الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 03/05/2008

عن الكاتب

رواية

الأرض الجوفاء

 

 

         

 

 

 الفصل الثالث

  الفصل الثاني

 الفصل الأول  

بقلم الكاتب: د. عبد الهادي أحمد الفرطوسي

 

 

الأرض الجوفاء

الفصل الأول

 

-1-

  

أهي صدفة أم ضرورة ؟  أم قدر رسمته قوى مجهولة تتحكم بمصائرنا ؟ ألا نقوم بسفرة الصيد المشؤومة الا في الأول من آذار حيث يحتفل الإنليليون بعيدهم الأكبر. وحيث يخطط أعداؤهم الكوريون للانقضاض عليهم مستغلين انشغالهم بالعيد العظيم.

 

ترى. أي أصابع مجهولة تحركنا كما تحرك بيادق الشطرنج  ؟ وتجر أقدامنا الى هذا المنزلق؟ وتقودنا من مطب الى آخر، فأي شيطان وسوس في أذني لأدعو أخي الصغير عباسا  ليشاركنا سفرة الصيد التي قادتنا الى هذه النتيجة المظلمة ؟ أهو الشيطان الكوري كما يزعم الإنليليون ؟  أم  ابليس اللعين ؟ كما تقول أمّي يوم اعترضت طريقنا  ، ونحن نزمع القيام بتلك السفرة ؟.. وأي بصيرة نافذة تتقد في ذهن هذه القروية العجوز لترى انياب القدر مكشرة ؟

أتذكر وجهها قبل سبع سنوات وهي تهمس في أذني صبيحة الأول من آذار:

-أ ضروري أن تأخذوا عباسا معكم ؟

كنا نتهيأ - انا وعباس - للقيام بسفرة صيد في وادي المهاري ، برفقة بعض الاصدقاء . قلت لها وأنا أتنكب بندقية الصيد :

-عباس لم يعد طفلا . يا أمّي . أن عمره صار ستة عشر عاما .

-انه مازال طفلا متهورا . لا تأخذوه معكم .

 سمعها عباس فرد بصوت ثائر:

-ماذا .. هل تريـدين مني أن اقعد في البيت كالنساء  .

-قلبي يحدثني بأن أمرا خطيرا سيحصل لك . إلعن الشيطان ولا تذهب معهم  .

-لا تقفي في طريقي سأذهب .

عقبت‘ بتذمر شديد

-الذي يرى حالتك يتوقع ان ابنك ذاهب الى معركة  . انها سفرة سياحية الى مشارف المدينة برفقة سبعة رجال أشداء .

كان آخر ما سمعته منها ونحن نغادر البيت  . زفرة واهنة  ، ودعاء يصعد ساخنا الى السماء  :

-يا راد يوسف الى يعقوب رد إلي ولدي .

 

*    *    *

 

اختطفتنا سيارة الجيب  . وتلقفنا وادي المهاري الممتد من مشارف وادي الشنافية  حتى حدود نجد . كان عباس أكثرنا مرحا وانطلاقا  . يقفز من كثيب الى كثيب  ، مطاردا الأرانب  والحيوانات البرية . وأثناء عودتنا في الساعة الرابعة والنصف عصرا توقفنا على مقربة من تل المهالك . واقترح أحدهم :

-ما رأيكم ان نقتحم تل المهالك  .

وآزره آخر:

-فكرة جميلة

اعترض ثالث:

-ما لنا وتل المهالك دعونا نمرح على هذه الأرض الجميلة .

ضحكنا منه جميعا.

-هل تخاف العفاريت التي تسكن التل .. ايها المثقف الطليعي.

اعتراه الخجل وعقب على كلامنا   :

-لا تسيئوا فهمي . أنا لا استبعد أن يكون تل المهالك مخبأ للمهربين  وقد نورط أنفسنا معهم في معركة غير متكافئة .

كنا - نحن  السبعة - نمثل الشريحة المثقفة في المدينة .وكان لزاما علينا ان نرفض الحكايات الخرافية التي تنسج حول هذا التل كما كان علينا ان نجد تفسيرا منطقيا لهذا التواتر في الروايات التي يتناقلها البدو حول وجود أشباح تطاردهم اذا ما اقتربوا من تل المهالك .  وكيف انهم يرون في الليل نيرانا تشتعل أحيانا على التل . وأضواء حمراء وخضراء وبنفسجية تومض منه في أحيان اخرى . كان صاحبنا الذي يحلو له أن يطلق على نفسه صفة المثقف الطليعي ، قد وجد نفسه مقتنعا ان تل المهالك ليس الا مخبأ من مخابئ المهربين , وان تلك الحكايات لا تعدو أن تكون اشاعات يروجها هؤلاء المهربون ولا يستبعد منهم أن يفتعلوا ألاعيب يخيفون بها السذج من البدو اذا ما اقتربوا منهم …. يفعلون كل ذلك ليبعدوا المتطفلين عن مخابئهم  .

أمام اصرارنا على اقتحام تل المهالك   ، رضخ صاحبنا للأمر ورافقنا نحو التل . انطلق عباس أمامنا فطلبت منه أن يتريث قليلا . لكنه قال :

-قلب عباس لا يعرف الخوف  .

وانطلق بسرعة أكبر . صعد السفح بخفة  حتى وصل قمته . غاب عن انظارنا بين كثبان الرمل  قليلا . ثم ظهر على أعلى صخرة في القمّة  . ورأيناه يضع كفيه على جانبي فمه . ويهتف بصوت عال :

- تعالوا بسرعة  … اركضوا لقد وجدت كنزا   .. كنزا ثمينا  . سيغنيكم جميعا .

تصورنا ا لأمر مزحة فلم نزد في سرعة مشينا   . لكنه عاود النداء :

-اركضوا قلت لكم اركضوا   . ما لكم كسالى   . انه كنز ثقيل من الذهب لو استطيع حمله لحملته لكم   .

قبيل ان نصل التل رأينا مخلوقا غريبا يخرج من كهف في  أسفل السفح وينتصب أمامنا سادا الطريق علينا  . كان عملاقا يزيد طوله على خمسة الأمتار ، ذا فم عريض متقوس الى الاعلى وعينين مدورتين حمراوين وانف افطس ، واذنين طويلتين مدببتين ، وجلد مجلل بالشعر  … ركض اثنان منا عائدين لكن صاحبنا المثقف الطليعي قال :

-لا تفزعوا . اظنه دمية .

غير ان المخلوق الغريب فتح فاه كاشفا عن أسنان طويلة ثم جثا على ركبتيه . ونهض ثانية، فعل كل ذلك ، ربما ، ليخبرنا انه كائن حي وليس دمية . ظلت عيناي موزعتين بين أخي الذي يقف على قمة التل وبين المخلوق الغريب. صوبت بندقيتي نحو جسد العملاق . لكنه لم يأبه لتهديدي  . أطلقت عليه النار وحذا جماعتي حذوي   . والعملاق لم يتزحزح من مكانه   ، ظل يواصل تحريك اذنيه الطويلتين ساخرا منا …. وحين سمع أخي أصوات الطلقات غادر موقعه متجها الينا . لكني لاحظته بعد قليل يتراجع الى قمة التل مذعورا  ، ثم يغيب بين كثبانها  … واصلنا الرمي حتى نفد عتادنا  . عند ذلك غادر المخلوق الغريب متجها الى الكهف الذي خرج  منه  .

وقفنا في مكاننا قليلا بانتظار عودة عباس  ، لكنه بقي مختفيا عن الآنظار  . وارتقيت الى القمة ورأيت صحابي يتبعونني ببنادقهم الفارغة  .. توزعنا بين القمة والسفوح لكننا لم نجد لعباس أي اثر . ووقفت على الصخرة التي كان يقف عليها أخي قبل قليل واصلت النظر في الصحراء الممتدةأمامي دون أن ألمح إنسانا   …. عند غياب الشمس قررت البقاء على التل  حتى أجده . ولكن اصحابي رفضوا . قال احدهم :

- المسألة اصبحت أكبر من طاقتنا . اذا كنا لم نعثر عليه في وضح النهار . فكيف سنجده في الليل  . علينا ان نخبر الشرطة .

رضخت للأمر وعدت معهم . ووجه أمّي يرتسم أمامي وهي تقول :

-يا راد يوسف الى يعقوب اردد الي ولدي .

   

-2-

 

بعد تحقيق مطول ، لم يصدق رجال الشرطة اقوالنا احتجزونا طيلة الليل . حتى اذا أطل الصباح اقتادونا الى مكان الحادث وهناك سأل المحقق عن الكهف الذي خرج منه العملاق المرعب . وكم كانت سخرية المحقق ورجال الشرطة قاسية ونحن ندلهم على ذلك الكهف  . قال احد الضباط وهو يرسم ابتسامة ساخرة :

-أمن هذا الثقب يخرج عملاق طوله خمسة امتار انه لا يتسع لأكثر من قنفذ .

وبالفعل لم يكن ذلك الكهف الذي أشرنا اليه لم يكن غير وجر صغير لا يزيد عرض فوهته على سنتيمات عشرة وقد ادخل أحد رجال الشرطة عصاه داخل ذلك الوجر فاصطدمت بقاعه  وبذا حدد عمقه بعشرين سنتيما  …. دونت كل هذه الملاحظات في ملف التحقيق . وعدنا الى السجن ثانية  …. وبعد أربعة اشهر اطلق سراحنا لعدم كفاية الادلة ضدنا   .

بقي اخي عباس مجهول المصير، رغم محاولات ابي الدائبة في البحث عنه ، وزيارته مضارب البدو المتوزعة في الصحراء . لم يحصل على اجابة شافية . كان جواب البدو واحدا . انه تل المهالك . سمي بهذا الاسم لأن الوصول اليه مهلكة .. فقدنا ابلا كثيرة هناك . ولم نجرؤ على اقتحامه . انه تل مسكون والوصول اليه اكثر من طاقتنا  .

اماأجهزة التحقيق فقد توصلت إلى قناعة مؤقتة : وهي ان ذلك التل يمكن أن يكون مكمنا لعصابة من الخارجين على القانون  ولما اقتحم المجني عليه مقرهم آثروا اختطافه على أن ينكشف سرهم . وفي الوقت الذي كان بعض افراد العصابة يشاغلون بقية افراد المجموعة بلعبة الشبح المرعب . كان آخرون يبتعدون بالمجني عليه عن التل . وبرغم ان هذا التفسير كان السبب في الافراج عنا لكننا ، كنا نرفض تصديقه ، لأننا عشنا الأحداث بتفصيلاتها فكيف نصدق ان ذلك الشبح الذي رأيناه يتحرك أمامنا ويسد الطريق علينا لعبة يقوم بها نفر من السذج ! !!  لقد كنا نجيد التسديد وما اصطدناه صباح ذلك اليوم دليل على براعتنا في الرماية .. وقد كنا نرى رشقات الرصاص الغزيرة تنهمر على جسد الشبح مخترقة إياه وغائرة في رمال السفح . فلو كان ذلك الشبح آلة لتهشمت تحت سيل الرصاص الجارف : ولو كان كائنا بشريا أو حيوانا لتمزقت اشلاؤه شر ممزق .

لقد قامت الدوريات خلال الاشهر الأولى التي اعقبت الحادث بجولات تفتيشية في ذلك المكان دون ان تعثر على شئ يخدم القضية . لكن شرطيا جاءني الى مركز التوقيف وهمس في اذني سرا رجاني ألا ابوح به ، لأنه يهدد مستقبله ، وفحوى ذلك السر انهم خرجوا ليلة الى ذلك التل وكانوا اثني عشر رجلا بسيارتين يقودهم ضابط عرف بالشجاعة . وحين وصلوا الى عتبة التل توقفت السيارتان. ، وانطفأت الاضواء فيهما ، وعبثا حاولوا أن يكتشفوا سر العطل . فأمرهم قائد المفرزة بالسير راجلين مستعينين بمصابيح يدوية تعمل ببطاريات جافة ، غير انهم ادركوا بعد قليل أن مصابيحهم كانت معطلة أيضا . وأن أجهزة الاتصال التي في ايديهم قد توقفت عن العمل . وحين قرروا العودة الى المدينة عادت الطاقة الكهربائية الى السيارتين . وهدر المحركان فانطلقوا عائدين.

على اثر ذلك توجهت قوة كبيرة الى التل طوقته من كل جانب . ثم اقتحمته وفتشته تفتيشا دقيقا . فلم تجد شيئا يثير الآنتباه فعادت باللائمة على افراد المفرزة الأولى ، واتهمتهم بالتخاذل والتضليل .  واتفقوا على ان يبقىالأمر سرا حرصا على سمعة رجال الشرطة  .

   

-3-

 

خاطبني بلهجة ثائرة :

-هكذا تتركون أخاكم في الصحراء وتمضون ؟

-الله يشهد اننا لم نقصر بحقك ، ولكن الأمر كان اكبر منا .

-أي أمر ؟!  ما ان غبت عن انظاركم حتى نسيتموني : افترضوني رفيقا عابرا . أيحق لكم أن تتركوني بهذا الموقف ؟

احتضنه ابي وقبّله بحرارة سائلا :

-ولدي عباس اين كنت طيلة هذه الفترة ؟

لكن الضابط صرخ في وجوهنا .

-كفى تمثيلا . أتضحكون علينا ؟ اجلسوا في أماكنكم . ولا يحق لكم الكلام الا بأمر مني .

سأله ابي:

-أين وجدتموه . يا سيادة الضابط؟

-اجلس في مكانك و لا تتفوه بكلمة واحدة .

بعد فترة صمت توجه الضابط لأبي . وأمر كاتبه أن يدون ما يقال .  

-افدت - قبل سنة ونصف - أنك قد فقدت ولدك . أليس كذلك ؟

-نعم.

-متى عثرت عليه ؟

-لم اعثر عليه الا في هذه اللحظة . وفي هذا المكان .

-غير ان ابنك عباس ينكر كل هذا الكلام .

-أمر غير معقول ؟

-حسنا (  ووجه سؤاله إلى عباس ) أين كنت خلال السنة والنصف الماضية ؟

-كنت في البيت بين أهلي ومدرستي وأصدقائي .

-ولم تتعرض لحادثة اختطاف أبدا ؟

-لا

-سؤال اخر  …. ماذا كنت تفعل  هذه الليلة في الصحراء  ، حين ألقت الدورية القبض عليك ؟  

-اولا : الدورية لم تلق القبض علي ، بل أنا الذي ناديتهم بأعلى صوتي . رجوتهم أن يحملوني معهم الى المدينة. أما عما كنت افعله فقد أجبتك قبل قليل .

-أعد أجابتك .

-خرجنا صباح اليوم أنا و اخي الجالس أمامك وعدد  من الاصدقاء في سفرة صيد  عند وادي المهاري  . وفي الساعة الرابعة والنصف توقفنا عند تل المهالك وقررنا التوجه الى التل . وقد سبقتهم الى ارتقائه ، غير اني حين التفت ورائي لم أجد لهم أثرا ، فاضطررت الى العودة الى المدينة بمفردي . ولما كانت المسافة تزيد على العشرين كيلومترا ، فقد جن علي الليل وأنا ما أزال أركض وسط الصحراء . وحين أبصرت ضوء سيارتكم توجهت نحوها فنقلتموني الى هنا .

-ها … ماذا تقولان ؟

اجبت بحيرة وذهول .

-لكنني كنت هذا اليوم في الدائرة .

رد أخي

-اليوم عطلة رسمية .

-لماذا ؟

-انه يوم الجمعة .

عقب الضابط بسخرية

-اليوم هو الأربعاء أيها الشاطر .

-ماذا ؟ أتسخرون مني ؟

تدخل أبي :

-سيادة الضابط أن ما رواه عباس قد وقع فعلا يوم الأول من آذار  في العام الماضي وليس هذا اليوم  . وهو مثبت في ملف  القضية .

-حسنا: المسألة تحتاج الى دراسة .

 أشار الى شرطي أن يقتاد عباسا الى زنزانة الحجز ، حاول أبي الاعتراض لكن الضابط قال :

- هذا عملنا ونحن أدرى به

قلت له:

-المسألة اصبحت واضحة فهو مصاب بفقدان الذاكرة .

-وهناك احتمال أخر.  ربما كان متورطا في قضية خطيرة لا يستطيع البوح بها .

   

 

-4-

 

بعد عدة أيام أطلق سراح أخي . وبقي غير مصدق انه قضى سنة ونصف السنة بعيدا عنا . و كلما حاصرناه بأسئلتنا ينفجر بالبكاء ويصرخ فينا .

-لا اتذكر شيئا . والله لا أتذكر .

-والكنز ؟ كنت بعد ارتقائك التل  تنادي علينا أن نسرع  وتقول انك وجدت كنزا من الذهب .

-كل ما أتذكر 00 اني صعدت التل وحين شارفت الوصول الى القمة التفتت نحوكم  ، فلم أجدكم  . ناديتكم فلم تجيبوا . عدت مسرعا الى السيارة ، فلم أجدها في مكانها .. أول الأمر تصورتكم تختبئون في مكان ما لاختبار شجاعتي . فتظاهرت بعدم المبالاة وسرت بهدوء نحو المدينة لكن السكون المخيف الذي يخيم على الصحراء جعلني أغذ السير مسرعا وحين غابت الشمس بدأت أعدو بأقصى سرعتي .

وفي النهاية نكف عن طرح الاسئلة . ونحمد الله على عودته سالما  .

لقد لاحظت على عباس انه صار منطويا هادئا . ولم يعد ذلك الفتى المتمرد الجامح الذي كانه . وكانت تنتابه بين آونة وأخرى كوابيس ثقيلة يهب على إثرها مذعورا من نومه : هاتفا ( الشيخاليين .. الشيخاليين .. ))  … وحين نهرع اليه ونسأله عما رآه  وعن معنى (( الشيخاليين )) يظل مذهولا ، وينكر أنه ردد هذه العبارة .¸

لقد واصل دراسته بتفوق ملفت للنظر . وأصر على دخول كلية العلوم ( قسم الجيولوجيا ) .. ونجح بتفوق في السنة الأولى .. ومع الأشهر الأولى من السنة الثانية  بدأت الكوابيس تنهش نومه بشكل متواصل . فصار شارد الذهن مشتت الأفكار ، خائفا من المجهول . مما اضطره أن يبعث لي ببرقية يدعوني فيها للحضور الى العاصمة .ومرافقته لمراجعة طبيب نفسي  . وتواصلت زياراتنا للطبيب الذي اخبرنا أن شفاء عباس مرهون بإعادة الذاكرة له عن طريق سلسلة من الجلسات التحليلية    كان آخر لقاء لي بعباس في مقهى صغيرة تقع على مقربة من مبنى كليته  . جاءني شاحب الوجه مرتعش الساقين  ، وقبل أن يحتسي قدح الشاي قال :

-أراني أقف على حافة الجنون .

-كيف ؟

-تصرفت اليوم تصرفا غير منطقي في قاعة الدرس 

-00000

ارتشف من كوب الشاي وواصل حديثه :

-(( كان الاستاذ يستعرض النظريات التي تناقش باطن الأرض   …تناولها بعرض موجز . وأنهى حديثه بالتطرق الى نظرية فحواها ان الأرض مجوفة  وقد وصفها بأنها نظرية لا يعتد بها  . وأن علماء الجيولوجيا يستخفون بصاحب هذه النظرية … عند ذاك وجدت نفسي أقف محتجا وأرد على الاستاذ بنبرة غليظة :

-من قال لك ان الأرض ليست مجوفة ؟

-القرائن العلمية تقول ذلك وقد درسناها مفصلة خلال الشهر الماضي   .

-تعني أجهزة رصد الزلازل   . وتغيير ذبذبات م وذبذبات ط   .. أنها ليست أدلة كافية أبدا ويبقى الرأي القائل بأن الأرض مجوفة هو الحجة الدامغة .

-وما الدليل  ؟

-الدليل  آني رأيتها بعيني هاتين  … وصلت الى باطن الأرض ووجدتها مجوفة .

تساءل الاستاذ مستغربا :

-وصلت الى باطن الأرض  ؟ … كيف ؟

علق أحد الطلبة :

- في الحلم طبعا   .

ضجت قاعة الدرس بالضحك  وعبارات السخرية ووجدتني أترنح على مقعدي مذهولا   .. ولم ينقذني من مواصلة توبيخ الاستاذ لي إلا رنين الجرس   ومغادرة القاعة  .

وجدت نفسي غير قادر على مواصلة بقية المحاضرات فغادرت الكلية هائما في الطرقات ابحث عن تفسير  مقنع لتصرفي هذا  … فحين كنت أتفوه بتلك الكلمات لم أكن مازحا و لا متهكما  بل كنت جادا كل الجد ومقتنعا تمام الاقتناع بما قلت  .  علما بأن كل ما درسناه - خلال السنتين الماضيتين  - يؤكد على ان الأرض لم تكن مجوفة  . وأن حرارة باطن الأرض تصل الى أربعة آلاف درجة مئوية تقريبا  . فكيف تسنى لذلك الوهم أن يتغلغل الى ذهني  . وفرض نفسه على تفكيري ؟ …. ثم  ما معنى اني وصلت الى باطن الأرض ووجدتها مجوفة ؟ أهو بداية إلهذيان  ؟ أم هي الافكار التسلطية   ؟ .. كما يسميها  علماء النفس .

   

 

-5-

 

السكون العميق والآنارة الخافتة يضفيان على الغرفة جوا رهيبا . ويوحيان بحالة من الترقب الغامض .. نبرات الطبيب الرخيمة إلهادئة ذات مفعول سحري ليس على أخي فقط . بل علي شخصيا  ، انا القابع في زاوية من الغرفة ، مترقبا ما تسفر عنه  الجلسة التحليلية ..أمر الطبيب أخي  بالتمدد على السرير والاسترخاء التام . والتركيز الذهني  ثم بدأ من نقطة الصفر ، حيث يبدأ كل يوم :

-قلنا توقفت سيارتكم على مقربة من تل المهالك  ... وبعد . ماذا جرى ؟

بدأ أخي يقص تفصيلات الحادثة التي يقصها كل يوم حتى  يصل الى ارتقائه قمة التل . فيتوقف عندها عاجزا عن التذكر . لكنه هذا اليوم قد واصل سرد الحكاية  قائلا :

-ارتقيت التل  .. تجولت على قمته .

-ماذا رأيت هناك ؟ تذكر بالتفصيل .

-قفزت من كثيب الى كثيب . تأملت الصحراء الممتدة أمامي .. تابعت وادي المهاري الملتوي وسط الصحراء  حتى غاب في الافق البعيد .

-وبعد . ماذا فعلت ؟

-تجولت قليلا . رأيت بقعة معشبة  فاتجهت نحوها .

-وبعد. تكلم بهدوء . ولا تتوقف .

-أبصرت في زاوية شيئا لامعا فاتجهت نحوه  … كان جسما بيضويا من الذهب … حاولت حمله لكنه كان ثقيلا … انه ثقيل جدا . لا استطيع زحزحته  من مكانه .يا إلهي انه من الذهب الخالص   … انا متأكد انه من الذهب  … لو كان من معدن آخر لما أحتمل المطر والغبار المتواصل دون أن يصدأ … ركضت نحو أعلى صخرة في التل . وناديت جماعتي   … أخبرتهم بوجود الكنز  … طلبت منهم الصعود  … ولكنهم ظلوا يسيرون بهدوء . وكأن الأمر مزحة سمجة واصلت ندائي لهم  . وفجأة حصل ارتباك في صفوفهم  . ركض اثنان منهم عائدين الى السيارة … رأيت أخي يصوب بندقية نحو  أسفل التل  … تساءلت : ما الأمر . لكن رصاص البنادق انهمر على  أسفل التل بغزارة …  قفزت من الصخرة وتوجهت هابطا نحوهم  … وفي طريقي رأيت بيضة ذهبية كبيرة كالتي رأيتها قبل قليل .. كانت تتقدم نحوي وتنفث لهبا ازرق تصوبه نحوي فتصيبني صعقة تيار كهربائي   … اضطررت  الى إلهرب أمامها صاعدا الى القمة  ، والبيضة في أثري . تلسعني بالصعقة الكهربائية كلما أبطأت  في العدو … انطلقت بأقصى سرعتي ، محاولا إلهبوط من السفح الآخر  … لكن بيضة ثانية اعترضت طريقي فغيرت مساري باتجاه القمة  ثانية … ظللت أقفز من كثيب الى أخر  والبيضتان الذهبيتان في أثري  .. كانتا تدفعانني باتجاه كهف في قمة التل  . لم يكن أمامي الا أن الج ذلك الكهف  … كان يهبط بي الى الأسفل والبيضتان تنيران الطريق أمامي بضوء أزرق باهت . وكلما حاولت إلهبوط صعقتني إحداهما بنفثة كهربائية  ؛ فأواصل إلهبوط    …توغلت في ذلك النفق المنحدر مسافة طويلة  . والبيضتان الذهبيتان في اثري   … وفجأة ، انصفق ورائي باب . وحل ظلام دامس  … يا إلهي  … ظلام دامس … ظلام …ظلام… ظلام …

كان عباس يصرخ من سريره كمن يرزح تحت وطأة كابوس مرعب …أمره الطبيب بالسكوت ، منهيا الجلسة  . نهض عباس من السرير مرتعشا . وجسده يتصبب عرقا . ناوله الطبيب قرصا مهدئا . وأضاف :

- لقد عثرنا على مفتاح المشكلة … ذاكرتك عادت اليك   .. والآن عليك أن تعود الى البيت وتنام نوما هادئا   .. وغدا تعود وتكمل لي بقية الامور.

ثم توجه إليّ ونصحني الا أوجه له أي سؤال عن هذا الموضوع حتى يوم غد .

غادرنا عيادة الطبيب . وبعد أن أوصلته الى القسم الداخلي  افترقنا على أمل اللقاء غدا في نفس الزمان والمكان  .

   

-6-

 

وصلت المقهى قبل الموعد بساعة كاملة  . تملؤني اللهفة لسماع ما يرويه عباس ، عن غيبته التي دامت سنة ونصف ، والتي امحت من ذاكرته طيلة السنوات الماضية .

ولكن نادل المقهى فاجأني بتقديم مظروفين احدهما يحوي رسالة مغلقة . والاخر يضم رزمة ورقية  . كما أخبرني ان أخي حضر صباح اليوم  . وأوصاه بتسليم المظروفين الي . استغربت الأمر . وبادرت الى فتح المظروف الأصغر . فرأيت الرسالة التالية مكتوبة بخط أخي عباس   :

((أخي العزيز

عذرا لك ولأبوي اذا كنت قد ازمعت الرحيل دون أن أودعكم . اذ اني على يقين انكم ستمنعونني عن السفر بشتى السبل  . حتى لو اقتضى الأمر تكبيلي بالسلاسل أو ارسالي الى مستشفى الأمراض العقلية  .

اخي العزيز

 حين تفتح هذه الرسالة وتبدأ بقراءتها . أكون قد دخلت عالما آخر أعرفه بخباياه ودهاليزه وكل معالمه . ولم يبق مني أمامكم غير الذكريات وهذه الاوراق التي بين  يديك . فعذرا على هذه المفاجأة غير السارة . وأرجو ن تكونوا مطمئنين فأنا في أمان تام هناك  . أرجو أن تصدقني في كل كلمة أقولها لك في هاتين الرسالتين . ولا تراودك الشكوك في اختلال قواي العقلية . لقد انزاحت الغشاوة عن بصري بعد هذه السنين . ان السنة والنصف المجهولة من حياتي عادت واضحة أمام عيني بكل تفصيلاتها … وقد دونتها لكم على هذه الوريقات ، لأني ادرك كم انتم متعطشون لمعرفة حقيقتها   … أما الاسباب الموجبة لرحيلي المفاجئ فلا بد أن تكونوا على بينة منها لعلي أجد لنفسي عذرا أمامكم في شروعي المفاجئ بالرحيل .

 اخي العزيز

حين غادرتك الليلة البارحة . أويت الى فراشي تنفيذا لتعليمات الطبيب . ونمت نوما عميقا . واستيقظت بعد منتصف الليل شاعرا بحيوية متدفقة : وسعادة غامرة . وعندها تسلمت رسالة تخاطرية من الآنسة  سيليا الإنليلية . تدعونني فيها الى العودة الى عالم الإنليليين . وتخبرني ان الظروف التي اضطرتني الى مغادرة ذلك العالم في 24/ 7/ 1986 قد زالت تماما . كما حذرتني من خطر يحدق بي من قبل الكوريين اذا ما بقيت على سطح الكرة الأرضية اذ ان سياسة الكوريين الجديدة تقضي باختطاف البشر الذين تربطهم علاقة بالأنليليين للاستفادة من معلوماتهم  … كما اخبرتني انها وراء تلك الكوابيس التي كنت أتعرض لها خلال الفترة الماضية . انها كانت تمارس - بالاتصال التخاطري - من موقعها غسلا لذاكرتي من آثار الاشعة التي سلطوها علي يوم خروجي الى سطح الأرض  في 24/7/  1986  فأفقدوني الذاكرة حرصا منهم على عدم ذيوع المعلومات التي كنت أعلمها عن عالمهم . لقد استمرت سيليا تمارس غسلا لذاكرتي طيلة الاشهر الأربعة الماضية . اذ ان تسلمي للرسالة التخاطرية مرهون بعودة الذاكرة الي .

أخي العزيز

حين قررت الرحيل شرعت بكتابة هذه الوريقات لكم استعرض فيها ما تعرضت له خلال فترة غيابي عن سطح الأرض  من 1/3/ 1985 الى 24/7/1986 وستجد كل هذه المعلومات في المظروف الاخر .

وفي الختام أرجو أن تكونوا مطمئنين ولا تشغلوا انفسكم في البحث عني ودمتم بخير. ))

   

 

الأرض الجوفاء

الفصل الثاني

 

-1-

 

ترى أيّة قوة سحرية اختارتني من بين ملايين البشر فوسوست في أذني أن أرافق أخي وأصدقائه في تلك السفرة ، وأن اندفع بذلك التهور نحو تل المهالك باحثا عن المجهول ؟ … وأن اتفحص بيدي تلك البيضة الذهبية الكبيرة ثم اصرخ بملء فمي معلنا عن وجود كنز ثمين .  أكان ذلك تصرفا اخترته لنفسي بملء إرادتي ؟ أم  كان أمرا فرضه علي الكوريون  - كما يزعم الإنليليون -  فجعلوا مني آلة يحركونها من مواقعهم ؟

 

لقد اعتقد الإنليليون بذلك فسلطوا علي تلك الآلة العجيبة - التي اعتقدتها أول الأمر بيضة ذهبية كبيرة - فاقتادتني عبر ذلك النفق الملتوي الذي انحدر بي الى الاعماق حتى تركتني  عند الفسحة الملتحفة بالظلمة الداكنة ، أعيش حالة من إلهلع الشديد ، لقد صرخت بأعلى صوتي : استغثت ، واستنجدت .. ولكن من يسمع استغاثتي ! حاولت أن أجد بابا للخروج فلم تعثر كفاي الا على جدران صخرية خشنة ، وبعد دقائق قليلة توقفت عن الصراخ وبدأت افكر بجدية ، وقادني تفكيري الى الاعتقاد بأن أكواما من التراب قد انهارت على ذلك الممر الطويل فدفنت‘ حيا تحت تراب تل المهالك . وان الموت قادم لا محالة ، لولا اني سمعت صرير باب يفتح وأبصرت خيطا واهنا من النور يتسلل عبر ممر ضيق ينفتح أمامي ، عاودني بعض الاطمئنان المشوب بالقلق ، وتقدمت بخطى حذرة متجها الى مصدر النور الواهن  ، وبعد ان اجتزت الممر الطويل انعطفت يسارا ، فأبصرت بابا يفتح أمامي ، ووجدت نفسي في صالة كبيرة يتوسطها تمثال ضخم من الحجر الأسود لمخلوق غريب كان يقف منتصبا على منصة عريضة ، له عينان خضراوان مشعتان تمتدان طوليا على جانبي انفه ولم يكن فمه غير شق طويل  أسفل أنفه دونما شفتين ، تفحصته جيدا ، وأثارت انتباهي النقوش المرسومة على منصته ، تأملتها ،  فتأكد لي انها كتابة مسمارية كالتي شاهدتها في كتب التاريخ القديم ، التي تملأ مكتبة أخي .

   

وبزغت في ذهني فكرة انني دخلت منطقة اثرية ، وتساءلت مع نفسي : لكن هذه الاضواء الزرقاء ، ما مصدرها ؟ ! أجلت النظر في سقف الصالة فوجدتها تشع باللون الازرق ، وأعدت التساؤل :  هل كان اجدادنا القدامى قد استعملوا الكهرباء ؟ّ! ….واذا كانوا كذلك فهل ان مصدر الطاقة ما زال فاعلا منذ آلاف السنين ؟! … وخرجت بنتيجة مقنعة : وهي ان الأثريين لا بد ان توصلوا الى معرفة هذه المنطقة وأناروها بالكهرباء ، وربما كانت تنقيباتهم سرية ، فحرصوا على احتجاز كل من يصل الى  تل المهالك .

    

اتكأت بمرفقي على حافة المنصة ووضعت رأسي  بين كفي  مستجمعا شتات أفكاري ، باحثا عن تفسير منطقي لما أراه ، ولكن صوتا انثويا عميقا طرق أذني قائلا :

-قف بأدب أمام تمثال إنليل العظيم .

   

التفتّ فزعا ناحية الصوت . واذا بي أرى مخلوقا يشبه التمثال الذي اتكئ على منصته .. وكان طوله لا يزيد على المتر الواحد وكان يحمل نفس ملامح التمثال لولا بعض الصفات الآنثوية  . وعاود المخلوق نداءه

-قف بأدب أمام تمثال إنليل العظيم .

حاولت أن أهرب ، لكني وجدت ساقي عاجزتين عن الحركة بفعل الفزع المباغت الذي اعتراني . وبدأ باستجوابي :

-ما الذي اتى بك الى هنا ؟

حاولت أن أجيب فخرجت الكلمات من بين شفتي المرتعشتين متناثرة لا تحمل أي معنى :

-ما لك مذعور؟  لا أظن اني مرعبة الى هذه الدرجة .

   

فجأة. احسست فكرة عنيفة تسطع في ذهني فعلا . ما لي مذعور الى هذا الحد ؟! لن أتعرض لأكثر من الموت  . فلأواجه قدري بشجاعة  . أحسست بقامتي تنتصب شامخة .أمام تلك المخلوقة التي لا يزيد طولها على المتر الواحد   .. أجبتها ونظراتي الجريئة تخترق جسدها الضئيل .

- لست مذعورا . لكني فوجئت بوجودك أمامي .

-حسنا تقدم أمامي إلى الغرفة الاخرى .

  

هل أطاوعها ؟ أم أرفض الأمر ؟ … لقد  اقتادتني قبل قليل تلك الآلة الصفراء الى هذا المكان المرعب , فالى أين ستقودني تلك المخلوقة الحية ؟ لو كنت قد تحملت آلام الصعقة الكهربائية وقاومت تلك الآلة العنيدة لكانت السلامة حليفي  . ولكنني ضعفت أمامها حتى تركتها توصلني الى هذا المكان   …. فهل أسلم قيادي الى هذه القزمة  لتوصلني الى عالم أكثر رعبا ؟ أم أقاومها ؟ وتذكرت المدية الحادة التي كنت أتأبطها فمنحتني قوة التحدي وتحفزت لجز رقبتها  . ويبدو أنها شعرت بما أفكر به . فبادرتني الى القول :

-اعطني السكين التي تحت قميصك ؟

تأملتها جيدا كانت يداها خاليتين من أي سلاح . وقد حزمت أصابعها بخواتم ذهبية ذات أحجار متلألئة . ومن خلال قميصها وبنطلونها اللاصقين على جسدها النحيل أدركت انها لم تخبئ أي سلاح  . سمعتها تكرر النداء :

-قلت لك اعطني السكين المخبأة  .

سحبت مديتي وشهرتها أمامها قائلا  :

-احذري الاقتراب. أي حركة سأحز رقبتك .

-بدون تهور ، أعطني السكين ، وسر أمامي هادئا .

 

المسافة التي تفصلني عنها تقارب أربعة الامتار . تقدمت منها حذرا . وقلت بصوت لا يعرف الوجل  :

-ارفعي يديك إلى الأعلى والا سأحز رقبتك  .

-حسنا … كما تريد .

  

رفعت إحدى يديها الى الاعلى، فأبصرت حزمة ضوء أصفر تخرج من أحد خواتمها لتنغرس في كفي التي تحمل السكين    … شعرت بيدي باردة كالثلج والسكين تسقط أرضا … هي تقدمت نحوي والتقطت السكين بهدوء   … ثم أمسكت بيدي الأخرى قائلة  :

-والان تقدم أمامي بكل هدوء  .

انهارت أبراج العنفوان داخلي شعرت بضآلتي أمام تلك المخلوقة التي شلت ذراعي بحركة طفيفة من أصبعها … انقدت معها الى غرفة جانبية  . وواجهنا مخلوق آخر يحمل ملامحها لولا كثرة التجاعيد التي تغطي وجهه واللحية الحمراء النابتة  أسفل فمه   . تراطنا بلغة غريبة كانت أقرب الى المواء ، منها الى الاصوات الآدمية ثم التفت المخلوق الكبير الي  . وسألني باقتضاب عن اسمي وعمري ومهنتي ومحل سكناي  . ثم عاد الى الرطانة مع الآنثى  . لاحظت علامات الآنفعال بادية على وجهها بينما كان كلامه بلهجة باردة    …. وأخيرا حرك كفه نحوي فصدرت اشعة وردية من أحد خواتمه  . فاحسست اثرها بألم لا يوصف ثم سقطت على الأرض  . ووجدت نفسي مشلولا عن الحركة وعاجزا عن الكلام  . واصلت الآنثى احتجاجها بنبرة عالية . وظل الذكر هادئا  . بينما تقدم مخلوقان آخران وحملاني الى مركبة اســطوانية ادخـلاني فيها وغادرا  ، التحقت الانثى بالمركبة واغلقت الباب وراءها  . ضغطت عددا من الازرار فتحركت المركبة الى الامام . 

   

 

-2-

 

بعد ربع ساعة تقريبا توقفت المركبة ، وهبطت منها الآنثى ، ثم دخل اثنان  وحملاني خارجا  . تركاني على الأرض في بهو كبير يتوسطه تمثال أسود يشبه ذاك الذي رأيته قبل قليل  … كان البهو يطفح بالحركة الدائبة لتلك المخلوقات التي تمر من أمامي راشقة إياي بنظرات الازدراء . وبعد برهة عادت مرافقتي وأمرت الاثنين الآخرين بحملي  والاتجاه الى رتل طويل من المخلوقات التي كانت تقف أمام ما يشبه المصعد الكهربائي . كان يدخله عدد من الواقفين فيهبط قليلا ثم تدخله وجبة أخرى   .….حتى اذا وصلنا اليه دخلت مرافقتي .  وأمرت المخلوقين بوضعي على مقعد في مقصورة المصعد ومغادرة المكان . وما هي الا دقائق حتى احسست اني أهبط في هوة عميقة . كان المصعد يهبط بسرعة كبيرة مما جعلني أحس بالدوار والغثيان . اذ ذاك التفتت الي مرافقتي وقالت :

-لولا تهورك ، والسكين التي شهرتها في وجهي لما تعرضت لكل هذه الآلام .

لم يكن أمامي أن أعقب على كلامها لأنني مشلول اللسان والحركة   … أضافت :

-صدقني انك لن تجد من بين جميع الإنليليين من هو أكثر رأفة بك .

-00000000

-أ تعدني بأنك لن تعود الى تهورك  : اذا ما عادت لك الحركة ثانية ؟

لم يكن بمقدوري الرد عليها الا بنظرات الاستنجاد  التي تطفح على عيني … أضافت :

-سأخلصك من آلامك على مسؤوليتي الخاصة 

رفعت كفها باتجاهي مسلطة أحد خواتمها بأشعة بيضاء  . أحسست برشقة باردة تنهمر على جسدي تغسل كل تلك الآلام التي كنت أعانيها . جلست على مقعدي بشكل طبيعي ، وكلمات الشكر والامتنان تنساب من بين شفتي . وعقبت على كلمات الشكر قائلة :

- لم أكن موافقة على فكرة شلك ولعلك لاحظت احتجاجي ضده حينما سلط عليك الأشعة الموجعة . ولولا المكانة المرموقة التي يحتلها أبي لتعرضت الى عقوبة جديدة لاحتجاجي على حارس البوابة ، ومخالفة الأمر ، واعادتك الى وضعك الطبيعي   .

- ………………….

-لكن ماذا أفعل ؟ ذلك هو تكويني انني ارفض اساليب التعذيب ضد أي من المخلوقات .

ظل المصعد الكهربائي يواصل هبوطه السريع .  وساعتي تشير الى السادسة ، اذن قد مرت ساعتان على صعودي تل المهالك . … ولعلها انتبهت الى النظرة التي القيتها على ساعتي . فعقبت :