أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 12/01/2009

مجموعات قصصية / الكاتبة: هناء كرم سابا

ورود الإياب

إلى صفحة الكاتبة

لقراءة المجموعة القصصية

 

 

المجموعة القصصية

ناجي

الكرامة تحت أقدام الحرب

وادهن المأساة بالألوان

الإهداء

شيطان الوحدة

رحلة مع العقل

قلق الخريف

  ورود الإياب

مخاض الوهم

تجربة حية

حلم وحقيقة

هو قراري

 

ورود الإياب
 

 

 

الإهداء

إلى أبي الذي رحل عني قبل أن يحل ربيع أيامي ولكنه أورثني عشق القلم والكلمة والحرف.

إلى زوجي الحبيب الذي صار لي صديقاً وأبا روّي عشقي وغذاه حتى بدأ يرى النور.

هناء كرم

 


 

وأدهن المأساة بالألوان

 

 

أضع الأصباغ على وجهي... أرسم بالألوان تقاطيع كانت لي... أدفن تحت الأصباغ الشحوب و الألم... أدهن المأساة بالألوان و أرصّها في الداخل بعيداً عن وجهي... لأبدو للجميع كما كنت دائماً... سعيدة ... متلألئة... أحاول بخطوط إعادة الاشراقة التي لم تبارحني منذ ولدت و قد كانت اشراقة بدون أصباغ... لكنها منذ رحلت عني... لم أترك نوعاً من أنواع الصبغ أطلسه على ألمي... فقط أبحث عما يخفيه عن الأعين . أنا مضطرة اليوم... عليَ المشاركة في حفل استقبال السفارة اللبنانية... إنهم يقيمون حفلاً بمناسبة عيد الاستقلال... هه!!! أي استقلال؟؟ هذا الذي يحتفلون به ... يحاولون الحفاظ على الشكل الاجتماعي للبنان... بإقامة هذا الحفل... يحاولون تخطي المشاكل و الآلام ليبقى المظهر الخارجي لماعاً... هنا نحتفل في الفنادق الكبرى و نشرب نخب لبنان ونتمنى كل الخير و كل السلام... نتمنى... نهديه الكلمات و العبارات ... و ندهن الأصباغ على وجوهنا و نذهب للاحتفال... نلبس الأقنعة لنحافظ على صورنا... و هناك... المسلحون يحتفلون بطرقهم الخاصة... أو يمنعون الاحتفالات... يصبغون الوجوه بالخوف و الرعب و الدماء...

 

أسمع صوت وليد توفيق عالياً في الغرفة المجاورة « شجر الحور دخان، النهر دخان، و رذاذ المطر الناعم فوق الجرح دخان ».

 

- أطفئ هذا الفيديو يا بني... أو اخفض صوته... لا تنثر فوق الجرح ملحاً... أنا أضع الأصباغ  وأنت تسمع المأساة... الدموع الحقيقية الحارة تجرف الأصباغ « من ألبسك الثوب الأسود ؟ من قص ضفيرتك الشقراء ؟ » وتنجرف الأصباغ... و أتنهد عميقاً

 

- أرجوك يا بني هيا... اذهب إلى فراشك... سيحضر والدك بين لحظة و أخرى، يجب أن أنهي الطلاء... ألم أقل لك أننا ذاهبان لنسهر...

- ماما ، هل لبنان الذي يغني له وليد توفيق هو لبناننا ؟

- بالطبع يا بني و ليس في الدنيا غير لبناننا...

 

- لكن ما أراه هنا يختلف عمّا رأيته في « ألبوم » الصور.. الصور فيها مناظر رائعة.. أما هنا فالبنايات تحترق والناس يموتون... انظري هذا الطفل يبكي و لعبته تحترق.. « لي طفل يبحث عن لعبته في قبر أبيه »

- أرجوك يا بني حان وقت النوم... سأحدثك غداً عن كل ما تريد... و احكي لك عن لبنان... عن جماله وروعته... عن جباله و سهوله... عن أزهاره و أشجاره... عن بيتنا هناك... عن كرم الزيتون و شجرة البرتقال...

 

- أنت تسخرين مني يا ماما... تحدثينني عن لبنان و كأنه أجمل من باريس... لكن ما أراه في (التلفزيون) شيء آخر... لماذا لا تخبرينني عن الحقيقة.. لقد صرت كبيراً... أريد أن أعرف... أريد أن أرافق بابا عندما يذهب لرؤية جدي... ألست لبنانيا يا أمي فكيف يكون ذلك و أنا لا أعرف لبنان... هل تعدينني بأن أذهب...

- ستذهب يا بني.. بالتأكيد ستذهب.. أما الآن فاذهب إلى فراشك و قبل أن تنام .. صل إلى الله من كل قلبك واطلب منه أن يرحمنا و يرحم لبنان... ليعود كما كان... و لنعود إليه جميعاً...

« من يطفئ برد الشمس بحرﱢ الماء » و يسكت صوت وليد توفيق... أطبع قبلة على وجه ابني و يذهب إلى فراشه.. تراوده أحلام متباينة و يتساءل أهو لبنان الجمال و الروعة و الخضرة و المياه و الشمس الساطعة لبنانه.. أم لبنان الدخان و الحرائق و البيوت المهدمة و البطون الجائعة و الوجوه الباكية...

 

أصباغي جرفتها الأحزان.. و بانت الآمي ... نكشتها براءة طفلي « لبناني أنا و لم أر لبنان» مسكين يا ولدي.. أي لبنان تريد الذهاب إليه.. لبنان الذي تبحث عنه يعيش في قلوبنا و ذاكرتنا.. أرضه مفروشة في أعماقنا.. مياهه تسري في عروقنا.. حبه بنبض مع قلوبنا... لبنان الذي تبحث عنه لن تراه إلا في وجوهنا و على ألسنة ذكرياتنا... أما هناك حيث تريد أن تذهب فدخان ... دخان و ألم.. حرائق و أحقاد... رصاص و موت.. سلاح و خوف.. رمل و متراس و هروب... هروب...  العصافير تهرب الى الحياة... الأزهار تهرب إلى الموت.. الناس يهربون إلى الاستمرار.. الى التنفس . فالأفواه لن تكف عن طلب الزاد.. و الصدر لن يكف عن طلب الهواء... و هناك جوع و اختناق.. و لتهرب من الاختناق و الجوع تنسى كل شيء... تترك كل شيء... تحمل قطع اللحم من فلذات كبدك و ترحل مع أول بارقة أمل.. مثلنا فعل الكثيرون... تركنا البيوت والقصور و الأراضي و رحلنا مع الذكريات... كل منا اعتقد أن الغياب لن يطول...

 

و مرت السنون الواحدة تلو الأخرى... كلما وقفت أمام خزانتي لارتداء فستان تذكرت فساتيني.. سهراتنا... فرحنا.. أصدقاءنا.. كيف سأقنع ولدي بأن ما أخبرته عن لبنان صحيح؟؟ لبنان الروعة و الجمال...بيتنا الجميل... شجرة البرتقال التي زرعها جده يوم ولد أبوه... كان أولاد الحي يلعبون في فيئها... و كم تمنى جده أن يراه يلعب هناك كيف سأقنعه بأنها كانت رائعة حتى أتى عليها ذلك الصاروخ اللعين.. أحيانا أشكر الله أنه كان صغيراً و لا يستطيع تذكر صوت الانفجارات و القذائف التي كانت تقض مضاجعنا.. ثم أقول ليته كان كبيراً لتذكر الدار و الدوار... و عرف في أي نعيم كنا نعيش...

 

 

الساعة تدق التاسعة.. لن يلبث أن يفتح الباب ليقول لي ألم تنتهي بعد... لا أحب أن أصل متأخراً... لم يهدأ تفكيري... أتساءل كيف سيستجيب عقله البريء لتناقضات الحياة هناك... لتناقضات المناطق و المنطق ليس هذا فقط بل للتغيرات التي تطرأ عليها مع كل لفحة ريح... أنا نفسي أحيانا لا أفهم.. لم أحب السياسة يوما و لم أرغب التعمق في مبادئها و خطوطها و تعرجاتها مثلما كانت تفعل الكثيرات من زميلاتي... كنت دوماً أفضل الأدب... و كل شيء كان غزيرا.. كنا نعبَ ما نشاء من كل شيء.. من يومها كانت التناقضات واضحة لكن الإنسان كان إنسانا... فلم نشعر بالفوارق...

 

اليوم الإنسان لم يعد إنساناً بل ربما آلة للحرب تتحرك بحسب رغبة هذا و ذاك... علت الحواجز... و ارتفعت العوازل... و تكد ست.. أكياس الرمل و تكهربت خطوط التماس... الوضع بات مقرفا.. من يريد لأبنائه الترعرع في أجواء التلوث؟؟ لا يهم أي نوع من التلوث... فكري... عقلي... بيئي و جسدي.. كلّ حمل أولاده و هرب...  وكما فعل الكثيرون فعلنا

نيران الغربة.. و سعير الحنين... أفضل من أتون النار في الداخل... و اليوم نحتفل... بماذا؟؟ عيد الاستقلال... أمسح دموعي أغسل وجهي... أضحك من الأعماق.. أحسَ و كأن صوته أتاني مجدداً   « هيا ألم تنتهي بعد... لا أحب أن أصل متأخراً»

 

أعود إلى المرآة أرسم بالأصباغ وجهي المشرق الضاحك... أحاول جاهدة اتقان الرسم لاخفي تجاعيد الغربة وشحوب الألم... أكان الأجدر بنا أن نبقى هناك؟؟ نشارك في صنع الاستقلال الحقيقي؟؟ أكان الأجدر بنا أن نصمد و لا نتخلى عن بيوتنا و أرضنا و تاريخنا... و لكن لو بقينا كان يجب أن نقف في أحد الصفوف.. و نحن لا نريد الصفوف نريد الوطن.. وإن لم نقف نحن سيقف أولادنا يوماً و نفقدهم.. لأن الوقوف لم يعد ناضجاً... مجرد تصنيف عشوائي مخيف... تذكرت شجرة البرتقال... ذلك الصاروخ اللعين أودى بها ... كان يجلس تحت ظلالها أطفال من المنزل المجاور... كانوا يلعبون... يخطون عليها أحلامهم إلا أن الصاروخ سرقهم مع أحلامهم..

 

كادت الأصباغ تنجرف من جديد... حين سمعت القفل يدور في الباب و يعلو صوته حقيقياً...

- مساء الخير... ألم تنتهي بعد... لا أحب أن أتأخر...

- دقيقتين و أنتهي...

- ما بك... ما الأمر؟؟

- ألم تستطيع الأصباغ إخفاء الجلد...

- و هل تخفيها عني يا عزيزي... أعرف ما بك.. أعرف ما بنا جميعاً... لكن علينا الذهاب للمحافظة على الوجه المشرق... لبنان سيبقى... و سنحافظ على وجهه المشرق على الأقل في الخارج...

- هذا الوجه المشرق باستطاعتنا إعادته بسرعة بعد الراحة الداخلية أحسني لن أستطيع الصمود اليوم... الجميع سيبتسمون... لكني أغلي.. ربما سأبتسم.. لكننا جميعاً نحترق... فلمَ نجتمع... و لمَ هذا الاستقبال اصلاً...

 

- دعينا نشارك... دعينا نجتمع في مكان نعتبره لبرهات أرضنا... علَنا نجد بعض الدواء يطيب جروحنا المفتوحة... ا شكري الله دائما يا عزيزتي... لقد فقدنا المنزل و المال.. نعم لكن الأرض تعيش في داخلنا...

الوطن ينمو في عروقنا و سينتقل إلى أولادنا شئنا أم أبينا... أليس ذلك أفضل من أن نكون في منزلنا و نفقد  الأرض في قلوبنا.. و عاجلاً أو أجلاً سنعود... سيعودون و يزرعون الأرض من جديد خيراً و سلاماً.

- متى... متى.. يكون ذلك يبدو لي بعيداً...

- هيا لنذهب الآن لا أحب أن أتأخر...

 

 

الكرامة تحت أقدام الحرب

 

عيب والله، فتاة مثلك تتسكع هنا و هناك للتسول ، ابحثي لك عن عمل شريف تربحين منه لقمة نظيفة ، ألا تخجلين من نفسك ؟؟

- صدقيني يا سيدتي ، أنا اعمل ممرضة في مستشفى الشفاء و أحاول دائما زيادة ساعات عملي للحصول على مزيد من الاجور الاضافية لكن راتبي يكاد يكفي إيجار البيت و المصروف .. كل ما أحاول جمعه الآن ثمن تذكرة لأسافر إلى بيروت .. إن أخي يحتضر ... إصابته بالغة كما حدثتك..

 

- اعتدنا هذه الحكايات ... لم تعد تهز مشاعرنا ... كل يوم و آخر .. يأتي أحد ليخبرنا حكاية مشابهة ... لا تتوقعي مني ما يساعدك ... ما هذا ؟! لو فتحنا أبوابنا لأمثالك لما أغلقناها طوال النهار !

- ليبعد الله عنك هذه اللحظات يا سيدتي ...  معك حق .. أولاد الحرام لم يتركوا شيئا لأولاد الحلال .. أشكرك على كل حال ..

 

 

لن ألقي باللوم عليها ... لطالما رددتُ أنا المتسولين و أغلقت الباب دونهم ... و نصحتهم بالعمل الشريف الذي ينقذ الكرامة ... لطالما استأت من هذه العادة ... و لم يكن ليمر في خاطري أن الأيام و الظروف ستضطرني لقرع الأبواب ... ترددت كثيرا ... و ما زلت ..  لكني لم أجد حلا ، كل طرقة باب خنجر أدفنه عميقا في صدري لأحصل على بضعة دراهم قد تساعدني على جمع ثمن تذكرة السفر ..  كل خطوة أتقدمها في هذه البنايات الشاهقة .. المرتفعة الإيجار شوكة تدمي قلبي فتسيل الدماء على وجنتي دموعا حارقة و أتساءل ماذا أفعل ؟؟ ..

و ماذا بيدي أن أفعل .. هل أبيع نفسي ... هل أبيع جسدي ؟ أم أتناسى أخي المرمي على قطعة قماش لا يمكن أن يسمى فراشا في ركن من أركان مبنى كبير لو أطلقنا عليه اسم مستشفى لكان تجنيا منا على عالم الطب والاستشفاء ... أتناسى الجرح الذي مزق أحشاءه فخلف منه جسدا يتنفس بحاجة إلى جبل من الأدوية و المعالجة و لا يخفى على أحد أن هذا يكلف جبلا من الهموم و النقود ... ماذا أفعل ؟  ... أهتم بمرضى كثر و لا أستطيع حتى إعطاء شربة ماء لأخي ؟؟

 

قالوا لي : إنهم يتكفلون بكل شيء ... الدواء و الطعام ... لكن العلاج عندهم له أساليبه و إمكانياته تحدها الأوضاع الأمنية .. فكما كان صاروخ غاشم سبب إصابته .. صواريخ أخرى عديدة قد تكون سبب عدم معالجته ، قالوا لي: فإذا أردت له الشفاء الأكيد أرسلي في طلبه ... أُرسل في طلبه ؟؟  يوم كان صحيحا معافى يهد الجبال لم يستطع الخروج من أتون النار ... الآن ؟؟

 لأحاول مجددا .

 

- صباح الخير .

- صباح النور نعم ؟ سيدتي ليست هنا..

و أغلق الباب .

لم أضطر للتنفس لا للكلام .. لسرد القصة من أولها إلى آخرها .. كل مرة يفتح الباب ... أنسى وجودي فلا أكون إلا آلة تسجيل تسرد المأساة ... تستدرُّ الشفقة .. علها تضيف إلى الدراهم دراهما ... أنسى عزة النفس التي ربتني عليها أمي ( رحمها الله )   ... أنسى الرضا الذي زرعه والدي في نفسي ( رحمه الله ) لم نكن يوما من الأغنياء ... لكن القناعة كانت كنزنا الأكبر ... و دوما كنا سعداء ... هي الحرب اللعينة التي غيرت أحوال الجميع ... و كنا ضحاياها الأبرياء يوم وجد والدي العمل خارجا فرحنا لأننا سنخرج من الجحيم .. اعتقدنا أن لأمور ستسير كأفضل ما كان  ... يوم فرحنا ذاك كان بداية مشاكل من نوع آخر ... فقد تعذب والدي كثيرا و لم يستطيع إلحاقنا به ... فبقينا .. إلا أن نقوده كانت تنقذنا من الذل ... كانت قليلة لكنها تسد الرمق ..

 

- صباح الخير يا سيدتي  .

- صباح النور .. نعم ؟

- أتمنى ألا يصيبك مكروه مع عائلتك كلها  .. يا سيدتي أنا اعمل و أرسل القسم الأكبر من راتبي لعلاج أخي المصاب منذ ستة أشهر في بيروت .. إصابته بالغة جدا .. جعلت منه جسداَ مقعداً .. و زاد عليه بطء العلاج لأسباب كثيرة لا تخفى على أحد ... و لكن يبدو أنه الآن يحتضر ...

- و ماذا تريدينني أن أفعل ؟

- أطمع في كرمك يا سيدتي ... فأنا لا أملك ثمن تذكرة السفر ... و أخي قد يموت في أية لحظة ... و ليس له في بيروت من يدفنه لو مات (لا سمح الله ) ...

- مهلا ... مهلا... لا تبكي ... لا ينقصني النواح و البكاء .. تكفيني مشاكلي ...

- عفوا يا سيدتي ... يكفيني ما يجود به كرمك علي ...

 

معك حق أن تغلقي الباب ... فلطالما خفت مثلك أن يكون المتسول سارقا ... لا بأس ازدادت الدراهم في جيبي ... ليرزقك الله أيتها السيدة الكريمة ... و لكن كيف طاوعني لساني و قلت تلك الجملة ... ( ليس له من يدفنه لو مات ) .. ذلك فأل سيء ... هل كل ما في وجداني الآن جمع المال.. صحيح أن المال ملك يستعبد الإنسان ويذله، أخي قد يموت ؟؟ هل صار الموت عندي شبه طبيعي ؟؟ يوم نهش المرض جسد أمي في بيروت و ماتت  كنت أواجه الموت للمرة الأولى ، بكيت و بكيت يومها  أصاب الشلل فمي أياماً ... فقدت السيطرة على أعصابي أسابيع .. كانت المواجهة الأولى و فقدان أعز الناس لم ترتضي أمي أن تخبر والدي باستفحال مرضها ... كانت تقول يكفيه همه و تعبه ليؤمن لنا لقمة العيش و هو بعيد عنا ... من أين له أن يدفع ثمن علاجي ... لا يموت الإنسان إلا في ساعته ... و بقيت وحيدة مع إخوتي ...

 

- يبدو أن لا أحد في هذه الدار لأنتقل إلى أخرى .

- من يقرع الباب ؟ ماذا تريدين ...

- .... !!!!

 

- من هدى ؟

- خالتي أم سامر ؟

- تفضلي يا هدى ... لا تبكي ... ماذا تفعلين هنا تفضلي ؟ كيف عرفت عنواننا ؟

- ......

- تمالكي نفسك ما بك يا هدى ... أخبريني عن أحوالك ؟

- أنت يا خالتي ما الذي أتى بك إلى هنا ؟

- هنا بيت سمر ... ألم تعرفي أنها تزوجت و هذا بيتها ؟ إذن ألست آتية إليها ؟

- آه يا خالتي ماذا أقول لك ؟... أين سمر و كيف أحوالها ؟

- لا بأس الحمد لله ... زوجها رجل طيب صحيح أنه كبير في السن لكنه يحبها و يدللها كثيرا  وقد وافق على بقائها في عملها... و أيضا أصر على أن أسكن معهم ... ماذا نريد أكثر من ذلك يا أبنتي ... الحمد لله على الستر .. لكنها لم تنجب حتى الآن ... تعمل المستحيل الله كريم ..

- نعم الله كريم ... ليرزقها مراد قلبها ..

 

- و أنت يا هدى ما بك .. صحتك لا تبدو على ما يرام .. لباسك ؟ ما الأمر ... و ما الذي أتى بك إلى هنا ؟

- هل تصدقين يا خالتي لو قلت لك أنني أطرق الأبواب للصدقة ؟

- ماذا ؟ هل تمزحين ؟ لا تبكي أخبريني ؟

 

- أخي !! منذ ستة أشهر مصاب و أنا أرسل له نصف راتبي ليعتني به خالي ...  منذ يومين أخبروني أنه يحتضر و لا أمل في شفائه .. اشتهيت رؤيته ... تمنيت أن أذهب إليه أن أكون بجانبه ..

- و أين أصيب ؟

- لا أدري بالضبط ... فنحن لا نسمع أخبارهم إلا موجزة و مقتضبة... و كل من يأتي من هناك لا يعرف التفاصيل ... لم يعد أحد يسأل عن أحد ... و كما تعلمين ليس باستطاعتي دفع الكثير على المخابرات الهاتفية .. لم أجد حلا آخر .. طرقت أبواباً كثيرة أستدين المبلغ ... جميعهم يعلمون بحالي لذلك لم يقبلوا إقراضي لأنهم على يقين بأنني لن أستطيع الوفاء ... أحدهم وافق و لكنه وضع لي شروطا دنيئة ... فاخترت أن أطرق الأبواب و أطلب الصدقة على أن أبيع نفسي...

 

- ووالدك يا هدى ؟ ألم يفعل شيئا ؟

- مسكين والدي يا خالتي... رحمه الله  ... لقد مات منذ ثلاث سنوات و بعد التحاقنا به بعدة أشهر .. قهره ضغطه المرتفع .. لم يتحمل كثيرا  موت والدتي ..

- رحمها الله و أسكنها فسيح جناته .. كانت زينة الستات ... و لكن الجميع قال أن مجيئكم إليه سيحسن من أحواله و قالوا أيضاً أن الرجل الذي يعمل عنده ساعدكم كثيرا.

 

- نعم فلولاه ما استطعنا المجيء إلى هنا ... للحقيقة أنه رجل رائع حنون ... لقد ساعدني للحصول على عملي كممرضة في المستشفى و ألحق أخي الأصغر في المدرسة ..و سيحصل هذا العام على الثانوية العامة .

- و أين تقيمون ؟

- أنا أقيم في سكن الممرضات في المستشفى .. و أخي يقيم في سكن الخدم التابع لمنزل السيد خالد .

- لماذا لم تذهبي إليه ليساعدك ؟

- إنه مسافر مع عائلته ... و لا أحد في البيت سوى الخدم .

- سآتيك ببعض الطعام .. يبدو عليك الإرهاق .. كأنك لم تنامي منذ دهر ..

- البارحة كان دوامي في الليل ... و منذ ساعات الصباح الأولى و أنا كما ترين بعضهم يفتح لي بابه و بعضهم يغلقه في وجهي .. لقد جمعت حتى الآن منذ البارحة مقدار نصف ثمن التذكرة الحمد لله .

- أعتذر يا ابنتي ... ليس باستطاعتي تقديم المساعدة ... سمر ستعود من عملها ظهرا ما رأيك أن ترتاحي حتى تعود و ستساعدك بدون شك .

- هل تعود مع زوجها أم تسبقه ؟

- يمر عليها في عملها و يعودان معا ...

 

- إذن لن يكون الوقت مناسبا .. سأذهب الآن يا خالتي .. وسأعود بعد الظهر .. ألن أسبب متاعب لسمر ؟

- ستساعدك قدر استطاعتها ... لا يمكنني أن أعدك بأي شيء يا ابنتي...

- هل تمانعين أن أتصل هاتفيا و أعرف متى تريدني أن أحضر ..

- لا بأس ... ذلك أفضل .

- إذن استودعك الله ... شكراً جزيلا .

- مع السلامة يا ابنتي ... ليوفقك الله و يجعل في طريقك أولاد الحلال و يشفي أخاك .

- شكرا يا خالتي ... مع السلامة .

- مع السلامة ..

 

هل أكمل دورتي ؟ أم أعود ؟ ما زال ينقصني الكثير ... هل بإمكان سمر مساعدتي ببقية ثمن التذكرة .. قد يكون زوجها بخيلا .. لكنها تعمل .. لا يهم .. قد تساعدني و لكن علي أن أجمع المزيد ...

 أذكر أيام المدرسة كانت سمر صديقة رائعة لكننا لم نتقابل منذ زمن بعيد ... فرقتنا الأيام ... تراها تغيرت ؟ مهما تغيرت ستحدثها والدتها عن وضعي ... ستساعدني بالتأكيد ... هو أمر مخجل لكنني مضطرة عليﱠ أن أسافر غدا

 

... يا رب ساعدني ... أرشدني ماذا أفعل ؟

وتطرق باباً آخر

- صباح الخير سيدتي ..

- نعم ماذا تريدين ؟؟

وأعيد القصة من أولها ... أحس بالقهر ... كل مرة أطرق بابا أحس بالذل .. لا بأس الأيام قد تمحو القهر و الذل و لكن هل تعيد إليﱠ أخي ؟؟

لم  أكن أتوقع أن أجمع هذا المبلغ .. حين كنت أقرأ في الصحف أنهم يجدون مع المتسولين مبالغ كبيرة لم أكن لأصدق ... قد يكون الربح معقولا .. و لكن كيف يمكنهم أن يبقوا العمر كله دون طموح ... دون عمل مثمر ... كيف يمكنهم أن يتخذوا من الاهانة سبيلا و من التذلل طريقة لجمع المال ... تلك حالة لا إنسانية .. مهما كان العمل بسيطا .. إلا أنه يمنح الإنسان شعوراً بالرضا و التقدير الشخصي ... لكن المجتمع لا يرحم .. الحاجة تدفع الإنسان إلى فعل أي شيء ..

يدوس على قيمه ... على كرامته ... و أنا خير مثال على ذلك ... اليوم استطعت المحافظة على قيمي و أخلاقي ... لكني بنيت حاجزا حجريا طمس كرامتي و أنساني إياها ... تراهم يفقدون الشعور بالكرامة أمام الفاقة ...؟؟ و بعد ... أين سأصل ؟؟ يبدو أن الأمور تختلط في ذهني .. سأعود الآن ... و يكفي ما جمعت ...

 

لا ... ذلك أمر متعب ... لن أكرره مطلقا ... جمعت مبلغا لا بأس به ... لكن الثمن غالٍ ... أغلى مما كنت أتوقع .. لماذا يحكم علي القدر بذلك ؟؟  ما ذنبي ... لأشقى بأخوين و أدفع من كرامتي وتعبي ثمنا باهظا لأقدم لهما أقل ما يمكن ؟؟ يا رب سامحني .. الدموع تغلبني .. ترى كيف هو أخي ؟؟ هل سألحق به  ؟  هل سأراه يتعافى .. أم سيبقى أسير الفراش و الأدوية و سأبقى أسيرة العمل الشاق غير المثمر  ...؟؟

 

( و لكثرة التعب تسهو العين في غفوة عميقة اضطرارية )

- هدى ... هدى ... أسرعي مطلوبة على الهاتف ...

- نعم ؟؟

-  هدى استيقظي ... أسرعي مكالمة هاتفية لك ..

- سآتي بسرعة ... لحظة ... هل هي من بيروت ؟؟

- لا أعرف ... كانت المشرفة تتكلم وطلبت مني أن أدعوك بسرعة ... ربما كانت المكالمة من بيروت ... تبدو مهمة .

- الله يستر ... خير إن شاء الله ... ادعي لي يا سها ..

- أخبار حلوة إن شاء الله ...

- تعالي يا هدى ... لقد انقطع الخط ... سيتصل خالك مرة أخرى بالتأكيد ...

- ماذا قال لك ... أرجوك أخبريني ..

- يبدو أن الأمور لا تسير على خير ما يرام ..

- إذن ... قولي ... هل مات أخي ...  ؟؟

- تمالكي نفسك ... لا أعرف ... سيكلمك الآن بدون شك ... لأنه أصر على ذلك ..

- و ما الذي قاله لك ...

- لا تبك يا هدى ... تمالكي ... ها هو الهاتف يرن .. لا بد أنه لك ...

- ألو خالي ... طمئني كيف أحوالكم ... لماذا الأحوال لا تطمئن ؟ ماذا تقول ؟ في القسم الذي تعرض للقصف ؟ ... هل هذا معقول ... لا تصيب الشظية إلاَ  هو ... ثم لا يقصف من المستشفى إلاّ القسم الذي ينام فيه ؟و أين هو الآن ؟ ماذا ؟ غير معروف ؟ قل ... إذن قلها ... لقد مات ... قلها ... لماذا تخاف ؟؟ مات إذن .. سأحضر غدا لدفنه ... يجب أن أراه قبل أن يوارى الثرى ... لا تهتم للنقود سأتدبر الأمر ... ماذا ؟؟ ... لا ... غير معقول ؟؟ ... غير معقول ؟؟..

    و البكاء الدواء يغسل و يغسل ما في القلب و الروح ...

- ماذا قال يا هدى  ... اهدئي ... هل ستذهبين غدا ؟؟

- كلا !! ... كلا ... لقد مات أخي و دفن في قبر جماعي مع القتلى ضحايا القصف لأنهم لم يستطيعوا استبيان كل واحد منهم ... غير معقول .

- ابكي يا هدى ... لا تضحكي ... ابكي فالبكاء دواء ..

- دواء لأي جرح .. الجروح بليغة و عريضة ... فأيها أبكي ؟  و أيها أداوي ؟ ... هل تسمحين لي باستعمال الهاتف.

- بالطبع ..

- ألو ... أم سامر ... أنا أتصل لأقول ..

- يا هدى يا عزيزتي ... سامحيني ... و اعذريني ... سمر ليس باستطاعتها مقابلتك اليوم ... عندها موعد مع صديقاتها لشرب الشاي ... و غدا كذلك ... لكنها تركت لك معي مبلغا متواضعا أرجو أن تمري لأخذه ....

- شكرا يا خالتي ... شكرا لم أعد بحاجة إليه ..

- لماذا ؟ هل قدم لك أحدهم تذكرة ... ما بك ... هل تبكين أم تضحكين ؟

- لا ... لا عليك ... فأنا لم أعد أعرف حتى ... هل أضحك من الدنيا ... أم أبكي على نفسي ....

 

 

ناجي

 

إنه طفل في الرابعة  ... ربما يناسبه أن نسميه ناجي ، سأله ضابط الأمن : قبل أن تنام البارحة من كان يسهر عندكم ؟ أجابه الطفل :

- يا عمو لقد طلبت من ماما أن أكمل السهرة معهم فقالت أنهم ينتظرون ضيوفا و الأطفال الصغار الشطار مثلي يجب أن يناموا و هكذا فعلت .... و لم أعرف من سهر عندنا و لكن يا عمو ماما لم تنم بجاني كما و عدتني ...

استيقظت ووجدت نفسي على سرير عمتي … و مع أنه عالٍ و ماما لا تدعني أنزل عنه لوحدي … نزلت و بحثت عنها … صرخت و صرخت و لم يجيبني أحد … رحت أبحث فوجدتهم جميعا نائمين في الصالون على الأرض … ما بهم ؟ عمتي دائما توبخني لو جلست على الأرض أثناء اللعب و الآن ها هي تسمح للجميع بالنوم … ذهبت إلى ماما أولاً و حاولت إيقاظها دون فائدة … مؤكد أنها كانت تطبخ و نسيت البندورة على يديها ووجهها و ثيابها … و لكن كيف نامت دون أن تغسِّل لا ... لا بد أن هذه ليست بندورة ... إنه الدواء الأحمر الذي وضعت منه على رجلي عندما وقعت المرة الأخيرة ... و لكن كيف دهنوا وجوههم جميعا و أيديهم و أجسامهم ... ماما قالت لي هذا لا نلعب به فقط نضع منه نقطة مكان الجرح ليطهره فلا يؤلمنا .

 

ماما ... ماما ... أنا جائع ... أريد الحليب ... لا فائدة ... ذهبت إلى عمتي ... عيناها مفتوحتان و لا تجيبني ... لماذا ؟؟... البارحة نفذت أوامرها و لم أتعبها ... لكنها لم ترد علي لا أدري لماذا ... زوجها ينام بجانبها ... لم أطلب منه الحليب فهو يحضر لي الشيكولاته و ليس الحليب ...

دخلت الغرفة أبحث عن ابنة عمتي و أختي ... كلتاهما نائمتان ... أيضاً لعبتا بالدواء الأحمر ... لكن لماذا تنامان بدون ثياب ماما قالت ما زال الطقس باردا و يجب أن تنام ( بالبيجاما ) لم يرد علي أحد ... و لن يعطيني أحد الحليب ..

اوه ... أردت الدخول إلى الحمام ...

 

لم يستيقظ أحد ليساعدني ... ذهبت إلى أخي ... بحثت عنه لم أجده ... ربما ذهب ليشتري لنا الخبز ... فقلت لنفسي لا بأس سأكل الآن الخبز الساخن بدل الحليب أو ربما يعده لي أخي ...

سأذهب وحدي إلى الحمام فقد صرت كبيرا ..

لكن ما هذا وراء باب الحمام ... لا أستطيع فتحه ... بقوة ... بقوة أكثر ..

اوه هذا أخي ... ينام هنا في الحمام ... أيضاً هو لعب بالدواء الأحمر ... يبدو أن ماما قد عاقبته فحبسته في الحمام ... أخي ... أخي ... أريد الحليب ... أيضاً لم يرد ... دخلت وحدي ... نعم لقد استطعت ... صرت شابا ... لم أعد بحاجة إليهم ... أنا زعـلان منهم ... لكن الحليب لا أستطيع تحضيره بنفسي ... كنت ـســأبكي ...

 

لكني سمعت صوت صديقة ابنة عمتي تناديها كما كل يوم للذهاب إلى العمل ... فركضت إلى الشـرفة و طلبت منها الصعود لتحضر لي الحليب ... استغربت و سألت عن الجميع .. فقلت لها كلهم نائمون ...

 

عندما صعدت إلى البيت و قبل أن تدخل ... فقط نظرت إليهم من الباب و حملتني و أتت بي إليك يا عمو ... لا أدري لماذا ... أنا لم أشرب الحليب بعد ... و لم آكل الخبز الساخن ..

    الطفل يتكلم و الجميع مشدوهون يستمعون إلى روايته الطفولية المأساة دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة .

 

قال الضابط لمساعده : أقفل المحضر على أقوال الطفل ... و أرسلوا في طلب والده من العاصمة ... العنوان سجلته الصديقة التي بلّغت ... وعمموا الجريمة البشعة على الصحافة ... علﱠ الضمائر تصحو ...

 

وخرجت في الغد الصحف تحمل عنوانا يقول : جريمة بشعة تذهب ضحيتها عائلتان دخل عليهما مسلحون وقتلوا كل من كان في المنزل باستثناء طفل في الرابعة يبدو أنه كان نائما فلم يجده السـفاحون ... و لا دليل على السرقة ..

 

زاوية صغيرة احتلها الخبر وسط أخبار كثيرة مماثلة ... و الطفل انتظر والده الذي تركهم في القرية الهادئة وذهب بعيدا إلى العاصمة حتى لا ينقطع عن مصدر رزقه فإذا القرية الهادئة قبرا كبيرا لزوجته و أولاده و أخته وعائلتها ...

 

احتضن طفله و هو يثور ... يغلي ... ما هذا البلد ... هنا أيضا فقدهم ... تعذب كثيرا من أجل بقائهم آمنين ... عانى الكثير ليبعد عنهم شبح القلق والموت فإذا به يلحق بهم و بأبشع صوره .... لماذا ؟؟

 

من يسأل ؟؟ الفوضى تعم الهواء ... لا أحد يسأل عن أحد ... سيقيم الدنيا و يقعدها ... سيريهم ... لن يترك سبيلا لمعرفة الفاعلين ... قتلوا أخته و زوجها و اغتصبوا ابنتها و ابنته و مثلوا فيهما أيمَا تمثيل ... و زوجته الرقيقة ذبحوها و يبدو أنهم عذبوها ... ربما حاولت إنقاذ ابنتها ... ربما ... سيقول ... ربما طويلا ... فلا دليل ...  لا شاهد سوى فناجين قهوة تدل على أن الفاعلين معروفون و دخلوا دون عنف ... و هذا لا يكفي ...

 

إذا تخلى الضابط عن التحقيق وأقفل المحضر لعدم وجود أي خيط يمكن أن يقودهم إلى الفاعلين ... لن يتخلى هو ... و يثور و يغلي في داخله شيطان الانتقام ... كلهم قتلوا ... و بقي ناجي ... الكل حوله يتحدثون و يروون حوادث مماثلة محاولين تهدئته ... و هو يغلي ... يبحث ويفتـش ... و يتجسس ... وهو يغلي ...

 

والفوضى تعَم الأماكن الفوضى تعَم النفوس ... حتى الهواء صار رصاصا و حقدا ... حتى الماء صارت دماء ... و ناجي يصر على إعادة الحكاية من أولها كلما أراد أن يشرب الحليب .

 

 

 ورود الإياب

 

ســــيري يا مركبتي ... سيري كما تشائين ... إلى أين ؟؟؟ ... لا أدري .... في هذه اللحظات الصعبة و في قمة الغليان ... يحتاج الإنسان صديقاً مخلصاً يتوجه إليه مباشرة ... و أنا أين أصدقائي ؟؟ كل منهم جذبته بقعة من بقاع الأرض فسعى إليها هربا من أتون النار المشتعلة هناك ...

 

أين أصدقائي ؟؟ كان يكفي أن أُخرج من جوفي بركان الغضب ... أو أن أبكي ... فلربما ارتحت و استطعت البدء بالتفكير من جديد ... أما الآن ... فأنا أغلي في الداخل ... و كأن شررا تطاير من أعماقي فرفع حرارة الجو المحيط بي ... قد يكون الأفضل أن تتوقفي هنا على شاطئ البحر ... هو صديقي دائما .... صحيح أنه لا يجيب لكنه يكتنفك بعمقه .... يضمك بوسا عته فترحل بعيدا ... و قد يرحل غضبان و تهدأ ثورتك ..

 

مذ كنت طفلا أحببت الجلوس هكذا على الرمال ... و كما الآن كنت أمسك العصا و أخط خطوطا عشوائية و أنسى نفسي ... أما اليوم فلا أستطيع ذلك ... الحيرة تكاد تقضي علي .. و لا أعرف ما أنا بفاعل ...

 

كنت أتوقع كل شيء في الشركة ... منذ شهر و قلبي يحدثني بكارثة تخفيض المرتبات ... حسم الساعات الإضافية ... إلغاء المنحة السنوية ... أما استغناء عن الخدمات فتلك طامة كبرى .... حدثت لكثيرين من قبلي لكني لم أتوقعها ... كنت أعتقد أنني مؤثر لدى صاحب الشركة و كنت أصدقه عندما يردد على مسامعي بأنه لا يستطيع الاستغناء عني ... و كنت مطمئنا لذلك ... و اطمئن زوجتي كلما سمعنا بأن أحد الأصدقاء تم الاستغناء عن خدماته و يجهز نفسه للرحيل ... و العودة إلى بلاده ..

 

لم أرضّ يوما أن تختصر زوجتي شيئا مما اعتاده الأولاد بحجة الاقتصاد .... كنت دائما مطمئنا و أريد لأولادي الأفضل و الأحسن ... كنا سعداء ... لقد هربنا من أتون النار هناك و باشرنا الحياة هنا ... و كان لنا كل ما نريد ... و ها هي سنوات تسع قد مضت على وجودنا ... لم نفكر فيها يوما ترك البلد المضياف الرائع ..

 

اليوم ... اليوم بالذات ... يأتيني كتاب الاستغناء ... و في يوم عيد زواجنا ... آه يا زوجتي العزيزة ... كنت أتمنى أن أكون الآن إلى جوارك ... راميا رأسي على صدرك ..

 

كنتِ دوما متفهمة ... و دوما كنا سعداء نخطط معا ... تتفق آراؤنا ... لكني لم أستطع أن آتي إليك ... و أعلن فشلي ... نعم سأعتبره فشلا و لو أنه ليس كذلك ... لم أستطع أن آتي لأخبرك بأنني و بعد ثلاثة أشهر سأكون بلا فائدة ... مكبلا بشتى أنواع القيود التي كان عملي يحلني منها ...

 

لم أستطع أن آتي حاملا خبرا تعيسا كهذا ... أعرف ما حدث لكل من أعرفهم ... لم يجد أحد منهم عملا بعد أن ترك عمله ... جميعهم حزموا بيوتهم و أمتعتهم و عادوا ... أما نحن فأين نعود ... هل سآتي لأقول لك هيا هيئي نفسك ... فنحن مضطرون للعودة إلى بيروت ... و أنت قد مضى على آخر زيارة لك إلى هناك أربع سنوات ... لم تقبلي فيها الذهاب ... كنت تفضلين أن تأتي أمك إلى زيارتك ... أما ذهابك مع الأولاد فلا ...   و أنا ... في كل مرة اضطررت السفر إلى هناك لرؤية أمي و أبي كان ذهابي كابوسا لا أستفيق منه إلا و الطائرة تحط في مطار الكويت ..

 

كان أبي يقول لي ... : عد يا بني ... فنحن أصبحنا عجوزين ... يكبر أولادك بعيدا عنا ... عد بهم يا بني ليكبروا على أرضهم ... و يستنشقوا هواءها ... لا تسكن في بيروت ... تعال إلى الجبل ... المكان هادئ ... لا مسلحون ... لا طوائف ... و لا حرب ... نحن مرتاحون و المدرسة قريبة من قريتنا ... لماذا لا تعود ... قد لا تستطيع متابعة عملك كمدير للبيع أو كبائع ... باستطاعتك العمل معي في الأرض ... الأرض كبيرة و إذا عملت فيها بجد ستدر عليك أرباحا طائلة ...

 

لكن يا أبي : الأولاد كبروا بعيداً عن القرية ... بعيداً عن الفوضى ... بعيداً عن الحرب ... كيف أعود بهم ... لن يستطيعوا تحمل الحياة المقيدة ... و لن أقبل لهم الضياع الذي يغزو الشبيبة من كل جهة هنا .. بعد سنوات لن تطول لن أستطيع السيطرة عليهم ... لقد كبروا ... المستقبل أمامهم هناك مفتوح على مصراعيه ... فلماذا أعود ... الوطن نحمله جميعا في قلوبنا ... و هم يكبرون و حب لبنان يغزو دماءهم ... لكني لا أريدهم أن يعودوا إليه قبل أن يعود كما  كان أو على الأقل أن يتخلص مما هو واقع فيه ... كنت أقنعه دائما بهذا القول لكنها قناعة اضطرارية ... لا ينسى أن يقول لي بعدها ... كل الشباب الجيدون فعلوا هذا كل الشباب الطيبون هربوا ... فممن تنتظرون التحسن ... ستمضون عمركم في الخارج ...

 

ودائما كان يتساءل ... و إذا لم يدم عملك بهذا المستوى ماذا ستفعل ... لماذا لا تشتري لك بيتا هنا ... بالتأكيد بيتي مفتوح لك ... لكن عندما تشتري أنت ... أضمن عودتك أكثر ... و كنت أجيبه دائما ... يا أبي و بيتنا في بيروت ... سنصلحه إن شاء الله و لو كلفنا إصلاحه ثمن بيت جديد ... لا غنى لنا عنه ... كنت أطمئنه : عملي جيد يا أبي لا تخف ... و اليوم ... اليوم بالذات ... أنا هنا ...

 وحيدا أحمل كل القلق و الحزن ... أين أذهب ... لا أستطيع البقاء هنا يوما واحداَ بعد الأشهر الثلاث التي أمهلوني .... المصاريف باهظة لا أستطيع تحملها و أنا بدون عمل ... فإلى أين الذهاب ... حولي كلٌ وجد له ديره جديدة ... أوروبا ... أميركا ... و توجه إليها ... كل واحد منهم كان له طريق قاده إليه أخ أو أب سبقه ... أو رصيد كبير في البنك ... أما أنا فرصيدي ربما يعيدني إلى بلادي أما الذهاب إلى مكان أبعد ... فهذا مستحيل ... ماذا أعمل ؟؟ كيف أتدبر أمور عائلتي ...

 

لم تعد السنوات طويلة لالتحاقهم بالجامعة .. هل أعود بهم إلى الخوف و الجوع و الرصاص المتطاير و الشظايا الحارقة ... هل أعود بهم ليكبروا بين أنداد لم تعد الدراسة بالنسبة إليهم إلا سلاحا يحملونه على أكتافهم ... و مبادئ تغسل أدمغتهم التائهة و قوة يستمدونها من رصاصة قتلت كل المعاني النبيلة ... أما الكتاب فهو الشهيد الأكبر و المدرسة مأوى للمهجرين...

 

يقول والدي ... الضيعة لم تعد ضيعة ... عاد إليها الكثير من أبنائها و امتلأت ... هل آخذ أولادي لأحبسهم فيها ... مهما كبرت ...

 

ابني الأكبر الذي ينتظر التخرج ليلتحق بكلية الطب كيف لي أن أقنعه بأن زراعة الأرض أفضل ... لقد ابتعدنا عن الأرض منذ زمن بعيد ... شدنا العلم ... جذبتنا المدنية و نشأ أطفالنا هناك  ... كيف أعيدهم إليها هكذا بكل بساطة ... لن يحبوها بالتأكيد ... و إن عدنا ...!!! لا !!! لا !!1 العودة صعبة جدا ...

 

لو مرض أحدهم « لا سمح الله » البلد كلها مريضة !! أي مستقبل ينتظرهم ؟؟ كنت أقول لنفسي لو لم تسنح لي فرصة العمل في الكويت ... ماذا كنت سأفعل ؟؟ كيف كان أولادي سيكبرون ... كنت أشكر الله دائما على هذه النعمة ... ما حصل عليه أولادي يفتقده الكثيرون ممن لم يستطيعوا المغادرة ... هل أعود بهم  ؟؟؟

 

من حقهم علي أن أؤمن لهم حياة كريمة ... لكني في مقابل ذلك أطالب وطني في أن يؤمن لي بدوره حياة كريمة ... و لكن أين وطني لأطالبه بحقوقي ؟؟؟ و هل أديت واجبي نحوه ؟؟ أم هربت بأولادي و بحثت لنفسي عن أعذار كما فعل الكثيرون ...

 

اختلط كل شيء في ذهني ... هذه الحرب اللعينة لو أنها تتوقف ... لعدنا جميعا يدا واحدة لبنائه و تقويم ما أنقضَ منه و لكن متى ... ؟؟ متى تتوقف ؟؟ و حتى تتوقف ماذا أفعل ؟؟ أعود ؟؟

 

و أولادي؟؟ أرسلهم إلى الخارج ... أنتقي لهم أحسن المدارس ... ليبنوا مستقبلهم ... و قد يعودون يوما ... رصيدي في البنك ربما يتحمل بعض مصروفاتهم و أتبر الباقي فيما بعد ...

هل أتحمل بعدهم و فراقهم ؟ و إن استطعت فهل تستطيع والدتهم ؟؟ هل أتحمل مصاريف ذهابهم و إيابها إليهم أو بقاءها معهم ؟ و الحياة هناك ؟؟ هل هي كما أريد ... المستقبل العلمي نعم ...  و لكن مستقبلهم الأخلاقي و أنا بعيد عنهم ؟؟ مجتمعات يسيطر عليها خوف من نوع آخر ... سموم من نوع آخر ... و أنا لت معهم ... ألن يغزوني القلق أكثر ... مهما كانت ثقتي بهم و بتربيتهم ...

 

حيرة كبرى تغلي في داخلي ... لا أرى أمامي إلا سراديب مظلمة ... و طرقات ضيقة ... و أمواج بحر تتلاطم بقسوة و أنا على الرمل أرسم خطوطا عشوائية ...

   

فجـأة ...

 

انكسرت العصا في يدي ... فأحسست و كأنها صفعة قوية على وجهي ...

أليس من حق وطنك عليك أن توآزره في محنته ... على الأقل أن تبقى ... و تقاوم العنف و تبعد الإرهاب و تربي أطفالك في ظله ... هل تنتظر أن تستغني الشركة عن خدماتك لتعود ؟؟ و قد حدث ... لكنك تفكر بالهروب من جديد .... لماذا تفكر بالسيئ فقط ... كل مكان في الدنيا تجد فيه محاسن و مساوئ فلماذا تنظر فقط إلى المساوئ ؟؟ 

 

- لكن القضية ليست قضية محاسن و مساوئ ... القضية فيها حياة و موت ... موت في الداخل ... أحس أن الإحساس الإنساني بدأ يفقد قيمته ... المقاتل في الدرجة الأولى لو لم يفقد إنسانيته لما فعل ما يفعل ... مُكرها كان أو مختارا ... إلا أنه فقدها ... و الذي لم يشأ القتال و ابتعد عن ساحة الحرب غزت قلبه كراهية و حقد للقمع و الخوف و الذل الذي يعيشه و الذي لم يقبله يوما ... و أتى الجوع و الغلاء في نهاية المطاف ليقضي على آخر ما تبقى له من إنسانية ... فكيف أحمل أولادي بيدي إلى هذه المعاناة ... أنها معاناة لوضع غير طبيعي و لا أريدهم أن يعيشوا كابوسه طوال حياتهم .. أود لو يبقى لبنان في مخيلتهم و قلبهم كما رسمته لهم ... لا شك أنهم يسمعون كثيرا و يرون صورا كثيرة في الصحف و المجلات و على شاشة التلفزيون لكنه يبقى بالنسبة إليهم كالخيال .. الحقيقة مرة أكثر مما قد نتصور ... المعاناة الحقيقية كلا يمكن تقدير قوتها من الخارج .. لذلك لا أريدها لهم ....

 

ما الحل إذن ؟؟؟ 

 

لو كان لي بصيص أمل في حل ما لما كنت هنا ... لذهبت كما كنت قد خططت لشراء هدية زواجنا ... كنت أريد أن اشتري لها تلك اللوحة التي أحببتها في المعرض الذي زرناه مؤخراً .. فإذا بي أحمل لها بدلا عنها أخباراً مؤسفة ... أخباراً !!! طفل صغير أعادني إلى الشاطئ ... 

 

- عمو هل تعطيني هذه العصا ...

- لماذا تريدها يا بني ؟

- أريد أن أرسم مثلك يا عمو ... منذ ساعة و أنا أراك تتسلى بها ... يبدو أنها مسلية جدا فأنت لم تتحرك ... أعطيته العصا و داعبت شعره المتطاير في الهواء ... الذي يشبه شعر ابني الصغير و نظرت إلى ساعتي ... لقد مضى على غيابي ساعتين ... لا بد إنهم قلقون الآن ... كيف سأواجههم ... ؟؟ أنهم ينتظروني للاحتفال ...

 

كيف أبدل جلدي ... و أغير ملامح وجهي ... أحسني مدمرا و مع ذلك عليﱠ الذهاب ... لا يمكنني الهروب ... لن أستطيع شراء اللوحة ... لا بد أنها ستفرح أيضا بوردتين أقدمهما لها مع قبلتين حارتين أنقل إليها فيهما كل حبي و قلقي ... دوما كانت تحب الورود ... و سأجد حلا ... لا بد أن أجد طريقا إلى مكان ما ... لن أقبل إلا أن يكبر أولادي أقوياء ليعودوا أقوياء إلى لبنلن حين يعود لبنان .

 

 

قلق الخريف

 

 

استيقظت ... نظرت إلى ساعتها ... وجدت انه مـا يزال أمامها بعض الوقت قبل أن تنهض لتحضر القهوة كالمعتاد و تشــربها مــع والدتها ... أحبت أن تبقى في فراشها بعض الوقت ... فاليــوم ليس كباقي الأيام ... اليوم هو عيد ميلادها ... البارحة قبل أن تنام فكرت كثيرا و نقلتها الذكرى بين أطراف السنين الماضية فنبشت ذكريات و ذكريات ... إنها أعوام كثيرة ... إنها أربعون عاما ... كانت تعتقد أنها ستستيقظ اليوم متوترة الأعصاب أكثر من هذا ... إلا أنها تحـس بإحساس غريب لم تكن تتوقعه البارحة و هي تستعيد شريط الذكريات ..

 

عندما كانت في العشـرين من عمرها لم يخطر لها أنها ستكون وحيدة في الأربعين كانت ككل فتاة تحلم بفارس أحلامها الذي ستقضي معه أيام عمرها في عسل دائم ... كان الأصدقاء حولها كثر و ما زالوا إلا أنها لم تتزوج أحداً منهم ... عندما أحبت للمرة الأولى كانت في العشرين ... و أحست أنها ملكت الدنيا بحبيب رائع أحبته كثيرا و أخلصت له ... و أحبها كثيراً إلا أنه كان يغار عليها غيرة مجنونة ، غيرة حمقاء دفعته إلى محاصرتها و تضييق  الخناق عليها .... لا خروج ... لا عمل ... لا متابعة الدراسة ... كان يريدها عروسا جميلة في بيت يكون مملكتها المسّورة و لأنها كانت واعية ، ناضجة، مرحة تحب الحياة ... و دخلت معترك العمل و الحياة باكرا تلافت في البدء خلافات كثيرة ... لكنها بعد ذلك لم تعد تستطيع احتمال الخطأ ... و المحاصرة «تلفتِ ... ابتسمتِ .... ضحكتِ تقبلتِ مجاملة ... و كانت المناقشات تشتد و القلوب تقسو .. لا تمشِِِِِ وحدك ... لا تنظري إلى هناك ... ابتسامتك لم تكن ضرورية .... ليس هناك ما يجعلك تضحكين كل هذا الضحك ... لا أحب هذا النوع من السهرات ... و تتباين الطباع ... و القلوب تقسو »  حتى تكسر الحب على صخور الغيرة ... 

 

أدركت أن غيرته ستهدم الحب إن عاجلا أو أجلا ... صبرت و حاولت بالتفاهم مد الجسور ... تشبثت علّها تنقذ الموقف ... إلا أنه تكسر ... فكانت صدمتها قوية ... يومها اعتقدت أنها نهاية العالم و قمة اليأس إلا أن الأيام كانت كفيلة برأب الصد وع

وما لبثت أن استعادت ثقتها بنفسها و عاودت نشاطها و حماسها فتخرجت من كليتها قبل زملائها و برعت في عملها بفضل كدها و نشاطها وكانت تعيش حياة سعيدة .

 

كانت كلما تقدم لخطبتها شاب تعيد عليها والدتها محاضرة المستقبل و تصر على دفعها للتعرف عليه علّها تجد فيه شريك العمر المرغوب إلا أنها لم تصادف ذلك الإنسان الذي يأسر عقلها و قلبها ... و عندما قابلته سافر ... و لم تكن تلك مشكلة كبيرة بالنسبة إليها لأنها كانت قد وهبت حياتها لعملها الذي أحبته كثيرا ..

 

لم تفكر يوما أنها اليوم و هي في الأربعين كانت سترغب أن يكون بجانبها زوج محب و أطفال يقدمون لها الهدية و يقبلونها فتضمهم إلى صدرها ضمة تغمر العالم بالحب ... لم تكن لتحس أنها ستكون في الأربعين وحيدة ... لكن الأيام سرقت عمرها و سرقت سنواتها بسرعة كبيرة ... البارحة عندما نظرت إلى نفسها في المرآة قرأت في عيون نفسها قلقا و اضطرابا ... ترى في أي سرداب يسير المستقبل أمامها ... لو سافرت معه لما كانت اليوم هنا ...

 

طرقات خفيفة على الباب أعادتها فإذا والدتها توقظها ... « هيا لقد أعددت القهوة» .

 

منذ سنوات عندما قابلته و اسر قلبها و عقلها ... لو قبلت السفر معه لما كانت اليوم هنا ... هل أخطأت ... إنها الحرب اللعينة ... هي التي فرقت بينها و بين مستقبلها ...  هي لم تقبل السفر معه حتى لا تترك والدتها وحيدة وسط أزيز الرصاص وهدير المدافع ... و هو لم يستطيع البقاء ... كان مسؤولا عن أختين أرساهما للدراسة في الخارج ...

 

مع أن المدة التي قضاها قريبا منها لم تتجاوز الشهرين إلا ّ أنها جعلتها تتأكد أنه هو من تبحث عنه .... كانت أفكارهما متقاربة ... مفهوم الحياة لكليهما واحد ... أحس كل منهما أنه خلق ليكون شريك الآخر إلا أنه كان لكل منهما ارتباط لم يستطع التخلي عنه ... هو مرتبط بعمل في الخارج إضافة إلى رعاية أختين في عمر الورود لا يمكنه تركهما ... كما لا يمكنه العودة بهما إلى أتون النار المشتعلة خاصة بعد أن أودى صاروخ بحياة والديهما و منزلهما ... و هي لم تستطع ترك والدتها و منزلها و عملها في زمن الاستقرار فيه ضروري ... و هي إن استطاعت ترك كل ذلك و اللحاق بنداء قلبها إلا أن والدتها لن تستطيع ترك عملها و مورد رزقها و اللحاق بابنتها و ترك المنزل الذي تركه لها زوجها و هو كل ما تملك ....

 

قرر الاثنان تأجيل الارتباط ووعدها أنه فور انتهاء الحرب سيعمل جاهدا للعودة السريعة فكانت تضحيتها رباطاً جديداً يقوي التفاهم و الحب .

 

في الفترة الأولى التالية لسفره كانت رسائلهما كثيرة ... ثم انقطعت فترة لاشتداد المعارك و إغلاق المطار ... و عندما هدأت الأحوال فترة وصلتها منه خمس رسائل كانت مكدسة ... و هكذا مضت السنوات و الحرب لا تنتهي كان كل إجازة يعدها بأنه سيأتي ليقضيها معها و في كل مرة كانت ظروف البلد القاهرة تؤخره  .  الأيام باعدت بينهما ... أتون النار المتأجج الذي يعيشون فيه فاق نار الحب المشتعلة في القلوب فخبا توقدها ... قلق الحياة اليومية كان يؤكد لها أن هناك مصائب كثيرة أكبر بكثير من قلقها عليه و على مستقبلها ... حاولت أن تعد السنوات التي مضت على لقائهما الأول فوجدتها سبع سنوات .... كانت تعلم أنه لم يعد ليأخذها لأن السبب الذي منع زواجهما في المرة الأولى لم ينعدم ولم يتغير ... و ها قد مضت ثمانية شهور على آخر رسالة وصلتها منه ... و الهاتف اللعين معطل منذ سنين .

 

رسائلهما لم تكن شوقا ملتهبا كما يتبادله المراهقون بل كانت رسائل مفعمة بالتفاهم و النضوج و الرؤية المشتركة .... كان لا يكتب لها شيئا إلا و تشاركه فيه الرأي و كذلك هو . لماذا تأخرت رسالته هذه المرة ... هي اليوم بحاجة إلى كلماته ... بحاجة إلى أن تشعر أن الأربعين عاما التي مضت من عمرها لم تفقدها أنوثتها و اهتمام الشباب بها ... صعب جدا أن تفكر و لو للحظات أن القطار فاتك أو سيفوتك قريبا و ستقضي العمر وحيدا .... دون شريك ، طرقات أخرى خفيفة على باب غرفتها أعادتها إلى وعيها دخلت والدتها و هي تحمل القهوة و تقدم لها أحلى الأمنيات و التهاني بعيد ميلادها .. كانت هكذا دائما أمها تحب أن تستيقظ قبلها يوم ميلادها و تقدم لها القهوة مع الهدية .

 

ما بها تفكر هكذا اليوم .. ها هي والدتها أمامها ... أرملة منذ اثنين و عشرين عاما .. تعمل و تؤمن لنفسها حياة حرة كريمة ... و فضلت العيش وحيدة على أن تتزوج مرة أخرى ... ها هي أمامها لا تفكر بالمستقبل بتلك الطريقة المظلمة ... لكنها تعود لتتساءل وضع أمها مختلف ... أمها تعيش بأمل زواج ابنتها و إنجاب الأولاد و الاستقرار من خلال استقرارها ما العمل إذن .... يجب أن تكون أقوى من هذا ... التشاؤم و القلق لا يحلان المشكلة .... ربما يجب أن تكتب بصراحة إلى صديقها و تعرف موقفه الجدي منها فإما أن تقطع علاقتها به لتستطيع فتح عينيها على من حولها أو يضعا حلا و نهاية لهذه العلاقة .

 

قبلتها والدتها و جلست بجانبها و قدمت لها القهوة قائلة : اليوم هديتي يا ابنتي ليست ككل الهدايا ... أظنها هدية ستعجبك جدا ... استغربت إذ لم تر في يد والدتها سوى ظرف كبير .... أعطتها إياه و قبلتها ثانية ... فتحته بكثير من الشوق و الدهشة فإذا به بطاقتا سفر إلى بلد المحبوب ... لم تفهم شيئا و نظرت إلى عيني أمها فإذا بها تطلب منها قراءة الرسالة التي في الداخل ...

 

ترى ممن هذه الرسالة ... أمها تعرف أن لا شيء يسرها مثل رسالة من المحبوب ... بالتأكيد أنها منه حتى تتوقع كل هذا السرور ...  فعلا نعم ... إنها منه ... يا للفرحة ... فضتها و قد ملأت دموع الفرح عينيها ... هو يطلب منها بحرارة أن يقدم لها التهاني بعيد ميلادها و أن تحضر مع والدتها إلى البلد التي يقيم فيها لتمضية الإجازة و الاتفاق على كل شيء فهو لم يعد يحتمل بعده عنها ...

يا للفرحة ... لم يطل قلقها ... لم يطل انتظارها ... الأمل لاح مسرعا ... لم تسمع صوت الانفجار الذي دوى قريبا من المنزل ... لم تنتبه إلى فنجان القهوة الذي وقع من يدها ... كانت لحظتها فقط تشعر بحاجتها إليه ... حاجتها إلى الاستقرار بجانبه ... و هي مؤكدا لن تنسى ... والدتها قوية ستستطيع ترتيب أمورها وحدها بلا شك ... و الحرب مهما طالت فلن تكون مرة أخرى حاجزا أمام حبها و مستقبلها ...

 

  

 

رحلة مع العقل

 

 

إنه شاب رائع .. يمكن أن تتمناه أية أم عاقلة لا تطلب من الدنيا إلاّ ولداً ناجحا مطيعا .. يعطي كل شيء حقه .. الدراسة ، الطاعة ، الشخصية الفذّة ، النشاط ... رائع بمعنى الكلمة ... حيث لا يمكن لأب مريض يعرف أنه راحل عن الدنيا أن يتمنى ولدا أفضل منه سلوكا و نشاطا و تفوقا ...

 

كـان متفوقا في دراسته ، لطيفا في معاملته مع كل من يحيطه ... يجامل هذا و يثني على ذاك .. له طرقه في طرح أفكاره الجديدة و له أسلوب رائع للإقناع  ... لا يصرف من وقته إلا هنيهات يرتاح فيها و يستلقى ليستعيد نشاطه أو يأخذ أخته للنزهة والترويح عن النفس ... أنهى دراسته و التحق بكلية الهندسة التي طالما كان يتوق للالتحاق بها ... و كـانت حلما من أحلام والده الذي توفي و ترك له رعاية أخته وأمه مع قدر من المال غير قليل لكنه يكاد يفي الحاجة ..

 

أرادت له والدته التفرغ للدراسة ليتخرج بأسرع ما يمكن و من ثم يجاهد ليساعدها في مصاريف أخته ... فأطاع رغبتها ووجد تلميذا يعطيه دروسا خصوصية تساعده أجورها على تحمل مصاريفه الشخصية ... لم يـكن ما يعكر سماء حياته ... كـان قانعا بما قسمه الرب ... متفائلا دائما .. لكنه كلما مر في ذلك الشارع المليء بالمقاهي الراقية ... و رأى جموع الناس التي ترتادها خفق قلبه و دسّ يده في جيبه ليتحسس ما فيها من نقود و أصلح من ثيابه و تساءل : هل سيمكنه  يوما ارتياد هذه المقاهي .. و لو شرب القهوة أو تناول قطعة حلوى .. لم يـكن يعرف كم يكلف ذلك بالضبط .. لكنه دائما يشعر أن تلك النقود التي في جيبه تسير إلى أماكن إنفاقها دون توقف فكيف يستغني عن أحدها و كلها ضرورية .. إنه مقتنع بما يفعل .. لـكن ذلك لم يكن ليمنع عنه ذلك الشعور بالإحباط كلما مر في ذلك الشارع أو حتى قريبا منه .. كـان يعتقد أن ارتياد هذه الأماكن لها متعة خاصة .. لا يمكنه إحساسها .. و هي مقتصرة على طبقة معينة هو ليس منها .. لكنه سيكون .. لا بد أن يكون .

 

لم يـكن يعرف أنّ كل مرة يعاود المرور فيها تزيد مشاعره إحباطا .. حتى كاد يكره الاقتراب .. لـكن أخته تحب أن تتمشى في ذلك الشارع المليء بالخضرة و المياه المنسابة شلالات حلوة حيث يقصده الجميع و كأنه مهرجان تجتمع فيه الشبيبة .. هذا يسترق النظر إلى تلك ، و هذه تنظر من بعيد إلى ذاك نظرة خجولة علّه ينتبه إليها ، و تلك تصطحب صديقة لمقابلة صديق تتمشى معه ... 

 

وهو لا يحب أن تذهب أخته إلى هناك بمفردها ... ثم ما يشجعه أنها تصطحب صديقتها الحميمة معها ... و هو يحب صحبة هذه الصديقة اللطيفة و كم كان يتمنى لو أن باستطاعته دعوتهما إلى أحد هذه المقاهي المنتشرة ... و كلما وجد مجموعة من الشبان يجلسون بصبة فتيات صديقات أو أخوات اكفهر وجهه و أحس بذلك الإحباط الشديد ... لكنه أبداً لم يظهره لأحد ... ليتذكر بعد قليل بأنه قانع بما لديه و يكتفي بأن يشتري لهما كوزين من الذرة أو شرابا باردا أو حتى قطعة بوظة ..

 

ذات يوم كان جيبه يحمل مرتب شهر كامل من العمل و الجهاد مع ذلك التلميذ البليد الذي استطاع بجهوده أن يحسن من أحواله و يرفع من معدله فما كان من والده إلا أن منح الأستاذ مكافأة مالية ليعبر عن شكره ... جيبه يحمل المرتب و المكافأة .. و مر في ذلك الشارع ... جيئة و ذهابا .. مرة .. مرتين و هو يحدث نفسه و يشاورها في الدخول إلى ذلك المقهى بالذات ى... يقرر و يتردد ... ماذا لو كلفه ذلك مبلغا محترما ... أليس من الأفضل أن يشتري ذلك القميص الباهظ الثمن الذي أحبه منذ شهرين و كان ثمنه أكبر من المبلغ الذي يمتلكه هل يشتري القميص أم يشرب فنجان قهوة و يدفع ثمن استمتاعه بدخوله عالم الأثرياء ... 

 

أصلح من ثيابه و شد أزر نفسه و اندفع يحث الخطى إلى المقهى ... شعر أن كل الناس ينظرون إليه .. ارتبك .. هل سيحسن التصّرف ؟ هل سيشعرون أنه لا ينتمي إليهم ؟ ، لا إنه في هذه اللحظة مستعد أن يدفع كل ما في جيبه ثمنا لذلك ... اختار طاولة منفردة  أمام النافذة و سعى إليها .. ربما ليراه الجميع ... جلس على الكرسي و مد قدميه ليجبر نفسه على الاسترخاء ... و سوى قميصه .... فجأة خطرت له فكرة جعلته يلملم قدميه و يغزوه الارتباك من جديد .. هل يناسب لباسه مكانا كهذا ؟ . هل كان عليه ارتداء البدلة الوحيدة التي يقتنيها ؟ ... نظر حوله ... هذا بدون ربطة عنق ... و ذاك أيضا ... لا بأس إذن .

 

اقترب النادل ... فاستوى في جلسته محتارا هل يعامله بلطف أم بفظاظة ... ترى كيف يتصرف هؤلاء الناس ... ماذا عليه أن يفعل ليبدو واحدا منهم ... نفخ صدره و بكثير من الرفعة همﱠ أن يقول ... و إذا بالنادل يسبقه بالقول : عفوا سيدي الطاولة محجوزة ... تفضل إلى الطاولة المجاورة من فضلك . لا يعرف كيف يتحرك عن الكرسي و انتقل إلى الطاولة المجاورة ... ألف خاطر دار في رأسه .. لماذا يا ترى فعل النادل ذلك ... هل هي محجوزة فعلا أم تلك حجة اتخذها لإبعاده عن هذه الطاولة .. أهي الطاولة الأهم ! من يكون ذلك الذي حجزها ! أهو أفضل منه ! قد يكون أثرى منه لكنه بالتأكيد ليس أفضل منه في شيء آخر ... ليست الثروة هي المهمة في حياة الإنسان ... الشخصية و العلم و الإيمان والحب ما يميز الإنسان ... فليكن أثرى منه لكنه ليس أفضل ...

 

 - هل أفسر ذلك  للنادل .. لا لزوم لذلك لن يفهمني .. ما هو إلا نادل هنا لماذا أقول هذا .. حتى لو كان كذلك قد يفهم ... هل كونه نادلا يعني أنه لا يفهم .. ربما أكمل تعليمه لكن ظروفه اضطرته للعمل هنا .. سيدي هل تنتظر أحدا أم تريد أن أقدم لك أية خدمة ! كلمات النادل أعادته إلى الطاولة فاستوى و بكثير من الرفعة طلب فنجان قهوة ..

 

لماذا يتعالى على هذا المسكين ... لماذا يحس أنه أعلى منه شأنا ... هو دائما يقول أن الناس سواسية و سواسية يجب أن يعاملوا ... في كل شيء ... لكنه يحس بالتعالي و الرفعة أمام هذا النادل المسكين ... شعور لم يستطيع إبعاده ... مهلا .. ماذا لو لم أستطع دفع ثمن فنجان القهوة ... كلا لا يمكن أن يكون باهظا إلى هذه الدرجة .. لم يستطع أن يسأل النادل كم يكلفه ذلك ... فهذا سيدل على أنه يقصد المكان للمرة الأولى ... جلس يمعن النظر هنا وهناك ... يفتش عن عيون تحسده كما كان يفعل عندما يكون خارجا ... هل يرونه في الخارج ... تلك الطاولة المحجوزة كانت بالتأكيد ستبدو من الخارج ...  أما هذه ... فهل يراه أحد !!

 

كلﱡ منشغل بمن يرافقه ... لا يعيره أحد انتباها ... ليته أحضر أخته ربما كان قد تسلى معها و لم يحس بطول اللحظات ... لماذا يطول إحضار فنجان القهوة ... لكنه  لم يأت لشرب القهوة فقط ... فليستمتع بجلسته و يفرد قدميه ويسترخي ...

 

رأى النادل عن بعد يحمل الصينية المذهبة و عليها فنجان قهوة  و كأس ماء . هو فنجانه بالتأكيد لأنه فنجان وحيد متوجه إلى طاولته ... ارتبك .. هل يدفع له مباشرة كلا هو يرى في الأفلام أن الناس يدفعون عند المغادرة إذن عند المغادرة ... كيف يقولون أن الأفلام غير مفيدة ها هي الإفادة واضحة ..

  

أخذ الرشفة الأولى .. و بعدها ثانية .. لم يجدها كما توقع لذيذة لها طعم خاص هل لأنه سيدفع ثمنها غاليا !

 

كان يرتشفها و يقول لنفسه –هل هذا كل ما في الأمر ... بماذا يختلف الجلوس هنا عن النمشي في الخارج لينني اشتريت القميص و لم انزلق للدخول إلى هنا ... لا بأس لاستمتع بالرشفة الأخيرة طالما سأدفع ثمنها لا محالة .. ثمنها !! كيف سأسأله عن ثمنها ...

 

وتذكر الفيلم ثانية لا بد أن ورقة الحساب هنا في مكان ما .. و هم أن يفتش كل ما على الطاولة لكنه تنبه ... و بكل رفعة أعاد يده إلى طرف الطاولة وراح يبحث بعينيه .. لا بد أن تكون تحت الفوطة في ذلك الصحن ... فتحها بكل حذر .. زادت ضربات قلبه .. لا لا تستحق كل هذا الاضطراب ... ليس الثمن باهظا لكنه سيلتهم المكافأة  .. لا بأس فهو أقل مما توقع .. و دسّ يده في جيبه ليخرج المبلغ بكل رفعة ... فارغ جيبي فارغ .. كيف !! الآن وضعت نقودي فيه ... فارغ ... إنه غير مثقوب فقد أخاطته أمي بالأمس و تأكدت من ذلك بنفسي .. هل سرقني أحد هل كنت مضطربا إلى هذا الحد فلم أحس بالسارق يمد يده إلى جيبي !!! مستحيل ... هذا لم يحدث معي مطلقا ... كنت أسخر ممن يحدثونني عن حوادث مماثلة ... لكن جيبي فارغ أين ذهبت نقودي يا للفضيحة .. ترى ماذا سيفعل النادل بي ! لابد أنه سيرسل في طلب صاحب المحل ! أو ربما استدعى شرطيا ... أمي ... أمي ماذا سيكون موقفها .. يا للفضيحة ... ليتني وقعت و كسرت قدمي قبل دخولي ... ليتني ... مهلا .. مهلا ... لقد تذكرت وضعتها في جيب قميصي مع بطاقتي الشخصية .... أوه الحمد الله ... وضع الحساب في الصحن تحت الفوطة و خرج مسرعا .. لم يترك حتى شيئا « للبقشيش » فهو لن يعود ثانية ..  خرج و هو يضحك من نفسه .. يضحك عاليا من الداخل حتى كادت الضحكات تخرج عاليا و تتحول البسمات المرتسمة على شفاهه إلى قهقهة عالية ...

 

لا بأس تجربة مثيرة .. لكنها تجعلك تضحك من نفسك عندما تعتقد أشياء مشابهة .. لن يفكر بالدخول مرة أخرى ... فالمبلغ الذي وضعه في الداخل كان يكفيه ليشتري لأخته و صديقتها المرطبات و الذرة أربع مرات و في هذا متعة أكبر .. أو ربما دعاهما ذات يوم .. ليحتفل بتخرجه لكنه من المؤكد أنه لن يشعر بذلك الإحباط مجددا .. فقد كسر ذلك الشعور الزجاجي الذي كاد أن يحطمه ... من المؤكد أنه سيقصد ذلك الشارع كلما تسنى له ذلك و سيستمتع بصحبة من يرافقه و لن ينظر مرة أخرى إلى تلك النوافذ ليرى من فيها و ماذا يفعلون بل سيوافق أخته على الجلوس أمام نافورة المياه و الاستمتاع .. لا شك أنها ستفاجأ بموافقته على الجلوس لكنه ربما سيحكي لها يوما تجربته .

 

 

شيطان الوحدة

 

 

هل تشعل سيجارة ؟ إنها لا تحب التدخين .. لكنه عمل قد يضيع بعض الوقت ؟ .. ألا يوجد شيء آخر يضيع الوقت ؟ ..  بلى أشياء كثيرة لا تحصى لكنها وحيدة تملّ من كل شيء فقد عزفت قليلا على البيانو و هنأت نفسها على التقدم الذي أحرزته نتيجة التدريب الدائم .. غرزت بعض الخيوط في قطعة التطريز التي ستنهيها لتقدمها مفاجأة إلى ابنتها .

 

أنهت باكرا عملها المنزلي .. و الطبخ ما زال الوقت مبكراً جداً لتبدأ به فالأولاد لا يعودون إلى المنزل قبل الخامسة أو السادسة مساء و الساعة ما زالت تقارب العاشرة و النصف .

 

بعد أن أشعلت السيجارة  عادت و أطفأتها ثم لبست معطفها و حملت مظلتها و توجهت نحو الباب ، أقفلته و سارت قدماها في الطرق الذي اعتادته .

 

المطر ينهمر و البرد قارس لكن لا بأس قد يكون مشوار كهذا دواءً ناجعاً في يوم مملَ .. المشكلة ذاتها تتكرر كل يوم .. الأفكار نفسها عادت لتتخبط في ذاكرتها مع قدميها التي تتخبط في الماء و الوحل .

 

تستيقظ من الصباح الباكر لتحضر لأولادها الفطور .. لكلَ ما يحب ، طبعا باستطاعتها أن تتركهم يحضرون طعامهم بأنفسهم إذ لم يعودوا صغاراً لكنها إذا فعلت و تأخرت في الاستيقاظ فمعنى هذا أنها لن تجد أحداً منهم في البيت و بالتالي لن تفتح فمها طوال اليوم فهذا البلد الجميل اللعين لا مكان فيه إلاَ للعمل الروتيني ، لا جارة و لا فنجان قهوة ، ولا « صبحّية » كل يسعى إلى عمله مبكرا ..

 

- صباح الخير ..

- صباح الخير كيف حالك

- بخير شكراً ..

وتابعت طريقها دون أن تكلف نفسها حتى مشقة السؤال عن العائلة ، أو ماذا تفعلين ؟ أو تفضلي .. يا لها من جارة .. و قالت في نفسها .. لماذا ألومها هذا تفكيرهم ..لا بد أنها تسعى الآن لإتمام عمل ما في بيتها .

 

لو كانت الآن في بلدها لوجدت ألف بيت و بيت تذهب إليه ، لوجدت ألف حبيب يطرق بابها ليسأل عنها ، أمّا هنا فلن تتوقع أن يطرقه إلا بائع الحليب مرة في الأسبوع ليقبض ثمن  الحليب و ساعي البريد إذا كان هناك بريد مسجل .. وصلت إلى محطة القطار .. ها هو الساعي .. حسنا ستحاول أن تتحدث إليه علّها تجد السلوى .

 

- صباح الخير ..

- صباح النور ،كيف حال العائلة ؟

- اوه .. شكراً الجميع بخير ..

- هل السيد ما زال مسافراً .. يبدو أن رحلته طويلة هذه المرة ..

 

- فعلا حتى أنك لاحظت ذلك مع أنك لا تراه كثيراً فهو دائم السفر .

- حقاً أنني لا أراه لكن عندما يكون مسافراً أراك باستمرار أليس كذلك ؟ عفواً الهاتف يرن .

 

كم هو مزعج هذا الهاتف .. ألم يجد غير هذا الوقت ليرن .. فقد وجدت من تتحدث إليه لكن لا بأس هذا هو القطار قد وصل .

 

جلست كالمعتاد قرب النافذة و راحت نظراتها تتابع المناظر الجميلة التي تعلمتها عن ظهر قلب .. حتى أنها بدأت تتناسى جمالها و عادت أفكارها تتخبط .. حتى عامل القطار هذا لاحظ وحدتها .. صحيح أنه قد مضى على وجودهم في هذا البلد عدة سنوات .. و صار الجميع يعرفهم .. لكن هذا لا يمنع بأنه قد لاحظ ذلك ..

 

في بعض الأحيان تستطيع السيطرة على أعصابها و أفكارها فتضبطها و تقضي يوماً مريحاً و سعيداً تنسى فيه وحدتها تنتقل من عمل إلى آخر و يمضي النهار و لكن في معظم الأحيان لا تستطيع ذلك و ما يزيد الأمر سوءً أن لا أحد يشعر بها .. على العكس يحسدونها على الحياة المريحة التي تعيشها ، كل يقول لها لماذا أنت مستاءة فلا هم ّ عندك ولا واجبات تنتظرك تستطيعين أن تفعلي ما يحلو لك .. لو أنهم يدركون الوحدة و الملل اللذين يتملكانها .. يعودون في المساء كلّ إلى غرفته فهو قد قضى يوماً متعباً جداً و لا يحس بأي استعداد للحديث و الدردشة و حتى الضحك و أكثر الأيام حظاً بالنسبة لها عندما يجتمعون معا لتناول العشاء فيخبر كلﱡبطريقة مختصرة ما حدث معه و قد يسألونها كيف أمضت يومها لكن دون استعداد لتلقي أي تأفف أو حتى تفاصيل .

 

ويبدأ الليل باكرا لتعود معه المشكلة ذاتها .. ( التلفزيون ) مملَ دون أن تجد من يشاطرك حضور المسلسل أو البرنامج المضحك فتهزأ من نفسك و أنت تضحك وحدك ثم إنّ الجلوس في تلك الغرفة الكبيرة مع صوت الأشجار في الخارج و رذاذ المطر ليس باللذة الكبرى .. فتصعد إلى غرفتها .. تندس في فراشها تحت الغطاء السميك علّها تحس بالدفء و لكن من أين ؟ من أين تأتي بدفء النفس فالحبيب ليس بقربها يحيطها بذراعيه و يلقي على مسامعها كلاماً يشعل النار في الجسد ، أو حتى يسمعها نكتة تضحكها حتى التعب فتدفأ .. أو تستمع إلى انفعاله وهو يحدثها عن عمله و مشاكله فتشاركه الانفعال و تدفأ .

 

ها هي وحيدة .. و الهاتف اللعين لا يرن لتستمع إلى صوت حبيبها .. أفكارها الباردة لا تسمح لها بأن تمسك كتاباً و تفهم معنى جُملِه .. ها هو القطار قد وصل إلى المحطة التالية .. فتحت الباب و نزلت .. ألقت التحية على عامل المحطة .. أعطته التذكرة و خرجت من المبنى .. بعد أن فتحت مظلتها وقفت أمام الشارعين .. إلى أين ستذهب فهي ليست بحاجة إلى شيء معين .. هل تذهب من هنا ؟ لا.. لا .. هنا لا يوجد إلاّ محلات الثياب و الأحذية و قد ملّت من رؤية الواجهات و التجول في المحلات و كم من مرة اشترت أشياء دونما حاجة إليها عندما تحس بالخجل من عاملة المحل التي تتعرف عليها من كثرة زيارتها للمحل .

 

إذن من الشارع الآخر .. أيضا لا .. هذا الطريق يأخذها إلى المحطة الثانية التي تضج بالناس و التلامذة كل يسعى راكضا إلى عمله فتضيع وسط الزحام . 

 

لو كانت في بلدها .. لعرفت نصف الناس و سرت برؤية وجوه تعرفها .

 

إذن ؟ ها هي قد توجهت في الطريق المقابل للشارعين .. هذا الطريق يأخذها إلى الحديقة .. وحيدة ؟ لا بأس .. كل من يسمع عن حياتها و طريقة عيشها يحسدها و يتمنى لو كان مكانها .. فهي تستطيع فعل ما يحلو لها .. الحصول على ما تريد .. شراء ما تشتهي .. الجميع يحبها و الجميع يريد راحتها .. لكن لا أحد يفهمها .. يشعر بالذي يتعبها و يقضي على انطلاقة إشراقتها .. كم من مرة حاولت أن تشرح لهم .. كلّ يقول لها أنها تبالغ .. لو كانت مكانها أية امرأة لشكرت الله ألف مرة على الراحة التي تتمتع بها .. فهم يذهبون معها إلى السوق مرة في الأسبوع مساء بعد عودتهم بشكل دوري لتأتي بأغراضها حتى لا تضطر إلى حمل أشياء ثقيلة تتعب يديها و كتفيها .. زوجها موجود في البيت بشكل مستمر عندما لا يكون مسافراً .. فماذا تريد بعد ؟؟ لقد نسوا أشياء كثيرة .

 

جلست على مقعد أمام النهر تحت مظلة كبيرة و ضمت ياقة معطفها حول رقبتها .

 

لقد نسوا أنّ مقابل الأحد عشر يوماً التي يقضيها والدهم في البيت هناك عشرون يوماً تقضيها وحيدة يتصل بها كل يوم ليطمئن عنها و يدردش معا و يخبرها مستجدا ته .. حتى أيام وجوده ... الأيام الأولى لوجوده يرتاح فيها من عناء السفر الطويل و تعويض ما فاته من الراحة و النوم و الأيام التالية يكثر العمل للتحضير للسفرة التالية إلى جانب التفكير بالاستقرار و التحضير للمستقبل .

 

حتى الطعام .. كم هو مزعج و منفر أن تضع المائدة لتجلس و تتناول طعامك بمفردك .. طبعا تستغني عنها بلقمة تسد الرمق .. ومن ثم القليل مع هذا و القليل مع ذاك فيختل التوازن ..

 

حتى هذه الأفكار هي نفسها دائما فقد ملّت منها.. يجب أن تتخلص منها .. أن تسيطر على هذه الأيام الملبدة بالغيوم السوداء .. أن تمتلك رياح إرادة قوية تدفع هذه الغيوم لتنقشع عن سماء زرقاء صافية تضم الكون و الأرض بحنان . 

 

نعم هذا هو القرار الحكيم .. أن تنسى هذه الأفكار .. أن تبعدها كلما حاولت الاقتراب .. أن تشغل نفسها بأشياء أخرى .. كمن يحاول الابتعاد عن التدخين .. من أين ستنطلق هذه الرياح ؟؟ و من أين ستستمد قوتها .. يجب أن تجد لها منطلقا .. قامت مجدداً و فتحت مظلتها و عادت تتابع مسيرها .. لكن هذه المرة كانت خطواتها مختلفة .. 

 

كانت تمشي بعزم .. بخطى تحمل كل معاني الأمل و الاندفاع .. نعم يجب أن تقتل هذه الأفكار .. يجب أن تقتنع بأنها مخطئة في كل هذا .. أن تأخذ الموضوع و المشكلة من جوانب أخرى .. من جوانبها المضيئة فلا بد أنها ستكون مرتاحة أكثر .. 

 

مثلا أن تكثر من أصدقائها الصامتين و تخصص لكل منهم وقتا معينا أن تنوع اهتماماتها .. أن تغير نوعية الكتب التي تقرأها .. أن تتجه إلى العزف .. بمقطوعات صاخبة مليئة بالأمل و الحياة و تبتعد فترة عن السيمفونيات و الألحان العاطفية .. أن تعتبر ترتيب المنزل و إعداد الطعام و الاعتناء بالحديقة كما لو أنها وظيفة رسمية و أن تعتبر ابتسامتها و روحها المرحة و تحمل أعباء الأولاد و حتى كلامهم القاسي عملا إضافياً .. و هكذا ستجد الأشياء تنبع دون إنتهاء و حبها للأولاد و المنزل سيطغي على كل شيء فهو منزلها و هم أولادها قطع من قلبها و هو قطعة قلبها الكبرى فكيف لها أن تستاء و لو قيد شعرة من بُعده و من تصرفاتهم .. لكنه الشطان اللعين .

 

لقد وصلت إلى البيت .. لم تحس كيف وصلت إلى المحطة و ركبت القطار .. عيناها لم تلاحظا الطريق .. أذناها لم تسمعا صافرة الانطلاق و صافرة الوصول .. أعطت التذكرة للساعي دونما كلمة .. لم تنتبه إلاّ و هي في عشها الافىء .

اوه كم هو جميل الآن .. كم أحبته . خلعت معطفها و حذاءها المبتلين و راحت تدور و تدور فاتحة يديها .. و صعدت إلى الطابق العلوي دخلت كل الغرف .. لقد اختلف البيت .

 

أسرعت إلى غرفة الجلوس حيث تركت السيجارة في المنفضة فأخذتها و رمتها في سلة المهملات كمن يرمي لحظات مرّة و كأنها تقول لها ... اذهبي إلى غير عودة أيتها السوداء .. و عادت إلى ( البيانو ) تعزف لحناً .. سعيداً جداً .

 

و إذا بالهاتف يرن .. كم هو دافئ اليوم صوته .. و كأنه تغير .. لا هي التي تغيرت .. عادت إلى العمل و بدأت بتحضير الطعام و هي تدندن أغنية تحبها .

 

الباب فتح .. نظرت إلى الساعة .. الأولاد بدأوا بالعودة ..  لقد مضى النهار سريعاً .. كل شيء تغير .

اذهب إلى الجحيم يا شيطان الوحدة .

 

وضميني إليك يا شمس المحبة و الهناء فالعالم كله يتغير .. البرد ينقلب دفئا .. و الوحدة تصبح راحةً .. و الظلام ينقشع نوراً ..و هدير الرياح يتحول إلى موسيقى عذبة تدفئ و تغري بنوم هادىء .

 

 

مخاض الوهم

 

 

كنت في طريق عودتي من عيادة الطبيب النسائي .. كنت أطير من الفرح .. قدماي تسيران أو تطيران لم أعرف .. كنت أود أن أصرخ بأعلى صوتي و أمام جميع من أصادفهم في طريقي « إني حامل » ... بعد أربع سنوات من الزواج و العلاج و الحزن و الأمل و الشوق .. إن في أحشائي جنينا انتظرته و زوجي أعواماً طويلة .. إني حامل ..  ما خاب أملنا .. أخيراً سنصبح أبوين .. زوجي هو الآخر فرح فرحاً لا يوصف عندما كلمته من عيادة الطبيب لأؤكد له الفرحة التي أكدها لي الطبيب .

 

اصطدمت قدمي بحجر و كدت أتعثر.. فاستعذت بالله و دون شعور مني وضعت يدي على بطني و كأنني أتحسس الجنين الذي لم يتحرك بعد لأطمئن أنه لم يصب بأذى .. قلت : خير إن شاء الله .. و تابعت المسير .

   

صديقة لي صادفتها في الطريق سرقت فرحتي يومها .. سلمت عليها بلهفة و في فمي فرح قلبي أردت أن أزفه إليها حين رأيت على وجهها حزن الدنيا كلها .. فابتلعتُ فرحي لأسألها و أسمع خبرا جعل الفرح يغوص و يغوص في أعماقي لأقاسم صديقتي و كل أصدقائي حزنا على صديقة لنا كنا ننتظر خبر وضعها لمولودها فإذا بنا نسمع خبر وفاتها أثناء الوضع .. صدمة حقيقية أودت بأفراحنا جميعا .. فالفرح يؤجل و أما الحزن فلا .

 

أيام كثيرة مرت قبل أن أستطيع تمالك نفسي و الذهاب إلى زوجها و أهلها لمواساتهم .. مع أن الواجب يتحتم عليﱠ فعل ذلك إلا أن زوجي كان يقوم بواجبي و قد منعني الجميع خوفا على الجنين الذي طالما انتظرناه مرددين باستمرار « الحي أبقى من .. الميت » .

 

ماتت .. رحلت .. و يكبر الرحيل في قلبي فأحسني بعيدة عن الدنيا زاهدة فيها .. هكذا ساعات أو لحظات تفصل ين إنسان حياً أو ميتاً .. قبل أيام من وفاتها ذهبت لزيارتها و أخبرتها بأنني ربما سألحق بها إلى ألام الولادة التي كانت تخاف منها ففرحت لي كثيرا و صارت تحدثني عن كل الأشياء الطبيعية التي تمر بها الحامل .. لكنها رحلت .. و يعود رحيلها ليمزق سكينتي .

 

يوم ذهبت إلى بيتها لأعزي زوجها و أهلها .. تمالكت أعصابي تماما .. دخلت فرأيت صورتها تتصدر الغرفة .. كانت تبتسم .. ابتسامتها الطبيعية المعتادة حتى لتخالها تكلمك و تهفو لاستقبالك بكلماتها الحلوة .. لم أحس بالموجودين لم أنبس ببنت شفة .. كنت أستمع إليها .. ليس في أذني إلا صوتها .. حتى خيل إليﱠ أنني سمعتها تقول لي أن في بطني بنتا و أنها قد أعطتها عمرها و تمنت عليﱠ أن أسميها باسمها .

وتملكني هذا الإحساس .. صرت كلما خلدت إلى النوم أراها تحدثني و كلما استيقظت أراها أمامي .. كلما تحرك جنيني أقول هي هنا في داخلي .. كنت أحبها جداً و هي كذلك لهذا استقرت معي و في دمي . 

 

كنت أتساءل لماذا هي بين كل النساء تموت أثناء الولادة .. لماذا هي و ليس أنا أيضا .. ما الذي يجعلها تختلف عني .. و تكبر الأوهام في داخلي .. و يكبر القلق في قلبي .. طفلي أريده بكل ما أملك من إرادة و حب .. أريد أن أعيش له و أربيه .. هل سأستطيع ذلك .. أم أن نصيبي سيكون مثلها .. تركت طفلها منذ اللحظة الأولى .. لم تتمتع بتربيته حتى لم تره .

 

إيماني بالله كبير و أعرف أن لكل إنسان قدراً و ساعة يرحل فيها لكن إحساسي هذا يستعبدني و يؤرق أيامي و ليالي ... كنت كلما ذهبت إلى الطبيب و أخبرني أن كل شيء طبيعي .. أهزأ من كلامه في فرارة نفسي .. هي أيضا كان يقول لها ذلك .. و كلما اقتربت أيام الولادة أحس أنها هي الأيام الباقية لي في هذه الحياة .

 

كلما رأيت زوجها و قرأت حزنه العميق و قلقه على ولده الذي ينشأ دون أم .. كلما نظرت إلى الطفل البريء الذي كتب له البعد عن أعز مخلوقة أرتعد و أتصور طفلي مكانه و ترتسم في مخيلتي صورة زوجي و الحزن ينهش قلبه .. وساوس شيطانية تغزو أفكاري و أنا مستسلمة لها لا أستطيع إبعادها .. كلما نجحت في ذلك تعود مسرعة لتنهش فرحتي .

 

ولم أستطع يوما أن أتحدث بذلك حتى لزوجي و أمي .. كنت وحيدة .. غارقة في خوف مرعب ..

   

في الأسبوع الأخير السابق لولادتي .. رتبت المنزل على أنني راحلة .. ثياب الطفل .. أغراضه .. مستلزماته .. حاجات زوجي .. كل شيء مرتب و كأنني راحلة و لن أعود ... كابوس الولادة يلاحقني .

 

وأخيراً حانت الساعة ... !!! كلما بدأت آلام المخاض كان خوفي يبعدها .. صورة صديقتي مرتسمة في خيالي لا تفارقني .. أهتف إليها من أعماق نفسي .. أرجوك ابتعدي .. أريد أن أعيش لطفلي .. و أحسها تمسك بيدي لتقودني إلى الغيب .. ضربات فلبي تتسارع .. و يبتعد المخاض .. ابتلعه .. لا أريده أن يبدأ .. حتى بدأت حالتي تسوء و الطبيب حائر في أمره مني .. اضطر معها إلى إجراء عملية قيصرية 

 

عندما وضعوني على عربة المستشفى انقلي إلى غرفة العمليات أمسكت يد زوجي .. أردت أن أودعه .. أن أحدثه عما سيجري لي ..  أردت أن أقول له لا تنتظرني .. اهتم بابنتي و سمها باسم صديقتي .. لكني كنت مستسلمة .. مسلوبة الحس .. فقد ضغطت على يده و قرأت قلقا كبيرا في عينيه .

 

نظرت إلى أمي فإذا عيناها مليئتان بالدموع تحاول التماسك بغير فائدة .. ضغطت على يدي تشجعني و أنا مستسلمة .. أغط في بحر من الأوهام كاد يودي بحياتي .. لم أشعر بالطبيب يعطيني المخدر .

 

ورحلت البارحة .. عندما أفقت لم أصدق نفسي .. فتحت عيني .. أغمضتهما .. و كأني طفل يولد من جديد .. شعرت أن ذاكرتي تأتي بالتدريج .. أنا حية .. لم أمت .. فتحتهما مجدداً .. إني أتنفس .. أستطيع فتح عيني .. ها هي أمي أمامي .. نعم عرفتها .. أنا أبتسم .. تذكرت .. هكذا يبتسمون .. و الابتسامة تعني الفرح أنا فرحة .. لم أرحل .. أنا هنا لأكمل مشوار حياتي .

 

أغمضت عيني مجددا لكني رحلت هذه المرة في فرح .. كنت سعيدة إلى درجة الاستسلام .. لم أفق إلا على صوت زوجي الذي أسرع بعد أن نادته أمي . 

 

- حمدا الله على سلامتك .

فتحت عيني بصعوبة لأقرأ فرح العمر الذي عاد .. أخذ يدي و ضغط عليها فأحسست حنان الدنيا و أمل المستقبل .. قاومت المخدر و الفرح و قلت له .

- هل ابنتي جميلة .. نسميها !!1 لم أستطع نطق اسمها لكن زوجي قال لي بدهشة .

- من قال لك أنك أنجبت بنتاً .. إنه ولد .. ولد جميل مثل والده .. إنه ولي العهد .. ماذا تريدين أن نسميه؟؟

 

   أخذني الذهول .. لم أستطع التفكير .. لم أستطع الابتسام .. فقط غططت في النوم .. جبل عال من الأوهام انزاح عن كاهلي .. غططت في نوم لذيذ .. سمعت زوجي ينادي الممرضة بسرعة لترى ما بي .. و سمعتها تقول لهم .

- اتركوها ترتاح فتأثير المخدر لم يزل يجب أن تنام .. هي بحاجة فقط إلى النوم .. لا تخافوا .

 

ابتسم قلبي .. رأيتها في حلمي مجدداً .. لكنها هذه المرة ترفل فرحاً و بيدها وردة أعطتني إياها و هي تبتسم .. و ابتسمت بدوري .. أردت أن أعتذر منها .. فقد حملت  نفسي أوهاما تافهة طرحت عليها ثوباً منها صورت لنفسي أحوالاً لا دخل لها فيها لكني أقحمتها و اعتبرتها المسؤولة .

 

« صديقتي سامحيني .. تعالي إليﱠ .. هاتي يدك .. » لكنها ابتعدت .. ابتعدت و هي تلوح لي .. أردت اللحاق بها .. لم أستطع .. قدماي مسمرتان في الأرض .. رفعت يداي و لوحت لها .. غابت في سماء صافية فتحت عيني مجددا .. بروح جديدة .. رأيت الجميع حولي يبتسمون .. ينتظرون .

 

ابتسمت .. طلبت رؤية طفلي .. احتضنته و نسيت عذاب الأيام كلها و رأيت أمل المستقبل في عينيه .

 

  

 تجربة حيّة

 

لبّيت دعوة إحدى صديقات العائلة إلى أمسية تجمع فيها صديقاتها المقربات ، و هناك عندما عرفتني عليهن شكرت الصدفة التي جمعتني بسيدة طالما كنت أود التعرف عليها . فقد سمعت عنها الكثير و قرأت في أيام شبابي الأول الكثير مما كتبت في مجلة المدرسة . تحمست للحديث معها و مناقشتها فكان لي ما أردت لأن زيارتنا لم تكن كغيرها من الزيارات الفارغة إلاّ من أحاديث الموضة و الطعام و الجيران بل كانت الأحاديث من أروع ما يكون .. تناولت مواضيع شتى سرﱠ بها الجميع و اشترك بها .. إلاّ أن سؤالا واحداً كان يغلي في داخلي لم تسمح لي المناسبة طرحه عليها لذلك حرصت على أخذ موعد آخر منها لمتابعة المناقشة .. و كان ذلك في اليوم التالي في منزلها .

 

إنها مدرسة ناجحة جداً ، عتيقة الأمد بالتربية .. لطالما كتبت لنا ما ساعدنا أيام المراهقة ، أفكارها متحفظة متحررة ، تقنع الكبير و تساعد الشاب  أذكر الكثيرات من صديقاتي اللواتي تأثرن بمعاملتها لهن و تبعن نصائحها لقد كانت في نظر الكثيرات منا أماً مثالية و مربية فاضلة .. فلماذا فجأة تركت كل شيء .. تخلت عن الكتابة ، عن المدرسة . و انزوت في منزلها كمن لا حيلة له هاربة من شيء ما لم يستطع أحد معرفته ، و كم حاولت عندما عدت إلى مدرستي و صرت مدّرسة فيها أن أعرف أحد الأسباب علّني أقنعها بالعدول عنه لكن أحدا لم يعطني عنوانها ، تهّرب الجميع من الإجابة فابتعدتُ بدوري خوفاً من تدخل يسيء إلى إنسانة لا أحب لها إلا كل الخير .

 

استقبلتني بالتأهيل و جلسنا نتحدث عن أيام التدريس و مشاكل التلاميذ و قالت لي :

- لا اذكر أنك كنت من تلميذاتي فأنل لا أنساهن أبداً .

- فعلاً لم يساعدني الحظ لأصل إلى الصف الذي كنت تدرسين مواده و كم وددت ذلك لكنك ابتعدت قبل أن يصلني الدور .

و بعد أن تخرجت من الجامعة عدت إلى المدرسة و أصبحت مدرسة فيها و كم تمنيت أن أكون زميلة لك أستفيد من خبرتك لكنك أيضاً كنت بعيدة فلمَ ؟؟ .

 

و تهربت من الإجابة .. كلما وجدت منفذاً أتسلل منه لمعاودة السؤال تسد المنافذ و تموه الأحاديث .. خفت الغوص في الأعماق فأنا لا أعرف بُعد المدى .. ارتأيت التقرب أكثر . تبادلنا زيارات عديدة مع الأصدقاء و بدونهم .. كنت يوماً بعد يوم ألمس الكلمات التي قرأتها قديما .. جلسة بعد جلسة أستشف الآراء التي ساعدتنا يوماً .. و بدأت تنمو بيننا مودة و صداقة عقدت معها العزم على السؤال و الإصرار ..

 

هيأت لذلك جلسة صباحية هادئة في يوم عطلة .. و كنت قد نبشت قبلها أوراقي القديمة بحثاً عن قصاصات من كتاباتها كنت أحتفظ بها فرتبتها ووضعتها على الطاولة مقابل مكان جلوسها .. ووصلت في موعدها الذي لا تتأخر عنه أبداً .. توجهت إلى مكانها الذي لا تحب تبديله .. و رأت القصاصات أمامها ..

 

ذهلت فهي لم تتوقع أن يتذكر أحد ما كتبت .. و قبل أن تسألني شيئاً بادرتها فوراً بالسؤال .. لم أماطل .. و لم أبحث عن كلمات منمقة .

 

مرت سحابة حزن أمام عينيها و كأنها بها تذكرت أياماً سوداء تعتصر بالحزن و أجابت :

 

يا إبنتي لأول مرة سأتكلم .. عندما فضلت الابتعاد حاول الجميع معـرفـة السبب لكني صمت .. لأن الصمت حينها كان دوائي الوحيد لكني اليوم أحس بك ابنة قريبة إلى قلبي .. أختاً صغيرة أفتح لها الأبواب التي أغلقتها منذ زمن . شربت قليلاً من العصير و أضافت : لي أخت في مثل سنك .. و بما أنني كنت أكبرها بأعوام كثيرة كنت أنا المسؤولة عن تربيتها بعد وفاة والدي ..  و قد أعطيتها كل ما في قلبي من حب و خبرة ووعي .. فنشأت فتاة رائعة تتمناها كل أم .. إلاّ أن أمي « رحمة الله عليها » كانت ترى فيها فتاة  متحررة أكثر مما يجب .. و لطالما اختلفنا على أسلوب تربيتها و كانت تلك المشكلة تقلقنا معاً و لم تستطع أمي أن تفهم أن اختلاف  الأجيال لا بد أن يتبعه  اختلاف في المفاهيم و طريقة تقبل الأفكار .. خاصة في هذا الزمان الذي يجري ليسابق الريح . و كنت دائماً أحميها مقتنعة بأفكاري .. إلى أن كانت المشكلة الكبرى بالنسبة لامي ..

 

أشعلت السيجارة اليتيمة التي تحب تدخينها صباحاً و أكملت بشيء من الأسى .

 

أحبت أختي شاباً و أرادت أن تتزوج منه .. كانت في السابعة عشرة من عمرها لكنها بنضوج ابنة العشرين و أكثر . قابلت الشاب و اقتنعت بنضوجه و سعة أفقه و حماسه و حبه لها .. و باركت زواجهما لكن أمي وجدت في ذلك تهوراً مني ووضعت عقبات كثيرة في طريق زواجها .. حاولت إقناعها بشتى الأساليب لكنها رفضت رفضاً قاطعاً و كنت أعلم أنّ بداخلها سبباً واحداً و هو كيف تتزوج الصغرى قبل الكبرى و كيف لي أن أجعلها تنتظرني و أنا لم أقابل الشخص الذي أقتنع به ..

 

فما كان من أختي إلاَ أن تزوجت و رحلت إلى بلاد بعيدة و قطعت أخبارها مدة  .. حينها انهارت والدتي و لم تتحمل ذلك و حملتني المسؤولية .. و بعد فترة رحلت نهائيا عن الدنيا .. يومها اعتبرت نفسي المذنبة الفاشلة .. لم أعد أستطع مواجهة أحد .. صرت أخاف الحديث و المناقشة و تساءلت كثيراً ترى لو لم أشجع أختي على اختيار طريقها .. لو لم أزرع في نفسها تلك الأفكار .. لو تركت لأمي حرية تربيتها .. لو وافقت على ذلك العريس الغني الذي استبدلته أمي بحبيبها .. لو .. لو  .. أسئلة كثيرة حيرتني .. فانهرت و ابتعدت ابتعدت  عن كل شيء علني أنسى فقد رحل عني أعز اثنين لي في الدنيا .

 

قلت لها : أنا آسفة ربما لا تريدين متابعة الكلام .. لم أعرف أنني كنت سأسبب لك هذه الآلام بنبش الماضي .. أجابتني و قد استعادت هدؤوها : دعيني أكمل .. الأيام كانت كفيلة بلأم الجروح و رأب الصد وع لكني لم أعد قادرة على مواجهة التلميذات و الكلام معهن .. ففضلت حياة هادئة بعيدة .. ووجدت لنفسي عملاً هادئاً جديداً بعيداً عن التربية ..

 

و كانت الكلمات القليلة التي تصلني من أختي تطمئنني عنها و تخبرني عن نجاحها في حياتها تعزيني إلا أنني كنت دائما أتساءل ... تراها تقول لي ذلك لتطمئنني أم هي الحقيقة ؟؟ و لم أستطع التأكد فموطن زوجها بعيد .. و ليس لي إلى هناك سبيلاً .. و بقيت مذنبة في نظر نفسي و أكثر من حولي .

 

بكثير من الأسف و الحيرة سألتها : كنت أقوى بكثير .. فكيف تعتبرين هذا ذنباً و سقوطاً .. هل نسيت المشاكل التي حللتها ، الكثيرات اللواتي أنقذتهن من الضياع ، الكثيرات اللواتي أقنعت أهلهن بمتابعة الدراسة  نسيت الكثيرات اللواتي أعدت إليهن الثقة بالنفس بعد شتات من مشاكل البيوت . نسيت كل هذا .. لا أنكر أن صدمتك شديدة و تجربتك قاسية لكن الهروب ليس حلاً و الانهيار ليس النهاية .. هذا ما كنت ترددينه باستمرار لو أن والدتك تحملت الصدمة و كانت أقوى لفهمت اليوم .. و لكانت الأيام كفيلة أن تفسر لها معنى التطور و التزمت .

 

لا أنسى مقالاً قرأته لك بعنوان النجاح .. ربما هو هنا بين أوراقي .. فقد قلت إن التطور و الجديد يجب أن ينتصر على القديم لا أن يقتله .. و الانتصار لا يكون إلاّ إذا كان الجيد أفضل و أقوى و أحسن .. و دعوتنا يومها إلى البحث عن ذلك الجديد و ذلك التطور لننتصر على القديم فأين أنت من كلامك ذاك .

 

رشفت رشفة من فنجان الشاي الذي بين يديها و قالت لكأن الله أرسلك لي شحنة ثقة نشاط و تجدد .. لطالما أمسكت المجلات التي كتبت فيها و قرأت ما كتبت علّها تعيد إليﱠ شيئاً من نفسي .. علّها تعيد إلى يدي القلم لكن جهودي باءت بالفشل . الأسبوع الماضي زارتني مديرة المدرسة و طلبت مني العودة لأنهم بحاجة إلى مرشدة اجتماعية و ترددت كثيراً و ها أنت اليوم خيط الأمل يلوح لي لأركض نحوه .. كم أشكر العناية الإلهية التي جمعتني بك و شجعتك على سؤالك .

 

ودّعتها على أمل اللقاء في المدرسة كزميلات و التقينا و عادت إليها اشراقتها و حققت أملي في أن أكون إلى جانبها أرتشف من خبرتها .

 

حتى جاءتني يوماً مسرعة و في يدها رسالة و قالت لي بكثير من الفرح : هذه من أختي ستأتي الأسبوع المقبل لتمضي إجازتها هنا مع زوجها و أولادها.

 

 

 

حلم وحقيقة

 

مَن˚ رآها جالسة على طرف الكرسي في غرفة الانتظار و نظر جيداً إلى يديها المتشابكتين تشدهما بقوة أدرك ارتباكها .. كانت ضربات قلبها تتسارع حتى لتحسّ أن تلك العضلة التي تضخ الدم إلى جسدها تريد أن تنفجر لتتناثر أشلاؤها في كل شبر من هذه الحجرة  الصغيرة علّها تعبر عن انفعالها و اضطرابها ..

 

تفرك أصابعها بشدة و لا تتساءل لماذا اصطبغ وجهها باللون الأحمر و اعترت قدميها برودة ثلجية فهي تعرف الأسباب .. نعم .. ستقابل مدير المشروع .. و تعرض عليه أفكارها .. لم الاضطراب إذن ؟؟

 

الاضطراب دليل عدم ثقة .. هي واثقة من نفسها و متحمسة لأفكارها كثيراً .. لطالما حلمت بهذه اللحظة و ها هي تتحقق .. ربما الاضطراب لأنها لم تصدق أن حلمها سيتحقق و ها هي هنا في غرفة سكرتيرة المدير تنتظر موعد دخولها إليه و ليس ذلك فقط فقد رحب بإعطائها ربع ساعة من وقته الثمين لتشرح له فكرتها ووجهة نظرها .. حسن أنها استمعت إلى نصيحة مدرسها .. لطالما قال لها أنت تلميذة متفوقة يا هند..

 

وأفكرك رائعة لم لا تستغلين وقت فراغك و تبدئين بالمران في مكتب أحد المهندسين ستستفيدين كثيراً من الانخراط في المجال العملي ..

 

وسيستفيدون من نشاطك و أفكارك الرائعة .. و لو لم تكسبي مادياً إلاّ أن كسبك العملي سيكون كبيراً .

 

تتردد و يجد في ترددها ضعف ثقة بالنفس .. لم تكن لتخبره يوماً أن الموضوع ليس بالسهولة التي يعتقد .. تذهب إلى مدير مكتب و تعرض عليه أفكارها فيعجب بها و يوظفها عنده .. لم تكن لتخبره يوماً بأنه ليس ممن تعرفهم من يمكن أن يكون لها واسطة للعمل في مكتب محترم .. هل تخبره بأنها حاولت في عدة مكاتب فعرضوا عليها التمرين المجاني بعمل يقتصر على الأعمال المكتبية مما لن يتيح لها التمرين الحقيقي .. هل تخبره أنها بحاجة إلى تلك القروش التي تكسبها من تدريس طفلين بعد دوامها الجامعي لتغطي بها مصارف كليتها الباهظة لأن والدتها لم تتمكن إلا من تقديم جزء بسيط منها ...

 

هل تخبره أن ما يؤخرها هو تفكيرها الدائم بأنها لو فعلت ذلك فهي ستحتاج إلى ملابس جديدة بنوعية مختلفة لتظهر بالمظهر اللائق في المكتب الذي ستلتحق به .. حينها لن تناسبها وسائل المواصلات التي تستقلها .. هنا في الجامعة اللباس موحد و المواصلات مؤمنة و الاجتهاد هو أساس  التفوق .. أما العمل .. شيء مختلف ليس عملك فقط هو أساس تفوقك .. ليست أفكارك و أهميتها أساس استمرارك بل سلسلة من الضروريات تتلاحق لتعطي الأولوية لغيرها .. ربما لو أخبرته بكل ذلك لغّير فكرته عنها و اتهمها أيضاً كما يتهم معظم من قابلهم بالسطحية و السعي وراء المظاهر الكاذبة .. لكنها الحقيقة .. هو الواقع الذي لا هروب منه .. الأستاذ غريب عن بلدتنا و لا يعرف جيداً أنه هنا في بلدتنا الكبيرة عليك أن تكون كبيراً لتعمل خاصة إذا كان طموحك كبيراً .. أما أن تكون صغيراً  و من خلفية ملتصقة بالأرض فأنت ستبدأ زاحفاً .. و قد يساعدك ذكاؤك و عملك و تفوقك لترتفع لكنك تبقى صغيراً .. لا خيار لك في ذلك .. سنوات ثلاث تسيطر على هند هذه الأفكار كلما أعاد عليها الأستاذ رأيه .. أحياناً يذكرها بزملاء لها لم يبلغوا تفوقها و لا يملكون نشاطها و أفكارها و استطاعوا الحصول على عمل محترم .. أيضاً لم تكن لتخبره أنهم كبار .. ولدوا كباراً و كباراً يبدأون لأن من وراءهم كبير .

 

دوماً لبست رداء الخجل و استترت به لتخفي ما في قلبها من مرارة و شوق لتحقيق ما يقول .. و تحلم كما هي اليوم تجلس على الكرسي في غرفة الانتظار و تدخل على المدير .. و تحدثه عن فكرتها في المشروع الفلاني الذي تحدث عنه في الصحيفة الفلانية و عن اعتقادها بضرورة الانتباه إلى النقاط التالية و عن أسلوب تنفيذها بطرق أسرع و أوفر مادياً .. و تحلم بتعابير وجهه المشجعة و نبرته المتحمسة لأفكارها و تختتم حلمها و هو يشد على يدها و يهنئها طالباً إليها الالتحاق بالعمل في الغد .. لتفيق على واقعها المر .. و تبتلع المرارة و تنتظر إلى الغد .. الغد الذي صار اليوم .. كانت تنتظر هذا اليوم .. حيث تتحرر من بعض الضغوط التي تكبلها من جميع الأطراف .. انتهت الدراسة فلم تعد بحاجة إلى المصروف الإضافي لتغطية تكاليف الكلية .. حصلت على شهادتها و لم يعد لها خيار في إيجاد العمل .. درجة التفوق التي حصلت عليها تخولها لعمل كبير في مشروع ضخم تثبت فيه قدرتها و أفكارها إلا أن التوظيف الحكومي لن يقدم لها سوى وظيفة عادية ..

 

حاولت أن تحمل تفوقها و تقوم بجولة على المكاتب القريبة من بيتها لتوفير المواصلات .. كان السكرتير دائما لا يتيح لها مجالاً بالطبع لمقابلة المدير و يطلب اليها تقديم الطلب .. و ما أكثر الطلبات أوراق تكدس و ليس من مراجع لها .. يأتي صديق فيوظف صديقه . يطلب المدير طلبات العمل فيقدم له السكرتير ما يريد من أوراق لتجري الموافقة عليها ..

 

كان كل صباح يحمل إليها عذابا ً متجدداً و يزيد الغليان في قلبها ..  لتنصرف إلى الحلم .. تريد لنفسها طريقاً يوصلها إلى مكان عال ... هي لا تسعى وراء الكسب الكبير .. لكنها تحلم بتنفيذ مشروع كبير يدفع باسمها عالياً في سماء التفوق كل صباح تنتظر التعيين و لا يأتي ..

 

حسنﹲ أيضاً أنها ذهبت منذ أسبوع لزيارة زملائها .. و رائعة تلك الصداقة التي جمعتها بأستاذها ليسألها عن أحوالها و يدعوها إلى مكتبه حيث حدثها عن مشروع قيد الدرس يعرف أنها تهتم جداً بنوعيته ..

 

فاسترسلت و استرسلت حتى دفعته إلى توبيخها لعدم شجاعتها و دعاها للاتصال بمدير المشروع و عرض أفكارها عليه .. كان يعتقد أن ترددها تقاعساً و عدم عملها ثقة ضعيفة بالنفس .. وبخها بلهجة قاسية .. أرغت المرارة في داخلها و أزبدت فتدافعت الأمواج و انكشف الغطاء .. لم تجد مانعاً من خلع رداء الخجل الذي استترت به دائماً و أفرغت ما في قلبها من حيرة و قلق و حدثته صادقة عن السبب الذي من أجله ترددت دوما و خافت المغامرة و تراجعت عن المبادرة  ..

 

ذهل من كم المرارة التي تحتفظ بها في داخلها .. فاجأه مقدار القلق الذي تعاني منه .. صمت .. استمع إليها ملياً حتى أحستَ به الأب الذي رحل عنها و لم يبق منه سوى أمنيات تحملها والدتها و ترددها على مسامعها دائما قائلة : « كان أبوك يحلم أن تكوني مهندسة كبيرة ليفخر بك أمام الجميع .. فقد أحبها منذ صغره لكنه لم يستطع إلا أن يكون عاملا بسيطاً يبني الأبنية العالية و يبقى ملتصقاً بالأرض » ..

 

و انتهت .. غالبت الدموع المتسارعة في مقلتيها .. لم تسمح لها بغسل الخوف .. اكتفت بالانفتاح و صمتت .. فاحتدم بكل أدب و بدأ عتابه بلهجة الأب الحنون مطالباً إياها بالهدوء و الروية .. ثم : - من قال لك أن الواسطة سارية المفعول في بلدتك الكبيرة فقط ؟؟ هي متفشية في كل مكان مسيطرة في كل آن .. فهل نستسلم لها .. ؟

 

هناك ربما دواء آخر أنصحك باستعماله .. الشجاعة و التحدي متسلحة بثقة كبيرة في النفس .. هيا ارفعي السماعة و تحدثي معه ..

 

لا تتحدثي معه بلهجة الميتدىء .. بل بلهجة الواثق المتمكن .. و أنت أهل لذلك .. صدقيني .. لو لم تكوني كذلك لما شجعتك .. هيا .. و إن كان لا بد من دعم فأنا أعرض دعمي و أخولك استعمال اسمي للتعريف عن قدراتك .. هيا .

 

لم ينتظر ردها بل رفع سماعة الهاتف و طلب الرقم المسجل أمامه و دفعها اليها ..

 

ارتجفت .. جفت السوائل في حلقها .. لم يعد لصوتها نبرات .. ضربات قلبها فقدت سيطرتها على التتالي .. لقد أُخذت على حين غرة .. 

 

ألقت التحية و طلبت مدير المشروع و عرفت بنفسها ثم .. لم تعي ما تقوله .. كان يخرج منها انسيابياً .. و هي مذهولة ، لم تستفق إلا و هي تعيد السماعة إلى مكانها و تقول له .. لقد طلب إليﱠ الحضور يوم السبت القادم صباحاً في الساعة العاشرة و النصف لمناقشة الفكرة بشكل مفصل ..

 

شد على يدها بفرح الأب الحنون و أرادت بعاطفة الابنة أن تحضنه .. تحيط بذراعيها و تمطره بالقبلات .. اكتفت بأن شدت على يده و شكرته بكلمات نقلت إليه كل ما يختلج في قلبها .. و خرجت من مكتبه و الذهول يلف نظراتها .. هل تصدق ما حدث .. كيف يقولون أن الواسطة هي سيدة المواقف و هي السبيل الوحيد لنيل الأماني .. خمسة أيام و هي تعيش في ذهول الفرح العميق و كأنها صارت مهندسة المكتب الأولى ..

 

- كيف يا والدتي تقولين دائماً .. لو أن حولنا من تعتمد عليه لحصلت على أحسن وظيفة ..

 

- اشكري الله يا ابنتي و لا تستبقي الأمور .. لا تخبري أحداً كي لا يصيبك أحد بالعين الحسودة .. ألف ما شاء الله حولك ..

 

ها هي هنا .. وجهاً لوجه مع الموقف الذي حلمت به طويلاً .. مضطربة .. فهذا موقف يمكن أن يحدد مستقبلها كله .. ترى كيف ستخرج من هذا الباب ؟؟

 

و فجأة عادت إليها الأسئلة السابقة التي نستها و هي في قمة فرحها و ذهولها .. هل سينظر إلى هيئتها .. هل سيسأل عن اسمها و عائلتها ؟؟ و يعرف أباها و عمها .. هل سينتبه إلى ثوبها أم سيكتفي بما تحمل من أفكار و معلومات و حماس .. و دخلت من الباب .. و خرجت منه .. كان كل شيء كما حلمت .. أعجبه حماسها اقتنع بأفكارها .. و شد على يدها طالباً إليها الالتحاق بالعمل في الغد .. و لكن كمساعدة مبتدئة في الأعمال المكتبية حتى يجد لها مكاناً بجانب المهندسين فتقدم خدماتها .. و لن يمانع إذا أرادت الاطلاع على أعمالهم و الاستفادة منها و التمرين عليها لكن راتبها لن يكون إلا كمبتدئة فهي لا تملك من خبرة العمل شيئا .. هل هي خيبة أمل ..

ماذا كنت تنتظرين ؟ أن يعينك مهندسة مسؤولة عن المشروع أم مديراً مساعداً .. افتحي عينيك جيداً .. ستبدئين من الأسفل شئت أم أبيت ؟ ربما شجاعتك كانت واسطتك لتبدئي بحيث لم تستطيعي ذلك دونها .. فاستغليها .. و ثابري .. ستثبتين نفسك و لا بد يوماً أن تتسلقي السلم بعزمك و تفوقك .. هذا ما حدثت به نفسها و اقتنعت ..

 

بعد عدة أيام دعاها المدير و قال لها :

- أرجو أن تنقلي سلامي إلى الأستاذ و أخبريه بأني لم أنس ترقيتك لكني أنتظر فقط مرور أشهر على عملك تثبتين فيها مقدرتك ..

- أرأيت يا أستاذ .. الواسطة هي السبيل الوحيد لنيل الأماني ..

- لكن انتبهي يا ابنتي .. فهي ليست السبيل الوحيد للمحافظة عليها .

 

 

هو قراري

 

لبسـت معطفي الجلدي ، رميت قبعته على رأسي و أغلقت الباب بالمفتاح و خرجت ، الأمطار تتساقط و البرد قارس .. وقفت على طرف الرصيف أنتظر وقوف سيارة أجرة لأذهب إلى بيت أمي .. فأنا منذ البارحة أعيش في دوامة كبيرة  .. أمواج بحر عاتية تتخبط في داخلي و أنا هذه المرة قلقة .. يائسة أكثر من تلك الأيام التي عشتها بعد أن تخلى عني طارق .. تنبهت إلى صوت سائق السيارة و هو يسألني عن وجهتي فإذا هي غير وجهته .. فتابع سيره و قلت في نفسي .

 

- الأمطار ليست غزيرة، و الطريق ليست بعيدة .. و لعل السير يمتص شيئاً من القلق فأقابل أمي و زوجها مقابلة أفضل . . أنا لم أرهم منذ فترة طويلة و قبل أن يسافرا إلى الخارج لقضاء إجازة .. يومها كنت في أحسن حال و قد اطمأنت أمي لحالي و تأكدت بأنني قد تغلبت على الانهيار النفسي الذي أصابني عندما تخلى عني طارق .. اوه .. أنا لا أريد التذكر .. و لكن لا يمكن أن أنسى كيف أتاني ذلك اليوم بكلماته المقتضبة يرميها على مسامعي بكثير من القسوة قائلا أن سيسافر سنوات قد تطول و طلب مني بكل برود أن أنساه ..  كنت مستعدة للانتظار .. إن ما بيننا ليس ارتباطا عاديا يمكن حله بهذه السهولة .. و قد بدا أنه كذلك بالنسبة لي أما له فقد كان سهلا للغاية .

 

يومها حطم كل أحلامي .. مسح بلحظة أشهرا من الحب و اللقاء .. أشهراً جعلتني أنسى شقاء حياتي كلها .. كان بالنسبة لي الإنسان المحب الذي اهتم بي و أشعرني بأنوثتي و قيمتي .. و أعاد الثقة إلى نفسي .. فوجدت فيه فرح الدنيا الذي لم أذقه .. رأيت فيه الأم التي ابتعدت عنها بطلاقها ثم فيما بعد زواجها من زميلها الطبيب ..

 

رأيت فيه الأب الحنون الذي يعوضني عن حزم والدي و شدته و لا مبالاته و تعذيبه لي بعد انتهائه من الكأس الثالثة أو الرابعة من خمرته الحبيبة .

 

عقدت آمالا كبيرة على حياتي معه .. لذلك حين أتاني راحلا لاغيا كل الحب و الأمان والاطمئنان و الفرح .. محطما بكل بساطة كل الآمال ..

 

انهرت .. أحسست بأنني أضعت كل شيء من جديد .. و مضت عليﱠ فترة طويلة حتى استطعت أن أستعيد الثقة بنفسي و أعود إلى حياتي الطبيعية .. بل في نهاية الأمر .. أحسست نحو طارق بالامتنان لأنه صارحني و لم يخدعني و يبقيني في أحلامي و يغادر .. لكنه درس علمني الكثير .. تعلمت أن الحلم أمر و الواقع أمر آخر.. لا نستطيع خلق الواقع الذي نحلم به .. لا نستطيع تجسيد الحياة التي نريد .. بل نستطيع تجميل واقعنا بأحلامنا .. نخترعها لنزين بها واقعنا لا لنزيفه و نعتقد بأننا حصلنا على ما نحلم به .. اوه .. لقد نسيت هذا الموضوع تماما ..

 

صار ذكرى بعيدة تحمل اللحظات السعيدة و كثيرا من المواقف المؤلمة .. يومها والدي .. أحس ببكائي و حزني .. ربما لأنه لم يكن قد بدأ الشرب و لأول مرة في حياتي أجد أن عنده شيئا يمكن أن أسميه عطفا أو حنانا .. فقد سألني عن سبب بكائي و حزني .. طبعا لم أستطع إبلاغه الأمر .. لأنه ما كان ليقبل أن يعرف بعلاقة تجمع بين ابنته و زميلها في الجامعة و لو لم تتعدﱠ هذه العلاقة اللقاءات البريئة في مقصف الجامعة .. لكن لحسن الحظ .. كان زوج أمي مسافرا و شاءت الصدفة أن تتصل بي و تطلب مني الذهاب إليها لقضاء بضعة أيام معها .. و كم ساعدتني عندما عرفت الحقيقة ..فقد كانت متفهمة ذات أفق واسع .. لا سيما أن اختصاص زوجها في الطب النفسي و قد تعلمت منه الكثير . 

 

ها أنا اليوم متجهة إليها علها تساعدني على اتخاذ القرار الذي طلب مني والدي اتخاذه قبل يوم الخميس .

 

خطواتي كانت سريعة و قد قطعت أكثر من نصف الطريق .. ألقيت تحية بلهاء على إحدى الزميلات .. لم أنتبه إلا و هي تسلم عليﱠ.. ما بي .. أسير دون أن أرى أمامي .

 

هل أنا حقا لأطلب مساعدة على اتخاذ القرار .. لقد طلبت مني مراراً أن أحاول اتخاذ قراراتي بنفسي فلم أعد صغيرة .. كلا أنا ذاهبة لرؤيتهم بعد عودتهم من السفر .. و قد أطلب مشورتها إذا كان ذلك مناسبا .. لمَ أراوغ نفسي .. أنا بحاجة إلى مساعدتها .. فقراري هذا مصيري .. و عليﱠ  اتخاذه قبل يوم الخميس .. الأسبوع الماضي اتصل بي والدي هاتفيا و طلب منيّ ألاأتأخر في العودة إلى البيت .. فسيحضر معه ضيفا عزيزا .. و بما أن والدي لا يحب الأصدقاء كثيرا و لا استقبال الضيوف الأعزاء .. استغربت الأمر و عرفت أن وراءه سراً ما  .

 

عدت مبكرة فإذا به يعرفني على ابن صديق قديم له سافر منذ سنوات بعيدة إلى افريقية طلبا للرزق و قد وفقه الله و صار من الأغنياء الموسرين و قد عاد إلى البلاد في إجازة قصيرة يزور فيها الأهل و يطمئن عن الأحوال و .. لم يكمل والدي بل استأذن ضيفه ليحضر له كأسا على مزاجه .

 

ياه .. ياللهول .. والدي يتركني مع الضيف و يقوم بنفسه لتحضير ما يلزم .. هذا كثير .. و كثير جداً .. إذن لا بد أن يصدق خاطري .. فهذا الصديق العزيز لا بد أنه عريس لا يفرط به .. ولكن أبهذه الطريقة يتم التعارف ؟؟؟

 

وفيما أنا غارقة بأفكاري انتبهت إليه فإذا هو يتفحصني طولا و عرضا و كأنه يتفحص بضاعة يود شراءها ..  أنا لم أقتنع يوما بهذه الطريقة معبراً إلى الزواج .. أفضل اللقاء غير المقصود و الإعجاب المتبادل و الاتفاق في الآراء ووجهات النظر .. حاولت أن أمثل دور البلهاء .. و كأنني لم أفهم سبب زيارته و تصرف والدي .. فأخذت أسأله عن عمله بشكل عام و عن وضع البلاد هناك و طريقة المعيشة و كأنني أحضر بحثاً صحفيا .. و كان العريس الخجول يجيبني بكل أدب و يحاول أن يصور البلاد التي يعيش فيها و كأنها جنة .

 

بعد ذهابه طلب إليﱠ والدي و لأول مرة أيضاً أن أجلس معه إلى مائدة العشاء .. و أخبرني .. أن هذا الشاب الطيب الغني يطلبني للزواج و أنه قد وافق على ذلك و ينتظر موافقتي و موافقتي السريعة لأن « بسلامته » سيعود إلى مكان عمله بعد خمسة عشر يوما .

 

قلت له : أنا لا أمانع من التعرف عليه بشكل أعمق .. فهو يبدو لطيفا و كذلك هو يجب أن يتعرف عليﱠ أكثر .. و يعرف الكثير عن مزاجيتي و عصبيتي .. لكن أن نتزوج خلال هذه الفترة القصيرة فهذا مستحيل يا أبي .. فضلا عن أنني في السنة الجامعية الأخيرة فهل يذهب تعب السنين سدى دون أن يتوج بالنجاح النهائي ؟؟؟

 

- أنا لا أفهم هذا الكلام .. الشاب لا يعيبه شيء ثم أن بيننا عمل و عمل كبير .. و لا أريد أن أضيع الفرصة من يدي .. أقولها لك بصريح العبارة .. لا أريد أن أفقده من أجل حفنة أفكار تحملينها في رأسك مثل كل أبناء جيلك .. التعارف .. و التفاهم و تقارب وجهات النظر .. هذه كلها أوهام و في النهاية المرأة هي المرأة و الرجل هو سيد البيت و صاحب الرأي .. احتججت على كلامه و حاولت أن أذكره بتجربته مع أمي ..

 

كيف أن اختلاف الأخلاق و البيئة التي ينتمون إليها أدت يهما إلى الطلاق بعد زواج لم يعش أكثر من عدة سنوات و أن الاقتناع المبدئي يكفي والمال لا يستطيع رأب الصد وع .

 

ما إن تفوهت بتلك الجمل حتى اندلعت في نفسه نار قوية هدمت ما كان قد بقي لديه من صبر و منطق للمناقشة فعبّ كأسه الخامسة و قال لي بشكل قاطع :

 

- يوم الخميس تعطيني كلمتك النهائية .. و أريد أن تكون الموافقة و إلا ستندمين شر ندامة .. أعرف أنني لا أستطيع إرغامك على الزواج به، ولكن سيكون لي معك تصرف آخر .

 

لماذا أكون الضحية دائماً .. الكلام هذا سمعته و كنت ضحيته .. لكنه لم يكن موجها إليﱠ .. كان موجها إلى أمي التي كانت تناقشه بسبب تغيبه الدائم عن البيت .. و أصر هو على أن هذا السؤال يعني أنها لا تثق به و تشكك بتصرفاته .. و اشتدت المعركة الكلامية .. أصرت هي على حفظ كرامتها و معرفة كل شيء عنه ... و أصرّ هو على ما أسماه حرية الرجل و قال لها :

 

- أريد ألاّ تراجعينني في تصرفاتي و إلا ستندمين شر ندامة و كان أن لم تتحمل أمي تصرفاته فهما من عقلين مختلفين .. هي تحترم التفاهم و هو يحب السيطرة .. و تطلقا .

 

وكي ينفذ وعيده حاول منعها من حضانتي .. إلاّ أن القانون كان في صفها حتى تزوجت الطبيب الذي كانت تعمل عنده كممرضة .

 

وعدت إليه .. كما تعود الزهرة الطرية العود إلى صحراء قاحلة لا تجد من يحنو عليها و لا من يرشها بقطرة ماء تروي عطشها فتنمو عودا ضعيفا لا حول له و لا قوة .. يستمد الحياة من الشمس و من لحظات عطف و حنان تحيطني بها أمي عند الزيارة الأسبوعية .

 

طرقت باب بيتها طرقات خفيفة .. ففتحت لي ورحبت بي و ضمتني إلى صدرها و عانقتني عناقا كنت بأمس الحاجة إليه ... كنت بحاجة إلى شاطئ الأمان ألقي فيه رحالي لأستريح من عناء رحلة مملة مرهقة ..

 

خرج زوجها لاستقبالي و ركض نحوي أخوتي غير الأشقاء .. لحظتها نسيت مشكلتي .. نسيت نفسي في غمرة الفرح .. و الحديث عن الرحلة .. و أسرع أخوتي يحضرون لي الهدايا و يتدافعون للجلوس في حضني و الحديث عن الرحلة الممتعة .

 

- كان ذكرك لا يفارقنا ..

- كم تمنينا أن تكوني معنا .

- ذهبنا إلى حديقة جميلة جداً و ركضنا فيها كثيراً .. كم تمنيت أن تكوني معنا لنلعب « الغميضة » معاً لأن الأشجار كثيرة هناك .

- المنزل الذي سنسكن فيه له حديقة جميلة ألا تأتين معنا لنلعب هناك .

- تعالي نعم .. تعالي إن غرفتنا هناك كبيرة و باستطاعتك أن تنامي بجانبي ...

- سأعطيك لعبتي لتنيميها بجانبك .. ألا تأتين ..

- إن شاء الله .. و لكن ماذا تقولون .. إلى أين الذهاب .. ؟؟؟

وأسرعت إلى أمي أستوضحها الخبر .

 

- ماذا يقول الأولاد يا أمي .. هل صحيح أنكم ستسافرون مجدداً ...

- نعم يا ابنتي .. هل تذكرين .. لقد أخبرتك منذ عدة أشهر أن عقداً مغرياً عرض على عمك للقيام ببحث في فرنسا و هو عرض مشابه كثيراً للعرض الذي نفذه منذ ثلاث سنوات .. الحقيقة أن رحلتنا لم تكن للراحة فقط ( و أنت تعرفين أن الميزانية لا تسمح لنا بذلك ) ... بل للاتفاق على جزيئيات العرض و رؤية المنزل المقدم إلينا و حجز أماكن للأولاد في المدارس و قد تم الاتفاق على كل شيء و بأفضل مما نريد ... حتى أنا وجدت عملاً مناسباً لي .. الحمد لله ما رأيك ؟؟

 

ذهلت... حتى كلمة مبروك لم ترتسم على شفاهي ..

ضمتني والدتي و قد أحست أن في الأمر سوءً .

 

- لا تحسبي أني نسيتك في كل هذا .. فقد سألت لك في كل المناطق القريبة منا هناك عن جميع الكليات الموجودة والتي تستطيعين فيها إكمال دراساتك العليا ووجدت أن هناك العديد منها .. و في أكثرها بيوت للطالبات .. إن شاء الله بعد تخرجك هذا العام ترسلي لي أوراقك و علاماتك و أنا أؤمن لك كل ما يلزم من التسجيل و تلتحقين بنا قبل أن يمضي على سفرنا عام .. لم أستطع الإجابة .. ذاهلة .. كأنني فقدت الوعي .. الأفكار تتدافع في رأسي .. الحزن و الأمل يتناوبان على أفكاري ... لم أستطع التركيز ..

 

- والدك لن يستطيع منعك من الحصول على جواز هذه المرة .. المرة السابقة استطاع ذلك لأنك لم تبلغي السن القانونية أما الآن فأنت بعد شهرين تبلغينها ... لقد فكرت بكل الأمور .. كل ما عليك هو إقناعه كي تحصلي منه على مصروف أكبر كي لا تضطري إلى العمل و تتابعي دراستك بحرية ... أيضاً إذا لم يقبل باستطاعتنا تدبر الأمر . ما بك واجمة .. و كأن وجهك لا يعرف التعبير .. ما رأيك ؟؟

 

- لقد فاجأتني يا أمي ... لم أتوقع أبداً أموراً كهذه .. ثم أن هناك موضوعاً .. لا بأس لا بأس .

 

- لا تعطيني رأيك الآن ... لم تعودي صغيرة و باستطاعتك اتخاذ القرار ...

    عفواً سأذهب لأفتح الباب .

 

- أمي ... إذا كان القادم ضيفاً سأذهب أنا ... لن أستطيع مقابلة أحد ... تفهمين ذلك ... سأعود قريباً ... أو سأتصل بك ...

 

- لا بأس ... خذي وقتك ... لا تتشاءمي ... فهو مهما يكن يبقى والدك و لا بد أنه يريد مصلحتك ... أعرف أنه يكره أن يكون ذلك بجانبي ... لكن حاولي . بكثير من الوجوم قبلت أخوتي ... و انصرفت ...

     لقد جئت إليها للتخلص من حيرتي فإذا بها تزيدني حيرة !!!

« القرار لك » تقولها لي دائماً ...

« لم تعودي صغيرة » رددتها على مسامعي مراراً ... قالت لي « ادرسي الموضوع من كل جوانبه ... ادرسي حسناته و سيئاته و ضعيها دون خوف و تردد أمام عينيك ثم اخذي قرارك ...

 

والد ي يريد لي طريقاً و أمي تريد لي آخر دون علمها بما يرسمه والدي ... و أنا ... أين أنا من الطرفين ...

لقد تعبت ... أكثر ما أتعبني هو الغربة ... و هما معاً يدعواني إلى الغربة ... هل علي أن أعيش حياتي متغربة ...

 

سني حياتي كلها غريبة ... غريبة في بيت أبي لأنني لا أحس فيه بالأمان ... غريبة في بيت أمي لأنه ليس بيتي ... غريبة لو وافقت على الزواج و السفر ... غريبة لو لم أتزوج و سافرت لإكمال دراستي ... لقد كرهت الغربة ... كم وددت لو أحب من سأتزوج فتبتعد الغربة عن نفسي قبل الزواج فأحس معه بالأمان ... و الآن إن قبلت بعريس أبي و أنا لا أعرف عنه شيئاً فهو إما أن يكون إنساناً طيباً ، حلو المعشر ، نزيه السيرة حينها يمكن لحياتنا الزوجية أن تعيش في ظل الأمان ... و ذلك يساعدني على التخلص من عصبيتي و مزاجيتي و مللي الدائم ... و لكن الاحتمال الثاني أن يكون ذو طباع حادة ، عصبي المزاج و هذا لا يمكن اكتشافه في بضعة أيام فكيف سأتصرف حينها...أنا أيضاً عصبية المزاج لا بد أن حياتنا ستكون جحيماً لا يطاق ، و البلاد غريبة ...

 

قبولي مغامرة خطرة ... نسبة نجاحها ضئيلة ... لا يمكن أن أغامر بشهادتي و علمي و حياتي ... و المستقبل الذي أتت به أمي اليوم ؟

 

إن ما قالته أمي أقرب إلى الخيال ... لا يمكنني حتى أن أحلم به ... لقد تعلمت ألا أحلم ... ألا أزيف الواقع و أنا أعلم كل العلم بأن أبي لا يمكن أن يوافق على سفري إن أنا رفضت عريسه ... ما أجمل أن يكون أمر العريس هذا كابوس ... لكنه حقيقة ... واقع ... ماذا سأفعل سأتخذ القرار بنفسي ...

 

وتعود صورة أبي تلوح بتهديداته الحاسمة القاسية ... فأقول لنفسي من جديد ... ماذا لو كان طيباً متفهماً ... علمته الغربة المحافظة على عائلته و التعلق بها ... لنشلني من تعاسة مللت منها و سئمت ظلالها ... لكنه يعمل مع أبي و يقضيان معاً أوقاتاً طويلة فهل تكون طباعهما متشابهة ... و أعود بعد سنة أو سنوات مطلقة مثل أمي ... و معي طفلة تعيسة ... تعيش حياتي مجدداً ... و الحل ؟؟؟   

 

تنبهت على صوت فرامل  قوي لسيارة قادمة نحوي ... تراجعت بسرعة مخيفة و إذا بالسائق يلعن و يشتم ... يبدو أنني كنت أقطع الشارع دون انتباه ... الحل ؟؟؟ القرار ... لي وحدي ...

 

اعتقد أن أهون الشرين هو قبول الخطبة ... فهي من جهة تنجيني من غضب قد يكون ساحقاً علي من أبي فأوفر على نفسي و عليه مجادلة قد تصل إلى العراك ...

 

ومن جهة أخرى أتعرف عليه أكثر و يتعرف هو علي فأن وجدنا أن بيننا ما يمكن أن يقوي رباطاً المفروض أنه أبدي فلا بأس أن ينتشلني مما أنا فيه ...

 

سأشترط فقط ألاّ يتم الزواج بسرعة ... فإن لم يستطع تمديد إجازته فليكن الزواج في السنة المقبلة .. أكون خلالها قد أنهيت دراستي و حققت أحد أغلى أحلامي ... حينها لن أندم على شيء ... سيكون المستقبل أمامي مفتوحاً إن لم نتفق ... و باستطاعتي اللحاق بأمي و تدبير أموري ... المهم أن أتخرج ... 

 

انفرجت أساريري ... تسارعت خطاي .. وددت أن أركض ... أن أرقص ... لقد اتخذت قراري ... ابتسم قلبي ... ها أنا أعتمد على نفسي ... سأدافع عن قراري بكل قواي ... لأني مقتنعة به ... سأناقش والدي بموضوعية و أطرح أمامه الحجج ... و لن تعوزني الوسيلة فأنا بعد أشهر سأصبح محامية ... لن يكون رفضي عشوائيا يرتدي عباءة التحدي بل دفاعاً عن قرار ... اتخذته بنفسي و أنا سأتحمل النتائج و لن ألوم أحداً في حال الفشل ... و لن يحس أحد بالندم نحوي ... 

 

أحسست بالثقة تجري في عروقي ... فأنا أخطو أولى خطواتي نحو النضوج و المستقبل بنفسي و بقراري .

 

أضيفت في 02/05/2008 / خاص القصة السورية / المصدر: الكاتبة

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية