الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 02/05/2008

إلى صفحة الكاتبة

قصص

       

انفعالات

اللعب بالدم

قاع البئر

سلطان النهر

 الطوفان

 طقوس امرأة

العشاق

 الأقنعة

تحية الإسلام

أصابع رشيقة

حرق الليل

 انتظار

 الضمائر

 المهدي

 قصور البنات

بقلم الكاتبة: سحر سليمان

 

حرق الليل

 

 

 

قاع البئر

 

" وكثيراً ما رأيته في مركبه العائم................

في ثيابه الموشاة

تحيط به الأزاهير وتلفه ألبسته المذهبة ......

وقد لاحت على شفتيه بسمة ضاحكة ....

قوامها الفرح والكبرياء

فهو كوكب ذلك العالم في زمانه ومكانه

أجل رأيته في قمة عصره الذهبي .... رأيت هارون الرشيد"

من قصيدة : ذكريات ألف ليلة وليلة

لالفرد تنسيون ............

ها انذا اليوم . أحمل مياهي الباردة وبراكيني التي خمدت منذ قرون طويلة.  وأبحث عنك، عن أصابعك التي تعرف كيف تشعلني ؟ وكيف تخمد حممي؟ أدور في المدينة التي شهدت لقائنا قبل ألف ومائتي عام، أدور واستعرض الأسواق والوجوه، فلا أرى وجهك النبيل بينها، لا أرى موكبك الملكي يعلن عن مجدك العالي.

وقفت أمام باب بغداد، فلم أجد القوافل تمر، ولا الحرس يستعد وحين زرت قصر بناتك، لم أجد غرفة لي بين غرفه التي نامت تحت تراب وعشب ونعاس ابدي.

وها انذا اليوم.

أدور حول سور المدينة الأثري، أتلمس آجره الأحمر الجاف كلحم مقدد، ومهما حاولت لن أجد رائحة غير رائحة التراب الخامد والحجر الغشيم.

وفي المسجد العتيق لا شيء هناك سوى القناطر التي شاخت وبقايا المئذنة  الدائرية، تمتد مثل أصبع اتهام إلى  الأعلى ولا من يعبأ بها.

وكنت أحن إلى لياليك يا هارون الرشيد، اشتاق إلى كل ما فيها من ملذات وكبرياء وغوايات صاخبة، حيث يغلب اللون الأحمر على كل شيء، على النبيذ والدم والستائر والأضواء، وحيث تموت الأصوات والآهات في الدهاليز والأقبية والممرات الطويلة، وأنت أنت دائماً الرشيد.

***

وتبدأ الليلة المليون بعد الألف.

من الليالي التي فيها سفك الدماء منك مباحاً " يا هارون الرشيد أيها البدوي الذي لم تروضه عروش الذهب، ولا صبايا شيراز أو سمرقند أو قندهار... لم تحرك فيه الإنسان أوتار إسحاق الموصلي أو إبراهيم .

تدرك أنك كنت نطفة، ياهارون الرشيد وأنني كنت جارية مملوكة تشع من عيونها بروق غامضة تطل مثل غيم، مثل ندى، مثل قطعان من الذؤبان الجائعة، كل الذين عرفتهم أحبوني، هاموا بي، وما أن يتزوج أحدهم، حتى ينصرف عني إلى حين ثم يحن إلى قاع البئر، يتذكر مياهه الباردة، فيدعوني حين تخلو جنته الزوجية لكي احتسي معه كأس شاي معتقة من السماور التركي ذي البخار المتصاعد.

أكون وقتها أنا الجارية، المملوكة، الموشومة بوشم سري، قاع بئر لأحزان عمقية تجثم على الصدور كحجر الرحى الأسود، تطحن القمح والشوفان، والذرة الصفراء، أكون الملجأ الأمين، والملاذ، وهكذا كان قدري يا هارون الرشيد منهم من كان يراني طفلة مسكونة بالنار  وزهر الرمان ومعتقة بالتوابل وحين يعض شحمة أذني أصرخ فتتصدع الجدارن، ومنهم من يداعب منحدر العنق إلى الجيد فأذوي كوردة القرع الغضة وهي تواجه شمس الصيف لتنعقد ثمراً جديداً.

ومنهم من يتعرى ليغتسل بعرق من جنابة الخيانة معي، وكلهم يحبون طقوس البركان لدي، وأنت وحدك يا هارون الرشيد عرفت كيف تخمده بضلالاتك الفاسقة، وبيدييك اللتين تلتذان بلم الحمم الفاجرة، كنت ترق، تتحول إلى غيمة من الندى النشوان تتساقط على النار فتكون برداً وسلاماً، حينها أغفو بين ذراعيك، وحين تناديني أفتح عينين كالأقحوان وأغمغم :

-نعم .....

ثم أمط شفتي .... أهمس:

- لماذا لا تتركني أنام في قلبك ... ؟

- وهذا السرير المذهب، والعرائش، والأكاليل المزهرة من ينام فيها؟

النوم في القلب جميل، لكن الالذ منه حين يتوسد رأسك ذراعي هذه التي بإشارة من إصبع فيها تمحى مملكة، وبإشارة أخرى يأتيني الخراج من آخر الدنيا.

ومثل كل المرات السابقة ألبي نداء الجسد، حين يشتد صهيله الأزلي.

- ما دمت لا تفكر بقاع البئر، فاليك البركان .

وأتطاير حمماً بين يديك، أجدني أسبح بين فراشات وفل وأسماك كحورية تمضي وهي تنثر من حولها الثمار المحرمة والخطايا والضلالات لتغوي وتفتن وتزهر بأكاليل زهرك وتنتهي في نهاية المطاف إلى مينائك الوحيد، متعبة مرهقة، تغفو.

وحين أصحو، أجدك يا هارون الضال تصب لي الشاي بيديك العاريتين إلا من رائحة الغالية، وتجمر لي نفس الاركيلة، وتبعد الستائر الوردية عن خديَّ، وتجري في تلك الدماء المختلطة من تركية وكردية وفارسية، فتنثر وردها على الوجنات، فأمرر أصابعي أبحث في آثارك التي خلفتها على أطلس جسدي، هذه الآثار التي لا يمكن أن تندثر.

وبعد مرور قرون طويلة، هأنذا اليوم يا هارون الضال أبحث عنك، أزور باب بغداد فلا أجدك،أدور حول سور المدينة فلا أجدك  وأقف أمام قصر البنات، بناتك، فلا أجد غرفة آوي إليها لأنتظر قوافلك القادمة، تزلزل الدنيا، وتزرع الهيبة والخوف في قلوب الجبارين.

- أتراني  ما زلت في قلبك مختبئة، أم أنا في عينيك أسبح وألم النجوم والأقمار...؟

كلماتك لا زالت تقرع أذني:

- من أي صلصال صاغك الله يا قاع البئر..؟

فأرد ضاحكة :

- من ياقوت وزنجبيل والقليل القليل من الفلفل الأحمر.

- حين أرتحل إلى مدينتي العاصمة ألا تشتاقين..؟

- سأشتاق ولكن ...

- ولكن ماذا...؟

-أنت قاس ورقيق كالماسة تخيفني قسوتك وأحن إلى رقتك الماسية، أنت تنثر العطر بيد وبأخرى تطيح بالرؤوس، هكذا أنت يا رشيدي.

- وهكذا كل الملوك .

- كنت أريدك حبيباً .

- وأنا حبيب قلبك .

- والملك فيك .

- يموت ليلاً  ويصحو نهاراً.

إذاً أنا جاريتك  نهاراً ومولاتك ليلاً.

في الليلة الأولى والثانية، رفضت أن أراك عن قرب أو أن تراني، فلقد كنت قادمة من براري الثلج، محمولة في هوادج النخاسين، متعبة مثل قطاة عطشى، أحن للنوم، والاسترخاء، والظلال التي تفتح كل مسام جسدي  ونوافذه لاستقبل الماء الممزوج بالعطر وهو يغسل جسدي من الغبار والتعب وعرق الأيام، وبعد الحمام كنت أجلس في  آخر الصالة، أراقب العمائم والرؤوس والأصابع المثقلة بالخواتم تتحرك، تتحرك بلا صوت أو حس كأنها تسير في الهواء.

