الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 09/01/2009

روايات الكاتب: داود سلمان الشويلي

التشابيه

إلى صفحة الكاتب

لقراءة الرواية

 

 

الرواية

التشابيه4

التشابيه3

التشابيه2

 التشابيه

التشابيه8

التشابيه7

التشابيه6

التشابيه5

التشابيه9

التشابيه10

التشابيه11

التشابيه12

تقولات1

تقولات

التشابيه14

التشابيه13

تقولات2

تقولات3

تقولات4

 

 

التشابيه

صفحات مروية عن الأيام الخوالي

 

تنويه:

اليك يا من سألتني – اعزك الله – ما كنت ترغب بقراءته من صفحات عن الأيام الخوال ، وما حدث فيها في مدينتي 

انا داود بن سلمان الشويلي ، وضعت اسمي على هذه الصفحات لا لشيء سوى لانني قمت بعملية تنظيم وتدوين احداث سجلتها ذاكرة المدينة 000 فكان القسم الأول الذي حاولت صبه في قالب ادبي فني، وعند الانتهاء من تدوينه، رأيت ان من يقرأ هذه الصفحات سيقف أكثر من سؤال في طريقه، لما فيه من ثغرات وفجوات، ليس في نوعية الكتابة، او في فنيتها، وانما في غياب بعض الاحداث، فدفعني ذلك للبحث وطرح مئات الأسئلة وتقصي الحقيقة في عقر دارها، فكان القسم الثاني وهو (التقولات) التي جاءت بمثل الهوامش التي يدونها قارئ كتاب ما يعرف عن موضوعه أكثر مما يعرف مؤلفه، لهذا أنبهك -حفظك الله- وانبه من خلالك القارئ اللبيب إلى ذلك 000 والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

مرتب ومنظم الأحداث

 

 

 

امتلأت اذناه بصرير حاد 000

كان الظلام يملأ ( الخصّ ) القصبي ، فيما ذبالة ( الفانوس ) النفطي ، تتراقص بتراخ ٍ كليل ، وهي ، بالكاد تدفع بنورها الشحيح الى ما حولها من ظلام صقيعي جمد عيدان القصب والبواري 0

كان الضوء الخابي للفانوس ، يصارع كتلة الظلام الهائلة في الركن الجنوبي من ( الخص ) 0

امتد نظره الى الركن الشمالي منه ، حيث امتلأ بصوت ناشز ينبعث من مكان لم تتوضح معالمه بعد ، لكنه ، وهو يفرك عينه السليمة براحة كفه ، انهالت امامه صورة ذلك الجرم الاسود الممدد عند ذلك الركن 000 وكمن اكتشف الحقيقة ، ضحك في سره ، وردد مع نفسه قائلاً :

- انها ( الملحة ) 0

وبأشمئزاز ، ادار وجهه الى حيث الظلام والسكون الثلجي خارج ( الخص ) ، فبدا له اسود من فتحة الباب 00  مد رأسه مثل بوز كلب اجرب يحاول اكتشاف طريقه بعيداً عن عبث الاطفال قبل ان يخرج من مخبأءه000 فلفحته سياط باردة ، احس بها وكأن موساَ حادة اخذت تشقق جلدة وجهه 000 فيما راحت عينه السليمة ، تتشرب كلياً لون الظلام 0

رفع رأسه الى قبة السماء ، فهاله ما رأى ، اذ راحت كتل من الغيوم الداكنة الثقيلة تنتشر في المكان الذي حملقت فيه قبل ساعات مئات العيون تبحث عن هلال عاشوراء في سماء الله الواسعة ، وكأنه طفل خبيث يلعب ( الختيلة ) 00 وعندما لاح لعينين من تلك العيون التي اضناها البحث ، انمحى تاركاً اصوات التهاليل والتكبير تملأ الفضاء 0

ارتد ( جاسم الاعور ) الى الوراء 00 اعاد اغلاق الباب جيداً ، ، كان شخير ( الملحة ) يملأ اذنية بطنين مزعج ، فيما ذبالة فانوسها تصارع سخام زجاجه ، فكان الليل والظلام ، و البرد والشخير 0

ردد مع نفسه ، كأنه يمدها بشجاعة افتقدتها ، ودفء يمنحها قوة وارادة :

- انها تنذر بالكثير 00 يالها من سماء حبلى 000 ستمطر برداً يجمد الدم في العروق 00

حل الرباط القماشي للباسه الداخلي الابيض الطويل ، والذي كان هو الشيء الوحيد الذي ارتسم في سواد الأشياء 00 وبيدين خاويتين ، سحب طرفيه الى الاعلى ، ثم شدهما جيداً الى بطنه 0

مد يده – كالاعمى - في الظلام الذي خلفه في وسط ( الخص ) ، قبالة الباب ، وبتكاسل ، رفع من الارض ( دشداشته ) ذات اللون الداكن 000 البسها جسمه 000 ثم لف رأسه بيشماغه ، فبرزت عينان ، احداهما ترى الظلام الذي حوله والثانية نسيت لون الضوء منذ سنين طويلة 00 وقبل ان يدفع بجسده عبر الباب ، الى حيث كتلة الظلام الهائلة ، القى نظرة سريعةالى الكتلة السوداء الممددة على الارض في ركن ( الخص) ، فالفاها سوداء  ساكنة ، سوى صوت الشخير الذي – هو الآخر – قد ملته اذناه  بعد ان يصل اليهما متكسراً حاد الحواف كقطعة زجاج مهشمة 0

رسم ابتسامة أنتصار على شفتيه ، أوهكذا حاول ان يجعل منها ، تمتم مع نفسه ، وهو يلف عباء ته السوداء المهترئة الحواف ، على جسده الخاوي ، وكأنه يخاطب تلك الكتلة السوداء :

- لقد تذكرك الحاج ايتها ( الملحة ) 00 سأ فتقدك كثيراً 0

ثم استدار ، وخرج ، وهو يسحب الصرير من خلفه ، فابتلعه ظلام ازقة القرية الصقيعي ، الذي اخذ يجلد صفحة وجهه  بآلاف السياط الباردة ، فيما امتلأ الفضاء بعواء الذئاب ونباح الكلاب الذي يأتيه من بعيد ، فراح يسير محاذياً لاسيجة القصب المحيطة           ( بصرائف ) خاوية ، ملفوفة بالظلام ، مثل لص يحاول الافلات من مطارديه 0 فيما كانت السماء من فوق رأسه ، سوداء كسخام الفانوس ، و كأن النجوم الذهبية والفضية التي تمتلأ بها ، قد تساقطت كلها 000 او ان يداً عملاقة مسحتها من صفحة السماء ، واخذتها الى جهةغير معلومة ، لكن ما فا جأه ، هو الشبح الذي تراءى له على بعد مسافة ثلاثة دور ، كتلة سوداء تتحرك عبر الزقاق ، محاذية لاسيجة المساكن المبنية من القصب ، وقد بانت حركة تلفته الوجلة من خلل الظلام الدامس الذي ملأ الفضاء كلص ، اندفع الشبح - الذي كان جاسم الاعور يرقبه وقد لسق جسده بالجدار القصبي لـ (خص)  الملحة – وولج باب مسكن الشيخ عبد الكريم ، اذ انصاع الباب له وكأنه ظل مفتوحا حتى هذه اللحظة : انه هادي ، لكن 00 ما  الذي يفعله في هذه الساعة المبكرة من الفجر ، وفي هذا الليل الصفيعي الاسود ؟

الا ان برودة الجو ، والخوف من ان يراه ذلك الشبح الذي انبثق من ذلك الظلام انساه كل شيْ ، فترك مكانه وراح مسرعا كالمطارد 0

حرك رأسه وهو يعرج على ساقه السليمة ، بهدوء تام ، وكأنه لا يريد ان ينبه الظلام الذي حوله ، مد نظر عينه السليمة الى صفحة السماء كي يراها كلها ، اذ حجبت عينه الاخرى رؤية القسم الآخر منها 0

كل شيء – قد بدا له – اسود ، دا كناً  ، ظلاماً ، و سخاماً 00 حياته كانت – كذلك - سواد بسواد ، باردة كبرودة هذه الليلة 00 اذ مازال البرد يجمد وجهه ، والريح ، آه ٍ من الريح - حدث نفسه - ياليتني كنت كالريح 00 لقد جمدت 000 يالها من ريح عاتية 00 تدفع به وكأنها ايدي عمالقة تدفع به الى امام 00

:- الله يرحمك ياأماه 00

قال مع نفسه متأسفاً 00 ثم تابع قوله وكأنه يحدث امه الغائبة الحاضرة :

- ألم تجدي غير هذه ( العوراء ) لتكحل عيني 00 ؟ ألم تفكري بعاقبة ذلك  ؟ سامحك الله 00 ( عوراء تكحل طفلاً ! ؟ ) وها هي النتيجة 00 سامحك الله ياأماه 0

كثيراً ماكان يلوم امه 000 لامها وهي في الحياة 00 ولامها وهي في الممات 00 كان ذلك ديدنه ، كلما حاول ان يرى الاشياء كاملة 00

ومرة عندما كان جالساً مع الحاج وجماعته ، سمع احدهم يقول :- تستطيع الطيور ان ترى مسافة واسعة من الفضاء 000 ان الله خلق لها عينين حادتين وواسعتي النظر ، انها ترى كل الاشياء التي امامها 000 ان بصرها اقوى واشمل في الرؤية من بصر الانسان  0      

في ذلك الوقت ضحك من نفسه 00 هز يده استهزاءً وترك المجلس ، وهو يصب جام غضبه على امه المتوفاة 0

لكنه – وكعادته كل مرة – كان يترحم على روح امه 00 تلك المرأة التي تحملت الصعاب في سبيله 00 لقد كانت تعمل في بيوت الناس الاغنياء لتطعمه 000  اذ تركهما والده وهي حامل به 00 الى اين ذهب ؟ لاأحد يعرف 00 حتى أمه 00 وعندما سألها وهي في فراش الموت ، لم تخبره بشيء ، لماذا 000 لماذا 00 لماذا ؟

 

 

التشابيه2

 

نهض الشيخ عبد الكريم من فراشه الدافيء ، وبصوت اكله التثائب ردد  قائلاً :

- بسم الله الرحمن الرحيم

فصر سرير ( الجريد ) من تحت جسده الهزيل ، كأنه يكمل له بسملته التي بلعها التثاؤب ، وقف في منتصف ( الصريفة ) ، وهو يرتجف من البرد  00 قال مع نفسه :- هذا موت وليس برد 00 ألطف بنا يارب 000 ألطف بعبادك الصالحين 00 انهم اناس فقراء ، وعلى قد حالهم 0

ثم وكمن كفر بشيء مقدس ، قال مستغفراً: استغفر الله العلي العظيم ، ولعنة الله على الشيطان الرجيم 00 ان هذا البرد جزء من برودة اجواء الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين 0

مد يده الى حيث الفانوس المركون على ديلاب صغير، والذي راح ينشر ضوءه الخافت في ارجاء الصريفة، حمله بيده ، واخذ يحرك عتلته الصغيرة باليد الأخرى 00 عندها امتلأت الصريفة بضوء اصفر شاحب، تراءى له السرير كتلة لا لون لها سوى لون اللحاف الاخضر اللامع وهو يخفي تحته جسد زوجته ام مهدي ، بعد ان تكور باحثاً عن الدفء في ثلاجة صريفتهم القصبية 0

ارتدى جبته ، ولف رأسه بالياشماغ ثم احاط جسده بعباءته الصوفية السوداء ، وقبل ان يتحرك ، استعاذ بالله من شر الشيطان الرجيم ، ثم فتح باب الصريفة وخرج الى كتلة الظلام البارد 0 والفانوس بيده ليبدد بالكاد بعضاً من كتلة ذلك الظلام 0

هكذا هو في فجر كل يوم ، وقبل ان يتحول لون العالم من السواد الى اللون الرمادي 00 ثم الفضي 00 ثم 000 كان الشيخ عبد الكريم ينهض من سرير نومه 00 يتعوذ من الشيطان ، يبسمل مرات 00 ويحمد الله كثيراً 00 ثم يخرج من صريفة نومه الى ( المرحاض ) مباشرة ، وبعد ان ينتهي من عمله في تغطية الشيطان بغطاء سميك كي لا يظهر له في النهار – كما كان يحلو له التفكه مع جماعته واولاده بمثل هذا القول –  يتوجه الى مكان الوضوء ، اذ ينتظره هناك – في أحد اركان حوش البيت ( الابريق وتنكة الماء ) بعد أن اعدتهما له أم مهدي في الليلة الماضية وهما مغطيان بصينية معدنية قد وضعت عليها طابوقه كامله كي لاتعبث بهما القطط السائبة 0

كان نباح الكلاب يملأ ارجاء القريه كلها ، فيما يتردد في الارجاء عواء ذئاب آت من بعيد ، والريح تعصف  تحت سواد الليل بأرجاء حوش البيت ، وقصب السياج يهتز بصفير حاد ، كأنه يدفيء نفسه ، عازفاً موسيقاه الخاصة 0

ادار بصره في ارجاء الحوش ، فاصطدم بالظلام 00 بالسواد البارد ، فيما جلدت صفحة وجهه الملتحاة ، سياط باردة جعلت من شعيرات لحيته البيضاء والسوداء على السواء دبابيس حادة النصال تنغرز بالتوائها صفحة وجهه المتغضنة0

انهى الشيخ عبد الكريم عملية تغطية الشيطان ، ورسم الوضوء ، بعدها توجه الى           ( صريفة الخطار ) المبنية في مدخل البيت ، وهو يتسمع الى صرير سرير الجريد الذي تنام عليه ابنته ( هدية ) آتياًً من صريفة المطبخ ومخزن المؤنة0

أنتشر ضوء الفانوس في صريفة الخطار ، فارتسمت الوان متنوعة ، واشكال هندسية مختلفة وهي تنبسط على ارضيتها ،  فثمة اكثر من سجادة ملونة قد فرشت على ارضيتها ، فيما توزعت مجموعة من الوسائد المختلفة الالوان والحجوم عليها بتكاسل ولامبالات ، وكأنها هي الاخرى تغط في نوم عميق 0

تحرك والفانوس بيده ، فتحركت امامه هالة الضوء الصفراء منتشرة وكأنها تتقدم امامه الى حيث انزوى سرير ( هادي ) في الركن القصي من الصريفة هادئاً سوى همس خفيف لصوت تنفسه ، فيما كانت هناك صورة ملونة لاحد ابطال كرة القدم وقد شحب لونها ، علقت على جدار الصريفة بواسطة بعض الغراء الرخيص 0

عاد الى حيث مكانه المعتاد في الجهة الثانية من الصريفة ، رفع الفانوس قريباً من وجهه ، فمرت هالة الضوء على الجدار الطولي للصريفة ، فانكشفت بعض الأطر الخشبية ذات اللون الكالح والمتسخة بمخلفات الذباب 0

كانت الصورة الاولى تمثل رسماً للامام علي بن أبي طالب ، وهو يجلس على شيء مرتفع ، فيما سيفه ذوالفقار ملقى على ركبتيه ، وثمة اسدا رابضا قريباً من قدميه وهو ساكن – كما ارد له الرسام – وقد وقف خلفه احد مواليه، وهالة من الضوء القدسي – كما تخيلها الرسام – تحيط برأسه الملفوف بغترة خضراء 00

كان الشيخ عبد الكريم قد اقترب بفانوسه من الصورة ، وراح يتملاها وكأنه يراها لاول مرة 00  مردداً مع نفسه : السلا م عليك ياأمير المؤمنين وعلى ابنك الحسين سيد الشهداء ، وابنائك  واصحابك واصحاب ابنك الشهداء 00 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 00 قد اوفيتم العهد 00 و صدقتم الوعد 00ورحمة الله عليكم  0

بعد ان انهى سلامه ، عاد الى حيث منضدة الكتابة الخشبية الواطئة ، وجدها كما تركها ليلة البارحة ، حيث انتشر عليها شرشف اخضر من قماش حريري رخيص وقد صُفت عليها بعض الكتب القديمة  ، وبالقرب منها انتصب الحامل الخشبي لكتاب الله  وكأنه يعلن وجوده لمن يدخل الصريفة 0

جلس قبالته ، وقبل ان يفتح الكتاب الذي اصفرت اوراقه وكلح لون غلافه الجلدي ، ردد   وبخشوع من بين شفتين باردتين كالثلج  ، قائلاً :-

- اعوذ بالله من الشيطان الرجيم 00 بسم الله الرحمن الرحيم 0

رفع كتاب الله الى شفتيه ، قبله مرات ثلاث ، وكان بين قبلة واخرى يحني رأسه عليه، ويضع جبهته السمراء على جلده الاخضر المذهب البارد 0

أعاده الى مكانه ، فتحه على صفحة كان قد اهتدى اليها بوضع ريشة طائر سبق ان ( شطفها ) ثلاث مرات  بماء جار ، وصلى عليها كي يزيل عنها نجاستها 00 ثم صدح صوته قائلا : بسم الله الرحمن الرحيم   

تعالى صوته الرخيم ، مترنماً بآي من القرآن الكريم 0

 

 

 

التشابيه3

 

 

تململ الملا أبو ناجي  في فراشه ، فصرت ( سبرنكات ) السرير الحديدي الابيض كأسرة مستشفى حكومي ، والذي اشتراه له  الحاج فريّح مع آثاث الجامع ، وامتلأت اذناه بصوت مزعج صديء 00

تقلب جسمه يميناً وشمالاً 000 فيما راحت اذناه تمتلأ بصوت آذان الشيخ عبد الكريم آتياً من طرف القرية الشرقي0

ردد مع نفسه جملته المعهودة التي تعوّد ان يرددها في مثل هذا الوقت منذ ان نام ليلته الاولى في هذه القرية قبل اكثر من عام : متى نرتاح من صوتك يا شيخ عبد الكريم000  متى ؟

رفع وسادته ووضعها على اذنيه ليبعد عنهما صوت الشيخ عبد الكريم ، لكنه كعادته دوماً ، اعترف مع نفسه ان لاجدوى من كل ذلك 000 عليه ان ينهض حالاً وهو يردد قولته المعتادة : لعنة الله عليك ياشيخ عبد الكريم 000 وانت كذلك ياحاج فريّح 00 وانتم الذين تنامون مع نسائكم في بغداد 000  وكمن يحمل ثقلاً كبيراً ، هبط من سريره بتكاسل ، والنعاس يكبل جسده كله 00

كان جسمه مخدراً بنشوة النوم والاحلام التي تراء ت له 000 ورأسه – كما في الليالي السابقة – يحس به كـ (( اسفنجة )) كبيرة ، يحيط بها ألم حاد ، جعل اوردة صدغيه تنبض بصوت حاد ، وقاس 00

ارتدى ( جبته ) الكالحة اللون ، ووضع عمامته البيضاء على رأسه الكبير ، وخرج 0

كان اول ما لطم  وجهه اللحيم المحمرّ ، سوط صقيعي ، جعله يرتد الى الخلف ، ويغلق الباب ، وهو يتمتم مع نفسه : لعنة الله على هذه المدينة ، هل هذا برد ام جليد 00 في الجنوب ، وباردة هكذا 0 ؟  

عاد الى غرفته ، وهو يفرك يديه طلباً للدفء ، وبسرعة خاطفة ارتدى عباءته ( الجوخ ) السوداء 00 وضعها على رأسه ، لفها جيداً على جسده ثم بشفتين باردتين ، ردد مع نفسه كلامه المأثور : الله يلعنك يا شيخ عبد الكريم 0

فتح باب غرفته مرة اخرى ، ودفع بجسده الملفوف بالعباء ة السوداء الى الفضاء البارد الاسود لحوش الجامع ، حيث توجه – متمايلا ً– الى السلم الذي تعود ان يصله حتى لو كان مغمض العينين 0

كان كعادته بعد ان يوقظه صوت الشيخ عبد الكريم  ، يرتقي درجات السلم العشر، ليقف في صحنه ، ومن هناك يرفع الآذان 0

وكعادته ، كان قبل ان يرفع صوته بـ (( الله أكبر )) يغسل فمه – كما يقول مع نفسه – بالفاظ السباب التي يزجيها للحاج فرّيح الذي وعده بشراء جهاز صوت للجامع ، ولم يف بوعده -  لعنة الله عليه- لحد الآن 0

كان يعرف ان لافائدة من صراخه الاجش وهو يرفع الآذان في سماء هذه القرية ، لان مؤمنيها قد انهوا صلاتهم قبل ان يرفع هو صوته 000 لقد سبقه الشيخ عبد الكريم 00 وهذا حسن 00ماذا كان يفعل لو لم يكن الشيخ في هذه القرية 00 ؟ 00 ها 00

انتبه لنفسه 00 لقد تأخر كثيراً 00 فرفع كفيه المفتوحتين ، أحاط بهما اذنيه وراح ينغّم بهما الصوت الاجش للآ ذان المنطلق من حنجرته 0

بعد ان ينتهي من رفع الآذان ، يعود مسرعاً ، وهو يتثائب ، متخطيا درجات السلم المبنية من الطين درجتين ، درجتين ، وعندما تطأ قدماه ارض حوش الجامع ، تمتلأ اذنيه الكبيرتين كأذني حمار غبي – على حد وصف الحاج فريّح  – بشخير( خبالو ) 0

يقف لثوان متردداً ، بين الذهاب الى حيث حوض الوضوء قبالته ليتوضأ ويصلي ركعتي الصباح ، وبين العودة الى حيث الدفء في سريره الحديدي الابيض ، وكعادته في كل مرة ، يقطع خيط التردد الذي يجول في خاطره ، ورأسه المخدرة ، يعود الى غرفته مهرولاً ، ليعيد رؤية احلامه الجميلة مع   ( الملحة ) بعد ان يردد مع نفسه قائلاً : الصباح رباح، لم تهرب الصلاة ، سأصلي قصراً 000

ثم يسحب الغطاء على جسده ، ويغمض عينيه ، ويبدأ صوت شخيره يتجاوب مع صدى شخير(خبالو ) ، وكأن الصوتين قد اتفقا على عزف موسيقاهما الناشزة ليتبدد من حولهما ظلام الليل البارد 0

وكما في كل مرة ، تستعصي ( الملحة ) على احلامه ، فيتقلب في فراشه حتى الصباح دون ان يراها 00

كانت الملحة بالنسبة له حلماً كبيراً 00 وكان يحسد الحاج فريّح عليها 00 اما جاسم الاعور فقد فعلها مرة واحدة فقط  و كما اخبره ، ولكن – ردد مع نفسه – لا ، ربما يكذب عليّ هذا الاعور الاعرج 0

 

 

التشابيه4

 

 

ثمة غيوم سوداء تملأ سماء القرية قادمة من الشمال ، تنذر بيوم شديد المطر 00 فيما تصفر في ازقة القرية الخاوية ريحاً صقيعية وهي تمر بين عيدان القصب المبنية منها الصرائف الصغيرة المنتشرة بلا انتظام ، حانية على أجساد خاوية بأكسية بالية ، ودشاديش كالحة اللون ترتعش مصعوقة بهذا البرد الذي غزى المدينة والقرية على السواء ، كما يغزو الجراد مزارع الحنطة عابثاً فيها دون رادٍ  له 0

كانت القرية معزولة بتل ترابي عالٍ عن مدينة الناصرية ، يحاذيه نهر ماءه اسود برائحة نتنة ، تنتشر فيه بعض جثث الحيوانات النافقة 0

كان ( اشطيط ) يجمع كل مياه  سواقي المدينة ليوصلها الى حيث المضخات التي ترفعه لترميه في الفرات 00 فيما التل الترابي ، المحاذي له والذي تكوّن جراء حفره ، يحمي المدينة من خطر الفيضان الذي يهددها في كل موسم ، كان سطح التل ، اوما يدعوه الاهالي بـ ( الروف ) عباره عن نتوءات ترابية غير منتظمة، تجعل صبية الدور المجاورة الممتدة بمحاذاته تبتعد عنه ليلاً خوفاً مما يترآى لها من اشباح سود متحركة 0

كان بيت  الحاج فريّح المبني حديثاً بالطابوق ، يقع على الطرف الثاني من ( شطيط ) داخل حدود المدينة ، يفصله عن المدرسة الأبتدائية والمستوصف الصحي الذي بنيا حديثاً شارع ترابي كثيراً ما يصبح موحلاً صيفاً وشتاءً، يوصل بين المدينة والقرية جسر كونكريتي ضيق ممتد على عرض( شطيط ) فيما يمتد في جانبه الثاني – داخل القرية – شارع طويل يكمل شارع المدرسة والمستوصف 0

هتف الحاج فريّح  وهو يدخل الباب الخشبي للغرفة بجاسم الاعور صائحاً :-

- ها اعور الشوم 00 متى وصلت ؟

كان جاسم الاعور قد دخل بيت الحاج بعد ان ترك جسده مقرفصاً على الدكة امام الباب طوال ساعات الصباح الاولى ، قبل ان يستيقظ الحاج من نومه00 كان محتمياً بعباء ته الصوفية الممزقة من برد كانون القاتل 0

صاح جاسم الاعور وهو يرى الحاج :

- صبحك الله بالخير ياعم 00

وكعادته صباح كل يوم  يهرول مسرعاً الى يد الحاج ، يأخذها بين كفيه ويقبلها 00

كف حمراء لحيمة ( هذه النعمه !) ردد الاعور مع نفسه ، لكن الحاج في هذا اليوم البارد – بالضبط – سحب يده ودفع جاسم الاعور جانباً وهو يصيح به :

- رجعت  مرة اخرى الى اعمالك المشينة يا اعور الشوم0

وقبل ان يجلس على المصطبة الخشبية في الجانب الامامي للغرفة ، يسمع صوت الاعور مبعداً عنه التهمة :- والله يا عم 000

الا ان الحاج يقاطعه ، وهو يرسم ابتسامة خبيثة على شفتيه :

- قل لي اين نمت ليلة البارحة ؟

فوجيء الاعور بالسؤال ، لم يقل شيئاً ، كان متردداً في الاجابة ، بل كان ضائعاً 00 وقبل ان يدع الفرصة للحاج بالهجوم عليه مرة اخرى بكلام آخر ، راح يغيّر موضوع الحديث ، وهو يقول :

- عمي ، الجو بارد في الخارج 00 ثلج 000 ارتد معطفك 0

كان الحاج فريّح ، كعادته في شهر محرم ، وبالضبط في مناسبة عاشوراء من كل عام ، يرتدي بدلته السوداء ذات القطعتين (( الصاية والسترة )) ويعتمر اليشماغ الاسود و العقال (( الشطراوي )) الذي يحتفظ به ليضعه على رأسه في المناسبات الاجتماعية والدينية المهمة0

كان سواد بدلته قد بهت ، فبانت لمن يراها كالحة اللون من كثرة ارتدائها طيلة عمرها الطويل ، اما رائحتها فكانت لاتطاق لوضع كرات النفتالين بين طياتها عند تركها في الصندوق الخشبي الخاص بملابسه 0

رد الحاج ضاحكاً :- خبيث 00 حيوان 000

ثم نهض ليرتدي معطفه الصوفي الاسود الذي اشتراه في العام الماضي عند سفره الى بغداد من منطقة ( تحت التكية ) والذي كان يحلو له ان يخبر اصدقائه ومعارفه بعنوان المكان ، وكيف الوصول اليه في بغداد 0

كان الحاج فريّح ، طويلاً ، رفيع القوام متناسق الاعضاء ، كأنه جذع شجرة( غرب ) ناعم الجلد ، يرتسم تحت انفه شارب رفيع ناعم ،  يصبغه بين حين وآخر ، ليحيل لون بعض شعيراته التي امتد اليها الشيب الى لون اسود داكن ، فيقل عمره لمن يراه ودون ان يعرفه عشر سنين كاملة ، فيما كانت صفحة وجهه صقيلة ، اذ كان عندما يجلس على كرسي الحلاق يطلب منه ان ( يحف ) له صفحة خديه 0

خرج جاسم الاعور مسرعاً الى حيث تقف سيارة ( الفورد ) السوداء ، لينظف زجاجها و معدنها الصديء ، مثل كل يوم 0 لكنه ، وقبل ان يصل الى باب الدار ، سمع صراخ الحاج ، وهو يستدعيه 00 اختض جسده ، واحس  بالدم قد تجمد في عروقه ، فيما تصلبت قدمه السليمة عند عتبة الباب : ياستاراستر 000 ردد مع نفسه ، ثم عاد مسرعاً وهو يعرج ، والبرد يخض جسده رغم العباءة الصوفية ، والثوب السميك ، واليشماغ الملفوف على رأسه ، جاءه صوت الحاج :- هل اخبرت البغل ؟

نظر الاعور اليه باندهاش ، وبله تامين0

كان الحاج قد انتبه الى مااعتوره ، ليس من وقفته العرجاء ، بل من رفرفة جفني عينه السليمة ، فبادره قائلاً :-

- اقصد الملا أبو ناجي 0

عندها استراحت تلك العين 00 وهمدت رفرفة رمشيها ، وانفرجت شفتاه عن ابتسامة خبيثة ، وقبل ان ينبس بكلمة ، حمد الله في سره لان الحاج قد نسيَ الموضوع الاول:

- نعم عمي0 رد عليه بصوت مرتجف 0

- والشباب ؟ سأله مرة اخرى 0

- نعم عمي 000 اجابه والخوف مازال متمدداً في نفسه وكيانه من اطالة الحديث هكذا 00 وفي محاولة منه لأ نهاء هذا الحديث ، قال الاعرج :

- نعم عمي ستجد الجميع في الجامع 0

وقبل ان يفلت الاعرج خارجاً من الغرفة ، سأله الحاج فريح :-

- وقحبتك ؟ !

تسمر جاسم الاعور في مكانه كمن شكـّته شوكة في راحة قدمه السليمة ، قال مع نفسه:      هذا ماكنت اخاف منه 0 00

لم ينبس بكلمة  كمن لم يسمع شيئاً محاولاً الافلات من محاصرة الحاج له 00 ( خبيث هذا الحاج ) ردد مع نفسه 00 ( خبيث بكياسته 00 خبيث بتعقله الزائد عن اللزوم امام الناس ، وخبيث في صلاته وهو يؤديها خلف صاحبه الملا أبو ناجي – البغل – وخبيث هذا البغل الذي جاء الى القرية من مكان لا يعرفه ، برأسه الكبيرة كرأس بغل غبي ، وبلون بشرته الحمراء ، وعمامته البيضاء الكبيرة 00 ربي خلصني من هذا الحصار ) 0

- هل اخبرت الملحة بالمجيء الى البيت؟

سأله الحاج مرة اخرى وهو يعرف انه قد اخبرها  0

اجابه الاعرج بانكسار :

- نعم عمي 00 وسوف تحضر معي هذا المساء 0

- لاداعي لمجيئك معها 00 هي تعرف طريقها 00 اليس كذلك ؟

- نعم عمي 00 هي تعرف طريقها 0

(( جرجرتها بيديّ هاتين كمن يسحب نعجة الى دكان القصاب )) ردد مع نفسه بانكسار وآلية ممجوجة (( ارشدتها انااليه – تابع مع نفسه –اصبحت قواداً منذ أول مرة جئت بها الى هذا البيت 000 بل منذ ان جئت بها الى المدينة )) 0

- اعرج 000

اخرجه صراخ الحاج من لوم نفسه 00

- اغرب عن وجهي 000

 

 

التشابيه5

 

:- اعوذ بالله من الشيطان الرجيم 0

قالها الشيخ عبد الكريم متأ ففاً ، وعاد ادراجه مرة اخرى الى باب داره بعد ان ابتعد عنه خطوات قليلة 0

كانت( الملحة ) ، الساكنة في الزقاق نفسه الذي بنى فيه الشيخ بيته من القصب والبواري قبل اكثر من عامين ، هي أول من التقت عيناه وجهها ( الاملح ) 00 الذي غلب عليه سواد فوطتها الغبراء 0

كانت في الثلاثين من عمرها 00 سمراء ، طويلة ، مضمومة الجسد ، يلوح على صفحة وجهها الاسمر لون مغبر ، لايعرف لها اسم سوى اللقب الذي اطلقه عليها الحاج فريّح عند ما رآها أول مرة مع جاسم الاعور، اذ لقبها بـ ( الملحة )  0

:- انه الشيطان بعينه 00 اعوذ بالله منها ومنه  00

ردد الشيخ ذلك مع نفسه وتأفف كثيراً وهو يتذكر محاولاته العديدة مع الحاج فريّح لاقناعه على ترحيل هذه المرأة الملعونة التي جاء بها جاسم الاعور قبل اكثر من ستة أشهر، الا ان محاولاته باء ت بالفشل ، رغم ماقدمه – مع ساكني الزقاق – من ( عرائض ) الى اعضاء المجلس البلدي، والتي طلب فيها حماية نساء القرية وبناتها الشابات من اخلاق هذه المرأة الغريبة التي لايعرف لها أصلا 00 وذهبت محاولاته كلها ادراج الرياح 0 وقتها لم يبق امامه وامام أهل القرية سوى المتصرف ، ومن خلال معارفه ، وصل الشيخ عبد الكريم اليه 00 شرح له قضية هذه المرأة ، فأرسل احد موظفيه للوقوف على صدق دعواه ورفع تقريرا بذلك 0

:- ( سبحان الله ) ردد الشيخ عبد الكريم مع نفسه وتابع ( انها بلوى 00 0  بلوى سوداء 00 ) وهكذا ردد سكان الزقاق بعد ان تجمعوا في صريفة الخطار في داره 00

قال لهم :- بلوى سوداء 000 انها امتحان لنسا ئنا وبناتنا 000

كان لسان الشيخ يلهج بآيات المعوذات بعد أن سمع بما في تقرير الموظف من الفاظ الشرف والعفة التي وصفت بها  ( الملحة ) ، وبعد ايام شاهد سكان الزقاق أفندياً غير جاسم الآعور يتردد على ( صريفة ) الملحة بين فترة وأخرى ، عند ذاك اخذت الوجوه في هذا الزقاق الضيق تستدير مشمئزة من مرآها 0 والالسن تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم الذي تصور بصورتها الفاسقة ، وقتها قال الحاج متفكهاً بعد ان سمع عن التقرير 0 لبعض خلصائه 00

:- ماذا يريد منها هذا الشيخ 00 لولاها لاصبحت ابنته أو ابنة أي منا مثلها ، لتأخذ دورها في مثل هذه الاعمال 00 انها نعمة ( اكد الحاج لخلصائه ) نعم ، نعمة ربانية 00 جاء بها الله سبحانه وتعالى الى قريتنا 00 في المدينة ( فطيّم ) 00 و( الملحة ) في القرية ، اليست هذه نعمة كبيرة ؟ ! استغفر الله العظيم ، اناس لا يستحون 00 لا عمل لهم سوى النبش بأعراض الناس 0 

كانت ( الملحة ) قد خرجت حاملة ( زنبيلها ) المصنوع من خوص جريد النخيل حيث سوق القرية 00 لم تترك احداً في البيت سوى اسمالا بالية ، وفراشا قديما ، واغطية متسخة00 ولم تحمل في جيوبها نقوداً 00 اذ ان جاسم ينتظرها في السوق ، كما اتفقا ليلة البارحة 0

قبل اكثر من ستة أشهر ، دخل جاسم الاعور محل الحاج فريحّ للعقار بعد عودته من بغداد لقضاء بعض أعمال الحاج هناك 00 جاء بها الى المحل  وتركها واقفة ليس بعيداً عن بوابة المحل الزجاجية ، وعندما شاهدها الحاج ، كان وجهها تملأه الاصباغ ، كأي قروية ليلة زفافها 00 جميلة كفتاة عذراء 00

:- من اين اتيت بها ؟

سأله الحاج  بأبتسامة خبيثة رسمها على شفتيه 0

:- من السيارة 00

اجابه الاعور بخبث مبطن ، وهو ينظر بعينه السليمة الى وجه الحاج ليقرأ على صفحته رد فعله تجاه هذه الهدية 0

:- هل هي من المدينة ؟

سأل الحاج فريحّ بعصبية 000

:- تقول انها من بغداد 00 ولا احد لها هنا 00

مد الحاج فريحّ يده الى جاسم الاعور وهي تحمل مفتاحاً كبيراً ، وقال ببرودة تامة :

:- خذها الى البيت الصغير 00

سكتت كل حركة فيه 00 كانت عينه السليمة هي الوحيدة التي اختلج فيها شيئاً ما 00 ربما رموش عينه السليمة 00 او ان شيئاً مادخل فيها ، ربما دخان سيكارة الحاج 00 ربما 00 فأخذ ينبش في جوانبها ، الا انه  لم يعرف بالضبط ماهو 0

:- هل شللت ؟

اخرجه صياح الحاج من اختلاجة عينه 0

كانت اليد مازالت ممدودة في المسافة التي تفصل بينه وبين منضدة مكتب الحاج عندما مد يده لأستلام  المفتاح 0

:- اطلب منها ان تغتسل وتعد الطعام ، ولاداعي لبقائك معها 00 انك تعبا من السفر 00 اذهب لترتاح 0

قال كل ذلك بأمر جازم لينهي قضية علاقة ( الملحة ) بجاسم الاعور منذ لحظة وصولها0

في اليوم الثاني ، بعد ان انمحت كل اصباغ وجهها الملونة تحت لهاث الحاج فريحّ وبخار زفيره المشبع برائحة العرق المستكي 00 خرجت من البيت الصغير الى بيت القصب  بأسم جديد غير اسمها غير المعروف 0

 

 

التشابيه6

 

:- ها 00 وهل الحاج سيأتي معهم ؟

تسأءل خبالو وهو ينتهي من كنس ارضية غرفة المسجد بمكنسة الخوص 00 فيما كان المله أبو ناجي يضع سيكارة    ( الجمهورية ) بين شفتيه ، منشغل الفكر ، لما رآه صبيحة هذا اليوم 000 لقد وصلوا الى عقر داره مرة اخرى 000 اذ هاله ما رآه على جدار المسجد المبنية من الطابوق00اربعة اوراق بيضاء مكتوبة بخط اليد ، ومستنسخة بالكاربون ، وهي تدعو الناس الى الثورة على حكم عارف 000 اسرع الى رفعها على الرغم من ان المادة المستخدمة في لسقها كانت قد تيبست ، فتمزقت الاوراق كلها بين يديه عند رفعها 000 وهذا ما يريده بالضبط 0

:- سيكون اجتماعاً عظيماً 0

قال ذلك خبالو ، واكمل مع نفسه : بالنسبة لي على الأقل 000ثم حمل ( تنكة ) الماء وراح يرشه بكفه ذات العروق الناتئة على الارض  الترا بية للغرفة ، فيما امتلأ الفضاء داخل الغرفة بذرات التراب الخانقة 0

:- هل تكلمت معه ؟

سأل خبالو 00 فيما راح المله يشعل سيكارة ثانية ، يسحب منها نفساً عميقاً ليبعث الدخان من منخري انفه الاحمر الكبير بتلذذ وهو يقف في منتصف الغرفة مصالباً ذراعيه على صدره طالباً الدفء لجسده وهو يلف العباءة عليه 0

:- اكلم من ؟ قال المله بغير انتباه 0

صرخ خبالو عالياً بعد ان ترك تنكة الماء تسقط من يده لينساب ماءها على ارضية الغرفة مكوناً بركة مائية صغيرة  :

:- آخ  راسي 0

ثم انهد الى الارض تاركاً جسده  في ماء البركة 00 فيما راحت يداه تعمل في شعر رأسه جذبا  00

كانت هستيرية خبالو حالة قد تعودها المله منه ، فلم يندهش لذلك ، فصرخ به :

:- ماذا فعلت يا مطي ؟ انهض وامسح الارض 0

صاح خبالو وهو يحث الوحل من البركة ويمسح به شعر رأسه :

:- لماذا 00 لماذا ؟

صاح به المله غاضباً وهو يرفعه من كتفيه :

:- انهض قبل ان يأتي الحاج وجماعته ، انهض 00

صرخ خبالو بوجه المله قائلاً :

:- الفلوس 00 الفلوس يا مله 00 يا 000                           

كان يريد ان يقول له يا (غبي ) ، الا انه عدل عن ذلك ، وبدأ بتجفيف بركة الماء 0

كان المله ينتظر بفارغ الصبر تجمع الشباب هذا اليوم ، انها فرصته الوحيدة التي كان ينتظرها بعد ان ضاعت منه فرحة معرفة موزعي المنشورات ، وعليه ان يستغلها 00 اذ انه سوف لن يراهم مجتمعين هكذا مرة اخرى ، وسوف لن يستمع لأحاديثهم 00 انها فرصته الوحيدة – هكذا راح يكلم نفسه – سيتعرف عليهم 00 سيجعل من نفسه صديقاً لهم 00 وسيقدم لهم يد المساعدة ، او على الاقل ان يصاحب احدهم 00 وعند ذاك سيعرف كيف يستفيد منهم 00

في ذلك اليوم لبس المله ملابسه النظيفة التي سبق ان ارسلها يوم امس بيد خبالو الى محل (الاوتجي ) في المدينة، واشترى علبة سكائر ( الجمهورية ) ليوزعها على الحاضرين 00 يجب – هكذا اكد مع نفسه – ان يستغل هذه الفرصة 00 يجب ان يقدم شيئاً للمسؤولين هناك0

هكذا فكر المله 00 فيما انهى خبالو تجفيف الماء وفرش ارضية الغرفة بالحصران والسجاد 00 ثم اعاد المنضدة الخشبية الصغيرة الى مكانها عند احد اركان الغرفة ، بعد ان ملأ حوضها بمجموعة من ( التـُرَب ) الصغيرة 0

كان المله يقف قرب الباب وهو يراقب عمل خبالو فيما كل ذهنه منصرفاً الى ما ستجري من احاديث بينه وبين الشباب ، وكيفية استغلال كل ذلك لصالحه ( يجب ان اعرف مصدر هذه المناشير ومن يوزعها ) ، وكان دخان سكارته يتطاير امام وجهه ، والبرد يقرص جلده على الرغم من عباءته الصوفية ، وفي لحظة من لحظات التفكير بما سيكون عليه الاجتماع ، انقلبت حمرة وجهه الى صفرة ليمونية ، اذ راح تفكيره يطوف خارج غرفة الجامع ، فردد مع نفسه : غبي 00 غبي 00 الى متى سيطول بك البقاء في هذه الغرفة النتنة وفي هذه القرية القذرة ، وانت تتحمل سفالة هذا الحاج وصوت الشيخ عبد الكريم وهو يؤذن في الصباح 00 الى متى 00 الى متى ؟!

اخرجه صوت خبالو وهو يسأله قائلا ً :

: - ها مله ؟

: - ماذا ؟ ! قالها دون ان يعرف ما يريد قوله 0 الا انه ، وهو ينظر الى ارضية الغرفة ، صرخ بخبالو :

:- اذهب الى عملك 0

: - والحاج ؟ سأل خبالو 0

رد عليه المله بغضب : ماذا به ؟

: - الفلوس 00 قال خبالو وهو يمسح كفيه المتسختين بثوبه الممزق 0

: - اغرب عن وجهي الآن 00 اخرج 00 هيا 00

حرن خبالو امام الباب، كحمار عاند صاحبه  ، ثم استدار نحو المله مستفسراً :

: - مله 00

: - نعم 00 صرخ به المله 0

وبأستهزاء ، وقد بدت اسنان خبالو الصفراء من بين تكشيرة شفتيه ، صاح بالمله :

:- السكارة مله 0

لم يفهم ما قاله خبالو ، فصاح به ضاحكاً :

: - السكارة منطفأة يا مله 0

عندها سحب المله خبالو من يده واوصله الى باب المسجد ، ثم وضع كفيه خلف ظهره ودفعه الى خارج المسجد ، واغلق الباب دونه 0

منذ اكثر من سنة ، وهو يحاول دون جدوى 00 هل هو الغباء كما قال له رئيسه في بغداد ؟ ام انه كان بغلا ً، كما دعاه الحاج ؟ الا انه ردد مع نفسه : - ما ذنبي انا اذا كانت الجبة والعمامة لا تليقان بي ، وربما انا لا اليق بهما 00 ها000 ما ذنبي انا ؟ لقد اخبرتهم في بغداد ان ملابسي هي السبب 00 قلت لهم انها تبعد الشباب عن مجالستي والحديث معي 00 وقلت لهم كذلك ان الناس يحترمون الشيخ عبد الكريم اكثر مني ومن الشيخ فريّح ، وقلت لهم ارسلوا احداً غيري لينفذ هذا الواجب 00 قلت وقلت ، الا ان كل ما قلته ذهب ادراج الرياح ، هل انا الغبي ام انهم هم الاغبياء 000 ها ؟ وعندما طلبت منهم ان اغير ملابسي ، رفضوا ، قالوا ستفسد كل شيء ، قالوا هذا هو واجبك وهذا هو زيك 00 وسيأتيك شهر عاشوراء وستحتاج لهما كثيراً 0

ذهبت كل محاولاتي ادراج الرياح 00 دون جدوى 00 لم اصل معهم الى نتيجة ، فعدت الى هذه القرية اللعينة وشيخها الملعون وحاجها الفاسق كما ذهبت 00 ظلت الاوامر كما هي 00 منذ عام وحتى هذه الساعة 00 وفي كل يوم تمتلأ الجدران بالشعارات المعادية للحكومة 00 ولا احد في هذه المدينة يحرك ساكنا ً ، وعندما اخبر من في بغداد يقولون هذا ليس واجبك 00 انه واجب الامن في المدينة 00 هنيئاً لكم بالامن في المدينة 00 ها 00 ها 00 ها 00

لم ينتبه لصوت ضحكته العالي 00  فتابع حديثه مع نفسه : حتى العجين والدبس قد استعملوه في لسق الشعارات على الحيطان والابواب الخشبية 00 يا لهم من شياطين هؤلاء الشباب 00 ولكن ، الى متى سأبقى هنا بعيدا عن مباهج بغداد ؟ ها الى متى ؟

 

 

التشابيه7

 

 

عندما عاد الشيخ عبد الكريم  واجتاز عتبة الباب الخشبي الذي ينتصب بين دعامتين مبنيتين من الطابوق الاصفر ، اعاد ( طلاقة ) الباب بعصبية وهو يردد مع نفسه كلمات غير مفهومة ، فيما كان وجه هادي اول من قابله في حوش البيت 0

:- استغفر الله العظيم من كل شر عظيم 00 واعوذ بالله من الشيطان الرجيم 00

اندهش هادي من عودة والده المفاجئة ، ودمدمته غير المفهومة مع نفسه ، بينما اندهش الشيخ في الوقت نفسه من رؤية هادي وهو يهم بالخروج في مثل هذا الوقت المبكر من الصباح واليوم جمعة0

: - الى اين ؟

سأل الشيخ عبد الكريم ابنه هادي ، وما زال وجهه معبساً 0

:- الى المسجد 000 رد هادي بهدوء ، ثم اردف قائلاً : اقصد سأمر على بعض الاصدقاء ومن ثم نذهب جميعاً الىالمسجد 0

تسمر الشيخ في مكانه وهو ينظر الى ولده بأندهاش تام ، اذ ما سمعه  قد فاجأ ه 0، ذلك لأ نه يعرف ان ابنه لم يصل ِّ يوما في مسجد القرية الذي بناه الحاج فريّح وجاء بهذا الفاسق ليكون مؤذناً فيه ، ولا يعرف الناس عنه شيئاً 00

: - الى المسجد 00 سأل بأستغراب ، وكأنه صعق مما سمع 0

:- نعم 0

سأل الشيخ ابنه وهو يضع مسبحته السوداء في جيب جبته :

: - وماذا تفعل هناك ؟

ودون ان يسمع الرد من ابنه ، توجه الى حيث باب ( صريفة الخطار ) فيما تبعه هادي بأدب الى داخل الصريفة 0

لم يرد هادي على سؤال والده ، وانما اسرع هو ليسأل والده عن سبب عودته دون الذهاب الى عمله ، بعد ان احس ان الحديث معه على هذه الشاكلة سينسيه ذلك 00

: عدت سريعاً يا ابي 00 هل نسيت شيئاً ؟

ابتسم الشيخ بوجه ولده ، فيما ترك جسده يتكوم على واحدة من الوسائد 00 ثم تمتم بكلمات لم يسمعها هادي ، بعدها قال :

:- قبل ان انسى ، اما زلت مصراً على الاشتراك في ( التشابيه ) ؟

رد هادي على والده وهو يقف عند مدخل الصريفة :

:- نعم 00 وقد وافقت انت على ذلك 0

:- نعم لقد وافقت ، ولكن بشرط 00

سأل هادي والده بتودد وهو يعرف ذلك الشرط  :

:- لماذا يا والدي تحرمني شرف اداء ذلك الدور 00 ها ؟

رد الشيخ عليه قائلاً :

:- لا يمكن لمثلك ان يقوم بهذا الدور ، ولا لأي شخص آخر 0

قال هادي :

:- سيعطونه الى شخص آخر انا اتقى منه 00 او على الاقل انا احسن منه 0

:- سننظر في ذلك فيما بعد ، رغم اني غير مقتنع  بما تقومون به 0

وهو يداعب مسبحته السوداء التي اخرجها من جيبه ، والابتسامة مرتسمة على شفتيه اليابستين ، تابع قوله :

:- هل ستذهب للاجتماع مع هذا الحاج 000 المؤمن جدا ً  ؟

رد هادي بهدوء :

:- الحاج ليس سوى وسيلة نستغلها ، اما ايمانه او عدم ايمانه 00

قاطعه والده الشيخ بعد ان فاجأه قول ابنه :

:- ماذا تقصد بـ  نستغله 000ها ، من انتم الذين ستستغلون الحاج في هذا العمل ؟  

فوجيء هادي بأنتباهة والده الى ما قاله ، وبسرعة اجاب :

:- اقصد انا وشباب القرية 00 اصدقائي 00

:- هادي اتظنني جاهلا ً00 ها ؟!

:- صدقني انا واصدقائي 0

:- اذا كانت جماعتكم يعولون على التشابيه فقل لهم ان هذا اكبر خطأ يرتكبونه 0

:- ابي ليس لجماعتنا دور في ذلك ، صدقني 0

:- ليكن الله معكم 00 ولكن انتبهوا لأنفسكم 0

سأله هادي:

:- الست موافقاً على ذلك الاجتماع ؟

: - كلا 00 رد الشيخ ، ثم تابع قوله :

:- اذهب 00 الا انك ستعود بغير ما ذهبت به 0

لم يفهم هادي ما قصده والده بكلماته الاخيرة ، الا انه ، ولكي يتخلص من هذا الحصار الذي ضربه حوله الشيخ عبد الكريم والذي  حتما - كما قال مع نفسه -  يعرف كل شيء عن جماعته اجتاز بسرعة عتبة باب الصريفة ، الا انه سمع صوت والده يأتيه من داخل الصريفة قائلا ً :

 

:-  انتظر 00 سأذهب الى المكتبة 00 وعندما تنتهي من الاجتماع 00 الحق بي 0      

وقف هادي قرب باب الدار ، وانتظر والده حتى خرج من الدار،الا ان الشيخ تذكر امرا اخر ، لهذا سارع بسؤال ابنه :

هادي ، لقد وجدت باب الدار غير مقفل وقد قفلته ليلة البارحة بعد مجيئي 00

 الا ان هادي ادار وجهه الى ناحية الباب كي لا يدع والده ان يرى ما انتابه لحظة سؤاله من خوف وقلق على مهمته ليلة البارحة ، ودون ان ينظر الى والده ، قال :

- لا اعرف ، ربما نسيت قفله انت 0

 رد الشيخ :

- ربما 000

هادي هو الابن الثاني للشيخ عبد الكريم 00 طالب في الدراسة الاعدادية 00 جاء به والده مع والدته ام مهدي واخته ( هدية ) قبل سنتين الى هذه القرية من احدى قصبات مدينة الناصرية ، بعد ان هرب ابنهم الكبير مهدي من مطاردة رجال الامن له وسكن بيت عمه ، وبعد ان  جيء بجسد عمهم الشاب عبد الحليم ملفوفا ً بملابسه المدماة بلا روح 00 اما عمهم الزاير عبد الجليل ، فما زال يسكن احدى القرى القريبة من الهور 0

ترك والده يخرج قبله ، وانتظر دقائق ليغيب عنه ، اذ ما زالت  كلمات والده تصطخب في فكره ، وهي تحز في خلايا جسده كمشرط جراح غير ماهر ، فتاه به تفكيره في شعاب لا نهاية لها ، والريح الباردة تلسع عظام وجهه الاسمر 00 تساءل : هل يعرف والدي اشياءً لم اعرف بها ؟  لكنه ترك الاجابة لحين انتهاء الاجتماع 0

سحب هادي السلسلة الحديدية للباب ، فسمع اصطفاقه وهو ينغلق 0

زرر معطفه الاسود جيداً بعد ان احس بعظامه الناعمة تتنشق برودة هواء كانون الثاني الصقيعية 00 طوّف بناظريه بعد ان جعل الباب خلف ظهره  في طول الزقاق الذي يقع دارهم على احد جانبيه ، فأصطدم بصره بذلك الشق الاسود الذي يقسم الزقاق طوليا ً الى نصفين ،  فلاحت لعينيه طبقة متجمدة على صفحته السوداء ، فيما الرائحة ما زالت تزكم انفه 0 تساءل مع نفسه وهو يزرع نظره في احد الصبية الذي راح يحاول تكسير طبقة الجليد بقضيب حديدي : كم من السنين بعد ، كي تزول مثل هذه السواقي النتنة ؟  وعندما كان الجواب جاهزاً في ذهنه ، لوى شفتيه امتعاضا ً ويأسا ً ، وحرك قدميه الباردتين ميمماً صوب الطرف الثاني من الزقاق ، الى حيث يفضي به الى الشارع الرئيس للقرية والذي يقع فيه الجامع 0 

على جانبي الزقاق ، تصطف مجموعة من الصرائف المسورة بأسيجة مجدولة من القصب 00 اكثر من عشرين داراً مبنية من القصب والبواري ، وكأن الطابوق قد حرم على ساكنيها 0

فعلى يمين دارهم ، تقع داراسطه كاظم البناء : - بنه ابن بنه وبيته ليس فيه طابوقة واحدة 000 ردد مع نفسه تلك النكتة التي اشيعت عن دار الاسطة 00 وعن يساره  يبدأ خط البيوت ممتداً حتى نهاية الزقاق 000 دار ابو حسين  المكاري ، ثم دار جميل العامل ، وبعدها دار جواد الحلاق 00 ثم 00 لايعرف اسم صاحب الدار 00

اما الخط الممتد في الجهة المقابلة ، فيبدأ بدار 00 أه 00 اللعنة عليها وعلى اهلها 00 انها أول الدور 00 ( الملحة ) 00

عندما نطق بأسمها ، احسن بخيط من الحرارة يسري في خلايا جسده ، اسم على مسمى - قال مع نفسه وهو يتنهد - ياله من جسم لدن 00 استغفر الله 00 وركين ممتلئين 00 ونهدين نافرين ملأى صدرها بتحد كبير 00 و 00

:- هادي ، ماذا بك ؟

كانت ( الملحة ) امامه ، سمراء وقد تلطخ وجهها بكل الوا ن وجوه نساء المدينة دون انتظام 0 

جمد في مكان 00 دار برأسه الى كل الاتجاهات 00 كان الخوف هو ماكبله تماماً 00 فطوف ببصره عن يمينه وعن شماله 00 التفت وهو مصعوق الى الخلف 00 لم يكن ثمه شخص في الزقاق سوى ناجي ابن حسن باعوامه السبعة جالساً امام باب بيته مكوراً ساقيه بين ساعديه، بعدان اتعبه تكسير الجليد في الساقية النتنة 0

:- اهلا ًً 00

قالها ، وكأنه يزيح عن كاهله ثقلا ً كبيراً 0

:- كيف الحال 00

سألته بتحد ، وهي تسد الطريق امامه بتعمد ظاهر ، بعد ان أحست برغبته في التخلص منها 0

:- عن اذنـِك 00

كان في صدره ثقل قد أحس به يجثم على قلبه ثم تابع قوله بتلعثم بيّن :

:-  هناك اجتماع في المسجد ، ولا اريد ان اتأخر عنهم 0

كان الزنبيل في يدها 00 مليء بالخضروات واللحم واكياس ورقية متنوعة فيما عينيها يختلج بياضهما بحمرة متبقية من سهر الليلة السابقة 0

: - اعرف ذلك 0

اجابته ، وهي تفرش على شفتيها الملطختان بحمرة قانية ابتسامة عريضة كشفت عن صف من الاسنان التي صبغتها بقايا دخان السكاير 000 سقط نظره على مثلث فتحة ثوبها العلوية ، دمدم مع نفسه: اعوذ بالله من الشيطان الرجيم 000 ثم غاص بعينيه في دكنة زاوية ذلك المثلث الحادة 000 نهدان نابضان الى ا مام ، حاول ان يرفع يده ليجوس باصابعه في ذلك المثلث ، كما فكر مع نفسه ، وقد اجتاحت جسده كله لفحة ساخنة حملها دمه واحس بها تتجمع في وسط بطنه ، فيما راحت معدته تتقلص وتنبسط بسرعة ، وألم حاد يدور فيها ، فيما فمه قد امتلأ بسائل لزج 000 الا ان ضحكتها العالية وصوتها الانثوي الابح اخرجه من كل ذلك :

 :- هادي 00 هادي 00

 

 

التشابيه8

 

:- جاء الخير 00

همس سليم أبن زاير كاظم البناء متهكما ً، بهاتين الكلمتين في اذن هادي ، الذي يجلس على يمينه في غرفة الجامع ، وهو يحاول اخماد جذوة أبتسامة تريد الافلات من بين شفتيه0

رد عليه هادي قائلاً : كما تقول 0

كان صوت منبه سيارة ( الفورد ) السوداء يتعالى في الشارع أمام باب المسجد صاخباً ، ينبيء عن وصول الحاج فريّح وجماعته ، فضاعت في اذن هادي كلمات زميله جمال الذي كان يجلس الى يساره 0

كان يرافق الحاج فريّح ، كعادته عند ما يضطر لاستخدام سيارته ، ثلاثة من الرجال احدهم جاسم الاعور ، الخادم المطيع ، كما يحلو لبعض شباب القرية ان يسميه ، اما الاثنان الاخران ، فقد كان الحاج يبدلهم مضطراً ، اذ إن الصدفة وحدهاهي التي تقف وراء الاختيار العشوائي لهم 00 ويعتمد ذلك على من يكون جالساً في مكتبه وقتذاك ، او من يصادفه من معارفه واصدقائه 000 ولم تكن حاجته لهم كحماية ، ، وانما ليساعدوه في دفع السيارة عند عطلها ، وما اكثر اعطال سيارة الحاج ، حتى اصبحت مثلاً يضرب به في ذلك 0

انتبه خبالو الى صف الجالسين امامه ، فها هو المله أبو ناجي يتصدر المجلس قريباً من المنبر الخشبي الاسود ، وقد ترك مكان الحاج شاغراً تحت لوحة مؤطرة لآية الكرسي معلقة على الجدار المقابل لباب الغرفة 000 فيما جلس الي جهة الجدار الايمن المحادد للشارع العام كل من ( شرجي قامة ) و ( حميد الطويل ) 000 اما في الجانب المقابل لهما فقد جلس كل من جمال ، وهادي ، وسليم 0

سأل خبالو نفسه  تلك اللحظة  وهو يُنهـِض جسده من الأرض المحاذية لباب الغرفة : ايهما الاسرع في النهوض ، هو ام المله ؟ وعندما لم يجد الاجابة عن ذلك السؤال ، وجد ان الجميع قد نهضوا ، فيما الحاج فريّح يمد يده ليسلم على هادي ، اذ لحظتها رآى يده في يد هادي وهو يقول :

:- كيف حال الشيخ الوالد 000 منذ مدة وانا لم أره ؟

رد عليه هادي بهدوء وادب :-

:- الحمد لله 00 انه بصحة جيدة 0

تساء ل خبالو مع نفسه بعد ان اجتازه الحاج ولم يسلم عليه :هل نسيّ ان يسلم عليّ ام انه تركني متعمداً ؟  ولأنه لايريد ان يجيب على هذا السؤال بنفسه ، ثبت نظره على جاسم الاعور ، الذي كان يقف مباشرة خلف الحاج ، ومع نفسه قال : ياله من سمسير قذر 00 سبحان الله ، اعرج واعور 000 ولم يسلم عليّ 000 انها عقوبة كبيرة 000 اعوذ بالله من الشيطان الرجيم000

تناسى خبالو عدم تحية الحاج له ، وراح يسأل نفسه لماذا لم يسلم عليه هذا الاعورالسمسير القذر ، الذي عاقبه الله بالعرج والعور  ؟ ولكي لا يترك لخياله ان يصور له بعض الاشياء التي ستدفعه لضرب جاسم الاعور ، حاول الخروج من الغرفة 000 وفي لحظة تحركه عبر باب الغرفة ، سمع صوت الحاج يأتيه آمراً :

:- خبالو 00 اجلس 0

عندها ، عاد الى مكانه وجلس ساكناً ، هادئاً ، تعالت أصوات الجالسين مرحبين بالحاج الذي اخذ مكانه ، فيما وقف جاسم الاعور في زاوية الغرفة القريبة من الحاج 0

كان المله سريعاً في عمله ، اذ راح يدس الوسائد خلف ظهر الحاج والى جنبيه ، ولسانه يلهج بعبارات الترحيب 0                  

رد الحاج بكلمات غير مسموعة على عبارات الترحيب التي اطلقها المله ، وجاسم وحميد الطويل ، وشرجي قامه، وخبالو الذي تعالى صوته بعد ان سمع اصوات الاخرين 0

:- الله بالخير عمي الحاج 0

:- الله بالخير خبالو 00 ها ، صرت آدمي ! ؟

قهقه المله بصوت مسموع وهو يرنو ببصره الى حيث بجلس خبالو قرب الباب ، اذ انتشرت احذية الجالسين من حوله 0

صاح جاسم الاعور :

:- هذه بركاتك ياحاج 000 بركاتك التي اسبغتها على من يحبك 0

ردد الحاج بصوت خاشع :

:- استغفر الله 00 والحمد لله 0

اسرع خبالو ، ناهضاً من مكانه ، راكضاً الى حيث يد الحاج الممدودة في حضنه وأخذ يلثمها بشفتيه اليابستين من البرد 0

صرخ الحاج فريّح وهو يسحب يده كالملدوغ من تحت شفتي خبالو :

:- استغفر الله 00 استغفر الله 0

ثم ربت على ظهره متابعاً استغفاراته :

:- استغفر الله 00 استغفر الله :-

اسرع جاسم الاعور ، وسحب خبالو الراكع امام الحاج 000 وراح يدفع به بعيداً عنه ، و أوصله الى مكانه قرب الباب ، واجلسه 0

:- اجلس ياخبالو 0 صاح به جاسم الاعور 0

وقبل ان تهدأ انفاس خبالو ، بعد ان حل جسده قرب الاحذية ، كان صوت الحاج فريّح مازال يردد استغفاراته 0

عاد جاسم الاعور الى مكانه 000 عندها سأل الحاج فريّح المله قائلاً :

:- ها ملانا 00 هل اخبرت الشباب عن سبب اجتماعنا ؟

تحرك الجسد المترهل في مكانه 000 وسمع الحاضرون صوت ريقه وهو يبتلع ، قال :

:- الحمد لله والشكر له 00  ثم مد يده الى عمامته البيضاء وعدل من وضعها على رأسه ، وتابع قوله: 

: - ان الله قد انعم علينا ، نحن أبناء قريتكم برجل عظيم ، خدم الدين والناس 000 رجل الاعمال الصالحة 000 وانت هذا الرجل يا حاج ، وكل شباب القريه وشيوخها ، رجالها ونسائها 000 يعرفونكم يا حاج 000 يعرفون افضالكم ويعرفون 0000

: -  لقد بدأ التملق 00 والكلام المدهون 000 قال هادي مع نفسه وهو يستمع لكلمة المله 00 فيما تململ جمال في مكانه ، وهو يخاطب نفسه وكأنه يحدث احداً : سبحانه الله ، هكذا تزّور الحقائق 00 سبحان الله 000 اما سليم فقد نظر الى زميليه نظرة حاول ان يوصل لهما ما حدّث به نفسه ، اذ قال من بين شفتين مضمومتين ولسان ثابت : ياله من رجل متملق 000 اتسمعون لما يقوله هذا المله الغبي ؟

كان صوت المله مازال عالياً ، فيما أصبح لون وجهه بلون الدم 000 وراحت بعض قطرات من العرق -  رغم برودة الجو - تتجمع على صفحة الخدين اللحيمين 0

:- وقد كانت ليديك الكريمتين ، ولعقلك الكبير دور في بناء هذه القرية 000 ولفظلك في بناءالمسجد مكانة كبيرة عند الله العلي القدير 000 وقد سارع شبابنا لحضور هذا الاجتماع عندما عرفوا انكم انتم صاحب الدعوة وعرف الشباب مرادكم من هذا الاجتماع 000 وهم يعرفون عظيم فظلكم وانتم تخدمون قضية امامنا الحسين 00 و 00

قاطعه الحاج فريّح بعد ان ارتاحت نفسه لمثل هذا المديح ، موجهاً سؤاله الى هادي :

:- ماهو رأي والدك في ذلك يا هادي ؟ 

 

 

التشابيه9

 

 

كان فرح مهدي عظيماً بمقدم اخيه هادي وصديقيه سليم وجمال 00 رحب بهما كثيراً ، عانقهم اكثر من مرة ، قبلهم في وجوههم 000 ربت على اكتافهم000 سأل عن احوالهم وهم مازالوا واقفين 0

كان مضيف القصب الذي دخله الشباب الثلاثة في بيت الزاير عبد الجليل اخي الشيخ عبد الكريم والواقع في احدى  القرى البعيدة عن مدينة الناصرية ، قد فرشت ارضيته بالبواري الصفراء ، فيما مدت بحذاء ركنه الطولي المقابل للباب سجادة صوفية ملونة 0

جلس الاصدقاء الثلاثة عليها متكئين على وسائد وضعها لهم مهدي خلف ظهورهم 000 وعلى الجانبين 0

:- اهلاً ومرحباً بكم 0

كانت الجملة الوحيدة التي راح مهدي يرددها أكثر من مرة امامهم ، وهو باسم الوجه 0

:- اهلاً ومرحباً بكم ، شرفتموني 0

وكمن يريد ان يقطع سماع تلك الجملة ، سأل هادي أخيه مهدي قائلاً :

:- كيف حال العم ، يا مهدي ؟

اجابه مهدي وهو يوزع طاسة الماء الكبيرة ( الفافون ) بين أصدقائه الجالسين :

:- كلهم بخير ، أخبرني عن احوال الوالد ، والوالده ، والأخت 0

اجاب هادي وهو ينهض من مكانه ، وكأنه يريد مغادرة المجلس :

:- كلهم بخير ، ويسلمون عليك 0

وعندما انتهى الجميع من شرب الماء ، استأذن هادي من أصدقائه ، ثم خرج 0

:- اهلاً وسهلاً 00 كيف حال زاير كاظم ، يا سليم ؟

رد سليم :

:- بخير والحمد الله 00 وانت كيف تسير الامور معك ؟

اجاب مهدي ، بعد ان وضع طاسة الماء قرب ( الشربة ) وجلس قبالتهم :-

:- انا بخير ، وانت يا جمال كيف حالك ؟  وماهي اخبار  الجماعة ؟

صرخ سليم كا لملدوغ :

:- ما هذا الكلام الملغوز ؟

بأعتذار قال مهدي :

:- لا والله 00 لا لغز ولاهم  يحزنون 00 انت تعرف بأننا نعدك اكثر من أخ 00 ولكن يا حبيبي كلمة الجماعة قد تعودنا على نطقها 00

قطع جمال حديث صديقه مهدي ، محدثاً سليم بأ ستفزاز مقصود :

:- ولماذا لا تكون انت مع الجماعه يا سليم 00 ها ، لماذا ؟

:- دخلنا ( بالحداد خانه ) 0 رد سليم متأففاً 0

عندها قال مهدي مستفسراً :-

:- سليم ، أي ( حداد خانه ) تقصد ، كل ما هنالك ، ان الجماعة يتمنون ان تكون معهم 0

وكأنه يريد ان يبرر عملاً سيئاً قام به ، رد على صديقيه قائلاً :

:- الظروف 0

:- أي ظروف تقصد ؟ سأل جمال 0

:- ظروف العائلة ، رد عليه سليم ، فيما اصبح لون وجهه أكثر اصفراراً 0

قال مهدي بهدوء ، وكأنه يريد ان يقنع صديقه بخطأ موقفه :

:- ليست ظروفنا احسن من ظروفك 000 وانت اعلم بذلك 000 والبلد بحاجة الينا نحن الشباب 000 وانت تعرف كل شيء 0

:- انتم تعرفون موقفي 0 ردسليم بتخاذل 0

وفجأة قطع سليم حديثه كمن يريد التخلص من شيء بغيض عنه وصاح بفرح :

:- ها قد عاد هادي 0

التفت جمال ومهدي الى الباب الواطيء للمضيف الذي غطاه جسد هادي ، وشاب أخر 0

:- اقدم لكم ابن عمي كريم 0

نهض سليم وجمال من مكانيهما مرحبين 0

:- طالب في الاعدادية 00 في الصف الخامس العلمي 0  تابع هادي قوله وهو يقدمه الى اصدقائه  :

:- اهلاً وسهلاً 00 رد جمال وسليم ، ثم صافحاه 0

:- ذكي ، ومتفوق 0 قال مهدي فتابع هادي القول :-

:- وأن شاء الله هذه السنة الى كلية الطب 0

ردد الجميع :- أن شاء الله 0

قال هادي باسماً ، وهو يغمز سليم :

:- وأيضاً من الجماعة 0

نهض سليم ، فيما راحت نظرات الشباب الاربعة تحاصره من كل جانب 000 ثم راح يردد من نفسه المثل المشهور : ردتك عون طلعت فرعون000 عندها انطلق الجميع بضحكة عالية 0

:- اخوان 0

قال سليم بعد ان سكت الجميع :

:- ارجو ان تقدروا موقفي 000 لااستطيع ان انضم الى حزبكم 000 لي ظروفي الخاصة 0

وكمن يريد ان يغير الحديث ، قال كريم :

:- ها هادي ، بماذا جئت لنا ؟

: -   بكل خير 0

بتلهف سأله مهدي :

:- قل  بسرعة 0

بخجل  لاح على وجهه ، نهض سليم مستأذناً ، وهو يقول :

:- سأخرج لأ تمشى 0

:- لا ياسليم 000 اجلس 000 انت واحد منا ، رغم انك لست في التنظيم ، الا اننا نثق بك  0

جذبه مهدي من طرف دشداشته قائلاً :

:- اجلس 000 سوف نتحدث عن يوم ( المقتل ) وليس عن الحزب يا رجعي 0

عاد سليم الى مكانه ، وهو يبتسم خجلاً 000 فيما نهض هادي مستأذناً وهو يقول :

:- سيخبركم جمال عن كل شيء ، اما انا فسأذهب لا ستعجل عمتي في عمل الغداء 0

صاح كريم :

:- اجلب معك قوري الشاي والاستكانات 0

عندما أصبح هادي خارج المضيف ، كان صوت جمال الهاديء الخجول هو من بقي في جو المضيف :

:- لقد اتفقنا على ان نشترك في ( التشابيه ) 0

سأل كريم جمالاً :

:- وموقف الحزب من ذلك ؟

رد جمال:

:- لحد الآن لم يأت أي جواب 000 ولكن هناك موافقة مبدئية بذلك 0

:- وكيف تتفقون دون علم الحزب ؟ سأل مهدي 0

اجابه جمال:

:- ربما اجابة الحزب ستتأخر 00 وعندما تكون اجابتهم  بالموافقة عندها سنكون قد قطعنا شوطاً طويلاً في التدريب 0

:- اما لو كانت الاجابة بالنفي ؟ سأل سليم 0

فاجابه جمال :

:- عندها سننسحب 0

باندهاش صاح سليم :

:- وانا ؟ اتتركونني لوحدي مع هذا الحاج الملعون ، لان الحزب يأمركم بذلك ؟

رد عليه كريم آمراً :

:- ستنسحب معهم 000 الست صديقهم ؟

:- لكنني لست حزبياً 0 رد سليم 0

فقال مهدي:

:- لكنك وطنياً 000 انت احد شباب القرية المثقف ، والشعب يعتمد عليكم 0 

عندها سكت سليم ، وهو يسمع صوت هادي الذي دخل عليهم حاملاً صينية الشاي وكأنه قد سمع كل مادارمن حديث،فخاطب اخيه :-

:- مهدي ، والوالد ؟

سأل مهدي :- ماذا به ؟

اجابه هادي :- لايقبل 0

بهدوء رد عليه :- مسأله بسيطة ، سأحدثه في الامر، ولكن ، هل وزعت الادوار ، اقصد ،هل عرف كل واحد منكم ماذا سيكون دوره 0

صاح سليم مهللاً :

: - انا سأقوم بدور الامام العباس 0

:- اما انا ، قال جمال ، فسأمثل دور الحسين 0 

: - كان الدور لي – صاح هادي – الا ان والدي رفض ذلك 0

قال مهدي:

:- اختيار ذكي 00 كلمة حق يراد بها باطل 00 لقد عرف حاج فريّح كيف يجذبكم اليه 000 لكنني متأكد انكم ستظلون كما كنتم 000 أولئك الشباب الذي يعتمد عليه 0

سأل جمال:

:- ماذا تقصد بكلمة حق يراد بها باطل ؟

ابتسم مهدي وقال :

:- لقد ارضاكم بهذه الادوار 0

قال هادي:

:- لكنه لم يجد من يعتمد عليه 000 ولاتنسى ، ان دور الحسين الذي سمثله جمال سيكون مهماً بالنسبة لنا 000 اقصد بالنسبة للجماعة 0

صاح سليم:

:- وما دخل الجماعة بدور الحسين ؟

قال هادي:-

:- لاتخف ، ان دورك مهم جداً ويفيد الجماعة كذلك0

    قال مهدي :-

:- هذا لايهم ،المهم أن يعرف الرفاق المسؤولين كيف يستغلون هذه المناسبة 0

صرخ سليم :- ماذا تقصد ؟

نظر الجميع اليه ، وانطلقوا بضحكة عالية 0

 

 

التشابيه10

 

 

كان الحزن بادياً على ثياب وملابس الاطفال والنساء والشباب ، اسودا ً كالحاً فقيراً ، فيماالرايات السود قد ملأت فضاء القرية معلنة استشهاد الامام الحسين ، ومكبرة تضحية اخيه العباس ، وتوشحت واجهات المحال بصور تمثل المأساة 000 فهناك صورة تمثل الامام العباس حاملاً راية وقربة ماء وهو يمتطي جواداً ، وصورة اخرى للشمر وهو يحز رأس الحسين 000 اما دار الشيخ عبد الكريم ، فقد انتشرت على احد جدرانه القصبية لافتة سوداء نقشت عليها عبارة ( يا حسين يا شهيد ) وراح علم اسود يرفرف على باب الدار معلناً حزن اهله 0 اما ابنة الدار ( هدية ) فقد ارتدت ثوباً اسود ، فيما ظل لون ثوب الام السواد 0  

:- لقد تغيرت  كثيراً 0

قالت أم مهدي ذلك ، وهي تضع أستكان الشاي أمام زوجها الشيخ عبد الكريم ، بعد أن انتهى من تناول غذائه 0

سألها وهو يحرك الملعقة الصغيرة في الاستكان ، وكأنه يريد ان ينهي الحديث عن تلك المرأة :

:- متى عاد هادي ؟

اجابته :- قبل قليل 0

ثم وهي تستذكر ما تريد الحديث عنه ، سألته :

:- ها شيخنا ، ماذا تقول ؟

باندهاش سألها وكأنه لا يعرف مقصدها :-

:- عماذا اقول ؟

:- قبل قليل اخبرتك بانها قد تغيرت كثيراً 0

بتأفف رد عليها :

:- وضعوا ذيل الكلب في القصبة اربعين يوماً ، فوجدوه اعوجاً 00 ام مهدي 00 الاعوج اعوج 0

:- لا يا شيخ، بهدوئها المعهود راحت تحدثه ببراءة نساء القرية  : المرأة تابت 00 هكذا اراها 00 وانت رجل مؤمن وتخاف الله 00 لا تظلمها 00 انها مسكينه 0

نظر اليها بأ ستغراب 00 احس ان زوجته قد جرته جراً الى ان يدخل في حديث معها عن تلك ( العاهـ 000 )، لكنه صاح قائلاً :

:- استغفر الله 00 انا اظلم احداً يا ام مهدي ؟

اسرعت تجيبه :

:- لا اقصد ذلك 000 لكنني اقول انها تركت افعالها المشينة تلك 000 اصبحت امرأة   

شريفة 000 لقد تابت ، والله يقبل التوبة النصوح 0

سألها ، بالرغم من ان الانزعاج قد اصبح بادياً على وجهه :-

:- من قال لك ذلك ؟

اجابته:

:- انا شاهدتها بهاتين العينين 00 قد اصبحت اكثر احتشاماً 00 والناس 00 الناس يا شيخ عبد الكريم ، اخذت السنتهم تتحدث عنها بأحترام 0

عندها قطع حديثها وهو يجلس امام المنضدة الصغيره - حاملة القرآن الكريم - وقال :

:- نسأل الله لناولها الستر 0

سكتت ام مهدي ، وكأنها عرفت ان الجملة التي نطق بها زوجها الشيخ ، هي نهاية الحديث 000 اذ رأته يفتح كتاب الله 000 ويبدأ يالتلاوة 0

كانت ام مهدي ، امرأة في الاربعين من عمرها 000 وقد لازمت جسدها الملابس السوداء منذ سنتين حزناً على مقتل حموها الشاب عبد الحليم 0

كان صوت الشيخ عبد الكريم مرتلا أيات من القرآن الكريم يتردد في ارجاء الصريفة طاغياً على كل صوت 000 حتى ان ابنتها هدية وهي تجلس امام ( تنكة ) الماء في ساحة البيت ، تغسل أواني الغداء وهي تنصت الى صوت والدها بهدوء تام 00

حملت ام مهدي أواني الشاي ، وبعد ان سلمتها لابنتها لتغسهما، عادت الى الصريفة0 00 فيما دخل ولدها هادي ، عندها سمعا صوت الشيخ يقول : صدق الله العظيم  0

سلم هادي على والده الشيخ ، ثم انحنى على يده وقبلها ، سأله الشيخ عبد الكريم :

:- ها 000 كيف كانت سفرتكم ؟

:- الحمد لله 000 جميلة وموفقة 0

:- وعمك ، كيف صحته ؟

:- الحمد لله ، على ما يرام ، وهو يسلم عليك0

:- ومهدي ؟

:- يتمنى ان يراكم جميعاً 0

:- اقصد كيف وجدته ؟ نفسيته ، حالته ، معنوياته ؟

:- عال العال 0

ولانه يريد ان يتحدث مع ولده بانفراد ، طلب من زوجته ان تعد لهم الشاي000 قال لها :

:- ام مهدي ، اعملي لنا شاياً جديداً 0

عندها نهض الجسد المغطى بالسواد  وخرج من الصريفة  دون ضجة ، وبعد ان تأكد الشيخ من خروج زوجته ، التفت الى أبنه هادي الذي اختار له مكاناً لجلوسه قبالة والده ، سأله :-

- اما زلت مصراً على الاشتراك في التشابيه ؟

وبخجل ، جاء صوت هادي هادئاً :-

- كنت ارغب في تمثيل دور الأمام الحسين 0

بانفعال ، صاح الشيخ مقاطعاً حديث ولده :- استغفر الله 000 استغفر الله 000 هل لعب برؤوسكم هذا الكافر وشيخه الزنديق ، ام انك قد جننت ؟ 00 ها 00 قل 00

كان لون وجه هادي قد تغير اكثر من مرة ، اصبح اصفر كلون ضوء الفانوس ، ثم جمد فزال عنه أي لون 000 وراحت كفاه يتعاركان فيما بينهما 000 وصوت الشيخ قد تعالى صارخاً غاضباً بابنه :- 

:- اتضع نفسك بديلا عن الأمام 0! ؟ استغفر الله من كل ذنب عظيم ، وصل الكفر الى بيتي 0

لم ينبس هادي ببنت شفة 0000 لم يقل شيئاً ، بل تضاءل أمام والده الشيخ الذي لم يفهم القصد من وراء كل ما سيفعله هو والشباب 0

كان صوت الغضب داخل ( الصريفة ) قد تعالى في الوقت الذي سد بابها سواد ثوب أم مهدي ، فيما وقفت خلفها (هدية) وهي تمد برأسها الى مدخل الباب محاولة معرفة ما يجري0

ظل صوت الشيخ هادراً ، والجميع قد كبله هذا الغضب غير المعهود عند الشيخ :

:- استغفر الله 00 استغفر الله 00

حاولت أم مهدي ان تقول شيئاً ، الا ان الشرر الذي تطاير من عيني الاب الغاضب والذي أمتلأت به الصريفة قد اخرسها :

: لقد عرف هذا الكافر ان يجمع حوله كفرة أخرين 000 استغفر الله العلي العظيم 000 واعو ذ به من كل  شيطان رجيم 000 ستقوم القيامة حتماً 000 سبحانك اللهم ، اغفر لنا 000 قبل ساعات كانت أمك تقول0 00 ان 000 استغفر الله 000 تلك المرأة 000 لا حول ولا قوة الا بالله 000 تلك المرأة تغيرت 000 هل يعقل هذا ؟ّ!

ثم بصوت هاديء يتقطر حنانا ، تابع قوله :

- أبني 000 انا اقول عنك انك ولد عاقل ، ويعرف حدود الله 000 هل استطاع هذا الكافر ان يدخل الشيطان في بيتنا 000 لقد عرف ذلك الكافر ان ينال منا 000 اعوذ بالله من الشيطان الرجيم 0

بدأ صوت الغضب يهدأ قليلاً 000 فا نسحبت ( هدية ) الى عملها في شؤون الدار بعد ان فهمت سبب هذا الغضب من خلال ماتجمع من كلام والدها ، وما سمعته من نساء الجيران حول تمثيل ( التشابيه ) في عاشوراء 000 كان والدها محقاً ، الا ان هادي خير من يمثل دور الامام الحسين – هكذا حدثت نفسها وهي تغسل استكانات الشاي – انه شاب تقي ومن عائلة متدينة 000 ولكن 000 ( الملحة ) 000 استغفر الله العظيم ، كيف تمثل ( الملحة ) دور سيدتنا زينب000 استغفر الله 000 اللهم اعوذ بك من الشيطان الرجيم 0

عادت أمها الى حيث تقف وهي تغسل أواني الشاي وتضعها في صينية صغيره 0

:- هل انتهيت ؟ سألتها الأم 0

:- نعم وسأرسلها اليهما 0

:- اسرعي ، والدك بحاجة الى استكان شاي 0 ثم وكأنها تكلم نفسها :-

:- لا اعرف لماذا لا يقبل الشيخ بالتشابيه ؟ ! ثم وهي توجه كلامها الى ابنتها التي حملت صينية الشاي:   

:- الذي يمثل دور الحسين ، يحصل على ثواب كبير 000 فلما ذا لا يوافق والدك بذلك ؟ ها ؟

لم تقل ( هدية) شيئاً ، وانما خرجت من ( صريفة ) المطبخ حاملة الصينية الى حيث والدها وأخيها 0 

 

 

التشابيه11

 

بدأت التدريبات في مسجد القرية ، وكان المصدر الذي اعتمده المله في رواية مقتل الامام الحسين ، هو ما كتبه ( ابو مخنف ) من قصة يوم الطف ، ومقتل الامام واهل بيته واصحابه ، صبيحة العاشر من محرم الحرام ، تلك الرواية التي اصبحت مشهورة بين المسلمين ، واخذ كل شخص الحوار الذي سينطق به ، والشعر الذي سيرتجزه ، اما الازياء، فقد تعهد الحاج بتوفيرها قيل يوم العاشر من محرم 0

كل شيء قد بدا جاهزا ً ، اذ ان اغلب المشاركين في ( التشابيه ) يحفظون الكثير مما جاء في رواية المقتل من خلال سماعهم للقصة مئات المرات من افواه قراء التعازي ، فضلا ً عن ان البعض قد سبق له ان شاهد اكثر من مرة (التشابيه ) 0

كان الشباب متحمساً في اداء الادوار ، الا انهم في تحمسهم يصدرون من اسباب شتى ، أي انهم ينقسمون في الغاية والهدف الى قسمين ، على الرغم مما يشدهم الى التدريبات من حب للامام الحسين واهل بيته وصحبه ، والمأساة التي المت بهم ، ومحاولتهم للتعبير عن هذا الحب ، ومن ثم كيفية اظهار ( التشابيه ) وكأنها حوادث تجري حقيقة امام انظار الناس المتلهفين لرؤية امامهم وهو يقتل امام انظارهم ، مما يغسل فيهم شعوراً بالاثم امتد عبر اكثر من الف واربعمائة عاما مضت لعدم نصرة امامهم امام ظلم الظالمين ، لهذا دخل هادي وجمال في حوار طويل مع سليم حول الفائدة التي سيجنونها في التنظيم من هذه التشابيه ، اذ رد هادي على هذا السؤال بلهجة مفعمة بحكمة السياسي القدير ، عندما قال : اخي سليم ، الا ترى ان الظلم الذي كان في ذلك الوقت ما زال قائما ً ، والا ماذا تسمي ما يدور حولك من امور الدولة والسياسة 00 ها ؟

جفل سليم مما سمعه ، واحس ان هناك اكثر من آذان تتسمع لحوارهم في الزقاق الذي ولجوه سوية بعد اكثر من ساعة من التدريب، قال متلعثماً:

: هادي رحمة على والديك اقلب صفحة 0

سوية كانت ضحكة هادي وجمال تملأ الزقاق الذي راحت تفوح فيه روائح نتنة جلبتها الساقية التي امتدت في منتصفه تشقه الى نصفين وهي تعلن صورة من صور الظلم والقهر الذي يعيشه ابناء العراق الذين ينامون على محيطات من النفط كما اكد هادي ، اما جمال فقد تابع قول رفيقه قئلا ً :

- اليس هذا هو الظلم بعينه ؟

كان سليم يسير مع صحبه مطأطأ الراس كانه يبحث عن شيء اضاعه في وحل الشارع فيما بدأ الملة يرفع اذان المغرب 0

كان الآذان القشة التي وجد فيها سليم وسيلة لانقاذه من سماع ذلك الكلام الذي لا يود ان يسمعة فبادر الى طلب الاذن من صحبه للذهاب الى البيت كي يلحق الفطور ، قال :

: تفضلوا يا جماعة 000 الفطور جاهز وسيفرح الوالد كثيرا بوجودكم 0

نظر الشابين الى بعضهما ، وهم يعلمان ان الفطور كان حجة لسليم ليهرب من الحوار ، لهذا قالا سوية : شكرا 0

عندما تركهم سليم عاد القلق مرة اخرى الى نفوسهم التي لم تعد غضة كما كانت ، لقد احسا ان القلق والهم والتفكير الزائد ومن ثم انتظار الموافقة هو ما يجعلهم يعيشون في دوامة هذا القلق ، الا ان هادي وكأنه يريد ان يقنع نفسه اكد لصاحبه قائلا ً:

:اعرف انهم سيوافقون 0  

كانت جماعة هادي تهدف من وراء اشتراكها في ( التشابيه ) الى غير الهدف الذي يشد الاخرين للمشاركة في العمل نفسه ، وفي الوقت نفسه ، كانوا قلقين من عدم موافقة حزبهم على المشاركة فيها  واستغلال مثل هذه المناسبة لقول ما يريدون قوله من افكار كانوا قد اعدوا العدة لأن يصرحوا بها في الوقت المناسب ليعرف الناس ما يدور حولهم من سياسة التخاذل والعمالة 0

اما الاخرين فقد كان الهدف الذي يدفع بهم للمشاركة في التشابيه ، هو التباهي امام الناس ، وعرض ما يمتلكونه من روح الشقاوة والبطش بالاخرين 0

اما الحاج فريح ، فقد كان ذكياً – هو والمله – في توزيع الادوار 000 فقد اوكل لجماعة هادي تمثيل الادوار الاساسية في التشابيه ، اما ادوار الشخصيات المعادية كعمر بن سعد والشمر بن ذي الجوشن  فقد كانت من نصيب جماعته ( شرجي قامه ) و ( حميد الطويل ) ، لا لانه كان يعرف انهم لا يليقون بمثل هذه الادوار حسب اعتقاد الناس فحسب بل لانه يريد ان يكسب الى صفه الشباب من جماعة هادي 0 

كان  (شرجي قامه ) شاب طويل القامة ، بجسد رياضي ، وعضلات مفتولة نافرة ، قضى جل وقته في النادي البسيط والوحيد في مدينته التي ولد فيها ، وعاش حياة الفقر واليتم  في كنف زوجة اب غير رحومة معه ، اذ كان والده  ، احد رجال الشرطة الخيالة الذي لا يستقر له مكان ، وعندما شب ، بعد ست سنوات من الدراسة الابتدائية التي كان متميزا فيها توفي والده ، فأجبرته زوجة الاب على ترك الدراسة ، وبدلاً من العمل راح يتردد على النادي ، يحمل الاثقال ليبني له جسداً قوياً يفيده في شبابه ، كما قال له مدربه  وجاره ( ابو الحديد ) ، الا ان ثلاثة اشهر من التدريب العسكري ، عندما سيق للخدمة الالزامية قد جعلته ينفر من كل شيء ، فترك الجيش ووحدته العسكرية والبيت ومدينته الصغيرة ، وجاء الى الناصرية، وهو يشد ( قامة ) فضية اللون حول ساقه ، بشريطين جلديين ، وبين ليلة وضحاها ، وفي منطقة ( باب الشطرة ) ، اصبح شقاوة المنطقة غير المنازع ، فدخل في معارك لا سبب لها ، مع اصحاب المحال في المنطقة ، واكثرهم  من الناس البسطاء ، فكانوا يبتعدون عنه لدفع شرهً عن محالهم 000 وعندما سمع اخباره الحاج فريـّح ، ارسل جاسم الاعور بطلبه ،  واوصاه ان لا يأتي الا وشرجي قامة معه0

بعد ان انهى ( شرجي قامة ) شرب استكان الشاي في مكتب الحاج فريـّح ، خرج من المكتب وقد اصبح احد مساعدي الحاج المهمين ، وقد امتلأ جيبه بالاوراق المالية 0

لم يعرف شيئا عنه وعن اهله ، الا ان الفترة التي قضاها في مكتب الحاج وهو يشرب استكان الشاي ، قد جعلته من معية الحاج ، ومن اشد المدافعين عنه ، ومن انشط الناشرين لاخباره ، ومآثره واعماله الخيرية في المنطقة والمدينة على السواء 0

مرة ، كان ( شرجي قامة ) يسير في شارع ( عكد الهوه ) ، وقليلاً ما كان يصل الى هذا الشارع ، اذ كان ينهي ساعات يومه متسكعا في مقاهي ( باب الشطرة ) و (الصفاة ) ، ففوجيء بثلاثة من افراد الانضباط العسكري ، وجهاً لوجه ، لم يخف ، الا انه حاول ان يميل بجسده بعيدا عنهم ، ليجتازهم دون ان يحتك بهم ، عندها سمع احدهم يصيح به : قف 00

وقف دون تردد ، فيما تابع الذي صاح به قوله : مستمسكاتك 00

لم يفاجأ بما طولب به 000 وبفم ملأته ابتسامة عريضة تشي بالفوز ، اجاب : انا من جماعة الحاج فريـّح 000 اذ سبق ان راى احدهم في منطقة باب الشطرة 0

وبعد نقاش حاد بين رجال الانضباط العسكري ، انهى احدهم النقاش قائلا ً : اخوان ، انا اعرف الحاج فريـّح ، سوف نذهب معه الى مكتب الحاج لنعرف الحقيقة 0

اذعن ( شرجي قامة ) اليهم عندما مسكه اثنان من افراد الانضباط العسكري من كلتا يديه ، وما زالت الابتسامة تطفو على شفتيه 000 تحرك معهم الى حيث مكتب الحاج ، وهناك ، دفع الحاج لافراد المفرزة ثلاثة ارباع الدينار فطورا لهم ، وعادوا بدون ( شرجي قامة ) ، بل ان احدهم همس في اذنيه قائلاً : عندما تحتاج الينا ستجدنا في ( عكد الهوى ) 0

اما (حميد الطويل ) فكان طول قامته هو ما يميزه عن كل جماعة الحاج فريـّح ، وكان جسده نحيلا ً، شديد صفرة الوجه 000 الا انه كان ثرثارا ً، لا يهدأ له لسان ، ولا يوقفه شيئاً عندما يبدأ الحديث عن أي شيء يعن له ، وكثيراً ماحاول الحاج ان يثنيه عن عادته تلك 000 ومرة وصل غضب الحاج منه حداً جعله يرميه بنصف طابوقة ، الا ان سرعة حركته جعلت رأسه بعيداً من مرماها 0

كان ( حميد الطويل ) وهي الكنية التي اطلقها عليه الحاج فريـّح عندما جاء به ( جاسم الاعور ) لاول مرة من قريته قبل اكثر من سنة ، قال للحاج : انه شاب لطيف ، وقوي 000 وهو يتيم الام ، الا ان زوجة والده قد طردته من البيت ، لانه اصبح عالة عليها بعد ان هرب من الخدمة العسكرية ، ولأنه غير معروف في القرية ، فقد ضمه الحاج الى جماعته ، واسكنه مع ( شرجي قامة ) في احد بيوت القصب التي بناها الحاج في القرية لمعارفه 0

كان الثلاثة ، جاسم وشرجي وحميد ، هم شقاوة منطقة باب الشطرة ، ومن مساعدي الحاج ، والمدافعين الشرسين عنه ، ومن ناقلي اخباره الخيرية بين الناس 000 وعندما اتفق الحاج والملة على اقامة ( التشابيه ) كان اختيار الحاج لهم ليقوموا بادوار اعداء الامام الحسين 0

 

 

التشابيه12

 

عندما احبت الجماهير العربية جمال عبد الناصر لمواقفه القومية المعروفة ، ووقوفه بوجه العدوان الثلاثي على مصر ، كان عبد ناصر قد سبق له ان خدم في الجيش العراقي ، قاتل الصهاينة عام 1948 ، وعندما عاد  بعد الحرب بجروح  كثيرة في بدنه ، دخل المستشفى لاكثر من اربعةاشهر ، بعدها احيل الى التقاعد ، فزوجه عمه ابنته ، وولدت له اربع بنات 000 ولم تفد معها كل فعل الكشافات وفتاحي الفال ، واعشاب امها ، ولا زيارة مراقد السادة واولياء الله الصالحين ، وكذلك اطباء المدينة في ان تلد ولدا ً يحمل اسم العائلة ، ويساعد الاب في امور الحياة عندما يكبر0

مرة قال له عمه : لماذا ياولدي لا تأخذ زوجتك الى مراقد الائمة ؟

لم يقل شيئا ً علىالرغم من ان ذلك كان امنيته وامنية زوجته ، كانت كثيراً ما كلمته في ذلك ، الا انه كان يعتذر منها لقلة ما في اليد ، فالارض التي كان يزرعها لا تأتي يالكثير 000 وراتب التقاعد لا يكفي الا لايام عدة ، والبنات بحاجة للملابس 000 ومتطلبات الحياة كثيرة ، اما ( الحلال ) فقد اخذ ثمنه مراجعات الاطباء ليداوون جروح حرب فلسطين ، ولم يبقى من ( الحلال ) الذي تركه والده بعد وفاته الا بقرة واحدة تؤمن لهم حليب الفطور ، ولبن ( الغموس ) 0

الا ان عمه لم يسكت ، ذلك لان الحاح زوجته عليه بان يبيع احدى بقراته ليذهب بثمنها ابن اخيه وابنتهم لزيارة مراقد الائمة ، وكذلك ما كان يراه من هم مرتسم كالغيمة السوداء على وجه ابنته ، وابن اخيه ، كل ذلك قد دفعه الى ان يفعل ماطلبته زوجته ، فباع البقرة واعطى ثمنها الى ابن اخيه:

: لا تهتم يا ولدي ، الخير كثير ، وابوك الله يرحمه ، كان لي كالاب ، وكثيرا ما كان يمد يد المساعدة لي ، فمشاكل الدنيا كثيرة ، والتعاون الله يبارك به ، وان شاء الله زيارة واحدة للائمة ، سيكرمكم الله بالولد الصالح 0

 ما قاله عمه لم يكن جديدا ً عليه ، بل كان ذلك من امانيه ، الا انه لم يخبر عمه ان هذه السفرة ستكلفه مالا ًكثيرا ً غير متوفر عنده 000 وهو يعرف ان (الحلال ) قد بيع كله ، والارض بارت ولا تأتي بالكثير 0

بعد لحظة صمت قصير ، سأل العم :

: ها 00 سكت ؟

كانت الحيرة والخجل هما ما تقاسم لون وجهه ، وفي الوقت نفسه ، قال مع نفسه - انه عمي ووالد زوجتي ، لا بأس ان يساعدني من اجل ان تستمر سلالةزاير ناصر  ، عندها قال :

: عم ، ان شاء الله 0

رد عليه الرجل العجوز من بين شفتين باسمتين :

: وهل تستطيع ان تفعل شيئا ً دون مشيئة الله سبحانه وتعالى 000 ها ؟

انتبه عبد ناصر الى ان عمه قد اساء فهمه ، رد عليه بصوت مخذول :

: اعوذ بالله ان اعني ذلك ، ولكن انت تعرف ان العين بصيرة واليد قصيرة 0

: ومن قال لك ذلك ، ان الخير في بيت عمك وفيرً 0

كان اكثر ما يغيضه هو كبرياؤه ، وكذلك فهو لا يريد ان يزيد الدين الذي في رقبته لعمه ، فقد عمل الكثير له 0

وكان الصمت هو الشيء الوحيد الذي ملأ المكان الذي كانا يجلسان فيه ، ولكي لا تفوته هذه الفرصة التي هيأها له عمه ، قال : 

: الذي يراه الله فيه الخير 0

وذهب عبد وزوجته الى النجف الاشرف وكربلاء وبغداد ، وولد جمال عبد ناصر بعد عشرة اشهر من اغتسال زوجته من الحيض الذي جاءها بعد الزيارة بايام قليلة ، فضحى له عبد بخروف ، فيما نحر جده ثور كبير لوجه الله 0

كانت ام جمال هي التي بدأت الحديث وهي في فراش النفاس ، فيما والدها ووالدتها وام زوجها وزوجها وبناتها الاربع محتفين بها ، فرحين بالمولود الجديد 000 قالت :

: ماذا تسميه يا عبد ؟

كانت ترغب في سؤال والدها ، اذ انه خسر الكثير ، فقد ضحى ببقرتين في سبيل مجيء ابنها ، الا ان حبها لزوجها ، واحترامها للتقاليد المتبعة ، سالته شخصيا ً 0

كان الاسم مختبئاً في تلافيف ذهن عبد ناصر قبل ان يولد وقبل ان تلد زوجته ابنته الرابعة ، فقد كان الناس يلهجون  به ، وكأ نه تعويذة يرمونها بوجه الملك ورئيس وزرائه نوري السعيد ، وكثيرا ً ما سمع ابناء المدينة يرددون هذا الاسم في مجالسهم الخاصة او في التظاهرات والتجمعات التي يقيمونها للتنديد بقرارات الحكومة ، ولكن ، هل يوافق عمه ؟ ام انه يريد ان يسميه بأسم جده ، ناصر ، كما صرح له وامام الاهل اكثر من مرة ؟ وكما تعود ان ينادي على ابنته في فترة الحمل بهذا الاسم ؟ اما هي فقد كانت ترد عليه مبتسمة خجلة :    

- ان شاء الله 0

تساءل مع نفسه : هل يوافقونه على هذا الاسم ؟

كان الكل يراقب عبد ناصر منتظرين ان يسمي ابنه 000 وعندما طال سكوته ، بادره عمه قائلا ً :  

: ماذا تقول لو اسميناه 000 الا ان عبد ناصر لم يدع عمه يكمل حديثه ويسمي الوليد الاسم الذي يرغب 000 سارع بالنهوض وطلب من عمه ان يخرج معه لبعض الوقت ، قال :

: دقيقة انا وانت 0

خرجا سوية بعد ان ترك عبد ناصر عمه ووالد زوجته يخرج قبله من باب الصريفة ، وبعد دقائق دخل العم ومن خلفه عبد ناصر وهما باسمان ، الا ان زوجة العم قرأت من بين غضون وجه زوجهاالشيخ الكبير بسمة تكتم خلفها حسرة لا تدري ماهي وما اسبابها 0

قال الشيخ الكبير:

: مبروك بنتي ام جمال 000 ثم وجه كلامه للاخرين الجالسين في الصريفة : مبروك للجميع 000 لقد هدانا الله الى هذا اسم 000 جمال عبد ناصر 000 مبروك للجميع 000 وان شاء الله يكون من الرجال الصالحين ، ويشرف الرجل الذي حمل اسمه 000 ثم خرج الى الهواء الطلق من صريفة ابنته النفساء دون ان يقول شيئا ً او ان  تلوح على صفحة وجهه المتغضن اية ملامح للغضب الذي احس لحظة طلب منه ابن اخيه ان يدع تسمية الوليد له لانه قد اختار هو الاسم 000 اذ كان يرغب في ان يسميه على اسم اخيه المرحوم ناصر ، الا ان زوجته العجوز التي عركتها السنون مع زوجها الشيخ الكبير قد فهمت لماذا كانت ابتسامة زوجها تحمل في طياتها غضبا قد كظمه ، وهي تعرف كيف ان هذا الشيخ يكظم الغضب ، ويترك الحسرة تأكل قلبه دون ان يخبر احدا ً 0

كان عبد ناصر ، بعد ان بارت ارضه ، وباع كل ما كان قد ورثه عن ابيه من ( حلال ) ليصرفه على تربية بناته الاريع ، وابنه (المدلل) جمال ، ارتحل الى المدينة التي لم تستقبله في بيوتها المبنية بالطابوق  لقلة ما في اليد  000 فاشترى قطعة ارض من الحاج فريّح وابتنى عليها بيتا من القصب والبواري بسعر زهيد في الشارع العريض الذي يشق القرية الى نصفين ، الشارع الرئيسي للقرية والذي يقع المسجد عليه ، فيما احيط المسجد بمجموعة من المحال الصغيرة لبيع الخضار واللحوم والمواد الغذائية والمنزلية ، اما واجهات الدور فهي لاتختلف عن دور القرية ، سوى ان ابوبها قد انتصبت بين عمودين بنيا من الطابوق والطين 0

كان ذلك قبل اكثر من عام ، ولما كان قلمه ( باشطا ً ) فقد وضع له منضدة خشبية صغير ومجموعة من الورق واقلام ( القوبيا ) وجلس على كرسي من جريد النخل قبالة دائرة التجنيد وراح يكتب للاخرين ( العرائض ) 0

كان اول من تعرف عليه في القرية هو الشيخ عبد الكريم ، اذ وجد في هذا الرجل الورع ، ذو اللحية البيضاء ، والمسبحة السوداء ، خير صديق له ، لقد هداه قلبه الى صداقته عندما كان يراه صبيحة كل صباح يخرج من بطن الزقاق وعينيه مزروعتان في الارض ، وبعد محاولات للاقتراب منه والتعرف عليه ، الا انه لم يستطع تنفيذها ، لاسباب كثيرة ،  راح في احد الايام يتبعه ، سار خلفه متتبعا ً خطواته ، فرآه يعبر الجسر ، ويدخل السوق ، حتى اذا وصل الصفاة التاف من حولها وتوجه الى احد المحال التي في ظهرها ، كان المحل عبارة عن مكتبة كدست على رفوفها الخشبية مجموعة من الكتب الصفراء ، دواوين للشعراء ، كتب دينية ، مختارات من حكايات الف ليلة وليلة ، المياسة والمقداد ، وكتب اخرى واوراق واقلام 000 دخل مباشرة بعده ، سلم عليه وقال :

: هل تأذن لي يا شيخ بالجلوس ؟

ثمة كرسي من الجريد يحتل صدارة المحل ، اشار اليه عبد ناصر، ودون ان ينتظر الاذن جلس عليه ، اذ فكر مع نفسه ، ان الفرصة قد آتته الان فلا يضيعها من بين يديه كما ضيع غيرها من قبل 0 

لم يندهش الشيخ لما فعله الرجل ، فقد فعل ذلك اكثر من واحد قبله ، ربما كان تعبا ً:

:- صبحك الله بالخير 0

قال الشيخ ذلك وتقدم الى باب المحل ومد رأسه الى الخارج وصاح :

:- ابو على 000 شايين من فضلك 0

رد عليه عبد ناصر قائلا ً : الله بالخير والعافية 0

سأل الشيخ ضيفه :

:- هل فطرت ؟

ابتسم عبد ناصر في الوجه ذو اللحية البيضاء ، ثم قال :

:- الحمد لله ، وشربت استكانين من الشاي في البيت 0

بعد ان جاء ابو علي بالشاي ، سال الشيخ الرجل الجالس امامه :

:- هل تأمر بشيء ؟

:- نعم شيخنا ، اريد صداقتك 0

لم يدهش الشيخ ، اذ انتظر ضيفه يقول كل شيء ، قال مع نفسه : سنرى ما يريده هذا الرجل 0

:- اهلا ً ومرحبا ً بك 0 قال الشيخ 0

:- انا من اهالي القرية ، اقصد من قرية الحاج فريّح ، ومنذ اسبوعين سكنت فيها ، ولا اعرف احدا ً من اهلها 0

مد له الشيخ يده قائلا ً : اهلا ً ومرحبا 000 تشرفنا 0

:- عبد ناصر ، كاتب عرائض 0

لم يقل له انه منذ ايام حاول الاقتراب منه والتعرف عليه ، الا ان الخجل قد حبسه عن ذلك 0

:- عرفت انك تبيع الورق والاقلام ، فقلت لماذا يا ابو جمال لا تشتري من هذا الشيخ الذي يخاف ربه ، وتكسب صديقا 0

ردالشيخ باسما ً:

: - المكتبة وما فيها تحت امرك يا ابو جمال 0

: الله يرزقك شيخنا 0

رد الشيخ:

:- ابو مهدي 0

:- عاشت الاسماء 0

 

 

التشابيه13

 

: يا جمال يا عبد يا ناصر 000

جاءه صوت والده من صريفة الخطار مليئا ً بالغضب ، وهو يعبر عتبة الباب الخشبي لدارهم 0

كان الصوت حادا ً غاضباً ، ضج له جو البيت ، تساءل  كيف عرف والده بعودته ، هل كان ينتظره ؟

تدافع الدم في رأسه ، كانت المفاجأة قد شلته ، واحس بالاختناق ، كان اهم سؤال شغل فكره تلك اللحظة هو : لماذا عاد والده في هذه الساعة من الظهيرة والدوام لم ينته بعد ؟

كان جما ل قد وصل للتو ، بعد ان مر مع زميليه هادي وسليم على مكتبة والد هادي الشيخ عبد الكريم لشراء بعض القرطاسية ، وما زالت كتب الدراسة بين يديه ، ومبرهنة درس الهندسة ما زالت عالقة في ذهنه 000 و رغم كرهه لهذا الدرس ، الا انه قد خصص له ساعتين في اليوم لحفظ مادته استعداداً للا متحان الوزاري للحصول على معدل يؤهله لدخول كلية الهندسة 0

دخل الصريفة منشده البال ، وفي الوقت نفسه كان قد هجم على تفكيره سبب عودة والده المبكرة ، والصرخة الحادة التي شلته ، وبعد السلام ، طلب منه والده مباشرة وبصوت آمر حاد ان يجلس امامه 0

كانت أم جمال في صريفة المطبخ ، تعمل بنشاط لتعد الغداء لزوجها الذي عاد مبكراً 000 كانت هي الاخرى مشغولة البال 000 وقد سألت نفسها أكثر من مرة عن سبب عودة زوجها المبكرة 000 وأن مامنعها عن سؤاله ، هو انها رأت على صفحة وجهه علامات الغضب عند دخوله البيت 0

كانت صرخة زوجها ، قد أوقفتها عن العمل ، وأخرجتها من حالة الانشداه الى حالة اخرى لم تعرف معنى لها ، جعلتها تترك عملها  وتنتظر ما سيحدث بعد هذه الصرخة الغاضبة 000 سمعت زوجها يصرخ بأبنها :

- ها 00 كيف احوال الدراسة ؟

كان صوته قد تميز بالغضب 000 اما المسبحة السوداء ذات المئة خرزة وخرزة ، التي كانت بين اصابع يديه فقد شدت بقوة حتى يظن من رآها انها ستنقطع لا محالة 0

اجاب جمال ، رغم مافوجيء به من غضب :

- الحمد لله 0

صرخ الاب :

- الحمد لله 000 ها 000 والحاج فريح ؟

صعقه السؤال 000 اذ لاول مرة يسمع من والده مثل هذا السؤال 000 الا ان الاب لم يدع لابنه الفرصة للاجابة ، فتابع قوله ، والغضب ما زال مسيطرا ً عليه :

- اقصد التشابيه ؟!

اجاب الابن وقد تلبسته حالة من الخوف ، اذ اصبح كالطفل الذي ارتكب خطأ ً جسيما ً :

- ماذا عنها ؟

- رغم ان حدة الغضب قد خفت ، الا ان صوت الاب ما زال عاليا ً :

- اقصد دورك فيها ؟

اجاب الابن:

- سأقوم بتمثيل دور الامام الحسين 0   

كان وقت الظهيرة  قد بدأ بازالة ما تبقى من برد حقيقي من ليلة البارحة ، فيما تكشفت بقع من السماء ، بعد ان تفرقت الغيوم ، فبدت اشعة الشمس تتسرب من خلل تلك البقع نازلة الى الارض لتوزع دفأها بحياء على الناس المقرورين ، واغلبهم بالكاد يكسو جسده ثوب واحد ، كالح اللون 0

الا ان صرخه الاب الثانية :- ماذا ؟ قد جمدت الدم في عروق الابن الراكع امام والده ، فأحس برجفة تلبست كل جسده 000 كان خيطاً بارداً صعد من الارض مع عموده الفقري وتوزع في نواحي جسده 0

جفلت ام جمال وهي في الصريفة الاخرى ، فأنهالت على اذ نيها عشرات الاسئلة التي راح الاب الغاضب يصرخ بها في صريفة الخطار 0

نزلت هذه الاسئلة كحمم بركانية ، سائلة ، لزجة ، مشتعلة ، احس جمال بجسده رغم برودته يحترق بها ، ولم تستطع ذاكرته ان تحتفظ بواحدة من تلك الاسئلة ، الا ان مافهمه هو ان والده  قد سأل عنه في المدرسة ، وان المدير قد اخبره ان ابنه جمال قد ترك المدرسة مع طلاب صفه بعد الدرس الثالث ، لعدم وجود مدرس 0

كانت اسئلة الاب الغاضب ، هي التي اصبحت بالنسبة للابن ،الجحيم الذي عاشه تلك اللحظة ، فامتدت مع برودة الجسد ، وحمم براكين غضب الاب الحيرة والقلق والخوف ، الا ان مااخرجه من كل ذلك ، هو :

- ماهي علاقتك بمهدي ؟

كان السؤال هذا ، هو القشة التي كسرت ظهر تلك الحيرة وذلك الخوف 000 لقد انتشله هذا السؤال من كل ذلك ، فاسرع بالاجابة دون تردد :

- زميلي في المدرسة وصديقي  في المنطقة 0

الا ان الكلمة التي نطق بها الاب بكل حدة ، قد صعقته مرة اخرى ، فجعلت تفكيره يتيه في دروب لايعرف لها نهايات :

- والحزب ؟

كانت لفظة الحزب حادة الحواف ، كقطعة زجاج مهشمة ، راحت تعمل في خلايا جسده بكل شراسة ، هذا هو بيت القصيدة ، قال جمال مع نفسه ولم يرد بشيء على تسائل والده ، فيما راح لون وجهه يتغير بسرعة ، انتبه لها الاب الغاضب 000 احمر ، اصفر ، باهت 000 مما دفع الاب الى ان يصرخ بقوة :

- ألم انصحك بالابتعاد عن أي حزب سياسي 000 ها ؟ لقمة الخبز نحصل عليها بالكاد ، وانت صاير سياسي 000 ماذا اقول للحكومة 000 ها 000 ماذا اقول لعبد ؟

كان اسم ( عبد ) هو الذي اخرج جما ل من تبدلات لون وجهه ، ومن الخوف والقلق اللذين تلبساه منذ ان سمع صراخ والده لاول مرة قبل لحظات 000 اجاب وهو يخفي عينيه بين الخيوط الملونة للسجادة المفروشة على ارضية الصريفة :

- وما شأن عبد ؟

صرخ الاب:

- يعني صاير سياسي ؟

- ابي 000 انا لم اقل ذلك 00 ولكن 0000

قاطعه الاب بحدة:

- لا لكن ولاهم يحزنون 000 انا اعرف كل شيء من زمان 000 قل لي هل صحيح قد انتميت لحزب سياسي ضد الدولة ام لا ؟  

لم تكن الحيرة التي قد ترسبت في خلايا دماغه من ذلك السؤال سببها قول الحقيقة ، وانما كان السبب في ذلك ، هو ماذا سيكون رد فعل هذا الاب الغاضب على اية اجابة سيقولها0 00 الا انه قطع خيط تلك الحيرة ، واجا ب بصوت ثابت مكين بعد ان حاول ان يسترد بعض تفكيره ، ورباطة جأشه اللائي فقدهن منذ اكثر من نصف ساعة وهو يجلس امام والده كالمجرم الذي يجيب عن اسئلة محقق شديد المراس :

- نعم 0

مرت لحظات من السكون القاتل الذي خيم على فضاء الصريفة وخرج الى فضاء الدار وتمدد حتى وصل الى صريفة المطبخ ، الى الام التي اسرعت بالخروج والتوجه مباشرة الى حيث زوجها وابنها وهي تحمل صينية الغداء لتنهي حالة الغضب التي تلبست زوجها ،  فراح يكيلها لابنه الوحيد 000 وحالة الخوف التي عاشها ابنها الوحيد ،عندما دخلت عليهما ، كان الاب صامتاً وعينيه تحدقان في باب الصريفة 000 فيما وجه ابنها منكساً الى الارض0

وضعت الصينية بينهما 000 وبعينين حانيتين ، رمقت زوجها وكأنها تطلب منه ان يكون رحوماًُ مع ابنهما الوحيد 0

 

 

التشابيه14

 

 

كان مجلس العزاء الذي يقام قرب قيصرية القماشين ، هو موعد هادي ورفاقه مع مسؤولهم ، الرفيق صبحي0

اربعة شباب ، من طلاب ثانوية الناصرية ، يسكن اثنان منهما قرية الحاج فريح ، وهما هادي وجمال ، فيما يسكن زميليهما حمد ومحسن القسم الداخلي ، لانهما من مناطق بعيدة عن مدينة الناصرية 0

هكذا ضرب الاستاذ صبحي معلم التربية الرياضية في احدى مدارس المدينة والمسؤول الحزبي لهم موعده مع هادي ، الذي عليه ان يوصل هذا التبليغ الى رفاقه الطلاب ، اكد على هادي بعد ان انتظره في احد الازقة التي يمر عند عودته من المدرسة ، قال له :

- انتبهوا جيداً 000 موعدنا في مأتم العزاء الذي يقام في سوق الندافين 0

كان ذلك في اليوم السابع من ايام شهر محرم الحرام 000 وهو اليوم الذي تحل فيه ذكرى مقتل الامام العباس 000 والذي سيقوم في تمثيل دوره زميله سليم ، والذي رفض ان ينتمي الى صفوف الحزب ، رغم الحوارات التي اجراها معه هادي حول ذلك  0

اكد الاستاذ صبحي لهادي ، قبل ان يتركه ويمضي الى المكان الذي يختبيء فيه عن اعين رجال الحكومة :        

- عليكم ان تجلسوا في منتصف المأتم ، وان تتركوا بينكم فسحة من المكان لأجلس فيها عند مجيئي بينكم دون ان ترقبني العيون 000 ثم اكد : سآتيكم بالزي العربي كي اضيع بين الناس في المأتم 0

كان الموعد بعد الساعة السادسة مساءً ، وهو موعد اقامة المأتم 000 وكان الهاجس الذي يجول في نفس هادي وجمال ، هو كيفية اقناع والديهما بتأخرهما الى وقت متأخر من الليل ، فقد حظر عليهما الذهاب  الى المآتم المقامة في المدينة في الليل ، فضلاً عن ان هناك اكثر من مأتم مقام في القرية ويمكن الجلوس فيها عدا مأتم الحاج فريح الذي يقام في منطقة باب الشطرة والذي منعا عن حضوره ، لانه لا ثواب فيه كما قال الشيخ لابناءه ولصديقه ابو جمال ، وتابع قوله :  فلوس حرام 0

الا ان هادي وجمال اتفقا على ان يخبرا والديهما بان مدرس الرياضيات سيلقي محاضرة اضافية على طلبة صفهم 000 فخرجا من بيتيهما  تلاحقهم وصايا الاهل بألا يتاخرا كثيرا 0

عندما جلس الرفاق الاربعة في المكان الذي حدده لهم مسؤولهم الاستاذ صبحي ، كانت السماء سوداء حالكة وهي تعد بمطر ثقيل ، فيما الهواء يجلد وجوه الجالسين بسياط ثلجية حادة الحواف  000 فيما كان الهاجس الذي اثقل على هادي وجعله مشدوه البال هو قلقه على مسؤوله ، وكيفية مجيئه والتكلم معهم وفي الوقت نفسه ، محاولة تصغير جسمه وهو يجلس القرفصاء جنبا بجنب مع زميله جمال خوفا من ان يراهما والديهما اللذان جلسا بالقرب من المنبر 000 اذ اية التفاتة صغيرة منهما ينكشف امرهما 0

كان المنبر المصنوع من الخشب الرخيص ، و المطلي باللون الاسود ، قد وضع في الجهة الغربية من المأتم الذي امتد على مساحة واسعة من شارع الندافين 0

***

كان الشيخ عبد الكريم وصاحبه عبد ناصر يحضران في كل ليلة الى هذا المأتم دون سواه 000 وعندما سألت ام مهدي زوجها الشيخ عن سبب ذهابه الى هذا المأتم البعيد رد عليها قائلا:

- ام مهدي الذهاب الى مثل تلك المآتم فيه فائدة كبيرة 000 فالقاريء عالم ديني متمكن فهو يفسر سور من القران وبعض احاديث الرسول ، وكذلك يعطي درس في الاخلاق والتربية 000 على خلاف قراء المآتم هنا في القرية 000 لا همّ لهم سوى قتل الائمة والنعي عليهم بصوت غنائي ممجوج 000 عشر دقائق وينتهي المجلس وابوك الله يرحمه 0

عدل الشيخ عبد الكريم من حزام ( الحياصة) على بطنه ، بعد ان ارتدى الصاية ، وتابع قوله :

- المآتم مدارس 000 مدارس في كل شيء 000 انهم يشرحون للحاضرين امور في الاخلاق والعلم والاقتصاد 00و00

ارتدى سترته ، و تابع قوله :

- المأتم عندهم اكثر من ساعة 0

بعد ان تهيأ للخروج ، اردف قائلا :

- ام مهدي ليس كل من هب ودب اصبح قارئاً 0

وقبل ان يخرج من باب الصريفة ، نبهها الى ان  تخبره بوقت عودة  ابنهما هادي ، ثم قال :

- الدنيا ليست آمان هذه الايام 000 والوالد صاير 000

اراد ان يقول انه ( صاير سياسي ) الا انه احجم عن ذلك وخرج ميمما صوب   دار صاحبه ابو جمال 0

***

عندما جلس الاستاذ صبحي في المكان المتروك له ، قال بصوت خفيض :

- السلام عليكم 00

رد الشباب الاربعة بصوت واحد ، بالكاد سمعه الاستاذ صبحي :

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته0

كانت قلوب الشباب الاربعة قد تسارعت ضرباتها ، فيما تغير لون وجوههم 000 وبدأت اجسادهم ترتعش ليس من برودة الهواء المحيط بهم ، بل من هول المفاجأة 000 وكذلك من حالة القلق والخوف التي تعرشت في نفوسهم خوفاً على مسؤولهم 000 وعلى انفسهم 000 الا ان ما بدد تلك الحالة ، صوت مكبرات الصوت التي راحت تدوي في فضاء الشارع  حاملة صوت القاريء000 وكان الجميع ينظر الى شاب في الاربعين من عمره ، يعتمر عمامة بيضاء وهو يرتل آيات من القرآن الكريم بصوت رخيم ، منغم 000 وقد تاه في دنيا غبر دنيا الجالسين ، كأنه يعيش في ملكوت خاص به 0

كان القاريء حليق الوجه ، بعينين مكحلتين بالسواد ، ووجه لحيم يضرب الى الحمرة0

تهادى صوت الرفيق المسؤول الاستاذ صبحي هامساً في أذن هادي الذي كان يجلس على يمينه :

- أوقفوا كل النشاطات الحزبية 0

كان جمال الذي يجلس الى يسارمسؤوله ، قد  امال برأسه قريباً من اذن المسؤول ، فيما جلس حمد بالقرب من جمال ومحسن قريباً من هادي 0

سأل بصوت خفيض:

- لماذا رفيق ؟

قال الرفيق المسؤول وهو خافض الرأس :

- عندما ينتهي المأتم سنخرج متفرقين 000 وسنلتقي بعد نصف ساعة في المكان الذي كنا نلتقي فيه في كل مرة، قرب ( الروف )0  

هذا كل ما قاله الرفيق المسؤول لرفاقه الاربعة المنتمين الى التنظيم الحزبي 00 فيما كان صوت القاريء يأتيهم وقوراً هادئاً وهو يفسر بعض آيات من القرآن الكريم التي تذكرها الزملاء الاربعة ، آية ،آية 000 اذ كانت تدرّس لهم في درس التربية الاسلامية فراحوا ينصتون اليه 0

اخذهم القاريء الى مأساة مقتل العباس 000 وعندما بدأ بقراءة الفاتحة انتبه الزملاء الى ان المكان الذي كان يجلس فيه الاستاذ صبحي خالياً 0

وعلى ( الروف ) التقى الزملاء الاربعة برفيقهم المسؤول الاستاذ صبحي تحت سماء سوداء لا قمر فيها ، وقد تكاثفت الغيوم ، وراحت سياط الريح الباردة تجلد الوجوه الشابة وتحيلها الى صفحة من الجلد اليابس 0

كان ( الروف ) هو المكان المناسب لهذا اللقاء الذي سيتقرر فيه نشاطات الشباب الاربعة ، وهم واقفين امام رفيقهم والقلق يخيم عليهم ، والعيون لا تهدأ حركتها في ليل ( الروف ) البهيم 0

قال الرفيق صبحي بصوت سمعه الشبان الاربعة هادئاً رزيناً :

- علينا الانتباه جيداً 000 عيون رجال الامن تبحث عن الرفاق0 00 اعتقلوا الاستاذ منذر صباح هذااليوم وبعض الرفاق في الشطرة ، وفي سوق الشيوخ ، وفي اماكن كثيرة من المصرفية ، وربما لن تروني بعد هذا اليوم ،00 عليكم ان تكونوا حذرين جداً ، تخلصوا من اية ورقة لها علاقة بنشاطكم الحزبي ، احرقوها ، مزقوها 000 خبؤها 000 المهم ان لا يبقى شيء يدل على انتماءكم 000 ولكن لا تنسوا ان المستقبل لنا وليست هذه الحالة جديدة على رفاقكم في الحزب 0

قاطعه حمد قائلاً: 

-  لكن استاذ 000 

الا ان الرفيق المسؤول ، تابع قوله :

- تأكدوا ان المستقبل لنا 000 سيقوم رفاقكم بثورة تنهي كل شيء 0

سأله محسن:-

- رفيق وهل سيلقون القبض علينا ؟

بالكاد توضحت امام العيون الشابة ابتسامة ارتسمت على شفاف الرفيق المسؤول ، وبصوت ابوي حنون سأل :

- محسن هل تخاف ؟

رد الشاب محسن:

- انا 000 كلا 000

- جيد 00 لكن لاتنسوا ان الكثير من رفاقكم القياديين الأن خلف القبضان 000 ولا اقول هذا لأخيفكم 000 بل لا زيد من حماسكم 000 لان السجن للرجال ، وانتم رجال 0

وقبل ان ينهي حديثه معهم ، وكمن يتذكر ، قال :

- ها 00 لا تنسوا ان رجال الامن في بغداد القوا القبض على رفاقكم في القيادة 00  فلم يبق من القياديين احد خارج السجن ، ولهذا تم ايقاف أي نشاط حزبي الى اشعار آخر 000 مفهوم رفاق 00

صاح الشباب الاربعة بصوت واحد :

- نعم رفيق 0

 

 

 

تقولات

 

 

قال كاتب هذه الأوراق، بعد ان انهى كتابة السطور السابقة التي تروي القليل من اخبار بعض الشباب الذين عاشوا اياماً عصيبة لعشرة ايام ، وهم محاطون بكل رموز النهي والممنوع ، ان كان ذلك من قبل عوائلهم ، او كان بسبب قوى خارج نطاق فعلهم النضالي لتوقفه ، لهذاكانت هذه الهوامش التي دونتها، وهي اخباريمكن القول عنها انها مضافة ، وقد بذلت جهدا كبيرا في الحصول عليها  لما فيها من فائدة تنير شعاب النص الذي بين يديك قارئي العزيز، قوة في الصدق ليس على المستوى الواقعي فحسب، بل يتعداه الى المستوى الفني الذي صيغت من خلاله الاحداث المروية 0

 قال كاتب هذه السطور :

جاء فجر العاشر من شهر محرم ليس كأي فجر يوم آخر ، قبله أو بعده ، لا لانه حزين ، كئيب ، بارد ، مليء بالرياح ، وهطول الامطار ، وقتها قال الناس : ان ابواب السماء قد فتحت على مصراعيها، فيما اصوات الرعد تدق طبولها ، ووميض البرق يشق سواد السماء المهطالة كالسيوف اللامعة ، وتقوّل الناس الاقاويل ، فالبعض قال انه غضب من الله ، اذ ان الليلة هذه هي ليلة عاشوراء ، وقال آخرون ، ان الله غاضب من عباده لانهم ابتعدوا عنه ، فيما قال جمع ثالث ، وهم المؤمنون المتنورون ، انه رسالة غضب للحاج فريّح ومُلاه ذي الوجه اللحيم ،لانهما حاولا تشخيص الائمة بصور آدمية غير مؤهلة لذلك، فيما قال بعض الشباب المنظمين في حزب يناهض الحكومة، والذين اصبحوا مطاردين من قبل رجال السلطة ، ان هذا الفعل الالهي ، يحمل رسالة ذات وجهين ، فهو من جهة يمنع رجال الأمن ان يطاردوا ما تبقى من رفاقهم المناضلين، فتفتح امامهم مجالات عديدة في اتخاذ موقف مناسب ، اما الوجه الثاني فهو الوجه الغاضب من افعال السلطة التي كان همها تكميم الاصوات الخيرة ، وخاصة هؤلاء الشباب لما يناضلون في سبيل تحقيقة من اهداف وظنية هي تحرير البلد ،واهداف قومية ، خاصة تحرير فلسطين 0

وهكذا انتشرت هذه التقولات في الساعات الاولى من اول زخة مطر قوية ، وهبوب ريح ثلجية في الشوارع والازقة ، حتى اذا خليت الشوارع ، واخذ الناس يبحثون عن اية وسيلة للدفء ، وكلها وسائل غير ذات فائدة ، وجدت كل عائلة في مثل هذه الاقاويل وسيلة تدفء بها افواهها ذات الاسنان المصطكة0

كان فجر هذا اليوم ،  لا كأي فجر مر على ساكني قرية الحاج فريّح ، منذ ان رفعت على ارضها التي كانت مهددة دائماً بفيضان ( ابو جداحة ) معالم اول صريفة من القصب والبواري لاول دار بنيت فيها 000 كان ذلك الفجر، رهيباً ، مرعباً ، اذ خلت الشوارع التي ملأتها الاوحال والمستنقعات المائية من أي بشر او حيوان ، بل ان دور القرية وشوارعها وكل ساحاتها ، كانت مهددة بالفيضان ، و كان نهر الفرات ، كما اخبرني احد ابناء المدينة قد زاد فيه منسوب المياه ، و( روف  ابو جداحة ) لا يستطيع الصمود امام هذه الزيادة ، لهذا فان الفيضان في مثل هذا الجو الذي ظل فيه المطر يتساقط ثلاثة ايام متتالية واقع لا محالة ، واذا ارد الله – كما تابع صاحبي قوله – امراً قال له كن فيكون  0

كان فجر هذا  اليوم ،لا كفجر أي يوم مضى ، في هذه القرية او في اية مدينة اخرى 000 اذ لم يفتح فيها باب أي محل من محال السوق الصغير ، حتى باب المسجد ، كما اكد لي احد الذين رووا  لي بعض تلك الاخبار ، ظل مقفلاً ، ولم يسمع في فجر ذلك اليوم صوت (الملة ) مؤذناً ، ولم يعرف السبب ، اذ ان الغضب هذا، كما اكد محدثي من الله سبحانه وتعالى (( إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ)) 0

تساءل بعض الناس عن ( الملة ) و صاحبه ( خبالو ) ، اذ لم يقعوا على اثرلهم ، لا في المسجد ، ولا في بيت الحاج فريّح ولا في المدينة 0

اما الساحة التي اعدت لتكون ساحة معركة بين جماعة الامام الحسين   وجماعة يزيد فقد غرقت بالمياه ، واصبحت قطعة من الوحل اللزج ، وبعد ان توقف المطر ، ويبست الارض واصبحت سبخة فلم يمر بها احداً منذ ذلك اليوم وحتى كتابة هذه السطور 0

تساءلت الناس عن السبب ، بعد ان تحولت الدور القصبية الى دور مبنية بالطابوق والاسمنت المسلح وقد طليت واجهاتها بالوان زاهية ، وشقت الطرق المعبدة ، قال محدثي ، ان تشاؤم اهل القرية من الساحة ، جعلها تبقى كما  هي بعد ان انقطع المطر ويبس الوحل0

لا شيء – في فجر ذلك اليوم – ينبيء عن وجود حياة بشرية او حيوانية فيها 000 في هذا الفجر لليوم العاشر من محرم ، وفي الساعات الاولى منه - كما ذكر بعض من تحدثت معهم بعد عشرين عاما – والسماء مازالت غاضبة ، سوداء مكفهرة  ، والمياه تنزل منها كالشلالات ،عبرت سيارة ( لاندلوفر ) انجليزية  الصنع ، خضراء اللون ، الجسر الكونكريتي الصغير الذي يربط المدينة بالقرية ، كانت السيارة تقطر ماء من كل مكان فيها ، ولم يشعر اهالي القرية – وقتها - بمرورها ، ولم يعرف من كان فيها ، او الى اين تتجه ، لان البرد والمطر اخذهم الى عوالم غير عالمهم الذين يعيشون فيه 0

كانوا يتدثرون بكل قطعة نسيج حوتها صرائفهم التي راحت ( تخر ) الماء من اماكن عديدة لسطوحها المائلة 0

 

 

 

تقولات1

 

الملحة

اكثر ما حيرني هو مصير  ( الملحة ) الفتاة التي لم ارها طيلة حياتي ، وانما سمعت بعض،  اخبارها من اهلي وبعض معارفي، وكانت هذه الاخبار متضاربة، وخاصة الاخبار التي تتحدث عن مصيرها ،وكلها اخبار غير موثوقة ،وانما هي تقولات يحمل البعض منها حقدا دفينا لها ، فيما كان القسم الاخر لا يعبه بما سيكون رد فعل السامععلى ما يورده هذا المتحدث 0

هذه الفتاة ذات الثمانية والعشرين عاما ، والتي لم يدم بقاءها في قرية الحاج فريّح اكثر من ستة اشهر ، وقد اختارها الحاج و(الملة) لتشترك من بين نساء القرية لسهولة انقيادها ولعدم وجود شخص يمنعها من الظهور في (التشابيه)، وكذلك لعدم قبول نساء القرية بتمثيل دور السيدة زينب  في ( التشاببه ) 0

لم تكن تلك الاخبار مؤكدة ، ولا حتى مصادرها ، اذ لم تكن موثوقة بصورة جيدة ،وقتها تساءلت : هل راحت هذه الفتاة ضحية الهجمة الشرسة التي قامت بها اجهزة الامن حملة لالقاء القبض على الشباب ؟على الرغم من انها لا تعرف شيئا عن السياسة او أي حزب مناهض لسياسة الدولة الا ان الناس الذين لا يخافون الله كثر ،فريما وشي بها احد هؤلاء بسوء نية ، ام انها راحت ضحية للنفس المريضة( للملة) كما ذكر لي بعض من سألتهم من شباب القرية ممن كانوا يحضرون على هامش التدريبات على (التشابيه) ؟ وعندما حاولت ان احصل على اجابة مؤكدة من جاسم الاعور عن هذا الاتهام فوجأ بالسؤال فضرب جبهته وصاح :

: صحيح 000 كيف فاتني ذلك ؟

ثم وهو يروي لي حكاية بحثه عنها ، ذكر موقف (الملة) منها ، الا انه ، وبعد تفكير عميق بدا على قسمات وجهه وهو مغمض العينين ، العوراء  وشبه السليمة ، انكر ان يكون (الملة) نفسه قد وشى بهاغ الى الامن ، كونها سياسية نكاية بها لانها لم تسلمه نفسها 0

كان بين الحين والاخر يردد قائلا :

-لا 000  لا 00 0 لا اظن ذلك 0

وعندما قلت له :

-ربما هربت معه 0  

قال مؤكدا :

- التقيت بـ (الملة) – وبعد ان عرف الجميع انه رجل امن – اثناء بحثي عنها لقاء سريعا في بغداد ، لم يطل سوى دقائق معدودة ، اذ انهى هذا اللقاء سريعا ، وكأنه لا يريد ان يتذكر ايام اقامته في القرية ، وعندما سألته عنها انكر معرفتهبمصيرها ، بل وحذرني من السؤال والبحث عنها ، اذ قال لي :اذا اتيت على ذكرهامرة اخرى سأتهمك بأنك سياسي معادي للدولة 0

اما ما قاله البعض من ان والدي الشيخ عبد الكريم هو الدي وشى بها الى رجال الامن ، فأن الاخبار المروية في  هذه الاوراق تكذب مثل هذا الاتهام ، فضلا عن انه كان مبتليا برجال الامن خوفا على مصير اولاده فجر ذلك اليوم المشؤوم 0

تحدث ( جاسم الاعور ) الى كاتب هذه السطور ، بعد اكثر من عشرين عاماً ، حيث بدا انطفاء عينه السليمة مؤشرأ على انه في طريقه لان يصبح اعمى تاماً ، فيما ساقه العرجاء قد اصبحت عبئاً على ساقه السليمة ، فكان سيره – ونادرا ما كان ينتقل من مكانه الذي يجلس فيه يستجدي المارة - قد اصبح ابطأ من سير السلحفاة 0

اخبرني ( جاسم الاعور ) عن ( الملحة ) ونحن تستذكر تلك الايام ، وخاصة ليلة عاشوراء ، فقال بعد ان وضعت في يده الممدودة  دينارا واحدا :-

- كنت ليلة التاسع على العاشر من محرم ، أي في ليلة ( الوحشة ) مع ( شرجي قامة ) و( حميد الطويل ) في ( عكد الهوى ) نغازل الفتيات اللائي منحت لهن حرية البقاء خارج البيت في مثل هذه الليلة من كل عام لمشاهدة مواكب اللطم والقامة في   ( عكد الهوى  ) التي تبدأ انطلاقتها في الساعات الاولى من فجر العاشر من محرم 0

كنا بين الحين والاخر ندخل احد البيوت التي شرعت ابوابها لاستقبال الناس طلباً ( للثواب ) وتوزيع ( الهريسة ) أو التمن واللحم بعد منتصف الليل ، وقبل الفجر بساعات قليلة ، قبل ان تبدأ مواكب اللطم والقامة ، انقلبت السماء علينا 000 اسودت ، ( تدلهمت ) واخذت الريح تضرب الوجوه بسياطها الثلجية اللاسعة 000 وبين غمضة عين والتفاتتها ، ومثل السحر ، او قل كأن كلمة سحرية قيلت وقتها ، فرغت الشوارع من كل شيء سوى الريح والمطر والبرد 000 لم نر أي شخص ، حتى الرجال المسنين الذين كانوا يملؤون مجالس العزاء المنتشرة في المدينة ، قد اختفوا فجأة، وفتحت السماء ( تنانير ) مياهها 000 عندها اسرعنا الى دارنا ، وقبل ان نصل الى مسجد القرية ، وكان الفجر يطرق ابواب الغيوم السود ، استأذنت اصحابي بحجة العودة الى دار الحاج فريّح للأطمئنان عليه، الا انني  ( غافلتهم ) ودخلت الزقاق الذي فيه دار ( الملحة ) ، وقبل ان اصل اليه ، شاهدت من خلل الظلام والمطر، سيارة تتحرك بصعوبة من امام بيت الشيخ عبد الكريم متجهة  الى نهاية الشارع ، دون ان تمر بالقرية وشارعها الرئيس والمسجد ، او ان تعبر الجسر الكونكريتي0

لم اكن اعبأ بها ، وبمن فيها 000 كان كل همي في هذه اللحظة ان اصل الى ( الملحة )، وان افعلها هذه الليلة معها 000 و ( طز ) – قالها امامي وهو يبتسم عن اسنان اكلها التبغ وشرب الخمر – قلت مع نفسي وقتها : ( طز ) بالحاج ، و( طز ) بالملة 0

كان باب دار ( الملحة ) مرميا على الارض ، وقد ملأته الاوحال ومياه الامطار 000 دفعت باب ( الصريفة ) انفتح امامي بسهولة 0

وجدت الظلام يملأ (الصريفة) وصوت الريح هو الوحيد الذي يسمع انينه 00 فيما قطرات الماء تنزل من السقف من اكثر من مكان 000 صرخت :

- الملحة 00 يا الملحة 000

كان صوتي رغم صياحي بارداً ، وقد ضاع مع الريح وقطرات الماء ووحل ارضية الصريفة و( انداف ) مع وحلها 0

اشعلت عود ثقاب ، الا انه انطفأ 000 اشعلت آخر ، وقبل ان يطفأ رأيت الفانوس معلقاً في مكانه 000 اسرعت الى الباب واحكمت اغلاقه 000 اشعلت فتيلة الفانوس 000 كانت        ( الصريفة ) خالية سوى بعض الاسمال التي بللتها مياه الامطار ، وقد ديست هنا وهناك باقدام موحلة 0

لم اجد ( الملحة ) 000 ولم أرها بعد ذاك اليوم حتى يومنا هذا 0

سألت محدثي :

- اين ذهبت ؟

أجاب وهو يغمض عينيه ( العوراء وشبه السليمة ) :

 - لا أعرف 000 الا انني وبألحاح من الحاج الذي ظننت اول مرة انه كان كاذباً في الحاحه ، ان ابحث عنها ، وكذلك لرغبتي الجامحة – في وقتها – في الزواج منها ، رحت ابحث واسأل عنها ، متنقلاً بين الناصرية وبغداد وكركوك والموصل والبصرة ، دون جدوى 000 سنة كاملة ، حتى يأست من رؤيتها 000 عدت الى الحاج خالي الوفاض 000 عندها نسيّ الحاج ( الملحة ) ، اما انا فقد زارتني اكثر من مرة في المنام حتى تو سخت ملابسي الداخلية 000 الا ان السنين التي مضت لم تمح صورتها امام ناظري الذي اصبح لايرى سوى الاشياء القريبة ،او عن احلامي 0

سألته : ألم تسمع بعض الاخبار عنها ؟

قال :

- استاذ ، الاخبار كثيرة ، ولكن – مع الاسف – لم تفدني بشيء ، الا انها كانت طيلة هذه السنوات هي الامل الذي كنت اعيش من اجله 0

قلت له :

- وماذا سمعت عنها؟

أجاب بعد ان اشعل سيجارة جمهوري ، اخرجها من جيب ( سترته ) العلوي :

استاذ ، بعد ثلاثة ايام من مطر كأنه الطوفان ، وقد حل السبات في القرية وأهلها ، وحيواناتها ، وبعد أن اقفلت السماء ( تنانيرها ) وهدأت الريح ، الا أن الغيوم السود ظلت تسود صفحة السماء ، بدأت بالبحث عن ( الملحة ) ، سألت كل أهل القرية ، وأهل المدينة،  فمن قائل انه شاهدها تلك الليلة برفقة رجلين من الشرطة ، واكد آخر ان الشخصين  كانا من رجال الأمن ، فيما قال آخر انها شوهدت عند فجر يوم العاشر من محرم برفقة الحاج فريّح ، واكد هذا القائل انه لم يتاكد جيداً فيما اذا كانت ( الملحة ) مع الحاج ام مع شخص آخر يشبهه0

الا ان ما هدَّ  حيلي - تابع قوله - وقصم ظهري ، هو ما اخبرني به الشخص الذي حاول مرة ان يغتصبها في فجوة كانت مفتوحة في ( الروف ) الا انها استطاعت الخلاص منه ، واخبرت بعد ذلك الحاج ، فارسلني انا و( حميد الطويل) و( شرجي قامة) واشبعناه ضرباً 000 قال هذا الشاب ، وكان يعمل ( عربنجي ) ، يدفع عربة خشبية ، انه رآها مع اثنين من الشباب ، يعتقد انهما من اقاربها ، لانهما كان يحيطان بها ، ولم يتركا لها حرية الحركة ، كان ذلك في فجر اليوم العاشر من محرم ، والسماء تنزل غضبها على الارض 000 اكد محدثي انهم ( الشخصان والملحة ) قد ركبا سيارة شوفرليت بلون ابيض موديل 56 ، كانت تنتظرهما قرب الجسرالكونكريتي ،الا ان ظلمة الفجر وهطول الامطار لم يسمحا له ان يقرأ لوحة رقم السيارة 0

فضلاً عن ذلك ، اكد زميل له من اصحاب العربات التي يجرها حصان واحد ، انه رآى هذين الشخصين يذبحا( الملحة ) دون ان يسمع لها صوتاً ، ويضعا جسدها في ( جنطة ) السيارة ، ويتحركا الى جهة مجهولة 0

  وفي بغداد ، بعد بحث متعب عن منزل  الخالة ( نسيمة ) اخبرتني من بين دموع كاذبة ، انها سمعت من احدى الفتيات اللائي كن يعملن في دارها ، ان أهلها قد عثروا عليها في الموصل وجاؤا بها الى بغداد وقتلوها في دارهم 0

وعندما سألت عن هذه الفتاة التي جاءت بخبر مقتل ( الملحة ) رأيت دموع (الخالة نسيمة) تسيل على خديها ، وخرجت كلماتها من بين نشيجها ، قالت : الله يرحمها قتلها أهلها قبل اسبوع ، قتلها اخوها بعد ان عثر عليها في احدى الملاهي الليلية تؤدي اول رقصة لها بعد ان تركت منزلي وذهبت مع احد عمال الملهى الذي كان يتردد عليها 000 الله يرحمها، كان رقصها اجمل من رقص المصريات في الافلام ، وكان لها صوتاً شجياً 0

وقبل ان اترك (الخالة نسيمة) مع دموعها ، وذكرياتها مع صباياها المقتولات ، سمعتها تقول : ابحث عنها في كركوك ، ربما ستجدها هناك 0

كنت وقتها ابحث عن أي بصيص امل عن وجودها حية ، لهذا لم اسألها اين وكيف ؟

وفي كركوك ، التقيت باحدى الفتيات 000 كنت وقتها قد ظننت انها هي ( الملحة ) ، كانت تشبهها، (فص) مقسوم الى نصفين ، الا ان ثلاثة ايام في كركوك متردداً على المنزل الذي تعمل فيه ، جعلتني على ثقة تامة ان الفتاة التي امامي ليست هي ( الملحة ) بعد ان سمعت منها حكايتها ، وكيفية هروبها من أهلها ولقائها في بيت (الخالة نسيمة) بـ ( الملحة )، ثم انقطعت اخبار ( الملحة ) عنها بعد رحيلها من بيت (الخالة نسيمة )000 ا لا ان احدى صديقاتها اخبرتها ان (الملحة) قد سجنت ، او انها قتلت ، وسمعت انها قد ذبحها اخوها الصغير ، وقطع احد اصابعها ليريه الى من كان ( يعّيرهم ) بسلوكها الشائن ، وهروبها ليلة زفافها ، ثم اردفت قائلة :

- والله اعلم 0

قلت لجاسم :

- وماذا تقول انت بعد هذه السنين ؟

اجابني بيأس :

- الله اعلم 0

 

 

 

تقولات2

هادي بن الشيخ عبد الكريم

 

لم يكن هادي كـ ( الملحة ) 00 بل كان شخصاً معروفاً ، ومن عائلة معروفة ، فوالده هو الشيخ عبد الكريم ، رجل متدين ، يملك محل لبيع الكتب والقرطاسية ، اما عمه الكبير فهو الشيخ عبد الجليل وهو فلاح معروف ، وممن يؤدون الفرائض الدينية ، وهو والد المهندس كريم رئيس بلدية احد اقضية المحافظة ومن المناضلين ، اما عمه الاصغر ، فكان من شهداء الحزب ، فيما اخيه مهدي الذي كان مطارداً من قبل رجال الامن فهو طبيب ، ونقيب الاطباء في المحافظة 0

اما اخته ( هدية ) فقد تزوجها ابن عمها كريم ، لا لكونها ابنة عمه فحسب ، بل لانه اكتشف مصادفة انها قد تشبعت بافكار الحزب وهي قعيدة الدار بعد ان حصلت على شهادة الدراسة المتوسطة ، لان والدها ، قال لها : لنكتفي بهذا المستوى من التعليم0

اذن ، فان البحث عن اخبار هادي ، احد الشباب الذين اوكل لهم تمثيل مأساة الطف ، او ما سمي بـ ( التشابيه ) لم يكن صعباً ، بل كان امراً يسيراً ، اذ التقيت بعد عشرين عاماً من ذلك الفجر المشؤوم بالدكتورمهدي ، وتعرفت عليه 000 كان شاباً في الثامنة والثلاثين من عمره ، وسيماً ، سوى مسحة من الحزن قد لونت صفحة وجهه ، فجعلته اكثر مهابة لمن يجالسه، فيختار جيداً الكلمات التي يريد التحدث بها معه0

عندما سألته عن اخيه هادي ، اغرورقت عيناه بالدموع 000 وبصوت حزين قال :

- يرحمه الله، كان انساناً ومناضلا 0

اكدت له :

- نعم ، كان انساناً ومناضلاً 000 لكن كيف مات ؟

تركني اشرب استكان الشاي الذي قدمه لي احد العاملين في النقابة 0

كانت غرفة الدكتور مهدي ، نقيب الاطباء في المحافظة دافئة ، لهذا تملكني احساس بأن جلستي مع الدكتور لها مايميزها  ، خاصة واني اجالس انساناً  مناضلا، ونقيباً للاطباء ، وجراح اختصاص 0

قال لي ، وهو يتابع ماقاله قبل لحظات :

- استشهد المرحوم اثناء حربنا الدفاعية مع ايران في السنة الاولى منها ، كان برتبة مقدم مهندس 0

قلت له :

- دكتور مهدي ، ارجو ان لا تواخذني ان قلت لك انني جئت لأ سأل عن سبب عدم وجوده هو والعائلة في تلك الليلة السوداء الممطرة في داره ، عندما داهمها رجال السلطة في فجر ذلك اليوم المشؤوم 0  

ابتسم الدكتور مهدي وكأنه قد عرف ماكنت اقصده ، ثم نهض عن كرسيه واتجه الى احد الخزانات الحيدية، اخرج من داخلها سجلاً ضخماً ، وبيدين واثقتين راح يقلب صفحاته، فيما كانت حسرة طويلة سمعت تأففها قد انطلقت من صدره 0

كنت جالسا اتابع ما يفعله الدكتور ، وبعد انتهائه من تقلب صفحات السجل ، وقراءة بعض السطور ، قدمه لي قائلاً:

- سيكون خير معين لك لمعرفة كل شيء عن المرحوم هادي 000 انها اوراق كتبتها بطلب من لجنة كتابة تاريخ التنظيم عن تلك الفترة 0

اجبته بتلهف :

- بالتأكيد ستكون معلومات وافية ومفيدة 0

بعد ان جلس قبالتي ، تاركاً كرسيه خالياً خلف المنضدة الخشبية الكبيرة، قال :

- نعم 000 لقد اتعبتني كتابتها ، رغم الحلاوة التي استشعرتها وانا ادونها ، الا ان مرارة مافي بعضها قد انهكتني 0

توقف عن الكلام 000 مد بصره الى نقطة ما امامه ، كان كمن يستذكر بعض ما غاب عن ذهنه من افكار ، ثم تابع قوله :

- كانت الصعوبة في كيفية عصر ذاكرة الرفاق الاخرين للحصول على تلك الاخبار        ( الذكريات ) 000 اما ذاكرتي – وابتسم في وجهي – فهي والحمد لله قوية 0

- دكتور اطمئن ، سيعود هذا السجل اليك بعد يومين كما خرج من هذه الخزانة 0

اتسعت ابتسامته ، وقال :

- كأنك قرأت ما كنت افكر به 000 استاذ انت تعرف ان الاسرار امانات 0

قلت له :

- ستكون في صندوق مقفل 000 ثم اكدت:  كما قال الامام علي  الرجال صناديقاً مقفلة0

قال :

- ان شاء الله 0

سألته قبل ان انهى لقائي معه :

- دكتور ، واخبار سليم وجمال ؟

قال:

- ستقرأ القليل عنهما في هذا السجل ، اذ كنت بعيداً عنهما في تلك الايام ، وهم اصدقاء لاخي آكثرمنهم اصدقاء لي 000 ولكن ، بالنسبة لـ (سليم) فقد سمعت انه قد مات في التعذيب ، إذ التقيت مصادفة قبل أكثر من عامين بأخيه الاصغر في عيادتي،ان ما شدني اليه هو اسمه واسم ابيه وجده ، وقتها تذكرته ، وعندما سألته ان كان يعرف شخصاً بهذا الاسم ، ابتسم وقال : 

- دكتور ، لقد تأكد لي جيداً انك اخ هادي ، اليس كذلك ؟

وهكذا عرفت منه بعض المعلومات عن اخيه (سليم زاير كاظم) ، والتي ستجدها في هذا السجل 000 اما بالنسبة لـ (جمال) ، فبعد ان تم القاء القبض عليه في ذلك الفجر المشؤوم ، ظل فترة ليست طويلة في التوقيف ثم اخرج  بواسطة قريبه ( عبد) ، ولم نعرف عنه وعن عائلته شيئاً ، اذ ارتحلت العائلة بعد ايام من القاء القبض عليه 0

عندما خرجت من بناية النقابة  ، كانت الدنيا كلها لا تسع فرحتي بحصولي على هذا الكنز الثمنين ، لهذا اسرعت الى البيت ، وفي غرفتي التي احكمت اغلاق بابها ، بدأت رحلتي مع هذا السجل الذي تنبض بين سطوره ارواح شباب ، منهم الصالح ، وهم الكثرة ، ومنهم الطالح ، وهم القلة

 

 

 

تقولات3

السجل

 

كان السجل الذي بين يدي ، والمكتوب بخط جميل ، وهو خط الدكتور مهدي كما اكد لي ، يضم بين دفتيه اكثر من مئتي صفحة من الحجم الكبير ، وفيه من الاخبار الكثير ، الا اني رحت ابحث عن مقصدي ، أي عن اخبار الجماعة الذين كانوا مهيئين للمشاركة في (التشابيه) ، وقد وجدت الكثيرمن ذلك ، اضافة الى ان ما وجدته كان منطلقاً لي في البحث عن المزيد من الاخبار عند الاهل والاقارب وبعض اهالي القرية 0

 الصفحة:11

اخبرني هادي في احدى ليالي بغداد المقمرة ، ونحن في القسم الداخلي لطلبة جامعة بغداد ، انه في لحظة من اللحظات التي يعتبرها خارجة عن مسيرة حياته ، فكر في ان ينام مع (الملحة ) خاصة وانه قد احس بميلها اليه 000 وعندما جمعتنا – كما قال – (التشابيه ) سوية في المسجد، تصاعدت حدة تلك الاحلام ، التي اعتبرتها بعد ذلك احلام مراهقين ولا تمت لحياة المناضلين بصلة ، فقررت ، ليلة (الوحشة ) ، أي بعد انتها ئنا من التمرين الاخير (للتشابيه ) وخروجنا انا وسليم وجمال من المسجد ، قررت ان ازورها قبل خروجها من دارها فجر اليوم العاشر 000 ووضعت خطة للتسلل الى دارها 000 وقتها ، اكدت لنفسي : ان يذهب الجميع الى الجحيم 000 (وطز ) بالحاج فريّح (وطز) بجاسم والملة ، وكذلك الشيخ عبد الكريم 0

ضحكنا سوية تلك الليلة وقلت له :

- كيف تقول (طز) لوالدك الشيخ 000 هل جننت ؟

اجابني والضحكة مازالت تتردد في فضاء سطح القسم الداخلي وتحت القمر الفضي :

- كنت وقتها احس بامتلاء  ، وبحالة من الشبق الحيواني لم احس به طيلة حياتي / وقد (راهنت ) جمالا على امتلاكها تلك الليلة ، وان اجعل جسدها يتلوى تحت جسدي ، وليكن ما يكون 0

 

الصفحة :18  

 في فجر اليوم العاشر من محرم ، وكانت السماء ترسل مطرها مدراراً ، غضباً ، وبرداً ، ورياحاً 000 توقفت سيارة ( لاندروفر ) خضراء اللون ، ذات سقف أبيض اللون ، انكليزية الصنع امام دار عمي الشيخ عبد الجليل 000 ترجل منها مجموعة من افراد الشرطة 000 كانوا مسرعين الى حيث المضيف 0

كان عمي الشيخ قد انهى صلاة الفجر 000 رحب بهم ، الا ان الضابط المسؤول عن المفرزة ، بادره قائلاً :

- جئنا نسأل عن هادي ومهدي 0

بلا مبالاة ، كما اخبرني عمي بعد ان غادرت المفرزة القرية ، رد قائلاً :

- اسمع ابني ، البيت امامك ، ويمكن ان تفتشه اذا رغبت 000 لامهدي ولا هادي هنا  فقط  زوجتي وابنتي ، اما ابني ( كريم ) فقد ذهب يوم امس الى بيت خاله في الاهوار 0

لم يشأ الضابط  امر المفرزة اتعاب نفسه بالبحث في مثل هذا الجو الثلجي المظلم ، خاصة وان( كريم ) لم يُعرف عنه انه كان منتمياً الى صفوف التنظيم، وانما عُرف عنه من المهتمين بدروسهم للحصول على درجات تؤهلهم لدخول كلية الطب او الهندسة  0

لم اذهب الى اهلي كما  ادعى الشيخ ، بل انني وكريم بعد ان اخبر عمي احد معارفه ممن يتعاونون مع رجال الأمن ان السلطة ستقوم بحملة اعتقالات لكل الشباب ، ذهبنا الى دار قريب لنا في القرية المقابلة لقريتهم ، وبتنا هناك 0

بعد مغادرة سيارة المفرزة ، وصلت عائلتنا الى بيت عمي ، وكأنهم قد خرجوا تواً من النهر 000 اما سائق السيارة ، وهو احد معارف  والدي ، فقد دخل المضيف مباشرة وهو     ( ينكث ) ملابسه من ماء المطر الذي مازال ينصب من سماء سوداء والفجر مازال غائباً 0

بعد ان علمنا بأمر المفرزة ومغادرتها بيت عمي ، عدنا انا وكريم الى دار عمي ، وقد اخبرنا والدي ، انهم شاهدوا السيارة امام المضيف ، فمالوا بسيارتهم عن الطريق ، ودخلوا بستان الشيخ  كعود، حتى  تأكدوا من مغادرة سيارة المفرزة من أمام المضيف 0

 

الصفحة: 45  

في جلسة نادرة ضمتني انا وهادي والرفيق صبحي ، امتدت الذكريات بينهما لفترة طويلة 000 كانت تلك الجلسة في مقر الحزب الذي كان الرفيق صبحي مسؤولاً عنه، فيما كنت انا وهادي في بداية حياتنا العسكرية ، اذ خدمت انا كملازم طبيب احتياط ، فيما تطوع أخي برتبة ملازم أول مهندس 0

عندما أخبرني هادي انه سيزور مسؤوله السابق ، رحبت بالفكرة ، فكانت هذه الجلسة ، والتي تحدث فيها الرفيق صبحي قائلاً :

- عندما تركتكم بعد ان تفرقنا عن المكان الذي اجتمعنا فيه  قرب ( الروف ) غادرت الى بيت  خالي في الهور ولم اخرج الا بعد ان هدأت الامور ، وعندما بحثت عنكم قيل لي انك قد نقلت دراستك الى مدرسة في قضاء الرفاعي، وعندما حاولت زيارتكم في الرفاعي  لتأمين الاتصال بك ومعرفة اخبار الشباب ، اخبرني مسؤولي ان اقطع علاقتي بك ، لانك انتقلت الى مسؤول آخر 0

سأله هادي : ولماذا لم تخبرنا تلك الليلة بأجابة الحزب عن مشاركتنا في التشابيه ؟

ضحك الرفيق صبحي طويلاً ، وهو يستذكر تلك الايام النضالية من حياته وحياة الحزب 000 وبعد ان اخذ قسطا طويلاً من الضحك قال :

- وقتها كنت اخاف عليكم من القاء القبض ، كان كل همي ان احذركم ، واعتبرت هذا التحذير هو اجابة الحزب لكم ، ولكن الاجابه القاطعة قدمها رجال الأمن لكم 000 اليس كذلك ؟

ضحكنا الثلاث سوية 0

 

الصفحة: 57

عاش سليم ابن زاير كاظم البناء كزميل وصديق لأخي هادي لمدة سنتين، فقد كان زميله في الدراسة مع جمال ، كذلك احد سكان شارع واحد في القرية ، الا ان ما كان يقلق هادي و جمال ، هو عدم انتماء سليم الى صفوف الحزب ، وكانوا يتمنون ذلك ، وكثيراً ما           فاتحوه ، الا انه كان يرفض  ذلك بحجج شتى ، لكن السبب الاساس الذي كثيراً ما كان يلوم هادي نفسه عليه ، هو ان سليماً كان منتميا الى صفوف حزب اخر ، وظل هكذا بعيداً بافكاره عن اصدقائه، الا إن رصاصة من احد رجال السلطة اصابته في ذلك الفجر بعد ان حاول الهرب من داره التي طوقها رجال الامن والشرطة معتبرين اياه من جماعة هادي وجمال 0

لم يعرف هادي وجمال هذا التوجه السياسي لسليم ، فقد كان من عائلة عربية تضرب جذورها في المدينة منذ القدم وكان والده رجلاً متديناً ، زار مرقد الامام الرضا ،اما الحزب الاخر الذي انتمى اليه ، فأنه يتعارض بفكره ومبادئه و الاخلاق العربية الاسلامية التي تربى عليها، فضلاً عن ان سليم نفسه لم يصرح لاصدقائه بهذا الانتماء ، ومن هذه النقطة بدأ حوارنا انا وهادي عندما سمعنا بمقتله ، وكنا عند بيت عمي ، بعد يومين من ذلك الفجر المشؤوم 0

قلت لهادي : هل تظن ان سليم قد خدعكما انت وجمال ؟

اخذت هادي حالة من الصمت ، وكأنه كان يفكر عن اجابة عن سؤالي ، لهذا قلت له :

- كان عليكم ان تكشفوا توجهاته السياسية ، او على الاقل ان 000

قاطعني هادي قائلاً :

- ليس هذا هوالمهم 0-0 ان ما يشغلني الان هو لماذا ظل سليم طيلة فترة صداقتنا يخفي سر انتمائه و لم يفاتحني او جمال للانضمام الى حزبه مثلا، او على الاقل ، لم اسمع منه اية كلمة حول ذلك ؟  

قلت له :

- ربما كان متورطاً 0

- سألني مندهشاً :

- كيف ؟

تم اردف قائلاً :

- صحيح ان عمره يسمح  للآخرين ان يورطوه في عمل ما، ولكن تربيته واخلاقه لا تسمحان له ان ينتمي الى مثل ذلك التنظيم ، وخاصة ان والده رجل متدين  0

قلت له :

- ربما لم يعرف بذلك ؟

توقف حوارنا عند هذا الحد 000 ولم نستطع اضافة أي شيء، ذلك لان سليم كما اتفقنا كان متورطاً ، لهذا لم يصرح بانتمائه لا حد 0

ظل هذا الحوار في الذاكرة حتى اذا التقينا بالرفيق صبحي ، في ذلك اللقاء الحميم ، جرنا الحديث الى سليم وكنت انا الذي سأل الرفيق صبحي ، اذ قلت :

- رفيق صبحي ، هناك شيئا غامضا بالنسبة لي ولهادي ، ارجو ان نجد عندك ما يوضحه ؟

قال :

- ما هو ؟

قلت بعد ان التقت عيني بعيني أخي هادي وكأنه كان يسألني عن ذلك الشيء :

- سليم 000 اقصد انتماء سليم لحزب غير حزبنا 0

بعد لحظات صمت ، خشيت ان اكون قد ازعجته بسؤالي ، قال :

- لم يكن سليم كذلك ، اقصد لم ينتم ، انما كانت الفتاة التي اقام معها علاقة حب ، وهي من أهالي المدينة ، ومن عائلةمنتمية لهذا الحزب، قد طلبت منه ان يكون مثلها والا ستقطع علاقتها به ، وقد عرفته على اخيها ، وكثيراً ماكانا يلتقيان صباح كل يوم جمعة في بيت هذه الفتاة ، أي انه كان مشروعاً لان يكون مثلهم، وعندما داهم رجال الأمن داره ، كانوا يظنون انه من جماعتكم، لانه كان زميلاً لهادي وجمال 0

سأل هادي رفيقه ومسؤوله السابق :

- لماذا لم تخبرنا بهذه المعلومات في ذلك الوقت ؟

اجاب قائلاً :

- ببساطه ، لانني لم اكن اعرف بكل هذه التفاصيل 0

قال أخي :

- وكيف عرفت بها ؟

اجاب :

- بعد الثورة ، التقيت بوالد سليم ( زاير كاظم) ، في نقابة العمال ، وكان يعمل حارساً فيها ، وعندما عرفت انه والد سليم زميلكم ، دار حوار طويل بيننا عن  ذكريات تلك الايام ، فأخبرني انه يحتفظ بدفتر صغير كان يسجل فيه سليم بعض ذكرياته ، ولما كان لا يعرف القراءة او الكتابة ، كذلك حفاظا على ذكرى ابنه و سرية تلك الذكريات لم ( يتجاسر ) في ان يدع احد اخوته ان يطلع عليها ، وسلمني اياه ، لانني – كما اكد لي - على ثقة ان ابني لم يكن منتمياً لاي حزب كان 0   

وكان ( رحمه الله ) يدون خواطره ،  فكان قلقاً وغير مستقر على رأي حول حسم موضوع هادي وجمال على حد قوله ، أي – كما فهمت – انتمائه لحزبهم ، فيما ذكر ان        ( خوله ) وهو اسم  حبيبته  تريد منه ان يكون مثلها 000ويؤكد في بعض اوراق خواطره قائلاً :  ماذا افعل ، وهي اجمل الجميلات ، هذا بالضبط ماكتبه في ذلك الدفتر 0

قلت :

- يعني هذا ان دم سليم ذهب هدراً 0

تابع اخي القول :   

- نعم ، قتل على اساس انه من جماعتنا ،  فيما ( حبيبته ) وجماعتها يعتبرونه واحدا منهم ، ولم يكن هو واحدا من كلا الجانبين 0

 

 

 

تقولات4

 

بعد عشرين عاماً من ذلك الفجر المشؤوم ، رحت ابحث عن الحاج فريّح ، فصدمتني وفاته 0

كنت اريد ان املأ بعض الفجوات التي تخللت ما كتبته عن اخبار الشباب ، الا ان الموت قد اخذه ليظل هذا الحاج  لغزاً بعد مماته ، كما كان لغزاً في حياته، اذ لم يعرف عنه شيئاً  سوى القلة من اهالي المدينة 000 اما ساكنوا القرية فلم يعرفوا عنه سوى اسمه الاول 000 وكان 000 كما حدثني والدي هو نفسه كان يرغب في ان يكون كذلك ، ظاناً ان ذلك مدعاة لهيبة كان يفتقدها ، ربما بسبب اصله غير المعروف ، او بسبب اعماله وسلوكه الشائنين 0

لم يكن كشخص سوي في المدينة ، لهذا راح يؤسس لنفسه حياة خاصة بين ساكني القرية الذين كانوا يعرفون ان الارض التي كانوا يشترونها منه بثمن زهيد لم تكن ارضه وانما كان وكيلا لعائلة كبيرة تمتلك هذه الارض 000 اما (المله) الذي لم يكن اسمه الحقيقي معروفاً في القرية ، فانه يدعى (ابراهيم جاسم ) ومن اصل اعجمي 0

وعند البحث عن تفاصيل اخرى عنه ،  فقد افادني ممن كانوا يعلمون في أمن بغداد قبل الثورة ، ان مرؤوسيه  كانوا يعرفون انه غير عربي ، وبعد قيام الثورة هرب خارج العراق ، وقيل انه كان شديد الخوف من وصول الحزب للحكم ، لما قام به من تعذيب شديد لهم بعد عام 1964 ، وبعد ذلك الفجر المشؤوم خاصة، الا  انني لم ارتكن الى هذة النتيجه ، خاصة وان رجال الامن او الشرطه كانوا ينفذون الاوامر الصادرة لهم في أي زمان ومكان ، وكذلك مهما كان الا سلوب الذي يتبعونه مع مسجونيهم لهذا رحت ابحث وأسال ، فتوصلت الى انه كان احد افراد الشبكة الجاسوسية التي قضت عليها قيادة الثورة عام 1969 0 الا انه عندما علم بالامر استطاع التخلص من حبل المشنقة بهروبه خارج العراق 0

اما عن مغادرته القرية فجر ذلك اليوم ، فقد اكد لي ( جاسم الاعور ) ان ( الملة ) عندما التقى به في بغداد في ذلك اللقاء القصير ، في فترة البحث عن ( الملحة ) ، وبعد ان سأله عن سبب عدم وجوده في القرية بعد فجر ذلك اليوم ، قال جاسم : انه ابتسم و قال  : ان سيارة جاءت من بغداد وعادت به اليها 0

وعندما ساله عن هادي وجمال اكد لي بغضب : لا اعرف شيئاً 0

ويبقى ( خبالو ) الشخص الوحيد الذي ارقني وجوده في القرية ومغادرته في تلك الايام 0

لم يكن ( خبالو ) سوى رجلاً في الاربعين من عمره ، دخل القرية قبل فجر ذلك اليوم بأربعة اشهر ، لم يعرف له اهلاً ولا نسبا 000 كان قبل ان يأتي الى القرية ، نام في شوراع المدينة ، وعلى ( المسنايات ) في الصيف 000 عرفه ابناء المدينة كرجل مخبول ، فراح البعض يتصدق عليه ببعض المال ، والملابس الخرقة 000 قال عنه البعض انه هارب من       ( الشماعية ) وقال البعض انه ( اعجمي ) الاصل ، لما في كلامه غير الموزون من لكنه جعلت من الأخرين ان يظنون به الظنون ، وكان بعضها صحيحاً 000 الا انه ، وبعد أن وصل الى القرية ، ولم يكن يعرف بوجودها بعد ان عاش شهرين في المدينة ، دخل مسجدها ، وراح يكنس ارضيته ، في وخلال دقائق تعارف ( خبالو ) على ( المله ) فأصبح عاملاً في المسجد 0

لم اترك البحث والسؤال عنه ، وكنت واثقاً من ان له علاقة باحداث ذلك الفجر الشؤوم ، فوجدت ضالتي في سجل الدكتور مهدي ، اذ كتب في الصفحة المئه ما يلي :

 

الصفحة : 100

كانت المفاجأة ثقيلةعلينا انا وهادي ، كمن يسقط على رأسه سقف داره الكونكريتي 0 وقتها تساءلنا ، هل حقيقة ما سمعناه ؟ هل هذا المجنون عميلاً ؟

قال لي هادي :

- كنت اظنه جاسوساً للسلطة ، فكنت اخشى  الحديث امامه ، وقد نبهت زملائي عن ذلك ، اما ان يكون عميلاً للمخابرات الصهيونية ، فهذا ما لم افكر به وقتذاك 0

اكدت لاخي هادي قائلاً :

- صحيح  ان هذا  مفاجأة لنا ، لكن ، اذا كان ( الملة ) من اصل غير عربي ، فهل         (  خبالو ) – ولم  نتوصل الى اسمه الحقيقي – هو الآخر من اصل غير عربي ؟

ورحت ابحث عن ذلك ، خاصة وانه قد اعدم في منتصف الثمانينات ، اذ تبين انه قد اشترك في اكثر من مهمة استخبارية في العراق 0

وعند البحث والسؤال عنه ، تبين انه من عائلة اعجمية ، نزحت الى العراق قبل اكثر من مئة عام ، ألا أنها ظلت محتفظة بولائها لقومها، وقد وجدت فيه الاحزاب المغادية لكل ما هو قومي ضالته المنشودة، كما وجدت فيه دوائر المخابرات الصهيونية ضالتهما المنشودة 0

وآخر ما توصلت أليه ، ان اسمه الحقيقي هو ( محمد أحمد علي فرهاد) 0

عندما سألت  الشخص الذي أفادني بهذه المعلومات  ،  عما اذا كان قد جند معه بعض شباب القرية في ذلك الوقت، أجابني :

لا أظن ذلك 000 ولكن كل ما نعرفه عنه ان الفترة التي قضاها في المدينة والقرية قصيرة ، ربما لهذا السبب لم يحصل على ما كانت الجهة التي أرسلته تنتظر منه ذلك 0

اما عن كيفية خروجه في ذلك الفجر المشؤوم ، فان ( الملة ) اخبر (جاسم الأعور ) انه قد اخرج معه ( خبالو ) إلى بغداد في السيارة نفسها التي أقلت ( الملة ) الى بغداد ، أي في سيارة الدولة 0

مرة، جلسنا أنا وأخي  هادي في إحدى أجازاته الدورية من الجبهة ، وقبل استشهاده بشهرين 000 وعندما جرنا الحديث إلى أيام ما قبل الثورة ، كان أول ما زاحم ذكرياتنا عن تلك الأيام ، هو هذا الحشد الهائل من العملاء والجواسيس الذين يعملون لجهات أجنبية عديدة0

قلت لهادي :

- كيف كانت السلطة في ذلك الوقت تسكت عنهم فيما كانت تداهم الشباب القومي المناضل ، وتزج بهم في السجون ؟

كان مهدي – رغم انه يصغرني بسنتين –اكثر وعياَ مني ، خاصة بأمور السياسة ، ذلك لان  فترة ابتعادي عن المدينة ( في تلك الفترة ) ، قد جعلتني بعيداً عن الحزب ، الذي كان يثقف مناضلية في كل الامور، لهذا كنت الجأ اليه بين فترة واخرى ، وكان لا يبخل عليّ بأي اجابة او تحليل ، لهذا ، وعندما سألته عن ذلك ، اجابني قائلاً :

- دكتور مهدي ، ان الحكام في ذلك الوقت كانوا العوبة بيد الاجنبي 000 ولما كان هؤلاء العملاء والجواسيس هم صنيعة ذلك الاجنبي ، فان على الحكام ان ياخذوا جانب الصمت امام افعالهم 0

سألته :

- اليس للنفط دور في هذا ؟

اجاب مؤكداً :

- نعم000 ان لشركات النفط الاجنبية الدور الكبير ، وربما الحاسم في ذلك لان هذه الشركات لا تعطي للعراق سوى نسبة ضئيلة من الارباح لاتسد الاحتياجات الأمنية والعسكرية ، فيبقى خادماً لمصالحها0

قلت بارتياح :

- نعم 000 لهذا ، فان اول عمل قامت به الثورة هو الاستقلال الاقتصادي، فأممت النفط، لان هذا الاستقلال هو الاساس القوي والفاعل للاستقلال السياسي 0

ابتسم اخي وقال :

- نعم00 ومن هنا بدأت المؤامرات علينا0

ناصرية – العراق -1998

 

أضيفت في 21/01/2008 / خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب
 

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية