
بقلم
الكاتبة: هناء كرم سابا

هبة
هل تتمكن مَن لم تنجب أن تصبح أماً؟ أم أن أمومتها أنانية؟
هل هو الإنجاب فقط، ما يولد الأمومة الحقيقية؟
هناء كرم
تزيحُ الستائر وتفتحُ النافذة وتستنشق أم هبة ملء رئتيها النسمة
الباردة التي تعبر الى الداخل وتقول:"الله!!! الجوّ جميل".
الشمس تعلو رويدًا رويدًا في كبد السماء والضباب الخفيف يلفّ
الشوارع والبنايات. تباشير الصباح تهلّ معلنة مولد يوم رائع بعد أيّام من
عاصفة الغبار والهواء الشديد أُغلِقت فيه النوافذ ولم تفتح.
ما زال الوقت مبكرًا، حتى حركة باصات المدارس لم تبدأ. أمُ هبة تنظر
الى الساعة باستمرار، تريد للساعات أن تسرع بل أن تركض ولا مانع لديها لو
أتى الظهر قبل الصباح طالما سيحمل معه هبة. موعد طائرتها في الواحدة
ظهرًا.. رفعت عينيها إلى السماء وقالت من كل قلبها:" بالسلامة يا رب ".
امتد نظرها من خلال النافذة بعيداً ورأت نفسها يوم وصلت الى الكويت
حاملة هبة على ذراعيها طفلة رائعة الجمال، تلفها في ذلك الغطاء الأصفر الذي
اشتغلته بيدها عندما كانت تتنتظرها. انتظرت طويلا لكنها أخيراً حظيت بهبة
فرحة عمرها. لم تهتم كثيراً أنها بعيدة عن أهلها دون عون مباشر لمساعدتها
في تربية هبة، لأن الأمومة المشتعلة في قلبها كانت خير مرشد وقائد، ثم إن
مساعدتها لأختها حسناء في تربية أولادها كانت خير تدريب.
ترى هبة وهي تودعها باكية عندما ذهبت للمرة الأولى الى المدرسة، ولو
لم تمسك يارا ابنة الجيران يدها لما قبلت الصعود الى الباص. تراها عائدة
وهي تمسك يد يارا وتضحك معها، ثم تمتلىء عينيها بفرح غريب رائع عندما ترى
أمها بانتظارها وهي تنزل من الباص فتترك يد يارا وتركض الى حضن أمها.
لطالما أحبتها يارا ولعبت معها وعطفت عليها. وعندما بدأتا تكبران
تضاءل الفرق بينهما وصارتا صديقتين لا تفترقان أبداً، الطعام معاً والدرس
معاً، أما النوم فكل منهما في فراشها. يوم طلبت هبة من والدها النوم عند
يارا حتى تتمكنا من انهاء دراستهما أصر قائلاً: "عندنا وعندهم مطعم لا بأس،
أما فندق ونوم فهذا أمرغير مقبول ولا مجال للنقاش فيه" وكبرتا وهما ترددان
هذه الجملة وتضحكان كلما عنَّ على بال إحداهن السهر عند الأخرى، وسهّل
الأمر أن الشقة التي يسكنها أهل يارا في الطابق الأعلى من شقتهم فقط.
تراهما عائدتين من المدرسة تهللان يوم أخذت يارا جائزتها الأولى
كأفضل أداء شعري في المسابقة المدرسية، كانت فرحة هبة أعظم من فرحة يارا
وأصرت هبة على الاحتفال في بيتها ودعت كل الجيران ليباركوا ليارا بجائزتها.
ترى هبة تنتظر يارا حتى تعود من الجامعة، تجلسان في غرفة هبة
وتتحدثان وتدرسان وتقضيان الوقت المتبقي من النهار، وهي تحضر لهما الشاي
مرة والعصير مرة أخرى مع بعض الحلوى، وهبة تبذل قصارى جهدها لتنال علامات
عالية تخولها الانتساب الى جامعة الكويت كما فعلت يارا.
لا يمكن أن تنسى حزنهما وأسفهما حين نجحت هبة ولم تحصل على المعدل
اللازم، انقلبت فرحة النجاح الى غم ويأس، وراح التساؤل الكبير يجتاح
الأيام، هل ستضطر هبة الى إعادة تقديم امتحانات الشهادة الثانوية للحصول
على معدل أعلى، هل تنتسب الى إحدى المعاهد الموجودة في الكويت والتي لا
تطلب معدلات عالية، أم تسافر الى دمشق للانتساب في جامعاتها إن كانت
علاماتها تخولها بذلك.
كانت الحيرة تلف الأيام، تذكر جلوسها أمام هذه النافذة محتارة،
مكبلة اليدين بانتظار اتصال هاتفي من دمشق يعلمها بالنتائج رغم علمها أن
هبة تصلي كي يتسنى لها السفر.
حتى رن الهاتف في ذلك اليوم (المشؤوم! لا تستطيع إلا أن تدعوه
مشؤوماً لأنه حمل هبة بعيداً عنها، وإلى أين، الى آخر مكان كانت تتمنى أن
تسمح لابنتها بالذهاب اليه). بينما هبة تدعوه يوم الفرج.
عندما أخبرتها ابنة خالتها عن صدور جدول علامات القبول في الجامعات
السورية وعرفت أنها ستتمكن من الانتساب الى كلية الحقوق في دمشق حينها فقط،
سمحت لأهلها بالاحتفال بنجاحها.
الاحتفال بنجاح هبة كان خجولاً لأسباب كثيرة. نجاحها يعني أنها كبرت
وانتقالها الى المرحلة التالية سيغير بالتأكيد أموراً كثيرة ومن ثم سيأتي
الزواج، لا لا، هي لا تريد الوصول الى هذه المرحلة فهي تحس أن هبة تضيع من
يدها.
ترى هبة تحضر حقيبتها للسفر الى دمشق. بالرغم من غضبها الشديد
وقلقها لسفر ابنتها إلا أنها لم تستطع أن تمنعها.
وتذكر، قبل يومين من سفرها دخلت عليها هبة في غرفتها بعد قيلولتها
وقالت لها:
-هيا يا أمي لا تفسدي فرحتي، أنا أيضاً سأشتاق اليك، لكنه مستقبلي،
ألا تريدين لي الخير؟
-طبعاً يا حياتي أريد لك الخير ولكن من أكد لك أن الخير هناك؟ كان
بامكانك إعادة التقديم والحصول على معدل أعلى وتدرسين هنا بيننا.
وتحيط رقبتها بذراعيها مداعبة شعرها كما تفعل الأم بطفلها الصغير
وتتابع:
-يا ماما سنعود الى الحديث نفسه ونكرر، لم أتمكن صدقيني، ثم أنا
أعرف أنك لا تحبين السفر الى دمشق لذلك سآتي اليك في كل عطلة وفي كل
مناسبة. لا أعرف سر اصرارك على عدم سفري.
-كل محبتي ليست كافية لإقناعك؟
-يا ماما قال لك بابا أن ترافقيني، أنت لا تحبين دمشق ماذا أفعل
أنا، للحقيقة أنا أعشقها ومتحمسة جداً للعيش فيها ثم إن في بيت عمي العائلة
التي حلمت دائماً أن أعيش بين أفرادها.
تنظر الى البعيد فترى هبة تتمشى في الشارع ذاهبة الى الجامعة
ترافقها احدى بنات عمها. تراها جالسة معهم الى مائدة الغداء يتناولون
الطعام الذي أعدته أختها حسناء، فتشتعل الغيرة مجدداً في قلبها وتكاد تنسى
سعادتها بوصول هبة، وككل مرة تتذكر أن الدراسة خطفت منها ابنتها يتجهم
وجهها وتعود الى كآبتها.
يقطع أبو هبة شريط ذكرياتها ويقترب بكل حنان واضعاً يديه على كتفيها
قائلاً:
- ماذا يا أم هبة كيف هو الطقس اليوم؟؟
- إنّه جيد يا أبو هبة. ألم أقل لك؟
ربتت على يده الحنونة وتابعت:"البارحة أعلنوا في النشرة الجويّة أن
الرياح خفّت حدّتها ولن تثير الغبار اليوم. لكن الطقس قد يكون رطبًا وأشدّ
برودة."
- لا بأس. قال وهو يطل برأسه من النافذة، "لن يتغيّر عليها إذًا،
فالطقس في دمشق بارد جدًّا. ندعو الله أن تصل بالسلامة لقد اشتقنا لها
فعلاً.
ينظر الى زوجته " لقد تركت فراغًا كبيرًا في حياتنا."
- أنتَ تقول هذا؟؟ وأنا ماذا أقول إذن؟ هي كل حياتي. أنت تموّه عند
ذهابك إلى العمل وأما أنا فقد كانت صديقتي وأختي قبل أن تكون ابنتي. هذه
الأشهر الثلاثة مرّت وهي بعيدة عنّا وكأنها ثلاث سنوات أما اليوم فأحسّها
قد انتهت. لكن الساعات اليوم لن تمر.. أراها بطيئة جدًّا...
تنحدر دمعتان على وجنتي أم هبة تمسحهما وتتابع بصوت أغرقه الشوق:
- لا أعرف كيف سأتحمّل بعادها مرّة أخرى.
وتمشي باتجاه المطبخ.
- إتّكلي على الله يا امرأة ولا تعكّري صباحنا، ستصل هبة اليوم، لا
تفكّري بغير ذلك.. هل أعددت كلّ شيء؟
تتوقف وتنظر الى أبي هبة:
-طبعًا كلّ شيء معدّ وعلى أتمّ ما يرام بانتظار حبيبة القلب. لم يبق
إلاّ أن تُحضِر أزهار القرنفل التي تحبّها لنضعها في مزهريتها المفضّلة.
في هذا البيت كل شيء بِرَهْن طلبات ورغبات هبة فهي البنت الوحيدة
المدللة، وزاد في دلالها، حبُها وطاعتها لأهلها فكما أنهما لا يردان لها
طلباً هي أيضا لا تخالفهما أبداً. ولولا أن سفرها كان اضطرارياً للانتساب
الى الجامعة لما تخليا عن وجودها بجانبهما، ولولا ضعف صحة الأم وسوء صحتها
كلما سافرت الى دمشق، واضطرارها لمتابعة علاجاتها في الكويت لما سمحت
لنفسها البقاء بعيدا عنها ولتبعتها وسكنت معها.ً
تحضر أم هبة فنجانَيْ القهوة، تقدم فنجاناً لأبي هبة وتأخذ فنجانها
وتجلس أمامه على الأريكة المقابلة للنافذة في غرفة الجلوس ويرتشفان القهوة
صامتين. كل منهما يفكّر باللحظة التي سيقابل فيها هبة. هي أول مرة تطول
غيبتها عنهما كل هذه المدة. أحيانًا كانت تحبّ السفر في عطلة المدرسة
الانتصافية لكن غيابها لا يطول سوى خمسة عشر يومًا. أمّا أشهر ثلاثة فهذا
كثير. ولكن ما بيدهم فعل غير ذلك. لقد فضّلت أن تلتحق بكليّة الحقوق التي
تحبّها كثيرًا وليس لهما سوى توفير ذلك لها. فهي تلميذة مجتهدة وتستحق أن
يضحّى من أجلها.
يكسر الصمت المطبق ويقول:
- غدًا سنشرب القهوة معها. لقد اشتقت لصوتها، تملأ الدنيا غناءً منذ
الصباح.
فتبتسم الأم وتقول:
- وتقول لها أنتَ :الأفضل لك أن تدخلي كليّة الفنون لتصبحي مطربة
وليس محامية. فتجيبك قائلة: أنا سأسترد حقوق المظلومين بالغناء سأقف أمام
سيادة القاضي وأقدم مرافعتي ملحّنة فيتأثّر القاضي ويقتنع ببراءة موكّلي.
يضع فنجان قهوته على الطاولة ويقول:
- كم أتمنّى يا أم هبة أن يوفّقها الله وتصبح محامية كبيرة. سأفتح
لها مكتبًا كبيرًا في دمشق، وسأشتري لها سيارة تليق بمكانتها.
- الله كريم. أتمنى أن تنال ما تتمنّى. لقد وهبنا سبحانه وتعالى هبة
ولم يبخل. سنراها محامية كبيرة.
الجرس يرن وطرقات متناغمة متتالية على الباب الخشبي
- إنها يارا. أعرفها من طرقاتها.
تضع أم هبة الفنجان على الطاولة وتسرع لفتح الباب
- أهلاً يارا تفضّلي.
تلوح بيدها باشارات فرحة وتقول:
- صباح الخير. شكرًا خالتي أنا ذاهبة إلى الجامعة. إن شاء الله ستصل
هبة بالسلامة سأراها عند عودتي. لا تنسي أخبريها أنّ لديّ امتحاناً لذلك لن
أستطيع مرافقتكم إلى المطار.
وتسرع الخطى على الدرج قائلة:
- هل تريدين شيئًا يا خالتي؟ ادعي لي.
- سلامتك يا ابنتي، ليوفّقك الله. ويكون معك. سننتظرك على الغداء.
لا تتأخّري.
- حسنًا إلى اللقاء.
يصل صوتها بعيداً فتغلق أم هبة الباب وهي تدعو ليارا بالتوفيق.
يارا ليست ابنة جارتها وصديقتها فحسب وهي ليست فقط صديقة هبة بل في
مكانة هبة بالتمام. لقد كبرتا ونشأتا معًا ولولا وجود يارا يخفف عن أم هبة
بعض الأسى لتغلبت على نفسها وسافرت قبل مرور الشهر الأوّل على سفر هبة.
تعود مبتسمة وتأخذ فنجانها وترشف رشفة وتقول:
- أتدري يا أبو هبة. لو كانت يارا وهبة أختين لما كانتا متفاهمتين
إلى هذه الدرجة.
- ولم لا تكونان هكذا. فمنذ نعومة أظفارهما تكبران وتلعبان معاً،
طباعهما متشابهة وهذا يزيد من تفاهمهما وكأنّهما توأمان.
- الحمد لله الصداقة الحقيقيّة هذه الأيام نادرة. كم كانت الأمور
ستكون أفضل! لو كانت علامات هبة عالية مثل يارا لانتسبت إلى الجامعة هنا
ولم نضطر إلى إرسالها إلى دمشق ولقضتا معًا أياماً ممتعة في الجامعة.
انتصب أبو هبة وقال:
- قلت لك لا تعكّري صباحنا بالعودة إلى النغمات القديمة. انتهت
مناقشاتنا لهذا الموضوع وهي في دمشق ليست بمفردها فهي بين أهلها وإخوتها.
- ما أشدّ ما يخفيني هذا.
يقف أمام المرآة المعلقة على الحائط الذي يفصل غرفة الجلوس والمدخل
ينظر الى تسريحة شعره وربطة عنقه ويتابع:
- هل تنسين أنّهم يحبّونها كأخت لهم، وهي تحبّهم كذلك. قلت لك
اذهبي لزيارتها، قلت لك لنشتري لنا بيتاً هناك فنحن أولاً على آخر مرجوعنا
الى هناك، وأنت دائماً معترضة تتحسسين حتى من مجرد فتح موضوع زيارتنا الى
هناك وأنا كما تعلمين أكره أن أراك حزينة.
يطل برأسه من الباب ليقول:" يا سبحان الله كلما فكرت كم تغير شوقك
للذهاب الى أهلك منذ خلقت هبة".
أدارت وجهها الى النافذة حتى لا تلتقي أعينهما وقالت:
- عدنا الى هذا الموضوع، دوركَ الآن لتعكر فرحتي، وهل تعتقد أنني
أتحمل رؤيتها بينهم كواحدة منهم؟ لا أريد أن أرى كم تشبه هبة أختي، قد أفقد
أعصابي وينزلق لساني بالحقيقة.
- كل هذه السنين ونحن نذهب في كل صيف ونلتقي معهم، لم تفكري يوماً
هكذا.
تنهدت، وانهمرت عبرة من عينها وقالت:
- دوماً كان هذا الشعور يقتلني لكني لم أحدثكَ عنه أبداً، والآن
الأمر مختلف فهي تعيش معهم، في بيتهم.
ابتعد باتجاه الباب قائلاً:
- لا تدعي الوساوس تعذّبك من جديد. أنا ذاهب. هل تريدين شيئًا غير
القرنفل؟
- أبدًا.. سلامتك. لا تتأخّر. يجب أن نكون في المطار قبل الواحدة.
أخذ مفاتيح السيارة المعلقة بجانب المدخل ونظر الى ساعته وأومأ لها
بيده:
- اطمئنّي سأذهب إلى المكتب. ومن ثم أمرّ عند أبو يارا في المعرض
وأحضر الزهور وأعود. كوني جاهزة.
تبعته الى الباب قائلة:
- رافقتك السلامة. أنا بانتظارك. وسأتّصل في الثانية عشرة
باستعلامات المطار للتأكّد من عدم التأخير.
- إلى اللقاء.
- مع السلامة.
تغلقُ الباب وراءه وتروحُ الى النافذة تتابعه كما في كل صباح حتى
يبتعد بسيارته. كيف ستنسى كم تشبه هبة أختها حسناء، كيف ستنسى قلقها وهبة
تعيش بينهم والجميع ينتبه الى هذا الشبه الكبير.
هذا الموضوع لا يغيب عن ذهنها ويعكر مزاجها كلما فكرت به لكنها وعدت
نفسها ألا تعود اليه خاصة اليوم، اليوم ستصل هبة ولا شيء يجب أن يعكر صفو
هذا الفرح.
تبتعد عن النافذة و تحث الخطى إلى غرفة هبة.. تدخلها وهي تحاول أن
ترسم ابتسامة كبيرة على ثغرها. كل يوم تدخلها وتلقي الصباح على الصور
المعلّقة في كلّ مكان ، تحتضن ميمي لعبة هبة المفضّلة وتشمها علّها تحسّ
بوجودها. أمّا اليوم فلا حاجة لها بذلك. تفتح الستائر وتقول وكأن ميمي
ستفهم : هبة قادمة يا ميمي، ستصل هبة بعد ساعات قليلة.
تمسح دمعة فرح وتسرع إلى المطبخ تنهي الترتيبات اللازمة لإعداد ما
تحبّ هبة من طعام.
تدق الساعة الثانية عندما يفتحون الباب.
- أهلاً.. أهلاً بك يا هبة. وتعلو الزغاريد تطلقها أم هبة بكل فرح.
- أهلاً حبيبتي، حمدًا لله على سلامتك. والحمد لله رأيناك بصحة
جيّدة.
- أهلاً بابا، أهلاً ماما لقد اشتقت لكما كثيرًا. اشتقت للكويت.
اشتقت لبيتنا. اشتقت لغرفتي. اشتقت لكل شيء.
وراحت تدور في البيت رافعة يديها وكأنها فراشة تبحث عن الوردة
الأحلى لتحط عليها. تلمس الزهرات وتقول:"أوه ما أروع هذه القرنفلات. أنتم
لا تنسون أبدًا ما أحب. كم أحبكم. وهذه الرائحة الطيبة المنبعثة من المطبخ.
ما أروع العودة إلى المنزل.
وراحت تقبّل والدها ووالدتها من جديد. وتسرع بحقائبها إلى غرفتها
حيث تحتضن لعبتها ميمي وتدور في الغرفة فرحاً ثم ترمي بنفسها على الفراش
كمن يريد أن يرتاح أخيراً.
طرقات متتالية على الباب فتسرع هبة من غرفتها قائلة:
- ماما.. أليست هذه يارا تطرق على الباب؟!!
- بالطبع إنها يارا هذا موعدها.
وتتعانق الصديقتان عناقًا يفجر دموع الأم التي كانت تغالب نفسها.
فتدخل مسرعة إلى المطبخ بحجة إعداد الطعام.
تقول يارا:
- سمعت صوت الزغاريد فعلمت أنكم وصلتم - لم تتأخروا أبدًا في المطار
حمدًا لله على سلامتك يا هبة. كم أنا مشتاقة إليك.
- وأنا كذلك مشتاقة جدًا جداً.
وتقترب منها فتهمس في أذنها بعيدًا عن آذان الوالدين.- وعندي كلام
كثير كثير أريد أن أحكيه لك.
- تبدين بأحسن حال خير إن شاء الله.
- لو تعلمين؟؟
يجلس الأب الى مائدة الطعام ويدعوهما للجلوس معه قائلاً:
- على رسلكما ستتهامسان ما شئتما لديكما الوقت الكافي لذلك ،هيّا
إلى المائدة الآن.
تسحب هبة كرسيا استعداداً للجلوس:
- مع أن الغداء الذي قدّموه لنا على الطائرة كان لذيذًا إلا أنني
كنت أعلم أن حبيبة القلب ماما ستحضّر لنا ألذ طعام في الدنيا. هيا.
كانوا يتناولون طعام الغداء وعيونهم تلتهم هبة، الشوق إليها كان
جوعًا لا تشبعه إلا ساعات اللقاء والعناق.
أكلوا جميعاً كما لم يأكلوا منذ زمن، هي مشتاقة الى طبخ أمها وهما
مشتاقان لوجودها ويارا مسرورة بالجميع.
وبعد الغداء، فنجان آخر من القهوة.
يرتشف القهوة بلذة وينظر الى زوجته ويقول:
- ما أطيب فنجان القهوة من يدك يا أم هبة..
تفهم أنه يريد أن يتأكد أنها بخير بعد كل القلق الذي حدثته عنه في
الصباح كعادتها، فتدور أم هبة الى ابنتها وتقول:
- يصير أطيب عندما نشربه معك يا ست هبة...
تغمز والدها بعينيها وتقول:
- بابا.. احم، احم، لا بأس غازلها أمامي. لن أغار. أعرف أنك تحب كل
شيء من يدها. لست بحاجة إلى المجاملات.. أم أنك تريد أن تثير غيرتي.
يرسل لها قبلة في الهواء ويقول:
- اشتقنا إلى لسانِكِ الطويل يا هبة، لا يسلم منه متحدّث. سأتركك
الآن مع والدتك ويارا. أظنّ أنكن لن تنتهين من الكلام وسأراكن في المساء.
وتقفز هبة من مكانها:
- ماذا؟؟ أنت ذاهب إلى العمل. لقد اشتقت إليك. ألم تعدني بأنك ستكون
في إجازة عند حضوري.
- طبعًا وأنا عند وعدي. إجازتي ستبدأ غدًا. لم أشأ أن أضيّع يومي
هذا في الإجازة. أعرف أن أمك ويارا لن تتركا لي المجال اليوم لأجلس معك
لذلك فضّلت أن أخلي الجو لهما وأنفرد بك أسبوعًا كاملاً.
يعدل من ياقة قميصه ويتابع:" يلزمني أن أشتري قميصين وأنت تحبين
السوق لذا سنعود الى سابق عهدنا في الأسواق منذ الغد. ما رأيك؟"
تتعلق بعنقه وتقول:
- يا أحلى أب. الله معك.
ويحضنها متمنياًً لو أن العالم يقف عند هذه اللحظة، لو أن الوقت
يتجمد، فما أحلى هذه العاطفة التي تغمره وهذه السعادة وهي بين يديه وفي
أحضانه.
وتغلق وراءه الباب مودعة بقبل تنثرها في الهواء.
تعود لتجلس هبة مع والدتها ويارا، تأخذ الفنجان بين يديها وتنظر
اليه كما كانوا دائما يتسلون بما يدعونه قراءة الفنجان، وتقول : أخبريني يا
أم هبة أرى هنا طريقاً مفتوحاً أم مسدوداً؟ ما هذا الطائر هنا؟ وتضحك.
وتأخذ منها أم هبة الفنجان كعادتها وتحاول أن تكون طبيعية بالسؤال عن
الغيمة في قعر الفنجان، والوردة على الطرف الأيمن والعصفور الذي يزقزق
حاملاً أخباراً حلوة والطريق المفتوح الى النجاح وما شابه. لكنها وضعت
الفنجان بعيداً وقالت بقلب غمره القلق.
- أتركينا الآن من الفنجان. لنبدأ من جديد، أخبريني كيف أحوال عمّك
وخالتك والأولاد جميعًا.
- كلهم بخير وجميعًا يقبّلونكم. منذ أن عاد سامر للاستقرار النهائي
بعد حصوله على الماجستير وقرر أن يبقى لعدّة سنوات ومن ثم يعود لنيل
الدكتوراه. تحسّنت صحّة عمّي كثيرًا لأنه يساعده في المكتب وهذا يطمئنه على
أحوال الشركة. والآخرون كلهم بخير. سأحكي لك عنهم لاحقًا كل بمفرده.
- وأنت يا حبيبتي أخبريني عن حياتكِ الجديدة. أريد أن أعرف كل شيء
عنها. كيف تقضين أيامكِ في الجامعة. هل أحببّتِ الفرع؟ والمواد المقرّرة؟
و و
- يا ماما مهلاً مهلاً، كل هذه الأسئلة أجبتك عنها عبر الهاتف مرات
عديدة.
- لا بأس. أريد أن أسمعها منك الآن ليطمئن قلبي وأشعر بصدق ما
تقولين.. هل حقًا أنتِ مرتاحة هناك.. هل أنتِ مسرورة في حياتك الجديدة.
- صدّقيني يا ماما لا ينقصني إلا وجودكم معي.. ولا يعكّر صفو أيامي
هناك إلا شوقي إليكم وإحساسي بشوقكم إلي وما يعزيني أنكم وعدتموني أن بابا
سيتقاعد بعد سنتين وتلحقان بي فنعود إلى سابق عهدنا.. وكما ترين ليرزقه
الله، أنا سآتي في كل إجازة وسنقضي فصل الصيف معًا والأيام تجري مسرعة
وينتهي الأسبوع وبعده الشهر.
- أخبريني إذن هل أنتِ مرتاحة في بيت عمّك.. كيف تعاملك خالتك..
وأولاد عمّك.. حدّثيني بصراحة يا ابنتي واصدقيني القول ليرتاح قلبي فهم كثر
وأنتِ معتادة على الهدوء بمفردك. أربعة (ما شاء الله) والآن صاروا خمسة
بعودة سامر. كيف تتقاسمون الغرف؟
- للحقيقة يا أمي. أنا مرتاحة جدًّا في بيت عمي. ولكن معك الحق في
أن الجو تغير علي كثيرًا. فبينما كنت هنا في غرفة كبيرة بمفردي. أنا هناك
مع بنات عمي الثلاث نتقاسم غرفة واحدة. لذلك سأطلب منكما أن توافقا على
طلبي في حجز غرفة في بيت الطالبات. ذلك سيكون أفضل لي ولهم جميعًا.
- هل هذا هو السبب فقط. أم أن هناك أمورًا أخرى تزعجك؟؟
- أبدًا يا أمي. على العكس فخالتي تعاملني وكأنّي إحدى بناتها. ولا
تفرّقني عنهن أبدًا وبما أنني ضيفة أحسّ أنها تدلّلني أكثر منهم جميعًا.
أظن أن أولاد عمّي يشعرون بذلك ولو أن أحدًا منهم لم يعبّر لي عن ذلك، حتى
أن جيرانها يعتقدون أنني إحدى بناتها وقد قالت لي احداهن أنني أشبهها
كثيراً.
" أشبهها كثيراً" ترن الكلمة في أذني أم هبة فتأخذ نفسًا عميقًا
وتستوي في جلستها وتقول:
- ولمَ لا فأنت كواحدة من أولادها. وهل حدّثتِها بأمر الغرفة في بيت
الطالبات؟؟
- نعم لقد طلبت منها أن تتفهّم موقفي وأن ذلك لا يعني مطلقًا أنني
لست مرتاحة عندهم.. لكنها تصرّ بشكل غريب على بقائي عندهم.. حتى لأشعر
أحيانًا أنّها تخاف عليّ أكثر من بناتها.. وهذا يثير غيرة بنات عمّي وخاصة
سوسن فهي الأخيرة المدلّلة وجئت لآخذ مكانها.
- إذن سوسن تزعجك أليس كذلك كنت أحس بذلك، لكنكِ لم تحكي لي شيئاً
أليس كذلك؟
- الأمر ليس كذلك هي فقط تغار مني قليلاً وتريد كل ما تراه معي
وسامر يحاول جاهداً التكلم معها وابعادها عن تصرفاتها الصبيانية، كما أنه
يطيب خاطري لو صدف وأزعجتني ويقول لي دائماً لا تقلقي هذه أمور طبيعية تحدث
بين الأخوة ولأنك وحيدة فأنت لست معتادة على هذه المشاحنات.
وتتدخل يارا لتقول:
- أرأيت كم أنا أخت لطيفة لا تزعجك أبداً.
وتضربها هبة ضربة لطيفة على يدها وتتابع:
- أنا أصدق سامر لأن هذا يحدث أيضاً عندما تشتري خالتي شيئاً لهدى
وكما تعلمين هي تشتري لها الكثير من الأشياء فقد اقترب زفافها.
وتعود يارا لتسأل بلهجة مستهزئة:
- طبعاً طبعاً وماذا يقولون لك أيضاً؟
وتعقب أم هبة:
- هل هو سامر فقط من يتحث اليك ألا تقول خالتك شيئاً؟
- أنا لا أشتكي لها يا أمي، لا أريد مشاكل هناك.
تشدها أم هبة اليها وتعانقها وتقول:
- وتتحملين كل هذا؟ لا بأس سنتحدّث في الموضوع بعد عودة والدك.
وتتدخل يارا لتقول:" أنا أيضاً أصادف هذه المشكلة عندما أذهب الى
زيارة اخوتي في دمشق، بالضبط كما تصفين يا هبة.وأنت محظوظة لأنهم ليسوا
إخوتك أما أنا فغيرتهم مني أكبر وهذا يجعل الأمر معقد أكثر".
تستوي هبة في جلستها:
- لطالما تذكرتك يا يارا ولطالما وددت لو كان بامكاننا التكلم عن
هذا من خلال الرسائل الالكترونية لكن وجودي بينهم لا يسهل لي الوقت للذهاب
الى المقهى والتحدث اليك مطولاً لذا كانت رسائلي قصيرة دائماً.
تعدل جلستها وتتساءل الأم بلهفة: هل هذه هي الحقيقة أم جزء منها يا
هبة أريد أن أعرف كل شيء.
تقترب منها هبة وتجلس بجانبها وتداعب خديها قائلة:
- يا ماما هي الحقيقة صدقيني، تريدين أن أخبرك بكل شيء. وإذا أخبرتك
تقلقين، هي أمور عادية صدقيني.
تبعد أم هبة يدها عن خديها لكنها تبقيها في يدها وتقول:
- وماذا يزعجك أيضاً؟
- أكثر ما يتعبني هناك هو المواصلات للذهاب إلى الجامعة وفي معظم
الأحيان أسير إليها على الأقدام لأرتاح من الازدحام.
وتتساءل يارا:
- بمفردك كل تلك المسافة؟؟ أم أن واحدة من بنات عمك في الجامعة
نفسها؟ ألم تتعرفي على صديقات هناك ترافقيهن الطريق.
تعلو وجه هبة حمرة خفيفة وتتأخر في الجواب ثم تقول:- يرافقني سامر،
لأن ذلك هو طريقه إلى المكتب وكذلك في العودة أمر من أمام المكتب ونعود
معًا. أنا أستمتع جداً بالسير وخاصة عندما يكون الطقس صحواً فهي رياضة
ممتعة، أما اذا كان ممطراً فنضطر لأخذ سيارة.
وتتابعن الأحاديث والأسئلة والاستجوابات.
سامر.. كل حديث يحمل معه سامر. كلما تحدّثت عن أحد من أولاد عمّها
كانت تقارنه بسامر. سامر هو الأفضل. سامر هو الأكثر لطفًا. هو الأكثر وسامة
هو الأكثر فهمًا وشخصية.
تقوم الأم وتبدأ بوضع الفناجين في الصينية استعدادا لأخذهم الى
المطبخ وتقول:
- لا بد أن الأيام التي قضاها في إنكلترا للدراسة قد أكسبته شخصية
قوية.
وتهب الفتاتان تساعدانها وتجيب هبة:
- نعم يا أمي.. عندما سافر كنت صغيرة نوعًا ما، لا أعرف كثيرًا عن
الثقافة والشخصية. لكني الآن بدأت أميّز بين الشبّان المثقّفين والمتعلّمين
وذلك واضح بين تلاميذ الجامعة. ترين منهم من هو مجتهد ومتفوّق ولكن إذا ما
خضنا أي حديث بعيدًا عن المواد الدراسية ترينه يسكت ويتوارى. مع أن المحامي
الناجح يجب أن يلم بجميع أنواع الدراسات. أما سامر فعندما تتحدّثين إليه
تجدين لذة كبيرة بالاستماع اليه، فهو ملمٌّ بمجموعة كبيرة من المعلومات
ويفهم في كل المواضيع.
تضحك يارا وهي تتبعهما الى المطبخ وتردف: - لا تنسي أنه كان في
إنكلترا وهناك مجاله مفتوح ليتعرف على مختلف أنواع الثقافات والعلوم
فالمجالات كثيرة والصحف كذلك وكلها تتسابق لنشر كل جديد. فيكفي الإنسان أن
يتابع الصحف والمجلات ويقرأها بشغف لتزيد ثقافته.
تتوقف هبة على باب المطبخ وتتوجه الى يارا قائلة:
- أولاً يا يارا كثير من الشبان يذهبون إلى إنكلترا وحتى إلى أوروبا
وأميركا ويعودون وهم قد تعلّموا فقط أما الثقافة العامة فلا يهتمون لها.
ولا يضيّعون أوقاتهم في أمور غير موادهم الدراسية. أو يلتهون بأمور أخرى
للتسلية، أما أنا فبرأيي أن المعرفة والثقافة هذه ليست مضيعة للوقت.. وإنما
كسب كبير يحقق منها الإنسان شخصيّة متطوّرة. ثمّ إن سامر لم يعتمد فقط على
الصحف والمجلات لزيادة ثقافته بل قرأ كتبًا كثيرة وأحضر معه بعضًا منها وفي
كل مرة يحدثني عن واحد منها.
حمرة الخجل وهي تتحدّث عن سامر لم تخفَ على أم هبة ويارا، أم هبة
بقلب الأم فهمت. ويارا بشعور الصديقة فهمت وفيما تضع الصحون في المجلى ليتم
تنظيفها تقول:
- يبدو أنّك مفتونة بسامر. ما القصة؟ هل هو موضوع شخصية وثقافة؟؟
تضرب هبة يارا بالفوطة التي تحملها بيدها استعداداً لتنشيف الصحون
وتقول:
- يارا لا تبدّلي الموضوع. نحن نتناقش عن الثقافة بشكل عام.
- إذن لماذا احمر وجهك من جديد؟
تتغير لهجة أم هبة وتقول لهما:
- اذهبا وأكملا نقاشكما عن الثقافة والشخصية لأكمل أنا عملي بعيداً
عن أصواتكما.
تنظر هبة في عيني أمها، اذ أنها تلاحظ أن غضبها غير متوقع، لكنها
تأخذ ما في يدها من صحون وتقول:
- أبدًا يا أمي هذا غير معقول لا يمكن أن تغسلي الصحون ونحن هنا.
- أبدًا يا خالتي. أنا وهبة سننهي كل شيء.
تحاول أن تستعيد الاسفنجة من يد هبة قائلة:
- بسيطة سأقوم اليوم فقط بغسل الصحون ومنذ الغد تتسلّمان المهمّة.
فهبة تعبة ويجب أن تستريح.
- لا يا ماما. أرجوك. لقد اشتقت للدخول إلى مطبخنا، ثم ما هذا التعب
المرهق. كل ما في الأمر ساعتا طيران من مطار دمشق حتى مطار الكويت وهذا غير
متعب. أرجوك أدخلي غرفتك وخذي قسطك من الراحة.أعرف أنّك تحبين القيلولة.
فلا تدعيني أشعر بأنني غيرت لك عادتك وسنتعاون في إعادة كل شيء إلى مكانه.
ثم نحن الاثنتان (ستّات بيوت) أليس كذلك؟
همست يارا في أذن هبة: - يبدو أنّ الأمر بدأ يهمّك.
رشتها ببعض الماء وقالت:
- أسكتي. ثم توجهت الى أمها قائلة:
- ماما ألا تريدين رؤية هديتك؟؟
- بالتأكيد هي جميلة؟ لا بأس الآن ، أنهيا العمل، لن أنام سأرتاح
قليلاً فقط وبعد ذلك نفعل كل ما تريدين.
- حسنًا.
لا يبدو انسحاب أم هبة من المناقشة لمجرّد تنظيف الصحون أو
القيلولة، نظرتها وقلقها يحملان ألمًا كبيرًا.
ألمٌ يبدو أنه بدأ منذ وقت بعيدٍ، يقارب ربع قرن من الزمن،. ألمٌ
منذ حملت هبة بين يديها وعرفت أنها لن تتمكن من حمل غيرها، ألمٌ تشعر به
كلما أحست أن هبة قد تفلت منها لأي سبب من الأسباب وها هو سامر يأتي ليفسد
كل شيء، سامر ابن أختها الحبيب، ماذا أعاده الى دمشق الآن، هل هو القدر
الذي يقف بالمرصاد.
الألم يأخذها في غفوة تشبه القيلولة ، تمسح من ذاكرتها كل التفاصيل
وتتركها مسلوبة القوى مستلقية على الفراش تتساءل ما العمل؟؟ تنساب الدموع
غزيرة بصمت على الوجه البائس حتى لتكاد تجرف فرحة اللقاء.
في المطبخ الفتاتان تنظفان الصحون إحداهما تنظفها بالصابون والأخرى
تغسلها بالماء وتتهامسان:
- يارا. لماذا قلت هذا أمام أمي وجعلتها تشعر بأن بيني وبين سامر
شيء؟؟
- حديثك يدل على ذلك دون إشارة منّي. ولكن ما قلته لا يستحق تعليقك.
فأنا كثيرًا ما أقول ذلك أمام خالتي ولم تعترضي. لماذا الآن وعندما كان
الحديث عن سامر؟؟ هل هناك أمر جدي فعلاً؟
تتوقف هبة عن العمل وتنظر الى يارا قائلة:
- قبل أن أخبرك. ألم تشعري أن أمي امتعضت من الحديث وكنت أظنّها
ستشجّعني وتفرح لأنها تحب سامر كثيرًا فهو كبير أولاد عمي وجميعهم متعلّقون
به كثيرًا.
توميء يارا بالايجاب وتتابع هبة قائلة:
- أعرف أن أمي لا تحب كثيراً زيارة بيت عمي وأقول أنها لا تتوافق مع
أختها توافقاً كبيراً أو أنها تجد فرقاً كبيراً بين أخلاق أبي وعمي وهذا لا
يريحها لأن عمي عصبي جداً. لكنها تحب سامر كثيراً، هو الوحيد من أبناء عمي
الذي تحبه كثيراً.
- معك حق. ثم اننا نذكر مزحات مماثلة أحيانًا في أحاديثنا ولا تفعل
ما فعلت اليوم. لم تعلّق وانسحبت وفي وجهها علامات غريبة لم أفهمها.
قالت هبة بنوع من المغالاة وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة:
- ربما وبحسب تحليلي الشخصي الذي لا يخطئ إنها بدأت تشعر أني أطير
من يدها. إن الأمور الجدية بدأت تأخذ مجراها. ولا يخفاك الأمر. فأنا
وحيدتها أحمد الله. يعني دراسة وتخرج وبعدها حب وزواج.
أجابت يارا باللهجة ذاتها:
- تعتقدين أنّك عالمة نفس ومحللة أيضًا. لكني هذه المرة سأوافقك
الرأي. لأن تحليلك فيه شيء من الصحة فهو مقنع.
- أنت مضطرة للموافقة. الست صديقتي. وإلا؟؟
- لكني أحب أن أزيد عليه يا حضرة المحللة، سامر هو ابن عمك وابن
خالتك، أي أن القربى من الطرفين وهذا غير مستحب للزواج.
تسكت هبة برهة تتذكر فيها شيئاً وتتابع قائلة: أتدرين ربما معك حق ؟
إنني لاحظت أن خالتي غير مرتاحة لعلاقتي معه وتؤكد لي دائماً أننا مثل
الأخوة.
- طبعاً معي حق، وأمر آخر أضيفه يا حضرة المحللة لا بد أنها تخاف
على ابنها منك فأنت وحيدة، مدللة وقد لا يستطيع تلبية رغباتك وطلباتك.
ترشها بقدر من الماء وتقول:- دعينا من المزاح الآن.
- هيا نكمل عملنا بسرعة فأنا بأشدّ الشوق لسماع أخبارك مع سامر.
- إنه شاب رائع. للحقيقة أنا معجبة به جدًّا وهو أيضًا معجب بي ولا
يترك فرصة ليعبّر لي عن ذلك.
- هل الموضوع كلّه إعجاب فقط؟؟
|