الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 30/04/2008

سيرة الكاتب

رواية

السـقوط إلـى أعلـى3

       
       

القسم السادس ف5 

القسم السادس ف4 

 القسم السادس ف2

 القسم السادس ف1

  

 

 

  

بقلم الكاتب: وليد الحجار

 

السـقوط إلـى أعلـى

مقتطفات من رواية

 

 

 

 

القسم السادس الفصـل الأول

 

ص378-392

{تسربت هذه الأنباء من دائرة جعفر إلى ما للأختين في بلادهما من دائرة كبيرة..

تسللت رويداً رويداَ إلى معارفهما، ثم إلى المقربين من هؤلاء، إلى أن وصلت في النهاية إلى أحد المقربين من العائلة.. صحفي، وصديق قديم لوالديهما، ثم صديق لهلال.. كهل متصاب، طيب الطباع، ينتمي إلى جيل ليس في جعبته سوى الخمر والنساء وطريقة عشائرية في حب الوطن..

أنيسة، زوجة هذا الصديق، امرأة أمية، لا إسم لها تفخر به.. ولا مال..         

اختيرت شريكة لحياة زوجها، حين كان هذا لا يزال يعمل أجيراً عند أحد الحرفيين.. خاضت معه صعاب الحياة، وفشلت في ارتقاء سلم الشهرة وراءه، فأصبحت في النهاية " زوجة الصحفي ".. امرأة باهتة.. لا معنى لوجودها، ولا طعم !..

عرفت أنيسة ميساء وقطر الندى منذ حداثتهما، حين كانت تتردد على والدتهما.. فما إن زفت قطر الندى إلى هلال، وأصبحت بذلك  " أميرة " حتى دأبت على التردد عليها.. تفرط في مدحها، وفي إطراء زوجها، وقصرها، ومجوهراتها، وثيابها، وكل ما يحيط بها، حتى اعتبرت أنها بذلك أصبحت من المقربات إلى قطر، وأن ليس في تلك المدينة من يدانيها في الحظوة لديها!..

زادت معرفتها بميساء، منذ أن جاءت هذه لتقيم في قصر أختها..

أحبت أنيسة خصلات ميساء الشقر، وعينيها الزوقاوين.. ذكرتها ثقافتها بمن عرفتهن في الماضي من نساء إفرنسيات.. حين كانت، وزوجها الصحفي الناشئ، يجلسان ساعات بينهن، لا يفهمان شيئاً من الأحاديث التي تدور حولهما بتلك اللغة الجميلة الصعبة.. فيلعنان فرنسا والإفرنسيين في سرهما!..

كانت أنيسة كما قلت، تتردد باستمرار على قصر قطر الندى.. ترى ميساء حائرة فيه.. فتراودها بشأنها خيالات غريبة..

أخذت تحرض ابنها الشاب لدعوة ميساء، بين الفينة والأخرى، كي يظهر برفقتها في الأماكن العامة.. فيغمرها الفخار حين تراهما معاً، وتتحسر على أنهما من مذهبين مختلفين، وإلا لما تركت ميساء تفلت منها!..

فمن غير ميساء تليق بابنها الشاب!؟.. وما ضرّ لو صاهر ابنها عائلة ميساء العريقة وأصبح بذلك عديل الأمير هلال؟!.. و" عديل الأمير ".. " أمير " تقريباً!!..

أضغاث أحلام!..        

أمانٍ.. كانت تعرف أن لا سبيل إلى تحقيقها.. لكنها أمنيات تركت أثرها على علاقتها بالأختين.. طبعتها بطابع القربى، حتى باتت تشاركهما حياتهما اليومية كأنها منهما، وتظن أن الأختين تكنان لها نفس الشعور!..

سكتت قطر وميساء في البدء عن هذه الصداقة..

لئن ملأت أنيسة فراغهما بالبلادة، فما ضرهما، إنه خير من لا شيء!..

وما المانع في أن يحيطهما زوج أنيسة بعاطفته الأبوية؟.. معارفه كثر، وصحفه مقروءة، وصداقته بهلال، وإن كانت قد بدأت عن طريق قطر الندى، إلا أنها قويت بازدياد اهتمام هلال بالصحافة.. وتوثقت بازدياد ما بات يتقاضاه زوج أنيسة من مال عن طريق هلال وعائلته.. فأصبحت هذه الصداقة، في النهاية، عنصراً أكيداً.. قد يعود بالنفع على قطر الندى فيما لو لزم الأمر!..

لم ترض أنيسة عن صداقة قطر بفراس وزوجته.. منذ البدء!..

ما إن عادت قطر من بلاد زوجها، وأعلنت ميساء خطبتها على البدر، حتى خفّت لتهنئتهما، واثقة أن زواج ميساء بابن السلطان سيفتح لزوجها وأولادها مجالاً جديداً للصداقات المثمرة.. والنفع الأكيد!..

صدمها قرار ميساء بترك الأمير البدر وعقد قرانها الصوري على الأمير مراد!..

كرهت مراد قبل أن تعرفه.. كيف لا.. وهل من نفع من أمير لن تعرف وزوجها حتى الكلام إليه بالإفرنسية؟!..

لم تكن تدري أن صداقتها بالأختين وحيدة الطرف!..

ظنت أنها مؤهلة لإبداء النصح لهما.. والانتقاد أيضاً.. فلما جاءها رد ميساء، بارداً، لاذعاً، عادت إلى قواعدها، وآثرت أن تتحاشى الإهانة على أن تواجهها، كي لا تضطر إلى مقاطعة الأختين.. وفقدان صداقتهما الثمينة !..

تلا ذلك فترة شغلت الأختان عنها بقضية جعفر..

لم تكن تدري بالطبع بوجود جعفر.. فلم تجد تعليلاً آخر لتجنب الأختين لها سوى صداقتهما الجديدة بفراس وزوجته.. وأكدت لنفسها أن فراساً يهيئ لهما من وسائل التسلية ما لا تودان إطلاعها عليها..

كانت رحلة الأختين الأولى إلى الغرب مفاجأة لم تستطع أنيسة تفسيرها!..

لم يترك هلال لقطر من المال ما يسمح لها بالتجول بين عواصم الغرب، فكيف تدبرت نفسها؟.. وميساء؟.. وفراس وزوجته؟.. من أين حصل هؤلاء على المال؟..

وإزاء أسئلتها المبطنة.. أشارت قطر مرة أمامها إلى أنها اضطرت لبيع أحد قلائدها الثمينة كي تحصل على تكاليف هذه الرحلة!.. فما كان من أنيسة إلا أن هزت رأسها بصمت.. ثم سألت بعد فترة..

_حسناً.. وميساء؟.. ألم تكلفها هذه الرحلة الكثير؟..

أجابتها قطر الندى بلا اكتراث..

_في الواقع.. لست أدري!.. لقد حصلت ميساء من والدتي على النقود قبل السفر!..

هزئت أنيسة مما سمعت.. ورددت في نفسها.. " أمن والدتها الشحيحة "؟!..

نظرت إلى قطر الندى بإمعان.. ثم أشاحت بعينيها عنها، وبدلت موضوع الحديث!..

تلت ذلك مناسبات عديدة آثرت أنيسة فيها الصمت على التعليق..

سكتت عما لاحظته من عديد الحلي التي عادت بها قطر الندى من الغرب، بعد رحلتها الأولى!..

صمتت عن الملابس الفاخرة، وعدم اكتراث قطر المفاجئ بالمال!..

عادت إلى الإكثار من زيارة الأختين كسابق عهدها، علّها تسترجع علاقتها القديمة بهما.. لكنها أحست بشدة تبرمهما منها حتى في سكوتها، فكرهتهما في سرها، وغضبت، ولم تعد تدري كيف تخفي غيرتها من الألفة الزائدة وعدم التكلف الظاهر على علاقتهما بفراس، لاسيما وأنها لم تأت يوماً لزيارة قطر إلا ووجدته مع زوجته في قصرها!..

صبرت شهوراً طويلة.. تقاوم رغبتها في النيل من أحد..

أقض مضجعها شوق للانتقام.. حتى باتت لا تدري ممن عليها أن تنتقم!..

صبرت، حتى أتتها المناسبة التي كانت تسعى إليها في اليوم الذي تلا عودة الأختين من مدريد..

أخذت سماعة الهاتف لترحب بهما بعبارات اللياقة المألوفة، مضمرة أن تفاجئهما بجميع ما كانت قد سمعته من إشاعات حولهما..

قالت بشيء من التكلف..

_أود.. وزوجي، زيارتكما بمناسبة عودتكما.. فمتى تودان أن نجتمع؟..

تبرمت قطر بشكل ملحوظ، وأجابت..

_في الوقت الذي يناسبكما!.. إنما.. أفضل أن نجتمع على سهرة طويلة.. كعادتنا في الماضي، فما رأيك بإرجاء ذلك إلى وقت آخر.. سأتصل بك عن قريب لنعين موعداً لهذه السهرة!..

صمتت أنيسة برهة، وكأنها صفعت على وجهها!..

تمالكت نفسها.. وأجابت بتصميم..

_ليكن!.. نحن في انتظار إشارتكما..

لم تنقض أيام حتى كانت الأختان قد اطلعتا، عن طريق من جئن للترحيب بهما، أن الشائعات التي بدأت تدور حولهما، عقب رحلتهما الأولى، قد بلغت اليوم ذروتها، وأنها باتت حديث المجتمعات الوحيد منذ سفرهما الأخير إلى مدريد!..

إلى أن جاءت إحدى قريباتها تطلعهما على أن أنيسة كانت في زيارتها، وأن هذه ذكرت أمامها أن هلالاً يتصل بزوجها الصحفي بين حين وآخر ليسأله عن أخبار قطر، وزوج أنيسة حائر فيما يجيب هلالاً به، نظراً لما وصل إلى مسامعه من شائعات حول قطر، علماً بأن هذه الشائعات ليست سوى جزءاً ضئيلاً مما يتناقله الناس!..

ما إن خلت الأختان إلى بعضهما، حتى صاحت قطر الندى غاضبة..

_.. يا لها من أفعى!.. إنها تهددني بما سيقوله زوجها لهلال!..

كانت ميساء تقلم أظافرها، فضحكت من أختها هازئة..

_.. كان عليك أن تسكتيها بهدية ما!.. إحدى ساعات جعفر الماسية التي توزعينها على جميع الأقارب!..

صاحت بها قطر متأففة..

_.. كفاك بالله !.. ماذا نفعل الآن؟.. هذه الشائعات.. وجميع ما يقال!.. لا بد أن جعفراً وراء كل هذا!.. ماذا نفعل؟!..

_جعفر؟..

_.. طبعاً!.. يود طلاقي كي أتزوجه!..

_ألم يفكر بما ستلحقه هذه الشائعات بك من سوء؟!..

هزئت قطر..

_جعفر لا يفكر بغير نفسه!!..

نظرت ميساء إليها ملياُ، وسألت..

_.. ماذا تنوين بالضبط يا قطر؟..

_أود الخلاص من هذه الورطة.. أود الخلاص بأي ثمن!..

-أحقاً.. لن يهمك الثمن لو توفر لك سبيل الخلاص!؟..

بهتت قطر الندى، وقالت متعجبة..

_.. ومتى رأيتني ألتفت إلى الثمن.. مهما كان؟!..

نهضت ميساء بحزم.. واتجهت بخطا ثابتة نحو الهاتف..

_حسناً!.. علينا أن نتلافى الشر.. اليوم.. الآن.. قبل استفحاله!..

هرعت قطر الندى إلى الهاتف.. تمنع أختها من الكلام..

_من الذي ستكلمين؟!.. أطلعيني!.. ماذا تنوين القيام به!؟..

رفعت ميساء يد أختها عن الهاتف بهدوء، وقالت..

_.. لا عليك!.. سوف ترين..

لحظات، وكانت تكلم فراساً..

استحلفته أن يأتيها على الفور لأمر هام.. وما إن وصل، بعد دقائق، حتى انزوت معه في غرفة منعزلة، وبادرته، والأسى يملأ وجهها، أنها علمت من توها أن مراداً في روما.. وأن له عشيقة هناك!..

طلبت إليه أن يذهب من فوره إلى روما.. ليستجلي حقيقة ما قيل لها..

توسلت إليه.. واستعطفته، حتى سالت دموعها..

لم يكن باستطاعتها أن تعود إلى الغرب، ولم يمض على وصولها من مدريد سوى أيام!..

من الذي يمكنها أن تسر إليه بفجيعتها.. سوى فراس؟!..

عادت إلى الضراعة والتوسل، حتى لم يجد فراس مخرجاً إلا القبول!..

ما إن علمت ميساء أن فراساً بات في الطائرة، في طريقه إلى روما، حتى عادت إلى الهاتف تطلب أنيسة، وتدعوها مع زوجها إلى العشاء في تلك الليلة..

بدت الأختان واجمتان شاردتان.. على غير ما عهدت منهما أنيسة وزوجها من مرح وحسن ضيافة..

فوجئ الضيفان بمظهرهما!..

جاءا متسلحين بما سمعا من شائعات، مزمعين على مواجهة الأختين بذلك مهما كانت النتائج..

تحضرا لمواجهة الأختين العنيدتين المتشامختين اللتين عرفا.. وإذا بخطة هجومهما تتعثر أمام ما شاهداه فيهما من حزن وضياع!..

توقعا وجود فراس وزوجته في القصر، فلما انقضى وقت دون أن يشار إلى قدومهما، اغتبطت أنيسة في سرها، وسألت بتهكم شجعه سكون الأختين وابتساماتهما..

_.. ظننت أننا سنجد الصديقين العزيزين!.. أين فراس وزوجته.. ألا تنتظرانهما؟..

زادت دهشة أنيسة حين لم تلق رداً على تهكمها..

كررت السؤال.. ولما لم تجبها ميساء سوى بإشارة من يدها، كأنها تطلب إليها أن تغير موضوع الحديث.. تعجبت، وسألت جادة، مصرّة..

_.. ماذا؟.. أهنالك أمر؟..

هزت ميساء رأسها في ضياع وحيرة..

_أمور كثيرة.. كثيرة يا أنيسة!.. لكن.. ليس في اليد حيلة!..

كان في لهجتها ما أنبأ الزائرين على أنها وأختها في مأزق لا تجرآن على التحدث عنه..

تذكر زوج أنيسة ما جاء من أجله.. لعله آثر أن يفتح الموضوع كمنقذ لهما من ورطتهما.. لا كمصلح لاعوجاجهما..

لم يدر أن ميساء هيأت له الدرب كي يدخل إليهما من هذا الباب بالذات.. جلس في مقعده، وقال مقطباً..

_حقاً.. إن هنالك أموراً كثيرة!.. اسمعي يا ميساء، وأنت يا قطر.. إني أمامكما تجاه مسؤولية ليس بوسعي أن أتغاضى عنها!.. لن أذكر هلالاً وما تربطني به من صداقة!.. بل لن أذكر حتى صداقتي الشخصية بكما أنتما!.. حسبي أن أذكر والدك يا ميساء.. لأجد الدافع إلى مواجهتكما بصراحة!.. أمور كثيرة تحدث في الخفاء.. أو يقال إنها تحدث.. أمور في غير مصلحتكما!.. أظن أن الوقت قد حان لكي تحدثاني عنها بصراحة ووضوح!.. ما هذا الذي أسمعه؟.. وما هذا الذي تردده جميع الألسن عن علاقتكما ﺒ .. ما اسمه؟..

وتوجه نحو زوجته حائراً متبرماً، فأنجدته على الفور، هامسة..

_جعفر..

فتابع بصوت صارم..

_نعم جعفر!.. من هذا.. جعفر؟.. وما صحة هذه الشائعات؟!..

لم يبد على ميساء أنها فوجئت بذاك السؤال..

عادت إلى هز رأسها وقالت بصوت هادئ..

_ألم أقل لكما إن هنالك أموراً كثيرة.. وصعبة..

قاطعها، قائلاً..

_كان ذلك حين كنت تتكلمين عن فراس!.. وأنا أسألك عن الشائعات، وجعفر!.. فما علاقة فراس بها!؟..

_.. في الظاهر.. يبدو كمن لا علاقة له البتة بشيء!.. أما في السر.. آه.. آه لو كنت تعلم!..

نفضت رأسها.. وتابعت بحزم..

_ومع ذلك.. لا أظن أن ذلك صحيح!.. لا لا يمكن أن يكون ذلك صحيحاً!..

_ماذا تعنين؟.. وما هذه الأسرار.. قولي بالله!..

أجابت كمن تحدث نفسها..

_أيمكن لفراس أن يكون على مثل هذا الدهاء.. ومثل هذه الخسة؟!..

ثم جلست في مقعدها ببطء.. ونسجت لأنيسة وزوجها قصة صعقا لها؟!..

حدثتهما عن دور مزدوج رهيب.. لم تعلم إلا أمس أن فراساً يقوم بتمثيله!..

فبينا يُظهر لها ولقطر الندى أخلص الصداقة والتفاني في خدمتهما، لا تحدوه بذلك سوى الشهامة والغيرية، إذ بها تعلم أن صداقته كاذبة مزيفة، يستغلها لابتزاز المال من جعفر، دون أن يكون لهذا علم بمآربه.. فيضحي بسمعتهما، بل بزواج ميساء الذي بات على الأبواب، كي يبتز المزيد من المال!..

حملقت أنيسة بها فاغرة فاها، بينما اكفهر وجه زوجها ثم.. أربد..

_فراس يقوم بذلك؟.. كيف يفعل؟!.. ما هذه القصة؟!..

_الأمر بسيط جداً..

نظرت إلى الأرض ثم تابعت..

_جعفر شغوف بي!.. وفراس يعده أنه سيحول دون زواجي بمراد.. يبيعه الوعود!.. ويؤكد له أنه يسعى أمامي كي أقبل بالزواج منه.. من جعفر!..

بدت أنيسة كالمسحورة.. وزوجها، وكأنه ضاع عن فهم ما سمع..

_.. شغوف بك؟.. أنت يا ميساء؟!..

ثم نظر إلى زوجته متسائلاً، فلم تسعفه هذه سوى بالصمت!..

نظرت إليه ميساء.. ووجهها يملؤه العجب..

_بي أنا طبعاً!.. ومن غيري؟!.. لقد حاول مراراً ملاحقتي بسيارته!.. ولا أخفي عنكما أنه أرسل في الماضي وسطاء كثراً يطلبون رأيي في الزواج به!.. نهرتهم جميعاً بالطبع، حتى ظننت أنه يئس!.. لم ألتفت إلى الموضوع حتى علمت البارحة.. البارحة فقط، بأن مرجع سكوته هو ما دأب فراس على تغذيته به من آمال!.. مشاريع كانت تدور بينهما في الخفاء، يقبض فراس ثمنها من ضحيته غالياً!..

وافقت قطر قائلة..

_لكم تساءلت في الماضي، حين طلب فراس منا مرافقتنا إلى الغرب.. لكم ساءلت نفسي.. كيف سيتمكن من تحمل مصاريف تلك الرحلة إن كان يود مرافقتنا.. كنت في حرج من أن أقول له إننا لا ننزل إلا في الفنادق الفخمة.. أقسم لك يا أنيسة أنه كان يبعثر الدراهم وكأنه هلال نفسه!.. من أين أتى بهذه الدراهم لو لم يكن جعفر وراءه يمده بها!؟..

سألت أنيسة ببلاهة، متوجهة نحو ميساء..

_ولماذا يمد جعفر فراساً بالدراهم، وهو لم يجتمع بك؟!..

_الأمر بسيط.. يقول لجعفر بأن عليه أن يسافر معنا لمراقبتنا.. كي يمنع مراداً عني!.. يعطيه تأخير زواجي دليلاً قاطعاً على نجاح مساعيه!.. ويظن جعفر أنني فعلاً تحت تأثير فراس!.. ثم هنالك أمر آخر.. آه، ماذا أقول؟!.. قضية لا أدري ماذا أفعل إزاءها!..

أمسكت رأسها بيديها.. وكأنها تود شد شعرها، ثم رفعته، وأنزلت قبضتيها تدق ساقيها بهما دقاً!..

أتعلمان كيف كشفت أمره؟!

نظروا إليها.. حتى قطر، نظرت إليها مشدوهة، تتلهف لسماع ما سيتفتق خيال أختها عنه!..

_.. هاتف من جعفر!.. من جعفر نفسه!.. أتعجبون إن أراد جعفر أن يستوثق من وعود فراس؟!.. طلبني على الهاتف ليسألني ما إذا كانت قد أعجبتني ساعات الماس!.. صحتُ في وجهه ".. ساعات الماس؟.. أية ساعات تعني؟.. "

فاجأني بتخاذل.. ".. الهدية التي طلبتها بواسطة فراس، يا ميساء!.. " ثم سألني.. " ألم تطلبي من فراس أن أبعث لك به ا" ؟!..

صعقت قطر الندى لما سمعته من أختها، وتابع الزوجان النظر إليها فاغري الفم..

أردفت ميساء لاهثة..

_.. أتذكرين يا قطر. حين طلبنا من فراس شراء بعض الحلي؟.. أتدرين ماذا فعل؟.. أخذ دراهمنا وذهب إلى جعفر يقول له إني أطلب هذه الحلي هدية منه!.. وهذه الساعة.. هذه الساعة التي تلبسين!.. هل يخطر ببالك أنها ساعة جعفر بالذات!؟.. ألم يذكر فراس بأنه حين شاهدها في جنيف قال بأنها لا تليق إلا بك؟!.. وأنه يود منك أن تبتاعي مثلها لنفسك؟.. ألم تعطه نقوداً لشرائها لحسابك؟.. وماذا فعل بهذه النقود؟.. أخذها لنفسه.. وحصل على الساعة من جعفر، على أنها هدية لي.. لي أنا!!.. لا لك أنت!!..

سكتت ميساء.. جثم على الغرفة صمت لم يسمع فيه سوى لهاثها.. نفضت رأسها فجأة كالملسوعة، وصاحت، وهي تكاد تبكي..

_.. إن جميع ما طلبنا من فراس شراءه لحسابنا.. جميع ما ابتاعه لنا منذ عامين.. جميعه هدايا من جعفر!!.. يظن جعفر أنه يغمرنا بهداياه، في حين أننا ندفع ثمنها لفراس!!.. سيارة الفراري.. الحاجيات التي سخّرته بشرائها تهيئة لعرسي.. حتى الهدايا التي كنت أرسلها لمراد، والتي كان يختارها فراس، بدلاً عني، جميعها أشياء كنا ندفع ثمنها له، فيضعه في جيبه، ثم يطلبها من جعفر على أنها هدايا لي!!..

نهض زوج أنيسة وهو لا يدري كيف يكبح جماح غضبه، وسأل بصوت كأنه جاء من بئر عميق..

_وأين فراس الآن؟.. أين هو؟!.. أين؟!!..

قالت ميساء هازئة..

_عاد البارحة إلى روما!.. لا بد وأن هنالك صفقة جديدة دبرها مع جعفر!.. هدايا جديدة ادعى أننا طلبناها منه!..

لم ينطل كذب ميساء على أنيسة!..

" الفيراري "!.. المجوهرات!.. وألبسة " ديور ".. والرحلات!.. من الذي تكفل إذن بدفع هذه الأموال الطائلة؟!!.. أهلال الذي لم يترك لقطر حتى إدارة شؤون قصرها المالية؟!.. أم أمها التي تود لو تمنع عن نفسها الطعام لشحها؟!..

لكنها صمتت!..

أخفت في نفسها إعجاباً بميساء لا حدود له!..

دار رأسها أمام البهلوانية!..

سرها أن تبتدع الأختان هذا المخرج!..

سرها أنهما تطلبان موافقتها لاختيار ضحية!..

سرها أن قطر وميساء باتتا بحاجة إليها!..

بدت وكأنها متفرجة رومانية، في حلبة مصارعة، تنظر إلى من يمسك برمح مسلط فوق عنف خصم مستسلم، مصارع ينتظر إشارة الجمهور.. فأشارت بإبهامها إلى الأسفل، ووافقت نشوى على القتل!!..

اقترحت أنيسة وسائل جذرية للانتقام أخافت حتى ميساء، فعارضتها، على أنها ستُخرج هذه القضية إلى الملأ، وأن في ذلك ما يسيئ لزواجها..

لم يجد الجميع في النهاية حلاً خيراً من إبعاد فراس عن البلاد!.. فهو دمشقي الأصل، وما على السلطات سوى منعه من الدخول لدى عودته من أوروبا.. وبذلك يلقى جزاءه، وتموت هذه القضية في المهد!..

لم يخرج الزوجان من تلك السهرة إلا بعد أن أقسم الصحفي المتنفّذ أن يسعى أمام جميع من يعرفهم من المسؤولين لتحقيق هذا الغرض!..

سارع الضيفان إلى الرحيل لتنفيذ اتصالاتهما.. وتنفست الأختان الصعداء..

عادتا إلى الشرفة المطلة على العاصمة، وجلستا ترتشفان القهوة بسرور..

ضحكت ميساء بمرح وقالت لأختها متفاخرة..

_أتدرين كم عصفوراً أصبت بحجر واحد؟..

_.. كم؟.. اثنين؟..

_بل ثلاثة!.. الأول.. هو تبرئتنا كلياً من هذه القضية بإلقائها على عاتق فراس!..

والثاني.. بادعائي أن جعفراً يسعى ورائي أنا، لا وراءك، وأن فراساً يعده بالوصول إلي، أكون قد أزحت الأضواء عنك أمام الجميع، فيما لو بقي هنالك من سيصر على إشراكنا في هذه التهمة.. وفي هذا ضمان لتبرئتك أمام هلال، فيما لو وصله الخبر!..

بدا السرور واضحاً على وجه قطر، فسألت أختها، مدهوشة لذكائها..

_.. والثالث؟..

_والثالث يا عزيزتي، وهو الأهم في نظري.. فبقولي إننا كنا ندفع ثمن الحلي نقداً لفراس، أكون قد قتلت البرهان المادي الوحيد الذي قد يثبت علاقتنا بجعفر!..

فما الذي يثبت علاقتنا سوى حيازتنا على هداياه؟.. إن لجميع الساعات التي أهدانا إياها أرقام متسلسلة، يمكن إثبات أن جعفراً هو الذي ابتاعها من الشركة!.. حتى الساعة الماسية التي أهديتُها لمراد.. والسيارة الفراري التي في حيازتك.. جميع هذه الأشياء قرائن ضدنا.. فما رأيك بهذا المخرج الذي ابتكرت!؟..

_وفراس يا ميساء.. ألا تظنين أننا قسونا عليه بهذه التهمة؟..

تبسمت ميساء، وأجابت..

_من الجائز.. إلا أن فراساً لن يأبه لها!.. بل أظن أنه سيمتنّ لنا هذه الفرصة التي أتحناها له بالبعد عن زوجته التي يمقتها، وعن هذه البلاد!..

عاد فراس من البحر يقطر بللاً.. ووقف أمامي يجفف صدره ثم رأسه، يهزه، ويقفز ذات اليمين وذات اليسار ليخرج ما علق في أذنيه من ماء..

سألني مبتسماً..

_.. ما لك تعجب مني؟..

_.. أعجب من قدرك الغريب!.. لكن.. لم تخبرني عما حدث لك حين عدت من روما.. وبعد مؤامرة ميساء..

_.. جرت الأمور ببساطة مدهشة!.. أطلع عميد عائلة قطر على خطة الصحفي، وسعى الإثنان لدى مصادر عليا.. فاستصدرا أمراً بعدم السماح لي بدخول البلاد!..

_وماذا فعلت؟..

_ما إن أخبرت عن ذلك في المطار، حتى عدت أدراجي إلى روما، فرحاً بتلك المناسبة التي أتاحت لي الابتعاد نهائياً عن هذه الأجواء..

ضحك، وهز رأسه آسفاً..

_لكن هذا الحلم لم يدم!.. إذ تبرعت عائلة زوجتي، ولها هي الأخرى عميد يزاول السياسة، فاستقصت خفايا هذه القضية من نفس جهات الأمن التي نفذت هذا القرار!.. أتعلم ماذا قيل لنصيري؟.. قيل له.." فراس " ؟.. إن صهركم هذا يسيئ إلى العلاقات الدولية للبلاد!.. يوقع بين شرقها وغربها.. وعلى مستويات ولا أعلى!..

فما كان من نصيري إلا أن اجتمع بعميد عائلة قطر، وهدده، إن هو لم يسع لإلغاء أمر الإبعاد لدى نفس الجهات التي أصدرته، فإنه سيعقد مؤتمراً صحفياً يدلي فيه بجميع تفاصيل هذه القصة، من بدايتها، بما في ذلك جميع ما يدور بين قطر الندى وجعفر!..

_ومن أين لنصيرك بهذه التفاصيل؟..

_من زوجتي التي جن جنونها لما رأتني طليقاً في أوروبا!..

_وماذا كان جواب عميد عائلة قطر؟..

_أذعن على الفور!.. وألغى منع الدخول بأقل من أربع وعشرين ساعة!..

_.. وبعد؟..

_وبعد.. عدت!.. وها نحن في العاصمة.. نسبح على شواطئ بحرها!!..

أثارني ببروده، وعدم اكتراثه بما كان يرويه لي..

ثرت لخيانة صديقتيه له في مجال تجاوز حيز المغامرات العاطفية!..

صحت به أستحث أبسط الانفعالات الطبيعية فيه..

_.. كيف لم تغضب لما حدث!.. كيف لم تثر عليهما؟!..

_وماذا يجدي أن أقوم بذلك؟..

نظرت إليه متعجباً.. ثم هازئاً، وقلت..

_لاتقل، أرجوك، إنك لم تجد غرابة في كل ما حدث؟!..

ضحك من ثورتي وأجاب..

_بالضبط!.. بل كنت أتوقع!..

_...!

_لاتعجب!.. حدث أثناء رحلتنا الأولى أن تحدثنا طويلاً عن الخير والشر.. أذكر أنني هزئت من هذه المفاهيم أمامهما، وفندتها حتى أقنعتهما بمحاكمتي!.. ثم تحدثنا عن تدارك عواقب ما لحقهما من شائعات، إلى أن اقترحت بنفسي عليهما أن يوقعا علي باللوم فيما لو افتضح أمرهما، واضطرتا إلى إيجاد من يحمل الشائعات عنهما!..

صحت به، وقد زاد كلامه من انفعالي..

_.. وتجد من الطبيعي لهما أن تعملا بهذه النصيحة؟.. أن تحاولا الإيقاع بك فعلاً، متجاوزتين ما أظهرته لهما من محبة في عرضك التضحية بنفسك من أجلهما؟..

_إنهما لا تفهمان سوى مصلحتهما الشخصية!..

كدت أصيح به نزقاً.. لكنني تمالكت نفسي..

_حسناً!.. لكن ألا يهزك استهتارهما هذا؟!.. أفهم أنك لن تقوم بشيء حيال خيانتهما، لكن.. ألم تشمئز لذلك؟!.. ألا ترى إلام أوصلهما استخفافهما بالأخلاق!.. ومعنى أن تقوما بتطبيق مفاهيمك؟!..

تبسم طويلاً.. ثم قال ساهماً..

_أشمئز؟..لا.. أهزأ إذ أراهما تحلّقان نحو الحضيض!..

_وأنت؟.. ألمفاهيمك معنى آخر؟.. أتظن أنك أقوى من الخير والشر؟..

هز رأسه نافياً.. ثم تابع والابتسامة نفسها على شفتيه..

_..لا أخاف إلا من شيء واحد..

_أنت؟.. تخاف؟!..

هز رأسه بالإيجاب..

_أخاف يوماً.. أن أسقط إلى أعلى!..

انقضت برهة قبل أن أسأله..

_وبرقيتك التي حيرتني.. استدعاؤك لي..

_.. سأخبرك عن ذلك في حينه.. تمهل يا صديقي، تمهل.. لا تزال أمامك مفاجآت كثيرة!.. }

 

   

 

القسم السادس الفصـل الثانـي

 

ص396-402

لست في قرارتي من الذين تستهويهم المغامرة، ولا طاقة لي على تحمل توترها سوى على الورق!.. ومع ذلك وجدتني أنصاع لندائها شبه مرغم، أستقل الطائرة مع فراس، يخفق قلبي، تارة خوفاً، وتارة تحفزاً لما سأشارك فيه من قدر مجهول..

لم أعد أذكر كيف مرت ساعات تلك الرحلة الطويلة..

رحت، في توثبي، أمطره بأسئلة لا طائل من ورائها، أحاول أن أحضّر نفسي لما قد ألقاه في بلاد لا أعرف عنها سوى النزر اليسير، فأستزيده الإيضاح عن مراد وصحبه، ثم عن نائلة، وما حل بها طيلة السنوات التي غابت عنها ميساء..

.. لم أحصل منه سوى على إجابات مقتضبة، أوابتسامات مهذبة!..

أخذت أقلب في رأسي كيف تقبّلت نائلة إهمال ميساء لها، منذ ظنت أنها قد حصلت على مراد، وأنها لم تعد بحاجة لمساعدة أخته..

ترى هل حرضت نائلة أخاها على إهمال ميساء.. حنقاً عليها، أم ضنّاً من أن تراها في سريره؟..

أم كان ذلك لقناعة منها بأن ميساء لا تصلح بالفعل لأن تكون زوجة له؟!..

كنت قد رأيت نائلة مرة في جنيف، فاسترعى انتباهي شموخها، وطلتها الأبية!.. سحرتني نظراتها الباحثة المنقبة، ثم أعجبت بطلاقة لسانها واتزان كلامها.. لا، ليس عند نائلة حلول أميرات الشرق المرتجلة، ولا تهوى اندفاعهن وراء انفعالاتهن المفاجئة ونزقهن!..

لماذا استدعت فراساً بهذا الإلحاح؟.. ما الذي هيأته؟..

هل أخطأت في مصاحبتي صديقي؟.. ألم يجدر بي أن أبقى خلف الستار، بعيداً عن الأخطار حتى النهاية؟!..

لكن، لا.. كان علي أن أعيش عن كثب، ولو مرحلة قصيرة من هذه الأسطورة.. كان علي أن أرى بنفسي، لكي أصدق!..

لم يطل ترقبي!..

ما إن حطت الطائرة، حتى تكشف الظلام عن سيارة سوداء أقبلت مسرعة نحو السلم لتتلقف فراساً، ولم تكن قدماه بعد قد وطئتا أرض المطار!..

صعقت لما حدث!..

وقفت وحيداً كالمشدوه لا أدري ماذا افعل.. أو إلى أين أتجه!..

كيف اختفى فراس؟.. لا بد أنها إحدى سيارات القصر!..

أين ذهبت به؟.. ماذا سيحل بي أنا؟!..

تلكأ بعض المسافرين يتعجبون لما شاهدوا!.. لحظات، وإذا بالسيارة تتوقف بعيداً، وسائقها يخرج منها مشيراً إلي أن أتقدم بسرعة!..

كرر إشارته.. وأصر على استعجالي حتى كدت أركض نحوه، وما إن اقتربت منه، حتى دعاني إلى الصعود، والجلوس في المقعد الأمامي إلى جانبه.. ثم انطلق بنا مسرعاً، خارج المطار!..

سلك درباً جانبياً يحرسه رجلان انتصبا بالتحية الرسمية إذ مررنا إزاءهما، ثم استقل طريقاً عريضة تكاد تكون مظلمة، بدت وكأنها تطوق المدينة..

جلست لا أجرؤ على الحركة..