الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 12/01/2009

مجموعات قصصية / الكاتب: إبراهيم خريط

حكايات ساخرة

إلى صفحة الكاتب

لقراءة المجموعة القصصية

 

 

المجموعة القصصية

دورة

خلف يغني

اجتماع

ديمقراطية

سيرة ذاتية

غدا

رقابة

 نسيان

طز

إهداء

أمنية

اليوم وغدا

الفيل الذي يطير

استقبال

استشارة 

مقابلة

كمبيوتر

دمية

ضوء أحمر

 موقف

 هدية

رؤيا

تأبين

طلب أخير

تكريم

رحلة

العقاب 

 أحلام صغيرة

 

رقابة

 

وضع المحرر الجديد في صحيفة الحقيقة مقالته الأولى أمام رئيس التحرير.. رجع خطوتين إلى الوراء، ووقف برهبة وخشوع، يسرق نظرات خاطفة إلى ملامحه وتقلّصات وجهه التي تتبدل  باستمرار.

قرأ رئيس التحرير سطورها، وأبدى إعجابه، بهز الرأس والهمهمة والابتسامة. ثم نظر إليه، وقال بإعجاب:

- عظيم.. عظيم..

هدأت نفس المحرر واسترخت أعصابه المشدودة، وكاد يطير فرحاً، لولا أن قال رئيس التحرير: ولكن...

سأله متلعثماً وقد تبدد فرحه: ماذا....؟!

- انظر هنا..

دنا المحرر بخطى متعثرة وقال متسائلاً: أين؟!

خط رئيس التحرير بالقلم الأحمر على أحد السطور، وقال:

- هنا... اقرأ.... الرقابة لا تسمح بهذا الكلام.

احتج المحرر: سيدي... أنا لا أشتم أحداً ولا أتجنّى على أحد... لم أذكر أسماء أو ألقاباً أو صفات.

- لابأس. أوافقكَ الرأي.. غير أن هذا الكلام يثير أكثر من سؤال.. فيه غمز ولمز من طرف خفي، وأنت في أول الطريق.

هل تفهمني؟!

ابتلع المحرر غصته وقال: طيب.. احذفه.

كان يعتقد أن هذه الملاحظة هي الأولى والأخيرة، لولا أن أضاف رئيس التحرير مستنكراً:

- وهذه الفقرة.. فيها تلميح وإشارة إلى بلد ما..

قال المحرر كمتهم يدافع عن نفسه: بلد أجنبي.. أين المشكلة..

- ياعزيزي... البلد الأجنبي.. إما صديق لا نريد عداوته أو عدو لا نود أن نستفزّه.. ألست معي؟!

وقبل أن يسمع جوابه حذف الفقرة بخطين أحمرين متصالبين، ثم تابع بشيء من اللوم والاستنكار:

- يا أخي... وهذه العبارة  لا مبرّر لها.. قد تفتح علينا أبواباً نعجز عن إغلاقها... وهذه الأفعال.. اقرأ... يوجد خلل.. نغرق في دوامة... متى نقضي على الفساد.. لماذا تتناول الحاضر دائماً؟! الماضي أكثر سلامة... فلماذا لا تقول: كان، ليس، لعلّ. مابها هذه الأفعال؟!

رد المحرر مازحاً: إنها أفعال ناقصة.

- هذا صحيح، لكنها لا تضعك في دائرة السؤال.

- هل من ملاحظة أخرى؟!

- لا... أبداً.. الباقي بدون تعديل.

أعاد له المقالة، وقد طمست الخطوط الحمراء معظم فقراتها وسطورها وكلماتها، وقال:

- أعد كتابتها على هذا النحو حتى تكون مجازة للنشر.

عندما قرأ المحرر مابقي من النص، لم يجد سوى الأفعال الناقصة، وأدوات النصب والجر.

  

 

 

غداً

 

سألت الطفلة أباها، وهي تنظر إلى ثوبها الذي تهلهل نسيجه، وبهتت ألوانه:

- متى تشتري لي ثوباً جديداً؟!

 قال الأب بحنان: غداً.

- واللعبة التي وعدتني بها؟!

- غداً...

قالت: متى يكون لنا بيت واسع، وحديقة تزّينها أزهار ملونة؟!

لم يجد جواباً، فقال متردداً والغصّة في حلقه:

- غداً...

قالت معاتبة بدلال:

- غداً... غداً!!  منذ زمن طويل وأنت تقول غداً، فمتى يأتي الغد؟!

صمت طويلاً... ابتلع غصته، وسرح مع أفكاره التي تشتتت وشردت كخيول جامحة. احتضن الطفلة، ضمّها إلى صدره، رفع رأسه إلى السماء، وقال بصوت يائس حزين:

- غداً.. عندما تشرق الشمس.

مساءً... تكوّرت الطفلة في زاوية الغرفة الوحيدة في البيت القديم، تحلم بالثوب واللعبة والبيت والحديقة رغم شدة البرد وقسوة الجوع.

وفي الصباح.. أشرقت الشمس، ورأت في عينيها دمعتين تنحدران على وجنتيها، فتوارت واحتجبت وراء الغيوم بخجل .

 

 

 

سيرة ذاتية

 

عندما تجاوز الستين من عمره، سرى الوهن في جسده النحيل، وصار يضع على عينيه نظارة سميكة، ويستعين بالعكاز والمنشطات والمقويات والمسكنات.

وعندما منعه الأطباء عن تناول السكر والدهون، ونصحوه بتجنب السفر والسهر، وقراءة الصحف والتوابل والنساء، قال لهم ساخراً: لا حاجة لذلك، فقد منعني عنها (أخو مرّة)( ).

حينذاك.. انفرد بنفسه، في بيته المتواضع.. تناول دفتراً وقلماً، وقرر أن يدوّن سيرته الذاتية.

 كتب:

كانت البداية عندما ولدت منذ ستين عاماً....

توقف القلم في يده.. شحّت الكلمات.. فكّر طويلاً، نقّب في زوايا ذاكرته، قلّب صفحات الماضي... سنوات الطفولة والشباب والرجولة.. لم يجد شيئاً يستحق الذكر. تساءل بمرارة: ستون عاماً ضاعت سدى. هدرت دونما تحقيق أمنية أو هدف.. عشتها على الهامش.. وهأنذا أنتظر...

تساءل: ماذا أنتظر؟!

بعد تأمل طويل أضاف بيد مرتجفة:

وها أنا بعد ستين عاماً أنتظر النهاية.

ثم رفع القلم وطوى صفحة الدفتر.

 

 

ديمقراطية

 

بعد أن اعتلى منبر الخطابة، واحتكر لاقط الصوت ساعة من الزمن، تحدث فيها عن نفسه، وأسهب عن تضحياته، وعن ضميره الواعي... عن إخلاصه وأمانته ووفائه. وبعد أن عدّد مزاياه وخدماته وقدراته. اعتذر من الحاضرين بلطف، وقال:

- لقد تكلمت عن نفسي. وإذا كنتُ قد أطلت فهذا أمر له مايبرره...

ثم أضاف مبتسماً:

- ولأنني ديمقراطي، لن أنفرد بالحديث عن نفسي...

ولهذا أترك المجال لكم.. للحديث ... عني.

 

 

 

اجتماع

 

في يومه الأول أعلن المدير الجديد، أمام موظفيه وعماله، أنّ زمن التسيّب والفوضى قد انتهى إلى غير رجعة، وأنه ماجاء إلا ليقضي على الخلل المعرّش كالسرطان. وفي  نهاية خطبته دعا رؤساء الأقسام إلى اجتماع مسائي يقدمون فيه تقارير وافية عن سير العمل والسلبيات والمعوّقات والاقتراحات.

مساء... جلس في مكتبه الوثير، على كرسيه الدوار، بين باقات الزهور التي تلقاها من المهنئين.. من أصحاب المصالح والموظفين والأصدقاء. وتوزع رؤساء الأقسام على مقاعدهم وفي أيديهم أوراقهم وتقاريرهم.

دار المدير بكرسيه يميناً ويساراً.. تناول جهاز التحكم، يضغط أزراره، ثم توقف عندما أطلّت مذيعة تلفزيونية بوجهها الجميل وأناقتها الجذابة، وأعلنت عن قطع البرنامج العام والانتقال إلى أحد الملاعب لنقل مباراة بكرة القدم.

 مطّ عنقه ومال بجسمه إلى الأمام.. فتح عينيه وأذنيه وفمه.. تغيرت ملامح وجهه، وبفرح طفولي هتف قائلاً:

- مفاجأة؟! أليس كذلك..؟!

هزّ الحاضرون رؤوسهم بين مؤيدٍ ومجامل. وعندما أرادوا أن يقدموا له تقاريرهم، دفعها بيده وقال:

- ليس الآن.. ليس الآن..

كنابض يقفز فوق كرسيه الدوار، أو كلعبة اليويو التي يلعب بها الصغار، وبشغف طفولي يصرخ مشجعاً..عيناه معلقتان بالشاشة الصغيرة، ويداه تدقان على زجاج الطاولة بعنف.

قال أحد رؤساء الأقسام متردداً:

- أستاذ... التقارير...

رد باستياء: قلت ليس الآن..

وأضاف بنبرة مختلفة: انظر.. ياسلام.. تسديد رائع.... هدف... هدف.. سوف نربح المباراة.

سأله موظف تقدّم به العمر:

- هل نشارك فيها. هل بين اللاعبين فريق عربي.

أجاب: لا.. إنها بين إيطاليا والأرجنتين.

عقّب الموظف وهو يعدّل نظارته:

- وماذا يهمنا إن ربحت إيطاليا أو خسرت الأرجنتين؟! أو...؟!

 قطّب المدير جبينه.. اكفهرَّ وجهه وقست ملامحه وقاطعه غاضباً:

- عجيب أمرك أيها الرجل. كيف تقول ذلك...؟! كيف تخسر الأرجنتين...؟! إن خسرت -لاسمح الله- فتلك صدمة وكارثة كبرى...

ابتسم الموظف المسن ولم ينطق بكلمة.

بعد ساعتين.. قام عن كرسيه الدوار مخذولاً، وخرج من مكتبه يتبعه رؤساء الأقسام... أيديهم تشد على تقاريرهم التي لم يقرؤوها واقتراحاتهم التي لم يعرضوها.

همس أحد الموظفين: أضعنا ساعتين سدى.

رد آخر: إنها خسارة، خسارة كبيرة.

سارع المدير الذي لم يستوعب عبارته قائلاً بصوت حزين مقهور: نعم... نعم.. إنها خسارة كبيرة، فقد ضاعت من الأرجنتين فرص ثمينة.

 

 

 

خلف.. يغني

 

ضاق الرجل ذرعاً بفشل ابنه المتكرر، فهو شبه أمي.. لم يتم المرحلة الابتدائية.. كان يقضي في الصف الواحد سنتين، ولولا الترفيع الآلي لما بلغ الصف الرابع أو الخامس. وعندما ترك الدراسة لم ينجح في زراعة أرض أو رعي أغنام، ولم يتقن أية صنعة أخرى، فقد كان عابثاً لاهياً، ضيّق الأفق، محدود الذكاء، لا يشعر بمسؤولية وليس لديه طموح. تراه في قريته أو في القرى المجاورة، يتوسط حلقات الدبكة والأعراس، ويصدح مجاناً ودونما دعوة بصوته الذي يعتقد أنه نعمة حباه الله بها دون أقرانه جميعاً.

قال له والده:

- اسمع ياخلف، والله لقد عجزتُ منكَ ومن أفعالكَ، أنت لا تنفع، لا للصيف ولا للضيف، ولا تميز الألف من عصا الراعي، وأنا أرى أن تحمل نفسك إلى العاصمة، وتذهب إلى (غناش) ابن عمّك، لعلّه بنفوذه وسلطته يجد لك عملاً.

قال خلف بجلافة: هو ليس ابن عمي.

- افهم ياولد.. غناش ابن قريتك وعشيرتك، فهو ابن عمك، ولا تنس أنك بحاجة إليه...

***

عندما مثل خلف -بتفخيم اللام- بين يدي قريبه وابن قريته ووضع أمامه ماحمله إليه من السمن والجبن.. ذهل مما رآه فيه من أبهة ونعيم، فتح فمه دهشة، ووقف مشدوهاً لا يدري ماذا يقول...

حاجبٌ على الباب، وسكرتيرة أنيقة جميلة، بثوب قصير وعطّر أخاذ.. أثاث وثير، أجهزة هاتف.. تلفزيون ملون، وأشياء أخرى لايعرف أسماءها.

سأله غناش:

- ماذا تريد أن تعمل هنا وأنت لا تحمل مؤهلاً ولا شهادة. إذا كنت لم تجد الفرصة في قريتك الصغيرة النائية فكيف تجدها هنا.

قال خلف دونما اكتراث: لا أدري.. أبي أرسلني إليك.

صمت غناش، نظر إليه وإلى الهدية.. حك رأسه، فكر طويلاً  ثم قال مبتسماً:

- أتذّكر.. أنك كنت تغني..

- نعم.. ومازلت..

- صوتك جميل؟!

- جربني...

 وهمّ أن يغني، فأشار إليه ألاّ يفعل.. فالمكان غير مناسب. ثم قال:

- إذاً.. لا مشكلة، وجدتها.

رفع غناش سماعة الهاتف، وبنبرة جادة صارمة قال:

- ألو.. الإذاعة والتلفزيون.. أعطني المدير.. أنا غناش، يصلكم بعد قليل، خلف، نعم.. اسمه خلف، يهمني أمره، أريده أن يغني..

-.....

- قلت أريده أن يغني.. أنا أزكّيه... لا لجنة موسيقية ولا اختبار صوت...

-......

- ياعزيزي، أجهزة الصوت الحديثة تفعل المعجزات.. مثله مثل من يثـقبون آذاننا بزعيقهم، إن لم يكن أفضل.

دارت الأيام، وتعاقبت الشهور، ولم يمضِ عام واحد حتى صار خلف -بتخفيف اللام- نجماً لامعاً، في الإذاعة والتلفزيون، له معجبون ومعجبات، صوره تنشر في المجلات وتباع في المكتبات...

يلبس الحرير ويوقّع على البطاقات، يقود سيارة، ويلعب بالدينار والدولار.

أما غناش، فقد عُزل من منصبه،  وفقد امتيازاته، فعاد إلى القرية، يدٌ من الأمام وأخرى من الخلف. يعيش على ذكريات الماضي وأمجاده.. لا يرضى أن يزاول عملاً، بعد الجاه والمنصب، ولا أن يتلقى أمراً من أحد، بعد أن كان آمراً ناهياً.

ولما اشتد كربه، وانفض عنه الناس.. الأقرباء والأصدقاء، بعد أن صار مملاً ثـقيل الظل، حمل نفسه إلى العاصمة، واتجه صوب مبنى الإذاعة والتلفزيون... قابل المدير بعد جهد وانتظار وتوســُّلٍ وبطاقة توصية من قريبه خلف.. ذكّره بنفسه ورجاه أن يجد له عملاً، كما فعل مع قريبه الذي صار نجماً.

ضحك المدير: الذي لم ينهض من مقعده، ولم يرفع إليه رأسه وقال ساخراً:

- خلف يغني، أما أنت... فلا تغني...

 

 

دورة

 

في بلدة نائية، استقبل مدير المركز الثقافي وفداً نسائياً، وكعادته، عندما يزوره وفد رسمي، طاف به على أقسام المبنى، الصالة، المسرح، المكتبة، والدورات التعليمية والتثـقيفية.

وفي مكتبه، تربع على عرشه، وأمسك بيده قلماً، يشير به عندما يتكلم، وينقله من يد إلى أخرى.

رحّب بأعضاء الوفد مرة ثانية، وثالثة، وعدّد لهن نشاطاته وإنجازاته وخدماته...

وفي حديثه، يذكّر المؤّنث ويؤّنث المذكر.. يقلب الماضي حاضراً، والحاضر ماضياً، تعانده بعض الحروف وتستعصي على النطق.. تتغير معاني الكلمات فتأتي مبهمة أو مثيرة للضحك والاستغراب.

أسهب في الشرح والتفصيل، كرر ماقاله مرات عديدة فمالت إحدى النساء إلى جارتها وقد بدا عليها الضيق وهمست في أذنها باستحياء:

 انتبه إليها وقال سائلاً:

- ماذا تريد الأخت؟! هل من سؤال؟!

احمّر وجهها، عضّت شفتها السفلى، وأطرقت برأسها إلى الأرض بخجل.

كرر السؤال بإلحاح، فقالت جارتها بحياء بعد تردد:

- إنها تسأل.. إن كانت لديكم... دورة.. أقصد دورة مياه؟!

انتصب فوق عرشه، نفخ صدره ورفع رأسه عزّة وشموخاً وقال مشدداً على مخارج الحروف:

- شوفي يارفيقة.. لدينا دورة محو أمية، ودورة خياطة، ودورة آلة كاتبة، وأخرى لقص الشعر والتجميل.. وأنا أعدك، بصدق، أن أفتح لكنّ دورة مياه، إذا توفر العدد المناسب.

 

 

استقبال

 

ما إن وَطِئَتْ قدماه أرض البيت حتى فاجأه رنين الهاتف... أجاب بكلمات مقتضبة، وتأفف بصوت غير مسموع، ثم وضع السماعة بنزق، وعاد من حيث أتى.

تساءل وهو يقطع الطريق بسيارته الحكومية:

- ما الأمر الهام الذي لا يحتمل التأخير؟!.. منذ الصباح كنت معهم... في الساعة العاشرة انطلقنا بسياراتنا نحو مدخل  المدينة واستقبلنا وفداً رسمياً قادماً من العاصمة.. وقفنا  تحت الشمس المحرقة ساعة أو أكثر.. وفي الثانية عشرة وصل أعضاء الوفد.. استقبلناهم بالمصافحة والعناق والقبل، وكأننا نعرفهم منذ سنين.. وفي الثانية ظهراً تناولنا الغداء بصحبتهم، ثم تركناهم يستريحون في فندق ذي خمس نجوم. والاجتماع الرسمي لمناقشة ماجاؤوا من أجله في الثامنة مساء...  فما الجديد في الأمر؟!

 فكر بكل الاحتمالات ولم يجد جواباً لتساؤلاته: وعندما وصل إلى الفندق، كانت سياراتهم تستعد للانطلاق فأشاروا إليه أن يتبعهم دون أن يدري إلى أين.

 اتجهوا نحو مدخل المدينة.. إلى ذلك الطريق الذي سلكوه قبل ساعات. ثم توقفت سياراتهم، ،أما سيارات الوفد الضيف فقد تابعت المسير وإن لم تبتعد كثيراً.

ترجّلوا من سياراتهم ووقفوا بانتظام على جانب الطريق...

توقفت حركة السير، فقد حجزت دراجات نارية كل السيارات القادمة والمغادرة.

استدارت سيارات الوفد التي لم تبتعد كثيراً، وعادت مرّة أخرى. وعندما وصلت إليهم توقفت وترجّل الأعضاء.

 استقبلوهم بالمصافحة والعناق والقبل... احتضنوهم كأنهم يلتقون بهم أول مرّة، أو كأنهم لم يكونوا بصحبتهم ويتناولوا الغداء معهم منذ ساعة واحدة فقط.

أفقدته الدهشة صوابه، فبدا شارد الذهن ذاهلاً، لا يفقه شيئاً مما يدور حوله.

وعندما انتهت مراسم الاستقبال، وقبل أن ينطلقوا بسياراتهم عائدين إلى المدينة، التفت إلى أحد أصدقائه، وقال هامساً:

- أنا لا أفهم مايجري.. هل أنا أحلم؟!

- قال الصديق: لا.. أنت لا تحلم.. إنها الحقيقة.

 - أية حقيقة.؟! وكيف؟! ولماذا؟!!

 أجاب: المسألة بسيطة. كل مافي الأمر أن البعثة التلفزيونية قد تأخرت في الوصول، وتمّت مراسم الاستقبال الأولى دون تصوير وفيديو وتلفزيون.. وهذا لا يليق. هل فهمت ياعزيزي؟!

هز رأسه وقلب شفتيه ولم ينطق بكلمة.

 

 

 

الفيل الذي يطير

 

قال الراوي:

اجتمع الوالي يوماً بعلماء بلده، وتداولوا في أمور الرعية، وعالجوها بحكمة وروّية. وكما يقتضي العرف والعادة اختاروه رئيساً للاجتماع، يتولى إدارته ويقول فيه كلمته.. ولاسيما وهو يحمل من الألقاب ماتضيق عنه صفحات الكتاب.

تكلّم العلماء.. تناقشوا، اختلفوا واتفقوا، أما الوالي فقد كان يكتفي بهز الرأس وتأييد هذا والثناء على ذاك.

 طال الجدل والحوار، والوالي ينقّل بصره بينهم.. لا تصدر عنه سوى كلمات قليلة، لا تتناسب مع علو قدره وسمو شأنه، وهو الذي اعتاد أن يكون الرأي رأيه والكلمة كلمته.. يقول فيسمعون، ويأمر فيطيعون.

ثم أشار إليهم بيده، فسكتوا وصاروا آذاناً مصغية، فنطق قائلاً:

- والآن.. حتى يطمئن قلبي، وتتعزز ثـقتي بعلماء أمّتي أريد جواباً عن هذا السؤال: ماهي الحيوانات التي تطير؟!

عدّد العلماء أسماء الطيور وأنواعها، وذكروا مزاياها وصفاتها وقدرتها على التحليق والطيران، وهجرتها بين البقاع والبلدان.

 ويضيف الراوي:

إن ابن الوالي، الذي حضر مجلسهم، عصر فكره وتمخّض قائلاً:

 والفيل؟!.. لم تذكروا الفيل...

عقدت الدهشة ألسنة العلماء، وتبادلوا نظرات التعجب والاستنكار وأداروا وجوههم التي ارتسمت عليها ابتساماتهم. ثم نطق أحدهم مستغرباً: ماهذا...؟! الفيل يطير؟! عجب وأي عجب!...

ويقول الراوي:

إن الوالي استاء من كلام العالم وردّة فعله، فزجره بنظرة متوعدة مهددة.

 أحنى العالم رأسه وأغمض عينيه.. أدرك أنه قد وقع في مأزق وفكر لعله يجد مخرجاً.

وبعد صمت طويل قال: عفواً يامولاي... لكل عالم هفوة، أنا أخطأتُ.. نعم.. الفيل يطير..

فغر العلماء أفواههم دهشةً واستنكاراً، فوقع في حيرة من أمره.. فقال بصوت منكسر ذليل: ولكنه لا يحلّق عالياً  في الفضاء.

 

 

 

اليوم .. وغداً

 

وقف مدير المركز الثقافي مشدوهاً، وهو يرى تزاحم الناس على الباب، بعد أن غصّت الصالة بهم. وهذا أمر لم يعهده من قبل. فقد كان يدعو الناس بالبطاقات والهاتف، ويعلق  الإعلانات في المناطق المزدحمة من المدينة، ويوزعها على الدوائر  والمؤسسات. وبالرغم من هذا كله لا يزيد عدد الحاضرين عن عشرين أو ثلاثين شخصاً.

ومما زاد في عجبه ودهشته، أن الشاعر الذي يلقي قصائده هذا المساء، ليس من الفحول، فهو لم يطبع ديواناً، ولم تنشر له الصحف والمجلات إلا بعض القصائد في زاوية رسائل القرّاء، أو على دروب الإبداع.

نظر إلى ساعته وقال محدّثاً نفسه:

- بقي على موعد الأمسية الشعرية ربع ساعة، والجمهور قد ملأ المكان.. هذه بادرة جيدة وإن كان في الأمر مايثير الشك والقلق.

شدّ على يد الشاعر الذي يقف إلى جانبه، يبتسم ابتسامة ذات معنى. وشعر بالغبطة وقد اعتقد أن جهوده ومساعيه في  استقطاب الجمهور قد أثمرت، وقال للشاعر كأنه يتكرّم عليه:

 - أنت لا تعرف أي جهد بذلته وأي عناء ليكون لك مثل هذا الجمهور الذي لم يكن لشاعر من قبل.

 كتم الشاعر ضحكته، وقال محدثاً نفسه: يعتقد المدير أنه صاحب الفضل.. المسكين، هو الآخر لم يكتشف سر اللعبة.

دخلا إلى القاعة عندما أزفت ساعة الأمسية الشعرية وعندما صعد مدير المركز إلى المنصّة وقدّم الشاعر، تبدلت الوجوه وتلونت بألوان عديدة.. ساد وجوم في الصالة،وسمعت همهمات واستنكارات خافتة، تحولت إلى ضجيج وفوضى.. تسلل بعض الحاضرين بهدوء، أما من بقي منهم فقد منعه الحياء.

 نظروا مرة أخرى إلى الإعلان المعلّق عند الباب الخارجي دققوا النظر جيداً، واكتشفوا سر اللعبة.

 كانت هناك دعوتان.. إحداهما للأمسية الشعرية، التي أقيمت هذا اليوم، والأخرى لحفل فني يقام غداً. وقد قامت يد خفيّة بانتزاع كلمتي اليوم وغداً من الدعوتين، ووضعت كلاً منهما مكان الآخر.

 

 

 

أمنية

 

كل صباح.. رغم ضعف بنيته وتقدّمه في العمر، يسير بخطى ثقيلة واهنة، على دروب ضيقة ملتوية، شقتها أقدام الناس والحيوانات التي تنطلق إلى المرعى. ويتسلّق الرابية المطلة على البلدة الصغيرة، حتى يصل إلى المعبد القائم على ذروتها.

سار على الطريق متعباً متثاقلاً، فقد أرهقت جسده النحيل أعباء الحياة وتعاقب السنين.

تلفت يميناً ويساراً.. توقف مرّات عديدة ونظر إلى الوراء آملاً أن يمر به من يرق لحاله ويرأف بشيخوخته فيحمله معه.

بعد طول انتظار لاح في الأفق خيال على ظهر فرسه، استبشر خيراً ووقف بانتظاره، لعلّه يترفق به ويمد له يد العون ويخفف عنه عبئاً بات يعجز عن حمله.

عندما اقترب الرجل ترجّل عن فرسه، فقد فاجأها المخاض في هذه اللحظة وهذا المكان.

قال الراهب وقد خاب أمله: أمنية لم تتحقق ورجاء لم يثمر.

وأضاف مواسياً نفسه: لا يهم.. أنا أمشي هذا الطريق كل يوم.

وقبل أن يتابع طريقه صرخ به الرجل:

-إلى أين؟ قف. انتظر.

تجمّد في مكانه والتفت إليه..

كان هذا الرجل هو الوالي التركي، بثيابه الرسمية الفضفاضة وحذائه الجلدي الذي يصل إلى ركبتيه، وسوطه الذي يفرقع في الهواء، وينشر الخوف في أوصال البشر.

أُسقط في يد الراهب، وألحّ في ذهنه سؤال: ماذا يريد الوالي مني؟

وعندما قامت الفرس بعد ولادتها، التفت إليه الوالي وقال له بلهجة آمرة، مشيراً إلى المهر الذي يحاول الوقوف على قوائمه والسير بخطى واهنة متعثرة:

(ولن قندلفت.. شيل فلو) أيها الراهب احمل المهر.

 

 

إهداء

 

عندما أنجز روايته الأولى، كتب في مقدمتها الإهداء التالي:

إلى روح أبي.. الذي.. والذي.. والذي.. أهدى كتابي هذا، لعلي أرد له بعض الجميل.

تنفّس بعمق وفرد ذراعيه على الجانبين.. رفع رأسه إلى الأعلى.. ثبّت بصره نحو نقطة في سقف المكتب، وقال بصوت متهدّج:

-حقاً.. لقد ارتاحت نفسي. إن لوالدي فضلاً كبيراً علي.. كان لي أباً وأخاً وصديقاً.. ضحّى بالكثير من أجلي. احتمل شقاوتي، وعانى من عقوقي.. صفح عن أخطائي وذنوبي.. وهأنذا أرد له بعض الدّيْن.

ثم أضاف بنبرة حزينة: المشكلة ليست في الكتابة، بل في الطباعة والتوزيع.

طوى أوراق المخطوطة، ووضعها في أحد الأدراج.

انتظر أياماً وشهوراً.. بين الأمل واليأس.. وذات يوم رأيته يحث الخطى نحو دائرة البريد والبسمة تعلو وجهه. فبادرني قائلاً:

-فُرجت، وكنت أظنها لا تفرج.

-أراك سعيداً. ما الأمر؟

-الرواية التي كتبتها.. ألا تتذكرها؟!

-نعم. هل قررت أن تطبعها؟

-رد ساخراً: أنا؟! من أين؟!

ثم أضاف موضحاً:

-إحدى الجهات أعلنت عن مسابقة لاختيار رواية غير مطبوعة، تقوم بطباعتها على نفقتها.. والجائزة قيّمة.

-هذا جيد.

كانت المخطوطة في يده وقد شد عليها أصابعه بإحكام. أردت أن ألقي عليها نظرة أخيرة، فقال:

- لقد أطلعت عليها من قبل.

أثار فضولي تمنعه.. أمسكت بها، فناولني إياها متردداً.

فتحت على الصفحة الأولى وقرأت:

(إهداء.. إلى الشيخ الجليل.. حامي الحمى، وجامع الشمل.. ونبع الأصالة والكرم،و... و.. .. أهدي روايتي هذه. عرفاناً بالجميل.)

نظرت إليه بدهشة، وقلت مستغرباً:

-أف.. ما هذا؟

تبدّل لونه وقال بصوت ضعيف دون أن يرفع رأسه إلي:

-نعم.. غيرت الاهداء.

قلت مستنكراً: كيف؟ لماذا؟ وروح أبيك الذي.. والذي...؟

لم ينطق بكلمة.

قلت: افترض أن الرواية لم تفز.

رمقني بنظرة لوم وعتاب وقال: لا تقل ذلك، فأنا أتشاءم. أضفت قائلاً: تخسر الجائزة، وتخسر أباك. أعد كتابة الإهداء لأبيك، واكتب رواية أخرى للشيخ الجليل، كما سميته.

سحبها من يدي بقوة.. قطّب جبينه، وقال وهو يبتعد عني مسرعاً:

-أبي، انتظر عشر سنوات.. فلماذا لا ينتظر سنة أخرى؟!

وقبل أن يسمع جوابي، اختفى عن ناظري وابتلعه الزحام.

 

 

 

طـز

 

قالت شهرزاد:

بلغني أيها الملك السعيد، أن رجلاً من عامة الناس، يقال له مسكين بن صدقة. نشأ يتيماً وعاش فقيراً بائساً، مغلوباً على أمره.. لا أهل له ولا أقارب، وليس له زوج أو ولد.

ولأنه بسيط وساذج، كان يتحاشى الناس الذين جعلوا منه تسليتهم وموضع تعليقاتهم وسخريتهم.

ولما لم يكفّوا عن مضايقته والنيل من كرامته، وقد بلغ من العمر عتيا، فابيضّ شعره واسودّت الدنيا في نظره، قرّر أن يرفع الأمر إلى القضاء، علّه يرد عنه البلاء.

وعندما مثل بين يدي القاضي، قال له مستجيراً:

-سيدي.. أنصفني..

سأله القاضي: ممن..؟ من خصمك يا مسكين؟

قال: كثيرون يا سيدي..

تلفت حوله وأضاف: كلهم.. وأولهم كاتبك هذا، فكلما رآني أو ذُكر اسمي أمامه، يقول.. طز. حتى شاع خبري بين الناس، وضاعت هيبتي، فلم أسلم من كبير أو صغير، ولم يعتقني شيخ جليل أو صعلوك حقير.

ابتسم القاضي ومال برأسه إلى كاتبه. تبادلا الحديث فيما بينهما همساً. ثم قلّب أوراق كتاب أمامه، وقال بنبرة حاول أن تكون جادّة جازمة:

-اسمع يا مسكين.. حيث إنه لا جرم بلا نص قانوني، وحيث إنني لم أجد في قانون العقوبات ما يدين قائل هذه الكلمة، أرد إليك دعواك، وأحمّلك المصاريف والرسوم.

قال مسكين مستغرباً: كيف؟! ولماذا؟!

أجاب القاضي: اسمع يا مسكين وافهم ما أقول لك.. طز كلمة أعجمية، معناها ملح. ولمّا كانت الضرائب مفروضة على القمح دون الملح. كان الفلاحون حين يعترضهم جابي الضرائب يقولون: طز يا بيك. فيتركهم وشأنهم.

قال مسكين مخذولاً: هكذا إذاً؟

-نعم.

-طز.. مجرّد كلمة.. ليست شتيمة، ولا يعاقب قائلها؟!

-أكيد.. وهذا هو القانون.

لوى مسكين عنقه وأطرق برأسه إلى الأرض. ثمّ نظر إلى الكاتب وقال:

-ما دام الأمر كذلك.. طز عليك أيها الكاتب.

ضحك القاضي حتى كاد ينقلب على قفاه.

سكتت شهرزاد، فسألها شهريار: هل انتهت الحكاية

قالت: لا يا مولاي، بل أخشى أن تسيء فهمي إذا قلت ما قاله مسكين.

-لا.. لا تخافي.

همست مترددة: قال مسكين... وطز عليك أنت أيضاً.. قفز شهريار كوحش هائج وصرخ بأعلى صوته: يا سيّاف..

قالت شهرزاد: اهدأ يا مولاي. ودعني أكمل..

-هيا.. قولي ما عندك، قبل أن يفصل السيّاف رأسك عن جسدك.

 

قالت شهرزاد: لماذا يا مولاي؟ أنت لم تسمع بقية العبارة.

ثم استطردت: قال مسكين.. وطز عليك أنت أيضاً، أيها القاضي. فسرت في القاعة همهمات وضحكات مكتومة، كبعيق الماعز.

جفل القاضي الذي لم يتوقع هذا الرد، فقطّب جبينه، ودقّ بمطرقته محاولاً استرجاع هيبته. ولم يستطع الحاضرون كتمان ضحكاتهم وسخريتهم. فأشار إليهم مسكين وهو يغادر القاعة قائلاً:

و.. طز عليكم جميعاً.. والسلام عليكم.

 

 

 

نسيان

 

مشكلته الكبرى هي النسيان.. هذا الداء الذي أصيب به منذ أن اعتلى الكرسي الدوّار، وصار في مكتبه الجديد جهاز تكييف، وتلفزيون ملون. وعلى بابه حاجب لا يسمح لأحد بالدخول إلا بموعد مسبق.

ينسى الوعود التي قطعها للأصدقاء القدامى، وينسى رفاق الطفولة، وأبناء العمومة والجيران، وزملاء الدراسة، وينسى المواعيد التي يحددها لمقابلة ذوي الحاجة وبسطاء الناس.. وينسى تلبية دعوات المحاضرات والأمسيات الأدبية.. وإذا ما سمع كلمة عتب لطيفة، ينفخ صدره ويكرر قائلاً:

-وقتي ليس ملكي.. مهماتي صعبة، وأعبائي كبيرة. لا أنام من الليل سوى ساعة أو ساعتين.

ويشير بيده إلى عينيه الناعستين المحمرتين، ويضيف: هذا من طول السهر.

وحقيقة الأمر أنه يسهر كثيراً.. ولا ينام قبل طلوع الفجر أما أين يسهر وكيف، ومع من، فهذا لا يجوز السؤال عنه.

وهو يتباهى بنسيانه.. فقد قرأ مرّة أن الرجال العظام ينسون الأمور الصغيرة لانشغالهم بما هو أهم وأعظم.. لذلك كان ينسى أو يتناسى قاصداً، فهذه أصول اللعبة التي تناسب منصبه الجديد.

ذات يوم.. زاره صديق قديم، باعدت بينهما الأيام، فقد اختار كل منهما طريقه.. تردد مرات عديدة قبل أن يقف على بابه. تذكر ما قاله له يوماً.. أنت خيالي، مثالي أكثر مما يجب، التنظير شيء والممارسة شيء آخر.. سوف تحتاجني وتطرق بابي يوماً ما.

عرض عليه قضيته.. فدوّن بعض الملاحظات، وقال له:

-مع ذلك.. لا تنسَ أن تذكّرني.

وقبل أن يخرج الصديق من مكتبه، قال:

-بهذه المناسبة، واحتفاء بمنصبكم الجديد.. أنت مدعو عندي في البيت.. حدد الموعد متى أردت.

قلّب أوراق دفتر المواعيد، وقال:

-أقبل الدعوة.. ولكن ليس قبل عشرة أيام.

-دونها لئلا تنسى.

-لا.. لن أنسى.

في اليوم العاشر، كان يدق الباب، ويقول له مبتسماً:

-جئت في الموعد. لم أنس..

وعلى المائدة العامرة بأصناف الطعام والشراب، سأل الصديق ضيفه بتردد وخجل:

-ماذا صار بقضيتي؟

فغر فمه وسأل: أية قضية؟!

-التي قصدتك من أجلها.. ألا تذكر؟!

ضرب بيده على جبينه وقال:

- يا عزيزي أنا آسف. لقد نسيتها تماماً.. لماذا لم تذكرني بها؟!

-ذكّرتك بها مراراً.. كل يوم.

-عجيب.. حتى هذه نسيتها. ألم أقل لك إنني صرت أنسى؟!

 

 

 

هدية

 

قال له: حظك يفلق الصخر.. قضيتك عند أبي سامح، صاحبي وحبيبي.

أجاب مرتبكاً:

-مع هذا.. لست مطمئناً، فقد صرنا في زمن لا يعرف فيه الأخ أخاه.. كل شيء صار بالمال.. حقك الذي هو حقك، لا تأخذه إلا بعد أن تدفع.

-هذا صحيح. إلا أن صاحبي يشذ عن هذه القاعدة.. ماذا أقول لك..؟ ماذا أصف وأشرح؟ يا عزيزي.. إنه فريد زمانه.. رجل والرجال قليل.. نشأ عصامياً، ناضل وقاتل، حمل عبء والدته وإخوته اليتامى.. والآن، بعد أن استقر في العاصمة، ورغم قسوة الظروف، وغلاء المعيشة، وحاجات البيت والأولاد، التي تقصم الظهر وتحني هامات الرجال، لا يقبل شيئاً من أحد، ولا يمد يده لإنسان.. يعيش على الراتب، ولا يقبل القرش الحرام.

-لكنني لا أعرفه. فكيف أصل إليه وأشرح له قضيتي؟

-هذه ليست مشكلة.. يا عزيزي، أنا أذهب معك.. نعم أنا أذهب معك، فهو، كما قلت لك، صاحبي وحبيبي، ولا يرد لي طلباً.

-أخشى..

قاطعه: لا تخشَ شيئاً، ما زال في الدنيا خير، والصديق للصديق. لقد خدمنا كثيرين غيرك.. لا يمر شهر إلا وآخذ إليه واحداً أو اثنين من أصحاب القضايا.

-حسناً.. اتفقنا.

قال متردداً: بقيت مشكلة صغيرة.

-ما هي؟

-يجب أن أتدبّر مصروف البيت والأولاد قبل سفرنا.

-لا عليك.. دع عنك هذا الأمر. كم يكفيك؟

حجز مقعدين في السيارة المغادرة إلى العاصمة.. وهناك قصدا فندقاً حديثاً، وتناولا الطعام في مطعمٍ راقٍ. ثم انطلقا إلى أبي سامح. وقبل أن يدخلا مكتبه قال:

-أتعرف..؟ يجدر بك أن تحمل هدية معك. أنت آتٍ من بلد بعيد، ومن غير اللائق أن تدخل عليه ويدك فارغة.

قال مضطرباً: لم تذكّرني.. وقد قلت لي إنه لا يقبل رشوة.

أجاب مستنكراً: طبعاً.. إن صاحبي وحبيبي رجل نزيه شريف، لا يقبلها أبداً..

ثم أضاف: ولكنه يقبل الهدية.

-نشتري له هدية.

-لا.. لا حاجة لذلك.

-ما العمل إذاً؟

-يا عزيزي.. إنه صاحبي وحبيبي.. والمسألة بسيطة.. ضع ثمن الهدية في مغلف.. وقدّمه كهدية.

 

 

 

موقف

 

كان يتقدمهم.. يثير حماسهم كلما فتر، ويؤجج نارهم كلما خمدت.. يهتف فيرددون وراءه. يصرخ فيشتد صراخهم ويصيب الآذان بالصمم.

عرفوه صاحب موقف وقضية، يتحدث بطلاقة، ويتصدى للمحاضرين بالحوار والجدل. يقرأ الصحف وكتب الفكر.. في حديثه مفردات ومصطلحات يعجبون بها، رغم أنهم لا يفهمون أكثرها، وفي عباراته وعود وآمال تدغدغ أحلامهم وتتلمس آلامهم وأوجاعهم.

أمام المبنى الكبير، الذي كان بابه مغلقاً في وجوههم وقفوا. برزت من نافذة الطابق الثاني وجوه ممتلئة صقيلة، وعيون خبيرة.. رجال لم تحرق الشمس جلودهم.. لم تضمر بطونهم أو تتقرّن أيديهم وأرجلهم. مسحوا بعيونهم وجوه الغاضبين.. ركزّوا نظراتهم عليه، تداولوا الحديث فيما بينهم همساً.. هزّوا رؤوسهم وأشاروا إليه وقالوا:

-تقدّم أنت.. نيابةً عنهم.

هتف أصحابه بحماس:

-نعم.. هو من يمثلنا.

صفقوا له بحرارة، وهو يدخل من الباب الذي أُغلق دونهم، ووقفوا صامتين، يتبادلون النظرات فيما بينهم، بعد أن اختفى الرجال وراء النافذة.

طال انتظارهم، والشمس الغاضبة تلفح بوهجها وجوههم المتغضنة، والعرق يبلل أجسادهم وثيابهم.

وعندما أطل من النافذة، ساد صمت وسكون وترقب. عيونهم شاخصةٌ إليه، آذانهم مفتوحة، وقلوبهم تدق كطبول المسيرات والاستعراضات.

بدا لهم مختلفاً تماماً، حتى أنهم شكّوا أن يكون صاحبهم الذي دخل من الباب.

نظر إليهم بضيق وغضب، وبلهجة لم يسمعوها منه من قبل قال يخاطبهم:

-ما هذه الغوغائية؟! تفرقوا. عودوا إلى أعمالكم وبيوتكم. وإنني أحذّركم من خطورة موقفكم هذا. ومن لا يمتثل لما أقول يتحمّل العاقبة ويستحق الجزاء.

ثم أدار لهم ظهره وأغلق النافذة.

 

 

ضوء أحمر

 

الضوء الأحمر يضيء فوق بابه، منذ الساعة الثامنة صباحاً إلى الثانية ظهراً، إلا في أوقات نادرة. والحاجب الذي يقف أمام بابه مثل كلب الحراسة، يعرف تماماً أنه ينفرد وحيداً بنفسه في المكتب إذا لم يكن خارج الدائرة ومع ذلك، يقول لمن يسأل عنه: السيد المدير عنده اجتماع.. عنده اجتماع.. ألا ترى النور الأحمر؟! فقد بلغه وأكّد عليه أن لا يسمح لأحد بالدخول إلا إذا كان من ذوي الشأن، وعليه قبل ذلك أن يدق الباب دقات خفيفة بإيقاع معين.

وفي الدائرة، بدأت الألسن تنسج حوله قصصاً وحكايا، منذ أن اعتلى عرش الإدارة وتربع على الكرسي الدّوار فهمْ يقولون إنه يقصد من وراء ذلك أن لا يجعل من المكتب مضافة للزوار، واستراحة للأصدقاء والمعارف، كالمدير السابق، الذي انتهى به المطاف موظفاً بلا وظيفة، تحت تصرف السيد المحافظ، ريثما يجدون له زاوية يركنونه فيها.

ويعتقد بعضهم أن شخصية الرجل معقدة، فهو انطوائي بطبعه، متكبر، مغرور، وربما يعاني من عقدة نقص يحاول أن يعوضها. ويرى آخرون أنه يسعى، بموقفه هذا، أن يفرض هيبته على المرؤوسين قبل المراجعين. فمن لا كرامة له في داره لا كرامة له خارج داره.

ما رآه أحد منهم يوما ضاحكاً أو مبتسماً. فهو مقطّب عابس دائماً، يتكلم بقدر ويصدر أوامره وتعليماته بقدر، لا يرد التحية على أحد، لا يستقبل مراجعيه إلا في ساعات محددة،

يجيب بكلمات مقتضبة، وقد يكتفي بإيماءة أو إشارة.. فإن سألوا صرخ في وجوههم واتّهمهم بالغباء والبلادة، ووصفهم بنعوت غير لائقة.

أثناء مروره على أقسام الدائرة، يتبعه مستخدمه الخاص الذي يسرع إلى إشعال لفافته كلما دسها في فمه.

وكثيراً ما رقّت قلوب الموظفين والمراجعين على زوجته التي لا يعرفونها. وتساءلوا: كيف تحتمل امرأة في هذا الزمان رجلاً قاسياً جلفاً غليظ القلب كهذا.

الأمر الذي يحيّرهم ولا يجدون له تفسيراً، أنه يغادر الدائرة في الساعة الواحدة، أو قبل ذلك، أغلب الأيام.. يقول لرئيس مكتبه: عندي مهمة، ربما أتأخر وقد لا أعود. وغالباً لا يعود.

لا يعرف أحد أين يذهب وأية مهمة خطيرة تنتزعه من كرسيه الدوار قبل نهاية الدوام.. وهذا ما أثار شكوكهم وزرع الرهبة في قلوبهم.

فقد يكون للرجل مداخلاته التي يجهلونها، وقد يكون على صلة بإحدى الجهات، التي يثير ذكرها الخوف في النفوس والرعشة في المفاصل والأوصال، وقد.. وقد...

ذات صباح، همس مدير مكتبه في أذنه، وهو يهم بالدخول:

-سيدي.. تزورنا اليوم لجنة تفتيشية. لقد اتصلوا بنا من المحافظة، وبلغونا..

ارتسمت على وجهه علامات جد واستفهام. نادى حاجبه وقال له: دع الباب مفتوحاً.. ولا حاجة للضوء الأحمر.

ذلك اليوم لم يعد إلى بيته إلا بعد الثانية والنصف... زوجته تسترخي على مقعد وثير، بثوبها الحريري الرقيق أمام التلفزيون، تطلي أظافرها، بعد أن خرجت من الحمام، وصبغت شعرها ووجهها بالألوان والمساحيق.

رمته بنظرة لوم وتأنيب، وهي تنظر إلى الساعة وتشير بيدها مستفسرة مستنكرة.

وقف أمامها كطفل يشعر بالذنب، أو كتلميذ قصّر في أداء واجبه المدرسي. وقبل أن يضع المئزر على وسطه ويدخل المطبخ قال متلعثماً بصوت ضعيف:

-لا عليك يا حبيبتي.. تأخرتُ اليوم، كانت عندنا لجنة تفتيشية... دقائق وتكون المائدة جاهزة.

 

 

 

دمية

 

على الرغم من اهتمام سكان البيت بالضيف الغريب، وانشغالهم به، ظلت في الغرفة الأخرى، تلعب بدميتها.

دخلت إليها والدتها، وقالت زاجرة:

-كفاك لعباً.. صرت كبيرة، هيا اغسلي وجهك وسرّحي شعرك، واحملي القهوة للضيوف.

قامت مكرهة.. جرتّها أمها من يدها وضعت بعض اللمسات على وجهها وشعرها، وقالت:

-هيا.. اتبعيني ولا تتأخري.

دخلت الفتاة غرفة الضيوف، تحمل القهوة بيدين مرتعشتين وتضغط بذراعها على الدمية التي ضمتها إلى خصرها. فسرت همسات وارتسمت ابتسامات على الوجوه، وحاصرتها العيون بنظرات ثاقبة فاحصة..

تناولت والدتها القهوة منها، وقالت: سلّمي على الضيف.

اضطربت الفتاة واحمرّت وجنتاها.. اقتربت منه بخطى متعثرة، وقالت بصوت مختلج:

-مساء الخير يا عم..

ضحك الرجل البدين، فبرزت من بين شفتيه الغليظتين أسنان صفراء مبعثرة، واهتز كرشه المنفوخ تحت دشداشته البيضاء.

مدّ إليها يداً غليظة مكسوة بشعر كثيف أسود، وشدّ على يدها الرقيقة بقوة، وقال ضاحكاً:

-تقول يا عم!.

ردت أمها: البنت صغيرة، لا تعرف...

قال الرجل البدين: أعرف.. أعرف، هذا واضح.

وأضاف محدثاً الفتاة: ما هذه؟ دمية؟ جميلة...

واستطرد وهو يحدق إلى الفتاة ويعاينها بنظرات فاحصة:

-جميلة جداً.. رائعة.

أمرتها أمها: اجلسي.

خيم عليهم الصمت.. عيناه مازالتا تتفحصان البضاعة المعروضة للبيع.. والداها يترقبان منه كلمة أو إشارة.

هزّ الرجل رأسه، وأعلن موافقته بنظرة من عينه. قالت لها أمها: اخرجي.

ابتسم أبوها، وقالت له أمها بفرح: مبروك.

اشترى لها هدايا كثيرة، وطوّق معصمي أمها بالذهب، وملأ جيوب أبيها بقطع نقدية كبيرة وصغيرة. وقال لها:

-ستكونين أميرة.. تسكنين في قصر، يحيط بك الخدم من كل جانب. وما عليك سوى أن تشيري بإصبعك.

سألته ببراءة: وهل أحتفظ بدميتي؟

قال بعد تردد: هذه. ما حاجتك بها؟

ثم استدرك قائلاً: طبعاً، وسأشتري لك غيرها.

قالت: أريدها هي، ولا أريد غيرها.

ودّعها أبوها عند سلّم الطائرة، ولوّحت لها أمها بيديها المطوقتين بالذهب. ولما وصلت إلى القصر الكبير، فتحت الحقيبة وأخرجت دميتها.

نظر إليها بعينين جائعتين شرهتين.. تكورت كقطة خائفة مذعورة.. انتفض قلبها كطائر مذبوح.. ضمّت الدمية إلى صدرها، تمسكت بها. دنا منها، رفعها إليه، ثم جرّها إلى غرفته... انتزع الدمية من يديها ورمى بها على الأرض، حرقت أنفاسه الحارة الكريهة بشرتها.. دارت بها الدنيا، أحست أنها تهوي في فراغ لا نهاية له. تلفُّ بها دوامات كبيرة، تصم أذنيها أصوات صاخبة.. تعجز عن المقاومة.. تسترخي. ومن وراء أبواب مواربة كانت ست عيون لدمى مهشمة تنظر بصمت وحذر.

 

 

 

كمبيوتر

 

كعادته، أول كل شهر، عاد إلى البيت متوتر الأعصابّ، متجهم الوجه.. يكلّم نفسه.

قال لزوجته وهو يضع في يدها بعض النقود:

-هذا ما بقي من الراتب. دفعت للبقال واللحام وأجرة البيت، و... وعلينا أن نتدبر أمورنا ثلاثين يوماً بهذه القروش القليلة.

تناولتها الزوجة بقرف، وقالت:

-ماذا نفعل بها؟ مصروف البيت، والالتزامات التي أجلناها!. والديون.. و...!

قاطعها بقناعة يائسة:

-ما الجديد في الأمر؟! هذا حالنا دائماً. اعتدناه حتى مللنا الحديث عنه.

قالت الزوجة:

-جارتنا.. بالأمس اشترت سوارين من الذهب، وزوجها موظف مثلك.

ابتسم الزوج ولم ينطق بكلمة.

أضافت: وفي الشهر الماضي غيرت أثاث البيت.

صمتت لحظة ثم أضافت:

-تقول جارتنا إن زوجها لا يمد يده إلى المال الحرام..

قال بنبرة حادة:

-دعينا منها ومنه.

ألحّت قائلة: لماذا لا تحاول أن تحسّن ظروفك؟!

نظر إليها بغضب، فاستدركت:

-لا أقصد سوءاً.. ما أعنيه، هو أن ننظم مصروف البيت.

-كيف.. ؟

-أنت تعمل في قسم الكمبيوتر، وهذا الجهاز، كما أسمع، ينظم موازنة الدائرة بكاملها. فلماذا لا ينظم لنا موازنة البيت؟

 

قال لها: أنت تمزحين.

قالت: لا. أنا جادة فيما أقول.. نكتب قائمة بالدخل، والنفقات الضرورية.. الضرورية فقط... يعني أجرة البيت، والطعام واللباس والماء والكهرباء، ونضيف إليها، بصورة تقريبية، ما قد ندفعه للطبيب، والدواء، والحالات الطارئة. ونلقنه هذه المعلومات.

ضحك الزوج وقال ساخراً:

-يا امرأة.. حتى الكمبيوتر يعجز عن الموازنة بين الدخل والإنفاق، لموظف مثلي وأسرة مثل أسرتنا. كم مرّة حاولنا ذلك بالورق والقلم وفشلنا!.

وتحت إلحاحها الشديد، وافق على طلبها. فكتبت كل المعلومات المطلوبة، وقالت له:

-أدخل هذه البيانات في الجهاز.. لعلّ وعسى.

هاله ما رآه من أرقام، فقال ساخراً:

-ربما نسيت شيئاً.. تذكّري.

قالت مستدركة: نعم.. نعم، أريد أن أضيف إليها...

قاطعها وهو يطوي الورقة ويضعها في جيبه:

 

- لا تضيفي شيئاً. هذا يكفي.

في اليوم الثاني.. سُمعت، في قسم الكمبيوتر، ضجة كبيرة، وصرير وأنين، ويقول بعضهم إنه سمع بكاء وعويلاً، تلاه انفجار عنيف ودخان كثيف، وألسنة نيران عجزت فرق الإطفاء عن إخمادها.

 

 

 

مقابلة

 

عبر شاشة التلفزيون، أطلّ بوجهه الصقيل، وخديه المتوردين وشعره المصفف بعناية.

على مكتبه أجهزة هاتف ملونة، وأقلام وصحف، وأوراق رتبت بدقة متناهية، فقد هيئ لهذه المقابلة منذ أيام... كُتبت الأسئلة والأجوبة، وعُدّلت أكثر من مرّة، حتى تكون مناسبة لتطور هذا العصر. واستبدلت بعض فقراتها، وأضيفت إليها عبارات فخمة رنانة.. تدّرب على نطقها وترديدها، منعاً لأي تلكؤ أو خطأ.

وبعد أن عرضت الشاشة بعض المنشآت وورشات العمل والآليات سلّطت عليه الضوء، وسألته المذيعة بصوت ناعم:

-بعد هذه الجولة السريعة.. وبعد أن شاهدنا الإنجازات الرائعة.. ليس بوسعنا سوى أن نثني على جهودكم الجبارة التي تُعدّ مفخرة، يحق لنا أن نعتز بها، كما يحق للأجيال القادمة أن تتغنى بعظمتها، ونريد أن تحدثونا عن المعوقات والصعوبات التي واجهتكم، وكيف تغلّبتم عليها؟!.

شدّ جسمه الممتلئ على الكرسي، وقال وهو يسرق نظرة إلى الورقة المكتوبة:

-اعتمدنا على جهودنا وخبراتنا وكفاءاتنا الذاتية.. عملنا أربعاً وعشرين ساعة في اليوم..

وأضاف مبتسماً: بل أكثر من أربع وعشرين... لأننا كنا نعمل بجهد مضاعف، وتفان وإخلاص. لقد تجاوزنا الخطة المقررة وأنجزنا مائة وخمسين بالمائة في المشروع الأول... ومائة وعشرين بالمائة في المشروع الثاني، و.... وحققنا وفراً في النفقات والمصاريف، والقطع الأجنبي، واستغنينا عن الخبرات الأجنبية وقد شملت الإنارة كافة الأحياء والبيوت.. أصلحنا الأعطال وتخلصنا من انقطاعات التيار التي......

في تلك اللحظة، غاب الصوت والصورة، وعمّ ظلام حالك، ولم يتابع المشاهدون بقية المقابلة.

 

 

 

استشارة

 

عندما خرج من عيادة الطبيب، أشار لأول سيارة عامة، وبصوت مختلج مخنوق قال لسائقها: خذني إلى البيت. وأعطاه العنوان.

زوجته التي قالت له قبل ساعة: اذهب واستشر طبيباً. فوجئت به يدق الباب، على غير عادته، ويستند إلى الجدار، ثم يجرّ قدميه بتثاقل، ويتهالك على أول كرسي. فسألته بهلع:

-ماذا قال الطبيب؟ ماذا جرى؟

لم يجب على سؤالها، بل قال:

-أريد ماءً. دعيني أتناول هذا الدواء، وأستلقي على ظهري، أنام على الأرض.. لا أريد السرير.. لا تضعي فراشاً سميكاً. هكذا يقول الطبيب.

 

قالت بدهشة: قبل قليل كنت مثل الحصان.. صحيح أنت تشكو من آلام ظهرية، تمتد أحياناً إلى ساقك وقدمك، أما أن يكون الأمر خطيراً إلى هذه الدرجة... فهذا مالا أتصوره. ماذا قال الطبيب؟

-قال.. يجب أن أنام على ظهري، دون حركة، شهراً أو أكثر.

تهاوت من أثر الصدمة، ولمعت في عينيها دموع ساخنة، وفي رأسها دارت فكرة مرعبة، وسؤال يقطر مرارةً وأسى: هل يعني هذا أنها ستفقد رجُلَها؟!.

الأصدقاء الذين هالهم الأمر.. نصحوه بزيارة طبيب آخر...

قالوا له.. استشارة واحدة لا تكفي، ورأيان أفضل من رأي واحد.

الطبيب بشر.. والبشر يخطئون.

حملوه في سيارة، وأدخلوه العيادة. وبعد الفحص والأسئلة ابتسم الطبيب وقال:

-من أشار عليك بهذا العلاج؟! هذا من قلّة الحركة... العضلات والأعصاب تفقد مرونتها.. عليك بالمشي والرياضة حيث يزول الألم تدريجياً، وخذ هذا الدواء.

عندما سمع كلمات الطبيب، شعر أنه أفضل حالاً.. استعاد الثقة والأمل، فعاد إلى بيته سيراً على قدميه، والابتسامة تعلو وجهه.

وللوقوف على حقيقة مرضه، استشار طبيباً آخر. فقال له:

-النوم على فراش من الإسفنج جيد. فالحرارة تشفي ألم المفاصل.. والعضلات تسترخي.. وخذ هذا الدواء.

طبيب رابع قال له: من أشار عليك بذلك؟ الإسفنج غير صحي أبداً.. يرفع الحرارة ويزيد الالتهاب.. النوم على الأرض مباشرة أفضل، ولو لم تكن مجرد هيكل عظمي يكسوه جلد لقلت لك لا تضع شيئاً تحتك بتاتاً. ارم الأدوية الأخرى فهي تضرك، وخذ هذا الدواء.

خرج من عيادته متسائلاً: ماذا يفعل؟ أي رأي يتبنى؟! وأي نصيحة يعمل بها؟!.

عاد إلى بيته.. نظر إلى الوصفات والصور الشعاعية، وعلب الأدوية التي تشغل حيزاً من غرفته.. تناولها بطرف أصابعه، ونظر إلى سلة النفايات.

 

 

 

رؤيا

 

بعد تردد طويل، كان يقف أمام بيته، ويدق بابه دقاتٍ خفيفة وجلة.

مرّت الثواني بطيئة ثـقيلة، قبل أن ينشق الباب عن رجل سمع عنه قصصاً وحكايا غريبة. ولما كان لا يريد لأحد أن يراه في موقف كهذا.. أخفى جانباً من وجهه بجريدة يحملها في يده.

راودته الفكرة منذ شهور، بل منذ سنين. إلا أنه كان يبعدها عن تفكيره، ساخراً منها وممن يعتقد بها. ولما بلغت قضيته حد الأزمة، وتطورت إلى مأساة أنهكت بدنه ونفسه اتخذ قراره وعزم على تنفيذه.

صاحب الدار، بثيابه الغريبة الفضفاضة، ولحيته البيضاء، ومسبحته الطويلة.. استنكر زيارته، وساوره الشك منها، لأن زّواره عادةً من عامة الناس.. من البسطاء والساذجين والنساء، ولهذا تردد قبل أن يدعوه للدخول.

وبلمح البصر، صار في باحة الدار.

دخلا غرفة متواضعة، لم تدخل الشمس إليها أبداً، ولم يتسرب إليها إلا نور ضعيف من نافذة صغيرة ضيقة في أعلى الجدار.

مفروشة ببساط قديم ووسائد رثّة.. ألوانها كالحة ورائحتها مزيج من العفونة والعرق البشري.. نفذت إلى أنفه، فشعر بالقرف والغثيان.

سأله بعد أن جلس أمامه: ما حاجتك؟

أجاب متردداً: هي رؤيا.. أقصها عليك، أريد لها تفسيراً.

قال بآلية: نسمعها. هات. تفضل.

وعلى طقطقات حبات المسبحة، قال:

-أرى نفسي أمام قصر كبير، خزائنه مليئة بالذهب والحلي والجواهر.. موائده عامرة بأصناف الطعام والشراب. على بابه حرّاس أشدّاء.. يرفعون سيوفهم وحرابهم في وجه من يحاول الاقتراب.. يطول انتظاري قبل أن يطل صاحب القصر ويلقي إلي بالفتات.. أحمله وأهرع إلى بيتي، لأطعم الزوجة والأولاد وإن كان لا يسد رمقهم ولا يشبع جوعهم.. لكن وحوش الأرض تطاردني فأهرب منها بعد أن تنتزع نصفه.. ثم أجد نفسي في بحر تتلاطم أمواجه.. تحاصرني الحيتان وأسماك القرش.. تخطف النصف الثاني ثم أغوص.. أغوص إلى الأعماق. أصرخ فلا يسمع صراخي أحد، أستغيث ولا من مجيب... أختنق، قبل أن أصحو من حلمي مذعوراً. لم تظهر علامات الدهشة على وجه الرجل، بل ابتسم وقال:

-هذه الرؤيا تتكرر دائماً.

-نعم..

-متى؟

-كل شهر.. أقصد.. في نهاية كل شهر.

-هل أنت متأكد من أنها رؤيا؟

-نعم.. كل التأكُّد-

صمت الرجل العجوز، ثم قال والابتسامة ما زالت على وجهه:

-يا صاحبي، ماذا أقول لك.؟! هذه ليست رؤيا. فابحث عن تفسيرها عند غيري.

 

 

 

تأبين

 

صعد إلى المنبر، وفي يده رزمة أوراق كبيرة. فسمعت في القاعة همهمات وتأففات تنم عن ضيق وضجر، ونظر بعض الحاضرين إلى ساعاتهم، وراهن آخرون على الزمن الذي تستغرقه كلمة التأبين التي سيلقيها على مسامعهم.

منذ أيام وهو يلف على آل الفقيد، وعلى القائمين على حفل التأبين، ويلح على أن تكون له كلمة في هذه المناسبة. فلا أحد، كما يدّعي، عرف الفقيد كما يعرفه، وما من أحد وَفَّاهُ حقه أكثر منه.

فَرَد أوراقه، ورسم على وجهه علامة حزن وأسى... ثم قال:

إننا نجتمع اليوم لتأبين رجل جليل، وصديق عزيز. نعم... كان المرحوم صديقاً لي... صداقتنا عمرها عقود من الزمن، فقد عرفته منذ أن كان يحاول أن يطرق باب الفكر والأدب والمسرح.

ولا أذيع سراً إذ أقول.. أنا احتضنته وشجعته يوم كان يشق طريقه بخطى متعثرة. كنت أقرأ ما يكتب، فأصحح له وأرشده إلى الصواب، وأشد على يده.

لقد كتبت عنه في دراساتي.. تلك الدراسات التي ملأت الصحف والمجلات.. وذكرتُ اسمه أكثر من مرة في كتبي التي أثارت اهتمام القرّاء والنقاد، وعقدت من أجلها حلقات وندوات.

هذه الكتب التي أكلت مالي وعمري وعافيتي. فإذا ادعى بعضكم جهله بما لي من فضل في ساحة الفكر والأدب، وما لجهدي من دور فاعل في رفد الحركة الثقافية، ودعم المفكرين والمبدعين فما عليه سوى الرجوع إلى مؤلفاتي التي انتشرت في المدن والأقطار، والتي تزين واجهات المكتبات و..... و......

تبادل الحاضرون نظرات الدهشة والاستنكار، وتحول الهمس إلى ضجة وضوضاء، وتساءلوا: هل يؤبن الفقيدَ أم يؤبن نفسه؟! وعلّق آخرون قائلين: هذه دعاوة وإعلان تجاري.. وتسلل بعضهم خارجاً من القاعة، وظل من بقي منهم مكرها.

لم يسمع كلمة مما يقولون، أو إنه تغاضى عنه. فقد سد أذنيه، واستمر بقراءة التأبين.

 

 

 

طلب أخير

 

أبناء القرية التي أطعمتهم وكستهم، وجعلت منهم شباباً ورجالاً.. عاقون، ناكرون للجميل. هجروها واحداً بعد الآخر. حتى الشيوخ منهم.. تركوا البيت والزوجة والأولاد. قالوا للأرض والزرع وداعاً وحشروا أنفسهم في السيارة التي تمر بالقرية كل صباح.. مَنْ لا يجد له مقعداً يصعد على ظهرها.. يغادرون القرية ولا يعودون إلا للزيارة.. نزيف بشري متواصل. انظر.. من بقي منهم.... لا أحد سوى الأطفال والنساء والعجائز.. وأنا وأنت.

هكذا يقول المختار لمن يلتقيه من المسنين والعاجزين من أبناء قريته.

ثم يضيف غاضباً:

-مصيبة، والله مصيبة. ولا عجب ألاّ يقول الناس عني، يا مختار، مختار على من؟! على الأطفال والنساء والعجائز والدواب والحجارة. يا للأسف!.

 

ثم يستطرد متحسراً:

-زمانك ولّى يا مختار.. لم يبقَ سوى أن تجالس النساء، وتلعب مع الصغار.

في الصباح الباكر كان المختار يقف على ناصية الطريق. وفي السيارة المغادرة تخلّى له أحدهم عن مقعده بجانب السائق... فتهالك عليه مكفهر الوجه مقطب الجبين.

سأله السائق مداعباً:

-أنت أيضاً يا مختار، تهجر القرية، وتلحق بالشباب إلى المشروع الجديد؟!.

رماه بنظرة غاضبة.. كتم غيظه ودمدم بكلمات غير مفهومة. فاستطرد السائق قائلاً:

-اعذرهم يا مختار.. الحق معهم، العمل في المشروع غير العمل في الأرض. ماذا يفعل الشباب في القرية، وقد جفت الينابيع، وشحّت السماء، وصارت الأمطار مثل دموع المسعودات؟! لقد عوّضهم هذا المشروع عما حرمتهم الطبيعة.. امتلأت بيوتهم بالأثاث والمؤونة، وكسيت عظامهم باللحم، وجرت الدماء في عروقهم، فاشتدّت زنودهم وتورّدت خدودهم.. تكاد لا تعرفهم حينما تراهم.

 

غرق المختار في صمته.. إنه يدرك كل ما قاله السائق ويفهمه، أما في رأسه فقد كان يدور حديث آخر.. سوف يقابل مدير المشروع، نعم، سيقابله حتى لو انتظر ساعات وأياماً ويقول له: إنه لا يقف ضد إنجاز حضاري كهذا، ولا يعترض عليه.

لن يقدم اتهامات أو ملاحظات.. فكل كلمة تحسب عليه. سيقول كلاماً منطقياً معقولاً، وهو يتقن فن الكلام والحوار والمحاكمة. يثني على المشروع وعلى العاملين فيه، ويثمّن عالياً فوائده وخيراته للبلد. ثم يرجو المدير أن يوقف تعيين أبناء قريته. لا لشيء، إلا لأن القرية تكاد تصبح أطلالاً مهجورة، ينعب فيها البوم، بعد أن نضبت قواها العاملة. وفي هذا ضرر على الاقتصاد لا يرضاه أحد.

هذا الكلام كله، وغيره، وأكثر منه. قاله للمدير عندما وقف أمامه. فابتسم المدير وقال:

-تِكرم يا مختار. أنت على حق. الأرض بحاجة لمن يعمل فيها أيضاً. سوف أرد كل طلب يردني من أبناء قريتك.

انفردت أسارير المختار وأشرقت ابتسامته، فخرج من مكتبه شاكراً مستبشراً متهللاً. وما هي إلا لحظة، حتى كان يدق الباب ويدخل إليه قائلاً بتردد:

-أستاذ.. طلب أخير، إذا سمحت..

-تفضّل يا مختار.

صمت المختار برهة.. أمسك لحيته البيضاء بأطراف أصابعه وقال بمسكنة واستجداء:

-عندك شغل.. لهالختيار.

 

 

تكريم

 

استقبل نبأ تكريمه بدمعة فرح، فاختلجت جوارحه، وتأججت عواطفه، وتلجلج لسانه قائلاً لزوجته بسعادة طفل:

-ألم أقل لك إن بلدي لا ينسى أبناءه أبداً. وأنا لم أخطئ، منذ ثلاث سنوات، عندما اتخذت قراراً بالعودة إلى مدينتي... كنت تقولين، بعد أن نلت شهرتي في الغربة، وبعد أن ترجمت مؤلفاتي، وكرّمتني جهات عدة: لا كرامة لنبي في بلده، فلماذا نعود؟!

صحيح أن التكريم تأخر عقوداً من الزمن، وصحيح أن أحداً لم يطرق بابي. ولم يسأل عني إنسان، منذ عودتي.. إلا أن هذا لا يعني أن بلدي وضعني على الرف وأهملني.

في يوم التكريم.. جاء يحمل على كاهله أعباء سبعين عاماً وسبعين كتاباً في الشعر والدراسة والنقد.. استقبلته لجنة التكريم، وقادته إلى الصالة الكبيرة.

كانت المقاعد الأمامية فارغة، ومع هذا قال له رئيس اللجنة: عندما همّ بالجلوس في الصف الأول:

-عفواً.. هذا للمسؤولين.

-لكنه فارغ..

أجاب مبتسماً: يأتون متأخرين، عادة.

انتقل إلى الصف الثاني. فسارع إلى القول:

-هذا محجوز أيضاً.. لرؤساء الأقسام.

سأله عن الثالث قبل أن يجلس، فأجابه:

-وهذا للمنظمات ولجنة التنظيم والإشراف. اجلس في الرابع.. هو والصفوف الأخرى للجمهور. خذ مكاناً قبل أن تمتلئ المقاعد.

قال له ذلك، وهرع إلى الباب لاستقبال ذوي المناصب، حينما أعلنت أبواق الدراجات النارية عن وصولهم.

بعد نصف ساعة من التأخير، رحّب عريف الحفل بالضيوف الذين شرّفوا الاحتفال بحضورهم... ذكر مناقبهم وصفاتهم، وعدد إنجازاتهم وشكرهم على تكرّمهم بالمجيء، مضحّين بوقتهم الثمين وراحتهم.

ثم أ شار بكلمة مختصرة -نظراً لضيق الوقت- إلى الكاتب الكبير الذي كان مهملاً حتى هذه اللحظة. فنظرت العيون في أرجاء الصالة باحثةً عنه دون أن تهتدي إليه.

في نهاية الحفل، وزعت الهدايا التذكارية.. فضية وبرونزية للمسؤولين الذين أقيم التكريم برعايتهم، ومالية لأعضاء اللجنة، شهادة تقدير ووردة ملفوفة بورق شفاف وشريط أحمر للكاتب الكبير.

ثم شكرهم عريف الحفل مرة أخرى، ودعاهم إلى قاعة الاستقبال، حيث تناولوا الحلوى والفواكه والمرطبات.

قبل أن يغادروا، سأل أحدهم:

-أين الكاتب الكبير؟ لا أراه بيننا.

-قال آخر: يبدو أنه خرج مع الجمهور.

أضاف ثالث: لقد نسيناه تماماً... كيف حصل هذا؟.

لم يبحث عنه ولم يتبعه أحد. بل اكتفوا بإعلان أسفهم لغيابه واحتفائهم بالضيوف الكبار.

في تلك الساعة.. كان الكاتب يقف على رصيف الشارع، يلف جسمه النحيل بمعطفه، اتقاء البرد والمطر... في حلقه غصّة، وفي ذهنه سؤال: هل كانوا يكرمونني حقاً؟! سبعون عاماً وسبعون كتاباً، وهذه الشهادة الورقية والوردة فقط!!.

لم يمتلك بيتاً أو سيارة، يعيش على راتبه التقاعدي، ويشدّ الحزام على بطنه الضامرة.

طوى الشهادة ودسّها في جيب معطفه... نزع الشريط الأحمر والورق الشفاف عن الوردة.. قرّبها من أنفه.. لا رائحة لها أبداً، فقد كانت وردة صناعية.

دير الزور- صيف عام 1997

 

 

رحلة

 

مع شروق  الشمس كنا نتجمّع أمام بوابة المدرسة، للقيام برحلة إلى تدمر وآثارها.. أربعون فتى من طلاب المرحلة الإعدادية، من جهات عدّة، ومن بيوت وأسر تتفاوت في الغنى والفقر. وقد  بدا هذا التباين واضحاً في ثيابنا وفي الطعام الذي تزوّد به كل منا، وفي مطرات الماء التي أكّد مشرف الرحلة عليها... فالطريق من دير الزور  إلى تدمر لم يكن حينذاك طريقاً معبّداً وسالكاً.... مجموعة من الدروب الترابية تتفرع وتتقارب وتتباعد وتنقطع أحياناً، رسمت معالمها قطعان الجمال والأغنام والسيارات القليلة التي  نادراً ما تمرّ بالبادية. وليس من قرية أو مزرعة وربما لانعثر على بئر أو غدير، فالأرض تعاني من انحباس المطر في ذلك الشتاء الذي يكاد أن ينقضي.

قلوبنا واجفة وأعصابنا مشدودة... السيارة لم تصل، وكذلك  المدير والمعلم المشرف على الرحلة. وقد فضّلنا البقاء في الشارع، رغم أن باب المدرسة كان مفتوحاً.

طال انتظارنا، فتسرّب القلق واليأس إلى نفوسنا، والنهار قصير، وكل دقيقة لها ثمن. ولم تنقشع الغمامة إلا عندما سمعنا هدير محرّك السيارة، التي لم تلبث أن توقفّت وترجّل منها المدير والمعلم.

لم تكن سيارة حديثة. منظرها لا يبعث على الطمأنينة والرضى، لكن المدير أعلن بلغة فصحى، بعد أن أمرنا بالصمت والهدوء:

-بصعوبة عثرنا عليها، بعد أن خرق سائق الأمس الاتفاق الذي كان بيننا وسافر إلى حلب... كل هذا لايهم... الرحلة قائمة وأتمنى أن تكون ممتعة ومفيدة.

صعدنا إلى السيارة، وتوزّعنا على مقاعدها. ومن لم يجد له مقعداً جلس فوق المحرّك أو ظلّ واقفاً في الممر.

قال المعلم: (دبروا حالكم) وتحملّوا قليلاً. تناوبوا على المقاعد في الطريق.. هذه رحلة ولا طعم لها إن كانت خالية من الصعوبات.

وقف إلى جوار السائق وأعطاه الأمر بالاقلاع، وتعهّد أن يكون دليله ومرشده، لأن السائق- يسلك هذا الطريق أول مرّة.

ماإن صرنا خارج المدينة، حتى لعلعت أصواتنا بالنشيد والغناء... ويشاركنا المعلم دائماً والمدير أحياناً. فتلاشت الحواجز وتقلّصت الفواصل بيننا، وبدا مختلفاً تماماً، وهو يمزح معنا، ويلقي على مسامعنا النكات والتعليقات الساخرة. ثم لايلبث أن ينظر أمامه ويشير إلى السائق موجهاً ومرشداً، إذ علّق في عنقه بوصلة، وحمل بيده مصوّراً يهتدي بهما كي لا نضيع في الفلاة الممتدة إلى مالانهاية.

مرّت ساعتان أو تزيد والسيارة تلهث على الطريق الترابي، وبدت كبعير متعب ينوء بأحمال ثقيلة. حَرَنَتْ مرّة أو مرتين فأضاف السائق ماءً إلى محركها، وتوقّفت مرات عندما كنا أمام مفترق طرق، أحدها  ينحرف  يميناً، والآخر يساراً، حيث ينظر المعلم إلى المصوّر والبوصلة، ويقول للسائق بعد تأمل وتفكير: خذ اليمين أو خذ اليسار، اسلك هذا الدرب أو ذاك.

كان المدير رجلاً كبيراً، يميل إلى الصمت والهدوء، يفضّل الجلوس وراء مكتبه ومسك الدفاتر والسجلات، وتدوين الصادر والوارد.. خوفُه علينا وشعوره بالمسؤولية حملاه على المشاركة في الرحلة.

انتصف النهار والسيارة مازالت تجوب البادية.. ارتسمت علامات القلق على وجه المعلم، وبدا الارتباك واضحاً في سلوكه، فتجهّم وجه المدير وقال بصوت يائس:

-يبدو أننا أضعنا الطريق، وإلا وصلنا منذ ساعتين على أكثر تقدير.

استجمع المعلم بعض الثقة وقال:

-لا... كيف!؟ أنا أعرف الطريق. ولكن... ربما سلكنا آخر أطول قليلاً.. على  أسوأ تقدير، ساعة أخرى ونصل.

البادية خالية تماماً.. لا شجرة ولاخيمة تبدو في الأفق.. لاشيء إلا بعض طيور القطا والنسور التي تحلّق في السماء. السيارة تلقلق بنا على الأرض الوعرة مثيرة وراءها سحابة من الغبار والدخان، وإحساس بالتعب والضعف يتغلغل إلى نفوسنا، وشيء من الحزن والندم يراودنا.

توقفت السيارة بأمر من المدير والمعلم. وقالا لنا:

-لاشك أنكم تشعرون بالجوع والتعب.. انزلوا... تناولوا طعامكم واستريحوا قليلاً قبل أن نتابع رحلتنا.

لم يكن هذا مقرراً في برنامجنا. كنا نودّ تناول الطعام في تدمر وبين آثارها. ولكننا بحاجة إلى الراحة. تفرقنا وبحثنا عن أماكن مستورة، وهذا دفعنا للتنقّل عشرات الأمتار، وقضاء وقت ليس بالقصير قبل أن نعود إلى مقاعدنا.

وفي السيارة، خيّم علينا صمت ثقيل... انطفأت بسمة الأمل، وظل في نفوسنا سؤال يلح باستمرار:

-هل نصل؟ ومتى؟ وكيف؟

ودعتنا الشمس وتوارت خلف التلال. خيّل إلي أنها اليوم اختصرت مسارها، ثم هوت فجأة واختفت.. الظلام يزحف والمعالم تتلاشى والسيارة بضوئها الخافت تتلمّس الطريق الذي يؤدي إلى أين... لا أدري.

قال المعلم: غير معقول. أنا أعرف الطريق.. سلكته مرّات مستعيناً بالمصور والبوصلة. فكيف حصل هذا؟!

نطق المدير بعد صمت:

-المعقول أن نكون الآن قد عدنا إلى بيوتنا. يا إلهي.. ماذا أقول لمديرية التربية؟ ماذا أقول لأولياء الطلاب؟ لاشك أنهم الآن ينتظرون عودة أبنائهم وقد أكل الخوف قلوبهم. ربما بلّغوا مدير التربية وربما وصل الخبر إلى الوزير.

تملكنا الخوف واليأس، وسمعنا الذئاب تعوي في البرية، أو هكذا خيّل إلينا، فتكورنا على مقاعدنا، واستسلم بعضنا إلى نوم قلق من شدّة التعب والإعياء.

كانت الليلة  ظلماء داكنة، وفي السماء تبعثرت نجوم يحاول المعلم أن يهتدي بها. أما مصابيح السيارة فقد أبت إلا أن تعاكسنا فتذوي كذبالة شمعة، أو تنطفئ أحياناً، فيعلو صوت المعلم محذّراً السائق: انتبه... حفرة.. احذر.. منحدر.. خذ اليمين، خذ اليسار...

همستُ في أذن رفيقي سائلاً: كم الساعة؟

أجاب: السابعة ليلاً.

قلت: أعرف أنها (ليلاً).

قال: يجب أن نكون الآن في بيوتنا. أليس كذلك؟

كتمت صرخة يأس في صدري، واستسلمت للقدر، وإن ظل في نفسي شيء من الأمل. تخيلت وجه أمي وأبي.. إخوتي الصغار وبيتنا المتواضع. شعرت أنني ابتعدت كثيراً عن منبع الدفء والحنان.. المعجزةُ وحدها يمكن أن تعيدني إليهم.

أصوات صاخبة ضجّت في السيارة فجأة، أيقظتني من شرودي. وقف التلاميذ يهتفون، وعلى وجوههم علامات البشر والسرور.

قفزت من مقعدي ونظرت...

ثمة في الأفق أضواء تناثرت كالنجوم. قال المعلم مبتهجاً:

-تلك هي تدمر.. تأخرنا في الوصول إليها.. المهم أننا وصلنا.

زوّدنا بتوجيهاته: نقضي الليلة في تدمر.. نبيت في أي مكان... في السيارة أو نقصد بعض معارفنا. وفي الصباح نزور الآثار ونعود إلى مدينتنا.

بقينا لاصقين بزجاج السيارة، والأضواء منارات ترشد السفن الضالة تومض حيناً وتختفي آخر... عندما نهبط في واد أو نقبل على مرتفع.

تقلّصت المسافة بيننا، اقتربنا كثيراً... بدت بعض المعالم.. يبدو أن المدن تتشابه.

ارتسمت علامات الحيرة والذهول على وجه معلمنا. وردّد مستنكراً:

ماهذا؟ أين نحن؟.

كانت المفاجأة كبيرة، عندما أعلن المدير: هذه دير الزور وليست تدمر... على أية حال.. الحمد لله على السلامة.

 

 

 

العقاب

 

اقتحمت المدرّسةُ المساعدة غرفة المدير، والشرر يتطاير من عينيها. تهذي بصوت متقطع مبحوح:

-إمّا أنا وإمّا هو... إما أنا وإما هو...

قفز المدير من وراء مكتبه هلعاً.. شمّر عن ساعديه، واستعد لملاقاة الخصم. فكل خصم لواحد من الهيئة التدريسية خصم له أيضاً. كيف لا وهو الذي اختارته المديرية وأولته ثقتها في تطبيق النظام وتحقيق الأهداف... وهاهي حرّة من بنات الخِدر، كَبُرَ عليها الضيم، فجاءت تستغيث وتستنجد.

سألها وقد احمرّت عيناه: من هو؟ وماذا فعل؟.

لم يسمع منها جواباً، بل ظلّت تردد كاسطوانة مشروخة: أنا أو هو، أنا... أو.. هو...

وتهاوت على الكرسي لاهثة.

اقترب  منها وقال:

-هدّئي من ثورة غضبك يا آنسة، وقولي.. ماحدث.

قالت وهي ترتجف:

-غبي.. هذه فهمناها. بليد... صفة ليست غريبة عنه وعن أمثاله. أما أن يكون وقحاً ويتطاول عليّ وأمام الطلاب، فهذا أمر لا يجوز السكوت عنه أبداً.

وأضافت موجهة حديثها للمدير:

-أنتم أفسدتم الطلاب يا أستاذ، باسم التربية الحديثة وأصول التدريس ومنع الضرب. هذه ليست لنا ولا لطلابنا، المذنب يجب أن يعاقب.. هذا هو العدل.

أحس المدير أن أمراً خطيراً قد حدث. وإلا فما بال هذه المدرّسة التي عرفها هادئة وقورة صبورة، تخرج عن طورها، وتثور ثائرتها، وتجعل من طالب صغير نداً لها!! فقال:

-من قال إني مع التربية الحديثة دائماً! اهدئي وثقي أنه سينال العقاب المناسب حتى يستقيم أمره ويعرف أن الله حق.

تلبّد وجهه واستدعاه، وحمل بيده اليمنى عصا غليظة، وباليسرى خرطوماً يستعمله أحياناً في معاقبة المخالفين والكسالى.

دخل الطالب رافع الرأس، غير آبه بالعيون التي تحاصره من كل جانب فقالت بغضب: هذا هو.. هذا هو. وهمّت أن تهجم عليه، فقال المدير لها: اهدئي ياآنسة.

أشار لها بيده، ثم صرخ به: تقدّم.. اقترب.

دنا بخطى هادئة، فتريث المدير ونظر إليه نظرة فاحصة. كان ممتلئ الجسم، يميل إلى السمنة، يكاد الدم أن يطفر من وجنتيه، ابن نعمة، أو ابن رجل حديث النعمة، كما يبدو من هيئته وثيابه.

وقبل أن يرفع العصا، سأله: مااسمك؟

جفل المدير، وتبدلت قسمات وجهه عندما لفظ الطالب اسمه وكنيته. ووقع في حيرة من أمره.

سمع نقرات خفيفة على الباب، ثم دخل طالب ثان، من عامة الطلاب الذين قذفتهم إليه الحارات الشعبية.. أرسلته معلمته لأنه نسي الوظيفة.

نقل المدير بصره بينهما، وقال بلطف للأول:

-انظر يابني. هل تعلم ماهي عقوبة من يخالف النظام؟

قلب الطالب شفتيه ولم ينطق بكلمة وكأن الأمر لايعنيه.

أضاف قائلاً:

-أصفعه هكذا.

وهوى بكفه على وجه الثاني الذي فوجئ بما لم يكن يتوقع.

-وهل تعرف عقوبة من يتطاول على الآنسة؟

-....

-أضربه بالعصا.. هكذا.

تلقى الثاني الضربة بيده، وقال باكياً:

-أستاذ... هو من تطاول وليس أنا.

صرخ المدير غاضباً: وتجرؤ على الرد ياكلب؟! خذ هذه، وهذه.

ضربه بالخرطوم والعصا، وصرخ به: أنت مطرود، ولن تدخل المدرسة إلا بعد أن يأتي ولي أمرك.

ثم التفت إلى الأول وقال له بلطف مشيراً إلى الثاني:

-هل رأيت؟! هذا جزاء المخالفين  والمتطاولين. والآن.. اعتذر من مدرّستك وعد إلى صفك.

  

 

 

أحلام صغيرة

 

عندما ضاقت به الدنيا، وأطبقت الهموم، وباتت لقمة العيش مطلباً عسير المنال، قرر أن يتخلى عن كبريائه وعزّة نفسه، وأن يتواضع قليلاً ويدق بابه.

قال محدثاً نفسه: هي فرصتي الأخيرة.. أقصده وأذكّره بصداقتنا القديمة.

ربما غبت عن ذاكرته بعد أن صارت صورته تظهر على الشاشة الصغيرة في بعض المناسبات، وتحتل- أحياناً- مساحة من الصحف. كم مرة ساعدته في حل مسألة أو كتابة موضوع وشرح قصيدة! وكم مرّة وقفت إلى جانبه في وجه الأشقياء ومنعت عنه الأذى!. كم.! وكم..! ماذا لو ردّ إلي بعض الجميل؟! أنا لا أطلب المستحيل.. وظيفة لائقة تتناسب والشهادة التي أحملها بتقدير جيد، والتي مازالت معلقة على الجدار وقد علاها الغبار.

وما إن قطع الشارع حتى توقّف قليلاً وفكر:

وظيفة لائقة.. ربما أحرجه بطلب كهذا. لتكن وظيفة عادية... موضع قدم، ثم أسعى لتعديل وضعي.. هكذا يفعلون دائماً، والخطوة الأولى هي الأهم.

لم ينتبه لسيارة مسرعة كادت أن تصدمه، ولم يأبه لصرير عجلاتها عندما توقفت، ولم يكترث لكلمات السائق النابية، بل قابله بابتسامة، ورفع يده محيياً ومعتذراً.

توقف مرة أخرى عندما اجتاز الشارع الثاني، ودار في خلده:

وظيفة بسيطة... أية وظيفة.. مراقب أو حارس.. أفضل من لاشيء وإن كانت لا تتناسب مع مؤهلاتي. لن أملي أية شروط، بل أقبل بما يُعرض علي.

اجتاز الشارع الثالث ووقف أمام المبنى الكبير.. ثمّة حراس وبنادق واستعلامات وجمهور غفير من مختلف الأعمال والمراتب. وعلى باب المكتب شاب ضخم الجثة، عابس الوجه، مقطّب الجبين. لايبتسم إلا لعليّة القوم من أصحاب النفوذ والتجار والسماسرة... ينحني لهم ويقول بلطف: تفضّل. هو صديق قديم، فلماذا ينتظر؟!

جمّدته صرخة غاضبة: إلى أين؟ هل هي فوضى؟!

تراجع مخذولاً وعيون الواقفين تجلده بنظرات شامتة. تناول بطاقة صغيرة وطلب منه راجياً أن يحملها إليه قائلاً بخجل: أنا صديقه، أقصد.. كنا صديقين.

في الساعة الثانية بدأ الموظفون يغادرون مكاتبهم، فسأل بتردد:

-ألم تعطه بطاقتي؟

-بلى.

وأضاف باستخفاف: وقرأها أيضاً.

-إذاً، دعني أدخل. أريد أن أراه.

-هذا غير ممكن.

-لماذا؟

-لأن سيادته غادر المكتب من الباب الآخر، منذ وقت طويل.

 

أضيفت في15/04/2005/ خاص القصة السورية

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية