|

بطاقة
تعريف الكاتب: مصطفى حمزة 
من مواليد مدينة اللاذقية 1959
-إجازة في اللغة العربيّة – جامعة تشرين باللاذقية 1981.
-دبلوم التأهيل التربوي – كلية التربية – جامعة حلب 1989.
-درّست اللغة العربيّة في ليبيا – طرابلس.
-أعمل مدرّساً للغة العربية في وزارة التربية بدولة الإمارات منذ 1994، ولا
أزال.
-أكتب القصّة القصيرة، والشعر، ومقالة النقد الأدبيّ.
-نشرتُ عدداً من المقالات في 'المجلّة العربيّة' السعوديّة، أذكر منها هذه
العناوين:
(الطفولة بين الأميريّ والبدويّ) و (أحلى العيون في عيون الشعر) و(طيف
الحبيب في الشعر العربي) وغيرها.
-لي ديوان شعر مخطوط بعنوان 'بوح القلب' ومجموعة قصصية مخطوطة بعنوان
'نظرة'.
 


نماذج من أعماله

قِصَصٌ قصيرةٌ جدّاً
جُروح
ليلةَ العيد ، في السُّوق ، كان مع ابنه عندَ بائع الحَلْوى .
سَمِعَها تُنادي طفلَها باسمه هو !
والتقتْ العيونُ لحظة !
***
- 2 -
عُقوبَة
" ستُعاقبَ أيها التلميذ المُشاغِب " !
توسّلت طفولتُه ودموعُه .. تشبّث بطرف فستانها .. دون جدوى !
دفعتْه داخلَ المرحاض الصغير ، وأوصدت البابَ من الخارج !
قُرع الجرسُ وعاد التلاميذُ جميعُهم إلى أمهاتهم ، وهي عادت إلى
أطفالها .
ونسوه !
في الصّباح ، وَجَدُوه :
الخوفُ أزهق روحَه ، والفئرانُ أكلتْ عينيه الخضراوين !
***
- 3 -
الغُربة
عشيّةَ السفر إلى الوطن في إجازة الصيف؛ كان يُوضّب الحقائبَ
تُساعده زوجتُه و أولادُهُ.
منذ أربعة عشرعاماً يُمارسون هذاالطقس .
باتَ لا يدري : هل هُم عائدون ، أم مُسافرون !
--------------------------
أضيفت
في21/02/2008/ خاص القصة السورية / المصدر الكاتب
   
القصّة القصيرةُ – في رأيي – هي مُحاولةُ إيقاف لحظةٍ إنسانيّةٍ عِشْناها
في حياتِنا – التي لا تقف – وتقديمها بشكلٍ أدقّ وأجمل إلى إنسانٍ آخر،
لعلّها تُضيفُ إلى إنسانيّته زمناً من حياتنا ممتعاً ومؤثّراً؛ فَنُغني
بذلك – بقصدٍ وإصرارٍ – معانيَ الإنسانيّةِ مِنْ حَوْلِنا.
مصطفى حمزة
فَتّة الحِمّص
جفّ ريقُه وهو يُنادي بصوتِه الأجشّ: على السّكين يا جبس 00 على
السّكين يا جبس 00 ولكنْ لم يكن واحدٌ من سُكّان الحارة يُقبل عليه ويشتري،
ولو جبسة واحدة !
أطلّ من الشُّرَفِ المُحيطة بعربته - دُفعةً واحدةً - عشرون ،
ثلاثون امرأة بدينة قبيحة؛ وبدأنَ يقذفن جبساته بعُيونهنّ التي تُشبه
الكُراتِ الصغيرة، فكانت تطعنَ جبساته فوقَ عربته الخشبيّة المتهالكـة
فتَفْلَعُها وتفضح بياضها ؛ ثم ترتدّ إلى محاجرها، في وجوه أولئك
القبيحات...
نظر بإحباطٍ شديد إلى أكوام الجبس المفلوق التي تراكمت على بُعد
أمتارٍ فقط من بابِ بيته الأرضيّ القديم ؛ وقد افترّت كل جبسة عن بياضِها
المكروه 00 وكانت أذناه تلتقط من هنا ومن هناك، من النوافذ المفتوحة
والنوافذ المُغلقة ، ومن خلف الجدران:
- الله لا يُعوّض عليك يا 'أبو خليل' 00 الله لا يُعوّضْ عليك يا
'أبو خليل'00
لمح أحدَ الأولادِ الأشقياء يتسلل إلى كومة الجبس، ويلتقط ربعَ جبسة
ثم يلتفتُ يميناً وشمالاً، ويُسدّدُ جيّداً باتّجاه صلعته 00 ويقذفها بكلّ
ما أوتي من قوة، ويفرّ هارباً من زابوقة الحارة 00 لم يزعل، بل جمع بكفّه
العصيرَ السائلَ على وجهه، وراح يلعقه ويتلمّظ بشهيّةٍ فائقة 000
رآها 00 إنّها 'أم خليل'، زوجتُه القصيرة النّمشاء ، بشحمها
المتكدّس 00 تخرج من باب بيتهم مُلتحفةً بالمنشفة القديمة، وتهجم مُباشرة
على رقبته المُرطّبة بعصير الجبس وبالعرق ، وتخنقه بكفّيها الصّغيرين 00
وهي تصرخ :
- قُمْ يا خامِل 00 قُم 00 اترك هذا الجبس الملعون 00فلن يمسّه أحد
، واصعد إلى الأحْراج وأحضر بعضَ الحطب لنبيعه ونأكل ونطعم الأولاد 00 قُم
لقد متنا من الجوع 00
ردّ عليها وهو يفك كفيها عن رقبته بقرف :
وماذا لو قبضتْ عليّ شرطة الحِراج ، وأخذوني إلى السجن ؟ هل
تزورينني هناك ؟ وهل تجلبين لي معك البرتقال اليافاوي 00 آه 00 كم أشتهي
عصيرَ البرتقال اليافاويَّ الباردَ 00 المُثلّجَ 00
وجدَ نفسَه عائداً من الأحراجِ في طريقٍ ضيّقة مليئة بالحجارة
والأشواك القاسية 00 وبالكاد كان يستطيع إظهارَ رأسِه من تحت كومة الحطب ؛
التي كانَ جسمُه الضئيل الناحلُ يتمايل بها يميناً وشمالاً000
- هل أسمع صوت سيارة الدوريّة ؟! هه ؟ لا 00 لا 00 مالهم وللحطب00
عليهم لعنة الله 00 أريد أن أشرب ، أريد أن أشرب 00 أكاد أموت يا أم خليل
من العطش00 الثروة الحراجيّة مهمّة لتلطيف الطقس وجلب المطر00 المطر المطر
00 أين المطر ؟00 أنا عطشان أنا عطشان 00 '
وأمام باب بيتهم 0 يضع عن ظهره كومة الحطب التي أنقضت ظهره 00
وفجأةً يصيح بأعلى صوته: 'أوقفوا لسانَ هذه العجوز الخرقاء عني 00 أسكتوها
00 هل أنا الذي زرعتُ الجبس يا ناس؟! هل أنا بداخله لأعرف ما إذا كانَ
أبيضَ أو أحمر ؟! وهي هي نفسُها كانت تقول لي كل يوم : بِعْ على السكين،
بِعْ على السّكين، الكلّ يبيع على السكين بِعْ على السّكين 00 سكّين في
بطنك 000يا أم خليل 00
جلس على كومة الحطب، وأخرج من جيبه منديلاً قذراً وراح يمسح عرق
جبينه وعنقه 00 وفجأة مجموعة من الشباب والفتيان والصبيان والأولاد والنساء
حتى شيخ الجامع 'أبو مُطيع' 00 تراكضوا جميعاً من هنا ومن هناك، وتحلّقوا
حولَ عربتِهِ المُعَرّمة بالجبس السليم 00 وخرج من بينهم رجلاً يعرفه 00
إنّه مُدير المدرسة 'الأستاذ فارس'00 استلّ سكيناً كبيراً وراح يصيح:
- جبس على السّكّين ، جبس على السّكّين 00 تعالوا إلى جبس ' أبو
خليل ' 00 أحمر يا جبس ، أحمر يا جبس 00
ويتدافع الحشد من حوله صائحين :
- أعطني واحدة 00 وأنا أيضاً 00 وأنا أيضاً واحدة الله يخلّيك 00
جبس لذيذ يا سلام 00
وكان الأستاذ فارس يشدّ يده على مقبض السّكّين ويُغمدها في الجبسة ،
ثم يشقّها نصفين فتنشطر عن لونٍ أحمر فاقع ! وبذورٍ سوداء كالليل الدامس !
ويدفع بها إلى أحدهم وهو يصيح بحماس :
- ذُق 00 ذُق الحلاوة 00 خذ على حساب 'أبو خليل' 00
ثم يلتفت إلى جبسة أخرى ويشقّها، فإذا هي أيضاً حمراء كالدم ! ثم
ثالثة فرابعة فخامسة 00
- كُلْ على حساب ' أبو خليل ' 00
وكان أبو خليل يُراقب هذا المشهدَ الذي يجري أمامه وهو لا يُصدّق
عينيه 00 إنّه جبس أحمر 00 جبسُه هو أحمر 00 والناسُ تأكل منه في الشارع
بمنتهى الشّرَهِ والتلذّذِ 00 فصاحَ بأعلى صوتهِ :
- أنا عطشان 00 عطشان ، اقذف لي قطعة جبس يا أستاذ فارس ، الله
يرحم والديْك ، أنا عطشان 00 عطشان 00
أفاق على صوت أم خليل وهي تصيح :
- خذ اشرب 00 بسم الله الرحمن الرحيم 00 نصحتُكَ مئة مرّة ألاّ تأكل
فتّة الحمّص قبل النوم 00 ولكن لا فائدة ، تتعشّاها وتنام 00 وتأتيك
الكوابيسُ !!
***
- أهل اللاذقية يُسمّون البطيخ الأخضر: (الجَبَس)، والبطيخَ
الأصفرَ: (البطيخ) دون إضافة إلى الأصفر وفي ليبيا يُسمّون البطيخَ الأخضرَ
(الدّلاّع)، ويُسمَونه في الإمارات (يَحْ)
- 'على السّكين' عبارة مَحكيّة في اللاذقية، ومعناها أن يفتح
البائعُ بالسكين جزءاً من الجبسة ليراها المشتري قبل أن يدفع ثمنها، فإذا
أعجبته أخذها ، وإلاّ اختارَ واحدة أخرى غيرَها 0
   
صَحْوَة
كانَ يجلس وراءَ مَكتبهِ الفارهِ، في شركته
وكانَ رمضانُ
ومِن المِذياعِ بجانبِهِ كانت تَضُوعُ 'سُورةُ الإسْراء'
وعندما لامَسَتْ سَمْعَهُ 'وقُلْ ربّ ارْحَمْهُما كما ربّياني
صغيراً' ذَرَفَتْ عيناهُ بغزارةٍ ! وهبَّ إليها ..
لَمْ يَرَها منذُ حين !!
كانَ طُولَ الطريقِ يُنصِتُ إلى صَدْعِ قلبِهِ :
'أمّاهُ : لَنْ تَبقَيْ هُنالكَ بعدَ اليوم، ولَنْ تغيبي عنْ
عَيْنِي أبداً ... أمّاهُ : في بيتي عَرْشٌ بانتظاركِ .. وَلْيَكُنْ من
زوجتي ما يكون' !
   
نَظرةٌ
لَمَحَهُ من بعيد ، يجلس وحده في زاوية المقهى الصَيفيّ ، إلى
طاولة منفردة ، يتناول وجبة طعامه.. إنه هو، والدها !
راحَ يتذكّر ملامحها من ملامحه: العينين الخضراوين، والوجهَ
الأبيضَ المسـتديرَ، تلفّتَها ونظراتها ، حركةَ يديها .. سبحان الله !
خفق فؤادُه بشدّة ، وأحسّ بلذّةٍ مُؤلِمَةٍ .. وتمنّى أن يسـمعَ صوتَها من
صوته ..
ترك فنجان الشاي من يده وقام متّجهاً إليه ، حين وصل إلى
طاولته لم يكن يدري ماذا سيقول، كان فقط يريد أن يسمع صوتَه ..
-السلامُ عليكم
رفع الشيخُ السّتينيّ رأسَه عن طبق الطعام:
-وعليكم السلام ورحمة الله !
اشتدّ خَفَقانُ قلبه حين سمع صوتَه ، وأحسّ بطيفٍ يحوم حول الطاولة
.. تماسك ورسم على شفتيه ابتسامةً ، وقال بِأدبٍ :
-أنا آسفٌ يا حاجّ ! رأيتُك وأنا جالسٌ هُناك – وأشار بيده إلى
طاولته التي كان يجلس إليها - فأحببتُ أن أسلّم عليك .. ألم تعرفني ؟
أجابه الشيخُ بابتسامةٍ حنونة :
-لا والله - من غَيْر شرّ - تفضّلْ يا بُنيّ اجلسْ ، مُدّ
يدَكَ ، شارِكْني غَدائي المتواضعَ .
تناول الكرسيّ القريبَ وجلس بهدوء :
-شُكراً، صحّة وهَنا .. طمئنّي عنكَ يا حاجّ ، كيف الهمّة
؟
-الحمد لله .. تشكيلة واللهِ يا بُنيّ ! السّكّر والضغط
والرّبو .. نحمده على كلّ شيء.
كان يهزّ رأسَه بأسفٍ وهو يُتابع كلمات الشيخِ الشاكيةَ ، ويسمع
في الوقت نفسه من كلماته موسيقا حالمةً أرجعتْه خمسـاً وعشرين سنةً إلى
الوراء !
-عافاك اللهُ يا حاجّ، عافاك الله .. المَصيفُ الجبليُّ
هُنا يُخفّفُ الرّبوَ، أليس كذلك يا حاجّ ؟
-طبْعاً، الهواءُ الجبليُّ الجافّ دواءٌ للرّبوِ ، لذلك أنا
أقضي مُعظمَ أيّامِ الصيفِ هنا .. الحاجّة لا تحبّ مغادرةَ المدينة .. وأنا
لا أُطيقُ الرّطوبةَ هناك .. الحمد لله . تأتي إليّ كُلَّ خميس وجمعة
وتعود إلى البلد صباحَ السبت .
سكتَ لحظة، ثم ابتسم بِطِيبةٍ، وقال له:
-عدمَ المؤاخذة يا بنيّ، ما تعرّفْنا !
-نحن جيران يا حاجّ .. أنا عفيف ، عفيف حسين .. كُنّا نسكن
..
لَمَعَتْ عينا الشيخِ الخضراوان، وقاطعه بِحَفاوَةٍ:
- أهلاً أهلاً أهلاً .. طبعاً نحن جيران .. جيران العمر .. رحم
اللهُ أباكَ .. كيف حالك يا بني ؟
كيف أمّك وإخوتك ؟ أين أنت في هذه الأيام ؟
-بخير والحمدُ لله ..
وحكى له مُوجَزاً عن مسيرة ربع قرن، منذ أن تخرّج في كليّة الآداب، إلى أن صار أباً لأربعة أبناء أكبرُهم بنت في السابعة عشرة، وأصغرهم في
الخامسة، وعن عشر سنين معاناةً قضاها في البلد بعدَ تخرّجه، قبلَ أن
يُكرمَهُ اللهُ بعقد عملٍ في دولةِ الإمارات، فتحسّنتْ أحوالُهُ، واشترى
بيتاً في اللاذقية وآخَرَ في المصيف، هنا حيثُ يقضي إجازته الصيفيّة معَ
عائلته كُلّ سَنةٍ.
كان الشيخُ يُصغي إليه مُعجَباً ، وحين توقف عن الكلام سأله فجأة:
-الآن تذكرت .. ألم تكن أنتَ و تَقِيّة، ابنتي ، زملاءَ في
الجامعة ؟
آه .. تَقِيّة .. أبوها .. صوتُها .. طيفُها .. رائحتُها !!
أجاب وعيناه سارحتان في وجه الشيخ :
-نعم .. طبعاً .. نحن كُنّا زملاء ، وكُنّا نتبادل أحياناً
بعضَ المراجع ، ونتعاونُ في كتابةِ البحوث .
وماذا يُمكن أن يزيد على ذلك !
أطرقَ سارحاً . لم يسمعْ من أخبارها شيئاً منذ سنين وسنين .. شعَرَ
بالظّمأ لأنْ يعرفَ شيئاً ما عنها.. أينَ هي الآن ؟ فقط يُريد أن يعرف
أينَ هي الآن .. أينَ تسكن .. لعلّه يقصدُ الشارعَ، أو الحارةَ ..
-ما أخبارُها يا حاجّ ؟ بالتأكيد تزوّجت و ..
-مَنْ، تقيّة ؟ أووه، وصار عندها خمسُ بناتٍ.. لم تُرزق
بصبيان.
ودمعتْ عينا الشيخ :
-لم أرَها، هي وبناتها وزوجها، من سنتين ..
-لماذا ؟! خيرٌ إن شاء الله ؟
-هُمْ بخير والحمدُ لله ، في فرنسا .. تزوّجَها مهندسٌ ،
وهاجروا جميعاً إلى هناك ، من عشـر سنين الآن صاروا كلّهم فرنسيين ،
أعطوهم الجنسيّة ..
هزّ رأسَه مبتسماً ابتسامةً مريرة :
-ترى وجهَهُمْ بخيرٍ إن شاءَ الله يا حاجّ ..
-سلّمك الله يا بنيّ ..
ثم استدرك الشيخُ مُبتسماً ً :
-نسيتُ أنْ أسألكَ ، لماذا أنتَ وحدَكَ ؟ أين زوجتك وأولادك
؟
-سيحضرون بعد قليل ، سبقتُهم إلى هنا .. لأنفردَ بنفسي
قليلاً ..
ثمّ لَمَحَهُمْ وهم يدخلون بابَ المقهى ، فخفَقَ قلبُه بشدّة !
أفاقَ من حُلُمِهِ الغائِمِ !
كانت ابنتُه تسيرُ إلى جانب أمّها ؛ صبيّةً يُطلّ وجهُها من
خلال الحجاب كالقمر ، تُمسك يدَ أمّها ويلفّهما معاً جِلبابُ الحياء ..
ومن خلفِهِما صِبيانُهُ الثلاثة بوجوههم البريئة الوضيئة .. تُزَيّنهم
الصحّةُ والعافية ..
توقّفوا عندَ مدخلِ المقهى يبحثون عنه بنظراتهم . راح
يتأمّلهم وكأنّه يراهم أولَ مرّة ! شعرَ بسعادةٍ غامرةٍ ، وبسكينةٍ تهبطُ
على قلبه .. رآهُ الصغيرُ ، فأفلتَ يدَ أمّهِ وانطلقَ إليه ..
هبّ عن كرسيّه نحوَ ابنه ، فالتَقَطَهُ ورفعه في الهواء وراحَ
يُقبّل خدّيه ورقبتَهُ .. ثمّ توجّهوا جميعاً إلى طاولتِه البعيدةِ ..
ونَسِيَ أنْ يُسلّمَ على الشيخ !!
   
نـورٌ
خَرجَ من غُرفةِ مكتبه وراحَ يتمشّى باتّجاه البحر، وصلَ إلى
الصخرةِ العاليةِ الكبيرةِ الملساءِ التي يرتاح عندَها كلَّ يومٍ، جلسَ في
موضعه وراحَ يتأمّلُ البحرَ بعينين ساهمتين مُتعَبَتَين .. البحرُ هائجٌ
جدّاً هذا اليومَ ! لمْ يعتَدْ أنْ يراهُ كذلك ! لقد ألِفَ هذا الشاطئَ منذ
أكثر من سنةٍ ونصف ، لكنّه لم يره كاليوم هياجاً وغضباً ! أحسّ بأنّه لا
يُحبّ البحرَ.. مع أنّه طالما جلسَ عندَ هذه الصخرة ذاتها ، وكتبَ خواطرَه
يُناجي بها البحرَ ، هذا البحرَ نفسه !
ماذا جرى له اليومَ ؟!
التفتَ إلى الوراء وراحَ يستعرضُ بنظره محتويات المستودعِ
الكبيرِ الذي يمتدّ أمامَه بضعَ مئاتٍ من الأمتار، كلّ هذا أمانة في عُنقه
؟ ! أكواع، وتِيهات، ووصلاتٌ، وبَراغٍ، وكلّ القطع الخاصّة بأنابيب جرّ
المياه من النهر البعيد إلى المدينة. هذه الأنابيب المعدنيّة المرصوفة إلى
بعضها حِزَماً حِزَماً وازدادت ضَرباتُ قلبه حينَ توقّفت عيناه عندَ تلك
القضبان المعدنيّة التي تطوّق كلّ حزمة من تلك الأنابيب !
قفز إلى سمعه كلماتُ سائق الرافعة:
- أترى تلك القضبان يا أستاذ طاهر؟
- ما لَها ؟
- إنّ قطرَها اثنا عشـر ملمتراً، أتدري، إنها مفقودة من السـوق؟
وهناك مَنْ يدفع لك ثمنها المبلغ الذي تريده ..
- يعني ؟!
- يعني ، لو ننزعها عن الأنابيب، ونجمعها، وأنا أعرف رجلاًً
مسـتعداً لأن يأتي إلى هنا ويدفع ثمنها في أرضها، والنقل على حسابه .. ما
رأيك ؟
- يعني نسرق يا أبا محمد ؟!
- هذه ليست سرقة يا أستاذ طاهر، ليست سرقة .. اسمعني، نحن نُرحّل
هذه الأنابيب بالعدد أليس كذلك ؟
- أجل !
- والقضبان هذه ، بعدَ نزعها ستبقى في المستودع، ولن يسأل عنها أحد، لأنها ليست في القيود، أليس هذا صحيحاً أيضاً ؟
- أجل !
- إذن ؟!
- وبكم تظن أنها تُباع ؟
- بالكثير يا أستاذ ، بالكثير .. إنها تُساوي ذهباً هذه الأيام ..
ستضع في جيبك مبلغاً محترماً ألا تُريد أن تأتي ببنت الحلال ؟! والله يا
أستاذ طاهر يكفيك سنتان خطبة !!
وعادَ بنظره إلى البحر، كانت موجةٌ عظيمةٌ تزحف نحو الصخرة التي
يجلس فوقها ! لقد خُيّل إليه للحظةٍ أنها حصانٌ جامحٌ يُريد أن ينقضّ عليه
! انكمشَ على نفسه خائفاً ، قبلَ أن تتبدّدَ الموجةُ وتتلاشى على الصخور
..
أسندَ ذقنه براحتيه .. إنّه يُحسّ بإرهاق شديدٍ .. تذكّرَ
أنّه لم يَنَمْ ليلةَ أمس ، لقد أمضى الليلَ يتقلّبُ دون أن يستطيعَ
الإغفاءَ ولو لحظةً واحدةً ! حاولَ أنْ يقرأ في كتاب ؛ لكنّه أحسّ بغُربةٍ
مُرّةٍ بينه وبين الكتاب ، وكأنّ الكتابَ لا يُريده! قامَ فتوضّأ ودخلَ في
الصلاة ، شعر وهو يقرأ الفاتحةَ وكأنّه يقرأ في جريدة يوميّة ! أينَ
القداسةُ التي كانت تتنزّلُ عليه وتلفحُ كيانه لحظةَ يدخلُ في صلاته ؟! حتى
القِبلةٌُ ، هذه الوجهة التي وقفَ أمامها عشرين سنةً ، يشعر حيالها هذه
الليلةَ بأنه غريبٌ نَجِسٌ في محرابها الطاهر ! رمى بنفسه على الكَنَبةِ
مرهقَ الأعصاب ، وأسندَ رأسَه إلى الوراء ، ولمّا وقعتْ عيناه على صورة
المرحوم والده المعلّقة على الحائط المقابل سرتْ بجسمه قُشعريرةٌ رهيبة
رجفتْ لها أطرافه ! كانت الصورةُ بديعةَ الإطار ، هادئةَ الألوان ، تُضفي
عليها ملامحُ صاحبها الطيبةَ والسماحةَ والصَلاح !
|