الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 30/04/2008

سيرة الكاتب

رواية

السـقوط إلـى أعلـى2

القسم الرابع ف3 

القسم الرابع ف3

 القسم الرابع ف2

 القسم الرابع ف1

القسم الرابع ف4

 القسم الرابع ف5

القسم الرابع ف6 

 

القسم الرابع ف11 

 القسم الرابع ف10

 القسم الرابع ف9

 القسم الرابع ف8

  القسم الخامس ف3

 القسم الخامس ف7

 القسم الخامس ف9

 القسم الخامس ف10

بقلم الكاتب: وليد الحجار

 

 

السـقوط إلـى أعلـى

مقتطفات من رواية

                                                                     

 

 

القسـم الـرابع الفـصل الأول

 

ص155-159

يجول في ذهن فراس قول لفاليري.. " ويقول له عفريت.. أعطني دليلاً على أنك ما زلت الإنسان الذي كنت " !..

راح ينظر من نافذة الطائرة، ثم يمعن النظر بقطر الندى التي جلست قربه وغاصت مؤخرة رأسها في وسادة المقعد، مغمضة عينيها، مستسلمة إلى نعاس هادئ..

لم يبق لديه شك في طبيعة المشاعر التي تتنازعه نحوها!.. مشاعر بدأت، وهي تتكشف عارية أمام عينيه، تخلق بدورها، وإزاء نفسها، مشاعر أخرى في نفسه!..

أحس وكأن هواء جافاً غريباً قد عصف في أعماقه.. فأخذ قاعها يجف عن رواسب بدأت تتبلور وتتبدى عن أشكال ظهرت غريبة أمام عينيه..

لم يكن يدري أن للعاطفة أقنية ومتاهات مرسومة في نفسه.. لا علم له بها!..

أقلقته هذه الكهوف!.. يحس، مهما يُشحْ بوجهه عنها، أنه مرغم على السير فيها.. مرغم على تخطيها!..

لم يشأ أن يحرك ذراعه التي كانت تلامس ذراع قطر على مسند مقعديهما المشترك.. لم يشأ أن يقوم بأية حركة قد تنبهها من نومها..

راح ينظر بإمعان إلى وجهها، وقد استدار نحوه، وود لو يستطيع أن يلامس بشفتيه جفنيها المغلقين..

لم يكن قد رأى جفنيها بعد..

ما أطهر هذا الوجه حين يستكين، وما أشد نعومة بشرته!..

رفع ذراعه الطليقة بهدوء، وأقفل مفتاح الهواء البارد الذي كان يتحدر برفق على وجهيهما..

كان ذلك الهواء حاجزاً بينهما، فأزاحه، وراح يتابع أنفاسها ، حتى خيل إليه أنه يسمعها فوق هدهدة المحركات..

تنفست قطر بعمق، ففتح صدره لأنفاسها، وراح يعبّ منها..

تنهدت، ثم فتحت جفنيها عن عينين حائرتين لم تدهشا إذ رأتا عينيه في انتظارهما.. تبسّمت كطفلة حائرة، وسألته..

_هل أطلت النوم؟..

نظر إليها بمجامع نفسه..

تمهل، ثم قال..

_قطر !.. أنت لا تنوين أمراً تخفينه عني بشأن جعفر.. أليس كذلك!؟..

تابعت النظر إليه بصمت، ثم ابتسمت بعد أن زمت شفتيها بكسل..

_أتظنني قادرة هذا؟..

أطلق لهفة مكبوتة..

_لم تردّي عن سؤالي!.. قد تكونين، أو قد لا تكونين قادرة على ذلك، فالذي أود معرفته هو.. أثمة ما تخفينه عني ؟.. بحق صداقتنا يا قطر.. إن كنت تنوين أمراً من هذا القبيل.. فأطلعيني عليه الآن!..

قاطعته مازحة بدلال..

_ما الذي يتغير في الأمر لو أطلعتك عليه.. أو أخفيته عنك؟!..

_أهذا جوابك الأخير؟..

ضحكت بهدوء، دون أن تزيح رأسها الغارق في الوسادة..

همست في أذنه، مطمئنة..

_هدئ من روعك!.. لم أفعل مثل هذه الأمور في الماضي.. ولن أفعلها في المستقبل!.. القصة كلها مزاح!.. هنالك بالطبع من لن يفهم هذا.. لكن الأمر واضح بالنسبة للجميع!..

إزاء دهشة فراس وصمته، تابعت..

_مالك تعجب؟!.. هنالك من النساء من يستسلمن للرجل رضوخاً لإرادته وإصراره، لا حباً أو إعجاباً به!.. وهنالك من يبعن أنفسهن بالقليل أوالكثير من المال.. والبيع واحد.. ولواختلف الثمن!.. أما أنا، فلا علاقة عندي بين المال والجنس.. وأنت أدرى الناس بذلك!.. لا حاجة لي بأن أذكرك أني لم أقو على بيع نفسي لهلال، رغم إغراء ثرائه!.. قد يكون في قبول دعوة  جعفر طيش منا واستهزاء بالعواقب، وبأقاويل الناس!.. وقد يكون في قبول هذا المبلغ الزهيد منه أمر تقطب له ظاهرياً حواجب الأكثرية الساحقة من الناس!.. لكن، سيان عندي!.. صحيح أن هلالاً لم يترك لي مالاً ألهو به، إلا أنّي لست في ضيق حقيقي!.. فأنا أملك بين قصري وحليي ما تزيد قيمته على المليونين!.. أتظنني كنت أقبل هذه الدعوة لو كنت وحدي!؟.. إن كوننا أربعة.. وشعوري بالاطمئنان التام، بين أختي وأصدقائي، هو الذي شجعني على قبولها!.. إنها لعبة نلعبها يا فراس، لا أكثر ولا أقل!.. كنا نلعب " الضيفة والضيوف " ونحن صغار.. وأرانا اليوم أمام لعبة تشبهها!.. ثق أن جعفراً ليس أكثر منا جدية في هذا الأمر!..

_أواثقة أنت من قصد جعفر!؟..

_وماذا في قصد جعفر من تعقيد؟.. ألأنه معجب بي؟.. ألأنه يسعى إلى مغازلتي؟!..إني أعرف هؤلاء القوم حق المعرفة.. جميعهم سواء!.. لا يعرفون سوى الجنس والمال!.. فلا غرابة أن يحاول الرجل منهم السعي وراء ما يتيسر له من النساء، ولا غرابة أن تقبل نساؤهم مضاجعة من يتيسر لهن!!.. هل نسيت أمر درة وأخيها!؟.. هل نسيت حب درة لميساء؟..

قاطعها فراس، مفاجئاً..

_إذن أنت تعلمين بالأمر.. وتعترفين به!..

_أبعشق درة لأخيها ولميساء معاً؟.. طبعاً!!.. لهذا أقول لك إنني لا أجد غضاضة في ملاحقة جعفر لي بغزل قد تجده جريئاً لو قارنته بطرق الغزل التي نعرفها نحن!.. لكن ذلك شأنه.. وقبولي أو رفضي لهذا الغزل شأني أنا!..

_لكن قبولنا الدعوة يا قطر.. وقبول المال بهذه السهولة!..

قاطعته متنهدة، صابرة على ما لم يفهمه بعد..

_قلت لك إن أمر جعفر يختلف عن، لنقل، إنسان مثلك!.. إن مثل هذه الدعوة لا تعني الشيء الكبير بالنسبة له.. وقبولي لها، لا يعني أنني أسلمت قيادي له!!..

لو قلت له " إن سيارتك جميلة يا جعفر، لو أن لي مثلها " لأعطاكها على الفور!.. هذه مفاهيم لا يهضمها من على مثل مفاهيمك الغربية !!..

تنهد فراس بدوره..

_إذن.. إن أي تطور في علاقتكما يتوقف على ما ستسمحين له به أنت؟!..

_بالطبع!..

_وتقولين إنك لن تسمحي له حتى برفع الكلفة بينكما؟!..

ضحكت في دلال محبب، وقالت وهي تشيح النظر عنه..

_هذا.. إذا استطعت مقاومة إغراء عينيه الخضراوين!!..

كانت ميساء تجلس إلى جانب زوجة فراس، في الطرف الآخر، وعلى امتداد مقعدي فراس وقطر الندى..

وإذ انتبهت إلى ما يدور من همس بين أختها وفراس، اقتربت منهما وعلقت مازحة!..

_ألا تكفان عن الهمس وتدبير المؤامرات؟!.. هل تنويان الإيقاع بمسكين جديد؟!..

أجابتها قطر الندى، ضاحكة، متظلمة..

_ليتك تدرين بحديثنا!.. أن فراساً قد تغير يا ميساء.. وكأنه إنسان آخر!..

سألتها أختها، مازحة متعجبة..

_وهل يمكن تحديد ما هو فراس.. كي يمكنك القول بأنه تغير؟!..

_بل تغير بالفعل يا ميساء!!.. إنه الآن يخاف أن أقع في هوى جعفر!.. أين خوفه هذا مما كان يحرضنا عليه في الماضي من حب للحياة والحرية الفردية؟ّ!.. يقول..

قاطعها فراس مبتسماً..

_بل أنصحها بالتروي.. هذا كل ما في الأمر!..

اصطنعت ميساء التعجب.. ثم قالت ضاحكة..

_اسمع!.. لم نقم بهذه الرحلة كي نسمع النصح بالتروي!.. قمنا بها كي نلهو ونمرح.. لقد مللنا الركود والحياة الرتيبة!..

وأضافت قطر الندى ضاحكة كأنها في جوقة تشترك فيها مع أختها..

_.. ونود أن نغازل جميع من يروق لنا من الرجال!..

_ ونود أن نتيه في الطرقات حيث لا يعرفنا أحد!..

_.. ونجلس بلفافة.. ننتظر من يشعلها لنا من " دون جوانات " باريس!!..

تقاربت رؤوسهم وهم يردّدون هذا الكلام، وكانوا يخرجون من مقاعدهم!.. علا همسهم، ثم ضحكهم، حتى أثاروا انتباه بقية المسافرين!..

لم يكن في تصرفاتهم، وإن بالغوا، ما يحيد عن اللياقة.. لقد تعودوا إثارة انتباه الناس عن غير ما قصد.. وتعودوا أن يقابلوا دوماً بالابتسامات المحببة من أناس لا يعرفونهم..

كان في تقاطيع وجوههم ما يوحي بعراقة المنبت، وفي أناقة مظهرهم ما يدل على الثراء، وما يوحي بأجواء بيئة مترفة، يسمع عنها الناس، ولا تسمح ظروفهم بأن يخالطوها، عن قرب، أو عن بعد..

أربعة، وكأنهم خلقوا للسعادة، لحياة لا تعرف الهموم..

 

   

 

القسم الرابع الفصـل الثانـي

 

ص167-173

}ندت عنه ضحكة استهزاء، وقال..

_أتعرف القصر؟..

_" قصرالأفراح " ؟.. لا.. مالك تهزأ؟.. لكنني رأيت صوراً خارجية له في شتى المجلات.. إنه في ظني أجمل ما بني من قصور عصر ما بعد النهضة!..

_أنا لا أهزأ من القصر!.. أنا الآخر دهشت لروعة تصميمه.. بل أخذت بأناقة أبراجه الشامخة المرهفة..

_مم تهزأ إذن؟..

_مهلاً!..

صمت قليلاً.. ثم تابع..

_كنا قد وصلنا في الصباح الباكر.. وكان الضباب لا يزال مخيماً على أرجاء البحيرة.. كيف أصف لك شموخ ذلك القصر وكبرياءه؟.. كان لقيامه على قمة تلك التلة الخضراء المتحدرة نحو البحيرة، إطلالة أمير أوروبي من القرن الثامن عشر، يستعرض على صهوة جواد أصيل، شروق الشمس على زرقة مياه البحيرة، وخضرة الغابات المحيطة بها.. غريب كيف لا يمكنني التخلي عن إطلاق أوصاف إنسانية على مثل هذه المباني!.. ولا يقل داخل القصر روعة عن خارجه.. لن أطيل عليك وصف جمال حفر أبوابه، ودقة تصفيف أرضه الخشبية، المهم في الأمر هو أننا حين دخلنا البهو الكبير، فوجئت بقطع كبيرة من " النايلون " تكسو معظم جدرانه!.. مستطيلات شاسعة من " النايلون " الرخيص، تغطي سطوحاً كبيرة، وتحيط بهذه المساحات أطر جميلة الزخرف والحفر!.. ظننتها مساحات في دور التهيئة لنقش أو رسم.. فلم أسأل جعفراً عنها إلى أن نظرت إلى الأعلى، فأدهشني ما جمّل به السقف من مشاهد لفتية، وفتيات، يلهون مرحين في غابات مشرقة شبه منسقة، لونت على طريقة مدرسة " فونتنبلو "، ترى حرير أثواب الفتيات فيها، رغم قدم الرسوم، لا يزال يعكس نور النهار وكأنه أوشحة حقيقية لصقت على السقف!.. لا بد وأن هذا القصر كان بحيازة قوم يعشقونه.. عجبت لماذا تخلى عنه أصحابه؟.. أحباً في الربح؟.. ضائقة مالية؟.. كيف اهتدى جعفر إليه؟.. كنت أعلم أن جعفراً وأمثاله لا يميلون إلى ما هو من الطراز القديم أو الكلاسيكي.. كنت مرتاحاً لهذا، أرى دراهمهم لا تمس سوى الجديد والتجاري من الأشياء، بل والقبيح منها في معظم الأحيان!.. لأول مرة، بدأت أحسد جعفراً وأنا أتجول في أرجاء ذلك القصر!.. هل تنبه إلى فساد ذوق قومه، فأراد بهذا القصر أن يبرهن على ذوق جديد؟..

تابع فراس بصوت حزين..

_عدت إلى الجدران أتفحصها.. إلى أن وجدتني أسأله، مستطلعاً، أمر هذه السطوح المكسوة بالنايلون.. أتعلم ماذا كان جوابه لي؟..

أجبته على الفور..

_لابد وأنهم كانوا يرممون ما عتق من الرسوم القديمة على الجدران..

هز رأسه، وأجابني..

_لم يكن شيئاً من هذا القبيل!.. أجابني جعفر بالحرف الواحد: " آه!.. هذه؟.. كانت صوراً لنساء عاريات.. وحيوانات.. وغير ذلك مما حرمه الدين!.. حاولنا خلعها عبثاً!.. يظهر أنها رسمت مباشرة على الحائط.. فقشرناها!.. قشرناها بما لدينا من أدوات، فبات منظر الحائط قبيحاً!.. فسترناه بالنايلون الذي تراه!!.. ما رأيك؟!.."

_قشروا " الفريسك " ؟!.. أمعقول هذا؟!..

_أقسم لك بأن هذا هو ما شاهدته بأم عيني وسمعته من جعفر!.. هرعت أستكشف بقية ردهات القصر، فوجدت جميع جدرانها قد لاقت نفس المصير!!.. انتابتني غصة مؤلمة في حنجرتي .. أقسم لك مرة أخرى أنني كدت أبكي!.. فطنت إلى أمر آخر، فعدت إلى جعفر أسأله ما إذا كانت هنالك تحف أو تماثيل فنية في القصر حين ابتاعوه!.. فأجابني.. " طبعاً، طبعاً!.. كانت هنالك تماثيل وأصنام كثيرة!!.. من الرخام والمعدن والخشب!.. وصور صغيرة الحجم تملأ الجدران ".. فازدادت ضربات قلبي وأنا أسأله خائفاً، متردداً.. " أين هي؟!.. " فإذ به يقول..

_لقد حطمناها جميعاً، طبعاً!.. وأحرقنا القابل للحرق منها!!..".....

لاريب أنه رأى نظرة غريبة، مروعة، وأنا أسأله في محاولة أخيرة.. " لكن.. إن كنتم لا تريدونها في القصر.. أفلا تعلمون أنها أشياء ذات قيمة بالنسبة لغيركم من الناس؟!.. لماذا لم تتخلصوا منها بإعطائها لمن يحبها.. أو لماذا لم تطرحوها للبيع؟!.." أتدري بماذا أجابني؟..

_بماذا؟!..

_قال.. " نفرق الحرام على الناس؟!.. ماذا دهاك يا فراس؟.. نبيعها؟!.. ونأخذ بذلك مالاً قذرا ً "!!..

عاد فراس إلى الصمت.. وأغرقت أنا الآخر أقلب ما رواه لي، ساهياً عن كل ما عداه.. ناسياً هدف طلبي للقائه!..

سألته بعد حين..

_هل مكثتم طويلاً في القصر؟..

_لا.. نصف ساعة على الأكثر.. خرجنا بعدها نتنزه في حديقته المنحدرة نحو البحيرة..

ضحك لأمر جال في ذهنه..

_أتعرف ماذا وجدنا في الحديقة؟..

_...؟

_ماعز!!.. استرعى انتباهنا صوتها.. كانت مربوطة إلى الشجرة الوحيدة في الحديقة..

_ماعز؟.. وماذا كانت تفعل ماعز في حديقة ذلك القصر؟..

_سألت جعفراً عنها.. فأجابني بأن الشيخ الكبير، صاحب القصر، لا يثق بحليب الأسواق.. لذلك استحضر هذه الماعز من بلاده كي توفر له الحليب الطازج!..

_القصر إذن ليس ملك جعفر!..

_لا.. بل ملك شيخ بلاده، كنت أنا الآخر في شك من ذلك، حتى علمت أخيراً أن جعفراً، بوصفه من أقوى عائلات تلك البلاد، يشغل لدى الشيخ مكانة الحاجب لدى الخليفة، ولهذا المنصب أهمية قصوى!.. إذ لا تنفذ مشيئة من مشيئات الشيخ إلا عن طريقه..

تبادرت قطر إلى ذهني، فسألته..

_وقطر الندى؟.. ماذا تم من أمر غرام جعفر المتأجج؟!..

_لاشيء!..

قال ذلك بحدّة، وما عوّدني التكلم عن هذا الموضوع سوى ببساطة ولامبالاة!..

أشاح بوجهه، كأنه يمنعني أن أستوضحه الأمر..

أطرقت أحاول تفسير امتعاضه.. لابد أن هنالك جديداً لم يخبرني عنه!.. أكان هذا هو الدافع وراء تلكئه في مقابلتي؟!..

عجبت لحدته وارتباكه.. أين فراس الذي يضحك من الحب، ويهزأ من القيم!.. أين مقدرته على الخوض في لجج العاطفة دون أن يفقد تجرده في الحكم على تجربته؟!..

كم سمعت منه أقوالاً مثل " ما أسخف غرامي وأوهاه!.. ومع هذا، فأنا غارق فيه، سعيد، أشرب منه حتى الثمالة "!..

ما باله اليوم ينطوي على نفسه، متحفظاً في سره بما يشعر به نحو قطر الندى؟.. أهي عفة منه إزاء هذه العاطفة المفاجئة؟!..

لا أظن!.. فأنا لا أعرف موضوعاً يمكن له إثارة الحرج بيننا!..

لم يبخل عليّ يوماً بتفاصيل علاقة نسائية.. فما باله يكتم مشاعره الآن؟!..

ما الذي يحرقه؟.. أهي علاقة جعفر بها!.. وليس في علاقة جعفر بها قضية غيرة فحسب.. إذ لو كان ذلك هو السبب لحدثني عن هذه الغيرة ببساطة!

لابد أنه أمر أعمق..

أحسست وكأن فراساً يواجه مشكلة جذرية.. مشكلة إعادة تقييم أمور ظنّ أنه فرغ من تقييمها!..

لم أشأ، رغم متانة معرفتي به، أن أتسرع في الحكم..

أحسست بأنني بحاجة إلى المزيد من الأدلة كي لا أخطئ فهمه..

سألته متريثاً.. محاولاً تبسيط الأمور..

_أللأمر علاقة بجعفر؟.. أتقلقك غيرتك منه؟..

_لا.. لاشيء من هذا القبيل..

تبسم، ثم تابع..

_إنها ليست قضية غيرة، أو قلق على نفسي من إحساسي بالغيرة.. إنه شعور ينتابني تجاه ما أحس به من عاطفة نحو قطر الندى..

_لم أفهم بالضبط..

_أعرف أنك لن تتركني وشأني.. اسمع.. لايكفي أن يعلم الإنسان بأن لا قبح هنالك ولا جمال، وأن هذه ليست سوى مفاهيم نسبية!.. لا يكفي أن يعلم المرء أن معرفته هذه تتيح له أن ينعم بما يريد، ما دام مصغياً في قرارته إلى صوت يذكره دوماً بأن إحساسه بالجمال، أو القبح، وإن كان أكيداً، فإن ما يحرك هذا الإحساس ليس سوى عوامل نسبية!.. ظننت أن باستطاعتي أن أتوقف عند هذا الحد.. أحب وأكره ما يروق لي، مطلقاً العنان لنفسي فيما تتذوقه، مستنداً إلى معرفتي أصلاً ببطلان قيم ثابتة للجمال والذوق!.. بكلمة أخرى.. كنت قانعاً بما وضعته من فاصل بين المعرفة والشعور، سعيداً بما حررت به نطاق الشعور عندي من قيود المعرفة!..

سمعت ضربات قلبي تعلو وأنا أستمع إليه يقترب من عالمي..

سألته كابتاً لهفتي..

_والآن؟.. ماذا تبدل في الأمر؟!..

_يتفق للإنسان أن يقف أمام أمر يثير في نفسه فيضاً من الحس الجمالي، فيود لو باستطاعة هذا الحس أن يغلّف معرفته ويحتويها!.. يود لو تكون لما يهزه من شعور قيمة ثابتة، تقف صلبة، لا تفككها المعرفة، ولا يبطلها العقل!.. قيمة مطلقة يود في قرارته لو أن شعوره، لا عقله، هو الطريق إليها!..

باغتني ما سمعت!.. لم أفهم ما الذي اعتمل في نفسي وأنا أسمعه يردد ما طالما تمنيت سماعه منه!.. فوجئت بما كنت أتطلع إليه.. لم أفهم لماذا كرهت هذا التحول المفاجئ بدل أن أرحب به!..

لست أدري ما الذي انتابني، لكني وجدت نفسي أقول بلهجة ساخرة..

_أهو الحب.. يا فراس!؟..

تغاضى عن سخريتي.. وأجاب..

_ربما!.. لست أدري..

_لم يخيل لي أن حبك لقطر الندى من القوة بما يدفعك لمراجعة مفاهيمك!..

_وماذا كنت تظنني؟.. حصناً منيعاً من البرود وعدم المبالاة؟!.. فتعجب كيف يوشك هذا الحصن على الانهيار أمام تجربة لا تؤمن بأبعادها؟!..

سألته بدوري مستغرباً..

_أأنا الذي لا يؤمن بالحب يا فراس.. أم أنت..؟!

ثم تابعت مستفسراً..

_.. وتجربتك.. أمن العنف بهذا المكان؟..

_ليس هنالك تجربة عنيفة بحد ذاتها!.. قوة التجربة تعكس قوة صاحبها.. وعنفها يقاس بمقدار عنف توتره الداخلي!.. أن تجربتي مع قطر لم تصل إلى هذا العمق ولن تصل.. بل إنها على عكس ما تقول تماماً.. فلا عنف هنالك ولا عواطف متأججة! لا ريب في أنني في مأمن من مثل هذه التجارب المستعرة، لانعدام هذه التوترات الداخلية في نفسي!.. ليس بيني وبين قطر كلمة حب واحدة.. ولا شك عندي أننا لو تبادلنا مثل هذه الكلمات لأغرق كلانا في الضحك مما نقول!.. إن ما أشعر به نحوها هو مشاركة من نوع آخر..

_أأذكرك يا فراس بقولك.. " إن الحب شهوة طويلة، والشهوة حب قصير "!..

_.. لكني لا أتحدث عن هذا الحب.. أو عن " الحب " إطلاقاً!..

أطرق ساهماً، ثم تابع..

_.. لعل كل إنسان، إذ يحب، يظن أن حبه يختلف عن حب من عداه من الناس.. من يدري.. لعل كل إنسان محق في محاولة الخروج عن تصانيف الحب المعروفة.. لا ريب أن هنالك من أنواع الحب ما يعادل عدد من يخوضون هذه التجربة من بشر.. ومع ذلك، فإن ما بيني و بين قطرالندى أقرب ما يكون إلى القلة النادرة! ثق أنني لو حاولت أن أجد ركيزة لعلاقتنا، لأعياني الأمر.. فلا شهوة جنسية عارمة تدفعني نحوها.. ولا حب بالتملك أشعره تجاهها.. ولا إعجاب أعمى أحسه بجمالها!.. سأقول ما قد يضحك.. لعل علاقتنا لا تستمد قوتها سوى من نقصان جميع هذه العوامل بالذات!!..

سهوت عن كلامه.. أهذا " فراس " الذي يكلمني؟!..

أهذا هو فراس الذي عرفت لسنوات طويلة؟!..

ماالذي يجري بيننا الآن؟ ولماذا أرفض في سري أن يلعب فراس دور المحب؟! ألم أسع في الماضي جاهداً في البحث عن عاطفته؟.. ألست ممن ينادون بربط الشعور بالمعرفة؟!..

أحسست بضيق مفاجئ!..

هل كان فراس حقاً ذلك المارد العقلاني.. وهل كنت حقاً ذلك الإنسان الحائر الذي يرفض عقلانيته الباردة؟!..

جعفر!.. قطر الندى!.. ميساء!.. هلال!.. ودرة.. والبدر وسلاطين وملوك.. وحياة مغامرات ومؤامرات لها أول، وليس لها آخر!!.. أيمكن أن ينشأ حب في مثل هذه الدوامة؟! أم أن هذه الأحداث نفسها دفعت قطر الندى وفراساً أحدهما إلى الآخر؟!{

  

   

 

القسم الرابع الفصـل الثـالث

 

 

كانوا في لهف للوصول إلى باريس، لذلك جهدوا ألا يقضوا برفقة جعفر سوى أيام قلائل..

لم يبق لوجوده بينهم، بعد أن قاموا بزيارة القصر، سوى مبرر واحد، وهو سيارة " الفراري "، فما أن أطلعهم على حظيرة سياراته، وأبدوا إعجابهم بمحتوياتها كما لو كانت خيولاً أصيلة تعب في تربيتها، حتى زال من نفوسهم آخر سبب لاستبقائه بينهم، وكادوا ، لولا بقية من كياسة، أن يكاشفوه عن تبرمهم به!..

انكبوا، عشية اليوم المقرر للسفر، يحزمون به حقائبهم من أمتعة.. أمضوا معظم الليل يلهون ويتسامرون، يضحكون من ولائم جعفر التي فرض عليهم تناول الطعام فيها في غرف النوم، خوفاً من أعين المراقبين!.. ولائم، لم يتنوع الطعام فيها أبداً.. خروف محشي بالأرز.. طبق كبير يحتوي من الطعام على ما يكفي لعشرين شخصاً، يوضع في وسط المائدة، ليتناول كل منهم كفايته منه!..

وفي كل وليمة.. يعيد جعفر على مسمعهم قصة المشقة التي عاناها طاهي الفندق لاستحضار السمن العربي والأرز الهندي، ويكررون في كل وليمة تقديرهم لهذه المشقة، كأن لاهمّ لهم في جنيف سوى أكل الأرز الهندي واللحم المطبوخ بالسمن العربي!..

تذكروا اللعب بالورق.. فأغرقوا في ضحك سالت له دموعهم!..

كان جعفر، كلما انتهوا من تناول الطعام، يطلب إحضار القهوة، ويردد نفس القول..

_ماذا نفعل الآن؟.. لا يمكننا السهر .. ولا الخروج من الفندق، كي لا يرانا أحد!.. ما رأيكم فيما لو نلعب لعبة " أبو الفول " ؟..

ثم يجلس الجميع على الأرض، بعد أن يكون جعفر قد جمع كل ما في الغرفة من وسائد، وهيأها لراحة قطر الندى!..

كان يجلس إلى جابنها مظهراً إغراقه في اللعب.. ينظر إلى أوراق قطر الندى، ليعرف ما تحتاج إليه من مساعدة، وكلما جاء دورها لانتقاء ورقة من أوراقه، وأراد أن يجنبها ما قد يضرها منها، يقول..

_.. ما أحلك الليل!.. انظروا إلى ظلمة السماء!!..

فينظر الجميع من النافذة، تاركين له عمداً فرصة القيام بما يريده من حيل!..

كان يوجه أوراقه خلسة نحو قطر الندى، رافعاً كتفيه، مقطباً حاجبيه، كالقط إذا أحس بالخطر، فإذا تنبه إلى أن أحدهم يوشك أن يوجه نظره نحوه، نهره بعينيه، أو كرر عليه القول بأن الليل مظلم حالك!.. فما له لا ينظر إليه!!..

وتتكرر الحيل.. وتتكرر المحاولات، حتى يعييه اختلاق الأعذار.. فتبادر ميساء إلى نجدته!.. كأن تطلب من فراس أن يأتيها بحاجة، أو يقوم هذا مدعياً أنه سمع قرعاً على الباب، فيسرع جعفر إلى إنقاذ ما يظن أن قطر قد وقعت فيه من مأزق في اللعب!.. وتدّعي هذه السرور والامتنان لمساعدته.. فينظر إليها نظرة الذي أعياه تنفيذ مهمة شاقة!.. ثم يعود بالنظر إليهم، متسائلاً عما إذا كان هنالك أمر قد لفت انتباههم!..

تذكروا هذه الولائم.. وهذه الجلسات.. فأفرغوا، في آخر ليلة لهم في " جنيف "، جميع ما كبتوه من ضحك، على جعفر، وعلى أنفسهم، بسبب هذه المواقف التي فرضت عليهم من جراء ما زجوا به أنفسهم..

تنفسوا الصعداء إذ أحسوا أن الغد سينقلهم إلى باريس، وارتاحوا إلى فكرة أنهم سيعودون بعد ذلك إلى ديارهم.. فيسدل الستار نهائياً على هذه المهزلة القصيرة الأمد!..

وفي صبيحة اليوم التالي استقلوا سيارتهم باتجاه باريس، يقودها سائقهم الأشقر، تتبعهم سيارة أخرى.. خصصت لحقائبهم العديدة..

أحسوا بتعب من سهرة الليلة الفائتة، فاسترخوا في مقاعدهم ينتابهم نعاس ملحّ تهيؤوا للاستسلام إليه..

أدار فراس مذياع السيارة إلى موسيقى هادئة، فراح كل منهم، وكأنه على موعد مع أحلامه، ينتقل سلفاً بين أحياء باريس، ويستبق في ذهنه ما سيقوم به هناك من مغامرات..

راحت قطر الندى تستعيد نظرات جعفر المفتونة، وكلمات الغزل التي كان يغرقها بها كلما سنحت لهما الظروف لقضاء دقائق على انفراد..

ابتسمت في سرها إذ تذكرت محاولات للإمساك بيدها تحت مائدة الطعام!.. لا شك في أنه مستعد لبذل الغالي والرخيص للوصول إليها!..

أحست براحة واسترخاء إذ جال في خاطرها أن هنالك من يشتهيها إلى هذا الحد!.. يداه الكبيرتان الجميلتان.. أوتار أصابعه الظاهرة.. وعروق الدم النافرة من تحت الجلد..

هل ستسمح لهاتين اليدين بمغازلتها؟.. ماذا ستحس لو جالتا بأصابعهما القوية على صدرها.. وأنحاء جسدها؟..

ضحكت من هذا الخاطر في سرها..

هزأت، إذ تذكرت ما كان يقوم به جعفر من حركات صبيانية أثناء اللعب بالورق!.. حدث!.. مراهق!..

ما بالها تفكر به.. وهي التي تبحث عن رجولة عارمة تغرق بها أنوثتها؟!..

ومع ذلك، فإنها تود أن تنتقي الرجل، وتشتهيه هي، لا أن ينتقيها الرجل، ليغرقها بأحاسيس لم تطلبها منه!..

صحيح أنه لمما يرضيها أن يدور في فلكها عشيق مثل جعفر.. لكن، ليس في هذا ما يسعدها..

طار خيالها نحو هلال.. هل ستجده في باريس؟..

هل تحاول أن تسترضيه إن وجدته؟..

وماذا عن أم جوهر؟.. ألا يزال على حبه لها؟..

أحست بغصة إذ جال في ذهنها أن قصته مع أم جوهر لا بد باتت على ألسنة الجميع؟..

كيف تنتقم لكرامتها من هلال؟..

كم تود لو تستطيع أن تمرغ كرامته بالتراب!!..

_قطر!.. مالك تقطبين هكذا؟!..

فتحت عينيها.. وضحكت من سؤال ميساء..

_لاشيء.. لاشيء.. كنت أفكر بولدي..

" ولدها!! ".. " ولدها!؟.."

أغمضت ميساء عينيها

أطلقت لأفكارها العنان، لا لتحلق.. كتلك السحب البيض المتقطعة.. بل لتنساب بصمت وأناة كانسياب السيارة الدافئة التي تقلهم عبر ثلوج تلك الطريق الجبلية الملتوية..

هزأت مما سمعته من قطر.. " ولدها "!.. متى كانت تفكر قطر بولدها؟!..

لا شك أن أختها رتبت خطة تنوي أن تنفذها بصدد جعفر، وإلا لما تجرأت على قبول ذلك المبلغ الإضافي منه!..

ألم يعطها حقاً سوى عشرة آلاف في " جنيف "؟!..

ماذا سيظن بهما فراس وزوجته لو علما بالأمر.. ماذا سيقولان إن علما بأن قطراً قد قبلت ذلك المبلغ منه، وأنها أعطتها نصفه لتبتاع به ما يلزمها من ثياب لحفل زفافها على مراد؟!..

تعجبت.. كيف جرت هذه الأمور أمامها دون أن تشعر بها!..

لابد أنها حصلت تحت سمعها وبصرها!..

لكنها لم تفارق أختها لحظة منذ أن حطتا في جنيف!..

متى دبرت قطر الندى ذلك؟!..

ألا يجدر بها بعد اليوم أن تكف عن الاستخفاف بمقدرة أختها على حياكة المؤامرات في الخفاء؟..

لكن، لا.. فقطر قد برهنت مراراً على أنها غير قادرة على التنبؤ بالعواقب البعيدة للأمور!.. وإلا، فكيف تزج نفسها بمثل هذه العلاقة مع جعفر؟.. وما قيمة هذا المبلغ حتى تقبله خفية عنهم جميعاً.. وبهذا الشكل؟!..

صحيح أنها حاكت مع أختها هذه الرحلة منذ البدء.. وصحيح أنها بحاجة إلى ما أخذته من أختها من المال.. لكنها لم تخاطر بشيء!..

ستقوم بعملية التجميل.. ثم.. وهذا سر لم تخبر عنه أحداً بعد.. إن هدفها الأول من هذه الرحلة هو مقابلة مراد!!.. لقد أبرقت إليه بأنها ستكون في باريس بعد يومين.. وأجابها بأنه سيأتي لمقابلتها هناك!!..

انتابتها غصة حين تذكرت بأنها قد أبرقت إليه كي يوافيها في جنيف، وأنها بدل أن تجده، وجدت باقة من الورود في غرفتها، وعلمت من إدارة الفندق أنه ترك جنيف في اليوم السابق لوصولها !..

دار في ذهنها خاطر بعث في نفسها غصة أقوى من الأولى!..

ما لها تكذب على نفسها؟!..

وضعت يدها على جبينها كي تخفي دموعاً أوشكت أن تنهمر من عينيها..

فتحت جفنيها قليلاً لترى ما إذا كان أحد قد انتبه إلى حالتها.. فوجدت الجميع إما نائمين أو شبه نيام..

عادت إلى أفكارها.. تتمشى بينها بصدق وخوف!..

إنها لم تبرق إليه كي يوافيها في جنيف.. لقد كان فعلاً في جنيف.. وكانت تعلم أنه هناك، حين أرسلت إليه ببرقيتها!..

جّلّ ما طلبته منه في تلك البرقية هو أن ينتظر قدومها يوماً أو يومين!!.. أكثير هذا يا مراد؟!..

لم تخبر فراساً أو أختها، بأن مراداً كان في جنيف.. أو أنها أبرقت إليه كي ينتظرها!.. أرادت أن تجعل من تلك المصادفة مفاجأة لهم.. أرادت أن تتوهم بأن مراداً جاء خصيصاً لمقابلتها في جنيف!!..

تذكرت خيبتها حين قيل لها إنه ترك الفندق، ثم فرحها حين وجدت الورود في غرفتها!..

ظنت بلا شك أنه ذهب إلى " لوزان "..

لقد ترك الفندق في اليوم السابق.. وهذه الورود مرسلة اليوم!.. أيقنت أنه لازال موجوداً في البلاد، في لوزان، حيث له مقر محبب إلى نفسه.. على بعد كيلومترات منها!..

ظنت أنه يختبر ذكاءها!.. أرادت أن تظن ذلك!..

أرادت أن تقنع نفسها أنه كان يستدرجها بطرق شاعرية إلى ذلك المقر.. فأسرعت إلى فراس تخبره بذلك.. وطلبت منه أن يرافقها إلى لوزان!..

تساقطت الدموع من عينيها حين تذكرت كيف لم يتعرف إليها حارس المقر.. وحين علمت منه أن مراداً كان في ذلك المقر فعلاً، وأنه لم يمض فيه سوى ليلة واحدة!     

تذكرت ابتسامة الهزء التي قابلها بها ذلك الحارس المسن.. وقوله لها..

_.. الأمير مراد؟.. لا يا آنستي، لقد ذهب..