الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/04/2008

القصص

الهجرة من القدر

البديلة

لعبة النوم

حالة عامة لفنان متفرد

 قاع البئر

 رائحة النار

دخول الروح 

 القلب الملون

اللعب بالدم

 انفعالات

  العشاق

  طقوس امرأة

 

بطاقة تعريف الكاتبة: سحر سليمان 

 

سورية من مواليد الرقة 1966 وتعمل معلمه فيها

متزوجة وتسكن المنطقة الشرقية القريبة من نهر الفرات

تكتب القصة القصيرة منذ 1997 وتنشر في العديد من الصحف والمجلات السورية والعربية

ونالت العديد من الجوائز

الإصدارات

 مجموعتها الأولى "حرق الليل" صدرت عن اتحاد الكتاب العرب عام 1997

والثانية "الهجرة من القدر" عن وزارة الثقافة عام 2003

 تكتب الشعر النثري

 الأعمال المعدة للطبع

 مجموعه قصصيه ثالثة ومجموعه شعرية

مقيمة في باريس

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

 

 

 نماذج من أعمالها

  

 

حالة عامة لفنان متفرد

 

 

مضطرباً كبر كان هائج, كصيحة غضب, هكذا كان. والصباح الربيعي يقدم ورقة اعتماده للذاكرة. ويرزم مابيصره فوق أرففه السندسية , وتصفع الرائي عبارة سطرها ذات يوم على ورقة صغيرة قصها من هامش صحيفة يحملها ودس الورقة في جيب سترتها . حين قرأتها عرفت أنه صاحب الورقة نفسها التي كتب عليها: ((يا لله علمني لغة الطيور)) هذه الورقة التي غلفتها ضد صدأ الأيام وأطرتها لتعلقها جانب أول لوحة أهداها إياها. لكن هذه الورقة الثانية تحيداً ماذا سأفيد منها, بل أين سأعلقها؟ كانت نار الأسئلة تلهب دمي فقد مللت لعبة تبادل رسائل الغرام التي تعيد بي الذاكرة إلى مرحلة مراهقة مضت منذ زمن بعيد وخلسة ذات صباح دونت على قصاصة ورق بحجم الكف صباح الخير: قلتها لك ولم أكتبها ومنذ ذلك اليوم أغلقت كل أبواب الخير في وجهي لعل ذلك لأني أدركت بحدس حواء أن الحزن سيرافق رحلتي معك وفعلاً رحلت عني وعن مدينتي حتى بلا وداع أو رنين هاتف معتاد كما كنا اتفقنا , أو عبر ورقة صغيرة ترسلها خفية إلى شرفتي , هذه الشرفة التي كثيراً ما تغنيت بظلامها, عصافيرها, ورودها, حوريتها جمع لوحاته وحقائبه وغادر . متى وكيف  . إلى أين......؟؟ سألت طويلاً و كثيراً وكأن آثارك قد أمحت, أو كأنك رحلت إلى كوكب آخر وماذا تفعل امرأة حَزمت حقائب قلبها معلنةً الهجرة. إلى أين تروم الوصول أيها القلب مع رجلٍ كهذا ؟ أجل, كثيراً ما سألت قلبي هذا السؤال و أين ستفرد بعد غيابه حقائبك ؟ هل أصبحت امرأة مخذولة . أم مكسورة ؟ وتلاشت أشلاؤها على بقعة من الأرض التي ترفض الامتصاص وأيضاً لاتقبل الرفض كتب لها مرة أخرى بعد أن مرّ زمن طويل على غيابه مسوّغاً: إنه لا يريد لأبيض ألوانه أن يمتزج بسواد دمعها المكحل مردداً: (لا يمتزج الأسود والأبيض , وجود أحدهما انتفاء للآخر ) هكذا كتب حول اللوحة التي وصلتها . لوحة امرأة يمتد على وجهها سلم خشبي وفراشة تريد أن ترتقي أعلى السلم كي تستقر على شعرها, شعر المرأة المتناثر وصلتني اللوحة دون عنوان مرسلها مع بطاقة بخط يده قد كتب عليها: ((قال العرافون: (ستحب امرأة تجعلك تسهر الليل تحت شرفتها وسيكون قلبك أسيراً في قفص عصافيرها كطائر خذله جناحاه ).)) علقت اللوحة على الحائط الذي خصصته له , لأوراقه المرسلة ولوحاته . قصاصات الورق واللوحات والبطاقات جعلتها تعلق و تهز رأسها قائلة: ((لو أنك أتقنت لغة قلبي لكان القلب عصفوراً هائماً يطير إليك على الدوام ))  ومضت أيامها برتابة محضة ألفتها روحها من قبل , وعلمت أن القلب لا يخفق عالياً لرجل آخر, وكانت تقتات الذكريات التي كثيراً ما أبكتها وآلمتها وآلمت أنوثتها المثكولة . وكم شعرت بنقص في نفسها وربما أفكارها ووعيها وجسدها حين هجرها طائعاً راغباً ورحل ربما إلى امرأة أخرى اختارها عاشقاً لكن لماذا يتقصد أن يجعلني أعيش شعوراً يعذبني؟ ولماذا يحرص على آخر خيط لما يزل بيننا ؟ لماذا يترك نبض القلب موارباً ؟ ولماذا لا يترك نباتات القلب تتصحر وتجف ؟ كل مدة يجعل زخات مطره تهطل على أرض القلب فتحييها, هل لأنه يعرف جيداً أنني مازلت أفكر به وأتذكره كرجل أتقن لعبة الحب وأتقن تغيير الأقنعة وتمثيل دور المحب؟ هل يخلق حالة عشق وهمية تسيطر عليها رائحة أنثى وطيف أنثى؟ حين أذكر كلماته أستنشق رائحة الغدر والهزيمة المرة لقلب أنثى تفوح من تلك القصاصات فتنتشر رائحة الغبن ولون الدموع في المكان. ((نقيضان لا يلتقيان, الأبيض ليس بديلاً, كما أن الأسود ليس مساحة, إنه كذب )) وضعت خطوطاً حمر تحت كلمتي الأبيض. الأسود . هل الأبيض عاطفتها وقلبها وأحاسيسها المرهفة؟ وهل الأسود هو أصداء الكذب والحالة التي آلت إليها أيامي؟ كثيراً ما كنت أجلس و كأني في حافلة أود السفر . أجلس وأقرأ كل ورقة بتسلسلها الزمني و كثيراً ما كنت أبكي وألوم الروح. أما الآن فتمر هذه الأوراق أمام عيني عشرات المرات في اليوم لكنها كبقايا أثرية لرقم طينية لا أستطيع فك طلاسمها, لا تمت للفة الآرامية أو الهيروغليفية , إنها لغة خاصة وحده صاحبها يعرف كيف تُكتب وما نوعية الحبر الذي يستعمله. ومتى وكيف ؟؟؟ انقطعت رسائله بغتة, هادنت لوحاته الصمت وارتكنت كلماته الغياب فغدت أشبه بمزاح مطر الصيف ونسيته. أجل نسيته. نسيته فعلاً ما عدْت أن رجلاً بحياتي مرّ يحمل اسمه. شكله. لونه. وفعلاً نسيت كيف التقينا . تعارفنا. أحببنا تراكمت عدة ذكريات فوق رصيف الذاكرة الأولى وكأني بدأت حين أذكره أدخل قبواً متعمداً لأبعد عدة ذكريات بعيدة وأنتشل ذكرياته منها كي أذكره وهذا ما لا أريده لروحي الآن. وذات مساء بعد أن أنهيت من عملي مررت بصالة العرض الوحيدة في مدينتي لأجد حشداً كبيراً من الجمهور وملصقا تعلن عن معرض لفنان. فدخلت لألقي نظرة على اللوحات وأعرف من هو الفنان الذي يُحتفى به على هذا النحو. آآآآآآه .... إنها لوحاته هي. لوحاته التي أعرفها كما أعرف وجهه الذي تغير كثيراً وعلى بعد أمتار وقف رجل أعرفه, وأعرف رائحته, مراوغته, جانب ذلك الرجل وقفت امرأة تمتشق بطولها كل نساء اللوحات و كأنها هي, ولا تعلم أن كل لوحة قد خص بها أكثر من امرأة مقنعاً كل واحدة منهن بأن اللوحة تخصها وحدها. اقترب الرجل الذي أعرفه جيداً و قدم وردة حمراء لتلك المرأة التي تتوجه إليها عيون الحضور في الصالة إلا عينيّ اللتين كانتا موجهتين إلى وجه الرجل, أريد أن أتسلل إلى ملامح وجهه ونبضه كي ألتمس صدقاً يفتقده كثيراً,لعلي أعرف أيّة امرأة الآن أمامه . 

_ أشكر المرأة التي أحببت منذ أن خُلقت...... ووجم وجهي . 

_ أشكر المرأة التي تساعدني منذ أكثر من عشرةِ أعوام.... صُعقت

_ الوردة لكِ سيدتي ... ملهمتي ... صوتي وملامحي.

إن في شعرها سواد لوحاتي و بياض اللوحة عطر روحها . جمدت خطواتي وكأنها ألتصق بأرض الصالة مجبرة . كيف يتحدث عن امرأة يحبها أكثر من عشرة أعوام وآخر أوراقه الهامشية مكتوبة إليَّ منذ سبع سنوات فحسب ؟ أي قناع يضع, و أي رجل يتحدث, ما رقمه, عدده, اسمه ؟ خرجت من الصالة أحلق تحت حبات المطر وأنا أكتم بداخلي قهقهة شائكة لماذا يقدم لها اللون الأحمر الذي ينفيه من لوحاته ؟ هو يعشق الأبيض الذي لا يعيشه . فأين هي مساحات اللون لأبيض في قلبه؟ . تذكرت آخر ورقة كتبها , فوقفت أمامها طويلاً أقرأ كلماتها و قطرات المطر تنثال من شعري وثيابي , أستمد الدفء من ورقة وأحرف حقّاً هي أصدق من كاتبها الذي قال يوماً: ((يا لله علمني لغة الطيور... فقلبي عصفور معلّق في غرفتها.... يا الله علمني لغة الطيور كي لا يخونني طائر قلبها حين يحادثني ... )) الآن تلوذ بعيني رائحة نجوم بيضاء لم تمطر أبداً على رأسي. تأملت اللوحة مع هذه الكلمات طويلاً, ودلفت إلى عتمة لأمحو من عيني نكهة الألوان المزيفة ....... فلم أشعل ضوء غرفتي هذا المساء .

 

 

لعبة النوم

 

تبدأ الليلة بسيكارة لكنها قد لا تنتهي بعلبة سجائر . هكذا اعتدتُ أن  أُلاعب النوم بالسكائر المطفأة كل ليلة , بعد أن فارقت صديق الأعوام الثلاثين واكثر أرفع  الغطاء عاليا ,جيدا , حتى أتأكد من انه قد غطى جسدي وراسي . لتزورني أطيافك وكلماتك فأحاول الهرب منها إلى اليقظة في عملية أغاضة للنوم الذي يهرب من جفوني. فأوشوش لروحي أنني سأنهض واصنع الشاي وأشعل السيكارة و ...و.......و.... النوم يدنو مني بخدر لذيذ, يداعب الوسن أجفاني وإذا أغمض عينيَ تعاود صورتك الظهور أمامي  فافتح عيوني بسرعة كي  اتاكد من ثبات الأشياء حولي وأعاود ملاعبة النوم ثانية أغمض عينيَ مجبرا وارضخ لاستعيد لحظاتك الأخيرة المرَة وأنت مستلق على سرير المستشفى فاقد النطق والحركة يمنعك جبروتك....من أن تبدو ولو لحظة في موقف الضعف. و أن تمسك بالقلم و تكتب ماتريد النطق به . لكن لماذا لاتمسك بالقلم و تكتب لي مايدور على لسانك دون أنا تصلني أحرفه بلغة سليمة مفهومة؟ ترفض أن ترد علي وتبقى عيناك تنتظران لحظات الإغماض الأبدي, مازالت روحك حتى الأنفاس الأخيرة عنيدة , رافضة , متمردة , مازالت الدروس الأولى التي تلقيتها من الملاّ"1" تقرع أذنيك لتستمر عذابات حياتك و أنت الرجل حقاً بينما وهي المرأة الضعيفة الخائفة اختارت اقرب الطرق كي تتخلص من حياتها وأبقى أنا جنيناً في أعماقها. النتيجة لديها كانت واحدة رغماً من الخيارات الكثيرة للوصول إلى نحبها, أن تزوجت أخاك فالفضيحة ستلم بالعشيرة وربما بالقرية والقرى المحيطة بها حين يكتشفونني جنيناً . وإن هربت مع حبيبها" والدي " أ؟أيضا, الرصاصة أو الخنجر ينتظران جسدها الغادر, لذلك قررت أن تنهي حياتها و تقضي نحبها منهيةً فضيحتها بيدها, فالموت يلبسها كما تلبس ثوبها, وأنا الآن لا أريد أن ألومك أو أقاضيك على الرغم من مرور تلك المدة كلها , فما أورثك إياه الملاّ لم يكن باستطاعتك أن تتخلى عنه أو تتراجع. و مما زاد الأمر تعقيد وصعوبةً وفاة أبيك وتسلم عمّك زعامة العشيرة,  وهناك للزعامة أمور يجب أن تفرض هيمنته وسيطرته بان يطيع الجميع أوامره إلا يرفع احد نظراته بوجه الزعيم, فقرر زواج ابنته منك. كيف لا وأنت ابن عمها . ولكن كيف أوافق وأنا اعلم بعشقها لقريب لها. ثم حاولت بشتى المسوغات أن تبعد نفسك عمّا يرغبه الزعيم . حاولت أن أتهرب من الموافقة على ما يريده عمي " الزعيم " لتتحول هيمنته على أخي الأصغر لكن عبثاً كنت أقنعه بعدم الرضوخ لرغبة عمي إلا انه كان يسوغ ذلك بقوله: أنها عرضنا وشرفنا وعلينا أن نستر عليها. لكني اعرف طيش أخي وجنونه فهو سيقتلها مفتخراً بأنه غسل عاراً كان سيصبغ وجوه رجال العشيرة كلها. كيف اوجد الحل ؟ و كلمات أبي مازالت تتردد أمامي : إياك أن تطأطئ الرأس . دع روحك متمردة ضد الأعراف و قوانين العشيرة برمتها. لكن ما مصير تلك المخذولة ؟ انه يرتسم أمامي, جسدها يقطر منه الدم الغامق وهي مرمية على ارض قد ضاقت بجسدها الطفو لي, فالعشيق عشيقها رحل بعيداً بعد أن رُفض طلبه الزواج منها عدة مرات و العذر انه ليس بأبن عمها المباشر , وهي تتوارى بجسدها لكن فضيحتها تزداد نمواً , هل أكون أنا من قد عجل بقتلها ؟ موتها, انتحارها, كيف لي أن أتزوجها وأنا اعلم أن كل مسام جسدها تختلج شوقاً و حباً لرجل آخر سواي ؟ كيف اقتل قلباً نبض وخفق مرة وأعلن التحدي ؟ والأبشع من كل هذا كيف أسجل طفلاً على اسمي وهو ليس مني ....ولو انه قريب لي.... لكنها .... ابنة عمي كانت الأقرب والأسرع والأقدر منا جميعاً على اتخاذ القرار حين صبت الكيروسين على جسدها وأشعلت عود الثقاب, لكنها ولخشيتها على الجنين وليس على روحها التي بدأت النار تستطعم لحمها هرعت إلى وسط الدار تستنجد وتصرخ: هوارى, هوارى,هوارى "2".وكان صراخها المدوي يشق سكينة المكان, إلا أن النار كانت أسرع منا جميعاً مثلما هي صاحبة هذي النار التي التهمت اللحم البض و القلب النابض والأحلام الجميلة و العشق الذي داهمها ذات مرة إثر سهرة في تلك الأراضي المشرفة على السهل فاستسلمت مع ضوء القمر الفضي , وكانت تلك الليلة بحبها الفضاح . رفضت أن يرافقها احد حين قررت أخذها إلى المدينة لإسعافها. اليست خطيبتي ؟ الست الوحيد الذي يعلم بحملها أنا وأمها المسكينة المغلوبة على أمرها ؟ لقد أسرّت لي بذلك حين حاول أبوها أن يجبرني بالزواج بها فطلبت لقائي سراً, وكيف أنسى ذاك اللقاء حين ارتمت على كتفي ليست أما ولا حبيبة ولا أختا ولكنها إنسانة , أنثى ظُلمت لأنها أحبت و صدقت .انتحبت بذل ولوعة ومرارة وطلبت أن لا أوافق على طلب أبيها فهي لاتريد لي المهانة و الغبن . لكني شددت على كتفها, أنني معها. في المستشفى قلت: أني زوجها وهي حامل بطفلي ولم تستطع تدارك النار التي اشتعلت بثوبها ثم بجسدها, قال الطبيب : قد بلغت حروق جسدها درجة كبيرة لكننا سنحاول قدر الإمكان الإبقاء على حياة الجنين و كمحاولة لإرضاء روحها "التي ألقت بها للنار لكنها حين شعرت بجنينها يرفض أن تأكل النار حياته وحلمه استنجدت بي " وهاأنا ذا أوافق لكن اشترطت على الطبيب أن يبقى أمر الجنين سراً بذريعة: كي لا يأخذه أهل زوجتي مني. لكنه يحتاج إلى حاضنة ليكمل أيامه. رضخت مرغماً وحين استلمت الجثة رافقتها إلى القرية وحدي . شعرت بها تنام بعمق بعد أن ارتاحت من الحيرة التي أكلت عينيها و جسدها . ها هي تغفو وحيدة, عارية, لا تخشى علوا بطنها ولا حروق الجسد, حزمت صرة الثياب واتجهت معلناً الرحيل دون عودة أبدا إلى تلك الديار لتستمر الرحلة إلى هذه اللحظات. فأنت الآن شابا وستفهم ما قصصته عليك. اطلب لروحها المغفرة و الرحمة . هي ماتت, لكن والدك مازال حياً وأخاله يعتقد انك احترقت في أحشاء أمك. فلا يجرؤ على السؤال عنك أي فرد من العائلة وأنا بغربتي الطويلة أخفيت كل ما يتعلق بك عنهم . أنت دوائي ودائي وداؤود " داوي " ابني وابن أختي . أنهى حكايته وراح في غيبوبة مرضيّة , دامت اشهراً ليزفر بعدها آخر أنفاسه وهو مرتاح الضمير. وقد أدى الأمانة , أفشى السر ليتركني العب لعبة النوم والنار, كل ليلة فانا أحاول أن استعيد طقس أمي الليلي حين أشعلت النار بجسدها, استعيد حروقها, واستمع إلى صوتها, يصرخ بي وسط السنة النار, وتمد يدها إلى أن اسمع صراخها: آآآآآآخ لِمن آ...... خ .....لِم.... ن "3" وتذوب أحرف كلماتها في النار التي صهرتها وحرمتني منها, وأنا يا أمي..........؟ أيحق لي أن ألومك ؟ أحاسبك على عشقٍ فتك بكِ وبي ؟ أم اعتب على من تولى تربيتي و تعليمي ! وتحمل مشاقاً لاتنتهي ليوصلني حتى هذا العمر, ويجلسني أمامه كل ليلة يسكب الشاي ويدخن, ويتحدث تارة, ليمسح دمعة انحدرت حتى شاربه الأسود.قصة امتدت ثلاثين عاماً علمت من خلالها إننا غرباء قادمون من ارض بعيدة, داهمها الحرب لتشتت أسرته. ولحرصه علي بعد أن توفيت زوجته " أمي " هرب بعيداً عن الحرب, هكذا كان يخبرني, انه مشتتون ضالون لا يعلم أحدهم أخبار الآخر . لكنه الآن يخبرني بصدق قصتي التي لا يشابهها إلا تصرفي الناري. فأنا كل ليلة أُطعم النار بعض الأوراق وعلب الدواء والسكائر لأجري محرقة أمامي من نوع خاص .

"1" : الملاّ : هي مرتبة دينية عند" الأكراد " أي الشيخ

"2" : هوارى : مفردة باللغة الكردية تعني ياويلتي .

"3" : آخ لِمن : مفردة باللغة الكردية تُقال في حالة الحزن والقهر .

 

 

البديلة

 

 

هل هي روح أمي التي فارقت جسدها بعد أن وضعت طفلها الخامس والأخير هي من لعن هذه الدار ؟ وهل للأرواح لعنات تصيب الأمكنة في كل الأزمنة؟؟! انه البناء ذاته يقبع في زاوية شارعنا ,تقابله المقبرة التي حُولت الى مقصف أو خمارة ,تحول هي الأخرى الشراب في الكؤوس إلى دبيب نمل وخدر  في عقول الرجال , فيتحولون إلى أشباه أجساد في آخر الليل, أنها المقبرة التي تضم جسد آمي ولا زالت روحها كأرواح الأولياء الصالحين تحوم في المدينة مابين المقصف والبناء الذي ليس بالمهجور ولا بالمسكون, بقي مثل أوابد التاريخ مهجورا فلم يرض مالكه أن يبيعه فهو يحمل اسمه, ومازالت أرمته الطبية تشير الى ماكانت عليه حالة المنزل سابقا, هُجر البناء, فلم يعد الأطفال قادرين على البقاء فيه ولو ليلة ,ولا احد يدرك السبب أو يتذكره, كانت روح أمي ليلا تنتقل في غرف البناء وطوابقه ,ثم تعود الى لحظة مفارقتها الأولى للجسد, خرج جسدها وحيداً غريباًعن روحها.خرجت من الباب الحديدي الأسود الكبير بعد أن ولجته وأنا صغيرة مع أمي وجدتي وصرة ثياب المولود الجديد الذي ستضعه أمي ,وهي ظانه أن كثرة الأطفال ستمسك بالرجل كما تظن بقية النسوان ,لكن أمي ماتت ولم تستطع كثرة الأطفال أن تمسك به أو تعيده إلينا ,لم تستطع القابلة التي ولَّدتنا جميعاً أن تولَد أمي ليلتها فلجأت جدتي أم أبي إلى الطبيب الوحيد في المدينة ترجوه ولم يرفض طلبها, والجيرة القديمة فرضت عليه ذلك. ذهبنا ليلاً الى منزله الذي خصص منه القبو مستشفىً صغيراً لمرضاه في حالات الضرورة ,دخلت جدتي مع أمي وبقيت أنا مع صرة ثياب القادم الجديد. بدأت اسلي نفسي بالنظر الى جدران القبو وبعض البقع الحائلة اللون الملطخة على الحائط, ترى كم طعنة سكين استطاع الطبيب مداواتها ؟ أو كم رصاصة غدر استطاع أن يخرجها من أجساد المرضى الذين ملكت أجسادهم هذه المقاعد المتهرئة الجلد؟؟ خرجت جدتي من الغرفة لتقطع عليَ متعة النظر وتبشرني بولادة الأخ الخامس. وبهذا بقيت الابنة الكبرى والوحيدة, تناولت جدتي صرة الثياب وعادت إلى الغرفة فلحقت بها كي اقترب من أمي المنهكة ووجهها المتعرق الأصفر . بينما الطبيب وجدتي يدبران أمر المخلوق الجديد وهو يعلن ضيقه وتملله من حياة سُحب إليها رغماً عنه.بدأت امسح عرق وجه أمي ,واقبل قطرات الدمع على خدها ,فانا اعرف حزن أمي لأنها تلد ولا احد في الخارج ينتظر البشارة بالمولود الجديد.تناولت من يد جدتي طفلا خرج للتو من رائحة أمي ودمها ,رحمها ,عرقها , طفلاً مازال لايجيد إغماض عينيه, طفلا مازال يستطعم شيئا ما عالقاً في فمه, كنت بين لحظة وأخرى تمد يدك لتمسك بشي قد الفته لكنك افتقدته فجأة, تخشى السقوط فما زالت صدمة السقوط الأول تسيطر عليك, انشغلت بالتحديق إليك وتفحص معانيك بينما أمي تحاول أن تنزع خاتماً من أصبعها وجدتي تنزع عن أذنيها القرط,قالت جدتي : ابقي عند أمك بينما اذهب دقائق وأعود . خرجت جدتي بسرعة يسبقها الطبيب الذي قال لها بضع كلمات لم اسمعها جيداً. بقيت معك ومع أمي ووجهها الأصفر,وكان الدم لم يدخل لحظة الى عروقها الصغيرة الظاهرة ,وضعتك جانب أمي واقتربت منها لأجيب عن سؤالها :(الم يأت أبوكِ)؟ أجبت على سؤالها بحركة من رأسي تومئ بالنفي ,وكأني أخشى النطق.احتضنتك أمي وهي تتأمل وجهك الصغير , ربما تبحث فيه عن منقذ أو ربما برقية حضور لي أبي , أبي الذي لم نره منذ مدة طويلة,ودائما كنت اسأل نفسي : أين يذهب أبي ؟ولماذا لاياتي إلينا ؟وكيف تحمل أمي ؟فوالدي يأتي وقلما يختلي بها, لكنها فور عودته إلينا تنسى مدة غيابه الطويلة وتحاول بشتى الطرق أن تزهو بعلو بطنها بعد غيابه بأشهر وكأنها تبرهن لهن أنها مازالت مرغوبة لديه ,مازال زوجها الذي يحبها ,والدي لااعرف طبائعه لأني لم اقترب منه ولو لمرة واحدة , لا اعرف مايكره وما يحب,متى يغضب,ولماذا ؟ لكنه كان يبدو أحيانا كنمرٍ حين ينقض على أمي ويعلو صراخها, يضربها ,فتستنجد بجدتي التي تأتي راكضة لتخلصها من بين يديه , بينما أنا وإخوتي نتكور معاً ونقبع في الزاوية , نراقب مايحدث بخوف ,الى أن يغادر أبي المنزل فنشعر بالأمان ,وماهي إلا مدة قصيرة بعد غياب والدي حتى تعلوبطن أمي وكأنها لم تضرب وتهان ,هذه العلاقة مازلت لاافهمها ,يغيب والدي طويلاً فتقع مسؤوليتنا على أمي وجدتي أكثر, وكلما سألت أمي عن أسباب غياب والدي ولماذا, والى أين ؟ تنهرني بإجابة مقتضبة . فأمي كانت تضيق بهذه الحالة لكن ....لم يكن هناك حل أخر فلا منزل يأويها غير منزل جدتي التي تشعرنا وتشعرها بالمهانة والذل وأننا عبء عليها, فوالدي كما تردد دائماً:(يبزر أولاد وهي تعلق بهم ) (فمتى يقصف الله أعمارنا حتى ترتاح منا )(فبذرة العاطل عاطلة) لازال كلام جدتي يرن بإذني كلما خلوت بنفسي وتذكرت أننا لم نشبع يوماً من طعامنا لأنها ليست قادرة على ملء بطوننا الفارغة , فالطبخة لاتكفينا يوماً واحداً , وأمي دائما ترد عليها: (أولاد ياعمتي وهذا وقت طعامهم ولعبهم ) عادت جدتي  الى عيادة الطبيب بعدما رهنت خاتم أمي وقرطها عند المرأة الارمنية لتدفع للطبيب ثمن العلاج , فأمي تمر بمرحلة خطرة لان الولادة أنهكت جسدها الضئيل, وهو ضعيف البنية وقد حذَرها الطبيب مراراً من الإنجاب لأنها كانت تعاني من مرض السكر , لكن أمي كانت لاتبالي وتحاول أن تنجب اكبر عدد من الأولاد, ولم تكن تدري بأنها ستغادرهم لتتركهم أمانة بعنقي.تناولت جدتي الصغير لتلفه جيداً وتعود به معي الى البيت فأمي كان عليها البقاء عند الطبيب . وضعتك في فراشي, اشتم فيك رائحة أمي, دمي ودمها.لم تكمل الساعة الأولى حين أخذتك بين يدي, والآن أيضا بعد مرورعدة ساعات أنت لي كي اعتني بك فجدتي كان عليها العودة للمبيت عند أمي.أنا أمك الآن ابنة الثالثة عشر عاما. أحادثك, أقبلك, ألقمك بعض السكر مع الماء كما أوصتني جدتي, كحلت عينيك بكحل أمي العربي الذي كانت تصنعه بنفسها لتكحل عينيها الجميلتين ,وقبل أن ينشر الضوء بساطه الفضي كاملاً عادت جدتي الى البيت أيقظتني والدمع يفضح ما تخبئه,أيقظت بعض النسوة من جاراتنا. مابك  يا جدتي ..؟ أين أمي...؟ بقيت الأحرف معلقة ولا جواب ..........ضمتني جدتي, ولأول مرة أجدها طيبة, حنونة كأنها أمي, فحين تلم المصيبة بنا كم نجد أرواحنا طيبة وحنونة ورقيقة, علمت من حضن جدتي , ودموعها أن أمي لن تعود إلا محمولة , مغمضة العينيين , ماتت أمي , آتى بها الرجال من منزل الطبيب محمولة في حرام شتوي اسود اللون, مازال ذلك اللون الأسود يغطي عيني وحياتي. أخذت جدتي الحرام الأسود المصنوع من شعر الماعز, فقد صنعته أمي بنفسها وحزمته مع بعض الأشياء التي تحبها من ماضٍ عزيزِ كان لها. استلقت أمي على فراش رتبته جدتي في وسط الدار كأنه أعد لعروس, القوا عليها الغطاء ولم يتركوا منها إلا وجهها الذي عاد إليه لونه الحنطي المشرَب بالاحمرار . ستنام أمي الليلة ملء عينيها دون أن تستيقظ مراراَ لأجلنا, ستنام وحيدة بلا مؤنس . صباحاً شيعها أهل الحي وبعض العارف. تركوها هناك وعادو ,ولم تعد , وأنت لازلت بين يدي , كأنك آلهة مقدسة, أخشى وضعك في السرير المخصص لك أو حتى بقربي على الأرض, وكأني إن أبعدتك عن حضني فسأحرمك حضنا أميا وأشعرك باليتم. كانت النسوة يقمن بكل الأعمال المطلوبة للعزاء, أنا وجدتي نتوسط النسوة وقد ألبستني جدتي شالاً لامي كي أتقبل التعازي, كانت النسوة يقبلنني وينظرن إلي واليك بإشفاق, يضغطن على يدي وكتفي كعون لي. حُرِمت حليب أمي, حنانها, طيبتها, لكن لن أجعلك تُحرم مني أنا ,أنا حليبك , حضنك , حنانك,سأكون قدر استطاعتي بديل أمي لك , وكنت طيلة عشر سنوات بديلة أمي, فجدتي لم يطل حزِنها على مصيرنا بعد أن فقدنا أمي, فتوفت جدتي تاركة لي وحدي الحزن والحاجة عاد أبي بعد مدَة طويلة من ولادتك ووفاة أمي, لكنه لم يحتمل كلماتنا ونظرات جدتي فتركنا ثانية ليسافر, وهاهو الآن ليجدنا وقد أصبحنا بلا حاجة لعون احد.لكنه كان دائما يتذمر ويردد:المنزل يحتاج لامرأة كبيرة ترعاه وتدبرأموره وأمورنا الآن ,بعد أن أصبحت أنت في العاشرة من عمرك ,الآن نحتاج إلى امرأة نحتاج الى العون وقديما كيف كنا نتدبر أمورنا ؟أين كماتت.بي حين انتظرتك أمي ؟ وحين ولدت؟ وحين ماتت........؟ وحين لحقت بها جدتي........؟ أين كنت عندما كنا بحاجة ماسة للرعاية , لأب ,لكبير,؟أين كنت بعد أن ذقنا الذل, المرارة, الحاجة, أين كنت حين كانت جدتي تُشعرنا بالمهانة والذل, بد أن وقف إلى جانبنا أناس غرباء. عاد أبي الآن يتوسط الرجال من معارفه, الذين اخذوا يلحون عليه بالبقاء والزواج فالمنزل الذي دُبرت أموره فتاة في الثالثة عشرة من عمرها لاتستطيع تدبيره الآن بعد أن بلغت الثالثة والعشرين من عمرها , وشوش احدهم في إذنه ,أن لاحاجة لدفع مهر أو أية تكاليف فالصفقة جاهزة والمقايضة متساوية ,عرض:خذ وهات .وينتهي الأمر . راقت الفكرة لأبي الذي يبحث عن الحلول الجاهزة فهو لا يحب أن يتعب نفسه بالتفكير أو العمل. تمت خطبة أبي ,وخطبتي ستتم .بكيت ,توسلت ,هددت ,لكن اللعبة كانت قد انتهت والاوار قد مُثلت وانتهى العرض المسرحي. وأنا..........سألتني يومها وأنت تمسح دموع عينيك بوجهي:أنا عند من سأبقى عند أي بديلة عوض أمي, أنت البديلة أم زوجة أبي البديلة؟؟؟؟؟ لم يشفع لك البكاء يومها ولا هروبك من البيت, كنت تحتج احتجاجاً طفو ليا ذهب مع روح أمي التي مازالت لعناتها تطاردنا.طاردت المقبرة فحوَلتها الى مقصف وطاردت منزل الطبيب فحولته الى بناء مهجور طاردت جدتي فأخذتها إليها , وطاردتني وطاردتك ,فوالدي سيتزوج ولا سبيل الى ذلك إلا أن أكون أنا البديلة وكنت ليلتها ,ليلة زفافي بديلة لامي بامرأة أخرى أم ًَلك وزوجة لأبي.

--------------------------------------------------------------------------

أضيفت في 04/03/2006/ * خاص القصة السورية/ المصدر: الكاتبة

 

 

الهجرة من القدر

 

 

تهب الحكايات والأقاويل في حارتنا كما تهب زوابع العجاج في الصيف ، فتغشى الأبصار ، ويتعالى السباب والشتائم لتطال كل شيء ، مقدسا كان أم ملعونا ، فتختلط هذه الزوابع بدمائنا ، ومع ذلك يستمر تيار الحياة في الجريان ، بإصرار وعناد يحمل معه ركام الأيام والساعات بل والسنوات ولا يخلف سوى الأسى أو الفرح القصير .

قلت (حارتنا) وأنا أعني كثيرا بهذه الكلمة المفردة ، فهذه الحارة بركة فيها كل أنواع السمك ، منها المقيم دائما ومنها الطارئ الذي يعاود الهجرة والترحال ، بعد إنتهاء مواسم القطن أو حصاد القمح طالبا لعمل جديد ورزق جديد ، ومن هنا تأخذ كل حكاية فيها لونا مغايرا ومجرى مختلفا تبعا للشخصية التي تلعب دور البطولة .

فأمام بيتنا. افتتح عسكري متقاعد من أصل شركسي محلا متواضعا ، معظم بضاعته حلوى وألعاب للأطفال وكان يقف عملاقا أشقر متين البناء ، ينتعل حذاء عاليا يصل إلى ما تحت الركبة من الجلد الأسود مزينا بمهمازين من الفضة ، وعلى رأسه قلبق من جلد الخروف ، وله شارب مفتول خطه الشيب ، وعينان صافيتان زرقاوان بلون الفيروز القاسي ، تلقيان الرعب في قلب أشجع الرجال وبيده على الدوام عصا من الخيزران يجلد بها حذاءه فتصدر عنه طرقعة عالية ، تزيده هيبة .

كان الرجل يجلس في صدر الدكان الذي لم يجرؤ زبون على الدخول أو شراء شيء منه ، فالصغار فروا مذعورين كالأرانب ، والكبار ينظرون إليه بحذر ودهشة ، ويوما بعد يوم يئس الرجل من بيع بضاعته ، فوضع كرسيا خشبيا عاليا وكأنه عرش وجلس عليه ، يدخن النرجيلة ، ويستعيد ذكرياته بلذة وكسل معددا المخافر التي خدم فيها ، والقرى التي مر بها ، والحناشل واللصوص الذين انهاروا بين يديه أذلاء خائفين ، وحصانه الأدهم الذي تعرفه كل مناطق الجزيرة وعفرين وبادية الشام كما تعرف فارسه ، وحين يداعب النوم أجفانه ، يغلق المحل وينصرف في موكب صاخب يصدره حذاؤه ، وصوت مهمازه الفضي أو يظل غافيا على الكرسي ، وخرطوم النرجيلة بين أصابعه الثخينة ، ورائحة الدخان تفوح من شواربه الكثة ، وذات يوم بينما كان خور شيد يحمل صندوق " البوية " ويمر من أمام دكانه ...... ناداه بصوت آمر :

-أنت يا ولد ......... تعال

وجاء الصبي كالمصعوق.أمام الرجل ، فمد له قدمه وتابع تدخين النرجيلة ، ففهم الصبي ما يريد ، فانحنى على الحذاء يلمعه بينما فر أخوه علو باتجاه البيت .

ومع مرور الأيام بنى الرجل صداقة مع بعض المتقاعدين الذين جاؤوا من الحارات الأخرى ، فأحضر عدة الشاي والقهوة المرة وطاولة الزهر التي شهدت أعنف المعارك بينه وبين آكوب الأرمني قبل أن يهاجر ، آكوب الذي كان في اللحظات الحرجة يتمتم بصلاة قصيرة بلغته القومية فيثير غضبه لأن الله استجاب له بسرعة ووقف إلى جانبه ، فيقذف ببعض الشتائم الشركسية الصغيرة التي لا يفهمها الأرمني ، لأنها باللغة الشركسية ، وهكذا قنعا ولم يختصما ، فهذا يصلي بلغة لا يفهمها الآخر وهذا يشتم بلغة لا يفهمها صاحبه ، وعند نهاية اللعبة يتصافحان ويضحكان من القلب ، يومها اكتشفت الحارة الخائفة أن الرجل الذي بث الرعب قي القلوب ، مسالم ووديع كطفل كبير ، فأصبح أحد أركانها ، والمستشار القانوني لأهلها في المنازعات والخلافات .

ولكن ليست حكايات حارتنا من جنس هذه الحكايا ، لها هذه النهاية السعيدة ، فقد تتخذ الأحداث أحيانا جانبا مأساويا وفاجعا إلى درجة لا يمكن أن يقوم بها إلا أناس من جنس أبطالها ، كما جرى في حادثة أخرى ، حادثـة (( فرحة ))

.      .      .       .        .

كنت أرى (( فرحة )) كثيرا .

أراها حين أذهب في الصباح إلى مدرستي،أنا أنحدر من التلة التي يقوم عليها منزلنا ، تقف أمام مأواها الذي كان يوما طاحونة ازدهرت أحوالها وشهدت عصرا ذهبياً ، بصوتها الأصم القوي الذي يتصاعد ليهز الحارة ورائحة البشر والحيوانات والطحين وضحكة صاحبها آكوب الأرمني التي تتردّد وهو ينحني بجسمه الربعة المتين على الأكياس ليدفعها إلى جوفها الهادر ، وهو يمسح العرق على جبهته العالية ، آكوب الذي لا يعرف من أين جاء ؟ هكذا تواجد في الحارة ، بنى الطاحونة ، وكان وحيدا مع كلبه ، يخرج  بعد انتهاء العمل إلى النزهة أو صيد السمك في الآحاد ، وفي الليل يتحول آكوب إلى كائن آخر ، يجلس إلى الطاولة وزجاجة العرق أمامه ، يطعم كلبه ويشرب ثم يندفع في غناء حزين ، يبكي أناساً وأياماً لا تعرف عنها الحارة شيئاً، ثم يبدأ حكاية طويلة ، يرويها بلغة أخرى للكلب وحده فهو الوحيد الذي يفهمها .

ويوم توقفت الطاحونة بسبب انتشار الأفران حزن آكوب كثيراً ولأول مرة في حياته ، يكتشف أنه وحيد ومهجور ومقطوع من شجرة ، فاختفى من حياة الحارة فجأة كما جاء إليها وإذا كانت حارتنا تنسى أشياء كثيرة فإنها  بالتأكيد ما زالت تذكر اليوم الأخير قبل رحيل آكوب أو اختفاءه الغامض بشيْ من الحسرة والألم

فمنذ الصباح الباكر أفاق الرجل من نومه ، دار طويلاً حول الحارة النائمة ، كأنه يرى بيوتها وحجارتها وأشجارها وأزقتها الضيقة لأول مرة .

ولأنه كان يشعر بالاختناق بشدة،ذهب الى النهر وكلبه يتبعه وهناك جلس على صخرة يراقب جريان الماء الهادىْ

تحت شمس دافئة وقلبه يخفق بشدة ، ولم يُحضر معه عدة الصيد ، بل ظل ينعم بالدفْ وجمال المنظر وكأنه يقيم صلاة خاصة للماء والرمل الناعم ، ثم عاد إلى الطاحونة أعد طعامه ، وشرب قدحاً ونام .

وعند الغروب جاءإلى دكان صديقه الشركسي وهناك جلسا متقابلين وللمرة الوحيدة لم يشتم آكوب أو

يرتل صلاته الغامضة ، ولم يدمدم صديقه بلغته الشركسية ، لعبا طويلا ً بصمت . وبدون اعتبار للربح أو الخسارة وفي الليل أشعل آكوب كل ما عنده من الشموع وكأنه يقيم قداساً أخيراً ثم بدأ يشرب ويغني أغانيه

الحزينة التي طالما سمعها الأهالي من بعيد ، وفي لحظة جنون مد أصابعه إلى الأزرار فانطلق هدير الطاحونة قوياً يرج الحارة هذا الصوت الذي نسيه الناس منذ زمن بعيد .

وفي الصباح اختفى آكوب ، وصوت الطاحونة وقيل هاجر إلى أمريكا ومع ذلك ظل صوت أغنيته الحزينة يتردد في أماسي الآحاد .

كنت أرى فرحة  أمام الطاحونة المتهاويةإلى السقوط ، وكانت تبتسم وفي عينيها سماوات من دفْ قديم وحزن آسر تعتق على مر الأيام فأصبح له معنى آخر تتزود به في أيامها الباردة ، وليالي الشتاء الطويلة ، حين يتكوم إلى جانبها ذاك الجسدان الناحلان طلباً للحماية فتدفع عنهما قسوة الوقت بالابتسامة و الحكايا السعيدة

التي تكثر فيها من أوصاف القصور والحلوى ، ونور القنديل الهرم يساعدها في رسم جو أسطوري ، فيشيع

شعور حار ان بالمساء،أمل ، بينما تقف الآلة العملاقة ككائن خرافي من الخشب والحديد تفوح منها رائحة الدخان والطحين والعث الذي خلفته الرطوبة .

ثم أراها في المساء ، بعد أن تكون قد انتهت من الخدمة في البيوت التي تحتاج إلى خدماتها الصغيرة وهي تقف مثل شجرة أمام الباب تنتظر عودة الصغيرين من رحلتهما اليومية ، وهما يحملان صندوقي " البويه "

المزينين بالمرايا والخرز الأزرق ، وقد انحنى القدان الناحلان من الثقل الباهظ وفي جيب كل منهما تخشخش القطع النقدية الصغيرة بفرح ، وقد تلوث أصابعها بخليط لا يمكن تمييزه من الألوان وإذا ما تأخر

الصغيران لشأن من شؤونهما فإنها تندفع كالمجنونة في أزقة الحارة ، تبحث عنهما ، فتسأل كل من تصادفه

كبيراً كان ام صغيرا

-هل رأيت علو وخور شيد ؟ ثم تضرب وجهها : نادبة بحرقة :

-خور شيد...ربي..... أو ووف يا ربي .

فإذا ما رأتهما قادمين، أسرعت إليهما ملهوفة، تضمهما إلى صدرها،، ويعود السلام إلى روحها

والهدوء إلى وجهها الشاحب .

هذه هي " فرحة " أما بقية الاسم فلا أحد يعرفه ولم يحاول أحد معرفته ،لأن الحارة تفقد ذاكرتها أحياناً

فقبل خمسة عشر عاماً جاءا الى الحارة ، رجل شاب وفتاة سكنا عند امرأة عجوز وعمل الرجل عتالا في مواسم الصيف ، فقد كان يملك جسداً قوياً ومعافى ، أما في باقي الفصول ، فقد كان يجلس في سوق الهال بانتظار من يحتاج إليه . في إفراغ حمولات الشاحنات القادمة محملة بالخضار والبضائع ، وهكذا سارت حياتهما هادئة غامضة ، وصامته فلم يعرف أحد عن الرجل والمرأة شيئاً ، ومع الأيام نسيتهما

الحارة ،وبعد ان ولدطفلهما الأول والثاني ، واستمرت الحياة على وتيرتها حتى قتل الرجل في حادث فاجع

وهو يعمل ، فاحتلت المرأة مع ولديها مبنى الطاحونة المهجور ، بحجة أن الحيّ أبقى من الميت ، فالغائب بحكم الميت وآكوب لو عاد فلن يسكن هذا الحجر .

كل ذلك تعرفه الحارة ، ولكن الجزء المفقود الذي لم تعرفه الحارة هو الجزء الأهم لما سيأتي من حكاية

عاشت في قرية من قرى الشمال ، تتاخم الحدود ، وكان اسمها الحقيقي " دلبرين " ولم تكن تعلم يومها أن ذلك المعلم القروي الذي اختار لها هذا الاسم يوم ولدت إنما كان يرسم مصيرها الذي قادتها إليه خطاها العمياء، فقد كانت جميلة ، ومن عائلة ميسورة قياساً إلى أهل قريتها لها أب شيخ وثلاثة أخوات وأخ مازال في سنته الثالثة ، تقضي وقتها في تطريز الثياب وحياكة البسط التي اشتهرت

به قريتها وكان من الممكن أن تسير الأمور بشكلها المألوف لو لم يظهر في حياتها ( عارف ) ذلك الراعي الوسيم الذي جاء من قرية أخرى يحمل خنجراً ومزماراً وشوقاً لأنثى تشاركه رحلة حياة طائشة

ومجنونة ،كانت تعلم أن الزواج به مستحيل ، فأبوها يكره الرعاة والفقراء وإن العيش بدونه مستحيل ،

ومن هنا أختارت الهروب معه دون تبصّر بالعواقب ، ومن مكان إلى مكان حتى استقّّرا في الحارة ،

حارتنا التي تفتح قلبها للجميع .

كانت فرحة تظن أنهم نسوها ، نسوا (دلبرين ) التي حملت في مساء عاصف ( بقجة ) ثيابها وهربت حتى هي نفسها تظن أنها أصبحت امرأة أخرى ، باسم آخر ، بقلب ودم غريبين ، ومع ذلك ظل قلبها يقظا وروحها لا تنام كالسمك ، فمثل عارها لا يمكن أن يغسله سوى الدم ومن هنا كان يمتد سهرها طويلا في المساءات العاصفة ويوما في مساء بارد وعاصف . تأخر فيه علو وخور شيد ، كانت داخل الطاحونة توقد قنديل الكاز وقد خيم عليها ظل كئيب وشعور غامض بالخوف ، وإذا بحركة خلفها ظنتها في البداية صادرة عن الأخوين ، فالتفتت رأته ينزرع أمامها طويلا رشيقا يذكرها بأبيها في شبابه ، وقد برقت عيناه بشّر وشوق قديم للذبح ، لم يتكلم ، فتلمست رقبتها لكن الخنجر كان أسرع منها ، فسقطت تغرق في دمائها وانسحب مخلفا وراءه الصمت والدم .

وذهلت الحارة ، عاشت ليلة عصيبة ، فما حدث لا يحدث إلا في حالات نادرة ، ومع ذلك بدأ الحدث يتراجع وتتراجع معه الإثارة وظل علو وخور شيد ، يحملان كل صباح صندوقي ( البوية ) المزينين بالمرايا والخرز الأزرق وينطلقان إلى الساحة العامة والمقاهي بحثا عن الرزق ويوم غادر الحزن عيونهما ، رحلا إلى جهة مجهولة وراء الطريدة ، وقد اعدّا للهجرة الخنجر والعزم والشوق إلى الذبح .

  

 

 

القلب الملون

 

صرخت به: أنه قلبيا أرجوك لا.. ديرسم لا .

ومددت يدي، لأبعد يده عن عنقي، ويدي الأخرى تتلمس مكان الدم الذي بدأ ينزف من عنقي، أصرخ

ديرسم ! أصرخ ويدك مازالت تريد المزيد من دمي النازف لا . لا . واستيقظت مذعورة وأنا مازلت أصرخ بك وأمد يدي لإبعادك ! حاولت أن أتبين الوقت، لكنَّ الستارة المسدلة تزيد من عتمة الغرفة، أيعقل أن أكون قد غفوت كلَّ هذه المدة ؟ فمنذُ الثانية عشر ظهرا، وأنا ملقاة على سريري، أجل أيعقل أن يكون الليل في ساعاته الأخيرة ؟ أشعلت الضوء لأتبين الوقت يا...! إنها الثانية صباحا مددت يدي أتلمس عنقي لازالت السلسلة الذهبية معلق فيها تلك القطعة الملونة بـ( كصك وصور وزر ) تلفت لأنظر حولي ، كانت هناك أشياء مبعثرة ، صور أشرطة ، أوراق كثيرة قد كتبها ( ديرسم ) أرد ت الخروج من غرفتي كي أتنفس الهواء ، فبرزت جمجمتك المعلقة تحت الضوء كأنها تسألني أين تذهبين ؟ والعبارة التي خطتها يدك : ( حتى جمجمتي تصرخ : أحبك يا علم بلادي ) أردت الخروج لكن تمنعني عيون أبي وأمي اللتان تنظران إليَّ ربما شفقة أو حيرة ، فوالدي قد التقى بدير سم قبلي وعرف قراره قبلي أنا بل وشجعه : لا أريد لأحد من أهلي أن يرى تلك الحالة التي شاهدوني حين عدت ظهرا ، انهمار دموعي ، حزني ، كنت أسرع بالخطوات كي أصل سريري ، أرتمي عليه أبكي بلوعة من فارق أمانيه وشاهد تبعثر الحلم وشظايا زمن مضى تجرحه .

أبعدت الورقة والشريط الذي كان يغلف هدية ديرسم لأجد صورا قد جمعتني معه وشريطا قد سجله بصوته فيه أغانيه الأثيرة لديه ، لقلبه ، وأوراق عدة بخط يده ، وما فاجأني هو صورة شعاعيه لرأس ، مؤكد أنه رأسه رأس ( ديرسم ) قمت بتأطير الصورة وعلقتها تحت الضوء بطريقة طبية . هذا الاعتكاف أو الحصار الذي أرغمني عليه ديرسم أم أنني أنا من أرغم نفسه عليه ، فقد دخلت غرفتي وأنا أنوي أن أهرب من عالمي الآخر هل نويت أن ..؟ ربما أحاسب نفسي أو ... ربما أعاقبها، أو ربما... أشحذ همتها وصبرها على الانتظار ( فدير سم لم يكن طائشا أبدا ولم يكن يخضع لأية إغراءات أو وعود حين قرر هذا الرحيل فقد لمست ذلك في أعماقه من خلال علاقتنا التي امتدت لخمسة أعوام متتالية ، كانت معرفتي به سطحيه إلى أن جاء اليوم الذي تسلم فيه ديرسم مهمة قيادة الاجتماعات بنا ، فقد كنا رفاقا تجمعنا مبادئ وأفكارا عدة ، وأرضا واحدة ، تبعثرت فهو ليس أهوج حتى يتخذ قراره بهذه السرعة ، مؤكد أنه منذ زمن طويل ويحسب له ويفكر به ، وهذا ما أعرفه عنه خلال اللقاءات التي كانت تجمعه بوالدي ، والده الذي كان يوكل إليه بعض المهام ليختبر قوته وصبره ، كبر ديرسم وكبرت مهماته ، كثيرا ما كان يردد أمامي : لا تترددي ولا تتورعي عن انتقادي وتقريعي لأن هذا تحديدا سيفيدني أكثر وهناك أشياء كثيرة يا( مها باد ) أكبر من همومنا أحلامنا الصغيرة المتواضعة ، هناك حلم بوطن وأرض واحد ة يرفف عليها العلم الجميل بألوانه الزاهية ( قوس قزح ) وحين أهمس لأبي بذلك يروح أبي ليحدثني عن ديرسم وأهله وفجيعتهم ، ويقول بتنهدات كانت توجع صدره : يا ابنتي نحن ولدنا هنا ، وكبرنا ، توارثنا البيت ، الأرض ، الهوية ، النسب ، ولم تحرق أرضنا أمامنا بمحاصيلها ولا تهدم لنا بيوت نحن بنيناها ، ولم نرحل عنوة عن قرانا ، والرصاص في قلوب أولادنا وأقاربنا ، ويكمل والدي الحديث عن ديرسم وعشيرته ، وكيف شردت ، وعملت بوحشية ، وترحل روحي مع ذكريات بعيدة عشتها مع ديرسم الذي كان في أية مناسبة تجمعنا يغني أغنيته المحببة لقلبه .

الآن عرفت لماذا كان يؤديها كأنَّها صلاة يغنيها بوله صوفي تذوب الروح مع رقة كلماته ونغمات العود كانت كلمات الأغنية :

                   ( لنا بيت بنيناه بأيدينا                  

                     سهرنا الليل نرعاه

                     زرعنا فيه من أحدا قنا وردا

                     وخططنا على جدرانه الوجدا

                     ولم جاءنا  الصبح ...هدمنا ودسنا ما زرعناه

                     وكان سيد البيت حبيبي ... آه ما أحلاه ... !! )

 

 

الآن فقط أعذر لك حزن عينيك ، وجهامة ملامحك وصعوبة القرار الذي اتخذته ، كنت في البدء مثل ما هو حال أي فتاة تلاحظ عينيّ من يهتم بها فأكثرت من قراءاتي المتعددة ، وحواراتي ، أسئلتي مع أبي كي أتزود من أفكارهم ، أعيش محنتهم ألتزم أكثر و أنشط أكثر في المهمات التي تسند إليّ ، وذات يوم بعد أن انتهى  اجتماع ( ديرسم ) بنا ، ونحن نهم بالخروج ووسط الأصوات التي تعالت أتاني صوته : طالباً مني الانتظار قليلا ، لنستغرق أكثر من ساعة ، وأكثر لم يقل لي أيًّ كلمة خارج موضوع الاجتماع ، لكني بحدس الأنثى فهمت شوقه ، فلقد كان بجدية أخرى ، وحديث مختلف تماما ، ومن يومها تتالت اللقاءات ، ورغم الحزن والتشتت فقد عشقته ، عشقت حلمه ، حزنه ، عشقت تلك السلسلة التي لا تفارق أصابعه بألوانها التي أعرفها كما أعرف لون دمي ، لكن لماذا اختار ( ديرسم ) اليوم تحديداً ليلتقي بي ، وينهي مشوارنا الذي بدأناه منذ زمن ، هل ليجدد الزمن ؟ أم ليقتل الانتظار ويغلفه ضد صدأ الأيام القادمة التي سيكتب فيها الحزن عليًّ .؟ هذا ما أكده هاتفه الليلي حين أتاني صوته متحشرجاً يريد لقائي في صباح اليوم التالي...

وصباحاً خرجت حسب الموعد الذي حدده لي ، التقيته في سيارة وهذا الغريب في الأمر ، كان جالساً في المقعد الأمامي قرب السائق ، فتح لي الباب الخلفي لأصعد .

-صباح الخير- قلتها بصعوبة

-صباح النور: رد هو والسائق معاً . انطلقت السيارة وأنا أنتظر التفاته منه ، أو كلمة أو نظرة ، لكنه بقي يتابع ذوبان الإسفلت تحت عجلات السيارة ، انتظرت وانتظرت كثيراً ، والسيارة التي أجهل وجهتها فقد خلفنا المدينة وراءنا ، لم أتمالك نفسي أكثر فسألت ديرسم :"Eme Herin Ku. " إلى أين سنذهب .   .

سألته بلغتنا كي لا يفهم السائق حيرتي إلا أنَّ السائق نظر إليَّ من خلال المرآة مبتسما فعرفت أنه من أحد معارف ديرسم الذي التفت إلي فشحت ابتسامتي الصغيرة ، لتتحول إلى شرود مع ديرسم ، ووضعه ، إنه يخبئ شيئاً في صدره ، يخفيه عني ، تذكرت أول لقاء لي معه وأول ضحكة سماوية انطلقت من حنجرته ، أخذتني أحلامٌ كثيرة ،