هادئة ورقيقة كنت، ومجنونة كقطة محاصرة إذا ما أوقظني أحدهم من النوم، ولم أكن أدري أنك تقرأ العيون والأصابع والأرجل، وتعرف أسرار الصدور ومدارات الشهوات، لم أكن أدري أنني أمام عاشق مولع بأمثالي من مختلطات الدماء.

- ماذا يريد مني هذا الجلف المغرور..؟

كنت أردد أمام الجواري والخدم . فتتسع العيون من الدهشة والغربة ويتصامم بعضهم . وأنا على يقين من أن بعضهم الآخر قد أوصل إلى مسامعك ما قلته .

ويوم قلت :

- ماذا يريد مني قاتل البرامكة ...؟

أصفرت الوجوه غاض منها الدم، وكنت على يقين بأنك ستكون مشتاقي  وستأتي إلي لأن ياء الملكية هذه ساحرة، تخلب لب الملوك ..، وجئت إلي بالتأكيد قلت لنفسك:

- أي نار قادرة هذه النحيلة الشاحبة على اشعالها في عروقي...؟

وتقدمت بجلال وهيبة، كانت الغرفة تغرق في عتمة لم تستطع أضواء الشموع الشاحبة أن تبددها :

- مولاي .

ومثل مهرة نهضت فأشرت بيد مثقلة بالخواتم والبريق، يد تعلمت أن تأمر فتطاع :

- أجلسي

وتصلبت توتر جسدي وأحسست برغبة حارة في أن أفر، ان اهرب من النافذة .وتقدمت وأنا خائفة، أرتعش، وجلست إلى جانبي، ونظرت طويلا، تفحصت أصابعي، وشعري، ثم رفعت رأسي بإصبعك المثقلة بالذهب والنار ونظرت في عيني:

- لك عينا جنية ورأس أميرة .

قلت بصوت أجش، بارد  النبرات، خال من أي تغبير ثم أردفت وأنت تعتصر شفتي السفلى بين السبابة والإبهام حتى أدميتها، ولم أتأوه فتابعت:

- لك شفتان نهمتان .

قمت من مكانك مخلفا ورائك عاصفة من العطر والخوف والجلال وعند الباب توقفت قليلاً وقلت :

- احتفظي بلسانك لي فأنا أحب الألسنة السليطة .

ثم أختفيت بين دهاليز القصر وممراته.

***

وتركتني أياماً، أفردت لي خلالها جناحاً خاصاً يا هارون .

حملت إليه السجاد والورود والأرانب والسلاحف والقنافذ والسرطانات، والأسماك الذهبية، والثلج، نعم الثلج لأذكر تلك البلاد الباردة البعيدة التي جئت منها حيث الايائل وأشجار البتولا ذات الأوراق البرية التي تقف في وجه العواصف والصقيع والأنهار المجمدة، وخيام الادم، والدماء الغائرة دائماً. وفي الليل أسمع صوت خطواتك ثقيلاً في الممرات حين تسبقك رائحة عطرك المميز، فأترنم بصوتي المبحوح، أرتل أغنية عشق، أنصبها فخاً لك، أغنية تلتف أنغامها حولك كشال من كشمير، فتشل إرادتك، تثير كل أشواقك الحبيسة للصيد، للطرائد، ويستيقظ فيك الرجل، تصهل أفراسك الجميلة فتنقاد إليها، وتقتحم الغرفة، تذهلني نظراتك . يذهلني البريق المتقد فيها فانهض أمامك . أقف بانتظار ما يبدر منك

***

.. وهانذا الان بعد قرون أتجول في المدينة التي شهدت لقاءنا الأول، أمر بباب بغداد الذي لم تعد إليه القوافل، ولم تعد تعبره الجيوش والاعلام والقادة، أمر بالجامع القديم والسور وأطلال قصرك الذي نهبه لصوص الآثار وآوى إليه قطاع الطرق، زمناً، أمر فلا أسمع صوتك آمراً، ولا أشم رائحة أردانك المثقلة بعطر الغالية، ولا أرى بسمتك الفاتنة يا هارون الضال كيف انقلبت الأيام ...؟

- هل أنت مجنونة...؟

صاح بي الدليل السياحي حين سألته ...

- أين يمكن أن أجد هارون الرشيد...؟

ثم تابع:

- هارون الرشيد مات منذ قرون ...؟

- كيف مات...؟

- مات كما يموت سائر خلق الله .

- لاأصدق، إنني أسمع صوته، أشم رائحة أردانه، وضحكاته، وهاهو رقم هاتفه عندي.

- اطلبيه إذا

وقمت من مكاني، توجهت إلى عامل الفندق، طلبت الرقم فجائني صوت امرأة  نصف نائم ونصف مخمور، قلت بخشية :

- بيت هارون الرشيد.

- نعم ... قلت بيت من ...؟

هارون الرشيد.

- لا هذا بيت جعفر البرمكي . هل من خدمة أقدمها لك..؟

- وماذا تستطعين أن تقدمي لي..؟

- كل ما تشتهيه نفسك ... تريدينه شابا أم كهلا . أم تريدين صبية مثلك ...؟

ألقيت بالسماعة وقد أقشعر بدني، وأتسعت عيناي دهشة بينما الدليل السياحي يبتسم .

بعد لقائنا رحلت يا هارون الرشيد، انتهى الصيف.

ومدينتي لا تأتيها أنت وحاشيتك إلا في الصيف، توجهت إلى بغداد ودخلت مدينتي سباتها الشتوي، بينما دخلت أنا سباتي الروحي، أغلقت فم البئر على مياهه الباردة وجلست في جناحي أمشط شعري، وأراقب أصابع قدمي ويدي، وأتحسس آثارك على أطلس اللحم، ومن حولي عصافيري وسلاحفي وكائناتي الأخرى حتى كانت ليلة من ليالي الانتظار الطويل.

كنت خارجة فيها من الحمام، يفوح مني العطر يختلط بالشهوة والشوق والخوف من الأيام التي لا ترحم، فجأة أقتحمت غرفتي كما في المرة الأولى تصهل أفراسك الجميلة، ويداك عاريتان من كل حلية، صحت من الفرح :

- ها قد عدت يا هارون الرشيد...؟

- عدت يا قاع البئر ولا أدري أي سر يشدني إليك...؟

فعريت جذعي وأشرت إلى وشم رسمته إبرة بالشذر الأزرق يعتلي حلمة الثدي الايسر، فكلما ولدت أنثى في قبيلتنا، تحضر امرأة متخصصة بالوشم فترسم على حلمة الصدر اليسرى فوهة بئر لها قاع من ماء.

أزرق وبارد بلون السماء، كل من يشرب من مياههه لابد أن تعود إليه ثانية .

- هانذا أعود يا قاع البئر لا شرب من مياهك وأشرب .. وأشرب .. وأشرب ... وأشرب...

حتى العطش..

ونعود ثانية، السرير ذو القوائم الذهبية، والستائر الوردية وأعود لاغفو مرة أخرى بين ذراعيك خامدة، مهزومة مطفأة البروق وتمسك بكفي مثل عراف يا هارون الرشيد تنظر فيه طويلا، وتشير إلى خطوطه، هذا خط العمر، وهذا خط السعادة، وهذا خط الحب، ثم تضغط أصابعي حتى يكاد الدم ينفجر من أطرافها، و وتهمس :

- أنت من برج السرطان وعيناك أشبه بعيون السرطان يا قاع البئر .

- وأنت أشبه بحصان أرهقة الركض.

- ماذا تقولين ....؟

- لقد تركت بغداد وفيها الطامعون بعرشك ألا تخاف...؟

- أنت تكفينني.

- كيف جئت إذاً ...؟

تنكرت بزي تاجر خمور .وخرجت في الصباح الباكر بعد أن فززت واقفا من حلمٍ رأيته ليلاً

- وماذا كان حلمك..؟

- حلمت يا قاع البئر كأنني في الحرم أرتضع من أخلاف ضبية فاستدعيت الكرماني على الفور ليفسر لي هذا الحلم فكان تأويله .

يا أمير المؤمنين إرضاع بعد الفطام حبس في السجن  ومثلك لا يحبس لكنك منحبس بحب جارية لك بعيدة هي عنك الآن .

- فكان تأويله للحلم صحيحاً يا قاع البئر لذا أعتليت فرسي وأتيتك . وضحكت . خرجت الضحكة مبحوحة خافتة كنداء المجهول الذي يبشر بعاصفة وريح ماطرة، وفي الصباح لم أجدك إلى جانبي يا هارون الرشيد فالخوف ناداك حتى لا تفقد بغداد الأخرى .

ومنذ ذلك التاريخ تنقلت من مدينة إلى مدينة، ومن قصر إلى قصر، مرت مئات الأعوام وأنت معي يا هارون الرشيد، أنام معك، أحلم بين ذراعيك، وحين تثور براكيني أبحث عن أصابعك الخالية من الخواتم لتلملم حممي، وتهطل ثلجاً على تضاريسي، فأهمد، ثم استسلم للنوم.

* * *

حين وصلنا طللاًمن أطلالك البائدة .

وقف الدليل السياحي وأشار إليه:

- ما ترونه أمامكم هو قصر ( هرقله ) بناه هارون الرشيد لجارية من جواريه، قيل جاء بها نخاس من أرض الروم، قيل من مملكة الخزر، وقيل من أرض فارس، وقيل انه سباها في أحدى غزواته الظافرة، وقد تحول القصر كما ترون إلى أطلال، ومع ذلك يقسم الرعاة والاهلون أنهم يرون رجلاً يخرج في ليالي الصيف باحثاً عن امرأة يناديها بأعذب الألفاظ، رجلاً له سمة الملوك، وعظمة الخلفاء، ربما يكون هارون الرشيد.

قال : ثم التفت إلي يبتسم، وشعرت بأبواب القصر تفتح لي، فتهب رائحة الغالية والأبهة من جنباته، فأدخل كالمسحورة، حيث أراه يقف ماداً ذراعيه، والى جانبه السماور تفوح منه رائحة البخار، فأسرع إليه، أدفن رأسي بين ذراعيه وأجهش باكية بينما تتلمس أصابعه العارية، موضع الوشم السري في صدري، ويهمس:

- أين كنت ياقاع البئر كل هذه المدة ...؟ أين؟....أين ؟

فلا أجيب، تموت الكلمات على شفتي.

***

هذه مدينة لم تتبدل ....

الهلوك في امتداده .........

والحكماء النائمون والجبناء...

النساء الخائنات مع الخائنين ....

الحجر الأسود والنهر...

 

 

اللعب بالدم

 

منذ الفجر الأول بعد الليل الأول

دائماً كان هناك فجر يشرق، تكون قبله ليلة اسمها " البارحة"

تمتلكها ذاكرة سرية لا تعطي أسرارها إلا لمن يملك مفاتيحها، هذه المفاتيح المعقدة، لذا فكل ليلة قبل الفجر أعيش مع البارحة، فأذكر كل تلك السنوات التي نسميها عمراً أو حياة ندعي أننا عشناها . أذكر كل تلك البارحات فكأنما أوقظها من رقدتها لنشرب فنجاناً من القهوة في حديقة المنزل أو نسمع دور سيد درويش " أنا هويت وانتهيت " ثم نقيم معاده يرتفع فيها العويل إلى عنان السماء.

- أيتها المرأة لا توقظي الجرح.

قال القلب

- أيها القلب من أين جاءتك الحكمة ؟..

قال الجرح .

-أيتها المرأة كوني لا ئقة بي على الدوام .

قال العشق

وانطلق سرب من الحساسين في سهوب الذاكرة، يبحث عن أعشاش وبيوض دافئة دفء الدم الظامئ أبدا للملح .

ومثل عراف بارع استحضر عيونك، أحدق في سوادهما الماثل أمامي براقاً وعميقاً وكتيماً ورجراجا مثل القهوة ثم أبدأ بتلاوة اعترافاتي وقد بدت الغرفة البيضاء، والملاءات النظيفة وصورة الطفل العاري أمامي مكاناً مثالياً لذلك الطقس، فتركت نفسي على سجيتها تتدفق ساقية من ماء يندفع نحو الجذور، وينسرب فيها فتدب خضرة الحياة في الساق والأوراق واليباس.

***

- أيتها المرأة هذا العشق ملعون لايغسله غير الدم .

- قالت العادات .

- هذه العادات لا ينفع فيها شيء لأن العفن يأكلها .

قال الدم . واندفعت الذكريات في البال حمى من الوجد والنار الكاوية والنشيج، فاستعدت وجه أمي وقد ملأت الدموع عينيها الصغيرتين بعد صلاة طويلة تهجدت ودعت خلالها طالبة من الله أن يحد من طيشي وجنوني لأنها أدركت أنني ألعب بدمي، ولا آبه بألم واستمع لنصيحة فهاهم يعودون من المشفى بعد أن استخرجوا شظية زجاجية مزقت باطن قدمي وانغرزت فيه .

- لقد نزفت حتى كادت تموت.

قال أخي ... ثم تابع :

- لم يبقَ فيها دم سيقتلها فقر الدم.

ويوم جمعت زهرة الثلج، نفضت عنها ثلجها، واحتفظت ببياض الزهرة إلى جانب الزل ووردة القندريس، ضحكت أمي من عبثي الطفولي وعلقت وما عرفت أن اللعب بالدم أوله زهرة الثلج البيضاء.

***

ومثل زهرة الثلج البيضاء

كان كل ماحولي أبيض، الغرفة والجدران والوجوه ولباس الممرضات والأطباء، وأنا في غيبوبة بيضاء، بينما الدم في شراييني يتحرك يسري بصهيل صاخب، أحسه مثل نهر، وتعاودني الأطياف، تعاودني أمي وهي تلم شتائمها وتحوقل أمام عنادي وتصميمي على أن نأكل " حلوا" في تلك الليلة .

- لمَ الليلة تحديدا..؟

سألني رفيق أخي .. فأجبته :

- لأن الليلة عيد ميلادي .

كنت يومها في العاشرة من عمري فضجوا بالضحك جميعاً . ولم أطالب بالكثير فأنا اعرف فقرنا ..... لم أطالب بشموع أو قوالب  كاتو، كل ما أردته شيئاً حلوا، لقم القاضي أو مشبكا( ) وقادتني أمي من يدي، كانت الشوارع شبه خالية فقريتنا الكبيرة تنام باكراً . وكنت أرى أعمدة الكهرباء وكأن مصابيحها شموع تضيء لي، وأمام بائع الحلوى البدين وقفت وصحت أنا:

- اليوم عيد ميلادي ياعم، فتوصى بالمشبك .

- تكرم عيونك.

قال الرجل ضاحكاً، وتمنى  لي عمراً طويلاً، بينما تمنيت حديقة من زهر الثلج الابيض الجاف والقندريس البري والزل وطيور البط والدراج والكراكي مما أراه أحياناً على ضفاف الفرات. ويوم كبرت عرفت الوجد الحقيقي لقريتي الكبيرة

عرفت شيئاً شرسا يمتد بأذرعه الألف اسمه العادات والتقاليد فيه ما يجوز وما لا يجوز، عرفت تنينا اسمه العشيرة رهن الجميع عنده  دمهم فلا مهرب لهم منه.

وفهمت معنى الدموع في عيون العذارى ليلة زفافهن لانهن تزوجن كما يريدون لا كما يردن، فهمت لماذا تلبس معظم النسوة السواد وعيونهن ترتجف وتدمع أمام المقابر في الأعياد.

ولم أعد أضحك كثيراً بعد ذلك .

* * *

ويوم تفتح جسدي عن دم وثمار محرمة وطيبات . فاجأتني كثرة العيون النهمة من أبناء العمومة، كانت تنظر إلي وكأنها تراني لأول مرة، ولم أهتم، بدأت الابتسامات والإشارات السرية والرغبات تحاصرني، ولم أهتم، كان قدراً غامضاً صهيل جسدي إلى عالم آخر، وكانت أمي تردد:

- متى أزوجها وأرتاح..؟

ثم تلوي عنقها كما تلوي بجعة عنقها في بركة ثم تروح في دعاء طويل وتوسل خاشع لا ينتهي.

***

ويوم ظهرت لم أفاجأ بك .

كنت أعرف من قبل وكأنني عشت معك في عصر سابق، فأنا أحفظ لون عينيك، وشكل وجهك  وخطوط كفك، وطول قامتك، كنت بانتظارك كما تنتظر شجرة غريبة عطشى غيمة ماطرة ،ومنذ اللحظة الأولى كنت أعلم أن حبنا مستحيل، فأنت غريب، العشيرة تنين يكره الغرباء  ويرتهن دم أبنائه وبناته ولا مفر لهم منه.

- حبنا مستحيل .

صحت بي، فأجبتك:

- أنت خائف..؟

- خائف عليك لأنني أضن بعنقك هذا على الذبح .

أمسكت بأصابعك الخمسة بين أصابعي وأقسمت كما تقسم أمي أمام نسوة الحي أحياناً : بحق هذه العشيرة وعشرة رسول الله لن أكون لغيرك.

كان قسماً مجنوناً، وكنت أعلم أنني ألعب بدمي، ومضينا، تركنا القرية الكبيرة والناس والنهر، وكنت لي الأهل والوطن والحضن الدافئ، ولأن العالم يصبح صغيراً أصغر من راحة الطفل للخائفين انطلق أبناء العمومة والأخوة ككلاب الدم خلفي، يحملون خناجرهم ومسدساتهم واحقادهم ولعنات العجائز .

- لا توقظي هذا الجرح المتخثر دمه على فم المرأة

قال القلب

- تظلين لائقة بي يا امرأة عنيدة .. قوية ..

قال العشق

- لمن يتم تسليم جثة الصبية للزوج .. أم للأهل ... أم للمدافن ..؟

قال الطبيب.

ومن ورائه أطل وجه أمي دامع العينين يدعو الله أن يغفر لي لعبي بالدم، وأطل وجهك حزيناً بين يديك باقة من الزهر الأبيض تطل أمامي.

وركض دمي في الشرايين كصبية تلعب .لأول مرة منذ ولدت أتذوق طعم دمي، وأشم رائحة الحياة كما أشم عبق تلك اليدين وقد اختلط فيهما رائحة العرق والدم برائحة الزهر الأبيض من يد جنيني الذي لم يكمل الشهرين بقلبي.

 

 

انفعالات

 

رجل وامرأة

 

في البدء كان رجل وامرأة، عاشا معاً، ناما معاً، ضحكا معاً، وتشاجرا معا، كان آدمها، وكانت حواءه ،ولأن الحياه لا تكتمل بلا خطيئة، أغوته، فلعنه الرب وطرده من ملكوته، ومع ذلك ظلا رجلاً وامرأة، تعدله في الصباح قهوته  وتحمل  له كتبه  وغليونه وأقلامه ليكتب سيرتها مرة اخرى ....

- فمن منهما يغوي الآخر؟.

 

محاولة اغتصاب

 

كان مساءاً ناعماً، أحسته يتغلغل في خلاياها، فتشربه بلذة وأدمان كنبيذ غامض له نكهة حريفة وأليفة، كانت لحظة مفاجئة اندست في صدرها الدافئ كقطاة تائهة . وكانت بحاجة إلى رجل تحدثه عن أشياء حميمة وهو يحدق في عينيها باسما .

رجل لا يفهمها خطأ . فهي حالمة، شاردة، مبهورة تجد كل ذرة في جسدها مقدسة، ولأن الحفلة كانت رائعة خرجت متألقة فاقترب منها قائلاً:

- تفضلي آنسة أوصلك فالسماء غائمة .

فتح لها باب السيارة ركبت وركب، كان صامتا يقود السيارة في الشارع ولا يهتم بشيء

- أتمانعين في جولة صغيرة تحت المطر.

- لا

أخرج علبة الدخان، ناولها لفافة ،ودس في فمه أخرى، أشعلا اللفافتين معاً وبدأ مطر خفيف يتساقط ليدق زجاج السيارة كمناقير أفراح طرية .

- هذه الطبيعة مجنونة

-أنها ترتعش مثل امرأة في المخاض، تعوي تمزق ما حولها وتتمزق من الداخل لتلد البذرة الخالدة .

- هذا شعر .

- هذه حقيقة .

- لكن المزارعين لا يوافقونك على هذا الكلام .

- لا علاقة للشعر بالزراعة .

وسكت وهو يحس بالاحباط، وبغريزتها التي لا تخون أحست رائحة ما تفوح من الوجه الذي اشتعل مع جمرة اللفافة فعاودت هجومها مرة أخرى بلذة سادية وقد فارقتها تلك المسحة الشاعرية :

- تتحدث في الزراعة مع أنك تعمل في مجال الثقافة .

- الثقافة مثل الزراعة كلاهما دائرة حكومية .

- والمجال ؟.

- واحد . هذه توزع بذورا وهذه توزع كتبا .

- ألا ترى أن هذه النظرة جائرة ؟.

- ولم ؟.

قال بتساؤل عابث ثم مد يده يتلمس الطريق إلى يدها، دفعته برفق ثم تابعت بصوت تعمدت أن يكون عادياً.

- الجو رائع

- بالتأكيد فهو  يساعد على خلوة في إحدى المزارع . مارأيك ؟.

- لارغبة لدي.

- ولكن .

- آسفة .

أوقف السيارة فجأة، ووقفا متقابلين رجلا وامرأة، مد يده لتناول يدها فسحبتها بقوة ... ثم وجهت صفعة قوية إلى وجهه وفتحت الباب وانسلت إلى الخارج.

-ركضت وركضت .. وركضت وحين شعرت بالتعب، ركعت تحت المطر فتدلى شعرها إلى الأرض ولم تتوقف عن النشيج واللذة العارمة حين بدأ المطر يغسل جسدها ويطهره، ويذوب في حرارته المشتعلة وقد عاد إليها الصفاء من جديد كعشتار خرجت من مخاض.

 

رسائل

 

كتب لها رسائل كثيرة، اعلن فيها حبه وإخلاصه وزينها بأشكال عديدة كتمائم غامضة، وقلوب وخناجر وعيون واسعة وخرز أزرق.

كتبت له رسائل كثيرة عطرتها بالليمون والنارنج وملأتها بأوراق الورد الجوري والأقحوان والنرجس... ولم تقل له أكثر من أنها عاجزة عن اللحاق بعنفوانه وجبروته.

وذات يوم  انقطعت رسائله، هكذا مثل سيل غير مجراه، ولم تتوقف عن كتابة الرسائل التي تملأها فلاً وياسمياً رغم أنها كانت تعاد إليها لعدم معرفة عنوان المرسل إليه الجديد.

صناعة

 

النبيذ الجيد من العنب، والخل من العنب، لا فرق سوى طريقة الصنع .

 

خيانة

- من يخون الآخر، الكلمات أم الكاتب ؟.

- الكاتب إذا انحاز إلى امرأة  يحبها .

امرأة وحيدة:

 

صباحا حين تستيقظ . تركض نحو المغسلة، تغسل وجهها بالماء فترتعش وتمضي إلى المطبخ، لتعد  قهوتها الصباحية، ثم تجلس في الشرفة، كل شيء هادئ، شجر المنتزه المجاور، ويمامة، والجسر البعيد، وجبل البشري، والساعون إلى الجامع أو الفرن القريب، وبعد ذلك تستعد للذهاب إلى مدرستها  بعد السيجارة الثالثة وفنجان القهوة الثالث، ومهما تجمع في صدرها من أحزان الليلة السابقة، ترسم ابتسامة على شفتيها حتى لا يهرب منها تلاميذها الصغار في المدرسة .

 

 

العشاق 

رن جرس الهاتف طويلا "

 وكانت تقف أمام النافذة، ترصد أشجار السرو والكينا والتوت في الحديقة المجاورة، تبحث عن اليمامات المتشاقية بلهفة عاشقة تنتظر حبيباً هاجراً.