الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتبة

قصص

ورود الإياب

ناجي

الكرامة تحت أقدام الحرب

وادهن المأساة بالألوان

الإهداء

شيطان الوحدة

رحلة مع العقل

قلق الخريف

ورود الإياب

 مخاض الوهم

تجربة حية 

  حلم وحقيقة

 هو قراري

بقلم الكاتبة: هناء كرم سابا

ورود الإياب
 

 

 

الإهداء

إلى أبي الذي رحل عني قبل أن يحل ربيع أيامي ولكنه أورثني عشق القلم والكلمة والحرف.

إلى زوجي الحبيب الذي صار لي صديقاً وأبا روّي عشقي وغذاه حتى بدأ يرى النور.

هناء كرم

 


 

وأدهن المأساة بالألوان

 

 

أضع الأصباغ على وجهي... أرسم بالألوان تقاطيع كانت لي... أدفن تحت الأصباغ الشحوب و الألم... أدهن المأساة بالألوان و أرصّها في الداخل بعيداً عن وجهي... لأبدو للجميع كما كنت دائماً... سعيدة ... متلألئة... أحاول بخطوط إعادة الاشراقة التي لم تبارحني منذ ولدت و قد كانت اشراقة بدون أصباغ... لكنها منذ رحلت عني... لم أترك نوعاً من أنواع الصبغ أطلسه على ألمي... فقط أبحث عما يخفيه عن الأعين . أنا مضطرة اليوم... عليَ المشاركة في حفل استقبال السفارة اللبنانية... إنهم يقيمون حفلاً بمناسبة عيد الاستقلال... هه!!! أي استقلال؟؟ هذا الذي يحتفلون به ... يحاولون الحفاظ على الشكل الاجتماعي للبنان... بإقامة هذا الحفل... يحاولون تخطي المشاكل و الآلام ليبقى المظهر الخارجي لماعاً... هنا نحتفل في الفنادق الكبرى و نشرب نخب لبنان ونتمنى كل الخير و كل السلام... نتمنى... نهديه الكلمات و العبارات ... و ندهن الأصباغ على وجوهنا و نذهب للاحتفال... نلبس الأقنعة لنحافظ على صورنا... و هناك... المسلحون يحتفلون بطرقهم الخاصة... أو يمنعون الاحتفالات... يصبغون الوجوه بالخوف و الرعب و الدماء...

 

أسمع صوت وليد توفيق عالياً في الغرفة المجاورة « شجر الحور دخان، النهر دخان، و رذاذ المطر الناعم فوق الجرح دخان ».

 

- أطفئ هذا الفيديو يا بني... أو اخفض صوته... لا تنثر فوق الجرح ملحاً... أنا أضع الأصباغ  وأنت تسمع المأساة... الدموع الحقيقية الحارة تجرف الأصباغ « من ألبسك الثوب الأسود ؟ من قص ضفيرتك الشقراء ؟ » وتنجرف الأصباغ... و أتنهد عميقاً

 

- أرجوك يا بني هيا... اذهب إلى فراشك... سيحضر والدك بين لحظة و أخرى، يجب أن أنهي الطلاء... ألم أقل لك أننا ذاهبان لنسهر...

- ماما ، هل لبنان الذي يغني له وليد توفيق هو لبناننا ؟

- بالطبع يا بني و ليس في الدنيا غير لبناننا...

 

- لكن ما أراه هنا يختلف عمّا رأيته في « ألبوم » الصور.. الصور فيها مناظر رائعة.. أما هنا فالبنايات تحترق والناس يموتون... انظري هذا الطفل يبكي و لعبته تحترق.. « لي طفل يبحث عن لعبته في قبر أبيه »

- أرجوك يا بني حان وقت النوم... سأحدثك غداً عن كل ما تريد... و احكي لك عن لبنان... عن جماله وروعته... عن جباله و سهوله... عن أزهاره و أشجاره... عن بيتنا هناك... عن كرم الزيتون و شجرة البرتقال...

 

- أنت تسخرين مني يا ماما... تحدثينني عن لبنان و كأنه أجمل من باريس... لكن ما أراه في (التلفزيون) شيء آخر... لماذا لا تخبرينني عن الحقيقة.. لقد صرت كبيراً... أريد أن أعرف... أريد أن أرافق بابا عندما يذهب لرؤية جدي... ألست لبنانيا يا أمي فكيف يكون ذلك و أنا لا أعرف لبنان... هل تعدينني بأن أذهب...

- ستذهب يا بني.. بالتأكيد ستذهب.. أما الآن فاذهب إلى فراشك و قبل أن تنام .. صل إلى الله من كل قلبك واطلب منه أن يرحمنا و يرحم لبنان... ليعود كما كان... و لنعود إليه جميعاً...

« من يطفئ برد الشمس بحرﱢ الماء » و يسكت صوت وليد توفيق... أطبع قبلة على وجه ابني و يذهب إلى فراشه.. تراوده أحلام متباينة و يتساءل أهو لبنان الجمال و الروعة و الخضرة و المياه و الشمس الساطعة لبنانه.. أم لبنان الدخان و الحرائق و البيوت المهدمة و البطون الجائعة و الوجوه الباكية...

 

أصباغي جرفتها الأحزان.. و بانت الآمي ... نكشتها براءة طفلي « لبناني أنا و لم أر لبنان» مسكين يا ولدي.. أي لبنان تريد الذهاب إليه.. لبنان الذي تبحث عنه يعيش في قلوبنا و ذاكرتنا.. أرضه مفروشة في أعماقنا.. مياهه تسري في عروقنا.. حبه بنبض مع قلوبنا... لبنان الذي تبحث عنه لن تراه إلا في وجوهنا و على ألسنة ذكرياتنا... أما هناك حيث تريد أن تذهب فدخان ... دخان و ألم.. حرائق و أحقاد... رصاص و موت.. سلاح و خوف.. رمل و متراس و هروب... هروب...  العصافير تهرب الى الحياة... الأزهار تهرب إلى الموت.. الناس يهربون إلى الاستمرار.. الى التنفس . فالأفواه لن تكف عن طلب الزاد.. و الصدر لن يكف عن طلب الهواء... و هناك جوع و اختناق.. و لتهرب من الاختناق و الجوع تنسى كل شيء... تترك كل شيء... تحمل قطع اللحم من فلذات كبدك و ترحل مع أول بارقة أمل.. مثلنا فعل الكثيرون... تركنا البيوت والقصور و الأراضي و رحلنا مع الذكريات... كل منا اعتقد أن الغياب لن يطول...

 

و مرت السنون الواحدة تلو الأخرى... كلما وقفت أمام خزانتي لارتداء فستان تذكرت فساتيني.. سهراتنا... فرحنا.. أصدقاءنا.. كيف سأقنع ولدي بأن ما أخبرته عن لبنان صحيح؟؟ لبنان الروعة و الجمال...بيتنا الجميل... شجرة البرتقال التي زرعها جده يوم ولد أبوه... كان أولاد الحي يلعبون في فيئها... و كم تمنى جده أن يراه يلعب هناك كيف سأقنعه بأنها كانت رائعة حتى أتى عليها ذلك الصاروخ اللعين.. أحيانا أشكر الله أنه كان صغيراً و لا يستطيع تذكر صوت الانفجارات و القذائف التي كانت تقض مضاجعنا.. ثم أقول ليته كان كبيراً لتذكر الدار و الدوار... و عرف في أي نعيم كنا نعيش...

 

 

الساعة تدق التاسعة.. لن يلبث أن يفتح الباب ليقول لي ألم تنتهي بعد... لا أحب أن أصل متأخراً... لم يهدأ تفكيري... أتساءل كيف سيستجيب عقله البريء لتناقضات الحياة هناك... لتناقضات المناطق و المنطق ليس هذا فقط بل للتغيرات التي تطرأ عليها مع كل لفحة ريح... أنا نفسي أحيانا لا أفهم.. لم أحب السياسة يوما و لم أرغب التعمق في مبادئها و خطوطها و تعرجاتها مثلما كانت تفعل الكثيرات من زميلاتي... كنت دوماً أفضل الأدب... و كل شيء كان غزيرا.. كنا نعبَ ما نشاء من كل شيء.. من يومها كانت التناقضات واضحة لكن الإنسان كان إنسانا... فلم نشعر بالفوارق...

 

اليوم الإنسان لم يعد إنساناً بل ربما آلة للحرب تتحرك بحسب رغبة هذا و ذاك... علت الحواجز... و ارتفعت العوازل... و تكد ست.. أكياس الرمل و تكهربت خطوط التماس... الوضع بات مقرفا.. من يريد لأبنائه الترعرع في أجواء التلوث؟؟ لا يهم أي نوع من التلوث... فكري... عقلي... بيئي و جسدي.. كلّ حمل أولاده و هرب...  وكما فعل الكثيرون فعلنا

نيران الغربة.. و سعير الحنين... أفضل من أتون النار في الداخل... و اليوم نحتفل... بماذا؟؟ عيد الاستقلال... أمسح دموعي أغسل وجهي... أضحك من الأعماق.. أحسَ و كأن صوته أتاني مجدداً   « هيا ألم تنتهي بعد... لا أحب أن أصل متأخراً»

 

أعود إلى المرآة أرسم بالأصباغ وجهي المشرق الضاحك... أحاول جاهدة اتقان الرسم لاخفي تجاعيد الغربة وشحوب الألم... أكان الأجدر بنا أن نبقى هناك؟؟ نشارك في صنع الاستقلال الحقيقي؟؟ أكان الأجدر بنا أن نصمد و لا نتخلى عن بيوتنا و أرضنا و تاريخنا... و لكن لو بقينا كان يجب أن نقف في أحد الصفوف.. و نحن لا نريد الصفوف نريد الوطن.. وإن لم نقف نحن سيقف أولادنا يوماً و نفقدهم.. لأن الوقوف لم يعد ناضجاً... مجرد تصنيف عشوائي مخيف... تذكرت شجرة البرتقال... ذلك الصاروخ اللعين أودى بها ... كان يجلس تحت ظلالها أطفال من المنزل المجاور... كانوا يلعبون... يخطون عليها أحلامهم إلا أن الصاروخ سرقهم مع أحلامهم..

 

كادت الأصباغ تنجرف من جديد... حين سمعت القفل يدور في الباب و يعلو صوته حقيقياً...

- مساء الخير... ألم تنتهي بعد... لا أحب أن أتأخر...

- دقيقتين و أنتهي...

- ما بك... ما الأمر؟؟

- ألم تستطيع الأصباغ إخفاء الجلد...

- و هل تخفيها عني يا عزيزي... أعرف ما بك.. أعرف ما بنا جميعاً... لكن علينا الذهاب للمحافظة على الوجه المشرق... لبنان سيبقى... و سنحافظ على وجهه المشرق على الأقل في الخارج...

- هذا الوجه المشرق باستطاعتنا إعادته بسرعة بعد الراحة الداخلية أحسني لن أستطيع الصمود اليوم... الجميع سيبتسمون... لكني أغلي.. ربما سأبتسم.. لكننا جميعاً نحترق... فلمَ نجتمع... و لمَ هذا الاستقبال اصلاً...

 

- دعينا نشارك... دعينا نجتمع في مكان نعتبره لبرهات أرضنا... علَنا نجد بعض الدواء يطيب جروحنا المفتوحة... ا شكري الله دائما يا عزيزتي... لقد فقدنا المنزل و المال.. نعم لكن الأرض تعيش في داخلنا...

الوطن ينمو في عروقنا و سينتقل إلى أولادنا شئنا أم أبينا... أليس ذلك أفضل من أن نكون في منزلنا و نفقد  الأرض في قلوبنا.. و عاجلاً أو أجلاً سنعود... سيعودون و يزرعون الأرض من جديد خيراً و سلاماً.

- متى... متى.. يكون ذلك يبدو لي بعيداً...

- هيا لنذهب الآن لا أحب أن أتأخر...

   

 

الكرامة تحت أقدام الحرب

 

عيب والله، فتاة مثلك تتسكع هنا و هناك للتسول ، ابحثي لك عن عمل شريف تربحين منه لقمة نظيفة ، ألا تخجلين من نفسك ؟؟

- صدقيني يا سيدتي ، أنا اعمل ممرضة في مستشفى الشفاء و أحاول دائما زيادة ساعات عملي للحصول على مزيد من الاجور الاضافية لكن راتبي يكاد يكفي إيجار البيت و المصروف .. كل ما أحاول جمعه الآن ثمن تذكرة لأسافر إلى بيروت .. إن أخي يحتضر ... إصابته بالغة كما حدثتك..

 

- اعتدنا هذه الحكايات ... لم تعد تهز مشاعرنا ... كل يوم و آخر .. يأتي أحد ليخبرنا حكاية مشابهة ... لا تتوقعي مني ما يساعدك ... ما هذا ؟! لو فتحنا أبوابنا لأمثالك لما أغلقناها طوال النهار !

- ليبعد الله عنك هذه اللحظات يا سيدتي ...  معك حق .. أولاد الحرام لم يتركوا شيئا لأولاد الحلال .. أشكرك على كل حال ..

 

 

لن ألقي باللوم عليها ... لطالما رددتُ أنا المتسولين و أغلقت الباب دونهم ... و نصحتهم بالعمل الشريف الذي ينقذ الكرامة ... لطالما استأت من هذه العادة ... و لم يكن ليمر في خاطري أن الأيام و الظروف ستضطرني لقرع الأبواب ... ترددت كثيرا ... و ما زلت ..  لكني لم أجد حلا ، كل طرقة باب خنجر أدفنه عميقا في صدري لأحصل على بضعة دراهم قد تساعدني على جمع ثمن تذكرة السفر ..  كل خطوة أتقدمها في هذه البنايات الشاهقة .. المرتفعة الإيجار شوكة تدمي قلبي فتسيل الدماء على وجنتي دموعا حارقة و أتساءل ماذا أفعل ؟؟ ..

و ماذا بيدي أن أفعل .. هل أبيع نفسي ... هل أبيع جسدي ؟ أم أتناسى أخي المرمي على قطعة قماش لا يمكن أن يسمى فراشا في ركن من أركان مبنى كبير لو أطلقنا عليه اسم مستشفى لكان تجنيا منا على عالم الطب والاستشفاء ... أتناسى الجرح الذي مزق أحشاءه فخلف منه جسدا يتنفس بحاجة إلى جبل من الأدوية و المعالجة و لا يخفى على أحد أن هذا يكلف جبلا من الهموم و النقود ... ماذا أفعل ؟  ... أهتم بمرضى كثر و لا أستطيع حتى إعطاء شربة ماء لأخي ؟؟

 

قالوا لي : إنهم يتكفلون بكل شيء ... الدواء و الطعام ... لكن العلاج عندهم له أساليبه و إمكانياته تحدها الأوضاع الأمنية .. فكما كان صاروخ غاشم سبب إصابته .. صواريخ أخرى عديدة قد تكون سبب عدم معالجته ، قالوا لي: فإذا أردت له الشفاء الأكيد أرسلي في طلبه ... أُرسل في طلبه ؟؟  يوم كان صحيحا معافى يهد الجبال لم يستطع الخروج من أتون النار ... الآن ؟؟

 لأحاول مجددا .

 

- صباح الخير .

- صباح النور نعم ؟ سيدتي ليست هنا..

و أغلق الباب .

لم أضطر للتنفس لا للكلام .. لسرد القصة من أولها إلى آخرها .. كل مرة يفتح الباب ... أنسى وجودي فلا أكون إلا آلة تسجيل تسرد المأساة ... تستدرُّ الشفقة .. علها تضيف إلى الدراهم دراهما ... أنسى عزة النفس التي ربتني عليها أمي ( رحمها الله )   ... أنسى الرضا الذي زرعه والدي في نفسي ( رحمه الله ) لم نكن يوما من الأغنياء ... لكن القناعة كانت كنزنا الأكبر ... و دوما كنا سعداء ... هي الحرب اللعينة التي غيرت أحوال الجميع ... و كنا ضحاياها الأبرياء يوم وجد والدي العمل خارجا فرحنا لأننا سنخرج من الجحيم .. اعتقدنا أن لأمور ستسير كأفضل ما كان  ... يوم فرحنا ذاك كان بداية مشاكل من نوع آخر ... فقد تعذب والدي كثيرا و لم يستطيع إلحاقنا به ... فبقينا .. إلا أن نقوده كانت تنقذنا من الذل ... كانت قليلة لكنها تسد الرمق ..

 

- صباح الخير يا سيدتي  .

- صباح النور .. نعم ؟

- أتمنى ألا يصيبك مكروه مع عائلتك كلها  .. يا سيدتي أنا اعمل و أرسل القسم الأكبر من راتبي لعلاج أخي المصاب منذ ستة أشهر في بيروت .. إصابته بالغة جدا .. جعلت منه جسداَ مقعداً .. و زاد عليه بطء العلاج لأسباب كثيرة لا تخفى على أحد ... و لكن يبدو أنه الآن يحتضر ...

- و ماذا تريدينني أن أفعل ؟

- أطمع في كرمك يا سيدتي ... فأنا لا أملك ثمن تذكرة السفر ... و أخي قد يموت في أية لحظة ... و ليس له في بيروت من يدفنه لو مات (لا سمح الله ) ...

- مهلا ... مهلا... لا تبكي ... لا ينقصني النواح و البكاء .. تكفيني مشاكلي ...

- عفوا يا سيدتي ... يكفيني ما يجود به كرمك علي ...

 

معك حق أن تغلقي الباب ... فلطالما خفت مثلك أن يكون المتسول سارقا ... لا بأس ازدادت الدراهم في جيبي ... ليرزقك الله أيتها السيدة الكريمة ... و لكن كيف طاوعني لساني و قلت تلك الجملة ... ( ليس له من يدفنه لو مات ) .. ذلك فأل سيء ... هل كل ما في وجداني الآن جمع المال.. صحيح أن المال ملك يستعبد الإنسان ويذله، أخي قد يموت ؟؟ هل صار الموت عندي شبه طبيعي ؟؟ يوم نهش المرض جسد أمي في بيروت و ماتت  كنت أواجه الموت للمرة الأولى ، بكيت و بكيت يومها  أصاب الشلل فمي أياماً ... فقدت السيطرة على أعصابي أسابيع .. كانت المواجهة الأولى و فقدان أعز الناس لم ترتضي أمي أن تخبر والدي باستفحال مرضها ... كانت تقول يكفيه همه و تعبه ليؤمن لنا لقمة العيش و هو بعيد عنا ... من أين له أن يدفع ثمن علاجي ... لا يموت الإنسان إلا في ساعته ... و بقيت وحيدة مع إخوتي ...

 

- يبدو أن لا أحد في هذه الدار لأنتقل إلى أخرى .

- من يقرع الباب ؟ ماذا تريدين ...

- .... !!!!

 

- من هدى ؟

- خالتي أم سامر ؟

- تفضلي يا هدى ... لا تبكي ... ماذا تفعلين هنا تفضلي ؟ كيف عرفت عنواننا ؟

- ......

- تمالكي نفسك ما بك يا هدى ... أخبريني عن أحوالك ؟

- أنت يا خالتي ما الذي أتى بك إلى هنا ؟

- هنا بيت سمر ... ألم تعرفي أنها تزوجت و هذا بيتها ؟ إذن ألست آتية إليها ؟

- آه يا خالتي ماذا أقول لك ؟... أين سمر و كيف أحوالها ؟

- لا بأس الحمد لله ... زوجها رجل طيب صحيح أنه كبير في السن لكنه يحبها و يدللها كثيرا  وقد وافق على بقائها في عملها... و أيضا أصر على أن أسكن معهم ... ماذا نريد أكثر من ذلك يا أبنتي ... الحمد لله على الستر .. لكنها لم تنجب حتى الآن ... تعمل المستحيل الله كريم ..

- نعم الله كريم ... ليرزقها مراد قلبها ..

 

- و أنت يا هدى ما بك .. صحتك لا تبدو على ما يرام .. لباسك ؟ ما الأمر ... و ما الذي أتى بك إلى هنا ؟

- هل تصدقين يا خالتي لو قلت لك أنني أطرق الأبواب للصدقة ؟

- ماذا ؟ هل تمزحين ؟ لا تبكي أخبريني ؟

 

- أخي !! منذ ستة أشهر مصاب و أنا أرسل له نصف راتبي ليعتني به خالي ...  منذ يومين أخبروني أنه يحتضر و لا أمل في شفائه .. اشتهيت رؤيته ... تمنيت أن أذهب إليه أن أكون بجانبه ..

- و أين أصيب ؟

- لا أدري بالضبط ... فنحن لا نسمع أخبارهم إلا موجزة و مقتضبة... و كل من يأتي من هناك لا يعرف التفاصيل ... لم يعد أحد يسأل عن أحد ... و كما تعلمين ليس باستطاعتي دفع الكثير على المخابرات الهاتفية .. لم أجد حلا آخر .. طرقت أبواباً كثيرة أستدين المبلغ ... جميعهم يعلمون بحالي لذلك لم يقبلوا إقراضي لأنهم على يقين بأنني لن أستطيع الوفاء ... أحدهم وافق و لكنه وضع لي شروطا دنيئة ... فاخترت أن أطرق الأبواب و أطلب الصدقة على أن أبيع نفسي...

 

- ووالدك يا هدى ؟ ألم يفعل شيئا ؟

- مسكين والدي يا خالتي... رحمه الله  ... لقد مات منذ ثلاث سنوات و بعد التحاقنا به بعدة أشهر .. قهره ضغطه المرتفع .. لم يتحمل كثيرا  موت والدتي ..

- رحمها الله و أسكنها فسيح جناته .. كانت زينة الستات ... و لكن الجميع قال أن مجيئكم إليه سيحسن من أحواله و قالوا أيضاً أن الرجل الذي يعمل عنده ساعدكم كثيرا.

 

- نعم فلولاه ما استطعنا المجيء إلى هنا ... للحقيقة أنه رجل رائع حنون ... لقد ساعدني للحصول على عملي كممرضة في المستشفى و ألحق أخي الأصغر في المدرسة ..و سيحصل هذا العام على الثانوية العامة .

- و أين تقيمون ؟

- أنا أقيم في سكن الممرضات في المستشفى .. و أخي يقيم في سكن الخدم التابع لمنزل السيد خالد .

- لماذا لم تذهبي إليه ليساعدك ؟

- إنه مسافر مع عائلته ... و لا أحد في البيت سوى الخدم .

- سآتيك ببعض الطعام .. يبدو عليك الإرهاق .. كأنك لم تنامي منذ دهر ..

- البارحة كان دوامي في الليل ... و منذ ساعات الصباح الأولى و أنا كما ترين بعضهم يفتح لي بابه و بعضهم يغلقه في وجهي .. لقد جمعت حتى الآن منذ البارحة مقدار نصف ثمن التذكرة الحمد لله .

- أعتذر يا ابنتي ... ليس باستطاعتي تقديم المساعدة ... سمر ستعود من عملها ظهرا ما رأيك أن ترتاحي حتى تعود و ستساعدك بدون شك .

- هل تعود مع زوجها أم تسبقه ؟

- يمر عليها في عملها و يعودان معا ...

 

- إذن لن يكون الوقت مناسبا .. سأذهب الآن يا خالتي .. وسأعود بعد الظهر .. ألن أسبب متاعب لسمر ؟

- ستساعدك قدر استطاعتها ... لا يمكنني أن أعدك بأي شيء يا ابنتي...

- هل تمانعين أن أتصل هاتفيا و أعرف متى تريدني أن أحضر ..

- لا بأس ... ذلك أفضل .

- إذن استودعك الله ... شكراً جزيلا .

- مع السلامة يا ابنتي ... ليوفقك الله و يجعل في طريقك أولاد الحلال و يشفي أخاك .

- شكرا يا خالتي ... مع السلامة .

- مع السلامة ..

 

هل أكمل دورتي ؟ أم أعود ؟ ما زال ينقصني الكثير ... هل بإمكان سمر مساعدتي ببقية ثمن التذكرة .. قد يكون زوجها بخيلا .. لكنها تعمل .. لا يهم .. قد تساعدني و لكن علي أن أجمع المزيد ...

 أذكر أيام المدرسة كانت سمر صديقة رائعة لكننا لم نتقابل منذ زمن بعيد ... فرقتنا الأيام ... تراها تغيرت ؟ مهما تغيرت ستحدثها والدتها عن وضعي ... ستساعدني بالتأكيد ... هو أمر مخجل لكنني مضطرة عليﱠ أن أسافر غدا

 

... يا رب ساعدني ... أرشدني ماذا أفعل ؟

وتطرق باباً آخر

- صباح الخير سيدتي ..

- نعم ماذا تريدين ؟؟

وأعيد القصة من أولها ... أحس بالقهر ... كل مرة أطرق بابا أحس بالذل .. لا بأس الأيام قد تمحو القهر و الذل و لكن هل تعيد إليﱠ أخي ؟؟

لم  أكن أتوقع أن أجمع هذا المبلغ .. حين كنت أقرأ في الصحف أنهم يجدون مع المتسولين مبالغ كبيرة لم أكن لأصدق ... قد يكون الربح معقولا .. و لكن كيف يمكنهم أن يبقوا العمر كله دون طموح ... دون عمل مثمر ... كيف يمكنهم أن يتخذوا من الاهانة سبيلا و من التذلل طريقة لجمع المال ... تلك حالة لا إنسانية .. مهما كان العمل بسيطا .. إلا أنه يمنح الإنسان شعوراً بالرضا و التقدير الشخصي ... لكن المجتمع لا يرحم .. الحاجة تدفع الإنسان إلى فعل أي شيء ..

يدوس على قيمه ... على كرامته ... و أنا خير مثال على ذلك ... اليوم استطعت المحافظة على قيمي و أخلاقي ... لكني بنيت حاجزا حجريا طمس كرامتي و أنساني إياها ... تراهم يفقدون الشعور بالكرامة أمام الفاقة ...؟؟ و بعد ... أين سأصل ؟؟ يبدو أن الأمور تختلط في ذهني .. سأعود الآن ... و يكفي ما جمعت ...

 

لا ... ذلك أمر متعب ... لن أكرره مطلقا ... جمعت مبلغا لا بأس به ... لكن الثمن غالٍ ... أغلى مما كنت أتوقع .. لماذا يحكم علي القدر بذلك ؟؟  ما ذنبي ... لأشقى بأخوين و أدفع من كرامتي وتعبي ثمنا باهظا لأقدم لهما أقل ما يمكن ؟؟ يا رب سامحني .. الدموع تغلبني .. ترى كيف هو أخي ؟؟ هل سألحق به  ؟  هل سأراه يتعافى .. أم سيبقى أسير الفراش و الأدوية و سأبقى أسيرة العمل الشاق غير المثمر  ...؟؟

 

( و لكثرة التعب تسهو العين في غفوة عميقة اضطرارية )

- هدى ... هدى ... أسرعي مطلوبة على الهاتف ...

- نعم ؟؟

-  هدى استيقظي ... أسرعي مكالمة هاتفية لك ..

- سآتي بسرعة ... لحظة ... هل هي من بيروت ؟؟

- لا أعرف ... كانت المشرفة تتكلم وطلبت مني أن أدعوك بسرعة ... ربما كانت المكالمة من بيروت ... تبدو مهمة .

- الله يستر ... خير إن شاء الله ... ادعي لي يا سها ..

- أخبار حلوة إن شاء الله ...

- تعالي يا هدى ... لقد انقطع الخط ... سيتصل خالك مرة أخرى بالتأكيد ...

- ماذا قال لك ... أرجوك أخبريني ..

- يبدو أن الأمور لا تسير على خير ما يرام ..

- إذن ... قولي ... هل مات أخي ...  ؟؟

- تمالكي نفسك ... لا أعرف ... سيكلمك الآن بدون شك ... لأنه أصر على ذلك ..

- و ما الذي قاله لك ...

- لا تبك يا هدى ... تمالكي ... ها هو الهاتف يرن .. لا بد أنه لك ...

- ألو خالي ... طمئني كيف أحوالكم ... لماذا الأحوال لا تطمئن ؟ ماذا تقول ؟ في القسم الذي تعرض للقصف ؟ ... هل هذا معقول ... لا تصيب الشظية إلاَ  هو ... ثم لا يقصف من المستشفى إلاّ القسم الذي ينام فيه ؟و أين هو الآن ؟ ماذا ؟ غير معروف ؟ قل ... إذن قلها ... لقد مات ... قلها ... لماذا تخاف ؟؟ مات إذن .. سأحضر غدا لدفنه ... يجب أن أراه قبل أن يوارى الثرى ... لا تهتم للنقود سأتدبر الأمر ... ماذا ؟؟ ... لا ... غير معقول ؟؟ ... غير معقول ؟؟..

    و البكاء الدواء يغسل و يغسل ما في القلب و الروح ...

- ماذا قال يا هدى  ... اهدئي ... هل ستذهبين غدا ؟؟

- كلا !! ... كلا ... لقد مات أخي و دفن في قبر جماعي مع القتلى ضحايا القصف لأنهم لم يستطيعوا استبيان كل واحد منهم ... غير معقول .

- ابكي يا هدى ... لا تضحكي ... ابكي فالبكاء دواء ..

- دواء لأي جرح .. الجروح بليغة و عريضة ... فأيها أبكي ؟  و أيها أداوي ؟ ... هل تسمحين لي باستعمال الهاتف.

- بالطبع ..

- ألو ... أم سامر ... أنا أتصل لأقول ..

- يا هدى يا عزيزتي ... سامحيني ... و اعذريني ... سمر ليس باستطاعتها مقابلتك اليوم ... عندها موعد مع صديقاتها لشرب الشاي ... و غدا كذلك ... لكنها تركت لك معي مبلغا متواضعا أرجو أن تمري لأخذه ....

- شكرا يا خالتي ... شكرا لم أعد بحاجة إليه ..

- لماذا ؟ هل قدم لك أحدهم تذكرة ... ما بك ... هل تبكين أم تضحكين ؟

- لا ... لا عليك ... فأنا لم أعد أعرف حتى ... هل أضحك من الدنيا ... أم أبكي على نفسي ....

   

 

ناجي

 

إنه طفل في الرابعة  ... ربما يناسبه أن نسميه ناجي ، سأله ضابط الأمن : قبل أن تنام البارحة من كان يسهر عندكم ؟ أجابه الطفل :

- يا عمو لقد طلبت من ماما أن أكمل السهرة معهم فقالت أنهم ينتظرون ضيوفا و الأطفال الصغار الشطار مثلي يجب أن يناموا و هكذا فعلت .... و لم أعرف من سهر عندنا و لكن يا عمو ماما لم تنم بجاني كما و عدتني ...

استيقظت ووجدت نفسي على سرير عمتي … و مع أنه عالٍ و ماما لا تدعني أنزل عنه لوحدي … نزلت و بحثت عنها … صرخت و صرخت و لم يجيبني أحد … رحت أبحث فوجدتهم جميعا نائمين في الصالون على الأرض … ما بهم ؟ عمتي دائما توبخني لو جلست على الأرض أثناء اللعب و الآن ها هي تسمح للجميع بالنوم … ذهبت إلى ماما أولاً و حاولت إيقاظها دون فائدة … مؤكد أنها كانت تطبخ و نسيت البندورة على يديها ووجهها و ثيابها … و لكن كيف نامت دون أن تغسِّل لا ... لا بد أن هذه ليست بندورة ... إنه الدواء الأحمر الذي وضعت منه على رجلي عندما وقعت المرة الأخيرة ... و لكن كيف دهنوا وجوههم جميعا و أيديهم و أجسامهم ... ماما قالت لي هذا لا نلعب به فقط نضع منه نقطة مكان الجرح ليطهره فلا يؤلمنا .

 

ماما ... ماما ... أنا جائع ... أريد الحليب ... لا فائدة ... ذهبت إلى عمتي ... عيناها مفتوحتان و لا تجيبني ... لماذا ؟؟... البارحة نفذت أوامرها و لم أتعبها ... لكنها لم ترد علي لا أدري لماذا ... زوجها ينام بجانبها ... لم أطلب منه الحليب فهو يحضر لي الشيكولاته و ليس الحليب ...

دخلت الغرفة أبحث عن ابنة عمتي و أختي ... كلتاهما نائمتان ... أيضاً لعبتا بالدواء الأحمر ... لكن لماذا تنامان بدون ثياب ماما قالت ما زال الطقس باردا و يجب أن تنام ( بالبيجاما ) لم يرد علي أحد ... و لن يعطيني أحد الحليب ..

اوه ... أردت الدخول إلى الحمام ...

 

لم يستيقظ أحد ليساعدني ... ذهبت إلى أخي ... بحثت عنه لم أجده ... ربما ذهب ليشتري لنا الخبز ... فقلت لنفسي لا بأس سأكل الآن الخبز الساخن بدل الحليب أو ربما يعده لي أخي ...

سأذهب وحدي إلى الحمام فقد صرت كبيرا ..

لكن ما هذا وراء باب الحمام ... لا أستطيع فتحه ... بقوة ... بقوة أكثر ..

اوه هذا أخي ... ينام هنا في الحمام ... أيضاً هو لعب بالدواء الأحمر ... يبدو أن ماما قد عاقبته فحبسته في الحمام ... أخي ... أخي ... أريد الحليب ... أيضاً لم يرد ... دخلت وحدي ... نعم لقد استطعت ... صرت شابا ... لم أعد بحاجة إليهم ... أنا زعـلان منهم ... لكن الحليب لا أستطيع تحضيره بنفسي ... كنت ـســأبكي ...

 

لكني سمعت صوت صديقة ابنة عمتي تناديها كما كل يوم للذهاب إلى العمل ... فركضت إلى الشـرفة و طلبت منها الصعود لتحضر لي الحليب ... استغربت و سألت عن الجميع .. فقلت لها كلهم نائمون ...

 

عندما صعدت إلى البيت و قبل أن تدخل ... فقط نظرت إليهم من الباب و حملتني و أتت بي إليك يا عمو ... لا أدري لماذا ... أنا لم أشرب الحليب بعد ... و لم آكل الخبز الساخن ..

    الطفل يتكلم و الجميع مشدوهون يستمعون إلى روايته الطفولية المأساة دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة .

 

قال الضابط لمساعده : أقفل المحضر على أقوال الطفل ... و أرسلوا في طلب والده من العاصمة ... العنوان سجلته الصديقة التي بلّغت ... وعمموا الجريمة البشعة على الصحافة ... علﱠ الضمائر تصحو ...

 

وخرجت في الغد الصحف تحمل عنوانا يقول : جريمة بشعة تذهب ضحيتها عائلتان دخل عليهما مسلحون وقتلوا كل من كان في المنزل باستثناء طفل في الرابعة يبدو أنه كان نائما فلم يجده السـفاحون ... و لا دليل على السرقة ..

 

زاوية صغيرة احتلها الخبر وسط أخبار كثيرة مماثلة ... و الطفل انتظر والده الذي تركهم في القرية الهادئة وذهب بعيدا إلى العاصمة حتى لا ينقطع عن مصدر رزقه فإذا القرية الهادئة قبرا كبيرا لزوجته و أولاده و أخته وعائلتها ...

 

احتضن طفله و هو يثور ... يغلي ... ما هذا البلد ... هنا أيضا فقدهم ... تعذب كثيرا من أجل بقائهم آمنين ... عانى الكثير ليبعد عنهم شبح القلق والموت فإذا به يلحق بهم و بأبشع صوره .... لماذا ؟؟

 

من يسأل ؟؟ الفوضى تعم الهواء ... لا أحد يسأل عن أحد ... سيقيم الدنيا و يقعدها ... سيريهم ... لن يترك سبيلا لمعرفة الفاعلين ... قتلوا أخته و زوجها و اغتصبوا ابنتها و ابنته و مثلوا فيهما أيمَا تمثيل ... و زوجته الرقيقة ذبحوها و يبدو أنهم عذبوها ... ربما حاولت إنقاذ ابنتها ... ربما ... سيقول ... ربما طويلا ... فلا دليل ...  لا شاهد سوى فناجين قهوة تدل على أن الفاعلين معروفون و دخلوا دون عنف ... و هذا لا يكفي ...

 

إذا تخلى الضابط عن التحقيق وأقفل المحضر لعدم وجود أي خيط يمكن أن يقودهم إلى الفاعلين ... لن يتخلى هو ... و يثور و يغلي في داخله شيطان الانتقام ... كلهم قتلوا ... و بقي ناجي ... الكل حوله يتحدثون و يروون حوادث مماثلة محاولين تهدئته ... و هو يغلي ... يبحث ويفتـش ... و يتجسس ... وهو يغلي ...

 

والفوضى تعَم الأماكن الفوضى تعَم النفوس ... حتى الهواء صار رصاصا و حقدا ... حتى الماء صارت دماء ... و ناجي يصر على إعادة الحكاية من أولها كلما أراد أن يشرب الحليب .

   

 

 ورود الإياب

 

ســــيري يا مركبتي ... سيري كما تشائين ... إلى أين ؟؟؟ ... لا أدري .... في هذه اللحظات الصعبة و في قمة الغليان ... يحتاج الإنسان صديقاً مخلصاً يتوجه إليه مباشرة ... و أنا أين أصدقائي ؟؟ كل منهم جذبته بقعة من بقاع الأرض فسعى إليها هربا من أتون النار المشتعلة هناك ...

 

أين أصدقائي ؟؟ كان يكفي أن أُخرج من جوفي بركان الغضب ... أو أن أبكي ... فلربما ارتحت و استطعت البدء بالتفكير من جديد ... أما الآن ... فأنا أغلي في الداخل ... و كأن شررا تطاير من أعماقي فرفع حرارة الجو المحيط بي ... قد يكون الأفضل أن تتوقفي هنا على شاطئ البحر ... هو صديقي دائما .... صحيح أنه لا يجيب لكنه يكتنفك بعمقه .... يضمك بوسا عته فترحل بعيدا ... و قد يرحل غضبان و تهدأ ثورتك ..

 

مذ كنت طفلا أحببت الجلوس هكذا على الرمال ... و كما الآن كنت أمسك العصا و أخط خطوطا عشوائية و أنسى نفسي ... أما اليوم فلا أستطيع ذلك ... الحيرة تكاد تقضي علي .. و لا أعرف ما أنا بفاعل ...

 

كنت أتوقع كل شيء في الشركة ... منذ شهر و قلبي يحدثني بكارثة تخفيض المرتبات ... حسم الساعات الإضافية ... إلغاء المنحة السنوية ... أما استغناء عن الخدمات فتلك طامة كبرى .... حدثت لكثيرين من قبلي لكني لم أتوقعها ... كنت أعتقد أنني مؤثر لدى صاحب الشركة و كنت أصدقه عندما يردد على مسامعي بأنه لا يستطيع الاستغناء عني ... و كنت مطمئنا لذلك ... و اطمئن زوجتي كلما سمعنا بأن أحد الأصدقاء تم الاستغناء عن خدماته و يجهز نفسه للرحيل ... و العودة إلى بلاده ..

 

لم أرضّ يوما أن تختصر زوجتي شيئا مما اعتاده الأولاد بحجة الاقتصاد .... كنت دائما مطمئنا و أريد لأولادي الأفضل و الأحسن ... كنا سعداء ... لقد هربنا من أتون النار هناك و باشرنا الحياة هنا ... و كان لنا كل ما نريد ... و ها هي سنوات تسع قد مضت على وجودنا ... لم نفكر فيها يوما ترك البلد المضياف الرائع ..

 

اليوم ... اليوم بالذات ... يأتيني كتاب الاستغناء ... و في يوم عيد زواجنا ... آه يا زوجتي العزيزة ... كنت أتمنى أن أكون الآن إلى جوارك ... راميا رأسي على صدرك ..

 

كنتِ دوما متفهمة ... و دوما كنا سعداء نخطط معا ... تتفق آراؤنا ... لكني لم أستطع أن آتي إليك ... و أعلن فشلي ... نعم سأعتبره فشلا و لو أنه ليس كذلك ... لم أستطع أن آتي لأخبرك بأنني و بعد ثلاثة أشهر سأكون بلا فائدة ... مكبلا بشتى أنواع القيود التي كان عملي يحلني منها ...

 

لم أستطع أن آتي حاملا خبرا تعيسا كهذا ... أعرف ما حدث لكل من أعرفهم ... لم يجد أحد منهم عملا بعد أن ترك عمله ... جميعهم حزموا بيوتهم و أمتعتهم و عادوا ... أما نحن فأين نعود ... هل سآتي لأقول لك هيا هيئي نفسك ... فنحن مضطرون للعودة إلى بيروت ... و أنت قد مضى على آخر زيارة لك إلى هناك أربع سنوات ... لم تقبلي فيها الذهاب ... كنت تفضلين أن تأتي أمك إلى زيارتك ... أما ذهابك مع الأولاد فلا ...   و أنا ... في كل مرة اضطررت السفر إلى هناك لرؤية أمي و أبي كان ذهابي كابوسا لا أستفيق منه إلا و الطائرة تحط في مطار الكويت ..

 

كان أبي يقول لي ... : عد يا بني ... فنحن أصبحنا عجوزين ... يكبر أولادك بعيدا عنا ... عد بهم يا بني ليكبروا على أرضهم ... و يستنشقوا هواءها ... لا تسكن في بيروت ... تعال إلى الجبل ... المكان هادئ ... لا مسلحون ... لا طوائف ... و لا حرب ... نحن مرتاحون و المدرسة قريبة من قريتنا ... لماذا لا تعود ... قد لا تستطيع متابعة عملك كمدير للبيع أو كبائع ... باستطاعتك العمل معي في الأرض ... الأرض كبيرة و إذا عملت فيها بجد ستدر عليك أرباحا طائلة ...