلام.. تطلق أسئلتها شراكاً لغيرها.. تصغي لإطرائهم في ريبة وحذر، تستزيدهم منه.. علّها تسرع في التأكد من خداعهم! أو.. لعلها.. أخيراً أن تقع على عاطفة صادقة، طالما تمنتها وحلمت بها!

ماذا بها، في تلك اللحظة.. لاتكترث لما يقال لها؟.. تكره إطراء الرجل، وكأنه مسّ بأنوثتها.. أو بكرامتها؟.. ليس ذلك وحسب

بل تجلت في ذهنها فجأة أمور طالما أقصتها عن تفكيرها، أوكذبتها.. نصائح، وانتقادات.. أثارت نزقها أوغضبها في الماضي     

.. راحت في تلك اللحظة تكررها على سمعها في هدوء.. تستجلي صدقها.. تحاول الاستفادة منها..كأنما هي على وشك عبور باب جديد في الحياة.. عوالم خالصة النقاء، لاتوّد ولوجها إلا وهي على أحسن زينة وأتمّ هندام؟..

*   *    *

سمعت صوت الرجل يقول في شرود..

- "بتستغربي.. يا.. ست.. إزا بدّي إلّك.. بس بتعرفي شو ألي.. الموَزّف؟.. ألّي.. إنك مغنية.. بمحل.. مدري شو إسمو.. يخرب بيت العالم شو كزّابين.!"

كانت سيارته على وشك ترك طريق الصحراء المستقيمة.. وعبور طريق الهامة ثمّ دمّر، المتعرجة.. التفتت "هيلانة" هنيهة.. ثم عادت تنظر إلى ما يقابلها من ثلوج لازالت ناصعة البياض، تراكمت أكواماً على جانبي الطريق.. ثم قالت، في لهجة كانت تودّها هازئة قاسية.. لكنها استدركت وملكت نفسها، وهي في ضيافة الرجل.. وأجابت

- "يعني.. المغنية حرف سائط؟.. على راسا ريشة؟!.. ليش شو فيها إزا كنت مغنيّة؟!"

قالت ذلك في هدوء وثقة بالنفس دفعا الرجل من النظر في عينيها.. ها هو ذا يبدو حائراً.. مستغرباً لماذا أوقع نفسه في موقف حرج؟!

قال، متردداً.. يجاهد في إخفاء ندمه، وحرجه..

- "لأ.. ما إلت شي.. ليش كل المغنيات متل بعضهن؟.. بس.. يلّي بيشوفك.. وفيشوف هيئتك.. ولا يمكن يحزر عنك.. إنك بتشتغلي بالليل.. "

ثم أضاف، مستدركاً..

- "يعني إنك بتغني للناس.. بالليل... يعني ما تآخزيني بهالكلمة.. ست حلوة.. وزغيرة.. وبلا مكياج.. وبعدين.. حتى لبسك كمان.. هيدا الشال الرجالي.. مسلاً.. بيحطوه بباريز.. اليوم آخر موضة.. "

أمسكت"هيلانة" بطرف مئزر عدنان، تشده في رفق على جسدها، تحكم لفه على جيدها..وأكتافها..

قالت متشاغلة عمّا دار بينهما.. وقد وصلا إلى مشارف دمشق..

- "هيانا وصلنا.. ياي شو ما أحلى هالوادي، بالتلج.. والليل.."

- "بتريدي وصلك لشي محل بالشام؟.."

 ردت مبتسمة في شرود..

 - "كنت بدي روح عالشغل.. بس هلّلأ تأخرت.. فيك بحياتك توصلني عباب توما؟.."

 التفت الرجل إليها، متعجبا.. وسأل...

 - " باب توما؟.. يمكن نكون جيران.. شوفي هالصدفة!.."

 - "ليش لأ.. كل شي معؤول.."

- "بتعرفي إنو لسّا ما تعارفنا؟..شو الإسم، بالخير؟.."

سألها ذلك، ثم أدلى بإسمه.. فلمّا سمع إسمها.. تابع التفاتاته المتقربة.. كأنه ينتظر منها الإدلاء بالمزيد من الأسماء والصفات..ولمّا أعياه الانتظار.. سألها مبتسماً..

- "الإسم.. ما خبرني شي.. إنتي من عنّا، يعني عنّا؟.. وللا ضيفة.. بباب توما؟.."

أدركت "هيلانة" أنه يسألها عن عقيدتها.. فابتسمت في تعالٍ، كأنها تستنكر التفاته إلى أمور لاأهمية زائدة لها..وهي التي كانت إلى حين.. بل قبل ساعات مضت.. لا تكمل حديثاً مع إنسان غريب إلا بعد السؤال عن بلد مولده، والتوثق من ميوله، وعقيدته!

- "أنا.. إمي من باب توما، والبابا من زحلة.."

ثم أضافت.. مازحة..

- "شو بدك أحسن من هيك؟.."

تحمس الرجل لدى سماعه إسم بلدتها، وقال..

- "زحلاوية.. وما إلتيلي من الأول؟.. الله يحيي أهل زحلة.. ويشدّ بيعزمهن.."

لم يسع "هيلانة" إلا العجب أمام حماس الرجل.. فسألت..

- "تخمين إلك حدن بيزحلة؟.."

- "ليش ضروري يكنلي حدا؟.. معركة زحلة، معركتنا.. زحلة وجونية بلدنا.. الله يحيي أهلها هالصامدين!!."      

أزاحت "هيلانة" عينيها عن الرجل متطلعة في شرود إلى طرقات دمشق المقفرة، المدثرة بثوبها الناصع البياض.. تعجب ممن باتت تلقاهم هنا وهناك، من أناس بدأ يستعصي عليها فهم دوافعهم.. لاتفهم، في الوقت ذاته، معنىً حقيقياً لعجبها، وهي التي تعودت سماع الحماسة العمياء لجميع قضايا الأرض، بجميع مذاهبها الدينية، من جميع من عرفتهم من بشر!

لكن تساؤلاً جديداً نما في إدراكها.. وهي في طريقها إلى الدار الدمشقية.. ما الذي يحرك عصبية بعض الناس تجاه قضايا بعيدة عنهم. يتنازع عليها أناس، لا سبيل لمعرفة أحد منهم؟.

لماذا يتبنى الإنسان فجأة قضايا غيره.. فتصبح قضية حياتية له.. ولو سار على هذا المنوال، لجعل من أي نزاع، قضية مصير في حياته!! ثم.. وهذا هو الأمر.. الأدهى.. كيف باتت تطرح مثل تلك الأسئلة في ذهنها.. تعجب لنصرة إنسان لأهل بلدتها.. وهي التي كانت إلى حين، تقف إلى جانبهم.. على السرّاء والضرّاء.. سواء كانو في نظر الآخرين عل حق، أم على باطل؟..

توقفت السيارة أمام باب دارها الشامية القديمة.. فشكرت صاحبها.. وترجلت، تشد إزارها على صدرها.. تعلم أن عبق بشرة عدنان يكمن وراء جميع ما مرّ بها، منذ تركته.. وأنها سواء عادت إلى زيارته، أم لم تعد.. فإن شيئاً جديداً قد تفتح في نفسها!!.. باب تجمعت ظروف حياتها في الماضي، حتى تلك الليلة، على منعها من ولوجها!.. باب جديد استطاعت أن تلجه اليوم للمرة الأولى في حياتها..

 

 

 

الفصل الخامس

 

       

فتح "عدنان" عينيه في تكاسل، قبيل الفجر، ليجد فراشه خاوياً من دفء جسد "هيلانة".. وغرفته خالية من أي أثر لها.. كانت نيران المدفأة قد انطفأت.. وحل مكان الدفء صقيع الثلج المتسرب إليها من تلك الثلوج التي تراكمت كتلاتها على أشجار الصنوبر وسفوح الجبال البعيدة التي تشرف نافذته عليها.. تنهّد، وإذا بزفير بدا بخاراً متصاعداً كدخان التبغ.. فسارع إلى ستر رأسه بغطاء سريره الصوفي.. يمنع هواء غرفته البارد من التسرب إلى جسده العاري، الذي عرف جسد "هيلانة" منذ حين..

لم يجد غرابة في اختفاء "هيلانة" من غرفته.. وهل كانت وهي بين ذراعيه، إلا سراباً لم يطمع في امتلاكه إلا للحظات! أغمض جفنيه في دفء فراشه، يستدعي ذكريات الليل.. يسترجع تلك الدقائق التي سبقت لقاءهما.. ذلك اللقاء، الملتهب، المحموم.. ها هي الشهوة تستعر في جسده من جديد، وهو يذكر ما كان بينهما.. يحار فهمه في ربط تسلسل منطقي لما جرى.. يستغرب جرأته في الأمساك بقدمها، وتنتابه قشعريرة طفيفة كلما استعاد تلك الثواني الأولى التي قادته إلى خصرها، ثم إلى نهديها.. يتمطّى.ز يود لو يعانق الفراش حين يذكر زفرات "هيلانة" وهي تضمّ راسه إلى صدرها.. يدرك للمرة الولى، أن هناك ما يحرك الإنسان على الفعل، غير طاقته الذهنية.. لغة أخرى تعبّر عن حاجات اخرى، غير حاجات القلب والعقل.. تترابط في تسلسل حركي يقود الإنسان إلى نتائج قد ينكرها العقل، بالغم من حتميتها الواضحة، ونهاياتها السعيدة في تلبية إرواء عطش الجسد..

لم يتساءل عما نشأ بينه وبين "هيلانة" من رباط.. ماذا كانت بالنسبة إليه؟.. حلم قديم يعاوده على الدوام.. تحقق فجأة في حياته.. ثم تبعثر واختفى.. لايعرف كيف.. ولا يدري ما إذا كان سيتبدى من جديد..

 لم يدر إلا واشعة الشمس تسقط على سريره.. ومضات عابرة تجد طريقها إلى غرفته عبر سحابات سريعة، بدت لعينيه الناعستين كأنها تنزلق على نافذة غرفته.. تذكره بنار موقده الخامد.. وبما ينتظره من صقيع إذا ما قام لإيقاده..

تلفت حوله، يبحث عما يحمي به جسده العاري إذا نهض من الفراش.. عجب حين رأى ثيابه المبعثرة.. وتبسّم طويلاً إذ انتبه إلى الداخلية منها.. كانت بعيدة عن الفراش.. تربض قرب المدفأة.. التي مكثا إزاءها قبل اللجوء إلى راحة السرير، وحماية أغطيته الصوفية الناعمة ودفئها..

سمع صوت الفتى الذي يأتيه بالخبزوالحليب، كل صباح.. ينادي بلهجة قروية محببة..ثم يقرع الباب.. فأذن له بالدخول.. وطلب منه إشعال الموقد.. مسروراً غلى ما وفرّه عليه من مشقة النهوض، ومجابهة برد النهار المثلج..

سرعان ما سمع أزيز النار، يبعث الدفء في أوصاله قبل أن تصله حرارتها.. سره أن الثلوج قد قطعت الطريق.. وأنه، لو لازم فراشه، أو داره، طول النهار، فليس هنالك من سيفتقد وجوده من الموظفين.. لكنه تذكّر ما سمعه من الخفراء، منذ أيام.. من أن جهة أمنية جديدة ستلتحق بالمركز في ذلك النهار.. جهاز مستقل، لاصلة له بأي من أجهزته الأمنية الموجودة.. فهم أن اهتمامه سوف يتركز على ملاحقة شبكات تهريب السلاح، والمخدرات..

نهض من الفراش، يستر جسده برداء البيت الصوفي.. وتوجّه نحو مطبخه الصغير.. يجهّز لنفسه كأساً من الشاي..

صاح للفتى الذي أفرغ القمامة بعيداً عن المنزل، وأوشك على مغادرة الدار..

- ".. شو لسّا ما إجاكن غاز؟"

ولما ردّ عليه الفتى نافياً.. أردف يقول..

- "جبلي معك.. الضهر.. تنكة كاز أو تنكتين و..وبابور جديد.. خايف شي يوم ما يعود في غاز.. وجبلي معك لوكس.. كمان.."

 وتمّطى.. قرير العين.. مرتاح البال.. لا يشغله اختفاء "هيلانة" من فراشه أو داره.. ولايتساءل، ما إذا كانت ستعود! حسبه أنها أتت.. لقد عادت إليه وأذاقته من لذّة، ما كان ليحلم بها.. حسبه أنها موجودة في الكون.. في زحلة، أو في دمشق.. وأن عالميهما المتباينين مهما ابتعدا عن بعضهما، فلن تزيد المسافة بينهما على عشرات الكيلومترات.. وأن الزمن الذي جمعهما.. لابدّ سيجمعهما من جديد!

*  *  *

خرج من داره يخبّ على الثلج مرحاً.. مستبشراً.. يسره أنه انتعل حذاء يمنع تسرب الماء إلى قدميه.. لايأبه لما يتعثر فيه مما اختف تحت سطح الثلج.. يعاوده تفاؤله وحماسته لعمله، يمني نفسه في أن وصول المسؤول الجديد سيبدل في مجرى الأمور.. سيدعم جهده.. فيقمع التهريب، ويمنع الرشوة. تطيّر من سلام مرؤوسه الحار.. تبعه إلى مكتبه.. يسارع إلى المدفأة، فيشعلها، ثم يضرم نارها بسيل من الوقود، لا يدفع ثمنه.. يحدث "عدنان" عن قرب وصول موظف الأمن.. يطلعه عما سمعه عن الرجل والجهة التي ينتمي إليها.. ثم عن افجراءات التي اتخذها المدير العام من إخلاء مكتبه له.. وتخصيصه بتلك الغرفة، ذات الموقع الهامن التي تتوسط المسافة بين السيارات، ومبنى الإدارة.. سأله "عدنان" متعجباً..

- "وليش بدو يعطيه هالأوضة؟.."

- "هداك طلبها.. معلومك، سيدي.. لحتا يضل آعد بنص الطريق.. شايف الرايح والجاي.."

سرّ عدنان لما سمع.. فعلّق ساخراً..

- "الله بعتو..بلكي بتخف السرءة.. ويستحو يلّي ما فيهن دمّ.."

ردّ الرجل، يتشاغل عن النظر إلى رئيسه..

- "..سيدي..هادا ما ألو علاءة بالأشيا الزغيرة..ولا بيهتم فيها! هادا الحشيش.."

- " زغيرة وللا كبيرة.. كلها تهريب..و الزلمة، ضد التهريب.. مو معو.. موهيك؟!"

- "إيه.. الله يسمع منك.. بس بكرا بتشوف.. هادا مانو جايه ليوئف التهريب!، سيدي.. هاد باعتينو ليلخد حصة جملعتو"..

بهت عدنان لما سمع.. فاجأه أن يتنبه مرؤوسه إلى أمر فاته! هل يعقل أن تكون ظنونه في محلها؟.. لكم تسلءل هو الآخر، عن الطريق الذي تسير فيه الإجراءات، فيما يتعلق بالمخدرات التي يتم ضبتها ومصادرتها.. وعن الطريق الذي تسلكه تلك المخدرات.. إلى حقيقة مصيرها النهائي.. إذا صحّ أن مصيرها الإتلاف! ثم.. نسبة ما يتلف وما يضبط فيها.. أجاء الرجل حقاً ليحسن ضبط المور، ام ليحكم الاستفادة من هذا المورد الخفي للثراء؟..

*  *  *

كانت السيارات قد بدأت بالتوافد..تتحرك في حذر وهدوء..وقف إلى نافذة مكتبه المطلة على الفناء الجمركي، حيث الغرفة المعدّة للمسؤول الجديد.. يراقب وصول سيارته العتيدة.. تسعى وراءها سيارة ضخمة هرمة "روفر" صممت لشؤون الزراعة، والأراضي الوعرة.. ترجّل منها عدد من الأنفار المبرقعين، تسارعوا في هرج مريب، يدرؤون عن سيدهم خطر عدو مجهول خاف عن عيون غيره .. لعله شبح، وقد يتقمص فجأة صورة إنسان أو حيوان!!

هرع اثنان منهم نحو سيارة أحد المسافرين، وكان قد تركها مصادفة، قرب مدخل الغرفة، فبل وصولهمن وليس في الغرفة المهجورة ما يثير الاهتمام، ولا علىبابها الموصد الذي تراكمت على عتبته الثلوج، ما يحظر التوقف أمامها أو ينبئ أن يداً جليلة ستفتحه بعد حين.. تقدما من السيارة، يلفان ويجولان حولها في حذر، وغضب.. يلعنان صاحبها.. يضربان على ظهرها بأكف أيديهم، لعلها تنادي صاحبها المشغول عنها بمعاملة الدخول.. وكان سيّدهما قد ترجّل من سيارته، خلف تلك السيارة اللعينة.. التي احتلت مدخل مكتبه.. فمرّ من أمامها، ينظر إليها شزراً، مما شجع الرجلين على السعي لترجمة نظراته فما كان من أحدهما إلا أن ضرب زجاجها الجانبي بمقبض سلاحه.. عدداً من المرات، حتى تحطم وتناثرت قطع الزجاج فوق الثلج.. ومدّ يده يضغط البوق..لم يرفعها عنه حتى أقبل صاحبها.. يركض نحوها، مسلوب الفؤاد والإرهدة..وقد روّعه ما سمع، وما رأى.. فاندسّ وراء مقوده، لايناقش فرسان الوطن.. ولو فعل، لأصاب جمجمته مل ناب زجاجا سيارته.. فأدار محرّكه، ةانسل هارباً.. مفسحاً للسيارة العتيدة المجال للتقدم عدة أمتار، لاحتلال مركزها على باب سيّد المكتب الجديد!!

*  *  *

تراجع عدنان عن النافذة خطوات، مذهولاً.. ثم استار متجهاً نحو مقعد مكتبه، فتراخى فيه.. لا يجد تفسيراً لما رأى!!لا يفهم سبباً لالتحاق ذلك الرجل ومعاونيه بمركز جمركي.. شبه مدني لم يسبق أن قامت فيه مشكلة تتطلب حلها العنف.. أواستوجب فهمها اللجوء إلى السلاح!! ترى، هل ستكون لهذا الرجل علاقة به؟..نفى ذلك في ذهنه على الفور.. وفتح أدراجه،متشاغلاً.. يخرج منها بعض المعاملات، يسرع في إنجازها..

دخل مرؤوسه يحمل بريد المعاملات، وكان كهلاً ، بديناً قديم العهد بمهنته، على دراية واسعة بالأمور الوظيفية وتلافيفها.. تقدم في خطوات قصيرة حذرة.. يضع رزمة الأوراق والمصنفات في علبة مكشوفة، مخصصة لها.. ويرفع ما أنجز من معاملات.. تجمعت في علبة أخرى..

تفقد مصنفاً مقصوداَ بذاته، كان قد وضعه في مكان بارز.. فلما تبين إشارة الرفض عليه، تنحنح، ثم قال..

 - ".. سيدي..شو الزاهر هي المعاملة رفضتوها؟.."

رفع عدنان عينيه إلى الرجل، يستوضح معنى سؤاله..يستغرب عقمه.. وقال.. 

- "نعم.. رفضناها.. ليش.. في مانع أرفضها؟.."

تململ الرجل.. وقال..

- "سيدي.. هي المعاملة يللي حاكاكن عليها أبوعبدو.. أرايب المدير.. وبعدين،.. سيدي.. هي شغلتها زغيرة.."

- "أي نعم.. حاكاني عليها.. وما مشي الحال.. حضرتك.. عندك مانع؟.."

ردّ الرجل على الفور..

- "لأ، أنا ما دخلني.. قسماً بالله.. أنا ما عم إلك هالشي إلا لمصلحتك.." 

وإزاء نظرة العجب التي تبدّت على وجه عدنان، أردف يقول..

- "سيدي.. هي شي سابع، يا تامن معاملة بترفضله ياها.. هدول.. معلومك.. ما بيسكتو على هالشي.."

أجلب عدنان.. وهو يكتم استياءه..

- " يا أبو سمير.. هالحكي، لمصلحتي؟ وللا لمصلحتك؟.. وللا، لمصلحة مين؟.."

- " والله، يا سيدي، لمصلحتك إنت.. لكان في موزف هون من سنين .. ما رضي يئبض.. ولا يمشيلهم معاملات.. بتعرف شو عملو فيه؟.. رتبوالو تهمة.. لبسو أضية.. عملوه إبه مرتشي فيها!! بيجي عالبال هالشي؟.. تهموه بالأبض الزلمة الوحيد يلّي ما بيئبض!!"

أمعن عدنان النظر في محدّثه.. يحار ماذا يصدق من أقواله.. وما عاد في وسعه استجلاء الضدق ن أقوال المحيطين به!، ثم عاد إلى أوراقه، ينظر إليها، وينهي الحديث..

- "أنا.. معاملة، مخالفة، ما بمشي.. وهي أول وآخر مرة، بسمع هالكلام منك، وكل واحد بيعرف شغلو.. تفضل.. وخود هالمعاملات للديوان.."

لم يكن في لهجة عدنان الصارمة أي ترفع، أو جزرٍ، يمكنهما الإساءة إلى شخص مرؤوسه.. ولعل هذا، أدرك صدق سجية عدنان.. وأن الأمر بالنسبة له يتعدى حدود عظم المخالفة، أو ضآلة شأنها..

*  *  *

خرج من الغرفة ينظر إلى مكتب رئيسه، شارداً، في ودّه قول أشياء لا يحسن التعبير عنها.. لقد تعود طرق المساومة.. وأتقن أساليب طرح المعاملات على بساط الأخذ والردّ، دون التلفظ بكلمات المقايضة.. يصل إلى الثمن من غير ما حاجة إلى ذكر المال، أو الرقم المطلوب.. لكنه ما تعود، أو لعله نسي، سبل إقناع غيره!! وكل من جلس وراء ذلك المكتب، منذ سنين، ما سعى إليه إلا وهدف الثراء العاجل، نصب عينه.. يعرف سلفاً أن لا سبيل للوصول إلى ذلك، إلا عن سبيل الرشوة. ولعل عدنان كان يعلم أن مرؤوسه بالرغم من مسؤوليته لايتحمل ذنب الجهاز كاملاً.. فهو خلية في جهاز عضويٍ أصابه المرض.. لا تستطيع التفرد بمصيرها.. فماذا عنه، هو، ضمن ذاك الجهاز؟.. وأين مكانه منه؟.. كيف يوفق بين ما تأباه نفسه، وبين ما يرفضه الجهاز؟..هل أخطأ إذ التحق بعمله الجديد؟.. أي عمل في وسعه أن يوفر له تلك الحياة الهادئة التي يحب، في مسكنٍ مستقلٍ، في حضن الطبيعة؟..ثم.. وهنا عادت غبطته إلى نفسه، وهو يذكر ساعات الليلة الفائتة.. كيف كان له أن يلتقي "هيلانة" ، لولا عمله ذاك؟..

*  *  *

كاد أن ينسى ما جرى حوله.. حين سمع نقراً من مرؤوسه على باب غرفته.. أذن له بالدخول، فإذا بالرجل يدخل على عجلً، وفي كل يدً كيس يصدر عنه حفحفة الزجاج..سأله على الفور

- "خير شو هاد؟.."

- "سيدي.. هي هدية زغيرة.. من سمير.. "

فتح عدنان عينيه دهشة.. وقال

- "مين.. سمير؟.."

- "إبني.."

- "إبنك؟..طيب وليش الهدية؟.. وشو المناسبة يا إبن الحلال؟.."

- "..ليش.. ضروري يكون في مناسبة؟ اليوم.. سيدي.. الأعياد جاية على الطريء.. وإبني اشتهالك صندوء وسكي.. شي رفيع.."

تبرّم عدنان.. لا يخفي ضيقه.. وقال..

- "يا أبو سمير.. عم تحرجني.. بدون سبب.. بيشي ما بئدر إئبلو منك.. أولاً.. أنا ما بشرب.. لا ويسكي، ولا غيرو.. وتانياً، لا بعرف إبنك ولا بيعرفني.. شو أصدك.. والله ماني فهمان.."

سارع أبو سمير للردّ.. في تواضع وحرج..

- "والله يا سيدي مالي لا أصد.. ولا شي.. والّ ليش ما عاد في بالدنيي شغلة إللا من وراها أصد.. ومنفعة؟.. لو كان عندي غير وسكي لهديتك ياه.. بس والله ما عندي غيره.."

قال الرجل ذلك في لهجة، نجح في تلوينها بطابع الصدق، والنية الحسنة.. فلم يسع عدنان‘ بالرغم من شكه بنواياه، إلا التريث برهة.. ثم التمتمة بكلمات القبول.. والشكر الفاتر..

انفجر شدقا أبي سمير بابتسامة عريضة.. وقال..

- " وين حطّن.. سيدي.. هون؟.. وللا بالبيت؟.."

- "لأ.. شو هون.. خدهن عالبيت.. يا ابعتهن مع حدا.."

- "شو ابعتهن مع حدا.. أنا، باخدهن بإيدي.. ليش معي مفتاح، لكان؟.."

واتفت مبتهجاً، خارجاً من المكتب.. كأنه يخشى لو تأخر، أن يحدث ما يبدّل رأي رئيسه.."

*  *  *

قام عدنان يتمشى في مكتبه، يطل من نافذته.. يلحظ الفينة والأخرى حركة حراس الوافد الجديد.. أقاموا لأنفسهم حرماً.. حيّزاً حياتياً محرماً على غيرهم وهو يحيط بمكتب سيدهم، وسيارتيه.. لا يعبره أحد غيرهم مما بدّل في وجهة الذهاب والإياب من مبنى الإدارة.. يلفت ذلك انتباه الجميع.. يتجنبون الأسلحة المكشوفة، فيلفون في عجلة حول دائرة الحرس.. عائدين مسرعين إلى سياراتهم، سعيدين في الابتعاد عن مرمى أسلجة عميا، صمّاء.. لا علم لإنسان بما قد يثير غضبها!!

سمع طرقاً على باب غرفته.. بان بعده حاجب يستأذنه في الدخول.. ينبؤه بأن المدير يطلبه في أمر عاجلٍ.. فأسرع يقفل أدراج مكتبه، يتوجه نحو غرفة المدير، يتوجس من تلك المقابلة، في ذهنه ما أطلعه عليه مرؤوسه، من علاقة القربى التي تربط بين صاحب المعاملة المخالفة المرفوضة والمدير..

*  *  *

عجب لابتسامة لطيفة على شفتي المدير.. استقبله في بشاشة، مشيراً إليه بالجلوس أمامه.. طالباً من الحاجب منع المراجعين عن مكتبه حتى انتهاء اللقاء.. ثم شرع في حديث، طال، مداره تعدد الصعوبات التي تعترض العاملين في السلك الجمركي.. خصوصاً أولئك اللذين على عواتقهم تقع مسؤولية القرارات الهامة.. تصلهم الوشايات من جميع الأصناف.. وبخصوص جميع الموظفين، فلا راحة لهم إن سمعوا بها، وعملوا على التدقيق، وفي ذلك ضيم للموظف أو إساءة لسمعة المشتبه به، ولا هم يأمنون القيل والقال، إذا تجاهلوا تلك الوشايات.. وما اكثر ما يحدث ذلك، فينقلب الواشي عليهم، مشاً عنهم أنهم باتوا على تواطؤٍ مع المشتبه به أو كانوا كذلك من الأصل!!

لم يفهم عدنان إلام رمى رئيسه من حديثه المسهب.. ولا ما يمكن أن يمسه، هو، من تلك المقدمة الطويلة.. وكان خلال إصغائه، ينقل النظر شارداً، فوق محتويات الغرفة.. فلم تفته ملاحظة خزانة منفرجة الباب، بان في داخلها، كيس مشابه لما أهداه إياه أبو سمير! بل إن رؤوس زجاجات الشراب كانت بادية للعيان.. لذلك، هدأت نفسه وكان على وشك الظن بأن هنالك من ارتاب في هدية مرؤوسه له، فوشى إلى رئيسه متهماً إياه بقبول الرشوة..

زاد عجبهن إذ تنبه غلى أن المدير قد عرّج على موضوع الحرص والتشدد في اداء الواجب، مشدداً، هذه المرة على الحاجة الماسة إلى مراقبة الجميع، وتفتيش بقية أجزاء السيارات، علاوة على صناديقها.. بصرف النظر عم!ا يسبب ذلك من إزعاج للمسافرين، متناسياً نصائحه السابقة بالرأفة، والتساهل التي حضّ عدنان عليها منذ أيام، إلى أن قرر المدير تبرير ذلك التناقض، لعله لاحظ علامات الدهشة بادية على وجه عدنان، فقال..

- "السبب، يا سيد عدنان.. هو أنه إجانا تنبيه، من فوء.. إنه في عصابة، جديدة.. عالخط.. والتهريب ماشي من تحتنا.. من دون ما نحس.."

- "طول عمرو في تهريب.."

- "لا..لا..طول بالك.. الموضوع أكبر من هيك.. شوي.. أنه في حدا من عنا مشترك بهلعملية.. هي واحدة.. والشغلة التانية.. هي أنو الخدرات هالمرّةن مانها حشيش.. والعصابة، عم تشتغل بالهيرويين، والكوكايين.. وعم ياخدو على بلاد الخليج.. عن طريء الشام.."

كان من الطبيعي أن يدهش عدنان لدى سماعه أن هنالك من يهرب تلك المخدرات الأوروبية الخطرة.. لكن عجبه زاد بما دفعه لكتمانه، حين سمع مديره يردف قائلاً..

- ".. ويظهر.. إنو عمّا يدخلو البضاعة لعنّأ، صافية.. يعني تمن الغرام موشي 100 أو 200 ليرة!! الغرام.. تمنو يا سيدي أكتر من هيك بكتير.. يعني كيس زغير أد الكف.. بيوصل تمنو لألوف الدولارات.. والله بيعلم أديش!!"

وكأن الرجل أدرك أنه يولي أهمية كبرى لموضوع القيمة الباهظة لتلك المخدرات، بدل الاهتمام بما تلحقه من أضرار جسيمة بأولئك الذين يتعاطونها.. فأطرق هنيهة، ثم تناول موضوع ضررها.. واستفاض في الحديث إلى أن قال..

- "والمشكلة هلأ.. إنو باعتين هاد هالفارس، هللي إجا اليوم.. حتى يراقب التفتيش يا أما.. لحتى يراقبنا نحنا!!الله بيعلم شو في براسهم!!"

- "يرائبنا؟.. نحنا؟.."

- ".. أبصر!! بس الزلمة جاية.. ناوي عالخير! يا أما.. عندو معلومات عن العصابة.. وبدو يكمشها لوحده.."

تبسَم عدنان فب لامبالاة، وقال..

- "إي.. الله وإيدو.."

ردّ المدير مستنكراً على عجلٍ..

- "ويحط إيدو على البضاعة؟..أي الله ما بيعود بيشوفنا ياها.. وبعدين.."

ثم استدرك قائلاً..

- "شو بيعرفنا شو يمكن يعمل فيها؟.. الزلمة معو زلمه.. وسلاحه !! وعلى اول غوّار الطوشة.. فاتح كركون على حسابو! بعدين مو بس هيك.. يمكن يا سيدي يكمشهن.. ويتركهن! بعدما يئبض.. بدون ما حدا يدرا بيشي.."

سأل عدنان، في جديةٍ..

- "إي.. شو العمل؟.."

- "العمل.. إنو صار لازم نحنا.. نرائبه.. الزلمة مانو آعد بمكتبه! انزيل إنت شوف.. آلولي إنو عم يفتش مع الخفرا.. وعمّأ يمرئ سيارات لوحده!..العمى!!شو هالمصيبة.. منين إجانا هاد؟!"

كان المدير قد أبدى من نزقه ما حرص في البدء على كتمانه.. فسارع إلى تمالك نفسه، ثم قال..

- "يا أخ عدنان.. المطلوب منك هلأ، هو إنك تفتح عينيك.. طبعاً.. من بعيد، لبعيد.. تنزل عالتفتيش.. متل أول.. يعني معلومك، هي شغلة دءيئة.. ما فينا نسلمها لمين ما كان!!"

خرج عدنان من مكتب المدير، يهزّ رأسه عجباً مما سمع.. زاد أقوال مرؤوسيه على شكوك مديره، في ذهنه، فإذا به يصل إلى نتيجة صعب عليه تصديقها! هل باتت المخدرات صيداً.. يسعى إليه؟

هل يعقل أن تكون هنالك جهات تسعى لاقتناص ذلك الصيد الثمين؟! وأن مديره في الحقيقة لا يريد منه الآن إلا مراقبة الصياد، لمشاركته على غنيمته!..

تمشى فوق الثلوج التي استحالت فوق الممرات الى مزيجٍ رماديٍ داكن، قذرٍ.. واتجه نحو رتل السيارات.. يراقب الخفراء في عملهم.. يتجنب النظر نحو غرفة الزائر الجديد، حيث وقف صاحبها يراقب بدوره ما يجري، لا يلتفت إلى ما في داخل الصناديق، بقدر اهتمامه بأنواع السيارات، وأرقامها.. كأنه على علم بأمرٍ خفيٍ على غيره.. يودّ أن يكون أول من يلاقيه.. ساعة حدوثه!!

 

 

الفصل السادس

 

فتحت "هيلانة" جفنيها في الصباح على صوت جدتها، تحضها على النهوض، كعادتها، في صوت هادئ زادت السنون من عمقه.. ونال الدخان والمرض من صفائه القديم..تقدمت من سريرها، تحمل على كفها طبق القهوة.. تقول..

-"أومي يا حبيبتي.. أومي "ميشيل" آعد، ناطرك.. صار له شي نص ساعة.. "

"هيلانة"، و سألت في تكاسل.. تتمطى ثم تستوي في فراشها.

-""ميشيل"؟.. شو بدو مني؟.."

وإذا رشفت بعض قهوتها.. وأضافت..

-"أنا ما إلتلو يجي لهون.. عجيبة!"

تمنت لو أن في وسعها مقابلته و هي في غرفتها، تنعم في دفء فراشها.. لكن حضور جدتها حال دون ذلك.. فنهضت في تثاقل، تلف جسدها برداء بيتي صوفي، وأسرعت تجتاز الحديقة، نحو غرفة الاستقبال.. تحمي وجهها من لسعات نسمات قارسة، ثم دلفت إلى الغرفة.. على عجل.. تتجه نحة مدفأتها.. تقول..

-"شو.. بلائيك هون.. ما طلعت عزحلة؟.. "

 تنحنح "ميشيل" وهو ينهض قائلا:

-"السلام.. لألله.. "

وأضاف وهو يعود إلى الجلوس.. يشعل لفافة تبغ.. يرتشف القهوة..

-"..الطريق كانت مأطوعة، الصبح.. يمكن هلأ فتحت.. بس على كل حال في موضوع لازم خبرك عنه.. "

أخفت "هيلانة" عجبها للهجته الجادة.. وقالت..

-"موضوع؟.. خير.. تفضل.. "

-"شو في.. بس بدي إلّك من الأول.. إنو أنا ما إلي دخل بشي.. "

زاد عجبها.. فقالت.. تخفي نزقها..

 -"إلك دخل ولا ما إلك!! مش هيدا المهم.. إلّي شو الموضوع!.. "

 نظر "ميشيل" إليها طويلاً.. كأنه يلملم شتات أفكار كان قد جمّعها من قبل.. و لما تعسّر ذلك عليه.. طرق ما جاء من أجله مباشرة.. قائلاً..

 -"يا ستنا.. باختصار.. الشباب بدّن مساعدتك.. "

-"أنا؟.. و كيف بدّي ساعدن؟.. ليش أنا ما عم ساعدن؟.. ما عم أدفع فلوس؟!"

-"بالفلوس؟.. هنّي ما بدّن منّك فلوس.. المصاري بيجيبوها منين ما كان.. "

-"وشو فيّي أعملن أنا؟.. انشلّه بدّن مني أوّص.. أو حارب كمان؟.."

تبسّم "ميشيل" في خبث، وقال..

-"أواص؟.. لأ.. بس شي إلو علاءة بالأواص!.."

فتحت عينيها دهشة.. وقالت..

-"بالسلاح؟"

هزّ الشاب رأسه بالإيجاب.. فأردفت غضبى..

-"وشو علاءتي أنا بالسلاح؟.. و شو بفهّمني فيه؟!"

-"طولي بالك.. طوّلي بالك.. "

-"طوّلت بالي.. تفضل.. حكي.. !!"

-"يا ستنا.. والسلاح كمان متوفّر.. "

-"طيب فإزن شو علاءتي أنا؟!"

-"يا ست "هيلانة".. إلتلّك.. كل شي مطلوب منّك.. هوي لإنك تساعدينا على تدخيلو لهون.. عالِشام.."

التفتت "هيلانة" إليه تحدّق في وجهه.. تستشف أفكاره عبر معرفتها به، و خبرتها بأساليبه وحيله.. و قالت..

-"انشالله فكرك.. بدنا نعمل متل هيداك اليوم.. بفوت أنا، بلهي الموظف.. وإنت بتدبّر حالك؟"

هزّ "ميشيل" رأسه نافياً، و أجاب في صوت جاد عميق..

-"شو جاب لجاب.. هيدي طرطأة بالأشيا الصغيرة.. والسلاح، يا ستّ "هيلانة".. بدو واحد بالجمرك نكون متفئين معو.. هيدي شغلة بدها واحد عالمسوكَر.."

ثم استفاض، يشرح لها التهريب.. و أنواع العقوبات التي تطال المهربين.. مفصلاً تفاوت مدد السجن.. مشدداً على أن السلاح في مثل تلك الظروف ليس بضاعة تجارية، شأنه شأن المخدرات، بل قضية عسكرية.. سياسية.. و أن من يضبط وهو على علاقة بإدخاله خلسة إلى البلاد.. قد يختفي من الوجود، ولا يجرؤ أحد على السؤال عن مصيره، خشية التورط في تهمة الاشتراك معه!!

تعجبت "هيلانة".. رفعت حاجبيها دهشة، لا تفهم ما يسعى إليه.. يشرح لها مخاطر التهريب، ثم يطلب منها التورط فيه!!

قطعت حديثه فجأة.. و هي تقول..

-"ميشيل".. يا إنت أخوت.. يا أنا خوتا!!"

-"سلامة عقلك يا ست!.. بس عم إلك هالشي، لفسّر لك أديشو مهم، إنّا نشتغل عالمسوكر.. "

-"عالمسوكر.. أو مش عالمسوكر.. شو علائتي أنا؟."

ثم علا الدم إلى وجنتي "هيلانة"، و تابعت، تغالب حاجة للصياح..

-"ولك شو عم تحكي!! و مين آل، بالأول، إني إبلت معك؟.."

حدّق "ميشيل" في عينيها، يزّم شفتيه فجأة.. كأنما، هو الآخر يضبط انفعاله.. وقال..

-"هيدا.. يا ست.. موضوع مفروغ منه.. إلتلك، من زمان، يا معنا.. يا علينا!! في لزوم إشرحلك البائي؟!."

لمع في ذهن "هيلانة".. ما يمكن إصابة المتلكئين عن التعاون مع "الشباب"! تذكر عدداً منهم اضطر لمغادرة البلدة، خوفاً من غضبة المتحمسين.. و قد يتفاوت عقابهم للمتخاذلين، بين، الضرب والموت نفسه.. يأتيهم، إما علانية، بعد محاكمة حزبية سريّة.. أو على يد قنّاص.. مجهول!!

ترى هل يجرءون على النيل من النساء كذلك، إذا ما هنّ رفضن التعاون معهم؟! قد لا يشدّدون في عقوبة النساء.. لكن.. لمَ لا؟.. أليس بين مقاتليهم نساء يحملن السلاح؟.. إنها تعرف عدداً منهن أبلين أيما بلاء في القتال..

بل سمعت عن أخريات قمن أنفسهنّ باستجواب و تعذيب بعض المعتقلين في رباطة جأش نادرة.. قمن بذلك في غرفة التحقيق، في الكروم.. في تلك الغرفة السريّة التي لن تنسى، ما عاشت، مدى انفعالها و هي تطأ أرضها، فتطالعها رائحة الدم الإنساني، ومنظره وقد تناثرت بقعه المتخثرة على جدرانها و سقفها.. فلطّختها!!

كثيرون من أهالي بلدتها، لا يعرفون أن "الشباب" قادرون على مثل تلك الممارسات.. لكنها، منذ اليوم الذي رافقت فيه أحدهم إلى تلك الغرفة.. أدرت.. ما هم ضالعون فيه، من تلك الأعمال.. أقنعها رفيقها آنذاك، أنها أمور ضرورية، بالرغم من بشاعتها، لنصرة قضيتهم العقائدية، و الوطنية..

*    *    *

كان "ميشيل" قد لاذ بالصمت و هو ينظر إلى عينيها.. لا.. إنه لا يهددها.. لكنه لا شك ينذرها.. يودّ لو تهتدي إلى الصواب، دون مزيد من الشرح، أو حاجة إلى تحريض جدّي من أحد.. كرّر في نبرة أقل حدة من الأولى..

- ".. هيدا موضوع، مفروغ منّو.. والشباب عارفين إنك مش رح تأصري.. بس المسألة وما فيها.. إنو لازمنا سيارة.. ما حدا بيفتحها.. على الحدود.. يعني مل حدا بيفتشها.."

  لم تجد "هيلانة" جواباً.. أحست كأن قيادة الحديث قد أفلتت منها.. وأن الرجل إما أنه يرهف أمامها.. أو يبحث تفاصيل خطة تم الاتفاق عليها، وما عليها سوى الإنصات، والتنفيذ!

سألها في رويّة مصطنعة.. كادت تبدو صادقة..

- "بتعرفي سيارة مين.. مناسبة لهشغلة؟.. سيارة "أبورعد" هيدي يا ستنا بتمرؤ على الحدود.. من الطريء العسكري.. ما بتوّئف لحدا.. ولا حدا بيسترجي يفتحلها الصندوء.."

رددت "هيلانة" إسم "أبورعد" مذهولة..لا تصدق أنها سمعته على شفتي سائقها.. المشغول أبداً بسيارته، وبتهريب المعلبات!

- "..إي.. "أبورعد" هوّي بذاته.. ليش مستغربة.. دخيلك؟.. الزلمة راكد وراكي.. وهودي، بيعيرو سياراتن للطالع والنازل.. كلشي بدّنا منيك هو إنك تطلبي سيارتو، لتروحي فيها عشّتورة.. بتغيبي هونيك شي ساعتين.. ونحنا علينا البائي.."

ولما لم ترد على ما سمعت.. تابع قائلاً..

- "أوليلو رايحة مشوار.. ليش، دخيلك.. فيكي تؤوليلو بصراحة، إنك رايحة تجيبي غراض للبيت هون.. ولستّك.. وإنك بدك السيارة لتمرئي الغراض فيها.. شو عليه..ليش هنّي مانن عارفين شو عم يصير؟.. وأكيد لما ما بتخبّي عليه، بينبسط.. وما بيؤول شي!"

كان سكوت "هيلانة" قد طال.. وإذا بها تلتفت إليه وتقول:..

- " يعني.. مرتبين كلشي.. "أبورعد" وسيارتو! وكيف بدكن تلهّو الشوفير هونيك.."

ثم سألت فجأة..

- "مين خبّر الشباب على "أبورعد"؟.. منين إلهن خبر إني بعرفو؟!"

- "أنا خبرتن.. ليش شو فيها؟.."

- "وحضرتك بتعرف مين هوّي.. "أبورعد"؟ يعني بتعرف مع مين عم تلعب؟.."

امتقع وجه "ميشيل" فجأة.. وقال..

- "..وأنا مش عم إلعب مع حدا! ولا عم بعرض هلشي لأتسلى! وإزا كان مفتكري، في من وراها ربح.. إنت غلطانة.. ليش شفتيني عرضت عليك فلوس؟.."

جال في نفس "هيلانة" الكثير مما أرادت أن ترد به على تعاليه المفاجئ.. لكنها أحجمت عن ذلك.. درءاً لتعقيد الأمور.. وليس مثلها خبيرة بادعاء أهالي بلدتها.. وبعواصف الكبرياء المفاجئة التي تجتاحهم، إذا ما جوبهو بواقعهم..

قالت.. تشعل لفافة تبغ..

- "على كل حال.. ما بهنّيك.. على هالطريئة.. وبترجاك.. ما كل مرة بتحاكيني بشي.. تؤول "الشباب" بدهن هيك.. ولآّ هيك.."

- "شو المأصد يعني؟.."

- "المأصد.. إنك كنت أحسن بكتير لمّا، من يومين إلتلّي.. هيدي ألف ليرة.. واشغلي الموَزّف شوي.."

تمهل هنيهة.. ثم قال، متردداً:..

- "يعني بدّك فلوس؟!"

- "..لأ، يا عمري.. أنا ما طلبت فلوس.. ولا صرت خوتا لألعب بالنار كرمال حضرتك.. إزا كانوا الشباب هني طالبين مني هالشي.. أنا رايحة بكرا لزحلة.. وبكرا بشوف، شو هلأضيّة معهم.. في شي هالحكي؟"

نهض الشاب ينظر حوله، ويقول..

- "عخاطرك.. ياالله.. بتأمرينا شي.."

- "سلامتك!؟"

وحين اجتاز الحديقة، أخذا يسيران فوق ما تبقى على أرضها من ثلوج، توقف "ميشيل" أمام الباب الخارجي.. وسأل..

- "أي ساعة بتريدي أمروء عليكي بكرا..؟"

- ".. ما في لزوم تعزّب حالك.. في شخص رح يوصلّني.. أنا، بعدين، بتًصل فيك.."

أغلقت الباب وراء "ميشيل" في شرود، تستعرض في ذهنها أسماء من تعرفهم في زحلة ممن في وسعهم التحقق من صدق أقوال السائق، أو مساعدتها في التملص مما يراد منها! أحست بضيق مفاجئ غلب نشاطها وتفاؤلها المعتاد، فعادت إلى غرفتها، تدوس على الثلج، لا تكترث بما تسرب إلى داخل البيت من بلل..

سمعت جدتها تتمتم في صوتها العميق، الرتيب، وكانت تجمع فناجين القهوة، من غرفة الضيوف..

- "مجنونة.. ماشية بالبابوج على التلج.. ورجليها حافية .."

التفتت "هيلانة" إليها فجأة.. وصاحت..

- "بتريدي تحلّي عنّي؟  حلّو عني يا.. يا الله!! شو هيدا!!"

تابعت جدتها طريقها في عدم اكتراث.. تتابع في النبرة ذاتها.

- " وفوء كل هاد.. عمّا تعيّط كمان.. آعدة إدّام الرجّال بأميص النوم.. نصو مكشوف.. وصارت تستأبل الشوفيرية بالبيت.. وماشية حافية عالتلج.. وعم تعيّط كمان.."

صاحت "هيلانة" وكانت قد دلفت إلى غرفتها..

- "خايفة عليّي.. مش هيك؟.."

- ".. لكن على مين خايفة؟.. على حالي؟..وصبايي؟.."

- كلكن خايفين علّي! كلكن بتحبوني !! بجي لهون..مابخلص!، هون "أبو إرد".. وهونيك، الضرب والأتل.. وهلأني إجانا هيدا.. الزفت كمان!! يا عدرا شو زنبي أنا بدّي أعرف شو خطيت!!"

وجلست قرب الموقد.. رأسها على كفيها.. يتناوبها الغضب.. والحاجة للبكاء.

 دخلت جدتها، تغلق الباب وراءها، تمنع الهواء البارد عن دفء الغرفة.. سألت ببرود..

- " شو بدّو، "ميشيل"، يا بنتي.. حتى طلّع خلئك هيك؟.."

رفعت "هيلانة" وجهها إليها.. تجيبها في حنق..

- "بدّو؟.. بدّو يشغلني بالتهريب!! وتهريب السلاح كمان!! والزلم..!!"

أشعلت العجوز لفافة تبغ.. وقالت، في نبرتها العميقة، الرتيبة التي لا تتبدل..

- "..ويلي.. وين كنّا.. وين صرنا.."

صمتت هنيهة.. وأردفت بعدها..

- "..ألتلها لأمك.. ما بدنا هالجوازة.. لزحلة.. كانت أخدت إبن حلال من الشام.. هون.. ومشي الحال..لأ بدها زحلة.. والوادي.. والموضة.. والعيشة بلبنان.. هي لبنان يا بنتي.. وهي العيشة بلبنان.."

- "شبو لبنان؟ هلأ، ما عاد ينفع؟.."

- "لبنان طول عمرو.. مصاري بالنهار، وشرب بالليل.. وين دخّلو لو السياسة؟.. يا بنتي .. يا بنتي.. أهل الجبال بحبوا المراجل.. عطيهن سلاح.. بتشتغل الطأطأة.. إزا تجوز منهن حدا.. يلاّ على الأواص.. وإزا ماتلن حدا.. بيشتغل الأواص.. وبعدين، يا بنتي.. الأتل ماعندن ياه بشي.. الأتل.. والحشيش ما إلن أيمة عندهن!"

جلست إلى جانب حفيدتها تفرك مفاصل أصابعها الجافة الملتوية.. تقول لها في رتابة:..

- ".. أوعي يا بنتي تدخلي بهشّغلة.. ولك، أوعي.. بعدين طول عمرك ما بتخلصي من همها! يا محلا هديك الأيام يلّي كنت فيها خيّط لعيش.. كانو الفرنساوية هون.. وببيروت وطرابلس وصيدا.. كلها كانت سورية.. كنا نروح، نحجّ.. بالأدس.. حرمونا منها الله يحرمهن عمرهن! وكانت الموضة يا بنتي متل اليوم.. كتاف عريضة.. وإيبوليت.. والغني والطرب.. والدء عالكراموفون.. والتانغو.."

عبت من لفافتها.. تسترجع شريط أيام خوالٍ.. خواطر أحداث لا تود إشراك حفيدتها بتفاصيل عنها.. ثم التفتت إليها فجأة.. وقالت:..

- ".. بتعرفي كيف كنّا نسافر.. أبل ما يجيبو السيارات؟.."

  ولم تنتظر ردّ حفيدتها.. بل تابعت..

- ".. كانت الناس تسافر عالخيل.. وأنا سافرت مع أهلي عالأدس.. بالديليجانس.. إيوالله.. بالديليجانس!! وعلى بيروت كمان!! بالعرباية والخيل.. متل السينما!

تبسمت "هيلانة" بالرغم منها.. وسألت .. تستغرب ما سمعت..

- ".. شو هيدا؟.. الديليجنس.. هيدي لكني فرنساوية؟!"

- "عم إلك "الديليجانس".. هيك كانو يسمّو العرباية يلّي سافرنا فيها.. من هون للأدس.. عرباية وخيل.. متل السينما، تمام!.. كان في طريء لبيروت.. وطريء للأدس.. وكانو العالم يروحو لمصر، عن طريء عكا، ويافا، على شط البحر.. إيه.. يا حوينتن هديك الأيام.."

*    *    *

كان لحديث العجوز أثر مهدئ على أعصاب "هيلانة" المتوترة.. جلست تنصت إلى صوت جدتها، المتآكل.. الرتيب.. تجول بناظريها فوق محتويات غرفتها.. غرفة.. غرفة والدتها من قبلها.. تفرقت في أنحائها قطع أثاث قديم.. وعلى الجدار برز منها إطار مصدّف، عريض، يحيط وجه امرأة متوسطة الجمال، في مقتبل الصبا..

ضحكت الجدة إذ تنبهت إلى أن حفيدتها تمعن النظر في صورتها.. وقالت..

- شايفة شو تغيّرت.. يا بنتي؟.. كنت حلوة من زمان.. يعني .. ما بني شي.. هديك الأيام كنت أدّك.. هلأ..! بس إنتي أحلى مني بكتير.. كنّا نتعب أو ام.. هديك الأيام.. مدري ليش.."

ثم التفتت غلى حفيدتها، تمعن النظر في تقاطيع وجهها..

- "الله يكون معك.. يا بنتي.. إنتي متل زحلة.. عروس، أهلها وجيرانها.. نصّهم من هون.. ونصّهم من هونيك! هادا بشدها لهون.. وهداك لهونيك.. خايفة عليك لتتورطي.."

ضحكت "هيلانة" بدورها.. وقالت..

- "خرج أعمل هالحكي غنيّة.."

- "إعملي.. متل ما بدّك.. بس أوعي تحطّي إيدك بإيد حدا.. إسمعي من ستّك هالختيارة.."

تململت "هيلانة"، تذكر فجأة ما هي فيه.. يزيد من كمدها ما تذكره من عروض "أبورعد" بالتعاون معه، للقبض على مهرّب الأسلحة .. فتنهدت، في ضيق وحسرة.. وقالت:..

- ".. ليش بئدر أول لأ لحداً؟!.. كلّو، إسم ألله، إيدو واصلة!! وكلّو بياخد عخاطرو.. إزا ما مشيتي معو.. وكلّو بهدّد بالأتل!! ما إلي غيرك يا عدرا!!"

- "خايفة يزعلو منك؟!.. أحسنلك، تضلّي بعيدة عنهم! بيزعلو..بينضربو! كلّها كام يوم.. وبينسوكي بعدين.. إنتي مرا.. مين رح يحؤد عليكي؟.. إزا ما اشتغلتي معهم.. بحياتك ما عاد تخلصي منهم.. إن كان هدول.. أو إن كان هدول.. أوعي.. يا بنتي.. هيْ عم إلك.."

 

 

 

الفصل السابع

 

 

كانت ليلة باردة مكفهرة.. رياح الشمال تهّب عاتية على مركز الحدود، تنذر بهطول المزيد من الثلوج.. لا يجرؤ الموظفون على البقاء في العراء، يعجلون في تفتيش السيارات، وما إن يفرغوا من مهمتهم، حتى يلجؤوا إلى الغرف الجانبية.. يهرعون إلى مدافئها، يحتمون من لسع أمواج الهواء القارس..

أوعزت "هيلانة" لسائق سيارة الأجرة بالخروج من الرتل الذي كان يتقدم من مركز التفتيش في بطء.. أشارت إليه بالتوقف في مكان جانبي، حيث يمكنها مراقبة الخفراء، تنتظر وصول أحدهم، فهي تريده في أمرٍ ما، قبل متابعة طريقها إلى زحلة.

نظرت، فإذا بعدنان.. في ثيابه الرسمية..، بدا منشغلاً، يتحقق من رقم إحدى السيارات.. ثم مال نحو صندوقها، يساعد أحد الخفراء في تفتيش السيارة.. يقوم بطرق جوانبها المعدنية، يصغي إلى رجع الصدى، يتحقق من فراغها، يخفي كفّيه تحت إبطيه.. كلما فرغ من استعمالهما.. يتحرك في رشاقة طبيعية.لا يكترث لنظرات إعجابٍ ملحّةِ توجهت إليه، أطلقتها نسوة مرحات داخل السيارة!

تبسّمت "هيلانة".. وهي تنتبه لضربات قلبها المتسارعة!

أمعنت النظر إليه.. يميل بمنكبيه في مرونة وثقة تلقائيتين، لا ينتبه إلى ما في ذلك من عاملٍ جذّاب.. لايلتفت لمظهره الخارجي.. فهو لا يعرف وسامته التي يحملها في صمت.. فهي جزء منه، كشذى الصنوبر.. وشموخ أشجار السنديان..

أشارت "هيلانة" إليه، بإصبعها.. تطلب من السائق أن يعجّل فيلفت انتباهه.. فتعجّب هذا، وقال..

- "شو أنا مجنون؟.. هادا نايب المدير.. يا ست.. كيف بدّي، أشّرلو!.. أنا نازل لعندو.. إليلو يمرّأنا.. الله يسترك.." 

نظر عدنان إلى حيث أشار السائق الغريب.. يدلّه على السيدة التي تطلبه.. فإذا بالنور الكاشف لإحدى السيارات المارة، يسقط وميضه على البشرة الوردية البيضاء لوجه أثير.. تراقصت نظراته في محجر عينيه.. تقدّم منها، ورأى الذراع المكشوفة تفتح زجاج النافذة.. حدّق فشاهد شفتي "هيلانة" المفترتين عن ابتسامة عذبة، لاهفة.. علت نبضات قلبه، هو الآخر.. وتمنى لو أن في استطاعته الإطباق على تينك الشفتين دون مقدّمات أو كلام!!

همس لها في إصرار!!

- "سكّري الشباك.. أوام.. سكّري.. برد عليك.."

قال ذلك ويده على مقبض الباب.. فتحه وأسرع إلى داخل السيارة يندسّ قرب "هيلانة".. يلهب جسده دفء جنبها.. يتحسس جسدها خفية عبر ثوبها الناعم الملمس. تتشابك الكلمات في حنجرته.. تسكته.. فيلتفت إليها في صمت..لا يدري ماذا يقول..

همست بعد هنيهة صمت..

- "عندك شغل كتير؟.."

- "..لأ.. إيمت ما بدّي، بوئّف.."

عادت إلى الصمت.. ثم تمتمت.. وقد تورد وجهها..

- "..عندك حدا.. بالبيت؟.. فاضي اليوم..؟"

تلعثم.. وهويجيبها..

- "سبئيني عالبيت.. نص ساعة بالكتير.. بكون عندك.."

وأردف وهو يترك السيارة..

- "صرّفي الشوفور.. أنا بلائيلك سيارة توصّلك عزحلة.."

*  *  *

طالعها في الغرفة عبق أليف.. مزيج من الخشب والصوف.. تعرفته.. فاستكانت أعصابها إليه.. وتقدمت في استرخاء، تجلس على المقعد الذي احتواها، ساعة لقائهما الأول..

نظرت حولها في سكون.. وتساءلت.. أهكذا جالت بناظريها في أنحاء الغرفة، في المرة السابقة؟ أي إحساس غريب يجتاحها في تلك اللحظة.. وكيف غاب مثل ذلك الإحساس، طول هذه السنين.. مزيج من التلّهف والخفر والشهوة والحياء.. عبق مسكر يبعث من أيام المراهقة..

تواردت إلى ذهنها، بالرغم منها، ذكريات لقاءات حميمة مضت.. صور متقطعة من تجارب صباها الباكر، قُبَل ملتهبة، حرّى.. ليال ملتهبة لا تفسح مكاناً للعاطفة أو لأي إحساس آخرن غير إرواء الشهوة المترقّبة، ولكم أحبت.. وعشقت!، تظن في كل مرة، أن حبيبها هو الأول والأخير..

توردت وجنتاها، خجلاً.. وهي تبعد عن ذهنها ومضات من ذكريات، كثيراً ما أحست أنها غريبة عن طبيعتها.. تجارب انزلقت على دربها.. في الماضي.. وقد فرّقت دروب الحياة زمرة الشباب الذين حرّضوها على سلوكها! ماذا حلّ بجميع هؤلاء؟.. ترى، أي الدوّامات تلقفتهم.. فغيبتهم في ظلمات مجالها؟.. اثنان منهم وافاهما الموت، منذ أشهر، خلال المعارك التي دارت رحاها في الكروم.. وآخر، ما زال يقاتل.. وقد تبوّأ رتبة لا بأس بها..

*  *  *

لا شك أنها نسيت الكثير من مغامراتها الشائكة.. وها هي الآن تعي أنها قد تناست الجزء الأكبر من تلك المغامرات التي كان لها في الماضي علاقة بالهدايا والمال.. تتناساها، تُقصيها بصورة لا إرادية عن ذاكرتها.. تكره الاعتراف لنفسها بأنها قد تقاضت مالاً لقاء ليلة هنا.. وأخرى هناك! أو أنها قد ألفت تماماً وضع جميع مثل تلك التصرفات في دفتر للحسابات، مخالف لذلك الذي تعترف بوجوده! تبتكر العديد من المبررات للتهرب مما ينعت الناس به عملها.. تلجأ إلى ما لا حصر له من التفاسير، والأسباب المبررة أوالمخففة لمسلكها.. تقوم بكل ذلك ضمن إطار رافض أو كاره.. أوغاضب!، لكنها، أبداً، لم تعرف الخجل.. أو الندم الذي اعتراها في تلك اللحظة.. وهي على مقعد في غرفة عدنان.. تنصت للسكون.. تسمع صوت النار.. تنتظر قدوم عشيق الليلة أو الليلتين..لا تفهم أثره الغريب على حياتها!.. تنقل ناظريها بين أشياء غرفته.. تكاد تشمّ عبقها عن بعد، واحدة..واحدة.. يطير خيالها إلى صورة جسده.. تتلهف من جديد لملامسة منكبيه وصدره.. وبطنه الملس المشدود.. بل وقدميه المتينتين! تحس أن لنظافة وبساطة المكان أثراً مسيطراً، كاشفاً، عن ماضيها.. وأن لشباب عدنان، وهجاً مدمراً، نال من حيلها، وأثر في أساليب مواربتها لنفسها.. وقد تمكّن من كل ذلك في صمت  وتصميم.. إنه إعصار جارف عصف بسنيها الأربع والثلاثين!! نعم.. الأربع والثلاثين.. التي جهدت طويلاً حتى كادت تنجح في تناسيها!!

أي قدرٍ طار بها .. ثم حطّ في سكينة تلك الدار المنعزلة.. البعيدة عن كل زمان.. وكل مكان!!

ماذا تفعل في غرفة دائمة الدفء.. في أحد أركانها سجادة صلاة تنكر عبادتها.. تنكر أنبياءها.. وتجهل عالمها.. وعلى منضدة سرير صاحبها ساعة توقفت عقاربها عن الحركة..

ها هي للمرة الثانية، تحيد عن وجهتها، تتيه عنها، تترك سائقها.. لتتوقف في مكان، ما أعد إلا للحركة والترحال.. تنعزل في بقعة هادئة ساكنة فيه.. تاركة عالم البشر.. منفكة عن مدارهم.. وهم على مقربة منها..لا تشعر بما حولها.. لا تأبه لما تركت على مسافة عشرات الأمتار منها، من سيل المركبات يحمل آمالهم.. وهمومهم.. ومتاعبهم.. ومهرّباتهم، ومالهم.. ومخدراتهم!!مؤامراتهم، وأسلحتهم!! وما لا حصر له من دوافع الكراهية والإجرام في نفوسهم..

نهضت تتمشى نحو نافذة الغرفة.. تنظر عبرها إلى ما ترامى من نور القمر على السفوح المكسوة بالثلوج.. تحس كأنها في مركبة انفصلت عن قطارها.. تباطأت حركتها حتى استكانت في تلك السهوب.. هل كان ذلك، قطار حياتها ولّى عنها حاملاً متاعبها.. تركها في بقعة عجيبة خارج دائرة الزمن..،إذا ما نظرت فيها إلى نفسها.. تراءت لها خيالات من الماضي والمستقبل، تختلط بحاضرها.. كأنها تنظر إلى زجاجة ساحرة غجرية؟!

*  *  *

تنبهت إلى كيس زجاجت الخمر الذي تركه مرؤوس عدنان قرب برّاده الصغير، تفحصت ما بداخله.. تعجبت للأمر.. هل بدل عدنان من عاداته؟ هل بات يتناول الشراب المسكر؟ تبسمت في سرّها ثم فتحت باب البراد، فوجدت فيه خضاراً ومعلبات مختلفة.. أسرعت، في خفة متمّرسة.. تحضر مائدة الشراب.. تملأ صحوناً صغيرة من جميع ما وجدته من مقبلات وطعام محفوظ.. ما كادت تفرغ من ذلك وهي تجد أنه ما زال لديها متسع من الوقت لتحضير المزيد من صنوف المقبلات، قبل وصول عدنان، حتى سارعت تهيئ طبقاً ساخناً من الطعام الخفيف، فاح عبقه في أرجاء الدار.. زيّنته بالليمون وأوراق النعناع.. وضعته في منتصف المائدة باعتزاز.. ثم خفّت إلى الحمام تغسل يديها ووجهها.. تعيد زينتها، وعطرها.. وتدمدم مقاطع من أغنياتها.. ثم من أغنيات أم كلثوم.. ترددها في وعي جديد.. بالعشق.. وتنعي الأيام المهدورة.. قبل لقاء الحبيب..

باغتها صوت عدنان.. وقف بالباب، بقامته المديدة.. يشرق وجهه بابتسامة ما رأتها من قبل على شفتي أحد..

- "يعني.. إنتي.. بتحبّيني؟.."

توردت وجنتاها في خفر الصبية البكر.. ثم قهقهت، وهي تتمالك نفسها.. وقالت..

- "شو دخل الغنيّة فيك، وفييّ؟.. هيدا صفّ حكي.. شعر.."

ونظرت إليه مليّاً.. تتوقع الرد.. تنتظر إجابة ما، تلهيها عن صدق مشاعرها.. يشغلها ذلك الصدق.. يحيرها.. يملؤها بما لم تتعوده.. بما تخافه!!

لكن عدنان لم يحر جواباً.. تقدّم من وسط الغرفة، ثم توقف حيث المدفأة.. في بطء.. ماداً ذراعيه لها.. وحين تردّدت في الحركة.. قال في هدوء.. يكاد يأمرها..

- "تعي..لهون.."عطرة".."

*  *  *

مرة أخرى.. فتحت جفنيها، تدرك أنها تصحو من إغفاءة قصيرة، تلت ساعات من العشق المحموم.. والهوى المستعر.. لكن عدنان، هذه المرة، لم يكن نائماً.. بل على أشد ما يكون صحواً.. ينظر إلى عينيها متكئاً على الوسادة.. رأسه على كفّه.. تسري إلى جسدها حرارة جسده العاري.. تكاد تلهبها من جديد..

سألت في تكاسل.. تهمس في أذنه..

- "صرلنا.. زمان؟"

- "..شوي.."

- "..هيك.. بتعمل؟"

- "الحأ عليكي.."

- "لا أكلنا.. ولا شربنا.. بَرَد الأكل.."

- "بتنامي.. عندي؟"

 قال ذلك.. في نبرته بعض التمنّي، والرجاء.. فابعدت رأسها قليلاً عن وجهه، تنظر ملياً في عينيه.. يخفق قلبها لسؤاله.. ثم دسّت وجهها بين رأسه وكتفه، في صمت، تقبّل عنقه.. إلى ان قالت..

 - "معؤول هالشي؟.. والماما..شو بدها تئول؟.. عارفتني إني الليلة ما بغنّي.. بتكون ناطرتني عالعشا.. أوم.. خلينا ناكل لئمتين سوا.. أبل ما أمشي.."

ونظرت إلى وجهه.. فوجدته ساكناً.. لا يكشف عن وقع كلامها على نفسه.. تشاغلت عن حيرتها.. تسأل..

- "شو بتحب تشرب.. عرأ.. ولاّ وسكي؟..

هزّ كتفه.. وقال..

- "يلي بتشربي إنتي.. أنا.. ما إلي عادة إشرب.."

سخرت من ردّه، وقالت..

- ". ولوّ.. كل هل أناني عندك.. وما بتشرب؟! كيف لو كنت بتشرب لكان؟.."

- ".. جبلي ياهن موَزّف عندي..هديّة.. بالغصب.. والله بتاخديهن.."

- "هديّة وبالغصب؟.."

ولما شرح لها أن الهدايا في عمله، رشوة.. وأنّ طبيعته ترفض الرشوة.. وكل ما يخالف الأخلاق المستقيمة، والدين.. توردّت وجنتاها من جديد.. تنهض من الفراش.. تبغي ثوباً صوفياً تلف به جسدها.. تتجاهل ما في كلامه مما قد يفرّق بينهما.. جلست إلى المائدة، تصطنع جوعاً زائداً.. وتقول..

- "يا الله.. يا حياتي.. أوم.. مابدك نأعد سوا؟.. رح صبّلك كاس ويسكي زغير"

ضحك، وهو يتقدم منها.. عارياً يلتقط ثوباً صوفياً.. يراقب ما تقوم به من مزج الويسكي بالماء.. يتردد، كأنه مقدم على اقتراف ذنب مريع.. نظرت إليه بطرف عينها.. تحار في فهم صدق طويته.. وتلك البراءة الطفولية التي كست ملامحه قد زادت في إظهار رجولته المتكاملة، وجسده المتناسق.. المتين.. سألت في دعابة ماكرة.. لا تنطوي على خبث..

- " دخلك؟! بدّي إسألك شي.."

جلس إلى جانبها.. وقد تدثر بثوبه.. بعد أن زاد من نار المدفأة.. ثم أجاب مبتسماً..

- " تفضّلي.. اسألي يلّي بتريدي.."

- "شو بتسمّي هيدا يلي كنّا عم نعملو؟!.."

ولما نظر إليها مستغرباً.. لا يفهم قصدها من السؤال.. أضافت..

 - "المشروب حرام.. طيّب وهيدا هلّي كنا عم نعملو..يعني هيدا عندكم..مش حرام؟.."

أجاب على الفور..

- ".. والله الحأ معك.. اشربي انتي إزا بدّك.. أنا لا بحب طعمة المشروب.. ولا ريحتو.. خصوصي الويسكي"

- ".. ليش أنا عم أسألك عن المشروب؟!.."

وراحت تحدّق في وجهه.. تحاول ملاحقة ما يجول في ذهنه. فإذا بوجنتيه تتوردان.. وهو يشيح بوجهه عنها.. يقول مشيراً إلى الفراش..

- "أصدك عنّا.. نحنا؟.. عم تسألي .. عن.."

- ".. إي.. أصدي عنّا نحنا.. دخلك كيف منكون سوا.. وبعد ما بنروح.. بتؤوم بتتوضا.. وبتصلي؟.. شو هيدا ما إسمو"زنا" عندكم؟.."

- "لأ.. إنت ما مجوّزة.. وبعدين، أنا أريت الفاتحة.."

*  *  *

باغتها جوابه.. ذُهلت.. كادت تقهقه هازئة.. لكنها تمالكت نفسها.. تتأمل ملامح عدنان وبساطة النبرة الهادئة التي تكلم بها.. أحسّت أنها أمام عوالم لا تستطيع فهمها.. وأن هناك حجباً من التقاليد الغريبة عن عالمها.. لابدّ من اختراقها للوصول إلى لب ما يحرك عدنان.. وهي تعرف الطريق إلى تجاوزها! أو لعل الأمر من عقيدتها هي، وما نشأت عليه من تقاليد، وتعاليم الإيمان.. حجبت عنها عوالم غيرها.. وشلّت مقدرتها على التقصّي والإصغاء.. ما إن تسعى لفهم أو مناقشة أمور الجنس والحياة.. حتى تتدرج في ذهنها سلاسل التعاليم الناهية، النافية، الكارهة لكل لذة أو متعة في هذه الحياة الدنيا!! لا تفهم كيف نقشت تلك التعاليم في ذهنها.. ثم تسللت إلى طبيعتها ذاتها..حتى باتت أموراً لا تقبل المناقشة أو الجدل..

هالها، أنها لأول مرة في حياتها تواجه صراحةً، أموراً طالما شكت منها.. أمورالخطيئة والجنس، تعلمت أن تقبل بالبداهة أن لا سبيل لمناقشتها أو لتجاوزها.. "الجنس خطيئة.." وها هي تتوقد بالرغبات الجنسية.. ما العمل؟ جرها ذلك إلى التحايل .. واختراع أساليب اللف والدوران.. حتى زلت قدمها وانزلقت نحو هاوية تدرك الآن أن لا سبيل لتداركها!!

هل كان ذنبها أنها ولدت ذات طبيعة حارّة، متطلبة؟! سعت إلى إرواء حاجاتها منها قبل أن يتقدم لها العريس المناسب ؟! ..لكم سعت في الماضي إلى "الاعتراف".. تقوم بذلك المرة تلو المرة.. حتى ألفت، ثم ملّت الطريق إلى الكرسي المعهود.. وبات ترديدها لخطاياها، أمام أذن محترفة، أمراً يثير السخرية في نفسها، وقد أدركت أن لا سبيل لها لكبح جماح طبيعتها.. دوماً تكرر الخطايا نفسها.. وأبداً تتلقى التوبيخ نفسه! بل إنها أثارت مراراً حنق الكاهن وسخطه.. تعود سماع تفاصيل مغامراتها حتى سئمها.. وفقدت علاقتهما ببعض ذلك الطابع الطقسي.. وبات يشيح بنظره عنها، إذا ما التقاها في الحياة العامة ..في المدينة.. أو بين أناس من معارفها!

لو أنها تخلت عن إيمانها لسهل عليها الأمر.. شأن الكثيرين ممن يعتقدون بأن لا حياة أخرى بعد هذه الدنيا إلا العمل بوحي من تفكيره، والانسياق وراء حاجاته الطبيعية.. لكنها.. تحب عقيدتها.. تتمسك بإيمانها.. لا ترغب في مناقشة أمور روحية لا يمكن لها التخلي عنها.. لاتبغي إلا الموافقة بين طبيعتها وبين ذلك الإيمان!

  سمعت صوت عدنان يخاطبها في رفق وحنو.. يطلب منها أن تأكل من يده.. تسأل نفسها.. أليس من إيمان حق إلا ذلك الذي يلهب الظهور يلسع سياط النهي.. والحرمان؟!

قالت.. تتقبل اللقمة منه.. تمسح جفنيها بأطراف أصابعها..

- "يا أما إنت محمّلينك أألّ من اللزوم.. ياأما أنا محمّلينّي أكتر من اللزوم بكتير!!"

أخذت لقمة ثانية من أصابعه الممدودة.. تتبّسم في هدوء وهي تتابع النظر إلى عينيه.. تمسح أنفها.. وتقول..

- "دخلك..؟ شو يعني إزا أريت الفاتحة؟.. شو هيدي الفاتحة؟!"

- "يعني.. يعني، يلّيّ صار، بينّا.. حلال.. يعني إنك هلأ حلالي.."

سألت مشدوهة..

- "أنا.. حلالك..؟ شو يعني هيدا؟!"

وغصّت.. تقول لنفسها.. "يا تعتيرك.. ياهيلانة.. اسمعي، شو عم يؤول".. لكنها زمّت شفتيها.. تحبسهما عن الكلام.. تسمع عدنان يردّ عليها قائلاً..

- "وأنا حلالك.."

فهمت ما أراده، ولم تفهمه..

لم تجد من مرادف منطقي لما جال في نفسها، ترّد به عليه.. لكن قلبها راح يخفق.. جذلان بما سمعت!! فكفّت عن استيضاحه خشية تبدد ما تراءى أمامها من سراب!! تابعا تناول طعامهما، ينظران إلى بعضهما في صمت وكأن أعماق، أعماق كل منهما، مكشوفة.. مبسوطة.. رهن ناظري وإرادة الآخر.. إلى أن همس عدنان..

- ".. خليكي الليلة هون.. نامي عندي.."

 نظرت "هيلانة" إلى المائدة، تبحث عن كأسها الذي أهملته.. فرفعته.. تقول قبل أن ترتشف منه جرعة صغيرة..

 - "لعيونك"

*  *  *

لم يهجعا إلى النوم، بعد احتدام العشق بينهما، ثم لهاثه!! مرة أخرى..أسترخيا.. جسد كل منهما في المكان والوضع الذي وجد نفسه فيه ساعة استعر الهوى وتفجّر.. يذوب ويتلاشى كل منهما في جسد الآخر.. وجهاهما متلاصقان، لصق بعضهما ببعض.. يتبادلان الشهيق والزفير.. حتى نفذت من صدريهما التنهدات، لا إرادة لأحدهما على الحركة.. دون إرادة الآخر..

لفها بساعده.. يقي جسدها المكشوف قشعريرة بردٍ مفاجئة أحس بها على ظهره.. ثم مالا إلى جنب..في اتجاه واحد، يأخذان الوضع ذاته.. تتقوقع الأنثى كالقالب المنحوت في حضن الذكر.. هانئة بدفء صدره على ظهرها.. سعيدة بأنفاسه تدغدغ خدّها.. يتحدّر عبقه إلى أنفها وأحشائها..

قالت.. جذلى وهي تلفظ اسمه.. ولا تريد رداً على قولها..

- "عدنان.."

أراد الرد عليها.. فلم يجد ما يقوله.. جمع شفتيه ونفخ حول أذنها.. في هدوء وسكون..

فهمست ثانية..

 - "..بعرف إنك صاحي.. وما بدّي شي..بس، عم أول إسمك..هيك".. وكررت "عدنان"

أعاد النفخة ذاتها.. مما دغدغها.. فحركت رأسها.. تفرك أذنها على رأسه وتقول..

- "أكيد.. يا أنا بحكي كتير..يا إنت حكيك أليل"

ضحكا معاً.. يذكران ما يشابه قولها ذاك .. رددته منذ حين.. والدمع في مقلتيها..

همس في أذنها..

- "يزهر إنك حاملة السلّم بالعرض.."

التفتت إليه، سعيدة باحتكاك بشرة جسديهما.. يقشعّر لذلك جسدها..وقالت..

- "يا حياتي..حكيك صحيح.. بس برجع بألك.. إنت.. إنت مش حامل سلّم بالمرّة..لا بالطول.. ولا بالعرض.."

ردّ عليها بعد برهة صمت..

- "يعني لازم الواحد يحمل شي سلّم..؟ يعني حمل السلّم "واجب"على الإنسان؟!

ذكرها سؤاله بالسلاح.. فتلكأت.. وهاتف مفاجئ مبهم يدقّ في أعماقها أن نشأتها، منذ وعت الوجود..مجبولة بالنزاعات والأحمال.. أو بجميع أشكال النزال والقراع!.. وأن العلّة قد تكون فيها هي.. لا في تلك النفس الصافية البريئة!

*  *  *

استرخت من جديد، وسألت، في صوتها الناعم الودود..

- "يعني إنت مبسوط بحياتك؟..هيك..؟"

- "الحمدلله.. ماشي الحال.."

- "وبالشغل كمان؟.."

 تردد عدنان.. يتنفس في عمق.. ثم يعود إلى صمته.. مما حدا "هيلانة" لتكرار سؤالها.. تلفتت إليه.. باحثة في عينيه عن طبيعة تلكئه بالجواب..

ردّ في هدوء..

-" بدن يخلّوني إتبرطل .. بالزور.."

- "شو عم تؤول؟.. ليش بيطلع بإيدن؟.. ومين هنّي هودي؟.. اشتكي عليهن!!"

تبسّم في كآبة غريبة على طبيعته.. وقال:

- ".. ليش الشغلة هيك؟.. هدول مانهن لوحدهن.. وإلله بيعلم مين وراهن.."

كانت على وشك التفوّه بما يخفف عنه، من كلام أو نصائح مبهمة، عامة.. حين أحست بمدى وثوق ما يربطهما به.. مما لا يجيز الخفّة أو التعامي.. وكان عدنان قد باشر في سرد همومه لها.. يفهمها أنه أمام طريق مسدود، فإما أن يترك المهنة.. أو ينساق مع التيار.. وليس في وسعه، وحده، الوقوف في وجه سيل من انعدام الضمير، تيار عارم جرف جميع من يحتكون به أو كاد!!

فاجأته بقولها.. تتنهد في حسرة أطلقتها من أعماقها..

- " ولك آخ..لمين عم تشتكي.. يا حياتي.. ولو بدّي إحكيلك شو صاير معي أنا.. ليشيب شعرك!!"

وطفقت تشركه ببعض ما مر معها، تتدفق روايتها على شفتيها بنفس واحد..محجمة عن ذكر الأسماء.. تطلعه على عروض "أبو رعد" وتهديداته المبطنة!! يضطرم الحنق في نفسها.. تخبره عن مطالبة شباب بلدتها لها، بالاشتراك معهم، وما قد يلحقون بها من ضرر، إذا ما هي سعت للتهرب منهم!! تروي له ما ناب غيرها ممن تلكؤوا في مساعدتهم.. تحار فيما تفعل إزاء ذلك البلاء الذي حلّ بها!!

توقفت فجأة.. تسترجع أنفاسها.. تظهر حقيقة تعبها ووهنها الداخليين.. تحس للمرة الأولى في حياتها بأنها أمام إنسان لا يحيجها الكلام معه للمناورات أو الادعاء.. قالت.. والدموع تصعد إلى مآقيها..

- "إنت.. يا حياتي.. على الأأل ما حدن عم يهددك بالأتل!! أما أنا.. إن اشتغلت مع هيدا.. ميتة!! وإن إجيت مع هوديك، ميتة!! يزهر يا روحي إنو هالبلد ما فيها محلّ للناس يللي متلنا!!"

ضمها إلى صدره..يهدهدها في حنان بالغ.. ويقول..

- "..طولي بالك.. طولي بالك.. إن شاء الله ما بيصير إلا الخير.. شو.. الدنيا فلتانة.. والناس ما عدلها إيمة؟. ولو وين نحنا آعدين.. طولي بالك.."

قالت.. والدموع تنهمر على خديها..

- "يا ريتني إترك هالبلاد.. وروح.. عالهفا.."

ثم أضافت في حنق..

- "ولك إزا بدي أعمل "باسبور".. صار يكلّف شي خمستالاف!! وبعدين.. لوين بدّي روح؟ إمي، من جهة.. وستّي، من جهة تانية.. تأبر هلعيشة.. وساعتها!!"

استوت قليلاً، تتملص من ذراعيه.. تتلفت حولها، تبحث عن مصدر البرد المفاجئ.. وإذ تنبهت إلى أن نار المدفأة قد خمدت .. وأوشكت أن تنطفئ.. سألته عن مكان الوقود في داره.. ثم قفزت من الفراش.. مسرعة، ترفع مستودع النفط عن المدفأة.. تسعى إلى المطبخ.. وإذا بها تتسمرّ في مكانها لدى سماعها وقع خطوات غريبة خارج الدار.. خطوات تتسارع هاربة.. مبتعدة عن موقع النافذة!!

فاجأ الصوت عدنان.. فهب بدوره يطفئ مصباحاً جانبياً خافتاً كان إلى جانب الفراش.. وأسرع إلى النافذة، يرفع

الستارة، ويحدق عبر الزجاج إلى ما فر هارباً من ورائه!

رأى خيال إنسان يركض مبتعداً عن الدار.. ثم ميّز خيالين.. سرعان ما اختفيا وراء الأكمة التي تفصل مسكنه عن المركز الجمركي.. فعاد مضطرب النفس.. غاضباً.. يغلي الحنق في دمه.. وكانت "هيلانة" قد أدركت ما جرى.. فتابعت عملها في سكون تقول، مهدّئة..

- ".. مشي الحال.. راحو.. يمكن كانو ولاد.. وهربو.. يالله يا حياتي.. مشي الحال.."

- " لا ولاد.. ولاشي!!"

- "مين رح يكونو يعني.."

- "..!!"

- " مدري مين هدول.. فلاح مارئ.. تنأوزلو شويّ.. من الشباك .. يالله يا حياتي.. تعا.. بعد شويّ بيطلع الصبح.. خلّينا نغفا شي شويّ.."

وتقدما من الفراش في الظلام، ينزلقان فيه.. يلفان بعضهما بعضا، وكأن جسد كل منهما يعرف الآخر منذ سنين.. يكرران تلمس أماكن مألوفة لديهما.. يحس عدنان لأول مرة في حياته بأشباح مريبة تحوّم فوق حياته.. يشدّ "هيلانة"، كنزه الثمين إلى صدره.. لا يدري ما الذي يترتب عليه لحمايتها منه.. ولا كيف..!  تتساءل "هيلانة" عما قادها إلى ذلك الفراش! من يكون صاحبه بالنسبة إليها.. أكلّ شيء؟.. ألا شيء؟.. ولو خيرت بأن يكون لها ما تتمنى من الحياة، لما اختارت في تلك اللحظة سوى أن تكون بين ذراعيه..!!"

 

 

الفصل الثامن

 

         

كادت تقرر العودة إلى العاصمة، وقد أمضت ليلة عطلتها الأسبوعية في دار عدنان، مؤثرة ذلك على متابعة السفر إلى"زحلة"..   حين نما إليها القادمون من قرى البقا أنباء احتدام القتال حول بلدتها.. أصاب القصف بعض المنازل، وأصابها الدمار.. وأخرى تهدمت  فوق أصحابها، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها خشية المصير نفسه..

تذكرت أن أحد المدافع القتالية يقع قرب دار أمها المطلة على الوادي.. فعادت إلى مكتب عدنان، مشغولة البال تطلب صاحب الملهى في دمشق، على الهاتف، تعتذر عن اضطرارها للتغيب عن عملها تلك الليلة.. وأسرعت، تستقل أول سيارة متجهة نحو بلدة شتورة.. ومنها.. تؤمن وسيلة نقل تقلها إلى بلدتها..

وكان أن توافدت السيارات العسكرية إلى المنطقة.. تعرّف عدنان أحد أصدقائه، وهو ضابط يقود إحداها.. وقبل مساعدتهما. قفزت "هيلانة" إلى مقعدها وكادت تيأس من الوصول إلى شتورة، ناهيك عن ترقب معجزة هناك، تنقلها إلى زحلة.. وإذا بالسيارة العسكرية تلك، لا تكتفي بنهب الطريق في سرعة كبيرة، دون التوقف أمام الحواجز المختلفة.. بل، أنزلت حمولتها من الجنود في شتورة، و انعطفت نحو زحلة يقودها الضابط، في صمت.. لا تفهم "هيلانة" وجهته.. ترحب باقترابه من بلدتها..

سألها الضابط بعد تردد..

- "الست أريبته.. لعدنان..؟"

- "إي.. نعم.."

- "إلك حدا بزحلة..؟"

- "أيوه.. أهلي هونيك.."

- "خير..خير ..انشالله بيكونو سالمين.."

كان الضابط في مقتبل العمر.. شاباً في سن عدنان.. وسيم الوجه، مشرق النظرات، يبدو أقرب إلى عالم الرياضة منه إلى الحياة العسكرية..

سألته "هيلانة" بعد تردد

- "..إنت.. على طول هون..؟ أصدي.. مركزك حد زحلة..؟"

- "..لأ.. إطعتي هون.. بس أنا مفروزعالشام.. بروح وبجي بين هون والشام.."

- "..وشو جايي تعمل هون بهالحشرة؟"

- ""مهمة".. جايي وصل مكتوب لزحلة.. وراجع على طول.."

- "يعني.. مش جايي تآتل؟.."

- "ألله يلعن الأتال.. وساعته!! ألله وكيلك.. عمري ما ضربت رصاصة.. ولا أوصت عصفورة!"

*    *    *

عادت "هيلانة" إلى الصمت.. تراقب الطريق الموحشة..دقائق.. وإذا بهما يعبران إحدى القرى المحيطة بعروس البقاع .. تركاها ليمرا بأخرى.. كلتاهما، خاويتان من أي أثر للحياة! وما إن تجاوزت السيارة عدداً من تلك القرى المهجورة.. حتى بانت زحلة من بعيد، باهتة.. واجمة.. فتباطأ الضابط.. ثم أوقف سيارته أمام أحد المنعطفات.. وسألها مبتسماً يخفي تطيراً مكبوتاً..

- " بتحبي.. تجي معي.. على طريئي.. وللاّ بتركك هون..؟"

- "متشكرة كتير.. ليش لوين حضرتك رايح..؟"

- "أنا رايح على هديك الطريء.. من هونيك.. بتوصي شي؟.."

وأشار إلى طريق جانبية بدت مهجورة.. ترددت "هيلانة" ثم قالت..

- "لأ كتر خيرك..شرفنا شي يوم، عالوادي.. على شي كاس.. انشالله ما يخلوك تئتل حدا.."

- " بكنلي الشرف.. لا يكنلك فكرة.. بوصل هالمكتوب.. وبرجع أوام..ما نك شايفة شو أنا مستعجل؟"

وانطلق الضابط مبتعداً عنها بسيارته.. يسلك درباً جانبية تعرفها "هيلانة"..تنبهت إلى أنها تقود إلى الكروم، ومن ثم، إلى القمم التي ينهال منها القصف على بلدتها..

مشت برهة تتحاشى الدروب المؤدية إلى بيوت الضاحية وسكانها.. منازل بدت، إما خاوية، مهجورة.. وإما أن سكانها لا يجرؤون على الاقتراب من نوافذهم فيها، وصوت القذائف يدوي في الفضاء.. تهتز له الجواء، والنوافذ، والجدران.. تنبهت إلى أنها تحمل أيقونة دينية ذهبية حول عنقها.. فسارعت إلى نزعها.. تدسها في صدرها، تود إخفاءها، وكادت أن ترمي بها بعيداً تحسباً لما قد يحل بها، إذا ما احتجزها أحدهم من الفريق الآخر في تلك المنطقة..

ما إن بلغت نهاية الدرب، في أمان، وشرعت تجد في صعود الطريق الجبلية، حتى تنفست الصعداء، لا تكترث إلى المسافة التي يتوجب عليها اجتيازها سيراً على الأقدام، ولا إلى ارتفاع السفح الذي توجب عليها ارتقاؤه، إذا ما أرادت الوصول إلى دار والدتها، عبر الكروم، وقد استحال عليها دخول البلدة، عبر الطريق العام الذي صار حلبة تنافس لمئات القناصة.. يتبارون في قتل جميع من يطؤها بقدميه، بعضهم هدفه منع دخول المهاجمين.. وبعضهم الآخر.. يمنع وصول الإمدادت إلى الفريق الآخر!

*    *    *

توقفت بعد فترة.. تلتقط أنفاسها، وقد زاد لهاثها حتى بات يغالبها السعال.. تشك في أن حذاءها سيصمد حتى آخر الطريق الوعر.. يتحرك كعبه الدقيق، فوق الحصى يمنة ويسرة، فتتلوى قدمها مراراً، وتكاد تسقط، تنتفض لدوي القنابل، والمتفجرات.. تتوقف.. تلهث من جديد.. تكاد تصغي لهاتف يحضها على العودة من حيث أتت، لولا يقينها من أنها باتت بين نارين، ولا من وسيلة نقل تعود بها إلى حيث كانت أو تتحرك في أي اتجاه كان..

سرعان ما راحت تعرج، وقد كسر كعب حذائها.. تعثرت مراراً وكادت تقع على وجهها.. فتوقفت تغالب البكاء.. تجر قدميها بضع خطوات.. تمهلت بعدها هنيهة، تكرر ضرب الكعب الآخر على الأرض إلى أن كسرته..فاستوت خطواتها.. بل تسارعت.. فتقدمت تود لو تتابع السير حافية القدمين، يمنعها عن ذلك وعورة الطريق حيث تجمدت على سطحه ألواح الجليد فوق برك الأطيان.. وتجمعات الثلوج.. وما اختفى تحتها من أشواك وزجاج مكسر.

*    *    *

عادت إلى التوقف بعد مسافة لا بأس بها، قطعتها مارة بالدروب الضيقة.. المختصرة.. تبعدها ما أمكنها ذلك، عن الطريق العام.. وقد انتصف موقعها بين المحاربين على قمة التلة.. وقفت تحت تمثال العذراء الشاهق، تدرك خطورة التريث في ذلك المكان، تحميها قاعدته المتينة حتى من القذائف الثقيلة، ظهرها إلى الجدار الصلب، وجهها إلى الوادي.. تكاد لو تقدمت بضع خطوات أخرى أن تطل على المنحدر السحيق، حيث بيوت زحلة، وما تصاعد منها من أصوات وابل الرصاص.. وسيل الصواريخ الخفيفة.. تحرث الكروم.. تمنع تقدم المحاصرين!!

تنبهت لوجود حطام سيارة عسكرية إلى جانب الطريق.. لا زالت تحترق..يتصاعد منها الدخان الأسود، يكاد يلف هيكلها المقلوب.. ما كادت تهم على متابعة السير حتى تنبهت إلى نوعها العسكري وقد بان أمامها.. ففتحت عينيها في هلعٍ مفاجئٍ!! أيمكن أن تكون، تلك، هي السيارة التي أقلتها.. أصيبت بقذيفةٍ ما قبل أن تدرك منعطفها الأخير؟! وهي في طريقها إلى وجهتها؟! أو أن حاجزاً "طيارًا" أوقف تقدمها.. قام بحرقها.. ثم اختفى؟! وسائقها ؟ ماذا حل به؟! هل اختطف السائق؟! لئن كانت قد توقفت أمام حاجز، متنقل، فإن أصحابه لابدّ أن يكونوا على مقربة منها.. لعلهم يراقبونها، من حيث اختبؤوا!! أبناء بلدتها!! استبشرت، بدنوّها من مواقعهم.. وتلفتت تبحث عن أثر لهم..

 

*    *    *

شرعت تبتعد عن مخبئها في خطوات مترددة، تهم على الجري بعدها، في اتجاه الطريق المنحدر على الوادي، تتلفت حولها.. تجرّ نفسها ملاحقة جدار قاعدة تمثال العذراء.. فإذا بها تتعثر مرة أخرى.. وقد علقت قدمها بعقبة نتأت من وراء زاوية القاعدة.. قدم ممددة.. اختفت بقية ما اتصل بها وراء الجدار.. ولعل"هيلانة" أغمضت عينيها قبل أن تهوي على الأرض تحمي وجهها بكفيها.. فإذا بها ترتطم بجسم رخصٍ.. تنتفض مبتعدة عنه.. تحس بسائل دافئٍ بين أصابعها!! تسرب إلى وجهها.. أو لعله سال من جرح أصابها!!

فتحت جفنيها تحملق في كفيها.. تدرك أنه دم على وشك التخثر.. وأنها سقطت فوق مصدر ذلك الدم.. تمرغ وجهها فيه!! ثوان وكانت على ركبتيها، تحملق مذهولة فيما تمدد أمامها.. مسلوبة الإرادة والوعي.. وقد طالعها جسد إنسانٍ سرعان ما عرفته.. سائق السيارة!! ذلك الشاب الوسيم الذي تركته منذ حين!! ملقىً على الأرض.. مذبوحاً.. مقطوع الرأس، جرد جذعه وفخذاه من الثياب.. مقطوع الذكر.. والخصيتين!!حشرت أعضاؤه تلك في فمه الدامي فوق عنق مشطور.. وبين فخذيه بان طرف وتد غليظ.. دس في شرجه!! وتدٌ لابد قد بلغ أحشاءه فمزقها!!

لم تدر ما مر عليها من الوقت وهي ماكثة على تلك الحال.. عاجزة عن الحركة أو حتى النهوض من مكانها.. يدوي رأسها بطنين داخلي غيب أصوات العالم الخارجي عن إدراكها..إلى أن أحست بأن هنالك من يرفعها عن الأرض.. يدان تحت إبطيها.. تحركانها.. يعاود مسمعيها صوت القذائف والانفجارات.. خافتاً، في البدء، ثم يزداد وقعه.. يعاودها إحساسها بجسدها.. يرافق ذلك صوت  أحدهم يحثها على الإسراع في الحركة.. يكاد يجرها جراً مبتعداً بها عن ذلك المكان..

*    *    *

التفتت إلى الوراء لترى أحد شبان بلدتها.. تعرفته.. بالرغم مما كسا رأسه به من قبعة صوفية مفرغة الفم والعينين.. ولما تمتمت كلمات تسعى إلى استيضاحه ما جرى..

 - "ولك يا الله!! خلصينا!! عجليلك شوي!! هلأ وأت السؤالات.."

أصرت في وهن.. تسعى بمساعدته للاحتماء في أحد المنخفضات..

 - "ومين عمل فيه هيك.. مين؟!"

رد الشاب عليها.. شارد اللب.. ساهماً.. 

 - "ما بخصك.. انشالله فكرك هيدا أول واحد!! وبعدين.. هني كمان.. مش مأصرين!!"

 - "ولك ما لأيتو تعملوها.. غير هون؟! هون؟! تحت إجرين العدرا!! يا ربي تنجّينا.. يا رب!"

*    *    *

لم يكن مشهد الدمار وأشلاء القتلى التي تبعثرت هنا وهناك، أقل هولاً مما رأت منذ حين!!

طالعتها الأبنية المتهدمة على طول الطريق المؤدية إلى بيت أمها.. جثث بعض أصحابها ما زالت داخل الجدران المتصدعة.. أو تحت الركام.. تسمع من حين إلى آخر أصوات استغاثات خافتة، كأنها تخرج من بين الأنقاض.. وبالرغم من أن تلك جميعها بدت لهيلانة في تلك الساعة صوراً مروعة لأشد درجات القسوة والرعب، إلا أنها لم تهوي في سلم الجريمة البشعة إلى درك ما شاهدته منذ لحظات.. وتركته تحت أقدام تمثال العذراء!! كيف لا والفارق كبير بين ما يسفرعنه من قتل نتيجة إطلاق قذائف عن بعد وبين ذبح إنسان بسكّّين.. ثم تعمد قطع أعضائه التناسلية وحشرها في فمه.. ثم دق ذلك الوتد المريع في شرج الضحية المحتضرة!!

وقفت على مسافة من الحي الذي تقصده لا تقوى على الحركة.. تبحث عن منزل والدتها.. منزلها!! فلم تتبين منه إلا بقايا جدرانه.. ثقبت فيه القذائف كوات كبيرة سوداء.. أفواه فاغرة.. لشياطين لا عيون لها.. أوعيون سوداء جاحظة لتلك الشياطين.. حدقات سوداء هائلة.. تخرج من الظلام.. تحملق في الظلام.. لا ترى إلا الخراب والقتل.. ولا يرى الناظر إليها إلا صورة دماره وموته المترقب!!

تقدم منها أحد أبناء الحي.. يرشدها إلى الملجأ.. يشدها نحوه.. للاحتماء معه وراء جدار من أكياس الرمل.. يمسك ذراعها بيدٍ.. وباليد الأخرى، يحمل سلاحا ًرشاشاً نزقاً.. أحكم وضع فوهته بحيث يستطيع إطلاق ذخيرته في أي لحظة.. ما إن تعرفت على الشاب، وكان أحد أفراد "الميليشيا" المتحكمة في شؤون البلدة.. حتى سألته في هدوء عن مصير والدتها.. وكان صوت القذائف قد خفت فجأة، فطمأنها وطلب منها التريث ثم غاب وراء باب ضيقة.. لعلها تقود إلى ملجأ داخلي احتمى فيه سكان الحي..

كان بين المقاتلين من راح يتكلم بالفرنسية.. يصرخ بها، يعلو بصوته فوق دوي الانفجارات التي تعالت من جديد يخاطب شابا أحمر الشعر .. أجنبي الملامح.. ردّ عليه بالإنكليزية.. أدركت بعد لحظات أن كليهما أجنبي.. وما كانت تعلم حتى تلك اللحظة أن "الشباب" يستخدمون فعلاً أمثال هؤلاء، لمناصرتهم!! أناس مرتزقة.. كأفراد من "الفرقة الأجنبية" الفرنسية احترفوا القتال كمهنة عادية.. يتنقلون بين بلدان العالم.. يبحثون عن مناطق القتال فيها.. يحاربون إلى جانب من يملك المال الكافي لشراء خدماتهم!

 لكنها فوجئت، أكثر ما فوجئت، حين أدركت أن بعض المقاتلين، يعلقون نجمة داوود في سلاسل على صدورهم.. يتوافدون إلى المركز.. يتبادلون مواقع الحراسة.. بل يلجؤون إلى اللغة العبرية فيما بينهم، حين يقتصر الحديث على أمور بدت لها شخصية.. ولا علاقة لها بالقتال المحتدم خارج المركز..

*    *    *

تبسّم لها أحد هؤلاء، في دماثة.. يغمز بعينيه إلى الخارج، مشيراً إلى احتدام القصف.. فردت ابتسامته بأخرى،  باهتة، مترددة، تتسارع ضربات قلبها حيرة ونزقاً لتطفله! تكره انتباهه لوجودها.. تمج وجودهما معا.. تحت سقف واحد.. تنبهت إلى ملامحه الشرقية، تماثل بقية زملائه الإسرائيليين.. وكانوا،خمسة أو ستة.. لا بد أنهم أتوا البلدة منذ زمن بعيد، لا فارق في الملامح يميزهم عن بقية شبابها!

عجبت لنفسها.. لماذا يتزايد ضيقها.. وكرهها لوجودهم قربها.. وهم يحاربون صفاً واحداًً مع أبناء بلدتها؟..

*    *    *

هزئت من نفسها.. ما أشد غباءها.. لطالما كذّبت ما تردد على مسامعها، في دمشق، من أخبار تؤكد وجود أمثال هؤلاء في بلدتها!، تنفي ذلك في حرارة وحماسة! تصّر أمام كلّ مفترٍ، ومغرض، أن "الشباب" مخلصون لقضيتهم.. وأعوان لها.. ولأبعادها السياسية، لن يسمحوا قط ليد أجنبية بالتدخل في شؤونهم! ثم.. إنهم.. في ما عدا السلاح.. ليسوا بحاجة لمساعدة أجنبية.. وعلى الأخص، الصهيونية منها!

هاهي تراهم بأم عينيها.. زملاء لشباب بلدتها.. يقاتلون في صفٍ واحدٍ.. يشتركون على خصمٍ واحدٍ.. ترى من من الطرفين اختار الآخر؟..من منهما شدته قضيته نحو الآخر؟..

يا لسخرية القدر.. يا للمهزلة.. هل بات هؤلاء هم الأصدقاء؟! وعدنان.. وإخوته، وصحبه.. هم الأعداء؟! يحق ذبحهم وبتر خصيّهم.. لتحشر في أفواههم.. ثم تدق الأوتاد في شر وجهم؟!!

*    *    *

سرعان ما عاد الشاب ابن بلدتها.. تتقدمه والدة "هيلانة"، تسير محدوبة الظهر.. في خطا مترددة، ثقيلة، كأنها شاخت فجأة عشرات السنين!!

كانت تحمل صرراً مختلفة الأحجام والألوان.. تعرفت "هيلانة" على إحداها حيث كانت.. ذات قماش مطرزٍ ثمينٍ.. من صنعٍ دمشقيٍ.. تسمع منذ طفولتها، أنها كانت لجدتها، قبل أن تولد أمها.. لا تخرج من مكان حفظها، إلا في الأعراس والمناسبات السعيدة!

جلست الأم القرفصاء إلى جانب ابنتها.. تردد كلمات مبهمة، تحاسب أحدهم على مصيبتها.. لا علاقة له بجميع من حولها.. ثم مالت على ابنتها تهمس في أذنيها..

- ".. ما إدرت ضهّر معي.. غير صيغتك يا بنتي.. بئية غراض البيت.. كلها راحت.. شئف ونتف.. عينك تشوف الزبادي.. وتريّة الدار..كلو صار على الأرض.. راحو ألف شأفة وشأفة"

وكأنما أراح "هيلانة" معرفتها أن القليل مما تملكه من مجوهرات قد نجا من الضياع.. وأنها في حوزة والدتها.. فردت عليها في غير اكتراث

- "ماشي الحال.. البئية بحياتك.."

- "تأبرهالعيشة.. ليش هيدي حياة؟.. "

وتلفتت حولها فجأة، تستعرض ما حولها من وجوه غريبة.. كأنما تراها فجأة.. تفتح كفها في إشارة نحو الخارجين من المركز والوافدين إليه.. لا تكترث بأن ذلك قد يلفت الانتباه إليها.. وقالت..

- ".. ولك شوفي هودي.. منين إجو؟! منين؟!"

  *    *    *

عضت هيلانة شفتها .. تحض والدتها على السكوت.. مشيرة إلى إبن جارتها.. وكان قريباً منهما.. فردت هذه.. لا تأبه لما تقول.. وقد واجهت حتفها، ونجت منه منذ وقت قصير.. تصرّ على تصويب نظراتها نحو المحاربين الرتزقة

- "ليش بدي إسكت.. ليش؟!ليش مين جبلنا الخراب غيرون؟.."

التفت الشاب إليها.. وتقدم منها.. يرد عليها في هدو.. وروية..

- ".. طولي بالك ياست..الحأ معك تزعلي على بيتك.. بس.. ما تزعلي منّا نحنا.. نحنا إجينا ندافع عن البلد..مش لنضربها بالمدافع!!"

- "حاج تضحكو علينا، المدافع، كانت وصلت لهون؟.. لو ما جبتولنا هودي.. وإجيتو معن؟.."

أمسكت"هيلانة" بيد أمها.. تشد عليها.. في محاولة لحضها على الصمت.. لكن هذه سحبتها في نزقٍ.. وقالت..

- "..شوباكي.. إنتي كمان.. خايفي ليأتلوني؟!"

ارتسمت على وجه الشاب ابتسامة صفراء.. وقال..

- "إيمتا كنّا نأتل أهل البلد يا تنت.. ولوّ.. ما وصلت لهون، بعد،!!"

راح رأس العجوز يهتز في حنق مكتوم.. وقالت..

- "شو يلي عملتوه دخلك بزغرتا..ليش أهلها من وين دخلك؟! فهمنّي؟!وأهل جبيل.. من فين؟.. من الشام؟! من يافا؟! مين أتل أبن فرنجية..غيركن؟!ومرتو.. وبنتو الطفلة..يا دللي عليهم..يا دللي..!!ولك وينك يا عدرا؟!"

أجابها الشاب في بروده السابق نفسه..

- "هودي وأفو ضدنا.. لحنا بدنا نوحد كلمة هالشعب.. يللي صارلو ألفين سنة مفكك!!بدنا نوحدو!!حتى يوأف على رجليه!! هيدا يللي بدنا ياه.. وما عدنا نأبل حدا يوأف ضدنا!! يا معنا .. يا..علينا.."

سألت العجوز في سخرية ظاهرة..

- "بدكن يانا.. نغيّر طايفتنا؟.."

- "لأ.. أنا عم إحكي عالسياسة..يا تنت.. مش عالدين!! طوايفنا لازم توأف إيد واحدة.. نحارب، إيد واحدة.. وما عاد بدنا نمشي ورا هيدا ولا ورا هيداك..نسمع أوامر فلان.. وبيت فلان.."

قهقهت العجوز ساخرة.. وقالت..

- "عشنا.. وشفنا.. واسمعو..اسمعو!!بدك مين يضحك على هالحكي..ليش هالحكي مين عمّا يألكن يا؟! مش بيت معلمكن؟.. المعلم عم يمشي.. وهالشباب ماشيين وراه !! وعم يؤلن ما بدنا معلمين.. آل!!يا إبني، إنت زغير، وما بتعرف.. هيدا، بيت معلمك عمل هيك.. لأنو.. ماكنش حدن آيملو إيمة بالطايفة، عندكن!!عمل بهالحزب.. ليطلع على كتافو.. بكرا بتشوفو شو راح يصير بيهالحزب بس يروحو المعلمين!! وبعدين دخلك.. ليش بيت الجميّل ما صار متلو متل غيرهن من المشايخ.. كانو بالأول ضد المشايخ!.. هلأ صارو يتناءلو الزعامة من الأب للإبن.."

*    *    *

نهضت العجوز تشد يد ابنتها وراءها.. وكان دوي القصف قد فتر أواره..

- "أومي يا بنتي..أومي..لحنا ما عادلنا إعاد.. بهالبلد.. أومي، لنشوف شو بئي من غراضنا.. يا دللي علينا.. ماعدش إلنا بيت نئعد فيه.."

- ".. ولوين بدك تروحي..بعدين؟.."

- ".. من روح لعند ستك.. عالشام.. ليش عادلنا بيت، غير هونيك؟!"

سخرت امرأة مسنة كانت في الملجأ نفسه ولم يكن أحد قد التفت إلى وجودها من قبل.. وقالت..

- "ماعتب عليكي ياأم "هيلانة".. يا عيني.. رجعت الشامية، لأهلها!!"

التفتت إليها العجوز تستغرب ما سمعت، تقول..

- "ليش إنتو دخلك أصلكون من وين؟..مش من حماه؟ ومار مارون من وين؟ منين أصلو؟! مش سوري؟!وللا من باريس؟!"   

- " بس نحنا صارلنا 400 سنة هون.."

قهقهت أم "هيلانة" تقول دون أن تلتفت إلى الوراء..

- "ما كنت عارفة إنو عمرك 400 سنة..هيّاها.. زغر عئلكون.. ونسيتو مين إنتو.. وأديش عمركن!! ليش كلمة "هون"، هيدي.. من خمسين سنة..شو كانت؟! وهالبلاد، كلها.. شو كان إسمها؟!طول عمرها إسمها بلاد الشام.. سوريا.. وطول عمرنا منروح ومنجي فيها.. ما عمرنا اختلفنا على إسمها.. وألله بيعلم مين حطلكن هالنغمة براسكن.. الله يرحم أيام زمان!!

*  *  *

التفتت نحو المحاربين المرتزقة.. تخص بنظراتها الحادقة أصحاب نجمة داوود.. وتمنع نفسها عن المزيد من الكلام، خشية التورط فيما قد تسوء عاقبته.. خرجت.. تتكئ على ذراع ابنتها، تسيران بين الأبنية المتصدعة.. تتحاشى النظر في اتجاه مسكنها.. تعلم أنه بات حطاماً.. وأن أثاثه القديم قد التهمته النيران!!

تلفتت"هيلانة" خلفها.. تخشى ملاحقة أحدهم لهما بعدما كان من حديث والدتها.. ثم همست عاتبة..

- "زوّدتيها شوي عليهن.."

لم تردّ أمها عليها. نظرت إلى ابنتها في مرارة من لا يودّ الخوض في حوارٍ عقيم..

فعجبت "هيلانة".. تسأل..

- "..نسيتي شو مات منن؟..هلأ كلشي عملو ماعادش ينفع؟!"

- " المنيح..عملو لحالن!! والبائي خربو على روسنا.. وعلى روس يللي ماتو!!"

- ".. ولوّ.."

ردت الأم كأنما هنالك من يرغمها على الكلام..

 - "شو لكن.. يا بنتي! شوفي.. وين كنّأ أبل الحرب.. وشوفي وين صرنا!! كنّأ حاكمين البلد!! بالملاطفة..بالغضب.. كانت كلمتنا ماشية وين ما كان! وشوفي هلأ شو بئيلنا..وكل هاد.. كرمال شو؟.. لحتى يطلعو، هني، رئيس الجمهورية؟.. رئيس، على شو؟.. وعلى مين؟..يا دللي عالطمع شو بيعمل!! يا دللي!! كانو يأولولنا: "إزا ما خربت ما بتعمر".. يَحيّي، خربت.. بدي أعرف وين عمرت؟.. بجونيية؟! ما هيي طول عمرها عامرة بيجونيية.."

- "يعني ما ربحنا شي من هالحرب؟.."

- "ربحنا؟..يا بنتي.. نعم الشباب ربحو..! بس ربحو علينا نحنا.. وعلى شي كام ضيعة.. بس هيدا يللي ربحوه.."

*    *    *

ومن كل ما حملته أم"هيلانة" يوماً من أملٍ، في أن تصبح من سيدات الوادي، وهي تترك حارتها القديمة في دمشق.. مسقط رأسها.. وفي أن تصبح إحدى سيدات "الجبل"، وقد زفت إلى أحد افراد الطائفة المالكة، المختارة فيه.. عادت خاوية الوفاض.. فيما عدا ما ادخرته ابنتها من حليّ ومال حصّلته في مسقط رأسها..تحمل قناعة تامة بأن طموحها كان شرّاً.. وما سعت إليه من تبديل بيئتها شراً أكبر!! فالإنسان لا يولد في عالمٍ خالٍ من الآخرين.. في وسعه توسيع حدوده فيه.. أو تبديل معالمه.. غير آبه لغيره!!بل إن العالم.. شعوب وطوائف وأجناس.. أفرادها كالطير.. تظن فراخه في البدء بأن هواء الطبيعة للجميع.. والسماء ما خلقت إلا مجالاً لأجنحتها.. ترفرف، لتحلق فيها أنا شاءت! لكنها سرعان ما تدرك أن السماء والأثير الذي يملؤها.. إنما هو فراغ مقسم موزع بين جميع أجناس الطير.. لا مجال للتحليق أو الحركة فيه.. إلا ضمن حدود متوارثة.. جلية.. لكل صنف من الأصناف حيزه الخاص.. قد ينجح القوي منه في زحزحة الضعيف، هنا أوهناك، ضمن حدود الجنس الواحد.. لكن الجنس في مجمله قد يموت أو يفنى، إذا ما حاول تجاوز ما هو مقرر له.. حيزٌ حياتيٌ لم ينله في الأصل، هبة أو منحة من الطبيعة.. بل ولد فيه.. وجد ضمن حدوده، كمويجة نهر.. تضافر دفع التيار ومقاومة التربة والصخور.. منذ أجيال أو قرون، على نحت و تحديد حركتها ووجودها في حوضه العارم..

 

 

الفصل التاسع

  

              

اقترب أحد الخفراء من حيث احتمى عدنان.. يدرأ لسع الهواء القارس الجاف.. وهمس في أذنه، مشيراً من طرف خفيّ إلى "الوافد الجيد".. وحرسه..

- "سيدي.. هدول رايحين.. جايين.. بمرّؤو هاد.. بفتّشو هاد.. عم يعملو متل ما بدّن.. والله، كأنهم فاتحين جمرك لحسابهن.."

هزّ عدنان رأسه، حائراً.. لايدري ما يقول.. ثم سأل..

- "إنت.. عليك من حالك.. شفتهن مرؤو حدا بلا تفتيش؟"

- "إذا شفت شي.. إلي عليه.. رأساً.." 

- ".. على عيني.. بس شفتهن عم بفتشّو.. وبعدين.. عمّا.."

وحرك كفّه المفتوحة أمام شفتيه.. مصدراً صوتاً سوقياً.. يشبه صوت من يلعق ماء، أويزدرد لقمةً، دون مضغ..ً

حدجه عدنان بنظرة باردة.. ساخرة.. تفهمه أنه يعرف سبب انزعاجه.. ولعله ما كان في الماضي.. ليضيف على نظرته تلك شيئاً آخر، سوى إحساسه باحتقار أمثالة من الموظفين.. لكن حنقاً داخلياً تسرب إلى نفسه وهو يرى لصاً يحاول الوشاية بلص آخر.. فقال..

- ".. هلأ صار الأبض يدايأك؟!.."

تقدم الخفير منه حتى تلامست كتفاهما، وقال وهو يحرك أصابعه بما يوحي بالتصبّر، والهدوء:

- "..طول بالك عليّي.. سيدي.. طوّل بالك.. أنا ماني مزعوج منّو لأنو عم يأبض.. بس لما السيارة بتمرؤمن هون من دون تفتيش.. وبتفتشها الدورية العسكرية يلّي عالطريء.. وبتلائي إنو فيها أغراض ممنوعة.. مانها مجمركة.. بيفتكرو إنو لحنا.. آبضين عليها.. وبعدين مين بدّو يخلصنا منهم؟.. من لسانهم؟.."

 وفتح عينيه، وفمه، في نظرة بلهاء.. يفرك أصابع يده اليمنى، يعد دراهم وهمية..

نظر إليه عدنان في صمت، ثم أشاح بوجهه عنه.. يدرك أكثر مما أراد له الخفير إدراكه.. فالخفير لا يخشى على سمعته.. وعشرات ألوف المسافرين يعرفون مدى استفحال الرشوة.. وسلاطة المرتشين.. يتحدثون عن الوباء في كل مكان.. ويشكون منه ولا من يأبه لشكواهم! فهم عدنان أن معظم الدوريات مرتبطة، هي الأخرى، بتلك الحلقة البشعة.. والخفير إنما يخشى أن تقوم الدورية العسكرية التالية بضبط المهربات، بعد مرورها من المركز الجمركي.. فيطالب أفرادها، المرتشون، زملاءهم على الحدود بحصصهم مما يفترض أنهم يتقاضوها.. ثمن سكوتهم!! وماذا يدفع هؤلاء؟.. أو من أين يأتيهم المال.. ومصدر النبع بات تحت رحمة "الفارس الجديد" وأعوانه!!

سمع أصوات مشّادة تأتيه من جهة الساحات الكبرى.. تقدم منها ليتبين أن أحدهم راح يسابق غيره كي يخرج من الازدحام، بعد أن أجرى تفتيش حمولة شاحنته، ولكنه لا يتمكن من ذلك، لأن رتل الشاحنات أمامه، ووراءه.. كالعقد المشكوك.. فما كان منه إلا أن أدار محرك السيارة.. وأجرى مناورات متتالية صعبة.. تشد وتدفع شاحنته الكبيرة، تارة إلى الأمام، وأخرى إلى الوراء.. يختلط هدير المحرك، بصراخ المكبح.. تنفرج زاوية ميل الشاحنة إصبعاً.. إصبعاً.. نحو الخروج.. حتى قرر أنه بلغ درجة الانحراف المطلوب.. فأدار مقوده إلى أقصى ما يمكنه ذلك.. يريد خروجاً عاصفاً، يلقن به درساً في الرجولة لكل من وقف يشاهده!! فما كادت مقدمة الشاحنة تنجح في الخلاص من سجنها الضيق وهي تلوي عجلاتها.. لتتخذ مكانها على طول الطريق حتى سمع صوت احتكاك غريب، تلاه أزيز سطوح معدنية، تتغالب، يمزّق بعضها بعضاً!!

صاح جميع من كان في تلك البقعة، من سائقين، وغيرهم، مطالبين السائق بالتوقف، دون إبطاء.. وكان هو الآخر قد سمع دوي الاحتكاك، حيث جلس.. فألجم الشاحنة، دون إطفاء المحرك.. وقفز إلى الأرض، يشد بنطاله.. يتفحص نتائج زعيق الرجولة.. كان سطح مقطورته المبردة.. الأملس، الأبيض، قد أصيب بشرخ بليغ، وقد تمكن منه نتوء القفص المعدني للشاحنة التي توقفت أمامه!

تجمهر الجميع قرب نقطة الاصطدام..على وشك بدء حواراتهم، وإذا بسائل غريب ينساب على سطح ذلك الجدار!! تعجب له البعض.. والكل يعلم أن ليس داخل المقطورة سوى اللحم المجلّد!!

تقدم أحدهم من حيث تدفق السائل.. يبغي شمّه، للتعرف على طبيعته.. فما كاد يقوم بذلك.. وهو يلتفت متعجباً نحو السائق.. حتى شده الجمع بما شاهدوه من شحوب بان على وجه السائق المقدام الذي ولّى عقبيه، وانطلق يجري هارباً.. بكل ما أوتي من عزم.. حتى اختفى بين الشاحنات.. وليس من بين الموجودين من يخصه الأمر.. كي يتعقب أثره!!

*    *    *

أذهل عدنان مدى تطور اساليب التهريب، إذ اتضح له أن جميع جوانب المقطروة المحصّنة، إن هي في الواقع إلا أماكن قد هيئت للتهريب.. جدران، قد ضوعف حجمها بشكل متقن.. من قبل صانعي المقطورة.. بحيث أنها إذا فككت بانت داخلها المهربات الثمينة.. من كل صنف ونوع.. وقد رتبت على رفوف أنيقة كأنها واجهة لمحلّ تجاري مرموق!!

لم يمر اكتشاف تلك المهربات دون لفت انتباه بقية الخفراء.. توافدوا إلى حيث الشاحنة.. وكان عدنان مهتماً في تدوين جميع أسماء الأصناف المهربة التي عثر عليها.. تاركاً مهمة إحصائها وتقدير قيمتها لغيره.. حين سمع صوت مرؤوسه يهمس في أذنه..

- "مو غريبة سيدي، إنو أبوالشباب.. الموظف الجديد.. فارس الفرسان.. ما إجا يشوف هالشوفة؟.. ولا حدا من زلمو كمان؟!"

تلفت عدنان حوله يتحقق من صدق ملاحظة مرؤوسه.. يقلب شفتيه، متعجباً.. فأردف مرؤوسه، قائلاً:

- ".. بتعرف شو آلولي.. سيدي؟.. يزهر إنو عرفان على شو عم يدوّر.. من وأت ماإجا.. ترك زلامو يستفيدو من هاد.. وهاد.. بس هوّ.. ما عمّا يوئف إلا المارسيدس.. وعلى طول، عينه على النمرة..من ورا.. ومن إدّام.."

*    *    *

مالت الشمس إلى الغروب..وبدأ صقيع زولبع الشمال يتسرب إلى أجساد العاملين في الهواء الطلق، بالرغم مما ارتدوه من ثياب وما لفوا أعناقهم ورؤوسهم به من لباس صوفي..

عاد عدنان إلى مكتبه.. يعاود ذهنه ما سمعه من مرؤوسه.. يضيف إليه تساؤلاً آخر.. هل كانت تلك الملاحظة من بنات أفكار مرؤوسه؟.. أم أن هنالك من أوحى إليه بها؟.. ألا يكون أحدهم، على علمٍ ما بأمر يجهله هو.. يقوم بمراقبته، يبث إليه من يذكره بمراقبة الوافد الجديد، كلما أبعده عمله عن دائرة نشاطه؟..هل يكون لرئيسه علاقة بكل هذا.. من طرف خفي؟..

وقف أمام المدفأة.. يتمنى لو أن في وسعه لملمة ما تشعّ به حرارتها.. يفرك كفيه.. يلتفت إلى نافذته، من حين لآخر.. ويتابع ملاحظة ما يقوم به حرس الوافد الجديد.. وقد لجأ، كغيره ممن نال منهم الصقيع، ينشد الدفء في مكتبه..

تنبه لباب المكتب البعيد، يغلق وراء أحدهم.. في رفقة الموظف الجديد، ثم إلى الإثنين يخرجان معاً.. يسيران جنباً إلى جنب، يوغلان في الفناء الجمركي.. بما سمح لهما بمراقبة أول رتل السيارات القادمة من لبنان.. يشير الرجل الغريب إلى إحداها بإصبعه.. وكانت بعيدة.. لا سبيل لعدنان للتعرف عليها عبر تلك الإشارات المبهمة.. لكن الموظف الجديد حرك شفتيه بأوامر إلى حرسه.. وسار نحو مكتبه!

أسرع عدنان بدوره إلى معطفه يرتديه.. يلف عنقه بإزاره الصوفي، يعود إلى النافذة، يقف وراءها بما لا يفسح المجال لغيره بمشاهدته.. ينتظر بادرة من الرجلين البعيدين، تدفعه للخروج إليهما في أية لحظة.. كان الرجل الغريب قد ترك الفناء، يسير وخلفه اثنان من حرسه.. وقد أخفيا سلاحهما وراء ظهريهما.. وتوجهوا نحو الرتل.. لاشك، يبغون سيارة بذاتها!

هرع عدنان إلى غرفة المدير، على الطرف الآخر من الرواق.. يطرق بابها.. ويدخلها قبل أن يسمح له بالدخول.. كان المدير يحصي رزمة من النقود بان طرفها من درجه المفتوح..ماإن أطلعه عدنان على ما جاء من أجله، حتى أغلق الرجل درجه في هدوء.. يغالب ارتباكاً سابقاً.. وقال في حزم بارد:

- "..طبعاً، نزيل.. وشوف شو عما يصير! شوف كلشي!! ما بدنّا مشاكل.. بس لا تخلّي شي يمروء بدون ما تشوفه!!"

لحظات.. وكان عدنان يجّد في أثر الرجلين.. ثم.. يتمهل في السير، كي لا يثير الانتباه إلى عجالته..

*    *    *

كان الرجل الغريب برفقة الحارسين، قد عادوا بالسيارة الألمانية السوداء إلى الفناء الجمركي.. خرجوا بها من الرتل الطويل، طالبين من السائق مرافقتهما إلى الفناء عبر مدخل وممر السيارات الدبلوماسية..

ما إن بان عدنان في أقصى الفناء.. حتى أشار الموظف الجديد إلى مساعده بالمباشرة بتفتيش السيارة.. وكان سائقها يقف في تخاذل لا يجرؤ على الحركة، والسلاح مصوّب إلى صدره..

- "يعطيكن العافية، شباب.. شو في؟.."

قال عدنان ذلك، يقترب من الباب المقابل الذي دلف منه الرجل. لم يردّ أحد على سؤاله.. ما إن رأى عدنان يهمّ بفتح الباب.. حتى بادره باقتضاب..

- "..عنّا خبر إنو هالسيارة محملة متفجرات.. وعمّا نفتشها.. هادا شي بخصنّا.. شغلة عسكرية.. إنتو.. ما إلكن دخل فيها.."

- ".. على عيني.. ليش أنا إلت شي؟.. بس يمكن تكون مهّربة شي تاني.. موهيك!.. مشروب مسلاً.. ولاّ دخان.. ولاّ شي من اختصاصنا.. في مانع..؟!"

وفتح الباب الذي كان قد أمسك بمقبضه.. وصار داخل السيارة دون إذن من أحد.

مرّت دقائق حرجة.. كلا الرجلين منهمك في البحث على الطريقة التي يريد.. خرج الموظف الجديد بعدها من السيارة حاملاً مسدساً حربياً.. عثر عليه تحت أحد المقاعد، ثم أخرج مسدساً آخر.. إلى أن تجمع لديه عدد لابأس به من قطع السلاح..

- "الله يعطيك العافية.. يلّله.. احجزوا السيارة.. سكّروها، وعطيني المفتاح.."

 ثم التفت إلى السائق قائلاً..

- ".. وإنت.. تعا معي لجوّأ.. لشوف!! جيبوه أوام.."

ومشى خطوتين باتجاه مكتبه.. ثم التفت إلى السيارة، ينتظر خروج عدنان منها.! يقول له في عصبية ظاهرة..

- "..يا أستاز.. خلصنا من التفتيش.. هي السيارة محجوزة..نحنا حجزناها!!

ردّ عدنان في لهجة هادئة..حازمة..

- "..على عيني.. بي أنا لسّا ما خلصت.. في مانع، أنا كمان.. خلّص شغلي؟.."

*    *   *

كان قد انتهى من التنقيب والبحث في أثاث السيارة، وباشر فحص صندوقها الخلفي، الخالي من كل ما قد يلفت الانتباه..

تراءى لعدنان أن المساعد ينظر إليه في شماتة مكبوتة.. وقد أخفق في العثور على ما يريد.. مما نبهه إلى أن وراء الأكمة ما وراءها!.. فأسرع يتابع مهمته، ينشد الوصول إلى هدفه قبل تدخل الموظف الجديد.

  كشف غطاء أرض الصندوق ينشد العجلة الاحتياطية.. وقبل أن ينتبه أحد إلى ما يريد القيام به، أخرج مخرزاً طويلاً من جيبه، ثقب به طرف العجلة.. ممعناً في غرزه، وأخذ يلفه على محوره، عدداً من المرات، ثم سحبه.. يتفحص ثقوباً داخلية فيه، حادة الجوانب وقد أعدت لاحتواء نماذج صغيرة من جميع ما اختفى داخله من مواد!

ما كان عدنان، أو أي مفتش جمركي آخر، في حاجة للمزيد من الدلائل للتثبت من أن العجلة قد امتلأت بشيء آخر إلى جانب الهواء الذي فيها.. والكل قد تنبه إلى أنه لم يصدر عنها صوت هواء مضغوط، حين ثقبها المخرز!.. لكن عدنان سارع إلى ضرب آلاته على كفه المفتوحة.. لتستقبل مسحوقاً أبيضاً كان المخرز قد احتبسه حين أداره وسط العجلة..

لحظات.. لم يدر الواقفون خلالها إلا وعدنان يدور حول السيارة يضرب بمخرزه في سرعة خاطفة في عجلاتها الأربع.. الواحدة تلو الأخرى.. وإذا بهذه تصدر صوت دفع هوائي خافت.. ثم تصمت! لاتهبط السيارة نحو الأرض إثر ذلك، بما يشير و يؤكد بأن عجلاتها ما زالت محشوة بمواد تمنعها من الهبوط..

*    *    *

بهت الموظف الجديد لما شاهده.. وكان على وشك أن يتمتم شيئاً.. حين سمع عدنان يقول في صوت واضح جليّ..

- "هي السيارة بدنا نحجزها..لحنا كمان.. إزا سمحت!! هي فيها "كوكايين" شي عشرين كيلو.. بكل دولاب..!

100 كيلو على الأءل!! يمكن تمنهم شي مليونين دولار!! أو أكتر!!"

تردد الموظف الجديد.. يغالب جفافاً مفاجئاً في حنجرته.. ثم قال..

- ".. هي السيارة محجوزة لحسابنا، نحنا.. مسألة السلاح.."

أخرج عدنان منديلاً من جيبه، يلف به المخرز في حذر، وتؤدة.. ويكرر قوله.. في برود..

- ".. ميت كيلو "كوكايين".. أهم؟.. ولاّ ست مسدسات؟!!على كل حال.. كل واحد منا عندو تقرير بيعرف يكتبه.."

- "كتوب يلي بيعجبك!! بس السيارة بتضلَ معي.. وأنا راح إسحبها من هون!!"

حدق عدنان في وجهه.. يستشف مدى أفق العراك الذي قد يضطر إلى خوضه! ومدى تصميم خصمه على المضي في ذلك السبيل! ثم قال في تصميم..

- ".. اسحبوها لوين ما بدكن.. بس المخدرات يلي فيها ما بتتحرك من الحرم الجمركي، إلا بعد ما نكتب فيها بيان رسمي!..ونحنا منفضّيها ونحجزها.. ونوصلها للشام!!"

*    *    *

بان المدير في مدخل البناء، يتقدم نحوهم وهو يمسح زجاج نظارتيه.. ويمشي في خطوات ثابتة، لا يلجأ إليها إلا في الأزمات .. حين يشتد الخصام.. وكم كادت قراراته تودي بحياة بعض الناس..ومنهم شيوخ، ضبطوا وهم يسعون لتهريب مدّخرات العمر إلى خارج القطر!!

لم يكن في حاجة لتأويل ما سمعه من الطرفين.. لكن أسلحة الحرس.. ووقاحتهم أوقعاه في حيرة لم تطل إلا ثواني .. نظر بعدها إلى عيني خصمه.. وقال في دماثة، ملؤها التحدي..

- ".. نحنا واجبنا نعمل متل ما عمل الأخ عدنان.. هيك بنصّ القانون.. بس حضرتك.. يمكن عندك تعليمات تانية.. تعليمات.. يمكن إجتك من رئيسك المباشر!!أو من غيره.. والله يعلم..! فإزا كنت مصرّ.. فأنا رأيي نتصل بالأمين العام هلأ.. لأنو.. يزهر في إلتباس بالموضوع!! ولايمكن إنو تقرره إلا القيادة!!هي شغلة ما معها مزح.. مسؤوليتها بعيدة.. وكبيرة.. هي شبكة عالمية، و"الكوكايين" يلّي فيها بيوصل تمنه لشي مليونين أو تلات ملايين دولار!!"

خلع نظارتيه.. يمسح زجاجهما من جديد.. ثم سعل وقال وهو يعيدهما غلى عينيه، ويلقي نظرة خاطفة إلى ساعته..

- "لسّا في وأت.. بتريد نطلب الشام؟! شو ألت.. يا أخ.. منحلّها هون؟.. ولاّ أطلب رأي القيادة العامة؟!"

تنحنح الرجل.. وقال، يحاول طمس إحساسه بالخيبة والحقد..

- ".. ماشي الحال.. بس البضاعة ما بخليها هون..الليلة.. مين يلّي رح يوصلها عالشام؟.."

- ".. العادة.. بِيروح خفير معها.. بس إزا كان يعني زيادة بالحرص.. بيروح معها الأخ عدنان.. والليلة بتبات البضاعة بالشام.. إزا بتحب تروح معه.. أهلاً وسهلاً..

هزّ الرجل رأسه.. كأنه لم يسع في الأصل إلا للتأكد من سلامة وصولها.. فقال..

- ".. طيب.. ومناخد تنين معنا، من الشباب.. يحرسونا.. في مانع.. كمان!!"

فوجئ عدنان بما لاحظه من ارتياب طفيف على وجه رئيسه.. تبعتها نظرة التشفي التي ارتسمت على عيني الموظف الجديد. هزّ المدير رأسه موافقاً.. وقال..

- "..ماشي الحال.. خدو معكن حرس.. من عندكن.. ومن عنّأ، كمان!"

 قالها في لهجة من يود لو يقول.. "علييّ.. وعلى أعدائي.. يارب.."

*    *    *

وفي دمشق.. تنفس عدنان الصعداء.. وهو ينهي آخر إجراءات تسليم المخدرات.. يذهله مشهد العيون الجاحظة، وعبارات العجب التي سمعها من الموظفين!! ومعظم من أحيطوا علماً بما جرى، يعجبون لسرعة وصول المخدرات المصادرة إلى هدفها الأخير.. سالمة!! لا يفهمون كيف نجا ذلك الكنز من "تلف مفاجئ" أثناء استخراجه من مخابئه، في السيارة المصادرة.. لا يصدقون سمعهم أن السيارة التي حملته إلى العاصمة، لم تصب "بحادث طارئ"، أتى على قسم منه!! وفي النهاية لا يفهمون نظرات عدنان الباردة، وعدم اكتراثه لمفارقته "البضاعة".. حيث لا يبدو على وجهه ما ينبئ أنه عانى من أي إغراء كان خلال دربهما المشترك، الطويل.. أو أنه قد يشعر يوماً بأنه فوت فرصة العمر، حين لم يصغ لأراء عشرات الناصحين، جميعهم "لا يبغون سوى سعادته"..يعرفون وسائل مثلى، لو اتبعها لأمكنه أن يجني من ورائها، الربح الوفير!!

*    *    *

أنهى عدنان مهمته هانئ النفس، تعباً.. وخرج يبحث عن مطعم يتناول فيه عشاءه.. قادته قدماه إلى مكان تعود التردد إليه، أثناء الدراسة.. يعجب لرحلة الحياة.. لا تنفك دربها تعيده إلى الأماكن ذاتها!.. ماذا تبدل من معالم المطعم؟.. لقد شاخ.. هرمت جدرانه.. وموائده.. ومقاعده.. تبدلت وجوه العاملين فيه.. بعضهم مازال في مكانه.. وجوههم تجعدت.. خطواتهم.. تثاقلت..ترى هل نابه هو ما نابهم من التبدل؟..صحيح أن "هيلانة" تقول عكس ذلك.. لكنه لا يشعر بأنه الفتى نفسه الذي كان.. إنه اليوم رجل.. يحمل أحلام ذلك الفتى!.. هل ستلازمه أحلامه وآماله.. ترافقه حتى كهولته؟.. هل ستبدله الأيام.. ويأتي اليوم الذي لن ينظر فيه إلى الأشياء إلا من خلال ربحه ومنفعته.. هو الآخر؟

لاشك أن بعضهم قد شكّ في سلامة عقله! كيف يرفض إنسان في مثل حاله المتواضعة أمثال تلك الفرصة النادرة للثراء العاجل؟! وجميع النصائح التي تلقاها مأمونة الجانب.. يشترك في الربح جميع من معه.. يشركهم في المصير ذاته.. فلا خوف هنالك من وشاية أحد!!

لن يفهم أحد أنه لم يرفض الرشوة خوفاً من "افتضاح أمره".. أو تحسباً من تقريع الضمير.. لقد رفضها.. لعدم قدرته على تقبلها! تماماً لأنه لا قدرة له على قتل طفل.. أودهس إنسان.. أو المرور بعجلات سيارة على هرة تسعى!

خرج من المطعم في دمشق كارهاً العودة مباشرة إلى داره قرب المركز الجمركي.. تقوده قدماه، بالرغم منه في اتجاه الملهى الذي تعمل فيه "هيلانة".. ما إن وقف أمام بابه، يتأمل صورها المختلفة على جدران مدخله، وهي في زي الغناء، حتى هاله ما تبين له من فارق بين تلك المخلوقة المبهرجة الغريبة التي رأى.. والمرأة الناضجة الحنون، التي عرف بين ذراعيه!

أشاح بوجهه عن تلك الرسوم الفاقعة الألوان.. لا حانقاً، ولا غاضباً.. بل رافضأً التعرف على ما وراء "هيلانة".. تلك.. تلك امرأة.. لايعرفها! تلك المرأة لا يربطه بها شيء.. ولا صلة له بالطريق التي قادتها إلى عملها ذلك.. وتراءت له، في ذهنه، فجأة، صورة "هيلانة" اليانعة الصبا.. في دار جدتها.. تلك، هي "هيلانة".. تلك، هي المرأة التي لفّها بين ذراعيه.. لا المرأة الناضجة التي عرفها حقاً! أين غابت، أو تبددت، تلك الفتاة؟.. ماذا حلّ بتلك الدار.. وبغرفته الأثيرة التي حضنت أحلام شبابه المبكر.. آمال لا زال يهدهدها، في قرارة نفسه؟..

سار في اتجاه تلك الدار.. لايبغي إلا مشاهدتها والمرور بها.. فما إن توقف أمامها حتى وجد نفسه يطرق بابها.. يتمنى ألا تكون صاحبتها قد أوت إلى النوم.. سمع خطوات متثاقلة.. ثم صوتاً تعرّفه..

- "..مين؟"

- "..أ،ا.. عدنان.."

- "مين؟!"

- ".. عدنان.. فتحيلي، ياخالة.."

بان رأس العجوز يتفحص الوجه الغريب.. يتحقق من صدق ما سمع..

- "عدنان؟.. يا ويلي.. عدنان؟.. صحيح؟!..لك والله ماسدئت إدني.. البركة.. صرت رجّال.. إسم الصليب عليك!"

- "يسعد مساكي.. كنت ماشي من هون.. إلت لمسّي عليكي.."

- "يي.. لا تآخزني.. يا إبني.. تفضل.. دخول.. تفضّل.. خليتلك عالباب.. تفضل.."

وفتحت بابها مبتهجة.. تدعوه للدخول.. تسرع خطاها نحوغرفة الاستقبال..

    كانت أمسية شائقة، تعبق بالودّ وبالذكريات.. أمضى عدنان في صحبتها ساعات..تجاذبا خلالها أطراف الحديث حول جميع ما مر في ذهنيهما..لا يطلع عدنان الجدة على لقائه بحفيدتها.. ولا تتطرق، هي، إلى عمل "هيلانة" في الملهى.. تحدثا عنها كما لو كانت ترافق والدتها إلى دمشق.. تحمل في كل مرة شذى زحلة.. وأغنية من واديها.. أما الحديث عن القتل، والموت، فلم يكن من طبيعة الدور الدمشقية العتيقة.. تجنباه في حذر واعٍ.. يرى كل منهما عقم آرائه سلفاً.. وحروب آسيا البعيدة، أقرب إلى العقل، في نظرهما مما يدور على بعد ساعة من المدينة..

*    *    *

- "وين رح تبات الليلة يا إبني؟.. طالع عالحدود؟.."

- "لأ.. رح بات بشي أوتيل.. وبكرا الصبح أو الضهر، بطلع على شغلي.."

صاحت العجوز.. في ضيافة صادقة..

- "معؤول هالحكي؟.. نحنا هون.. وإنت ببيتي.. وبتروح من هون علأوتيل؟.. لا والله.. يا إبني.. ما بيصير ما تنام بأوضتك!.. بتعرف شو؟.. هلأ صارت أوضة "هيلانة"، والأديمة، رجعت لأمها.. أوم لورجيك ياها.. أوم يا عيني.. وبات فيها.. آه لو بتحط "هيلانة" عئلها براسها.. وبتعيش عندي.. هيّ وأمها.. آه.. أنا مين إلي غيرهن.."

 

 

الفصل العاشر

 

 

ذلك المساء.. وفي الوقت الذي دلف فيه عدنان  إلى غرفة"هيلانة".. يخطو خطوتين، ليتوقف داخلها.. يستكشف محتوياتها، ينظر إلى جميع ما حوله.. يتمعن في كل قطعة أثاث كأنه يشاهد الماضي.. يقترب منه.. ويلامس لمس اليد أفكار حبيبته وأحلامها.. في ذلك الوقت نفسه.. كانت "هيلانة" تقترب من داره هو على الحدود.. تسير نحوها خافقة القلب، وقد عادت من زحلة لتتابع طريقها إلى دمشق.. مؤثرة لقاء عدنان.. حزينة، لما خلفته في زحلة من دارها المتصدعة.. فرحة بلقاء حبيبها.. متفائلة، بما تخبئ لها الأيام.. تستبشر بما لاقته من إصغاء أمها وقد استمعت إليها تحدثها عن لقائها بعدنان.. دون أن يشحب وجهها، غضباً، كعادتها، في كل مرة تسمع فيها أن ابنتها على علاقة مع أحدهم من غير ملّتها وعقيدتها..

*    *    *

تقدم عدنان في غرفة "هيلانة" الدمشقية من خوان الزينة التي صُفت على رفوفه ما لا حصرله من علب المساحيق.. و الدهون.. والأقلام الملونة.. يتصدر كل هذا، تمثال صغير للعذراء يضيؤه نور كهربائي خافت، في شكل شمعة.. وعلى الجدار.. فوقه.. عُلقت صورة الجدة، في إطارها المصدّف الوهّاج.. وقف عدنان يتأمل سنيّها الثلاثين او يزيد.. يستغرب زينة وزيّ نساء أول القرن..  لا يعثر فيها على ملامح "هيلانة".. بدت له جدتها الشابة كأنها صورة إنسانة من عالم تائه، جهدت صاحبته فيه على التنكر للظهور بمظهر امرأةأاجنبية..

كانت العجوز قد غابت هنيهة تحضر له ثوباً للنوم.. سرّها مشاهدة عدنان أمام تمثال العذراء.. وصورتها.. فقالت..

- "إنت.. بتحب الصور.. متلي.."

هزّ عدنان رأسه بالإيجاب.. فأردفت..

- "..يي شو عندي صور.. تعا لورجيك.. تعا.."

وسحبت أحد الأدراج، تخرج منه عدّة مجلّدات متوسطة الحجم، اختارت منها أحدها.. حملته إلى السرير.. جلست على حافته وأخذت تستعرض صفحاته الأولى.. وتقول..

- ".. تعا لورجيك.. أيام زمان..تعا.."

أحس عدنان أن تلك الجلسة قد تطول.. ولم يشأ مشاركة إحساسه في تلك الغرفة مع أي إنسان.. فتردد.. ثم تمتم، معتذراً..

- ".. دخيلك يا خالة.. بدّك ما تآخزيني.. لازم أوم بكرا بكّير.. خلّيلي الصور، إتفرج عليها أبل ما نام.. بكرا منحكي عنها.."

تبسمت العجوز في عطف، وقالت مازحة..

- ".. معليش.. خود.. انبسط عليهن.. تفرّج على صور الصبايا أبل ما تنام.."

وخرجت من الغرفة.. مغتبطة لوجوده فيها.. تعاودها، للمرة الألف، لوعة العمر! لم تلد ذكراً.. تتمنى لو أن لدارها تلك، رجلاً يتمشى في حديقتها.. يتنقل بين غرفها.. يغرقها بحضوره، يرهقها بمطالبه.. هزّت رأسها في أسف وقنوط.. وشدت خطاها وهي ترقى السلم.. متجهة نحو غرفة نومها، في الدور الأول..

*    *    *

علت ضربات قاب عدنان وهويقترب من سرير "هيلانة".. يسترجع ذكرى مئات المرات التي استرق النظر إليها من الحديقة.. يلحظها عبر شقوق وفتحات ستائر النافذة، أو باب الغرفة المفتوح.. يضج صدره.. تسمع ضربات قلبه، كما في الماضي.. وقد استقطب ذلك الفراش شهوته وأحلامه.. حتى تحول في مخيلته إلى غير ما هو عليه من حديد وقماش.. فكاد يصبح وجوداً عضوياً بذاته تعرّف أمانيه.. فيقبّله..!

ارتعش جسده وهو يندس تحت أغطيته، فراح يلامس الشرشف بكلتا راحتي يديه.. ويتنشق عبق الوسادة.. تغالب شهوته إدراكه..، وكأنه تمدد إلى جانب جسد "هيلانة" العاري..

 تنبه بعد برهة من الوقت.. فاستوى في الفراش يحكم وسادته خلف ظهره.. وهو يشدّ مجموعة الصور إليه.. وأخذ يستعرض ما صفف منها فوق الصفحة الأولى.. تلك هي الجدة.. في شبابها.. التقطت لها صورها في ثوب مفتوح الصدر.. طويل الذيل.. تكاد أطرافه تلامس الأرض.. ما أغرب ذلك الثوب العربي الهجين.. لماذا القبّعة، وريش الطير الذي زينها؟.. ولم يكن هذا زيّ أهالي زحلة.. ولا فيه ما يتماشى مع عاداتهم؟..

وتلك؟.. تلك صور الوادي. ما أعجبها.. مقاهي زحلة القديمة.. أثاثها القديم.. وروّادها القدامى بأزيائهم التقليدية.. الجمع الأمامي منهم، رهط من الضباط الأجانب.. في زيهم العسكري الفرنسي.. إلى جانب عدد من المدنيين.. تكسو رؤوسهم قبعات غربيّة طريفة الشكل.. بينهم صبية مراهقة.. تبدو صورها هنا وهناك.. يتكرر ظهورها.. في صحبة العسكريين أنفسهم، في ثياب تبرز محاسنها.. ويختلف زيّها عن زيّ والدتها.. لقد مالت والدتها نحو البدانة.. لابدّ أن تلك هي الجدة.. والصبية ابنتها.. لكن الزمن كان زمن الفرنسيين والأجانب.. والسيارات.. قديمة مضحكة.. بل إن الرجال من المدنيين فيها يضعون قبعات غريبة، تختلف أشكالها عن سابقتها.. يميل قطر حوافها، إلى الأسفل.. على شكل طرف قمعٍ مقلوب.. سرعان ما طالعته صورة الصبية، وقد أينعت أنوثتها فصارت امرأة ناضجة.. تكررت في صحبة العديد من  العسكريين الفرنسيين.. إلى جانب رهط من المدنيين، من أهل البلاد.. جميعهم، يحملون دوماً ما يميزهم من أدوات الزينة أو الأزياء الأوروبية.. بانوا كأنهم يتمثلون بهم.. يقف خلف هؤلاء وإلى جانبهم.. من صورة إلى أخرى..أناس من المستوى الاجتماعي ذاته.. يجلسون إلى الموائد ذاتها.. بعض هؤلاء يرتدي السروال الجبلي الأنيق.. يعتمرون الشملة.. نساؤهم متحفظات.. حاسرات الرؤوس والوجوه.. خاليات من زينة أو أية إشارة تقرّبهن من الأزياء الأجنبية..

كوكبة من الناس، تجمعها صورة شمسية واحدة، تود لو تبدو متقاربة متجانسة.. ولو أمعن النّاظر إليها لرأى فيها نماذج رخيصة من أقوام بعضها مستعمر محتّل.. آت من الغرب، وبعضها الآخر متقرب أو متزلف، قد بدّل سرواله الجبلي ببنطال فرنسي ضيق نتأ كرشه منه.. ونبذ عمرة أبيه ليضع بدلاً عنها قبعة أجنبية بدت على رأسه غريبة مضحكة.. وكأن صاحبها لا يعرف يمينها من يسارها..

*    *    *

تابع تقليب الصفحات .. لابدّ أن تلك كانت "أم هيلانة".. وهذا والدها.. صاحب المقهى.. كلاهما في صورة زفاف تقليدية.. عجب لمشاهدة صاحب مقهى الوادي.. يزف إلى عروسه في ثياب أوروبية تقليدية.. أما العروس، فقد طغى على وجهها الزينة، وأحمر الشفاه حتى كادت تبدل ملامحها تماماً..

رفع عدنان رأسه.. يسترجع ما جال في ذهنه من تساؤلات.. كيف طرأ ذلك التبديل على سكان هاتيك الجبال.. خلال.. جيل أو جيلين؟! كيف تبدّلت طباع وعادات شعب بكامله بأسرع مما يحتاجه من وقت لتبديل أثاث بيته؟! ومعظم هؤلاء، أناس لم يبرحوا الجيل، أو يبتعدوا عن جدران بيوتهم، بما لا يزيد عن حدود القرية!! هل تكون المعاهد الأجنبية هي التي فعلت فعلها في معظم تلك النفوس؟.. ألهذا ينظر بعضهم، اليوم إلى الغرب، وكأنه مسقط رأسهم.. يكتب بعض شعرائهم لغتهم الأم.. بأحرف لاتينية؟! ناسين أن الأحرف العربية كانت أحرفهم هم، قبل نزول الديانات؟!

تبسّم راضياً، إذ عاد بذاكرته إلى جدّيه.. ثم والديه.. لا يرى فارقاً يذكر في الطقوس والعادات بين الأجيال المتعاقبة في بلدته، فيما عدا النزوع إلى طلب العلم.. ولجوء جيله، هو، إلى الثياب الغربية.. لا سعياً لتقليد الغرب.. وهو الذي لم يلتق إنساناً أجنبياً في حياته، بل انسياقاً مع تيار العصر.. الذي وصل مدينته في إيقاع متكرر هادئ لا يد للفرنسيين به.. تمثله أهلها دون مشقة او إكراه..

عاد إلى الصور التي أمامه ثم رفع رأسه، سادراً متسائلاً.. هل كان الذين في تلك الصور هم "الرواد".. دفعت جرأتهم، ومن حولهم، إلى اتباع تقاليد غربية معاصرة؟!.. لا.. لآ.. لقد اتّبعها الجميع في بلدته.. ليس تقليداً أو تمثلاً بطبقة الحكام والعسكريين الأجانب! لقد اتّبعها حتى البسطاء في القرى النائية.. حين أدركتهم، مع وصول الكهرباء.. والآلة.. والسيارة والدراجة، جميع هذه تقتضي تبني مثل هذه الثياب المناسبة العملية.. لا.. لا.. إنها قضية انتماء.. وهؤلاء الذين ملؤوا الصور أمامه، إنما اختاروا الثياب لميل مفاجئ طرأ على أمزجتهم.. أو دفعوا لاختيارها لظنهم أن بينهم وبين الأجنبي مشاركة ترتكز على العقيدة.

صحا من إغفاءة قصيرة.. تنبه إلى نورالغرفة المشعّ.. فقام مسرعاً يطفئه.. ويعود في الظلام متسللاً في دفء الفراش.. لحظات.. وإذ به يسمع رنين جرس باب الدار.. يأتيه كما في الحلم.. فتح عينيه.. يلتفت نحو النافذة.. ليتحقق مما سمع.. يتبع في سمعه خطوات الجدّة وقد نزلت السلم، في تثاقل.. تجرّ خطواتها عبر الحديقة.. تناديه.. وهي تمرّ بغرفته.. تقول..

- " عدنان.. الله بيعلم مين إجا بآخر الليل.. أوم معي.. يا عيني.. الله يرضى عليك.. أوم لنشوف.."

سمعا صوت أم "هيلانة".. من وراء الباب.. ينادي..

- ".. هيدي أنا.. فتحيلي يا إمي.. افتحي.. سأعت من البرد.."

وما إن دلفت إلى داخل الدار.. واستفاقت من ذهولها حين شاهدت عدنان.. عدنان أيام زمان.. في ثياب النوم.. يقف وراء والدتها.. حتى تمتمت..

- "إنت هون؟! كلّعلمي.. إنك على الحدود.. آلتلي "هيلانة".. إنها رايحة تشوفك!!"

فغر فم الجدة دهشة.. لا يفهم ما سمعت.. لا تفهم ما يربط عدنان بحفيدها.. لكن ابنتها لم تلتفت إلى دهشتها.. فتابعت قولها..

- "كنّا جايين من زحلة.. انضرب البيت !! يا إمي.. راح كلشي!! بس بعدين بخبرك.. وئفت "هيلانة" على الطريئ.. آلتلي بدّها تشوف عدنان، كل فكرها إنو هونيك.. عالجمرك"

ّصحت الجدة من ذهولها.. تساءل ابنتها..

- "بس الساعة هلأ واحدة.. وين كنتي لهلأ؟.."

- "مدري شو صارلها السيارة عالطريئ.. وأفنا شي ساعة بالبرد..هلأ لوصلنا.."

- ".. و"هيلانة".. يا بنتي؟.. إيمتا تركتيها عالحدود؟"

خطفت ابنتها نظرة إلى ساعة يدها.. وتمتمت..

- "شي.. الساعة عشرة.."

- "وينها البنت لهلأ يا ترا؟.. وين تركتيها لوحدها؟!."

هرع عدنان إلى غرفة "هيلانة".. يرتدي ثيابه من جديد.. يعود إلى المرأتين، يلقي عليهما السلام.. يخرج من الدار باحثاً عن سيارة تقّله إلى داره.. قرب الحدود..

 

 

 

الفصل الحادي عشر

 

ترجلت "هيلانة" من السيارة التي قادتها إلى "الجديدة"مركز عمل عدنان.. تبتسم في سرها وهي تتنفس الهواء الثلجي الجاف.. يتردد صدى إسم حبيبها في ذهنها، تودّ لوتتلفظ به.. يشعرها ذلك بدفء داخلي تجّلى على حركاتها، ومعالم وجهها.. كانت قد تمنت أن يكون عدنان بين الخفراء، يشرف على عملهم‘ حين توقفت السيارة على الحدود.. ودّت لو تراه والدتها، في زيّه الرسمي.. تشاهد هي الأخرى قامته الممشوقة.. عنقه المتينة.. منكبيه العريضين.. تفهم بعض ما جذبها إليه.. ماحضّها على تناسي فارق السن بينهما.. تضيفه إلى ما تعرفان عنه، منذ زمن الدراسة.. من أدب واستقامة خلق!  لكن عدنان لم يكن بين الموظفين ساعة وصلتا المركز..

تركت "هيلانة" السيارة، ووالدتها.. وأسرعت نحو مكتبه، في المبنى المجاور.. علّها تعود به قبل أن يفرغ السائق من إجراء المعاملات.. لحظة، يلقي السلام، خلالها على والدتها.. فتدعوه هذه إلى منزلهما، في دمشق.. ومن يدري؟.. من يدري؟.. لعّل الزمان يعود إلى الوراء!! فيستعيد عدنان غرفته في دارهما.. يعيشان في بيت واحد.. يتهيأ للجميع طابع الحياة العائلية.. دون أن يضطر أحدهم إلى تبديل نمط كسب عيشه، أو مسار حياته الخاصة!!

أيّ عالم داخلي فتحت أبوابه على مصراعيها في نفسها منذ لقائها الأول بعدنان؟!.. أي خدر هذا تكاد أن تغرق فيه حين تستعيد في ذاكرتها عبق عنقه، وكتفيه، وصدره.. تعلم أنها ما تعرفت من الذين ضاجعتهم من الرجال يوماً  من لم يقضّها ثقل جسده إذا ما تمدد فوقها.. ولا تذكر منهم واحداً أضرم في جسدها ناراً استطاعت ستر عيوبه!! جميع من عرفتهم مروا بحيّزٍ ما في عالم أحاسيسها..مرّ الكرام.. حيز دفين في جسدها.. داعبت وجوده في صباها المبكر أملاً في أن يصحو يوماً.. أن يستفيق على يد حبيب موعود..

جميع من هدأت إليهم في الماضي تقّلّبوا.. أو تمددوا فوقها كالأحمال الثقيلة.. إلا هو.. إلا عدنان.. في كل ما عاشته معه تلك الليلة.. لا تذكر من يديه الجائعتين إلا الملامسة والمداعبة.. تذكر ذراعيه القويتين يضمانها إلى صدره، تكاد لا تقوى على الحراك في أسر ساقيه المديدتين.. أسر، عذب، مسكر!! يا الله.. كأنه ما يحس به الطفل وهو في أسر حضن أمه وأبيه..

هزّت رأسها تتنبه إلى ما حولها.. وقد طالعها، في طريقها، حرس "الوافد الجديد".. ثم مرؤوس عدنان.. تعرّفها.. فخفّ إليها.. ينبئها في حماسة عن وقوف عدنان في وجه الجميع.. ثم عن سفره إلى دمشق.. ليرافق الغنيمة وليتحقق من تسليمها إلى الجهات المختصة!!

- "ساعتين أو تلاتة بالكتير.. وبيكون هون.. ويمكن يطلعلو مكافأة ما بعرف أدّيش. بس وين.. يا حسرة!! لو كان.. لو سمع مني!! يلّه شو بدنا.. شي مضى.. وراح..بس.. والله العزيم روّح عليه سروة!! منام.. ما بيجي لبال حدا!! الله يسترو.. هدول ما بينسو شي.. الله يسترو من نأمتهن!"

ثم التفت إليها سائلاً.. وهو يخمّن مدى علاقتها برئيسه..

- "بتحبي تنتزري ليجي؟..

تململت "هيلانة".. تلتفتت نحو باب المكتب المغلق.. فسارع الرجل إلى القول..

- "..معي مفتاح البيت يا ست.. بتحبّي تنتزري هونيك؟! أكيد ما بيطوّل.. ما عندو بيت بالشام.."

سرها أن يبادر الموظف إلى إطلاعها على أخبار عمل عدنان، وكأنها إحدى قريباته.. ولذّ لها أن يقترح انتظارها في داره، لكن إحساساً غريباً آخر تبدّى لها من نفسها.. ما بالها تشعر فجأة، بأن هنالك حقّاً ما يربطها بعدنان.. وما بالها وهي تجدّ السير وراء الرجل تحسّ وكأنها تسير نحو دار الرباط الحقيقيّ.. دار الوفاء.. دارها..!

*    *    *

كرهت "هيلانة" نظرات الحراس إليها.. تحلّقوا حول نار أضرموها قرب أحد الجدران.. يتصايحون، يتدافعون..  تجرهم إلى ذلك حاجتهم للحركة.. وغيظ تمكن من نفوسهم منذ شاهدوا ما ناب رئيسهم من إحباط وهو يرى الملايين تفلت من يديه!!

علق مرؤوس عدنان. على ذلك هامساً:

- ".. يعني.. كان طلع للواحد منهم شي كام ألف ليرة.. وبدّك ما يزعلوا.. كمان؟ وبعدين.. راح رئيسهن وتركهن هيك.. فلتانين!! سمعنا إنو يمكن ينتئلو بكرا عشّام.. هيك.. آل المدير الله يسترنا منهم هلّيلة!!"

لم تردّ "هيلانة".. بل لم تكترث لحديث الرجل.. لم يعلق في ذهنها من مجمل ما سمعت، إلا، إشارته إلى احتمال أن

ينال عدنان مكافأة ثمينة من وراء ما غنمه الجمرك! تمنت أن تكون مبلغاً محترماً.. كادت أن تحدد قيمته في خيالها

الجامح المتفائل، تجدد له طريقاً يؤدي إلى إسعادهما معاً.. كأن يبتاع عدنان به سيارة.. أو مسكناً صغيراً.. أو.. تلفتت برهة، ثم ضمّت ياقتها إلى عنقها وهي تهم بولوج الدار..  

- " بتريدي مني شي، يا ستّ.. أنا لازم إرجع على شغلي.. بتريدي إبعتلك شي؟.."

كان الرجل قد فتح لها باب دار عدنان.. وسبقها إلى داخلها يسارع إلى إيقاد المدفأة..

- "..لأ.. يا عيب الشوم منّك.. عزّبتك.. يسلمو إيديك.. مابدّيشي.. بس يوصل عدنان.. ألو إني هون.."

أوصدت الباب، ثم استدارت تلاقي ما كان في الغرفة بنظرة شاملة شاردة واحدة.. تتنفس في عمق كأنها تتنهد.. وتباعد صدى سؤال كرهته حين تبادر إلى ذهنها من حيث لا تدري وقد هوّم فوق عالمها.. لماذا لا تكون هذه علاقة عابرة.. مثل الكثيرات قبلها.. الآن وقد تجلّى أمام بصيرتها، عمق وصفاء ما بات يربطها بعدنان.. كيف تزيح الطرف عن عشرات العقبات التي تقف دون مسار حياتهما.. كيف تتناسى.. وتتناسى.. ..تقدمت من الموقد وكأنها تصحو من سبات عميق.. صفقت بيدها فوق لهبها المتأجج وهي تضحك وحدها وتقول: "يللا شو فيها هالديني غير يومين حلوين"!

*    *    *

أحست بالجوع منذ وطئت قدمها الدار.. تذكر أنها لم تذق طعاماً منذ الصباح! أنساها حاجتها للغذاء، ما طالعها من مشاهد التمثيل بجثة العسكري الشاب، والخراب في بلدتها!!

كانت على وشك تناول ما يسكت جوعها.. حين تذكرت أن عدنان قد يعود إلى داره جائعاً.. هو الآخر.. فآثرت تحضير بعض المأكولات الباردة، كما فعلت في المرة السابقة.. تغتسل،أثناء طهي طبق ساخن.. فخفّت إلى الحمام توقد المرجل.. تعود إلى حيث كانت في الدار.. ترتب هنا.. وتنظف هناك.. ريثما يسخن الماء.. يعاودها تفاؤلها.. كيف لا.. وجميع مؤشرات قدرها تضافرت لحضّها على انتهاج طريق جديدة من الحياة.. ستبدؤها منذ الليلة.. بل إنها شرعت في المسير فيها منذ التقت عدنان في مكتبه منذ أيام.. تعود إلى التساؤل.. كم سيمضي من الوقت قبل أن تتسرب حكايات ماضيها.. وحاضرها، إلى مسامع حبيبها.. هل ستصمد عاطفته أمام ذلك السيل إذا ما تدفق عليه؟.. وقد يتم ذلك في أية لحظة.. غداً.. أو بعد غدٍ.. أو لعل هنالك من ينبئه عن أخبارها في تلك اللحظة!!

يا لغرابة القدر.. من كان يدري أنها ستجتاز معه ذلك الشوط الطويل.. خلال أيام قليلة؟!

 

 

الفصل الثاني عشر

 

فتحت مذياع عدنان الصغير على موسيقى هادئة.. ثم شرعت في خلع ملابسها.. تصّفها في خزانة عدنان.. إلى جانب ثيابه.. ثم تسارع إلى الحمام.. ترتدي "برنس" حبيبها.. وتسير على رؤوس أصابعها كي لا تلامس حاشيتة الأرض.. ثم جلست على حافة المغطس.. تنعم بدفء الحمام.. وتنتظر دقائق أخرى وهي تنصت لصوت فيروز الشجيّ.

قامت إلى الماء.. وقد صممت ألا تعير المستقبل مزيداً من التفكير.. ستترك أحلامها عنه، ذخراً يداعب خيالها.. وسيلة لإضفاء البهجة على حاضرها.. لا حجر قاعدة تبني عليه آمالاً قد يستحيل تحقيقها.. سمعت قرعاً على الباب.. أتاها عبر هدير وابل من الماء الدافئ غمر رأسها، لابد أنها أخطأت السمع!..عدنان.. يلجأ إلى مفتاحه.. ولا يطرق باب داره!!

سمعت القرع من جديد.. فتجاهلته.. لعله مرؤوس عدنان.. سيفهمه صمتها أنها تعزف عن مقابلة أحد.. فيعود أدراجه.. لكن إصراره باغتها.. وأوحى إليها فجأة بأنه يحمل إليها أمراً جللاً!! فسارعت إلى إيقاف الماء.. تتطير من خاطر ومض في ذهنها!!

خرجت من المغطس على عجل.. تكسو رأسها وجسدها ببرنس عدنان.. تردأ البرد.. اتجهت نحو الباب.. باب الحمام، والماء يقطر من قدميها.. ما كادت تفتحه حتى دوّى الباب الخارجي إثر خبط عنيف ارتجت له الدار.. دوّى صوته في رأسها.. فوقفت.. مذهولة.. مذعورة.. لا تفهم ماذا يدور أمامها!! تشاهد ارتجاج الباب.. ثم ترى قفله ينخلع أمام عينيها!! وألواحه تنوء بما تلقفته من ضرب متسارع.. تهالكت ألواحه أمامه.. وتصدعت مفاصله.. فانفرج على مصراعيه!! ليكشف زمرة الحرَاس!! خمسة أو ستة منهم.. تدافعوا إلى وسط الغرفة، في هرجٍ وصخب يحملون أساحتهم!! أغلق آخرهم الباب المخلوع.. وتقدم أولهم منها يتناوب المكر والشر على نظراته.. يعرف ما يريد.. لذا فهو يهدد بالوصول إليها مهما كان الثمن..!!

*    *    *

لم تع ما راح يدور بينهما من أخذ وردّ.. يريد مضاجعتها.. شاءت أم أبت.. كان قد استرق النظر إلى ما كان بينها وبين حبيبها منذ أيام.. ولعل بقية من كانوا في رفقته على علم بتفاصيل ما شاهده من أوضاع المضاجعة من تلك الليلة.. جميعهم زاد من شهوتهم ما رأوه منها من بلل!!

لم تدر ما تفوهت به من سباب وعويل.. لم تع إلا وقبضة الشاب تنهال على فكها.. وقبضته  الأخرى تهزّ جسدها.. أفاقت إلى رشدها من جديد.. فانتفضت بدافع حيواني غريزي ملتفتة إلى الوراء، وطارت إلى داخل الحملم.. موصدة

الباب خلفها، قبل أن يفطن المهاجمون إلى ما فعلت!!

أسندت كتفها إلى الباب، ويدها على فكها وهي تئن من الألم وتصغي للصياح.. والشتائم، التي تدفقت على سمعها من وراء الباب.. ثوان..وسارع المعتدون بدورهم إلى دفعه بأيديهم وأكتافهم وأقدامهم.. يرتج جسدها لكل ضربة، وقد ألقت بكامل ثقلها على الباب.. تدعم مقاومته بأكتافها!!

تملكها ذعر أسود لم تعرف مثله في حياتها.. وهي تحس بأقدامها تنزلق على الأرض المبللة لدى ضربة عاتية أتت على مقاومتها.. فدفعتها مع الباب.. فهوت على الأرض.. لا تلتفت لآلام جنبها.. تحاول النهوض من عثرتها..

ترفع رأسها لتتلقى صفعة عمياء على وجهها.. غيبت النور عن ناظريها.. تلتها صفعة أخرى على الجانب المقابل.. أذاقتها ملوحة دمها في فمها!!

تناءى إلى سمعها وابل من الشتائم الفاحشة ثم سيل من الوعيد بالقتل إذا هي لم تصمت.. وتمتثل في الحال إلى رغباتهم.. يستغرب أحدهم مقاومتها ورفضها.. وهي التي رآها بأم عينه منذ أيام تتفنن في اساليب الجنس مع عدنان..!

تمازجت تلك الأصوات في رأسها مع هدير داخلي مدوٍ.. وإحساس جديد بالغثيان.. أفقدها شيئاً من وعيها.. فوقفت لا تدري أين هي.. تحس بقبضة يابسة تشدّ ذراعيها.. وتقودها خارج الحمام!! ما كادت تنجرّ وراءها .. خطوات.. تشاهد السرير أمامها.. سرير عدنان .. حتى عاودتها الروح.. فانتفضت كالمجنونة، من جديد.. رأسها إلى الأرض.. تصارع الهواء.. تضرب من تجمعوا حولها بكلتا قبضتيها!! تمزق بأظافرها كل ما تلامسه!! تتجاهل ما تلقاه من ضرب متتابع.. مبرح، ولكم شديد..!! لا تشعر بالألم..لا تكترث لما يصيبها من خدوش أو جروح!!عذراء.. لا تبغي سوى العراك.. لا تتمنى سوى أن يدركها الموت قبل أن ينال أحدهم منها شيئاً.. لم تدر أنها تلقت على صدغها ضربة من قبضة أحدهم، أودت بكامل وعيها!!

هوت على الأرض، فاقدة الرشد!! لم تشهد كيف مال اثنان من المعتدين فوقها.. يخلعان الثوب المبلل عنها.. حاملين جسدها المتهالك.. كالجثة الهامدة.. فألقيا به.. على الفراش.. بينما سارع أربعة منهم إلى نزع أحزمتهم الجلدية.. خفوا إلى أطرافها الأربعة.. يقيدونها بها.. يحكمون عقد الجوانب الأخرى من الأحزمة حول أعمدة السرير.. حتى صار جسدها في وضع مشبوحٍ.. ضحية مفتوحة الذراعين.. منفرجة الساقين والفخذين.. مشدودة.. لقمة سائغة.. فاقدة الوعي.. لكل من يريد افتراسها!!

تداولوا هنيهة أمرهم.. يطالب بعضهم بعضاً بعزلة آمنة عن الآخرتحميهم عن العيون الساخرة.. وكان أحدهم قد عثرعلى زجاجات الشراب في المطبخ.. فنادى صحبه.. هرعوا إليه تاركين الضحية لأقواهم.. التفت إلى السرير.. وسارع إلى إنزال بنطاله.. يقفز فوق الجسد العاري.. يولج فيه.. بينما تشاغل بقيتهم عنه بالتهام ما على المائدة من طعام.. وبازدراد الشراب المسكر.. يحفز شهوتهم مشهد ما يجري فوق السرير.. يراقبونه في صمت ونهم بدائيين.. لا يكاد أحدهم يقضي وطره منها حتى يقوم عنها مشرّعاً ذكره.. يرفع بنطاله في نشوة وفخار.. صائحاً لمن بعده.. بأن يحذو حذوه وقد فتح هو له الطريق!

سرعان ما باتوا جميعاً في المطبخ، وقد نال كل منهم نصيبه منها.. تحلقوا حول المائدة.. وقد نال الشراب من بعضهم.. منهم، من أراد ترك الدار قبل عودة صاحبها.. ومنهم من أرتأى تكرار الجماع.. مؤكداً لصحبه أن أمامهم ساعات قبل عودة الرجل.. ولم تنقض ساعة بعد، على تركه مركز الحدود..

أتاهم صوت أنين المرأة المشدودة إلى السرير.. عادت إلى رشدها.. أو لعلها أفاقت منذ برهة.. وأدركت أن الموت الذي تتمنى لن يأتيها وهي مشبوحة على تلك الحال.. تؤلمها ضلوعها التي تلقت اللكم و الرفس والضربات الموجعة.. حين هوت على الأرض.. ثم العضّ والخدش.. وهي فاقدة الوعي على السرير!!

عجب أحدهم لمكوثهم في المطبخ.. وفي وسعهم نقل مائدة الشراب إلى غرفة النوم.. والتمتع، في آن واحد بكل من الجنس والشراب إلى حيث تمددت ضحيتهم.. والتفت أحدهم إلى المذياع يديره على الغناء والطرب!

*    *    *

دوى صوت "هيلانة" فجأة بعويل رهيب أخاف بعضهم، لما تفجرت به أحشاؤها من ألم وعذاب داخليين!! فقام أٌقساهم إليها.. يكتم أنفاسها بيده اليسرى، رافعاً يده اليمنى فوق رأسها.. يتوعدها بضربة تؤدي بحياتها إذا ما هي عادت إلى العويل!! يفهمها بأنه هو الذي استرق النظر إليها من النافذة.. منذ ليال.. يذكّرها بما كان قد شاهده من فحشها، أثناء مضاجعتها لعدنان!! لا يفهم رفضها.. وتمنعها المصطنعين.. يفاضل بين ثلّته وزبائن الملهى الذي سمع أنها تعمل به!! يعجب لإصرارها على رفض مضاجعتهم.. وهي المومس المحترفة!!

مرة أخيرة صاح بها هاتف داخلي يحضّها على الاستكانة والخنوع.. وقد كان ما كان، ولا حيلة لها إلى الخلاص.. جزيئات من الثانية.. تذكرت خلالها وهي على تلك الحال، أن مغتصبيها أتوا سافري الوجوه.. لم يكترثوا إلى تعرفها على هوياتهم.. وأنهم لا بد قد يقضون عليها إذا ما عاودت الممانعة والصياح.. وإذا بملامح عدنان تمرّ في مخيلتها .. وجهه.. عيناه.. يداه.. طار صوابها كمن أصابها مس.. لن يراها عدنان على تلك الحال!! لن يراها!!

*    *    *

فتحت فاها فجأة وعضت على اليد التي كانت تسد أنفاسها!! قامت بذلك بكل ما أوتيت عليه من قوة!! تحاول قضم ما علق بين أسنانها من أصابع مجرمة!! مما دفع الرجل إلى الصياح ألماً، يحس بأن أسنانها باتت على وشك اقتطاع جزء من بطن أصابعه.. فهوى على وجهها بقبضته اليمنى بلكمة قاضية، اصابت أنفها، وما بين عينيها.. وإذ بها تعود إلى الإغماء.. تميل رأسها إلى جنب.. والدم يتدفق فوق شقتيها!!

*   *   *

كره أحدهم منظرها الدامي.. فارتأى أن تقلب على وجهها.. فسر البقية لاقتراحه! يتضاحكون.. يفكون وثاقها.. يستعينون بشد الأحزمة لقلبها، ظهرها باطنها!! لحظات وكانت "هيلانة" مشبوحة في وضعها الجديد.. تتقبل مؤخرتها الممتلئة نكات بعضهم.. ثم نظراتهم النهمة!!

قام أشدهم إليها.. غير ملتفت إلى زملائه.. ينزل بنطاله من جديد.. يولج في مؤخرتها.. يقضي وطره.. على مشهد من الجميع!!

ما إن فرغوا من الجولة الجديدة.. الواحد تلو الآخر، حتى وقفوا في تكاسل.. يصلحون هندامهم.. يصففون شعرهم.. يتناولون أسلحتهم من حيث أركنوها.. وخرجوا من الدار.. لا يلتفتون إلى الوراء.. لا يكترثون بما خلّفوا وراءهم!! إلا أحدهم.. عاد بعد هنيهة.. كأنه يقوم بذلك غفلة عن رفاقه.. مشى نحو "هيلانة".. وفك وثاق يدها الواحدة..

هل قام بذلك رحمة بها؟.. لعله من الأصل لم يكن يبغي إلا استرجاع حزامه.. حين شده على خصره، هرع إلى الباب المخلوع يحاول إحكام إغلاقه.. تاركاً المرأة الضحية وراءه، مشبوحة على وجهها.. مشدودة إلى السرير من أطرافها الثلاثة!

 

 

الفصل الثالث عشر

 

تحركت اليد الطليقة في سكون نحو اليد الأخرى تحاول فك أسرها.عبثاً حاولت في البدء.. والعقدة تزداد وثوقاً كلما أتت على حركة الاتجاه الخاطئ.. حتى أدركت أن عليها مدّ ذراعيها بأقصى ما تستطيع كي تحرر معصمها مما سهل لأصابع يدها الطليقة العمل على فك العقدة الجلدية..

أنهكها ذلك.. لكنها تمكنت من فكّ كلتا يديها.. فجمعت ذراعيها تحت وجهها الدامي.. في أول حركة حرّة تقوم بها.. تسعى في كل مرة إلى خنق أنفاسها.. بنفسها..!! ولو أنها كانت مربوطة الساقين.. مستلقية على ظهرها لاستسلمت لمنية باتت تحس بأنها تدنو منها!! لكنها كانت ملقاة وجهها إلى الفراش.. مكشوفة الخلف!! أبت أن تموت وهي في ذلك الوضع المهين.. فجاهدت للنهوض متكئة على ذراعيها المنهكين.. تحاول جلوس القرفصاء، فوق ساقين مشدودتين، متباعدتين.. تميل في ألم مضن على إحداهما.. تحاول فك الرباط عن قدميها!!

*    *    *

سمعت وقع خطاً تقترب من الدار.. فتسمرت في مكانها.. ثم تلفتت لا تستطيع النظر إلى الباب خلفها!! تبحث عن غطاء ما.. أو ملاءة ما، تستر بها جسدها!! فلم تجد.. وجميع ما كان فوق السرير قد تبعثرعلى الأرض.. يحمل آثار الدماء، وما خلّفه المغتصبون من أوساخ رجولتهم!!

 

ما إن سمعت صوت قرقعة الباب المخلوع من جديد.. يتلوه صوت عدنان.. يتلفظ بكلمات لم تفهمها.. حتى رفعت ذراعها في الهواء.. وأطلقت صراخاً مروعاً.. تحول إلى عويل مديد!! انهارت إثره على وجهها.. فوق السرير.. لاتعي على شيء!!

*    *    *

أفاقت بعد لحظات.. لتجد نفسها وحيدة.. مستلقية على ظهرها.. طليقة الأطراف.. مرتدية سترة عدنان.. مدثرة بغطاء صوفي.

أين مضى عدنان؟

هل رآها على ذلك الحال.. هل جدّ في أثر المعتدين؟.. هل ذهب يطلب العون.. شدت ساقيها المتصلبتين، إلى بعض ثم انزلقت من الفراش.. تنتابها الآلام المبرحة من جميع أنحاء جسدها..

لم تستطع النهوض على قدميها.. فانزلقت على الأرض.. تشدّ نفسها نحو المطبخ.. تشحط في جهدٍ بالغ حتى أدركت ما كانت تسعى إليه!! تنكة الكاز!!

أمسكت بوعاء الوقود، تشده إليها.. ترفعه عن الأرض.. تهيل محتوياته فوق رأسها.. وجسدها ما لطخت به من قذارة..

أعادت الوعاء إلى مكانه.. تتناول باليد الأخرى علبة الكبريت.. تخرج منها عدداَ من عيدان الثقاب.. تشعلها، مرة واحدة!! تضرم النار في جسدها.. تتسابق ألسنة اللهب للفها مرة واحدة..

التفتت إلى الحياة.. قبل أن تضرم النار في جسدها.. نظرت إلى سرير عدنان وما كانت قد أعدته من طعام ساخن له، قبل دخولها إلى الحمام.. وكان الوعاء لايزال على ناره الهادئة.. وقد احترق ما فيه.. وتفحم.. تصدرعنه رائحة تشبه رائحة اللحم المحروق!!

*    *    *

سأل أحد الخفراء زميلاً له.. وقد انقضى ما يقارب الشهر على تلك الحادثة..

- "يا ترى.. عرفو بعدين.. مين حرأ البيت؟.."

- "ما حدا عرف شي.. كتبو بالمحضر!! قضاء وقدر!!"

- "والمرا يلي ماتت جوّا؟.. مين كانت؟.."

- ".. أرتيست.. صاحبته لعدنان.. يمكن كانت سكرانة.. آلو كان في بالبيت شي عشر أناني وسكي.. فاضية.. عشرة يا أكتر.. حرئت البيت من سكرها واحترئت معو.."

- "وهو.. شو آل؟.."

- "أوّل شي.. أخدوه عالمستشفى.. كان راح يموت لما شاف بيتو عم يحترئ!! مسكين.. ما عندو غيرو.."

- "وبعدين؟"

- "بعدين طاب.. ونألوه على مركز تاني.. مدري وين.."

- "ليش نألوه؟.."

- "آل أدم شكوى.. مدري شو ادّعا فيها.. إلها علاءة بالكوكايين يلّي انكمش هون.. وبالجماعة التانيين.. آلو.. ما اشتفا ألبو منهن.. بدو يفتري عليهن كمان! بعدين لفلفوها.. وكل سي راح بسبيلو.. منيح ما حبسوه"!!

- ".. مسكين.. آلو لي كان زلمة دغري.."

- "دغري؟.. وعندو عشر أناني ويسكس فاضية.. وحاوي أرتيست ببيتو؟! مجدوب.. ما في حدا دغري هلأيام.. روّح حالو.. يلّي شافوه بعد الحادسة.. ما عرفوه!! آل صار زلمة تاني.. متل المهبول.. ما عاد حكى مع حدا.. ولا عاد ردّ، على حدا!!"

 

 

  لقراءة رواية  رحلة النيلوفر أو آخر الأمويين أو رواية مسافر بلا حقائب أو رواية السقوط إلى أعلى

 

أضيفت في 04/01/2006 / خاص القصة السورية / كافة الحقوق محفوظة للناسخ والمتابع لأعمال الكاتب السيدة: ميساء السمهوري - الإمارات

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية