
بقلم
الكاتبة: هناء كرم سابا

هكذا ولدت مريم
هكذا كنّا وكانوا
قبل ولادة مريم
-1-
فرحنا كثيراً يوم حصل زوجي على عمله في الكويت ... كانت الكويت من
أكبر وأول الدول الخليجية التي استوعبت الكثير من الشباب ومنحتهم فرص العمل
المختلفة وساعدتهم على بناء أسرهم وتحقيق طموحاتهم ونحن كنا احدى هذه
الأسر...
لاأنكر يومها أن فرحنا كان مغلفاً بقلق من المجهول ... غير
المتوقع...
الا أن فرحنا كبر وارتياحنا عظم عندما عشنا فيها وأصبحنا جزءاً منها
وأصبحت جزءاً منّا، وصارت لنا الوطن الثاني ... وجدنا فيها الأمان والراحة
والأصدقاء والأهل ...
أنجبنا أطفالنا ووجدت نفسي في الكتابة في بعض الصحف والمجلات
الكويتية، وكبرت عائلتنا وتمتعنا باستقرارنا وانفتاحنا على مختلف الثقافات
والجنسيات الموجودة في الكويت وصارت لنا حياتنا هناك، التي نحس بعيدأ عنها
بالغربة.
ربما كنا نعتقد كما يعتقد كثيرون أن حرارة الصيف اللاهبة في الكويت
هي التي تدفع الجميع للخروج والبحث عن مكان آخر حرارته أقل ومناخه أفضل.
لكنك عندما تعيش فيها تعلم أن الصحيح هو غير ذلك، انها الاجازة
المدرسية هي التي تدفع معظم العائلات للسفر لأن الحرارة الشديدة أطول من
الاجازة والقيظ، الحر يبدأ فبل الاجازة ويستمر لما بعدها، والجميع يعود مع
بداية السنة المدرسية.
كثيرون يتركون للسفر والاصطياف .. كثيرون يبحثون عن أماكن مختلفة
للابتعاد لأن في البعد الاستراحة والتغيير كما في جميع أنحاء العالم.
وترى العائلات الكويتية تنتشر في جميع أماكن الاصطياف والاستجمام ..
الموسرة منها تتجه الى اوروبا وأخرى تفضل البلدان العربية حتى لا تبتعد عن
التقاليد وتستمتع بالجو الجميل واللقمة الطيبة والخدمة الممتازة. أما
العائلات المقيمة من عرب وأجانب في الكويت فما ان تبدأ العطلة المدرسية حتى
ترى أسراب الأمهات والاولاد تتجه الى بلدانها لقضاء العطلة مع الأهل ...
ويلحق بهم رب الأسرة لاستكمال العطلة والاستراحة..
كل هذا يجعل الاعتقاد ساريا أن الناس يهربون من القيظ والحر الا أن
في الكويت أماكن كثيرة باستطاعة الفرد أن يقضي فيها أوقاتا ممتعة غير آبه
بالحر الشديد... فجميع الأماكن مبردة ومجهزة بكل وسائل الراحة ناهيك عن
البحر...
البحر الذي تبدأ بالحديث عنه ولا تنتهي، يجلب اليك الرطوبة العالية
لكنه يأخذ نفسك وروحك ويغوص بهما في دنيا واسعة من الراحة والاستمتاع...
وعندما تعتاد العيش قريباً منه فان غربتك تكبر بالابتعاد عنه وتشتاق اليه
بكل جوارحك.
لذا فانك تجد كثيرين يفضلون البقاء ... أو يغادرون لبعض الوقت فقط
في اجازة قصيرة ...
أنا واحدة من الامهات ، أنتمي الى فئة المقيمين العرب ومثلي كثر..
لم أكن أرغب قضاء الاجازة المدرسية كلها بعيدا عن بيتي وزوجي وعن الكويت..
كنت آخذ الأولاد لرؤية العائلة الا أنني لم أحب يوما قضاء الاجازة كلها
هناك فأعود دائما مع زوجي أو بعده بقليل لنكمل الاجازة معاً.. خاصة أننا
ومعظم أصدقائنا نفعل الشيء ذاته .. فيكون هذا حافزا اضافيا للعودة وقضاء
العطلة معاً.
وفي هذا العام كغيره من الأعوام عدت سريعا كعادتي وقد صادف يوم
عودتي مع الأولاد يوم ذكرى زواجنا حيث أصريت أن أمضيه مع زوجي وليس بعيدا
عنه ، كان ذلك في السابع عشر من شهر تموز 1990....
إبّان عودتي أردت التأكد مَن مِن الأصدقاء موجود ومَن عاد ومَن
سيعود قريباً.. الأصدقاء هم الأهل هنا ووجودهم بلسم.
جورجيت وريمون سافرا الى اميركا لرؤية أهله، لم تكن عودتهما سريعا
مؤكدة لأنها حامل في شهرها السابع وكانت محتارة بين الولادة هناك أو العودة
والولادة في الكويت... أخيرا قررت العودة، فقد أحست أن ولادتها في الكويت
ستكون مريحة للغاية فهي في بيتها ومع طبيبها، وخاصة أن أختها بهية قررت
الحضور لمساعدتها ومؤازرتها .
ليلى والياس قررا عدم السفر هذا العام، ليلى مهندسة معمارية وتعمل
في احدى الشركات الهندسية ولا يمكنها السفر مطولا لذا قررت وعائلتها البقاء
في الكويت وقضاء الاجازة فيها معاً، وكذلك فعلت هدى أختها وسليم والاولاد،
خاصة أن بسام أخا الياس سيحضر لزيارتهم فتكون التسلية أكبر وبامكانهم
جميعاً الذهاب الى جزبرة فيلكا للاستمتاع بالبحر كما يعشقون.
أما شكري ومها فقد كانت اجازتهما في النصف الأول من الصيف وعودتهما
وشيكة لأن مها لديها امتحان قيادة السيارة ولم ترغب تأجيله.. ومن يؤجل
امتحان القيادة الذي تنتظره شهوراً طوالاً؟.
تريز وابراهيم لم يسافرا ايضاً لأن تريز حامل في شهرها السادس ولم
ترغب بالذهاب وفضلت البقاء وكذلك فعلت أختها وعائلتها.
مي ولينة هما من الأمهات اللواتي تغادرن أول يوم في الاجازة وتعدن
آخر يوم لها. ومنتصف تموز هو عادة موعد الرجال للحاق بهم لذلك فان عدنان
وملك لم يكونا أيضاً.
أم سمير لست متأكدة ... قبل سفري كانت هناك بوادر خطوبة سمر ... وكل
المشاريع الصيفية متوقفة على ذلك ... سأعرف قريباً.
في أيام الاجازة الصيفية لا يستيقظ الأطفال باكراً جداً فأتفرغ
لقراءتي وكتابتي، ثم نقضي اليوم معاً، يلعبون ويشاغبون ويختلفون ويشاهدون
بعض البرامج التلفزيونية وأنا أنهي أعمالي المنزلية والمطبخية... حتى يأتي
والدهم ظهرا لتناول طعام الغداء ويعود الى عمله.
أو يأخذنا في طريق عودته الى عمله لزيارة أحد الأصدقاء حيث يقضي
الأولاد الوقت معاً ويتسلون ويلعبون وكذلك نحن الأمهات.
أو يلعب الأولاد في مواقف السيارات عند مدخل المبنى ... وبما أن هذا
لا يحدث غالباً لخوفنا عليهم فهم يفضلون لعب الكرة في البيت بعد أن يهيئوا
المكان بابعاد ما سهل كسره حتى يتجنبوا العقاب...
أو ننتظر عودة الرجال من أعمالهم فنذهب الى الواجهة البحرية عندما
تسمح لنا الرطوبة المتدنية بذلك فنتستمتع بهواء البحر العليل ويلعب الأولاد
مليئاً ويركضون ويمرحون ونجلس الى احدى المقاهي المنتشرة ونتقهوى وندردش
ونتحدث فننسى جميعاً تعب اليوم ويعود الأولاد تعبين الى العشاء والنوم
فنسهر بعيداً عن ضوضائهم.
يوم الخميس نسهر عادة جميعاً في بيت أحدنا... لكل دوره .. حيث تحضر
ست البيت عدداً من الأطباق فنستمتع بالعشاء معاً وقد نستمع الى الموسيقى
وغالباً ما يكون عيد ميلاد أحد من المجموعة أو ذكرى زواج فتكون الحجة أكبر
والسعادة مضاعفة فتنقلب المناسبة احتفالاً ورقصاً وكيفاً وطرب... أو نكتفي
بالقاء النكت والأحاديث الظريفة أو كما في معظم الأحيان أحاديث ومناقشات عن
الأوضاع الاقتصادية والسياسية وأسخن النقاشات تكون عن تربية الأولاد.
* * *
بعد ليلة خميس ... وحديث هاتفي ...
- الحقيقة يا جورجيت السهرة كانت رائعة البارحة... انبسطنا كتير ...
الجميع كان رايق ، يا الله شو ضحكنا .. كيف تأتي النكات تباعاً عندما يبدأ
أحدهم بسردها.. ان شاء الله تلدين بالسلامة وتعملي لنا سهرة أحسن..
- بالتأكيد ادعي لي أن يرزقني الله بابنة حلوة وسأقيم لكم أحلى سهرة
… بنت يا ربي بنت … الحقيقة ليلى لم تقصّر أبداً البارحة .. والياس كان
فرحاً جداً بأخيه بسام .. يعامله وكأنه ابنه .. فرحت أنه جاء لزيارتهم فهم
يخططون لذلك منذ زمن وليوفقه الله بعمل جيد هنا فيزيد الأصدقاء …
- ان شاء الله يبدو ذلك .. ويبدو أن في الأفق بنت حلال أيضاً .. ما
أحلى الأفراح .. أتدرين لم نتفق أين ستكون السهرة في الأسبوع المقبل؟؟
- فعلاً كنا مستمتعين ومنسجمين فنسينا أن تنفق … بسيطة سنرتبها ..
الحقيقة كنت أود أن تكون عندي لكن البارحة عندما ذهبنا الى محل المفروشات
للمراجعة بشأن غرفة النوم الجديدة .. وعدونا بتسليمها لنا يوم الخميس
القادم.. أخشى أن أكون مشغولة..
- أخيراً ستستلمين الغرفة.. لقد مضى زمن على طلبكم لها وهم يؤجلون
موعد التسليم ..
- ماذا نفعل؟؟ يبدو أننا اخترنا موديلاً معقداً .. لكن كما تعلمين
أنها أول غرفة نوم نشتريها منذ تزوجنا.. أعتقد أنه وبعد ثلاثة عشر سنة يحق
لنا أن نختار غرفة ولو كانت معقدة.. وبما أننا كنا سنسافر رضينا أن يسلمونا
اياها بعد عودتنا .. وها قد مضى على عودتنا اسبوعان وهم يماطلون
ويماطلون.. صدقيني أنا متحمسة جداً وأنتظرها بفارغ الصبر..
- شو لتجديد شهر العسل؟؟
- راح فكرك لبعيد كتير .. أتدرين ؟ عندما انتقلنا الى هذا البيت
منذ عشرة شهور وأنا أتمتع بشعور جديد .. هذا البيت هو أول بيت نستأجره غير
مفروش .. لقد تمتعت جداً وأنا أنتقي غرفة الجلوس وتوابعها من ديكورات بسيطة
.. وأنا كل يوم أمارس متعتي هذه بتنظيفها والانتباه عليها .. وعندما
اضطررنا لجلب غرفة النوم القديمة معنا قلت لا بأس سأنتظر .. والآن بانتظار
الغرفة الجديدة .. لا أدري ان كان سيكون لها تأثير على تجديد شهر العسل
بالرغم من أنني أتمنى ذلك … الا أن الاحساس بأنك تمتلكين ما تستعملين لا أن
تستعملي ما يملكه الغير هو احساس رائع جداً.
والحمد لله بدأنا بامتلاك كل ما نستعمل ..
- أتمنى أن تستلميها وتستمتعي بها بالخير والصحة .. على كل حال
تذكرت أن ليلى تنوي ربما الذهاب الى فيلكا يوم الخميس القادم وأنا بدأت أحس
بالثقل وعندي موعد مع الطبيب .. ربما نسهر على الخفيف..
- متى ستأتين لقضاء بعد الظهر عندي.. غداً أو بعد غد ؟ فأنا أريد أن
أريك كل ما أحضرت من أميركا لابنتي .. يا الله كم سأكون سعيدة لو أكرمني
الله ورزقني بابنة بعد نورمين وآلن وهما سيكونان سعيدين أيضاً وكذلك ريمون
.. فهو ينتظرها ليدللها وكما يقول البنات صديقات الآباء.. وهو بانتظار
صديقته..
- يا عزيزتي … انشاءالله سيرزقك بطفل كامل الصحة .. اذا كان بنت
بتفشي خلقك ولكن لازم دائما تفكري أن الطبيب يمكن أن يكون مخطئاً ويكون صبي
وقد حذرك الطبيب من ذلك .. حرام أن تفكري بهذه الطريقة المهم خلقة تمامة
وصحة جيدة وولادة سليمة..
- أعرف .. أعرف سامحني الله، لكن قلبي يذوب.. حتى تأتي البنت..
- طولي بالك كلها شهر بالكثير وتلدي ..
- تأتين غداً لأنني سأحضر التبولة ؟؟
- معقولة جداً ، وساؤكد لك مجيئي في المساء..
- ياالا باي استفاق رامي ويجب أن أذهب..
- باي.
كانت المكالمات الهاتفية هي الصلة الأساسية بين الأصدقاء ..
المسافات بعيدة والزيارات غير ممكنة باستمرار لأن معظم السيدات لا يقدن
السيارات لصعوبة حيازة اجازة القيادة وغلاء ثمن السيارات، واستعمال التاكسي
ليس مستحبا عدا عن غلائه .. لذا ندر استعماله.
تنتظر النساء عودة أزواجهن من العمل للذهاب معا للتسوق أو لزيارة
الأصدقاء أو زيارة الطبيب أو التمشي على شاطىء البحر… ومعظم الأحيان يكون
الزوج تعباً فيفضل البقاء في البيت.
لذا ترى الهواتف مشغولة باستمرار خاصة أن المكالمات الهاتفية
الداخلية مجانية .. فترى السيدات يزرن بعضهن على الهاتف، يشكين مشاكلهن
وهمومهن لبعضهن البعض ويتبادلن الخبرات، والمحظوظة منهن من تجد صديقة في
مبنى سكنها أو على الأقل في الشارع ذاته..
قد تطول الفترة أو تقصر حتى تتعرف احدانا على جاراتها وتنتقي جارة
تكون صديقة صدوقة، تتبادل معها الأحاديث وتشترك بالاهتمامات حتى تقتل وحدة
الأيام الطويلة أو تشترك في امضاء الوقت والعناية بالأطفال معاً.
بالنسبة لي وفي سكني القديم كانت جارتي أم سمير خير جارة.
بالرغم من الفوارق العديدة التي قد يراها الرائي للوهلة الأولى الا
أن طيبة قلبها ورقتها جعلتنا نقضي الأيام الطوال جنباً الى جنب .. جارتان
عزيزتان .. لكل منّا اهتماماتها المختلفة كلياً الا أننا نحترم اهتمامات
بعضنا العض ونقضي بعض الوقت معاً كل يوم .. الا أن أولادنا كبروا معاً
واعتنينا بهم معاً وكنت مطمئنة دائما بأنني لو احتجت لأي شيء كان ومن أي
نوع فان أم سمير ستكون معيني وسندي وكذلك هي تعرف جيداً أنني لن أتردد
بتقديم أية مساعدة مهما تكون.
هذا الشعور يمنحك أمانا وراحة ويعزي بعيداً عن الأهل وصدق من قال
الجار قبل الدار.
لذلك عندما انتقلنا الى بيتنا الجديد .. كان ابتعادنا عن أم سمير
وعائلتها أكثر ما أزعجنا.. خاصة أننا لم نجد أم سمير جديدة..
جيراني كن مختلفات .. ومعظم الشقق كانت غير مؤجرة بعد وتمنيت أن
تأتي جارة تعوضني عنها..
ما كان يساعدني أن أولادي كبروا قليلاً وبامكانهم اللعب مع بعضهم
البعض.. وبامكاني الثقة بهم لارسالهم الى موقف السيارات في المبنى للعب
بالطابة أحياناً دون أن أضطر للبقاء معهم اذ أكتفي بمراقبتهم كل حين من
الشرفة .. صحيح أنني لم أرغب في العمل لأبقى بجانبهم وأربيهم ولا أتركهم
للخادمة الا أنني لا أتمكن من قضاء كل الوقت معهم .. فمن الطبيعي جداً أن
يمضوا بعض الوقت معاً يلعبون بدوني، فهم يجب أن يعتادوا على تحمل المسؤولية
وخاصة أن أكبر أولادي ديمي ذو السنوات العشر كان قائداً بالفطرة.
كنت أحاول الذهاب لزيارة جورجيت مرة في الاسبوع ونقضي بعد الظهر
معاً، وتأتي لزيارتي مرة وتأتي أم سمير لزيارتي مع سوسن صغرى بناتها …
وهكذا يمر الاسبوع بسرعة أكثر.
* * *
مكالمة أخرى
- صباح الخير.. كيف حالك؟؟؟
- أهلاً أم سمير، الحمد لله ،كيف حالك أنت .. أنت أم العروس … يبدو
أنك مشغولة جداً .. زمن لم نسمع أخبارك..
- الحقيقة عندما يقولون أم العروس لم أكن أصدق ذلك لكن فعلا هي
مسؤولية كبيرة ولا تدرين كيف يضيع الوقت .. هذا مع أننا لا زلنا نحضر
للخطبة وكتب الكتاب فكيف عندما نحضر للعرس .. لا أعرف ماذا سنفعل..
- أخبريني قبل كل شيء كيف هي صحة أبو سمير وصحتك ثم أخبريني عن سمر
.. هل هي مبسوطة؟؟
- صحتي جيدة الحمدلله وكذلك أبو سمير وهو مبسوط جداً لأن سمر مبسوطة
لذلك ترينه نسي مرضه ووجعه.. لو تشوفي سمر طايرة من فرحها..
- مش معقول لا أستطيع أن أصدق.. هي شهور عشرة فقط تركتكم وابتعدت
فاذا سمر عروس .. تلك الفتاة الخجولة صارت عروس .. متى قررتم الخطبة؟؟
- بعد شهر حيث سيأتي أهل العريس .. نحن ذاهبون الآن الى عمان للتعرف
عليهم واستكمال مستلزمات الخطبة .. سآخذ معي البنات أما سمير فسيبقى مع
والده.. لن نتأخر.. هي أسابيع ثلاثة.
- هل تحتاجين الى أي شيء يا أم سمير بامكاني المساعدة .. تعرفين هذه
سمر ابنتي كما هي ابنتك..
- شكرا ما قصّرت .. كله تمام سأخبرك بموعد الخطبة النهائي المهم أن
تحضّري حالك مع الأولاد.. شو أخباركم أنتم؟؟ هل استلمت غرفة النوم الجديدة
؟؟ استغربت أنك لك تتصلي بي لأرسل لك العامل لاخذ الغرفة القديمة فتوقعت
أنك لم تستلميها بعد ..
- آخ يا أم سمير ، ماذا سأقول لك ؟؟ وعدونا وعداً نهائيا هذه المرة
وقالوا الخميس القادم في الثاني من آب الا أننا ذهبنا البارحة لدفع القسط
الأخير فأكدوا أن الغرفة جاهزة وسيتم احضارها يوم الخميس أو السبت على أبعد
تقدير سيتصلون بي صباح الخميس..
- اذن سأخبر أبو سمير بذلك .. لأنه أصر أن يرسل لكم حلوان الغرفة
أيضاً من صنع يديه ً وربات وكنافة ً الوربات للأولاد والكنافة لأبو
الأولاد..
- لا لزوم لتعبه يا أم سمير لكن من يستطيع رد وربات الطيباوي
ومصنوعة بيد أبو سمير .. وأنا سأحضر الكيك الذي تحبونه وتأتون لزيارتنا
بعد عودتكم..
- ان شاء الله ادعي لنا بالتوفيق ..
- ليكن الله معكم وليتم كل شيء بخير سلامي للجميع.
* * *
ومكالمة أخرى
- أهلاً مها كيف حالك؟؟
- بخير ..الصحة جيدة واميل بخير وأبوه بخير لكنني مصضربة وخائفة
فامتحاني للقيادة بعد يومين..
- ولمَ الاضطراب؟؟ ها أنت قد أمضيت عطلة رائعة .. المفروض أن أعصابك
مرتاحة.. لمَ الخوف؟؟ قوي قلبك وستنجحين.. نحن بانتظارك لتأخذينا مشاوير ..
هيا .. شكري قال أن قيادتك جيدة وأنه سيشتري لك سيارة مباشرة .. هذا يعني
أنه واثق من نجاحك..
- نعم سيارة قديمة .. ان شاء الله حتى أتعلم جيداً ثم نشتري أخرى
جديدة بعد سنة ..
- لا يهم ، المهم امكانية الانتقال من مكان الى آخر ..
- فعلا وهذا ما أريده .. أرجو أن يمنحني الله الشجاعة ..
- أنا متأكدة من ذلك حظاً سعيداً طمئنينا دون تأخير ، نريد احتفالا
معتبراً ..
- بالتأكيد .. بالتأكيد ..
* * *
وأخرى في يوم آخر
- صباح الخير يا جورجيت كيف حالك اليوم .. أتعبناك البارحة..
- أهلاً وسهلاً فعلاً تسلينا كثيراً والأولاد لأول مرة لم يتخاصموا
..
- فعلاً <دون حسد> ليتهم يكونوا كذلك دائماً ... لكن أعتقد أنهم
بدأوا يكبرون ويعقلون ..
وعندما لا يكونون كثر يتفاهمون أكثر..
- طبعاً وهل رأيت كيف كانت ديما تلعبهم وتركز على مجيء ابنتي وكيف
يجب معاملتها بمحبة.
- رأيتها .. أظنها متحمسة لمجيء البنت حتى تعدل توازن البنين
والبنات وتجد لها مؤازرة.
- طبعاً أخبريني الآن، أحقاً أعجبتك الأغراض التي أحضرتها لابنتي
...
- للحقيقة هي أغراض حلوة كتير كتير .. وان شاء الله تكون بنتاً
وتتهني بها وتلبسيها كل هذه الأشياء الحلوة .. يعني يقولون أميركا والتسوق
فيها مختلف .. فعلاً يبدو ذلك اتها أشياء كتير حلوة..
- لكن بتعرفي ذاك الغطاء الذي رأيناه معاً في مجمع زهرة هو أجمل
غطاء رأيته ولن أشتري غيره .. أريد أن نذهب لاحضاره .. فأنا أستطيع لفها
بها عند خروجنا من المستشفى .. وكذلك تلك السلة المزينة البيضاء هل
تذكرينها بالدانتيل الزهري اللون .. لأقدم فيها الشوكولا..
- يا جورجيت لا تستعجلي ، ما زال الوقت أمامك .. ربما تجدين أحلى
وأرخص .. هو غالي جداً .. حرام، صحيح أنه جميل جداً لكن...؟؟ والسلة قلت
لك أنا سأصنع لك واحدة تشبهها وقد أحضرت كل اللوازم..
- أرجوك أعرف ومقتنعة ... اذن سنذهب للتفرج فقط .. ما رأيك؟؟ هل
نذهب اليوم ؟ نتمشى من عندك، الأولاد بيتسلوا ونحن نتمشى ، المشي مفيد جداً
لي في هذه الفترة..
- حسناً وبالمرة ترين السلة مجدداً وتقررين لون الدانتيل الذي سنزين
به.. لكننا سنتأخر قليلاً بالنزول بحيث أن جارتي الجديدة وعدتني بزيارة بعد
ذهاب زوجها الى عمله ...
- حسناً اذن سأتعرف عليها أيضاً .
- تبدو لطيفة .. تقول تزوجوا منذ سنة تقريباً وكانوا يسكنون مع أهله
والآن انتقلت لتعيش بمفردها .. زوجها يعمل في السفارة الكندية.. وقد وضعوا
علم كندا على بابهم..
- أرجو أن تكون لطيفة ومهضومة ... آه اسمعي نسيت أن أخبرك أنني
تكلمت مع أختي بهية وأخبرتها بأن كرت الزيارة صار جاهزاً وقالت أنها تفكر
أن تأتي في العاشر من شهر آب وستبقى حوالي أربعين يوماً ... وقد فرحت لذلك،
صحيح أنه باكراً قليلاً فولادتي قد تكون بعد العشرين منه ولكن بذلك أستطيع
أن أريها الكويت التي طالما حدثتهم عنها ولأولاد يعتادون عليها ألا تعتقدين
أن ذلك أفضل؟
- بالتأكيد بالتأكيد ..
- عادت وسألتني ان كنت سأسمي ابنتي على اسم أمي رحمها الله أو لا
زلت أفكر بتسميتها مريم؟
- هيا سنتحدث أكثر عندما أراك بعد الظهر..
- باي.
هكذا يتم بناء الصداقات في السكن الجديد .. وتأتي الجارة ويتم تبادل
الأحاديث العامة والتعارف فإما أن تتفق النفوس والأفكار وتقوى الصداقة ويتم
اللقاء كل يوم وبشكل مستمر ويتم التعاون أو لا تتفق الأفكار فتبقى العلاقة
في حدود فنجان القهوة في بعض الصباحات، ولكن هذا لا يمنع الاحساس بوجود
الجيران في أية حالة طارئة.. فهذا الشعور هو السائد في بلاد الغربة..
الغربة وهل تعتبر الكويت غربة ؟؟
كثيراً ما فكرت بهذا الموضوع .. هل الغربة تعني العيش في بلاد الغرب
أو أن الغربة هي العيش في بلاد غريبة ..
هل يتساوى المغتربون الذين يعيشون في اوروبا وأمريكا مع المغتربين
الذين يعيشون في البلاد العربية؟؟
هناك في الغرب يعيشون في أجواء وعادات تختلف كلياً عن أجوائنا
وعاداتنا فيبذلون جهوداً مضاعفة للتأقلم..
أما في البلاد العربية فالوضع يجب أن يكون أفضل ... العادات متشابهة
والأجواء يتوقع أن تكون متماثلة .. فمن الظلم أن يطلق على الحالتين الاسم
ذاته... الغربة .
الغربة ...
دوماً فكرت أن من يخرج من بلدته التي كبر فيها وترك أهله وأصدقاء
طفولته هو في غربة بغض النظر عن مسافة ابتعاده ... من بدأ صداقات جديدة
وبدأ يتعلم اتجاهات السير في شوارع جديدة .. هو في غربة .. ولو أن درجات
التعود هذه مختلفة وقد تقسو وتهون لاسباب كثيرة ومعطيات أكثر الا أنها
الغربة .. التي تبدأ ولا تنتهي ...
تقسو وتهون ليس بحسب قسوة المكان أو بعده بل بدرجة قبول الانسان
لاسباب انتقاله واستعداده للتأقلم مع الحياة الجديدة .. واستقراره في العمل
الذي يعتبر الركيزة الأساسية.
وكثيراً ما ترى أناساً مسرورين ومرتاحين وقد تأقلموا ويعيشون حياة
مستقرة بل حلوة ولا شيء حولهم يشبه وطنهم الأم.
فكيف ونحن في الكويت كل ما حولنا مسخر لراحتنا ونعيش أجواء مشابهة
لأوطاننا ..
أبناء الجالية الواحدة يتجمعون بشكل طبيعي وخاصة أبناء البلدات
الواحدة .. فإن لم يعرف واحدهم الآخر فهو يعرف صديقاً له أو أخاً كان صديق
طفولة أو مدرسة أو يسكن في حارة قريبة .. أو أن والدته تكون ابنة خالة
صديقه أو عمته جارة جدته.. فالدنيا صغيرة جداً كما يقولون والغربة ترفع
حواجز كثيرة..
ومن ثم فإن أبناء الجاليات المختلفة المقيمين يتقاربون لأنهم يسكنون
المناطق ذاتها والمباني ذاتها .. فتكون الجيرة رابطاً مشتركاً للبداية ومن
ثم تقوى الروابط الأخرى.
وأماكن العبادة .. حيث الرابط الديني هو من أقوى الروابط .. فعندما
تتعرف على أحد في مكان العبادة تعرف أن بينكما رابطاً مشتركاً اساسياً ومن
ثم تأتي الروابط الأخرى لتقوي الصداقات الحقيقية ..
الكنيسة كانت المكان الرئيسي الذي تعرفنا فيه على معظم أصدقائنا
وذهابنا كل أسبوع يجدد شعورنا بأننا بين الأهل ونعرف كثيرين ونهتم بأمورهم
كما نفعل في بلادنا...
* * *
مجمع زهرة كان أحد أفخم المجمعات في الكويت بعد مجمع الصالحية..
وبناؤه الرائع التصميم مغلق بحيث لا يتأثر المتسوق بحرارة الجو في الخارج
..
كان قريباً جداً من منزلنا في السالمية .. وكان باستطاعتنا الذهاب
اليه مشياً على الأقدام ولو في شهر تموز ... فبعد الخامسة مساء تنكسر حدة
الشمس فلا يكون السير اليه سيئاً جداً.
ونصل الى المجمع حيث ننعم ببرودة المكان ونتسلى ونتفرج على البضائع
المعروضة من كل شكل ولون ومن كل نوع وبلد ... لكنها كلها نسبياً غالية
الثمن خاصة بالنسبة الينا .. نحن المعتمدون على رواتب آخر الشهر لنعيش في
بحبوحة معقولة ونرسل للأهل مبلغاً معقولاً وندخر مثله للمستقبل ...
فالمستقبل غامض لنا جميعاً في جميع البلدان العربية.
وبما أننا ممتنون جداً للرواتب العالية التي تدفعها الشركات في هذا
البلد المضياف مهما كانت الأسباب لذلك ... الا أننا لا نستهون صرفها على
أمور ترفيهية جداً بالامكان الاستعاضة عنها بأشياء أقل ثمناً.
وهذا استطعت اقناع جورجيت بالعدول عن شراء الغطاء الرائع الغالي
الثمن ووعدتها بصنع سلة الشوكولا التي أحبتها في الواجهة .. وانتقت الألوان
التي تناسب ابنتها الحلوة ... جورجيت لم تكن يوماً مبذرة ولكن شوقها لانجاب
البنت بعد الصبيين جعلها تفكر بدفع هذا المبلغ الكبير لشراء الغطاء الرائع
الجمال وكأنه سيؤكد انجابها للبنت.
نعم أقنعتها .. وسأزين السلة بمختلف أنواع الدانتيل التي لدي
وبالألوان التي أحبتها .. فصنع الأشياء يدوياً هو هوايتي .. وبامكاني اعداد
الشوكولا وبالنكهات التي أريد.. أنا أعرف أنّ جورجيت تحب جوز الهند ومربى
الكباد ولدي القوالب لصنعها .. ولكن ماذا لو وضعت على السلة اللون الزهري
الذي طلبته ومن ثم كان المولود صبياً ؟؟ سأنتظر الى ما بعد يوم الخميس
لابدأ العمل أو أحضر كل شيء وأترك اللمسات الأخيرة لما بعد الولادة والتأكد
من جنس الطفل ، فبعد انهاء البطانة البيضاء، وضع الدانتيل لا يستغرق ساعة
عمل ... على كل حال عليّ أن أنهي فستان ديما وغطاء الطاولة الذي أطرزه قبل
أن أبدأ بذلك.لا زال أمامنا بعض الوقت.
كثيرات مثلي تقضين أوقاتهن بالاشغال اليدوية من خياطة وتطريز
للاستمتاع والانتاج وملء الفراغ والتوفير.
لا أعرف بالضبط كم منهن تملأن الوقت بالقراءة لكنني أعرف كثيرات
يملأنه بمشاهدة التلفزيون والفيديو لكن الغلبة الغالبة يقضينه بتبادل
الزيارات النسائية والأحاديث المختلفة المفيدة منها والمؤذية ... والتعرف
على مستجدات الموضة وما حدث عند الجارة الفلانية أو ما فعلت الست الفلانية
وما قاله زوجها لها ولا تستبعد الوصول الى مساحات خاصة جداً من حياة الناس
عن حسن نية أو سوء نية .. وما أدراك ما سوء النية ؟؟؟؟ .
* * *
- أهلاً ليلى كيف حالك؟؟
- بخير وأنتم كيف أحولكم ؟؟
- شو أخبار الشغل ؟ وماذا جرى بالنسبة لاجازتك ؟؟
- أتصل بك الآن لاخبرك بأن كل شيء تمام .. سنذهب الى فيلكا يوم
الاثنين القادم حيث استأجر لنا الياس شاليه لمدة أربعة أيام ... وفكرت أن
تأتوا الى منزلنا يوم الجمعة بعد الظهر طالما أننا لسنا ذاهبون الخميس ..
لأن الياس وأخوه بسام يريدون اللعب بالورق ... ما رأيك ؟؟
- لا أعتقد أن لدينا مانع لذلك، على العكس زوجي أيضا مشتاق للعبة
ورق والأولاد سيستمتعون معاً.
- حسناً سأقول لجورجيت وريمون وتريز وابراهيم وجارتي منى وزوجها
وطبعاً أختي هدى وسليم وهكذا نجتمع كلنا ... فقط سأطلب منك أن تحضري معك
ذلك الشريط التسجيلي الذي يحوي الأغاني التي يحبها الأطفال ..
- بالتأكيد سأفعل .. وماذا تريدين أن أصنع الكاتو أم بعض الفطائر
..؟؟
- كما تريدين .. لكن أعتقد أنه من الأفضل أن تصنعي الكاتو لأن منى
اقترحت صنع الفطائر .. هل تريدون أن يأتي أحد لاصطحابكم لأنني فهمت أن زوجك
وضع السيارة في الكاراج للتصليح ..
- فعلاً وضعها البارحة وكان المفروض أن يعيدوها اليه اليوم لكنهم
وجدوا أن بها عطلاً بحاجة الى قطعة غيار وتبديلها يأخذ وقتاً لذا فقد أعطوه
سيارة قديمة لكنها لا بأس تنقله وستنقلنا دون مشاكل لا تقلقي شكراً على كل
حال .. سنلتقي الجمعة اذاً.
* * *
- أهلاً مها شو؟؟ قبل السلام والكلام، بشّري، شو النتيجة ؟؟؟
- نجحت ، نعم نجحت، يا الله أنا مبسوطة جداً لم أصدق ... كنت
كالأطفال ... خفت كثيراً لكن الحمدلله ... قال لي ان قيادتي جيدة ...
- ألف مبروك ... انتبهي عليك الآن ضرائب نجاح عالية ... أولها يجب
أن تأتي لاصطحابي غدأ مع الأولاد للذهاب الى شاطىء البحر ليلعبوا مع اميل
وتحدثيني عن التفاصيل وعن رحلتك الى الأهل فأنا لم أرك منذ عودتك ... ثم
علينا أن نناقش الكتاب الأخير الذي قرأناه أليس كذلك ؟؟
- طبعاً طبعاً ولكن مهلاً مهلاً ألن تنتظري أن أشتري السيارة ... لا
أعرف ان كان بامكان شكري اعطائي السيارة غداً ...
- كنت أمزح حبيبتي، ولكن توقعي ضرائب مماثلة عندما تشترين السيارة
...
- بالتأكيد ... وسيكون ذلك من دواعي سروري ... لكن يجب أن تمروا
للمباركة ... تعالوا غداً الخميس ...
- سأخابرك ان كان بامكاننا ... مع السلامة.
  
هكذا بدأ كل شيء
الخميس 2 آب 1990
-2-
نستيقظ لا بل قل نفزّ على صوت طائرات حربية ..
أقول لزوجي
- خير انشاءالله ؟؟ وكأنني في بيروت ؟؟ وكأنه اختراق جدار الصوت ؟؟
يقول زوجي:
- نعم يبدو ذلك .. أنا متأكد أنها طائرات حربية ..
- اوه انها الساعة الخامسة والنصف ؟؟ خير انشاءالله
- لا أدري افتحي التلفزيون ..
- يا فتاح يا رزاق ... التلفزيون لا يفتح قبل السابعة..
- افتحي الراديو اذن ..
- انه موعد القرآن ... الأخبار تبدأ في السادسة على ما أظن ..
- حسناً ... ولكنه نشيد وطني .. وليس تلاوة قرآنية ..
ويدوي صوت انفجار كبير ولكنه بعيد ... ويستيقظ الأولاد مذهولين
ومرعوبين يسألون ما عسى أن يكون هذا الصوت ؟؟؟
يقول زوجي:
- لا تخافوا هو صوت انفجار لكنه يبدو بعيداً ... اسألوني أنا الخبير
.. لا تخافوا عودوا الى فراشكم لا زال الوقت مبكراً ...
ويعودون الى فراشهم مصدقين ....
أما أنا فلم أصدق .. أقرأ في نبرة صوته ذلك الخوف الذي كنت أقرأه في
بيروت .. فما أن يبدأ القصف حتى يقول بالطريقة ذاتها : لا تخافوا هيا ندخل
الغرفة الصغيرة التي تبعد جدرانها عن الجدار الأول في البيت فلو أصاب البيت
أية قذيفة لا نكون متضررين مباشرة .
ويسود السكون بانتظار الساعة السادسة موعد نشرة الأخبار ..
الساعة السادسة .. بدأت الأخبار .. جلسنا نستمع بكل انتباه .. مذيع
الأخبار الكويتي .. يذيع الأخبار بشكل عادي .. الخبر الأول عالمي لم نعره
أي اهتمام .. هل هذا يعني أنه لا شيء يحدث والانفجار والطائرات مجرد حادث
عرضي ؟؟؟
ويأتي الخبر الثاني ليعلن المذيع أن القوات العراقية تتحرش على
الحدود محاولة اختراق الحدود الكويتية والاعتداء على الأراضي الا أن الجيش
الكويتي يصدها ببسالة...
هو هجوم عراقي اذن .. على الحدود .. هي الحرب قادمة ؟؟؟ أمر غريب
؟؟؟ سمعنا الأسبوع الماضي قضية محاورات ومناقشات ... أما هجوم عسكري ؟؟؟
هل نتصل بالأصدقاء لنتشاور بالأمر ؟؟ لكن الوقت مبكر جداً ولا تبدو
الأمور سيئة لهذا الحد والحدود تبعد عن المدينة فلم الخوف ؟؟؟ نحن أصابتنا
عقدة الخوف من أي طائرة أو صوت انفجار ... لم الرهبة والتلعثم ...
ربما الأوضاع ليست مثالية لكن التحرشات والاشتباكات على الحدود ليست
أمراً غير عادي أو يدعو الى كل هذا الخوف .. لنتكل على الله ونتسم بالشجاعة
على الأقل حتى نتبين حقيقة الأمر ..
قال زوجي:
- سأذهب الى العمل وأستوضح الأمر وأتصل بك من هناك لأخبرك حقيقة
الوضع لا بد أننا هناك سنعرف أشياء أكثر ..
- تذهب وتتركني مع الأولاد .. ماذا لو كان الأمر أسوأ مما نعرف ؟؟
ماذا لو لم تتمكن من العودة ؟؟ لو انقطعت الطريق ؟؟ لو ؟؟ لو ؟؟ ..
- ما بك ؟؟ عدت الى تخيلاتك القديمة .. هنا الكويت وليست بيروت ..
اشتباكات وقناصة وقذائف ... ربما هناك شيء ما لكنه على الحدود ... هنا
الدولة والجيش مسيطران وليس ميليشيا وجيوش أهلية ...
سأذهب باكراً وان أحسست بأي خطر سأعود حالاً كما أعدك أنني لن أخاطر
أبداً .. ولو أحسست بالخطر في طريقي سأعود ..ألا تعتقدين أنني أخاف عليكم
أكثر مما تخافين؟؟؟
ولكن يجب أن أذهب الى العمل وأستوضح الأمر ... وسأمر أيضاً على
البنك في طريقي لسحب بعض النقود احتساباً لأي أمر طارىء ...
كان صعباً جداً علي منعه من الذهاب أو الرد على كل ما قال .. فأنا
مقتنعة بما يقول ولكن الذكريات العالقة في الذهن مخيفة ، مخيفة جداً .
كان يخرج في الصباح كما الآن ولا أعرف متى يعود وأتساءل بداخلي كل
يوم وهل يعود ؟؟
كنت أذهب في الصباح الى المدرسة حيث أعمل قريباً جداً من المنزل ..
وهناك ننشغل بالعمل ولا نستمع الى الراديو ولا نعرف ما يحدث .. الا اذا حدث
شيء كبير حينها تصل الأخبار من السكرتيرة أو الناظر أو البواب ..
وأعود الى المنزل مسرعة وألتصق بالراديو كما يفعل الجميع حيث أتتبع
تفاصيل الاذاعات المختلفة التي تتلف الأعصاب .. حتى يصل ..
كم من مرة قال لي لا تستمعي الى الراديو فهو يقلقك أكثر ولا حاجة بك
لذلك .. الا أنني لم أستطع اطاعته يوماً .. والآن أستمع اليه يطمئنني عن
ذهابه .. يعيد علي جمل التطمين ذاتها ..
اليوم الأولاد حولي لا يعون وأنا أرتعد خوفاً .. وما باليد حيلة ..
هو يجب أن يذهب وأنا يجب أن أهدأ، وخرج.
لم أنتبه هل قبلني قبلة الخروج .. والأولاد هل قبلهم كالعادة .. أو
ربما لم يفعل حتى لا يعتبرها قبلة الوداع ... سيعود .. أنا أعرف أنه سيعود
...
جلست أستمع للراديو .. أغنيات وطنية .. ثم أغنيات وطنية .. ثم
أناشيد وطنية .. لا حديث ديني ولا برامج من أي نوع ..
هل هذا مطمئن؟؟
لم أكن يوماً مهتمة بالسياسة .. لم تستهويني وبخاصة أيام الحرب كنت
أثور جداً وأحس بالغضب وهم يتناقشون حولي عن هذا الحزب أو ذاك وهذا الفريق
وذاك ..
كان معظم من هم حولي مولعون بالسياسة الى درجة الادمان أما أنا
فقليلا ما وجدت أحداً يشاطرني اهتماماتي الأدبية .. لذلك كنت دوماً صامتة
أستمع لما يقولون وأثور بداخلي ثم أسرح بعيداً عن نقاشاتهم اللامنتهية ..
اليوم هل أتمنى أن أفقه شيئاً في السياسة علني أحلل الموقف وأعرف
مدى البعد الذي يجب أن أقلق فيه ..
تحدثت مع جورجيت فاذا بهم قلقين أيضاً شيء ما يحدث لكن ريمون ذهب
الى عمله كالمعتاد .
ليلى قالت لا شيء أنا أتحضر للذهاب الى مكتبي والأولاد نيام والياس
ذهب من الصباح الباكر الى فيلكا لتفقد المشروع هناك ..
|