الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 09/01/2009

روايات الكاتبة: وفاء عبد الرزاق

السماء تعود إلى أهلها

إلى صفحة الكاتبة

لقراءة الرواية

 

 

الرواية

الفصل الثاني

الفصل الأول

مدخل 

 

 

 

السماء تعود إلى أهلها

 

 

مدخل

على مشارف الريح افتقدنا الخطى، اتسع غبار المسافة، تبعنا شرطيّ إلى مرايانا، يلوّح لنا مبتهجاً بعتمتنا، زحف ألم الدقائق على أجسادنا، فغدونا مثل وطن يبحث عن قلب أوعن اتجاه للنهار، وطوّق الصليب صدورنا......... الحقائب لم تزرّر قمصانها، بقيت ظلالنا وحيدة كأمنية بأعقاب السجائر يطارد الرحيل اشجارها.

وفاء

 

إهداء:

قلبٌ يسكنهُ الفـقـرُ

قلبٌ تسكنهُ المدينـةُ

قلبٌ تسـنهُ الفـأسُ

سكني بهذا الثقب

...

....... أيها الصاعق سآوي اليك

و

ف

ا

ء

 

 

 

الفصل الأول

غصن تدلـّى من إطار

 

ما تكون الذاتُ التي تحيا في آنٍ ضحيةً ً وجلاّداً؟؛

(أدونيس)

 

 

تلمّستْ خاتمها، أطبقت يداً على يد، تجوّلت عيناها في كل أرجاء المعرض، تقادحت يداها كشعلة أوقِدت للتو، حرارة الكفين لم تجد الباب يُفتح على مصراعيه، شارحاً مفسراً ولو باختصار عن سبب تسمية إحدى اللوحات بـ(تفاحة القلب).

كان الضجيج طوع نفسه، أصوات هامسة تقديساً لرهبة المكان الذي ضجّ بالألوان، أصوات تعلو غير عابئة بقدسية الصمت، رجل مستدير الوجه، يرتدي ملابس تثير الانتباه، بنطال أحمر، قميص بكاروهات حمر وبيض يعتمر قبعةوينفث دخان غليونه، بدا كملك أمام عرشه ، حلـّق حول غروره ولم يعترف بالسنين ولا بالشعيرات البيض التي غالبت صبغتها الداكنة، ولا بالأخاديد الغائرة المحفورة  والتجاعيد   التي عنت الصراخ بالزمن على وجهه المستدير.

 عجوز متشبب احتلّ مكاناً قريباً من اللوحة الثالثة، يبحث عن موهبة تستحق أن يُقال عنها إنها تعزف باللون. بعد تجواله وتطلّعه المتفحص أشعل غليونه مرة أخرى ووقف وقفة العارف المستمتع قرب طاولة متواضعة، أخذ قلماً مذهّباً وِضٍع في وسط دفتر الملاحظات المخصص لآراء الزوار ودوّن رأيه، قبل أن يهمّ بالخروج تقدّم الى الفنان (وليد سالم) وحيّـاه بانحناءة ثم أعطاه كارته الخاص قائلاً:

 

- أنا الصحفي ( ناصر الدواويني ) من صحيفة ( المستقبل ) .

 

ذات الرداء الأحمر، استقرّت عيون الجموع الزائرة باتجاهها، فوج العيون المعجبة يدفع بوليد للأمام، لقد انبهر الجميع بدمعة حائرة في عينيّ المرأة، استوقفه أحد المعجبين: إنها اكتمال النضج.

 اسمحلي أطرح عليك بعض الأسئلة إن أمكن .

 وليد: بكل سرور.

أسئلـــتي عن ســر الدمعة، أهي دمعة فرح أم حزن، لقاء أم وداع؟ أم مدينة لم تجد من يكتشفها؟

 

كلمات الرجل أعطت لروح وليد جناحين حلاّ وثاق قلبه المرتبك في لحظة عصيبة حرجة، ها هي حواء تحتلّ الصدارة، بهذا الحماس يقف متفرجاً أحياناً ومبتسماً ابتسامة المتفائل، ريشته ما عادت تسخر منه، قدرته في استيعاب اللمسة الأخيرة التي رسمتها بفطرتها سمراء اللوحة، رعشة النظرة المتوسلة بحبيب يجهل أضاميم باقات العشق، قولها له تعال وعش معي في كوني وهواي ، كل هذا يعني أن ريشته موج أناشيد من غزل ٍ، ترجمت صمتاً تعرّق في ملامح امرأة ذات جمال خاص، إنه صمت رباني يتهدّج داخل الروح.

 

نظرتها المحدّقة إلى المجهول كما لو أنها مغروسة بنار، خط ـّت كحلتها ريشةٌ صدّاحة على مسرح التكوين، حين يرى معجباً بمحبوبته الشقراء ، يرشفه لهب الجسد، هاجس الفوز يزيده توهّجاً، يزوّق تفاصيله شارحاً حالات انفعالاته ومعاناته ساعة متعة جنونية. جنون بلا حدود يملؤه بكلمة إطراء لصورة الشقراء.

 

لوحة البحر تدفأت بزرقتها، أطبق الموج أجفانه وصفا في هدأته، حين قال (غارسيا لوركا) مرة : (حتى البحر يموت)؛ لم يعرف أن وليداً أعطى جناحاً لكل رملة، وجعلها تحلـّق حول روح البحر كي لا يموت.

هي أيضاً توقفت طويلاً عند اللون الأحمر، وميّزت بين اللون الذي شربه القماش واللون الذي امتزج البارحة، امرأة في نهاية الأربعين، شعر متوسط الطول، قامة بين الطول والامتلاء، ترتدي ملابس محتشمة، تحمل بيدها حقيبة رمادية، تستخرج منها قلماً ودفتراً صغيراً تدوّن عليه ملاحظاتها بين الفينة والأخرى.

تخطو متباطئة، تصفو نظراتها، ثم تشوبها لحظة غموض، تنصت لمجادلات الزائرين .

ـ هذا الفنان لم يقلـّّد الطبيعة كما هي، بل جنّد الطبيعة كلها لمنطقه، ليصرخ من خلال الطبيعة ذاتها ولتسبق الزمن صرخته المدوّية، في حركة البحر من تلك الزاوية يصوّر انفعالاته، يجوز لنا تسمية لوحة البحر هذه لوحة رواسب أعماقه، أعماق الأستاذ وليد.

احتفظت برأيها الخاص، ولم تنخرط في الكلام معهما، كانت ترى ذات الرداء الأحمر كغصن تدلـّى من إطار.

حول وليد التفّ بعض الأصدقاء، استجابوا لدعوته بعد طول غياب واحتجاب عن الأنظار، صديق قديم قبّله على جبينه، عانقه بقوة وحرارة، تنافست ثلاث نساء على عزلة نجمة في سماء لوحة (الوجوه الأربعة).

قالت إحداهنّ :

- إنها تمثل حالة الفنان، سمعت أنه منزوٍ لا يخالط أحداً حتى أقرب أصدقائه إليه.

ردت عليها الأخرى : 

- عندما نعجز عن مواجهة الحقائق ننزوي مختبئين وراء لوحة أو قصيدة أو موقف بشجاعة كاذبة. ليس للفنان حق التقوقع على نفسه أويجلس في غرفته يعدّ على أصابعه سنين عمره، الفنان مَن تعايش وأعطى

  سمعهنّ عن بُعد، وابتسم في وجه السيدة بعد أن تبسّمت بدورها. رفع يده بالتحية المعهودة لديه، إذ يهزّ كفـّه ثلاث مرات متتالية معبّراً عن ودّه.

عاشقان يحتضنان بعضهما أثارا إنتباه الجميع، شاب إنجليزي وفتاة عربية، التفّ ساعده حول خصرها مداعباً وسطها، تمادت يده وامتدّت إلى مفرق الورك. ألصقت ظهرها ببطنه وصدره، وتابعا خطوهما الجذل بين تجمهر المعجبين وعدسات المصوّرين.

موعد للشوق مع الروح، لقاءات خارج البيت، خارج الترقّب، إلصاق جسدها بجسده أثار فضول العرب، خاصةً من لهم علاقة بأبيها. امتدّت يد الشاب داخل التنورة القصيرة، دنت من صورة ذات الرداء الأحمر، ارتجّ صدرها في قميص فضح الحلمتين. رقبتها السمراء امتدّت كجسر، فرّقت بين أصابعها المطليّة بصبغ لامع ومسّدت شعر الصورة.

شاركهما وليد نظرات الإعجاب، كان يبدو أحياناً على بلاهة وذهول، من أين جاء كل هؤلاء؟ عيناه تشوبهما لمعتان رمادينان، الإنهاك الشديد خطف بريقهما، بشرته مالت إلى الصفرة، فنان مهجور، غائر في جدب أيامه، ليس في حصيلته غير أيام طفولته العالقة بمخزون الذاكرة، إلى قربها نافذة معطـّلة بانتمائها الحزبي. الكلمات تحتاج اختراعاً وإعادة نظر في القواميس لتعيد إليه ما سُرق منه وما فاته من وقت.

العمرلا يُعدّ بالسنوات، بل باللحظات الفاعلة. في رائحة الزيت الممزوج بألوانه كان يشمّ رائحة أبيه (بائع النفط) مما كان يضطرّه أحياناً الى السير في طرقات مدينة الناصرية خلف أبيه، خارج براءة الطفولة ونعومة أظفارها، وقد امتلأت يداه بالنفط حتى يبستا وتقشّرت جلدتهما وخشنت.

 

طفل لم يبلغ العاشرة، تعلـّق بخضرة النخيل والأغاني الشجية، يرسم بأصابعه في استراحتة القصيرة كل الصور التي مرّت أمامه. ماء النهر يتركه ينام في مخيلته، يحفر بسبابته على تراب الأرض أعذاق النخيل، عربة أبيه، صورة الحمارة وهي تجـرّ العربة، ابنة الجيران  علية، كانت تحب البلح كثيراً لذا يرسمها وشمروخ بيدها.

 

انتقل إصبعه من التراب الى القلم، تأخر في دخوله المدرسة، الفقر يحول  دائماً دون تحقيق الرغبات إلا أنه يفجر الإبداع. أول صورة رسمها على سبّورة المدرسة لـ(عبد الكريم قاسم)، كان ذلك في الصف الرابع الابتدائي، ولبراعة الطفولة وقصر التجربة صفّق معلم الصف، وصفق التلاميذ معه.

 

يخلو إلى  لوحاته في غرفة  المرسم ، فيجد أنه يحدّث البياض. يترك الريشة من يده ويهيّئ نغمة بيضاء، وفي مساحة قماش أبيض يقرأ بداية لون جديد، كلما شاهد مكاناً أبيض رسم عليه، عادة اكتسبها في السادسة عشر من عمره، في أول يوم لتنظيمه في الحزب الشيوعي، تعلّم ملء جدران البيوت والدوائر بالشعارات، يخطّها بقلم الطباشير الملوّن.

حين اشتدّ عوده وقوي، أصبحت مناوبته في المساء، (سطل  بويَـه)، وفرشاة، بأحلام بيضاء، كما تعود حين يتجول ليلاً ليعدّ أعمدة النور في الشارع الرئيسي وفي الشوارع الفرعية لقياس المسافات والالتحام بهمس الذكورة. مراهقته ونضج شاربه هيّـآه لترقيع نعله بيديه.

قفز إلى خاطره هاجس مفاجئ، الفنان يخلـّد التأريخ،أم التاريخ هو الذي يخلـّد الفنان؟ فوجدهما يعملان على إستنزاف بعضهما!

 

على مرأى من الجميع قبّلت عشيقها متحدية تقاليدَ وقيماً تظنها متهرئة بالية. لا شك أنها تنتقم من أبيها الذي هجرها وأختها في حضن أم عزلاء، إحساسها بالجنس وممارسته في إحدى حدائق لندن فخاخ ناضجة. شاهد وليد من خلال ساقها جمال المرأة العربية وامتلاء فخذيها. كان هارباً ذات يوم من غول الوحدة ملتجئاً إلى الـ(هايد بارك)، بين الأعشاب رآها مبلـّلة بشبقها، جف العِـِرق العربي في وريده، وشعر به كعملة خاسرة، تذكر القضبان وكم كفن مرّ على حديده وكم لحد غرق فيه ور أبيض.

وقتها أغمض عينيه واستلّ ورقة من جيبه وقلماً، وراح يرسم على مساحة الورقة الصغيرة رجلاً مبتور الأطراف راقداً قرب شجرة في الـ(هايد بارك)، لسعه لسان الإنجليزي وهو يتلمّظ حول شفتين غليظتين، استرجع الشهية الأنثوية، شوك عذب، وخز لذيذ يصعد بين فخذيه.. صعد السطح، ببطء رفع رأسه من جدار السطح، شاهد (علية) نائمة، ملتحفة شرشفاً أبيض من رأسها حتى أخمص قدميها.

 

أعاده ضوء الكاميرات إلى واقعه، شمّ رائحة فحيح يملأ المكان، عاد لرفقة الصمت. اهتزّت الرؤوس طرباً لسماع صوت أغنية عراقية رغب أن ترافق زمن العرض.. (أنا وخلـّي تسامرنه وحكينه ).. اهتزّ هو أيضاً، اقترب من ذاته وتجمّع ماء النهر على شكل أقواس يلامس أرضه، لام غفلته على تواطئها مع الزمن، ارتجفت يده اليمنى ورعش شيء تحت قميصه وصوّبه نحو القلب، شمّ رائحة تعفـّن يده اليسرى.

 

في وقت تعفـّنت فيه أعمدة الضوء التي مازال يتذكر سيرها خلفه ترسل شعاع نورها على كتفيه، تراقص أنغاماً خاطئة على فوانيس الطرقات، و تسكّعِ النغم ِِ الخاطئ في كل أحياء بغداد، وأصبح كومة مزبلة تجول في شوارع العراق. المزبلة ذاتها أرسلت طبيبها لبتر يده اليسرى بعد أن اهترأت وتمزّقت حدّ التعفـّن، في زنزانته الضيقة التي بالكاد كان يرفع رأسه فيها.

 

إرتفاع الزنزانة لم يكد يصل حدّ رأس رجل قزم، وفي التعذيب الجماعي كان يستردّ قوته من الآخرين، من إنهاكهم وتهشّم أضلاعهم.   لكن في التعذيب الانفرادي، وهو معصوب العينين وموثق اليدين والقدمين، كانت تمتدّ عصا غليظة بين الوثاق، فتبرز عقيرته على شكل كرة لحمية عارية، تسيل الدماء من دبره، يسحّ الشحم فوق دمه بعد تمزّق الأحشاء. بقي ثلاثة أيام غائباً عن الوعي، وحين استرد وعيه زعق زعقة هزّت أركان السجن. تحركت الأصفاد وتقلـّبت بتقلـّبه، فرح شرطي جاء إثر زعقته، لمظ لسانه وهو يتابع وليداً الفزِع في السواد والزرقة والتورّم وتفحّم أصابع يسراه بعد اقتلاع الأظافير منها.

قرار الطبيب البتر، عطيّةٌ من عطايا القائد في الإبقاء على جسده حياً واستئصال ما تعفـّن منه.

 

على حذر، دخل وفد صغير من ثلاث نسوة وأربعة رجال. رصانة إنجليزية، ابتسامات هادئة، هزّ رؤوس هادئ، يستطيع أن يكوّن فكرة عن منبعهم الثقافي من خلال ارتفاع الياقات البيضاء وانخفاضها، كم حلُم أن يرى الوفد الصغير هذا يهزّ ياقاته إعجاباً أمام إحدى لوحاته في (المعرض الوطني) في العاصمة لندن.

رجلٌ صامت غارق في حفرة دون ماء، عاد له الماء ثانية وتلمّس أرضه، عرِقَ، غاب، سكنَ، بينما الرجل الذي دخل معه ساعة تغليف اللوحة ظلّ طوال الوقت بسؤاله الحائر على شفتيه، يقف صامتاً مستغرقاً في صمته كلما شاهد زائراً جديداً شدّته ذات الرداء الأحمر.     ابتهج لاقتراب السيدة اليه واختراقها توحّده بدمعة حيّرت الحاضرين، وهو يرتشف نظرتها حادثته السيدة:

ـ بلغ الفنان أوج اللذة حين تسرّب اليه دفء الجسد البضّ، حالة زنبقية بين أنثى وريشة وإيقاع لون وخبز احتواء ثم استطردت:

- هل سبق لكَ أن مشيت حافياً كي لا توقظ امرأة نائمة؟

تفاجأ لسؤالها، عدّل ربطة عنقه، بلع ريقه، تبيّن له أنها من النمط الذي يحب أن يتثاقف أمام المثقفين، كوّن فكرته هذه بسبب صديقة له تزوره، تسمع أقواله وأحاديثه عن الثقافة وتضيف عليها فرادتها بمعلومة تتباهى بها أمام نساء عقيمات مثلها، ومما يضحك في الأمر، أنها تُعيد على مسامعه الحديث ذاته، لكن بشكل آخر، تخلط بين الجهل وما تدلي به على أنه فكرتها أو رأيها. لكن بعد لحظات من تبادل الحديث تيقّن أنها من الشكل الآخر، ذات خلفية ثقافية وجرأة في طرح الرأي والموقف.

سؤال جديد صدر منها أزاح عنه غمّ صديقته الرعناء:

-اليست المرأة أسطورة حين تتزعم الفنون؟.

واصلت حديثها دون أن تنتظر الجواب:

- يجب أن يسجّل الجمال قبل أن يذبل تحت وطأة السنين، فليس أقدر من ريشة الفنان على تحدّي الزمن. انظر، انظر لذات الرداء الأحمر، خرساء ناطقة تتحدى الفناء. لم تدرِ (فيكتورين مورنييه) عن دورها الإنساني حين وقفت عارية أمام الفنان، إنه التعرّي الذي يصنع  الجمال ويسمونه بالغرائز. لو رأت (الموناليزا) الطوابير المتوافدة على متحف (اللوفر) لما اتسعت الدنيا لفرحتها.

أجابها مشدوداً لحديثها : جذوة الريشة التي يشعّ منها النور لا تنطفئ.

 

إنسجاماً مع حديثهما الشائق، بدّد وليد صمته وشارك في الاستماع والحديث، أجاب دون أن يسأله أحدهم:

- وبقينا نرسم بيد واحدة.

ليس من المصادفة أن ينقاد المبدعون الى بعضهم، انتعشت الأحاديث بفيض ثقافي، وفيض المطّلع تقلقه حيرة عن قيم موروثة وقيم يحاول أن يتعايش معها.

 قالت: لقد أثبتت الروائع الفنّية أن وراءها مجهولين احترقوا من أجل أن يتوحّد الجمال.

كانت واثقة من نفسها، تطرح آراء ذات قيمة حين واجهته:

- سيد وليد، هل بمقدور الفنان العربى أن يتخذ من زوجته موديلاً؟ أم سيبقي حصراً لانفعالاته المؤقتة؟ محاطاً بهالة من التبجيل الذكوري؟.

أجابها وعيناه على أول زائر: المعادلة صعبة يا..

ـ اسمي راوية.

ـ تشرفنا سيدة راوية. مازلنا بين الشدّ والجذب، ومازلنا في مرحلة بتر الأطراف. نحن بحاجة ماسّة للتخلـّص من تراكمات كثيرة، ومازال حاضرنا يضيف تراكماته حتى صرنا رتل تراكمات أقرب الى الرنين.. أنا مثلاً خير مثال.. (صمت).. معذرة هناك زائر جديد.

 

شعرتْ بحراجة الوقت وورطتها مع رجل معتدّ بذاته، رغم أنـََفـَته كان يدور حول نفسه متوسلاً أنثاه أن تخرج من إطارها. ابتلعت راوية وقارها، وتحرّشت به:

ـ كلانا له شيء يفتقده، غنوة، صديق، حبيبة، امرأة نطاردها مثلاً.

بكلمة امرأة اختصرت عليه الطريق، أجابها:

ـ أنا أنشد امرأة تملك هذا الحذاء. (مدّ يده في كيس يحمله طوال الوقت، واستخرج حذاء).. حذاء أدفع عمري من أجله.

ضحكت راوية، وراحت تخاطبه بلغة مأزومة، لتُكمل حول ما يدفع عمره كله من أجله:

ـ ندفع عمرنا من أجل حذاء، ومن أجل حذاء دفع أجمل شباب بلدنا أعمارهم، كما دفعتها أنا من قضيتي.. إرمِ الحذاء عنك، صاحبته لن تعود.

كاد أن يقفز عليها ويحتضنها.. نسى أنه في مكان عام، صاح بأعلى صوته:

ـ هل تعرفينها؟ وضغط على ذراعيها.

ـ عيناء.. وكلّ الحياة التي تدور حولنا، زخارف على السطور.

 

أربعة كراسي متفرقة تأخذ أركاناً متباعدة، جرّته من يده، جلست على أحد الكراسي وطلبت منه إحضار كرسي له.

-أنت يامحمود مشحون بالذكريات .

 قاطعها: وتعرفين اسمي أيضاً؟

ـ أجل.. وأراك الآن تريد مزيداً من الإيضاح.

لم تدعه يجيب بنعم، تابعت حديثها:

ـ أنا أيضاً مشحونة بالذكريات.. أكشط عن أوراقي كلمات قديمة، وأكتب ذكريات أحبّ اليّ من كل أحبار الحروف وأقرب الى نفسي، أبدأ من كلمة كنتُ..

- كنتُ في ميوع الزهرة، أحب الجميل في أحلى الأشياء، في الناي، في الربابة، أعشق الناي حدّ الجنون، فالناي صوت نفَس العازف، ألمه المباشر، لا يمرّ على وتر ويقرع طبلاً.. أحب المطر، منذ الطفولة وأنا عاشقة للمطر، وكانت عيني أوسع من واقعها، ومن أجل الجمال قيّدتُ العماء بربطة عنقه، أطلقت عصفوراً كتبت على جناحيه وصاياي، وقرأت في لوحي عن حسناء لم يتعرّف عليها حلمها ، ولم تمتطِ نجمة في سماء الخيال ،سمعتُ من جدّتي عن مصباح علاء الدين، فصرتُ مصباح نفسي، أسند جداري على جداري، وأتخذ لي موقعاً في الحياة. تمرّدت على سماء الشرق الرصاصية وعلى حواجز تمنع توهّجي، أصغيت لصوت الإنسان بداخلي، وقطّعت خرقة أسمال بالية التصقت بي.

تبنّيت فكرة النهوض من العتمة حين ناشدت نوافذ جديدة، حساباتي كانت في الموقع الخاطئ أو بالأحرى لم يتركونا نحسبها بشكل صحيح، مثلما لم يتركوا لنا أصواتنا. تصوّر.. أنا الآن أزعج صوتي وأقول له؛ تحمّلني أيها الأبله، بلا منطق أتمنطق.

  فوجئتْ به يروي آلاف السنين في نظراته، استمرّ يتطلـّع في وجهها لخمس دقائق كزمن، فيلسوف يستطلع ما وراء نظرة سيدة قلـّما يجد مثلها بين نساء مررن بحياته، في نظرته لها شهوانية غريبة، اضطربت لرجولة لمعت في عينيه. شمّت رائحة أنوثة فيها أرجعتها الى فخ القـُبلة الأولى ساعة هروبها من المدرسة بأمنياتها البسيطة وتنورتها الزرقاء. جرّت قميصها الأبيض الى الداخل ليبدو أكثر التصاقاً بجسدها ويبرز نهديها الصغيرين، كانت الشمس شيطانة والأرض يؤلمها حفيف الأشجار، بذات الحفيف اهتزّت وتعرّفت على إله غريق بين الشفة والشفة، بقبلة كانت لها.

 

دارت نصف استدارة تقيس مساحة الفراغ الذي يباعد بين الفتاة وحبيبها، لم تجدهما، غادرا القاعة وتركا رغبتهما محبوسة في شفاه الرجال.

بحلول وقت الغداء، تناقص عدد الحضور، اعتبر وليد أنّ الزمام بيده وأن أمامه فرصة للتعرف أكثر على السيدة راوية، سحب بدوره كرسياً ثالثاً وقابلهما في جلسته، ثم وجّه سؤالاً للسيدة:

ـ أي لوحة أعجبتك؟ يهمنى رأيك.

أجابت: لوحة البحر، ولوحة المرأتان.

استذكر شيئاً طارئاً:

ـ أنها اللوحة الوحيدة دون اسم، ألم يطلق عليها الجميع اسمَ لوحة الرداء الأحمر؟،

لم يجبها منظـّراً جواباً لسؤالها، حين تابعت:

ـ المهم أنتَ أولاً، أنتَ خالقها وخالق اسمها.

قالت ذلك، وحرّكت يديها ارتباكاً.

شاركها ارتباكها:

ـ  بصراحة، لم يسعفني الوقت. لقد جئتُ بها صباحاً، وسأنقش عليها إسم تناغم.

تدخّل محمود: أي  تناغم تقصد؟،. إنهما امرأتان مختلفتان كليّـاً.

ـ عفوك سيدي، قلتَ لي إنّ اسمك محمود، أم أنا مخطئ؟.

ـ لا.. لستَ مخطئاً.

ـ أقصد تناغم الثوب الأزرق مع الشعر الأشقر، كيف ينسجم اللونان ويتناغمان مع جسد رشيق.

ـ اعذر لي جرأتي أخ وليد، أنت فنان، والفنان مرهف الحس،  لكني أجدك لا تدرك بهجة دمعة مشبّعة بالملح وحارقة ومتورمة بالحزن، إنها عصارة ألم وفرح وحزن ولقاء ووداع.. أم لم تلحظ دمعة السمراء؟ والانسجام الذي تحدثت عنه أراه في انسياب الشعر الأسود المتماوج على المنكبين  .. أنتَ رسمتَ دواخل نفسك.

ـ ما هو الاسم الذي يليق بها في رأيكٍ..؟ سيدتي راوية..؟؟.

ـ أفضل أن تظل اللوحة بلا اسم.. أو لربما سأجد ابناً من أبنائي على ورق لستَ فيه، يكون أكثر التحاماً بدمعة محيّرة، يطلق عليها اسمها القادم.

عقد حاجبيه تساؤلاً واستغراباً:

ـ أ تقصدين أننا حبرٌ على ورق؟.

ـ بل مجرد صور تعبر في مرآة الحياة (أشارت الى ذاتها والى الجميع) نعم: إننا حبر على ورق، ولا حبر ولا ورق.

ـ أهذا لغز؟

ـ سمّهِ ما تشاء.

قال وليد: لغزي الأول رسمته في الصف الرابع الابتدائي، صورة لعبد الكريم قاسم، وصفّق الصف كله لوليد فنان المستقبل. تحدثت معه كثيراً، لم يسمعنى رغم كبر أذنيه. وآخر الصور كانت لمومس نصف عارية، نصف يعرض بضاعته ونصف تغطى بأخطائه، لا تكتمل الرجولة إلا بالجنس.

قالت السيدة: لستَ وحدك من يكمله الجنس.

واستدارت تقول لمحمود: لي صديق شاعر، يقولب طاقاته الجنسية الى  نتاج فني، يكتب بالتماع الرغبة، إنه لا يختلف عن أي شاعرجاهلي. انظر يا سيد محمود، لقد رسم وليد امرأة أخرى عارية تماماً، لولا الشال الذي اختنق بين نهديها، وارتخت أطرافه على أسفل البطن :

-هل أنت الشال يا وليد؟.

انقطع الحديث فجأة ،  حين انتبهوا الى رجل فارع الطول، عرفوا من هيئته وملابسه أنه من أصحاب الأموال. فتح زراً بجيب سترته الداخلي، استخرج دفتر صكوكه ملتزماً بأدب الارستقراطيين، انحنى باتجاه وليد مستفسراً عن ثمن لوحة أشار اليها.

تلعثم وليد بردّه: عذرك، هذه ليست للبيع. إن رغبتَ بصور النساء العاريات، فأرشّح لك لوحة (عبث الحرير).

لم يرق الجواب للرجل، وبكلمات معدودة ولباقة شكر وليداً، واستدار ليتفحّص عبث الحرير. على مدى وقفة امتدت ربع ساعة أمام جسد عارٍ لامرأة تكشف عن مفاتنها ، عاد الى وليد ثانية، نفث نفثة طويلة من سيجاره تغلـّب بها على صمته؛ بادر بوضع الثمن وهو يردّد:

ـ ثلاثة آلاف جنيه، أهذا يكفي؟.

أجرٌ ليس له نظير بالنسبة لوليد، ها هو يقبض أجر سهره وتعبه، سعر لم يحلم به، وافق على الفور. عندها وقّع الرجل الثري صكاً، وقدّمه اليه قائلاً:

ـ سآتي لأخذها بعد أسبوع.

لحق به وليد مسرعاً، حين لاحظه يهمّ بالخروج:

ـ سيدي العرض ليوم واحد، اليوم فقط، أعطني العنوان وسأوصلها بنفسي.

ـ لا داعي، سآتي لأخذها غداً، شكراً.

رجع الى جلسائه منتشياً، ومتفاخراً بالرجل الذي لا يعرفه:

ـ إنّ شخصاً مثل صاحبنا على درجة من العلم والفن كان خليقاً بلوحة أدمت أصابعي، يا سيدة راوية.. اضطراب أعصابي تجدينه في كل جزء منها.

ـ هذا يعني أن اللون الأحمر هو لون أعصابك على ثوب عيناء.

ـ مَن  عيناء؛؟،.

أجابت: أقصد ذات الرداء الأحمر.

ـ لوحتى هذه هي روحي، عليها استعرضت كل حياتي، أتظنين أنها مجرد لوحة؟. الحب في لوحات العشاق رسالة للعاشقين.

أجابته متبرّمة: رسمت امرأة واحدة أحببتها، وتقول دمى واضطراب أعصابي، ماذا لو أحببتَ سبع نساء مثل بيكاسو بأفكاره المتمردة والمتطرفة، هل تتطاير أعصابك بالمقلوب وأكملت: في حياة كل فنان امرأة واحدة وعدة عشيقات، امرأة هي حياته، لتكن ما تكون وإن صورة وهمية من بنات أفكاره. المهم بَصمَتها في روحه، وروحه في إطار.

قال لها: من خلال العشق نتمرّد، نصلـّي ونعصي، نُجلد، ونفقد أعضاءنا.. ولكل عصيان ثمن.

- إسمعي سيدتي، هناك شيء ضائع نبحث عنه، ربما ضوء في أصواتنا لم ندركه، أو نظرة عاشق.  ثم وقف منشداً مداخلة طويلة عن الفنان والعشاق والعشق من أول نظرة. ولكن قطع حديثه عندما بدأ زوار جدد يتوافدون، بينما راوية عمدت الى كتابة جملة خطرت ببالها. أرجعت دفترها الصغير الى الحقيبة، ودنت من وليد هامسة:

ـ يدك قطعها الالتزام.

ـ بل من أجل الحرية سيدتي، أنت على خطأ.

قالت: كيف لأصحاب الارتباط بحزب أن يطالبوا بالحرية للأخرين وارتباطهم عبودية، اليست شيوعيتك عبودية؟.

سألها: مَن قال لك إني شيوعي؟

 

نزفت السنون في صدره وارتاب مما تعرفه عنه سيدة تعرّف عليها قبل قليل، سيطرت عليه فكرة جاسوسيتها، ماذا لو كانت من عيون السلطة السابقة، أبعد الشكوك عنه، رفع حاجبيه قليلا، ثم وإن كانت من أعوانهم، لقد انقلبت الدنيا عليهم وتحرّرنا من موتنا. لن يستولي علينا الخوف بعد الآن.

 

تزاحمت الأفكار عليه، برز حائط السجن المحفور بأظافر قاطنيه، سمع طقطقة براميل النفط، شمّ رائحة دشداشة أبيه، سمع صوت عراك أمه وهي تتوسط الحوش، تصبّ الماء الساخن في طست وتدلق عليه الصابون وترطن:  (إي يمته يريحني ربى من الضيم، إيديـّه ورمت من غسل النفط). تراءى له الموت الكامل والعظام الناتئة بعد سلخ الجلد وتهدّله، السلك الكهربائي حُني وأدخلوه عورته، طوّقه بالألم والعجز.

 

منذ أن وطأت قدماه أرض لندن لم يذق طعم النساء، رجعت الى مخيلته صور الشبابيك المتسخة بفضلات الذباب، الكلاب السائبة الملتصق جلدها على عظمها ، الاستعطاء في الشوارع، ممرات ضيقة متعرّجة وراح يسال نفسه بهدوء من يخاف الرقيب:- هل نحتاج أربعاً وثلاثين سنة من الانتظار لتخلصنا أمريكا من حزب ظالم ومن طواغيته الزناة؟

 

على مقربة من محمود مشت راوية، ذكرت له أسماء ولحظات ومواعيد لم يذكرها أمام أحد، مكالماته الهاتفية، ثلـّة السكر والعربدة، حبّه لفتاة لا يعرف عنها شيئاً يركض خلفها بحذاء لا يعرف كيف يتعامل معه، عمله في جريدة صاحبها كان من أقرب المقربين لـ(عدي بن صدام) وصراعه مع نفسه بين القبول والرضى، مصداقية علاقات السكر والنساء، أنّى لها أن تخترق صدره؟

عقب علاقته الأولى بفتاة في التاسعة عشر، حيث عاملها كطفلة في بادئ الأمر، خبث التعامل مع براءة لم تزل بكراً، النيران الداخلــة والخارجــة من شفتيــه. قبـــلاته الحارة، وعده لها بالزواج، شراؤه خاتم الخطــوبة، رغبته كأستاذ متمرّس في صيد الفريسة، وجهها المغمور بعرق صدره، يداها المتشابكتان حوله، سكونها المضطرب بالالتصاق الأول، تورّم الثديين إثر لمسة غزلية.

كل هذا أظهرت السيدة معرفته، هل كانت معه؟ أ بوسعها اختراق الجدران؟،. هل كانت ترتدي طاقية الإخفاء، هل شاهدت عريه على السرير ؟،.

لا بدّ أن يعرف، كما لا بدّ أن يكون يقظاً. حتى المخابرات العراقية التي تعرف عدد شعرات إبطه، ليست كمثل السيدة راوية.

طلبت منه راوية أن يسأل وليداً عن آخر ساعة للمعرض، وعـّلّقت:        -أعتقد أنه سيقول لك الساعة السابعة والنصف.

ـ مادمت تعرفين الموعد لمَ تطلبين مني سؤاله؟.

واستمرّ يسألها: أختي اسمحي لي، أنت شرطي متنقل؟ لكن شرطي مثقف، هذا ما لم نتعوّد؟؟!!

ضحكت حتى كادت ضحكتها العالية أن تخرجها عن وقارها، ربما سيستنتج الحقيقة. مرّت على أسماء العراقيين الذين تعرّف عليهم في لندن، نساء ساقطات عاشرهن، سماسرة مغاربة في ساحة الطرف الأغر (ترافغلر سكوير)، مشاعره، كيف توصّلت لمشاعره؟. ذكّرته بكلمة سمعها من لاجئ عراقي ذات يوم، يوم سُرقت من جيبه محفظة نقوده ،حيث عبـّرعن استيائه وهو يتفحص أوراقاً مهمّة وضعها في الجيب الخلفي لبنطاله، سنوات من عمره في الغربة سُرقت منه، جواز سفره، بطاقة التأمين وتذكرة سنوية اشتراها للتنقل.

رأى رجلاً قادماً ممسكاً بيد شاب في السابعة عشرة من العمر:

ـ لقد أوقعت به سيدي، شاهدته وقت سرقك، راقبت وقفته، لم يرني وأنا أتابع حركاته، ها هو خذه وقدّمه للبوليس.

توسّل اليهما الصبي بعربية كردية:

 

- (أنا ابنكم، عراقي من الشمال، لا تنطوني للإنجليز).

 

أشفق عليه محمود، وطلب منه أن يسلـّمه ما سرقه. أفرغ جيوبه، وجد ثلاث ساعات نسائية، وسلسلة ذهبية.

 

ـ( عمّي خذهن كلهن.)

 

ـ سآخذ خاصتي، والله يعوّض أصحاب الساعات والسلسلة. 

 

ـ (ممنونك عمي  والله بعد ماأسويها تبت على إيديك).

 

 

كان محمود يحاول التخلص من لوم نفسه على سهوتها، وكان الشاب خائفاً يبكي ويطلب المعذرة والسماح، و محمود يرد عليه:

ـ لا عليك لست المخطئ، إنه خطأ الأوطان .

 

(ضحك وقتها على الذين يكتبون عن الأوطان) واستمرّ قائلاً:

 

- ونضيع نحن في الخطأ.

 

ـ الصمت راحة بال اليس كذلك سيدة راوية..؟.

سألها وصمت، ثم استطرد قائلاً:

- هل أنت (مُخاوية)..؟؟.

 

ـ لم أفهم.

 

ـ يعني هل عندك جنّي ينقل لك أخبارى؟ حتى كلمة الرجل الذي قبض على اللص حفظتِها؛

لم تجب على سؤاله، بل راحت تشير بإصبعها إشارة استخفاف تعقيبا على قوله عن الذين يكتبون عن الأوطان:

- الوطن كالسرير، كلما اهتزّ أكثر لملمك في حضنه، بشرط أن تمحو من جبينك كلمة شرف.

اكتشف دموعاً حبيسة في عينيه وهو يجيب السيدة :

- والله يا سيدة راوية لطالما تمنيت لوطني أن يرحل من هذا الوطن قبل أن يصبح قشرة بصل.

 

ـ للأسف الشديد. (متعجلا)

 

ـ للأسف أصبحنا قشرة بصل.

 

شعر بضيق أصابها، لم يلتحق بها وهي تنزوي على كرسي في زاوية بعيدة من المعرض. رأت من مكان جلوسها وليداً يشرب قهوته ببرود، تذكرت برود صديقة لها أمام ما كان يجري من أحداث، جملة وحيدة كانت ترددها:

 

ـ (المهم آنه آكل واشرب، ومستورة الحمد لله والشكر).

 

كانت تلح عليها لارتداء الحجاب، وتذكرها يومياً بعقاب القبر وعقاب الآخرة، وحساب الله على كل شعرة مكشوفة من شعر رأسها. كانت تجاملها وتصمت، إلا أن الكيل طفح بها، فزعقت في وجهها:

ـ الدين علاقة خاصة بين الفرد والله، ليس الدين شَعراً يُستَر أو مسبحة أو سجادة. الدين انتصار العفة على الرذيلة، انتصار الحياة على الضعف، الفضيلة على السجادة.

ولطالما كانت تتهمها بالشيوعية، وتعتقد أن الذي لا يمارس طقوس الدين هو شيوعي.

 

الذي أرجعها لصديقتها القديمة وجود شابة في مقتبل العمر قربها، ترتدي بنطالاً من الجينز الأزرق وبلوزاً من القطن بلون بنّي، تدلـّى صليب فضي على رقبتها ، كانت مثالاً في الحشمة واحترام الذات، والآخر.

بحبها للفن تمايلت على صوت وحيدة خليل (نزهة والبدر شاهد علينه، والعذيبي تنسّم)، ومن كلمة مرحبا، عرفت راوية أنها من مدينة الموصل، أما الشابة، فالمصحف الصغير في رقبة راوية جعلها تتطفل وتسألها متقرّبة في فضول شبابي:

ـ من أين حضرتك؟.

أجابتها السيدة مبتسمة:

ـ أنا من البصرة، وأنتِ من الموصل، هذا واضح من لهجتك.كم سنة لك في لندن؟.

ـ (أنا جئت مع أبي وقت كان عمري سبع سنين، أنتِ مسلمة ما هاكذ؟)

ـ نعم،مسلمة.

ـ (الإســلام عنيف، واحنــا دينـّه   يعلمنا المحبي والسلام ، يمكن إنتي هم ماغشيمي عن  ديننا أشقلتي  بالله؟؟) 

أجابتها السيدة راوية:

ـ نعم لكن كل دين يختار لنفسه طريقة تقرّبه من الله وطريقة حسابه وعقابه، ومثلما لكل دين حسناته فلكل دين أخطاؤه.

ـ ( لا ما هاكذ، لما غحتُو للكنيسة، وكنتو بوقته كلش زغيري، ما سمعتُونو للقس يقول يسّوع على خطأ، ليش انتم أشكان يقلكم السيّد؟.)

ـ يا بنتي هذا حوار عقيم، استمتعي بالمعرض، هذا المكان لا يتحمل حواراً بالدين، تفضلي خذي راحتك.

 

بين الفينة والأخرى تتابع انفعالات وحيد ومحمود، امرأة تحب رجلاً لا يحبها ورجل تثيره امرأة لا تحبه، ومن أجل إثارة الصورة النهائية لرجلين يغيبان حول جملة فارغة. ليت وليداً يعرف كيف استوطن في قلب عيناء، وليت عيناء تشعر بوجودها في قلب محمود.

  الزمن يثأر من محمود على تصرفه مع (لبنى) التي تعلـّقت به حدّ العبادة، واعتبرته ملاذها وحضنها.. لكنه تركها تلوك أيامها بعد أن نال منها ما يريد، بينما الأغاني التي يؤلفها الرجال تُبرز إضافة لجمال الإناث خياناتهن وألاعيبهن، حتى ضاعت مفاهيم الخيانة ابتداءً من الجسد وانتهاء بالوطن.. لم نعد نعرف تنقل الرجل من امرأة الى أخرى أهو أحقية له وحده منحتها له رجولته أم هي طبيعة البشر؟. كيف لامرأة قدرة على هوى عدة رجال في آنٍ واحد، أتُجمَع الرجال وتكدَّسهم كتكديس المجوهرات؟ آدم وقت خالف ربه هل أراد أن يصبح خير مثال لبني جنسه؟ أم كان يدافع عن حقه في الحرية؟ وتعدّدت الحريات والزنا واحد.

 

جلست تعاقب وتحاسب الرجال، وهي تنتظر قيامةً وانطباق الجدران على الجدران، يوم نشور الكلمة، رنت بمسامعها أصوات المومسات في رواية تولستوي ( الانبعاث ) ، وكشاعرة وروائية كانت تسمع أصوات الكلمات والفضاء العام للمباني والإهانة التي تتعرض لها البغي على يد الشرطة للحصول على بطاقة رخصة البغاء، عدالة عرجاء تحبك التدمير.

 

في غمرة الكآبة والقرف ودونية المجتمع ومومسية المخابرات في تجنيدها لنساء مومسات وإعطائهن شرف الدفاع عن الأرض والدولة، علاقة الرئيس بالمبغى العام، السمسار لمومسية الحروب يرشد ضحالته للوحل الكبير والمبغى العام، الابن اللاشرعي للخطيئة الكونية التأريخ..   عذرت الحروب الخاوية وعلامات التذكير والتأنيث في اللغة، وعذرت لوليد براعته في تجسيد إرثه على قماش الكنفز، ركضه ولهاث فحولته ساعات وساعات يملأ بياضاً لم يتعوده على لوحة الحياة، بعصارة التكوين الهش لعشق شقرائه

  كان يقبـّلها قبل أن تكتمل في يديه، يقبـّلها حين يبدأ وحين يكل، كيفية تسليط الضوء، كيفية تسليط العتمة، اختلاط الضوء بالعتمة على ثوبها الأصفر؛ بينما أنين امرأة من تكوينه عشقته من اللمسة الأولى من النقطة الصفر، شكوكها وتودّدها، ثورتها وانتظارها، غضبها الصامت وصمتها الغضوب، الاحتياطي من الصبر الذي استنفدته في خلق أعذار لخطيئته، قهوته الباردة، سيجارته بنصف احتراقها ، أصابعه المصفرّة من الدخان والتبغ، رائحة عرقه، انهياره، سكره، عربدته، الأعتدة الفاشلة لمن خانهم المبغى العام، القصائد التي يتلوها، أسماء الرسامين والأدباء..

حفظتهم من خلال أنفاسه اللاهثة والمتقطعة والخافتة ساعة اندماجه باللاوعي الفني، استعادته لوعيه، نومه، صحوته، خروجه من دورته الدموية في مدحه شقراء ذات قلب عاقر لا ينجب حباً كحبها.. حفظت معه أسماء الفائزين بجائزة  نوبل، وتساؤلها لخيبتها، أما كان الأجدر للجنة التحكيم أن تمنحها الجائزة، اشتداد الحزن والتصاقه في قلبها، في أي وقت من أوقات تغزله بعشقه الوحيد.

كان يسمعها قرآنه، يتلو آيته الوحيدة، هو لم يؤمن بالتوحيد ولم يعرف الله، لم يعرف غير لوثته بعشق يشرب عصير دمه. وقفته مبهوراً بفضائل الجمال والطيبة لشقرائه عليه، حيثما يذهب وحيثما يعود يُسمعها آيته؛

ـ الله يا شقرائي.. أدفع عمري كله، مالى، سعادتي، رضاي وزعلي، نومي ويقظتي من أجل نظرة رضا من عينيك..

كم شكرتْ السجن ورجال التعذيب على إخصائه وإلاّ لحمّـل الرجولة عذاباً كعذابها، الصرخة لا تخرج إلا من أعماق المخذول، ولكن ليس المخذول برجولته.

تمنّت أن تفوز بجائزة نوبل للقهر لتتبرع بها للقلوب المخذولة، ولتطرق أبواب البيوت المغلقة على نسائها وتفحتها بيتاً بيتاً.. وأعطت نساءها حصةً من فوز ألمها، ابتسامته لها من وراء قدح الخمر، قبولها بفراغ كأسه واحتساؤها ثمالة الحب، تجاهله رعشتها وهو يضع لمساته على رقبتها، شراعها المنعطف نحوه، مسحه حافة قدحه بعد فراغه، شعورها بالضآلة في تلاوته عليها آيته الوحيدة، طرحها أسئلة دون أن تجد جواباً من صمتها:

ـ لماذا رسمنى في لوحته؟.

تبهجها أية كلمة منه ، لكن تصرفاته تقتلها باليوم عشر مرات لعله يوقول في سره كيف تريدين موتك؟.

يطاردها خياله حتى حين يغلق نور الغرفة ويترك الألوان مبعثرة على الأرض، لتحلم به وتتمنى أن تكون حقيقة وليست صورة، هو من رسمها، هو من جعلها ممتلئة وصبغ شعرها بالسواد كما صبغ قلبها، هو خالقها وخالق مفاتنها، هو خطؤها إذن، وهو ذنبها وغفرانها.

 

وضعت راوية رجْلاً على رجْل هاربة من تفاصيل تعتبرها كشرارة الجذع المحترق، سمعت عجوز بقبعة حمراء وطقم أحمر فالتفتت اليها وقت رددت: ما أعمق هذه النظرة.

 

ـ الله يا عيناء.. حتى الآن لم يتعرّف على دمعتك التي لم يسعفك الوقت لمَسحها ساعة رجوعك المرسم، ها هو يفرح بفوزه متوهماً أنه حبا كطفل الى عينيك وجسّد نظرة إعتراها الألم. أنت صاحبة الفوز.   جائزة المعرض وإعجاب الوافدين أنت مَن يستحقهما، لا هو ولا صديقته القديمة  سما، التي جاهدت للتقرّب منه كامرأة ورجل ولم يصل جهدها الى جدواه. كل ما فعلته بعد مهاتفته لها بدعوتها حضور معرضه، هو اتصالها بأصدقاء لها يعملون بالصحافة.

ها هو يقف مطمئناً هادئ النفس، يستلم من الجيوب المنتفخة ثمن فنّـه وثمن تزييف الواقع المادي، دمى آدمية، وزبائن تشترى نظرات تطلـّعت باتجاه واحد وجمدت إرضاءً لثرائهم، بؤرة رخام تبتلع كل شيء حتى غرور عادل في هذه اللحظة.

 

في الضفة الأخرى قرأت راوية في مفكرة حياتها أول يوم لها في امتلاكها ذاتها واستردادها بعضاً من آدميتها، وهي تطأ أرض لندن، استعادتها لأنفاسها النقية، خوفها من أيام تجهل كيف سترتب لها المشهد القادم وتخطط لها حياتها القادمة، احتياجها لقلب بعد أن طردها قلبها، احتياجها للمسة حنان حقيقية.

 

على مرمى من الخديعة، من حرية لم تتحرر من صدور أصحابها، تعرفت على شوارع المدينة، على الوجوه العربية والآسيوية، على العيون الزرق والقوام الرشيق، على العجائز الأنيقات، والعجائز البدينات.. على الفرح المعلب، القهر المستورد والتلف المعبأ بالقناني العربية في واجهات محلات  أجورد رود، على الجميلات بتنوراتهن القصيرة وكعوبهن العالية.

سيقان عارية، وسيقان ملتحفة بعباءات سود، وجوه سمراء بمساحيق وعدسات لاصقة، عرب، كرد، هنود، أفارقة، إيرانيون، طقوس عزاء حسينية في الـ(هايد بارك)، رجال الشرطة المحيطة بالموكب حماية له، رائحة النفط في (أجورد رود)؛ تمنطق خارطة ثرائها بشرب الشيشة في المقاهي، رشوة للوقت، رشوة للمطر ولهواء عذب.

 

على الضفة التائهة نفسها التقت بعيناء، وقت عودتها من ديوان الكوفة، بعد انعقاد ندوة حول ديوان أدونيس (تنبأ أيها الأعمى). خلال المحاضرة كانت تتخيل العميان، المبصرين الذين يناشدهم الشاعر، وتتساءل:

ـ ماذا لو تنبّـأ العميان، هل ننال المقصود؟ أم يسوقنا القطار الى دوّامة جديدة..؟؟.

وتخيّلت كيف يتنبأ كل أعمى على طريقته الخاصة وعلى مستوى وعيه الفكري ونضجه الثقافي وفهمه لما كان يدور خلف نظارته السوداء.

 

فُـُتحت ستارة المسرح،  المشهد الأول: عشرة عميان يسيرون باتجاه معاكس على خشبة المسرح، المكان قاتم بلا أنوار، لفتة إيحائية من المخرج بتصوير العمى للجمهور، تزداد حركة الرجال بازدياد إيقاع الموسيقى المصاحبة للعرض.. يتخبطون بالسير، يصطدم بعضهم ببعض، كلما احتدمت الموسيقى زاد الردم، تدخل نساء مسرعات بنفس سرعة الإيقاع، سكارى، واعون، أميرات، أمراء، عبيد، حاشية، رجال يحملون كتباً، مومسات، باعة صحف، نغمات تتوالى بسرعة دخول وتوالي أمثلة الحياة على الخشبة، واحتشاد المكان بالعماء..

دخان يتصاعد من جهة واحدة، يصبح المكان ضبابياً، الاختناق يبدو على الوجوه، الرقاب تتدلـّى إعياءً، شخير الاختناق يعلو على صوت الموسيقى، تنشقّ الخشبة لنصفين، يخرج من الشق عميان جدد، يفور المكان ويدور حول ناسه، تتشقق كل أجزاء الأرضية، تتهاوى من سقف المسرح أحجار البنايات والبيوت، أصوات رعد وصيحات.

فجأة يسوّر المكان بالصمت.. يُضاء المسرح.. يعلو تصفيق الجمهور، يحني الممثلون رؤوسهم تشرّفاً بالتصفيق، يستمر العرض. استعمل المخرج أسلوب الإنارة والظل، ظهرت خلفية المسرح كشاشة عرض، ظلال لبشر مكبلين بالحديد، أحمال ثقيلة على أكتافهم ولكن بتفاوت، أثقال خفيفة من السهل حملها، أثقال أوقعت أصحابها أرضاً، أثقال بصناديق خشبية كبيرة يجرها شخص واحد، أثقال تجرجرها جماعات مجنزرة قيودهم ببعضها.

انشقّ المسرح على شكل نهر بضفّتين، مراكب ورقية ترسو، مراكب خشبية، في الضفة الأخرى، عينا ماء منفصلتان، يباعد بينهما نهر عميق.. واحدة تفوح منها رائحة المسك، يدور حولها صبيان وصبيّات يرشون عليها ماء الورد، من العين الثانية فاحت رائحة أبخرة ماء مغلي.. رجال ذوو عضلات مفتولة يرمون فيها أسياخاً من الحديد، الممثلون المجنزرون بالسلاسل بعد أن تفتّحت عيونهم يفقدون الذاكرة، لا أحد يعرف اسمه.

صاح رجلان دخلا مع ثالث أكبر منهما سناً:

ـ كيف سنعقد المحكمة؟.

أشار لهم الرجل الوقور، وهو يتوسط الجلسة الى دفتر كبير معهم:

ـ لا داعي للحيرة، أمامكم كل شيء. فقط صيحوا بالاسم وزنوا الثقل، وينتهي كل شيء.

ـ لكن يا سيدي نحن مَن أنسيناهم أسماءهم.

أما الشخص الرابع الذي دخل قبلهم، فقد وقف وقفة المتفرج. مطّ رقبته وفرد طوله، تكتّـف ووقف يستطلع.. أحد الرجلين يرتدي جلباباً واسعاً بنيّ اللون، يفتح أول صفحة من دفتره، وينظر الى الرابع الذي كان يهزّ رأسه هزّة العارف:

ـ ونعرفهم واحداً واحداً.

دوّت مطرقة الرجل الوقور: محكمة.

أعاد المخرج فكرة التلاعب بالإضاءة، أنوار خافتة جداً، بالكاد تبدو الظلال على خلفية المسرح. موسيقى صاخبة، ثم أطبق الصمت بعدها على جو المسرح. أدرك الجمهور أنه المشهد الأخير، تهيأت الأصوات والأيدي للتصفيق والإعجاب والتعظيم.. أضيئت الإنارة على المسرح والقاعة كلها.

الصناديق والأثقال مركونة على الضفة القريبة من المحكمة، لا أحد على المسرح غير الرجل الطويل الذي تفرّج فقط، ورجل في نهاية المسرح، يهزّ رأسه بحركات تعاكس بعضها، خرج في هذه اللحظة رجال من عين الماء، وبخروجهم عبق المكان برائحة المسك وماء الورد، قدّمت لهم الصبايا مناشف بيضاء معطـّرة، التحفوا بها وجلسوا على سجادة خضراء، صبيان قدموا لهم أطباق الفاكهة، ووقفوا وقفة المطيع.

نفخ صدره بانتصار، وراح يتلمس الصناديق، ويفتل شاربيه متلذذاً بانتصاره، تضاحك بخبث، ونادى الرجل الواقف في نهاية المسرح:

ـ تعال.

ـ أنا سيدي..؟؟.

ـ لم أستطع أن أكون سيدك.

ثم سأله عن كتاب بيده: ما هذا الكتاب؟.

ـ إنه كتاب اشترته لي صديقة، اسمه (تنبأ أيها الأعمى ). وطلبت مني أن أحاضر به، قادتني الى هذا المسرح. لكن كيف سيدي، كيف أحاضر عن كتاب لم أقرأه؟.

ـ لماذا لم تقرأه، ألست مسؤولاً عن المحاضرة؟.

ـ كان بودّي.. (واقترب منه مشيراً الى فتحتين غائرتين في وجهه) :  - انظر سيدي، أنا بلاعينين أصلاً، وكلمة أعمى تـُطلق على الذي كانت له عينان وفقد متعة البصر. لذا حين عنون الشاعر ديوانه لم يجد لي اسماً في قاموسه من كلمة واحدة مثل  أعمى، ومن أربعة أحرف لآخذ نفس المساحة على كتابه.لا ادري سيدي لمَ َطلبوا مني انا بالذات أن احاضر بهذاالكتاب ، لربما عرفوا اني أستاجر قارئا اعتمد عليه .

 

صفـّق الجميع، وصفـّقت راوية معهم. سمعت صديقاً اتخذ له مقعداً قربها:

ـ هل أعجبتك المحاضرة؟

ـ أية محاضرة؟.

ـ عجباً.. شاهدتك تصفقين بحرارة، علماً بأنني لم أفهم من المحاضر كلمة واحدة مثلما لم أفهم شعر أدونيس.

ـ أنا بصراحة (والتقطت حمّـالة حقيبتها من الأرض) أنا دخلت مع أدونيس عالمه غير المرئي للجميع.

 

المسافة بين شقتها وديوان الكوفة ليست بعيدة، رغم ذلك فضّلت صعود الحافلة رقم (7) الأشياء لا تتفجر مصادفة، ولا تتدفق إلا إذا وجدت ما يدفقها. لاحظت راوية أن عيناء تدس أصابعها في محتويات شنطتها اليدوية، وتخرج فارغة. أغلقتها وأعادت فتحها ثانية، وبنفس التوتر سألتها فيما إذا كانت بحاجة الى مساعدة؟.

أجابتها؛ شكراً، لقد كنت أبحث عن حبة مهدئ للصداع.

رجل عربى يرتدي نظارة طبية، أكرش تفوح منه رائحة الخمر، تسمّرت عيناه على صدر عيناء وراحتا تلتهمان مفاتنها.. نظرة التلصص تسير حيثما يسير العربى، عرضاً وطولاً، من تختّله بين الأشجار، من السطوح والنوافذ، من الثقوب الاسمنتية. ويد التحرش تهاجر معه لترتعش باكتساء آخر، وتتلـّمس رقة اللحم الأبيض، بعد أن كانت تخترق العباءات السود وقت العزاءات الحسينية، أو تستقر على الصدور البارزة في الأسواق.

وتصدح الحناجر المهتاجة ( فدوة أروح لهلعيون ) ، ويتدارى الغضب الأنثوي بين اللذة والخجل .

 بعد أن امتدت يدالرجل الى ظهر عيناء، وتحركت هي بدورها غاضبة،ردّ عليها :

 

- ( اشدعوى دادة..عيوني ليش شنو سوّينة)..؟؟.

 

عرفت راوية أنها في المكان الصحيح، في الموكب العاشوري ذاته، أو في الأسواق المكتظة ببضاعة النساء، بادرتها بتصرف يقيها حرجها، وفسحت لها مجالاً قربها:

ـ تفضلي قربى.. هنا أفضل.

في تلك اللحظة ولد الكلام بينهما، وبعد ابتسامة ودعابة دارت بينهما، اطمأنت عيناء وأخذت تبتسم بعض الشيء لابتعادها عن العاصفة.

 

طلب محمود من المصور الخاص بالصحيفة التي يعملان بها، أن يلتقط له صورة تذكارية قرب لوحته المفضلة، أخذ وقفته المعهودة بفتح ساقيه وميـّل وسطه جانباً وابتسم، ثم طلب صورة أخرى على أن تكون قريبة جداً، ورغب أن يكون وجهه ووجه ذات الرداء الأحمر لصيقين. أسرع وليد اليهما وطلب هو الآخر أن تكون لديه صورة تذكارية مع الجميع، بعد أن وقف من الجهة الأخرى من اللوحة.

استدركا تصرفهما الطفولي، وقدّما اعتذارهما بصوت واضح للسيدة راوية: عذرك سيدتي، تصرفنا غير مقصود.

أجابتهما: لاعليكما، لكل منكما صراع داخلي ترغبان أن تجسّداه في صورة تذكاري، أما أنا فصراعي في ثمن الكرامة، هل بمقدور مصور تجسيده في صورة؟.

شعر وليد بحرج واعتبر كلام السيدة موجهاً اليه، ترك محموداً على وقفته ووقف قرب السيدة: لم أدفع كرامتي ثمناً لإبداعي، لم ولن يكون هذا في أي يوم.

بعد أن وضعت يدها على كتفه، هزت رأسها: أعرف يا وليد، أعرف، لكن في مختبر الحياة تكون النظرة معكوسة دائماً خارج المنطق.. كم تدفع، كم تقدم تنازلات، ولو فعلت أي واحدة مما قلت ستجد سرب الحشرات يركض وراءك، إنه التواطؤ مع الشذوذ، وما علينا إلا أن نكون خارج الفراغ. صدق محمود درويش حين قال؛

(ما أضيق الأرض التي لا أرض فيها للحنين الى أحد).

وأنا أقول ما أضيق الأرض التي لا أرض فيها للشرف.

 

ارتدّ وليد الى نفسه كطفل مرتبك، واعتذر آسفاً على فوات وقت الغداء دون أن يجلب ولو شطائر أو معجنات لسدّ الرمق، أنا لم أذق الطعام منذ ظهيرة أمس.

ـ لاعليك (ردت راوية) في عالمك الجميل لسنا في حاجة لمعدة. إنه الجوع المخلـَّد، غداً سيذكر التأريخ عن جوعنا وشبعنا الإبداعي، وسيقول: ثلاثة مبدعين جوعى ممتلئي البطون، وسيتخرج آلاف الأساتذة في علم التأريخ وينالون شهادات الدكتوراه بشرح وتحليل مفردات كهذه.

 

فتحت حقيبة يدها لتدوّن ما قالته، سقطت ورقة على الأرض، التقطتها بسرعة، ردت اليها كلمات سبق أن كتبتها، وعاينت في وجه وليد:

- أنا مثلك أرسم على الورق، الورق هو ستري وغطائي.

ابتسم محمود: ما أرخص الورق في أيامنا هذه، تركتها منشورة في غرفة نومي، دوّنت عليها حتى اللحظات العابرة.

قاطعته راوية: 

- هل قرأت نفسك فيها؟ هل سبق لك أن استيقظت من نومك مذعوراً ودارت حولك كلماتك تجسد شخوصها أمامك، حادثتهم مثلاً؟.

ـ لا سيدتي، وإلاّ لـجُننت.

ـ ما رأيك بالذي يجالس ويحادث أبطال أعماله؟ هل تسمّي هذا جنوناً؟ (وأكملت): أنا آكل معهم، أتنزّه معهم، أدخل شذوذهم وسكرهم، خياناتهم وذكورتهم، ممارساتهم الخاطئة وخذلانهم، أدخل زنزانات توزّع حبوب منع الحمل على أوطانها، أدخل شوارع متكررة لها صورة واحدة وإن تعدّدت أسماء الأوطان، سورية، العراق، فلسطين، مصر، مرآة زائفة أرى فيها رجالاً يركضون خلف نصفهم الأسفل. أقرأ المنطق المقلوب، فأرى النظرية النصفية، أقصد السفلى. أضف الى نظرياتك يا وليد (التنظير السفلي).

رفع محمود يديه مستجيراً:

- الله الله، كل شي ولا تترك كاتباً يتحدث.

ردّ عليه وليد: كن صبوراً أو تهادى كالجمل.

ضحكت راوية حتى سالت دموعها على خديها:

ـ وأنتم على الجمل، لا تنسوا أنكم كائنات تتحرك بشبقها النصفي، وتركتم النصف العلوي تستخفّ به أمريكا.

حاول وليد استمالتها اليه :

- لم نقرأ لكِ أشعاراً في الصحف اللندنية؟.

أجابت بعد أن احتقن الدم في وجهها: لأني لا أتعامل بمنطق النصف.

محمود: بالله عليك فسّري لنا كيف تتحاورين مع أبطال أعمالك، هل تأكلين معهم حقاً؟ أهذا يُعقل؟.

ردّت: ولمَ لا.. مرة طرأت لي فكرة زيارة إحدى المقاهي، شعور خامرني في محاورة إحدى بطلاتي وهي تقرأ الصحف في مقهى. اقتربت منها حيث كانت تدخن الشيشة، كانت وقتها لا تعرف ماذا تقرأ، فالصحف كلها سواسية، الكذب على واجهات الصفحات بالعناوين الكبيرة، وبما أني أطلقت عليها اسم عيناء بعد أن وجدتها بلا اسم في الحافلة، أخذت تسألني عن معنى اسمها، وحين شرحت لها أن العيناء هي ذات العيون الواسعة السواد فرحت وقالت لي: إنه يترجمنى، كلانا كانت على عجل، وكأن الريح تحتها.

طلبتُ منها أن تحتسي القهوة بسرعة كي نخرج لنتمشى قليلاً، جمعنا أعضاءنا المتناثرة وأخذناها (كعّـابياً) ، سألتني وقتها:

- الى أين؟ ثم ضحكت وبدت أسنانها البيضاء المتراصفة كأنها حبات لؤلؤ، يبدو أن قولي المقاهي للكسالى أثلج صدرها، وأدخل بعض بهجة عليها.

في سيرنا كنّـا نعدّ الكنائس التي نمرّ بها، كثرتها جعلتني أقارن بينها وبين عدد المساجد في بلداننا العربية.. إذا كانت الموسيقى ترافق صلاتهم وفنّ الرسم والحفر يملأ كنائسهم، فنحن لنا فن الزخرفة والمنمنمات  حيث أعطى مساجدنا خصوصيتها.

أذكر أني دخلت المسجد مع أبي مرة وأنا في الثانية عشرة، بعد أن طلبت منه ذلك سألني فيما إذا كنت طاهرة، استفزّني سؤاله فسألته :

ـ وهل أنا نجسة يا أبي؟.

ـ لا يا ابنتي، أقصد، أقصد..

استدرك قصده في دهشة وجهي، وعرف بأني لم يمرّ علي طقس المحيض. رحت معه يوم الجمعة، وأدخلني الى مكان ذي ستر مخصص للنساء.. كنت أبحث عن روح الله في ساحة المسجد.

 

ـ لمَ توقفت سيدة راوية؟.

ـ تعال، نسأل وليداً عن سعر ثالث لوحة بيعت اليوم.

 

اقتربا من وليد، وجداه غير مسرور، فمازحه محمود:

ـ ستصبح برجوازياً، هذا ثالث رجل أعمال يشتري منك، من أين وفدوا؟.

ـ صديقة قديمة لها معارف كثيرون، وعلى ما أعتقد هي وراء كل ذلك. (ثم واصل): لغة رجال الأعمال لا تضع النقاط على الحروف في لغة الفن.

 

وفيما هم يتبادلون الأحاديث دخل مصور يحمل كاميرا تلفزيونية وبرفقته مذيعة، ترتدي تنورة ضيقة وقصيرة من اللون البيج، وقد تركت قميصها الأحمر مسدلاً على جانب التنـّورة، بينما باقي أطراف القميص عقدتها وتركت العقدة مربوطة من الأمام، وقد زرّت ثلاثة أزرار سفلية فقط من القميص.

بعد أن ترجرج نهداها، وتمايل خصرها الممتلئ بعض الشيء، سألت عن وليد. أسرعت إليه وقتما حدّدوه لها من بين الجمع الغفير، مشطت شعرها الأسود بأطراف أصابعها، وأشارت الى المصوّر (أن اتبعني) وقالت:

ـ لو كنت غير متزوج لخطبتكَ، مرحباً سيد وليد. وعذراً، هذه طريقتي في الكلام؛ لا أحبّ التكلـّف والتصنّع.

ارتبك وليد وهو يجاملها :

ـ أبداً، والله أنتِ لطيفة جداً وعليك السلام، هل من خدمة أقدمها لكِ؟.

ـ أنا مذيعة من تلفزيون (ARB) وأرغب بإجراء حوار معك، هذا إذا لم تمانع.

ـ بكل سرور.. لكن اسمحي لي، مَن أخبرك عن معرضي وكيف عرفت مكانه؟.

ـ اتصل بي الأخ محمود قبل ساعة.

ـ آه. فهمت. تفضلي، كيف تحبين، أنظلّ واقفين أم؟ (تطلـّع الى الكراسي الأربعة فوجدها غير شاغرة، فأكمل) : الوقوف أفضل.

ـ لن أسألك عن بداياتك وحياتك الخاصة، إنه سؤال مهترئ يتداوله المذيعون السذّج.. سيد وليد، الجزء البسيط من حياتنا أُعلن عليه التلف، حتى عواطفنا بتنا نخاف عليها من بخار الدمع، كيف تستطيع كفنان أن تحتفظ بجزئكَ البسيط أو بما تبقى لديك؟.

ـ يقول (نيتشه) :

- إن إرادتنا خير مَن يهدم القبور. عواطفنا ومبادئنا الحقيقية هي الشفاء لبؤسنا، فليعلنوا الحرب كيفما شاؤوا.

ـ هذا يعني أنك لا تخضع للمقايضة؟.

ـ يا سيدتي.. (وراح يتحسّس ذراعه).. أنا يا سيدتي حتى عند حافة الموت أحمل صليبي وأمشي على تلك الحافة. أما ترينني أقف بيد واحدة، أصافح أصدقائي وهذا الحشد الذي اختارني هو ولم أبذل جهداً للوصول اليه؟.

- سمعت، وأرجو المعذرة، سمعت أنك مقطوع من شجرة.. أي لا أحد لك، فلمَ العزلة إذاً؟.

احمرّت وجنتاه بحرج سؤالها، وعرقت جبهته، تردّد في الإجابة، ثم انطلقت الكلمات من فمه مسرعة:

ـ الابتعاد أو العزلة كما تسمينها هما أول نقطة الجريان.

ـ جريان ماذا؟.

وطلبت بطرف عينها من المصوّر أن يقترب منه أكثر.

ـ جريان النهر، أي نهر يبدأ من نقطة، ثم قطرة.

قالت بعد أن عقدت حاجبيها:

- من خلال نظرتي السريعة للوحاتك وجدت أنك في صراع مع الظلام.. مرة يتغلب عليك، ومرة تنتصر عليه بتسليط الضوء، اليس كذلك؟ أم إنّ حدسي الفني قد خانني؟،.

ـ لقد أصبتِ.. أحياناً تعتريني فرجة أمل، فأبعد الضرير عني وأتحرش بالضوء.

ـ قبل قليل سيد وليد كنت تردّد مقولة نيتشه عن الإرادة، وردك الآن على سؤالي يظهر شخصية غير متوازنة الكفتين. هل أنت من الرجال الذين يكون منطقهم عكس تصرّفهم؟. بصراحة إني أجد تسعين بالمئة من الشرقيين والعرب تحديداً متناقضين، أين تضع نفسك؟

 

عن بعد كانت راوية تسترق السمع، لربـّما يردّ وليد على سؤال يتحدى به نفسه. وحين وجدته (نيـﮔتف ) لكل الصور، اتخذت لها كرسياً فرغ للتو، وراحت تعيد ترتيب الصور والأحداث.

 

فاجأتها صورة عيناء الباكية، ووجهها يرسم طفولة منكسرة، وتذكرت أنها طلبت منها أن تكفّ عن البكاء، وتتصبّر.

الخروج من عتمة الألم هي أن تتذكر ساديـّة العصر، وتنظر للتلفاز، قالت لها:  افعلي شيئاً من أجلك أنت لا من أجل رجل لا يعجبه غير فحيحه الذكوري، ثم يطلق عليك طلقته ويمنعك من الانضمام الى عالمه.

وتابعت شعرها الأسود خصلة خصلة، خصرها الذي أطبق عليه ورك شرقي وجعله كغصن يلتوي من ثقل ثماره، تتبعت كل أجزاء جسدها، كلها تنبض عشقاً، سقطت على خدها دمعة دون قصد منها، هكذا خرجت نافرة من حرارة جفن ظليل، حتى كادت راوية أن تشمّ رائحة تلك الدمعة، لم تكن دمعة نافرة بل طفلة في حضن العمر. طبطبت على كتف عيناء قائلة :

ـ الحب هو ترياق الحياة، حفنة من رماد الحب تحيي القلب، حالتان لا يمكن العيش دونهما، الحب والحرية.(وواصلت الحديث) لكن يا حبيبتي، حزنك روّضيه، ومخاوفك من فقدان رجل تعبدينه لا مبرّر لها، مَن يراه وهو يتعطـّف عليك بابتسامة أو نظرة من خلال ألوانه المجنونة مثله، يتمنى أن يخنقه.

ـ دخيلك ست راوية، لا تكوني قاسية عليه، تركته يفعل ما يريد، إنها طريقتي في الحب ، يكفيني صوته ورائحته. (ثم استطردت بعد أن وضعت المشط في وسط فرشاة للشعر): أنا يا ست راوية أنظر اليه من زاوية أخرى، فمثلاً عندما يهزّ رأسه طرباً وهو يتغزل في شقرائه أمامي ويذكر محاسنها ومميزاتها، أعطف عليه لأنه بعين واحدة ومريضة. فنظره باتجاه واحد، لا يستطيع تحريك عينه يمنة أو يسرة، ولطالما وضع شقراءه نصب عينه لا يرى غيرها .

- إذن؟

ـ كيف تعشقين رجلاً أحادي النظرة؟.

ـ هذا أعذب عشق.

ـ قرأتُ مرة يا عيناء لـ(شمس الدين التبريزي)  ، (لا تكلـّف نفسك في الذهاب الى البستان، انظر الى وجه العاشق) وأحادي النظرة خاصتك لم يكلـّف نفسه حتى النظر اليكِ.

ـ لا بل ينظر لي، وإلا كيف رسمني؟.

ـ ليست العين هي التي ترى، بل القلب، القلب يا عيناء. العين ما هي إلا ساعي بريد بين القلب ومن نحب، إنها الثقب الذي نُدخل اليه نهارنا وجراحنا.

 

في محاولتها لإعادة ترتيب الأشياء، وإعطاء البداية أحقيتها بالظهور على مسرح ذكرياتها، بلغ سمعها آخر سؤال وجهته المذيعة الى وليد:

ـ لماذا لا ترسم الموت والمقابر الجماعية في بلدك؟.

فرحت وقتها لجوابه:

- لأني لا أجيد تعظيم القتلة. ثم.. ثم.. (تلعثم) هل هناك ما يكفي من اللون لرسم الدم؟.

عدّلت راوية من جلستها، ومن خلال ثقب عينيها أدخلت شريطها، وراحت تستعيد كل ما فعلته الكتابة على أوراقها.

 

 

الفصل الثاني

فكرة اللون

 

أنتَ طائر نفسك

وفخّ نفسك

وصدر نفسك

وأرض نفسك

 وسماء نفسك.

(جلال الدين الرومي)

 

في جهة العمر، تعبر حفنةٌ من السنين، بلا هوية تتحسس قيدها في اختصار الهواء، تشرب قهوتها كطائر غالبه النعاس.

لوحة مخدوشة لفنان معتزل الحياة، تشاركه عزلته منفضة سجائر، ضباب يترنح بسكرة الذبح، من المدن والشوارع والأرض، لوحة خشبية نُقش عليها (شقة رقم 202) كان من المفترض أن تـُدق على باب الشقة من الخارج. وبملل طريد تكوّر الوقتُ على شكل دائرة، وعجز وليد عن إضافة لمسة فنية لشقة فقيرة الأثاث. بقيت لوحة رقم الشقة مرمية على الأرض و منذ شهور، بالتكرار اليومي الممل وإيقاع رتابة أكثر منه مللاً يقضي وليد معظم وقته، ويعدّ على أصابعه احتمالات أيامه الباقية في كأس الحياة.

موكيت أزرق باهت اللون لقدِمه، كنبة

 

 

أضيفت في 04/03/2008 / خاص القصة السورية / المصدر: الكاتبة

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية