|

بطاقة
تعريف الكاتبة: هناء كرم سابا

متزوجة من مانولي سابا ولها ولدان وبنت.
حاصلة على إجازة في الأدب الفرنسي من جامعة حلب في سوريا.
مارست التعليم في بداية حياتها العملية.
بدأت علاقتها مع الكلمة والحرف باكراً وتخصصت في العلاقات الإنسانية.
كتبت في كثير من الصحف والمجلات التي تصدر في الكويت.
صدرت مجموعتها القصصية الأولى "ورود الإياب " في الكويت عام 1989
عملت في إدارة الموارد البشرية في شركة تجارية في ليماسول (قبرص) لمدة 15
عاماً.
أنشأت معهداً لتعليم اللغة العربية للعرب والأجانب في قبرص عام 2005.
أصدرت روايتها الأولى "هكذا ولدت مريم" عام 2006.
لها مخطوط رواية تحت عنوان"هبة"
 


نماذج من أعمالها
مساحيق للعدل
ها أنا أتجمل، أضع المساحيق التي فيها أغطي حقيقة وجهي بل حقيقتي.
لا أعتقد أن المساحيق أدوات لابراز الجمال أو ردم بعض العيوب
الجمالية، بل للتعمية على حقيقة المشاعر والتعابير.
اليوم حاولت التهرب ، لكن ما من مهرب.
يوم تزوجت رجلي الذي لا ينتمي الى شعبي وأمتي وملتي عارضني الكثيرون
وحاولوا أن يوضحوا لي الفروقات والصعوبات التي سأواجهها يوماً والتي لا علاقة
لها بالحب أو اللاحب، كنت أحترم آراءهم لكني دوماً اعتقدت أن الحب الحقيقي يلغي
الفروق ويجمع الأبعاد والابتعادات.
ومع أن حبنا كان وما زال حباً حقيقياً الا أني أحسُّني اليوم حزينة،
مكسورة القلب فشعبي هناك يعاني ويموت وأنا هنا علي أن أتجمل وأضع المساحيق وقد
أحتاج الى قناع لأتمكن من الخروج مع زوجي وأتمم واجباتي نحوه ونحو عمله وعلي
ألا أبتسم فقط وأتابع الأحاديث مهما كانت بل ربما أن أغني وأرقص، بالتأكيد ألا
أبدو حزينة كي لا أفسد متعة عشاء العمل.
قد تحين لي فرصة للتعبير عن رأيي وعن محنتي ومعاناة شعبي وسيؤازرني
زوجي ويدعم احساسي وكذلك سيفعل ضيوفه لكننا بعيدون جداً وكآبتنا ليست متوقعة.
الأقمار الصناعية وضعتنا وجهاً لوجه ودقيقة بدقيقة أمام كل ما يحدث
وفضائيات بلداننا المتعددة تنقل الأخبار بحذافيرها واختلافاتها، وهنا ينقلون
الينا ما يريدوننا أن نسمع ونرى. أولادنا يسمعونهم، ولا يفهمون الكثير مما أريد
شرحه. وعندما يسمعونني يعتقدون أنني أبالغ، أوأصطف في الصفوف القديمة. يتعاطفون
ويحسون، أما النقاش فلا ينتهي والجدل لا يترك للود محلاً.
للأسف، الحياة ليست عادلة.
الحياة للأقوى، ونحن ان كنا ننتمي الى المعجم الأضعف وتزاوجنا من
المعجم الأقوى لن نتمكن من الانتقال من تلك الصفحات الضعيفة الى تلك الأقوى.
أسفي وحزني على الأجيال القادمة التي ستبدأ حياتها منتمية الى
المعجم الأعجمي.
وبئس العدل غير العادل.
1-8-06
   
الفرجة
أتفرج على المشاهد من خلال شاشة التلفزيون وأفكر بفعل تفرَّج.
تفرجَ أي نظر الى الشيء ولم يتدخل، ولم يشترك ولم يقل ولم يعبّر عن
رأيه ولم ولم ....الخ
أتفرج لكنني أنفعل، تختلج مشاعري ويتصبب الدم في عروقي حامياً
ويتسارع ليُخرج حمائم غضب واستياء ولا أكثر.
مشاهد لا تجد كلمات لوصفها ولا مشاعر لتتحملها .. يا لهذه الحرب
القاتلة ، يا لهذه الآلة اللعينة ، يا لهؤلاء ......
وأُحسُّني أدخل وراء شاشة التلفزيون فأنا قد شبعت من التفرج، أريد
أن أحاول الولوج، كرهتُني وأنا أبدو كمثل هذه الحكومات المنتشرة ، أردت أن أكون
واحداً من الداخل.
سمعته يقول واحدهما للآخر: لا تمسك الفتاة هكذا وتفسح المجال
للمصورين لتصويرها فعندما سيراها والدها سيغضب منك، صحيح أنها لا تتعدى السابعة
ولا يهم لو انكشفت على الأغراب لأنها طفلة لكن والدها لن يقبل بالتأكيد تصويرها
في هذا المنظر ، صحيح أنها تعكس صورة واضحة عن همجية الهجوم وهمجية القتال
وهمجية القصف.
خاصة شعرها الطويل الحريري الذي نكشته قطع الحجارة التي تداعت على
الرأس الطري، وجلدها الحريري الذي تمزق وتخدش من هرس قطع الباطون المتراكم على
جسدها.
عيناها الجميلتان المغلقتان على المأساة وشفتاها المجرحتان
الصامتتان الا عن ابتسامة كانت قد ارتسمت قبل وقوع الدمار.
لا تصورها ولا تؤذي مشاعر أهلها.
أجابه الثاني بنفس الكآبة والاحباط التي جعلته يحملها من الأساس،
ويدعو المصورين لتصويرها : أهلها ؟ أين أهلها؟ يا صديقي .
تعال هل تريد مشاهدة أهلها ؟
إن كنت لا تصدقني تعال لتتفرج واطمئن لن يستطيعوا مشاهدتها ولن
يتمكنوا أن يغضبوا مني.
قد يشكروني لأني على الأقل أدعو من خلالهم العالم لمشاهدة هذه
المجزرة.
أدعوهم لرؤية ما تفتعل أيديهم وآلة حربهم.
هل تريد أن ترى أخاها المقسوم قسمين، هل تريد أن ترى قدم أختها التي
وجدناها في مكان غير المكان.
هل تريد أن ترى يد أخيها التي كانت تعانق رقبة أمه وأمها ووجدناهما
منفصلين عن باقي الأجزاء؟
حينها ستفهم أنني أحضرت الفتاة للتصوير لأنها الوحيدة التي انتشلنا
جثتها قطعة واحدة نعم الوحيدة.
هل تريد أن تتفرج عليهم؟ كما يتفرج العالم كله، الفرجة هي كل ما
يجري، نعم الفرجة فقط الفرجة.
الفرجة هي كل ما يفعله الجميع..
ووجدْتُني أسرع خارجاً من الشاشة الى مكاني على الكرسي وقد أقعدني
المشهد وأخرس كلماتي وجفف دموع عيني.
نعم الفرجة هي كل ما نفعل.
30 -7-06
   
الشرنقة
كالشرنقة داخل خيوط الحرير كنتُ.
أو هكذا أحسستُ.
كنت كمن انغلقت حوله كل الصور والأصوات، أقف مذهولة وأنا أنظر الى
الجميع من حولي، يتراكضون ويتساءلون بعضهم بعضاً بصوت منخفض، يتكلمون لغة لم
أتعلمها بطلاقة بعد، أتمكن من فهم الكثير من كلماتها لكن حالتي الآن لم تسمح لي
فهم أي من الكلمات التي يقولونها.
قلقي على زوجي أعمى بصيرتي وأخرس كلماتي القليلة التي تساعدني على
التفاهم هنا في هذا البلد الذي أبقاني فيه حبي لزوجي، زوجي الذي يكاد القلق
يقتلني للاطمئنان عليه.
كنت أنظر اليهم مستاؤون من اللاتعبير على وجهي واللا جواب
على شفاهي.
ماذا أكل؟ ماذا حدث؟ متى بدأت العوارض؟ ماذا أحس؟ ماذا فعلتِ؟ لماذا
لم تسرعي به الى الطبيب؟ لماذا لم تتصلي بنا؟ لماذا وألف لماذا؟؟
كان أهله جميعاً حولي .. يسألونني، لكن الكلمات التي يتكلمون بها لم
أستطع فهمها أبداً و اللهجة التي يستعملونها تمحي كل ما كنت أفهم.
يعرفون أن السرعة في الكلام تؤخر فهمي وكانوا دائماً بمحبة ينتبهون
الى ذلك، ما بي اليوم أحس لهجة مختلفة، هل هي لهجة القلق أم تبدو لهجة كره، هي
تبدو فقط كذلك.
أنا أريد أن أحكي لهم كل شيء، فلينتظروا حتى أتماسك وألتقط أنفاسي،
أعرف أنهم يريدون الاطمئنان، الطبيب سيخرج ويخبرنا حالاً.
كان الطبيب لطيفاً جداً، تمكنت كلماتي القليلة من شرح حالة زوجي
المبعثرة عند وصولنا، هبوط ضغطه المفاجيء أو أزمته القلبية وآلامه المفاجئة.
هل أخطأت باخبارهم أنني نقلته الى المستشفى؟ هل كان يجب أن أنتظر
النتيجة.
ما جعل الأمور أسوأ أنهم كانوا مجتمعين فأسرعوا جميعاً ووصلوا معاً
وتناولوني بالأسئلة.
ليت أحدهم يحس بي وبغربتي، يشفق على لوعتي، ويكسر هذا الغلاف
البلاستيكي أو الزجاجي الذي أحسه يحيطني وسيخنقني قريباً.
ليتني أتمكن أن أقول بل أصرخ بهم، ماذا تظنون ألا أريد أن أنقذ
زوجي وأطمئنكم؟ ألا تعتقدون أنني أود التفوه بكل كلمات لغات العالم لانقاذه،
تركت كل شيء لأجله.
لطالما قلت له: لنبقى في بلادي فأنت تتكلم لغتي وأهلي يحبونك وهذا
جيد، باستطاعة أولادنا أن يكبروا هنا براحة وأنا باستطاعتي الاعتناء بك وبهم
جيداً وأساعدك في العمل. لكنه أصر على العودة الى بلاده وأكد لي أنني سأتعلم
اللغة بسرعة وسيحبني أهله ويعتنون بي وسأكون جزء من العائلة سريعاً ولن أحس
بالغربة.
حبي له جعلني أصدقه، وكان كل ما حوله جنتي ، لكن الحب أمر وحقيقة
الأشياء أمر آخر.
صار عمر ابني سنتين ولا زلت لا أتكلم من لغته الا القليل، ولا أحظى
من حب العائلة الا القليل. لكن من أجله كانت كل الأمور تهون دوماً.
حين بدأت عوارضه الصحية تظهر طلب مني ألا أخبر أحداً. أقنعني أنها
حياتنا ووحدنا نتمكن من التغلب على كل شيء، أطعته لأنني أتفق معه بالرأي ورحت
أسهر أكثر على راحته وخدمته ، وكان تحسن صحته ملحوظاً فنسينا الأمر.
حتى عاد الألم الفظيع مساء البارحة فجأة.
أحس أنهم سيقتلونني عندما سيعلمون من الطبيب أننا كنا هنا منذ فترة وأجرينا
فحوصات مشابهة ولم نخبرهم.
كانت ارادته ألا نخبرهم، أفهم حب أمه وخوفها، لكن ما بيدي حيلة،
ليت بامكاني أن أقترب منها وأحضنها وأطلب منها أن تصدق مشاعري ، نحن الاثنتان
نحب هذا الرجل ونحن بحاجة الى بعضنا البعض.
لا أدري لماذا لم تحبني منذ اليوم الأول، أحسست بفتورها لكنه دائماً
كان يعزوه الى حاجز اللغة.
حتى عندما انتقلنا الى منزلنا كنت أحاول جاهدة مسايرتها لكنها كانت
دائماً فاترة، ربما أرادت له عروساً أخرى من يدري.
يوم ولد ابني، لم يفرحوا كما توقعت ولم يقدروا لي تسميته باسم جده.
لكني لم أتوقف مطلقاً عند التفاصيل ودقائق الأمور، لأن سعادتي في بيتي مع زوجي
وابني كانت كبيرة عوضتني عن كل شيء.
واليوم أنظر حولي وأراهم جميعاً عداه، فما أنا فاعلة؟؟ تضيق الشرنقة
حولي وأحس بالاختناق.
اقتربت الممرضة مني محاولة مؤاساتي، وقالت لي أن الطبيب سيدعوني
لزيارة زوجي لأنه في حالة خطيرة.
حالة خطيرة؟ لا لا أنا لا أفهم اللغة جيداً، هي المرة الأولى التي
أحس أنني أتمنى أن أكون ما فهته خطأ.
قدمَتْ لي كأس ماء ، شربْته علني أذيب الشرنقة من حولي... وأتنفس.
خرج الطبيب، فوقفنا جميعاً حوله، لحظتها تمنيت حقاً أن تتوقف عقارب
الساعة هنا في هذه الدقيقة بالذات، لا أريد أن يكون أي خطر آتٍ من كلام الطبيب
أنا لا أريد سماع أي خبر سيء.
ولكن بكل أسف ، تحدث الطبيب مطولاً وأنا أصارع الشرنقة حولي لأسمع ،
لأفهم دون فائدة، أمسكتني الممرضة من يدي واصطحبتني مع أمه وأخواته الى الداخل.
شهقت، شهقت عندما رأيته مكبل بكل أنواع الأنابيب والكمامات وأحسست
بالموت يرفرف.
سمعتُ عويل أمه، سمعتُ بكاء أخواته، لكني لم أسمع عويلي ، كان قلبي
ينزف بشدة وقلبي يطرق والشرنقة تضغط على حواسي حتى فقدتها كلها، وأنا أنظر الى
عينيه المغمضتين وقلبه المنطفىء.
وصرخت في غيبوبتي ، دعوته ، رفعت صوتي في وجهه لأول مرة ، عاتبته
تارة وتدلعت عليه تارة أخرى، حاولت استعمال الألاعيب النسائية كلها دون فائدة،
بقيت عيناه مغمضتين الاغماضة الأبدية.
لم يعد يهمني ما يقولون، لم أعد آبه لفهم لغتهم، حملت ابني وضممته..
وأحسست أنني لن أنعتق من هذه الشرنقة بعده ان لم أحزم حقائبي وأعود من حيث
أتيت.
قبل أن أغلق باب بيتنا حاملة ابني ، نظرت حولي أودع الجدران التي
طوتنا وكانت شاهدة على فرحنا وحبنا اقتربت أمه مني وأعطتني كتاب تعليم اللغة
الذي تركته عن سابق اصرار ولم أحزمه وقالت بكل وضوح ومحبة بلغة فهمت كل
تعابيرها: أرجوك، لا تحرميني من حفيدي مدى العمر. وفجأة تعانقت يدانا وانعتق
لساني وانهمرت دموعي بغزارة فحضنتها وقلت لها بلغة واضحة: سأعود، صدقيني سأعود
وحملت ابني والكتاب وغادرت.
   
أيهما بيتي؟
قال لي: سيدتي، أنا منطلق بسيارة الشحن الى البيت الجديد وأتمنى أن
تكون نقلتنا التالية هي الأخيرة، في طريقنا الى هناك سينضم الينا عاملان آخران
لمساعدتنا في تنزيل الأغراض وتركيب الخزانة الكبيرة. لا تقلقي فأنا أكثر منك
رغبة للانتهاء اليوم.
الى اللقاء.
أغلقتُ الباب والبوابة ودخلتُ أستطلع اللمسات الأخيرة، الحقائب
الأخيرة والعلب الأخيرة.
منذ اللحظات الأولى التي بدأ الأولاد حديثهم عن وجوب الانتقال من
هذه المنطقة التي باتت قديمة وبعيدة، وبدأنا فيها الحديث عن تغيير البيت وأنا
أفكر بهذه اللحظة بالذات، ولطالما خفت منها.
منذ أن قررت العائلة أن تغيير المنطقة أفضل للجميع عرفت أنني ضمن
الخطة وأن عليَّ تغيير بيتي أيضاً واللحاق بهم فلا يمكنني أن أكون بعيدة عن
أولادي وعائلاتهم. لكل منهم أسبابه للانتقال أما السبب الذي يخصني فهو أن أكون
الى جوارهم ولا أبتعد. وهو سبب كاف لعدم الاعتراض.
لكن عدم القبول والتأقلم فهذا أمر آخر مختلف.
رحت أعاني بصمت، وليس لي ما أتمكن فعله.
اليوم بعد أن حزمت كل صغيرة وكبيرة في بيتي للانتقال الى البيت
الجديد، أتساءل ! كم سيطول الزمن لأحس أن ذاك البيت الجديد بيتي؟
اليوم وأنا أنظر الى علب الكرتون المكدسة المرقمة والتي تحتوي على
كل دقائق وتفاصيل بيتي تنتقل الى البيت الجديد... أحسست أن قلبي ينتقل معها ،
هل هي بيتي؟؟
دخلت ورحت أجوب الغرف الفارغة غرفة غرفة، أتوقف عند كل باب، أستذكر
تفاصيل الحوادث والمناقشات ، الضحكات والمشاحنات أنظر حولي فأرى مجدداً الكراسي
والطاولة التي ذهبت وأراهم متجمعون حولها، على الستائر المعلقة التي لن نأخذها
معنا تدلت الضحكات وانتشرت الروائح، وتساءلت؟هل ستدفئني الستائر الجديدة، هل
سيدفئني غطائي الجديد أم أن نظام التدفئة الحديث سيقوم بالمهمة.
الغرف فارغة ، وها أنا أضع في الحقائب ما تبقى من الثياب وفي علب
الكرتون ما تبقى من أشيائي الصغيرة، أنا أتلكأ وكأنني لا أريد لهذا اليوم أن
ينتهي مع علمي أن السيدة التي اشترت البيت تتوقع استلام المفتاح اليوم لتنتقل
الى بيتها الجديد.
أتلمس الجدران، فأحس الفرح الذي غمرنا هنا بينها، وأتذكر الأيام
الصعبة التي مررنا بها وكانت هي سَترنا وغطانا كما يقولون. أتلمس المرآة التي
لم نستطع اقتلاعها وأخذها، أرى فيها المشادات الكلامية والنكات المضحكة.
أتذكر قول ابنتي: هيا يا أمي ، البيت الجديد سيأتينا بكل جديد،
فلنفرشه بالفرح وندهن جدرانه بالسعادة وننسى ما نستطيع من الحزن والتعب، تراها
محقّة؟
أحسُني خارج الزمان والمكان، أغلق الحقائب، وأسكر علب الكرتون وأضع
عليها الشريط اللاصق، أكومها على المدخل الرئيسي.
أعود الى الغرف مجدداً واحدة واحدة ترافقني دموعي ألقي نظرة الوداع،
أتنشق رائحتها ملء رئتي، والمفتاح في يدي أقبض عليه بقوة، أشد عليه بكل شغف.
ليتها تطول هذه الدقائق،، أشهق حزني وأبكي ثلاثين عاماً من حياتي
علها تفرغ حزني وتأخذه عني بعيداً، أحمل زهراتي الجميلة أداعبها، أستمتع برؤية
وريقاتها المتفتحة تحدثني بفرح وتبتسم، أنظر من النافذة فأرى الشارع يمتد وتدخل
عيون قلبي الى كل البيوت التي كنت أحيي أهلها كل صباح، جيراني الذين عشت معهم
طوال السنين الماضية، احتجت مساعدتهم واحتاجوا مساعدتي، فرحوا لفرحي وحزنوا
لحزني وكنا خير الأصدقاء، امتد نظري الى تلك الحديقة التي لطالما جلست على
كرسيها الخشبي أشكي همي وأغني فرحي، ورحت أغوص في دنيا غريبة من المتعة.
أشهق عالياً إذ يرن جرس البوابة قوياً عالياً. ها هي السيدة قد وصلت
لتتسلم بيتها الجديد، بعد لحظات لن أستطيع أن أدّعي أي صفة تربطني به. هي
مستعجلة جداً وأنا متباطئة جداً.
انتصبت ، مسحت دموعي، متماهلة بفتح البوابة، ذهبت مجدداً الى المرآة
ونظرت الى وجهي ثم طلبت من المرآة أن تسمح لي بأخذه معي، لآ أريد أن أترك شيئاً
ورائي لها، سمعتُني أقول وداعاًً وداعاً بصوت عالٍ ، أو خلته عالياً ونظرت
مجدداً الى المرآة فاذا وجهي مبتسم والمرآة لا تعرفني بل تبحث عن وجه جديد.
ابتعدت وفتحت الباب مسرعة.
استقبلتها، دعوتها للدخول وأكدت لها أنني لن أكون ضيفة ثقيلة، نصف
ساعة وتصل سيارة الشحن لنقل الفتات الأخير. وفتحت كفي وسلمتها المفتاح.
رحبت بي بخجل ودعتني للتمهل فلا داعي للعجلة، هي فقط تريد أن تتجول
وتستمتع بالبيت الجديد، رأيتها تقترب من المرآة تتلمسها وتطيل النظر، عرفت
أنهما تتعارفان وتتواعدان وأن المرآة بدأت بالتسجيل.
تابعت الابتسام وأنا أتجول معها في الغرف للتأكد من خلوها، رأيتها
تحيط الجدران بنظراتها الحنونة، اعتقدت أنني سأغار كالمحب ينظر الى محبوبته وهو
يرى الآخرين يتغزلون بجمالها، لكني أحسست بالخجل، أحسست بالبرود، فعلمت أنها لم
تعد لي لأبداً، لم أعد أعرفها هذه الجدران.
تابعت الابتسام ولأول مرة ساعدت العمال في نقل الأغراض بكل همة
وخرجت، لم أنظر الى الوراء، ودّعتها بسرعة، لم أغلق خلفي الباب ولم أنتظر
البوابة حتى تغلق كما في كل مرة أغادر البيت.
فقط أردت الابتعاد.
مشت بنا السيارة عبر الشارع، نظرت الى البيوت بكل محبة
مودعة أعدها بالزيارة، وراحت عيون قلبي الى البيت الجديد، أحسست أنني الآن أعيش
في الزمن الضائع، في هذه اللحظة ليس لي بيت، ولا يمكن للانسان أن يعيش دون
بيت، وذاك الذي تركته صار لها، لذا أريد الوصول بسرعة، لأتلمس الجدران والمرآة
وأبدأ بوضع لمساتي لأحس فعلاً أنه بيتي.
سبتمبر 2006
------------------------------------------
أضيفت
في 07/05/2008/ * خاص القصة السورية /
المصدر الكاتبة
   
كرسي الانتظار
غرف الانتظار في عيادات الأطباء هي أماكن محشوة بالقلق والانفعالات،
فمهما ساعدت أفكار المهندسين المهتمين بالديكور ومهما حاول الاخصائيون
الاجتماعيون بخلق جو يبعث على الهدوء والاطمئنان، فأنت نادراً ما تجلس على تلك
الكراسي وأنت مطمئن البال.
ما يزيد الأمر سوءاً أنك ولو كنت على موعد مع الطبيب وأتيت في الوقت
المناسب فلا بد من الانتظار الذي يؤجج القلق.
جلستُ على إحدى هذه الكراسي والأفكار القلقة تتراودني والاختلاجات
المختلفة تتقاذفني الى القريب والبعيد..
ها أنا أقف على بعد دقائق من معرفة أخبار قد تغير مجرى حياتي، وربما
تخبرني أني أحمل مرضاً فتاكاً سيودي بحياتي عاجلاً أو عاجلاً جداًً.
تراني كيف سأخرج من هذا الباب؟ ماذا سأعرف عندما أدخل وراء هذا
الباب؟؟
هل أخطأت عندما جئت وحيدة، هل سأحتاج الى من يقويني ويسندني عند
خروجي، هل سأنهار؟
أحسني قوية حتى الآن،
منذ أن لاحظت تلك الكتلة في صدري وبدأت أراقبها لم أحس بالضعف
أبداً، لا أنكر أنني توهمت قليلاً في البداية إلا أن اشغالي الكثيرة أخذتني من
نفسي ونسيتها حتى انتبهت الأسبوع الماضي أنها تكبر وأنني يجب ألا أهملها، فقد
قرأت كثيراً أن الاكتشاف المبكر لسرطان الثدي يساعد في علاجه، وأن الكتل
المشابهة للكتلة التي أحسست بها قد لا تكون سرطانية، إنما اهمالها هو خطأ فادح،
لذا طلبت الموعد السريع وها أنا اليوم هنا.
هل الكتلة من النوع الخبيث أم السليم؟ هل يمكن أن تكون مجرد كيس
دهني كما حدث مع احدى صديقاتي؟ أم أنها علامة من علامات انتشار سيءٍ جداً وقد
أهملته؟ أهملته نعم ولكن هل أهملته بخاطري؟ انشغالي بعملي وبمن حولي وبأحبائي
هو سبب الاهمال .
هل هذا عذر مقبول، أو كافٍ أو مقنع؟ بالتأكيد لا، فلن يرحمني أحد لو
علم بذلك. ربما لهذا السبب لم أقبل أن أصطحب أحداً معي، نعم لهذا السبب، لم أرد
أن أخبر صديقتي لأنها لطالما قالت لي: انتبهي لنفسك، نعم هم جميعاً بحاجة اليك
ولكنك بحاجة الى نفسك لتقومي بخدمتهم وتقدمي لهم كل ما يلزم.
دعيهم يساعدونك، زوجك الذي أقعده حادث السيارة لفترة طويلة وصرت
مضطرة لخدمته، دعيه يتأقلم أكثر مع وضعه الجديد، لن تستطيعي الاستمرار بما
تفعلين حتى يتحسن. أنت تنسين نفسك وستقعين يوماً بشكل أو بآخر،- كيف أجرؤ أن
أقول لها رافقيني الى الطبيب فقد أهملت تورماً في صدري.
زوجي المصاب باكتئاب بسبب حالته الصحية، كيف أخبره بما أهملت في
نفسي بسبب انشغالي به، سيزيده الأمر اكتئاباً ويؤخر شفاءه.
يجب أن أبتعد عن هذه الأفكار وأنظر حولي علَّ ديكور المكان يساعدني
على انتشال نفسي من أفكارها. أنظر الى هذه اللوحات الكبيرة المعلقة على الحائط،
ألوانها الهادئة تدعو للراحة، الا أنني حولت نظري عنها وكأنني أعاقب نفسي، أو
أستصعب الراحة.
كل الجدران متشابهة في غرف الانتظار وكل الكراسي متشابهة، كرهتها
يوم اضطررت الجلوس طويلاً عليها بانتظار خبر عن زوجي ونتيجة الحادث الذي تعرض
له، كرهتها يوم أدخلوه للعملية الأولى ويوم أدخلوه للعملية الثانية، نسيت كم
كان الجلوس على هذه الكراسي ممتعاً يوم كنت بانتظار تأكيد خبر حملي الأول
والثاني، يوم كانت مشاعري وأفراحي تسبقني اليها ليحدد لي الطبيب موعد ولادتي.
الكراسي في عيادات أطباء الأطفال مختلفة لا تدعوك للكره لأنك تكون
مشغولاً بطفلك ومشكلته ومرضه وبكائه الذي تعرف أنها كلها أمور عادية، لا غنى
عنها ومقدور عليها.
لأتخيل نفسي جالسة على هذا الكرسي لأمر مفرح ربما هذا يساعدني،
انتظار ولادة احدى زوجات ابنائي مثلاً، هل سأتمكن من الوصول الى هناك؟ هل سأعيش
لأحيا هذه الفكرة أم سيقضي المرض علي؟ وأعود للفكرة ذاتها.
يتصارع في نفسي شعوران قويان الأول وهو أن النتيجة لن تكون سيئة
والكتلة هي مجرد ترسبات من الحليب تكتلت كما حدث بعد ولادتي الأخيرة، لكن بما
أن هذا حدث منذ زمن بعيد جداً يأتي الشعور الثاني ليحتل تفكيري وهو أن الكتلة
هي من ذلك المرض اللعين وسيقتضي استئصال ثدي أو ربما ثدييَّ ، وربما سأتبع ما
نسمع من معالجات كيميائية وما يتبعها من أعراض جانبية كثيرة هي من صميم أنوثة
المرأة ولذتها.
أنوثة ولذة ؟ نهداي عنوان أنوثتي؟
كيف سأبدو بعد استئصالهما؟ كيف سأتحمل؟ زوجي كيف سيتحمل؟
يقولون أن نتائج العلاج في هذه الأيام ناجحة بدرجة كبيرة ولا تنتهي
بالموت.
لكن هل يكفي ألا يكون المرض مميتاً جسدياً ليكون المريض بخير، وماذا
عن المرض الفكري والحسي والعاطفي ، اليس هذا ما حدث مع زوجي، عندما اعتقد أن
الحادث سيشل حركته السفلية الى الأبد، وابتهج مبدئياً عندما بدأ يتأكد أن
المعالجة الفيزيائية ستعيد كل العضلات المصابة الى العمل بنسبة أكثر مما توقع،
وسيعود يوماً الى طبيعته، وأن كل ما عليه هو الصبر والمثابرة والتمرين.
هل سأمر بعده بالمعاناة نفسها؟
يجب أن أفعل شيئاً يبعد عني أفكاري، حتى يحين دوري.
ترجلت وذهبت الى الموظفة أسألها عن موعد دخولي واستكمال أوراقي ثم
رحت أعبث بالمجلات أحاول أن أجد واحدة تشدني لقراءتها.
ولم أتأخر في الدخول.
دخلت وأغلقت الباب خلفي، تزاحمت أفكاري وخِلتُ المسافة من الباب الى
الكرسي المواجه للطبيب أمتاراً لا تنتهي، ماذا سيقول لي؟
طلب مني أن أشرح له التفاصيل وطلب مني الدخول الى غرفة الفحص.
بدأ بفحصي وانتهى وأنا كمن لا ذاكرة له ولا تفكير.
قال لي: هل في تاريخ عائلتك من أصابه المرض؟
قلت : لا
وراح يشرح لي كيف أنه لا يستطيع الجزم بالأمر قبل أن أقوم بالفحوصات
المختلفة وأن ورماً كهذا قد يعني كل شيء وقد لا يعني شيئاً، وبشكلٍ روتيني كتب
كلمات على ورقتين وطلب مني العودة الى الموظفة التي سترتب معي كل شيء وبعدها
نتكلم.
خرجت كما دخلت، وليس كما توقعت فقد زاد كلامه من حيرتي وقلقي.
سألتني الموظفة إن كنت أرغب باجراء الفحوصات اليوم أم في يوم آخر،
وبسرعة أجبتها الآن، الآن إن كان بالإمكان، دعتني لأتبعها الى عيادة أخرى في
هذا المبنى الكبير الذي لا أرى فيه إلا جدراناً بيضاء. كنت فقط أنظر الى خطاها
وأتبعها ولا شيء آخر حولي.
دخلنا غرفة انتظار أخرى فيها كراسي مماثلة كثيرة، وطلبت مني الجلوس
والانتظار حتى أسمعهم يدعونني باسمي، وبدأت رحلة الانتظار الممل المؤلم مجدداً.
حرارة أفكاري تتصاعد وبرودة أحاسيسي تشتد، ليتني أخبرت أمي أو أخي،
لكن ماذا سيفعلان، يقلقان؟ وبعد، ربما للاشيء.لاشيء، أعجبتني الفكرة، ليتني
أستطيع التمسك بهذا الاحتمال، لا شيء .
القلق سيزيد من قلق أمي البعيدة، والقلق الزائد يزيد مرضها لا غير،
وأخي البعيد معها لن يقربه قلقه ولن يزيل عني قلقي ولو قليلاً.
تساءلت هل كان يجب أن أخبر زوجي؟ وأجبت نفسي كلا كلا بالطبع لا، فهو
لا يحتمل أي جرعة اضافية من القلق، ولكن ألن يحس أنه بعيد عني اذا لم أشركه في
محنتي، كيف سيتقبل الخبر فيما بعد ان كان خبراً سيئاً؟ ربما كان يجب أن أشركه
في قلقي ليحس بشركتنا التي كانت دوماً قوتنا.
ربما هي مجرد كتلة دهنية نزيلها بسرعة وننساها، فلماذا لا أخبره؟
آه ما أقسى الانتظار..
لو كان بقربي أحد أتحدث اليه، لو كان بامكاني رؤية الوجوه التي أنظر
إليها، بالتأكيد بينها وجوه فرحة لوجودها هنا فربما تنتقل الابتسامة إلي
كالعدوى، لو كان بامكاني مشاهدة الصفحات التي أقلبها في المجلات المتكدسة على
الطاولات لابتعد فكري عما يرعبني من الموضوع برمته.
لا أنظر ولا أرى إلا وجوهاً متشابهة بلا تعابير ولا معالم، ولا أرى
من الصفحات سوى خطوطاً سوداء تقودني الى اللانهاية.
نادى صوتٌ اسمي فتنبهت ووقفت آملة أن أترك خلفي على الكرسي كل
الأوهام والأفكار ومشيت نحو الباب.
دخلت، ومجدداً أحسست الخطوات القليلة دهراً، واذا بها غرفة انتظار
أخرى لكنها صغيرة وليس فيها إلا كرسيين. هل هذا أفضل ؟ لم أعرف بما أجيب نفسي،
لكن الصوت لم يدعوني للجلوس بل للدخول الى غرفة أخرى لتغيير ملابسي وارتداء
الثوب الخاص بالتصوير الضوئي.
- مرحباً سيدتي، كيف حالك؟ ألم تتذكريني؟ أم أن الشارب الذي ربيته غير ملامحي
كثيراً، رأيتك قبل قليل في البهو الكبير تنظرين إلي وكأنك لم تتذكريني، أما
عندما لم تعرفيني عن قرب قلت لا بد لي أن أسلم عليك وأذكرك بنفسي.
- أهلاً أهلاً(تلعثمت الكلمات فيما بين لساني وشفتيّ، ولم أعد أعرف بما
أجيب،) أحسست بخجل كبير.
وأنقذتني الممرضة بحثي على تغيير ملابسي.
في تلك الغرفة الصغيرة أحسستُ الأفكار تنحشر في مساحة أصغر حاملة
كماً أكبر من القلق يكاد يحشر أنفاسي، فقد اقترب المصير.
لبست الرداء بسرعة وكأنه سينقذني من القلق وخرجت لتطلب مني الجلوس
على الكرسي بانتظار دوري التي قالت أنه لن يطول.
فعلاً لم يطل، ودخلت غرفة التصوير.
صمت طبيب التصوير وهو يقوم بعمله سمح لأفكاري بالعودة لكنها اصطدمت
بالشاب الذي قابلته للتو، كيف أنساه، كيف أنسى يوم أحضرناه الى هذه المستشفى في
حالة اسعاف، يومها خفت عليه جداً وتعاطفت مع كونه يعيش وحيداً بعيداً عن اسرته
ليبني مستقبله، وأحسستُني بجانبه أخت كبرى أو حتى أمٌ صغرى تسأل عن ولدها
المريض. زرته مراراً وسألت عنه أكثر وأخبرت أصدقاءه وحثثتهم على زيارته حتى
تعافى، تراه يذكر تلك الأيام؟
في الأشهر التالية لمرضه كانت تحيته الصباحية الدافئة في المكتب
تغني يومي وتعطيه نكهة أخوية يحتاجها كل انسان بعيد عن أخيه. وعندما ترك العمل
تمنيت له كل التوفيق لأنني علمت أنه ذاهب الى مركز أعلى، لكني علمت أنني سأشتاق
الى تلك التحية الصباحية الدافئة والاحساس بالإمتنان
الذي كان يشعرني به كلما التقينا. تراه يذكر؟
فرحت عندما سمعت أنه تزوج وصارت له رفيقة في غربته تعتني به وتنتبه
لصحته.
تنبهت لنفسي وقد انتهيت من الفحص ولبست ثيابي وعدت الى غرفة
الانتظار.
لم أرد الجلوس على الكرسي ذاته فربما أفكاري السوداء لا زالت هناك،
لاحظت أن عيناي راحتا تبحثان عن هادي، لماذا أبحث عنه؟ لأطمئن عنه أم لأطمئن عن
نفسي؟
فرحي برؤيته أكد لي أنني كنت أحتاج صحبة أحدهم في هذا الوقت، لماذا
لم أدعُ صديقتي الحميمة، لماذا لم أنتظر أحد أولادي الذين يدرسون في الخارج؟
أنا لم أخبرهم أو على الأصح لم أفكر بإخبارهم. لو كانت لي ابنة ربما كنت
سأخبرها ألا يقولون أن البنت هي سر أمها ، لطالما سألت الله لماذا لم يرزقني
بابنة تكون لي صديقة ولكني اليوم ربما سأشكره لأنني لم أرزق بابنة ترث عني
سرطان الثدي، لكن ربما ليس لدي أي شيء، أدور وأدور بأفكاري لأعود الى الفكرة
الملعونة ذاتها.
- مرحباً مجدداً سيدتي،
|