الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

حكايات                         حكايات شعبية حمصية1 

أبو قرن

الأطفال الخمسة

نماذج من فرشات

الفرشة

تراجم الرواة

جمع الحكايات

مقدمة

لحكمة يريدها الله

الصياد والسلحفاة

 الزاغة

الأمير والمهرة

هيلوني

البنت القطة

الطير الأخضر

  سر المرأة

 الصديق الوفي

 الوصية

 الكسل

 طاعة الأم

النصيحة بجمل

عزرو والعصابة

 مثل الناس

 الملك والمهرج

 سالم وسليم

القط والفئران

 أحمق الناس

عشتك

الفران

  صحن الدبس

 الحطاب وبناته

 تفاح الجبل

قمع الرفوف

 الحجر

اللولو بأغصانو

الشاطر حسن

بقلم الكاتب: مصطفى محمد الصوفي

 

إهـــــداء

 

إلى من أعطتنا حياتها وقلبها وفكرها....

وهي تسرد لنا الحكايات الجميلة في ليالي الشتاء الباردة

فبثّت الدفء في عقولنا والحرارة في حياتنا والحنان في نفوسنا

لعلها تكون بادرة عرفان بالجميل ووفاء لذكراها ....

إلى كل جدّة قدمت حياتها لهذا الوطن، وخلّفت أجيالا تحبها وتحب الوطن

إلى جدتي الغالية....

أهدي هذا المشروع من تراث الأمة وأصالتها وهويتها ومستقبلها

 

مـقدمة

الحكاية الشعبية في التراث

 

الحكاية الشعبية من أهم جوانب الأدب الشعبي في تراثنا القومي الذي يصور بدقة واقع حياة الشعب من عادات وأعراف وعقائد وفنون. ذلك الموروث التراثي الذي نتعرف من  خلاله على طباع ونفسية وصفات حياة أفراد المجتمع وأخلاقهم ومعاناتهم، وتصور جوانب حياة الناس اليومية الثقافية والسلوكية، والموروثات الشعبية تشمل  الحكايات الشفاهية، والأمثال، وتقاليد الأفراح والأحزان، والأعياد والأغاني، والأهازيج، والعدّاويات، والدبكات، والزي الشعبي، والمسكن والعادات والمعتقدات وغيرها ممّا ورثته الأجيال بعضها عن بعض على مر التاريخ حتى وصلتنا كما نعرفها حالياً، فالتراث يمثل كل المأثورات والخصائص التي تشكل الشخصية القومية الوطنية للإنسان العربي في حقبة ما من تاريخ الأمة.

وتشير الدراسات إلى أن الموروثات الشعبية ذات أصول قديمة وجذور موغلة في التاريخ، يعود تاريخها إلى آلاف السنين، لكنها تعرضت للتغيير والتبديل والحذف والإضافات لتتناسب مع التطورات الاجتماعية والثقافية والدينية والبيئية، فحافظ الناس على ما يناسبهم وتركوا ما لا يلائمهم وأضافوا إليها من ثقافتهم المعاصرة ما يريدون .

في الوقت الحاضر نجد أن معظم الصور والمظاهر التراثية بدأت تتلاشى وتندثر مع الزمن، وتوقف العمل بها منذ أكثر من ربع قرن نتيجة التطور الاجتماعي والثقافي والحضاري والتقني الهائل، في الحياة الاجتماعية، وظهور وسائل الإعلام الحديثة من تلفاز وإذاعة، وصحف وكتب واتصالات، عملت جميعها بقوة على إزاحة الموروثات الشعبية والمظاهر التراثية، عن مكانتها فأهملها الناس وتخلوا عنها، وانتفت الحاجة لممارستها والاستمرار فيها.

فالأولاد لم يعودوا يتحلقون حول الجدّة، لتروي لهم حكاياتها الجميلة الساحرة بعد أن حلّت ( الشاشة الصغيرة ) محل الجدّة كجدّة حديثة متطورة، بالإضافة إلى كتب ومجلات الأطفال الأدبية التي أصبحت أكثر ملائمة لعقلية الطفل، وثقافته ونفسيته وطموحه، كما أن عادات وتقاليد الأعراس والمناسبات لم يعد بالإمكان ممارستها، والعمل بها بعد التطورات الاجتماعية، والاقتصادية في الريف والمدينة من زحمة العمل، وضيق الوقت والمسكن والساحات، وانصراف الناس إلى اهتمامات أخرى معاصرة، كل هذا أدّى إلى إلغاء مظاهر الأعراس الشعبية، والاحتفالات العامة للناس، وحلّ محلّها الحفلات في الصالات المغلقة المزدحمة والألحان الصاخبة، والرقص الفردي لعدّة ساعات، ثم تنتهي الحفلة بأن تسير قافلة العرس إلى الفندق أو بيت العروسين وانتهى الأمر.

أما أطفال " الحارة " فلم يعد بإمكانهم ممارسة ألعابهم الشعبية القديمة التي تحتاج إلى ساحة واسعة، وبيئة طبيعية مناسبة، فحلّت محلهّا الألعاب الرياضية والملاعب والأندية.

كما أن انتشار العلم والوعي غيّر كثيراً من مفاهيم وقيم، ومعتقدات الناس فابتعدوا عن العمل بالسحر والرقي والكتابة والحجب، والعلاج بالوسائل القديمة واندثار صور الجن والغيلان والوحوش الخرافية من الخيال والذاكرة الشعبية، لتتحول عقلية الناس نحو العلمية والواقعية والمادية الملموسة ...

ومهما كنا متفائلين فالحقيقة أن عصر التراث الشعبي قد احتُضر وانتهى، ولم يعد يهتم أحد به سوى الدارسين والباحثين، الذين يعملون جهدهم لجمعه من ذاكرة الجيل القديم، أو ما بقي عالقاً منه في أذهانهم، ويقومون بتسجيله وتوثيقه وتحليله، وربع قرن آخر من الزمن كاف لأن يتلاشى ويختفي نهائياً من الذاكرة، إمّا بالموت أو الخرف أو ضعف الذاكرة .

وكما توقف عصر العمل بالتراث الشعبي وممارسته، توقف أيضاً عصر ابتداع الفلكلور الشعبي، فالإبداع مرتبط بالخيال الذي يستمد مادته من الأساطير، والصور الغريبة والشخصيات الخرافية، والشعور بالعجز عن الفهم، وتحقيق الطموح والغايات الحياتية الصعبة، فالخيال الشعبي كبلته القيود الهائلة من الإنجازات العلمية، والحقائق الكونية والاكتشافات الطبيعية والأدوات التقنية المتطورة، فلم يعد الإنسان الحالي بحاجة للتفكير بالغيبيات والمعجزات، والحلم ببساط الريح والفانوس السحري وطاقية الإخفاء وغيرها، وهو يرى أمام عينه الطائرة والسيارة والتلفزيون، والمراكب الفضائية، والطب الحديث الذي كشف معظم الحقائق المستورة وهتك ستر العتمة، وكشف عجز القوى الخرافية أمام الأسلحة المتطورة والقنابل الذرية، وبعد أن فضح كذبة حورية البحر وجمال ست الحسن وشاعرية القمر، فسحب من تحت الخيال الشعبي بساط التحليق، والانفعالات والعواطف وسلاح الرومانسية والإثارة والرغبة والحب.

كتب ماسبيرو في كتابه ( أغاني شعبية مصرية ) يقول: ( إن مصر تطورت بسرعة وأن كثيراً مما رآه في زيارته الأولى، وما سمعه قد اختفى وانقرض أو في طريقه إلى الانقراض فلا بد من الإسراع في جمعها وتسجيلها ...)، وهذه الدعوة إلى جمع التراث وتسجيله تكتسب أهمية قصوى لدينا من اعتبارات قومية أساسية يتحمل مسؤوليتها مفكرو ومثقفو الأمة، لجمع وتسجيل الأدب الشعبي الشفاهي الذي مازال متداولاً بين الناس بالحد الأدنى والمحدود، من أجل الحفاظ على تراث الأمة وهويتها وأصالتها ...

 

 

 

أسس جمع الحكايات

 

عندما كانت الجدة تفرغ ذاكرتها لنا، بطريقة ( كان يا ما كان في قديم الزمان ) لم نكن نملك وسائل تسجيل{ كاسيت }، ولا القدرة أو الرغبة في كتابة الحكاية وحفظها، وكان كل همنا الاستماع وترقب نهاية الحكاية، وعندما جاء الوقت وشعرنا بضرورة تسجيل هذا التراث الشعبي الجميل، وحفظه للأجيال القادمة قبل أن يندثر ويطويه النسيان، بحثنا عن الجدة فوجدناها قد ماتت رحمها الله، وأصبحت عظامها مكاحلاً أو رأينا للأسف الجدات الباقيات لم يعد بإمكانهم الحكي، أو خرفت ذاكراتهن وشاخت وانطمست فيها معالم الحكاية، ففقدنا بهذا مصدراً أساسيا وهاماً للحكاية الشعبية.

كان الأمر مخيفا ًفعلا ًوكان لابد من العمل بجهد وبسرعة، لتدارك هذا الإهمال الخطير الذي وقعنا فيه، ولم يعد أمامي سوى الجيل الثاني الذي سمع الحكاية في الماضي، وسماع ما حفظه منها أو ما علق بذاكرته من الحكايات، وكانت المهمة صعبة والعقبات كثيرة، منها أن ذاكرة الجيل الثاني تحفظ حكايات مشوشة، أو مبتورة أو مخلوطة بحكايات ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، أو حكايات القصص الأدبية الحديثة للأطفال، فكان لابد من بذل جهد كبير لغربلة الحكايات، وفرز الأصيل منها عن الدخيل، وحذف الإضافات، أمّا العقبة الثانية فكانت تتمثل في أن معظم حفظة الحكايات من النساء، وهذا يحتاج إلى ظروف مناسبة للاجتماع معهن عدة مرات، ولفترات طويلة لإفراغ جعبتهن كاملة، وهذا يكاد يكون شبه مستحيل إن لم تكن النساء من القريبات أو المعارف المقربة .

والصعوبة الكبرى كانت توثيق الحكاية، ونسخها فاستخدام آلة التسجيل أمر مربك للقاص، أو مرفوض على الأغلب لاعتبارات نفسية واجتماعية، ومتابعة الراوي بالكتابة أيضاً شبه مستحيل، فكان الحل الوحيد هو سماع الحكاية من القاص شفهيا،ً ثم كتابتها بعد ذلك من الذاكرة مع ما يطرأ على الحكاية من تغيير، وتبديل في بعض الكلمات والألفاظ، أو نسيان بعض التفصيلات الصغيرة، وعندما يتعذر الاجتماع مع راوية الحكاية أطلب منها كتابتها بلغتها، ثمّ إعادة دراستها وتنقيحها وكتابتها من جديد

كان لابد من العمل رغم كل العقبات والصعوبات، وبذل الجهد المتواصل مع التغاضي عن بعض السلبيات، والمثابرة والصبر في سبيل الهدف الكبير، وهو إنجاز مشروع جمع الحكاية الشعبية وتوثيقها وحفظها، وصيانة تراث هذه الأمة وإبراز معالم ثقافتها وتاريخها.

وقد توخيت في عملية جمع الحكايات الشعبية الاعتبارات التالية :

أولا: الاقتصار فقط على الحكاية الشعبية الأصيلة، وحذف الإضافات المستحدثة والطارئة على الحكاية بفعل الوعي الثقافي والمعرفي المعاصر للفئات الشعبية .

ثانيا: استبعدت أية حكاية مستمدّة من التراث الشعبي المكتوب، خاصة من ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، والقصص الدينية التي لها أصول في السيرة النبوية، وكتب التاريخ والأخبار الإسرائيلية القديمة التي تأثر بها الفكر الشعبي، وتحتوي على الكثير من الغرائب أو المخالفات للعقيدة الإسلامية، وهي تعد دخيلة على الحكاية الشعبية الأصلية  .

ثالثاً: كتبت الحكايات بلغة فصيحة مبسطة قدر الإمكان، أو بلغة قريبة إلى العامية، للحفاظ على روح الحكاية وبيئتها وجوّها النفسي، لذلك أبقيت على بعض الكلمات والجمل والألفاظ كما روتها الجدّة تماماً، ورأيت من المفيد جداً للباحثين عرض قسم مهم من الحكايات بلغتها العامية الأصلية بوصفها نموذجاً .

رابعاً: حذفت بعض الكلمات البذيئة التي وردت في بعض الحكايات، لأنها تخدش الذوق العام وتسيء إلى الأخلاق وهي غير صالحة للنشر، ولا يفيد إيرادها في النص الحكاية لا شكلاً ولا مضموناً، وربما استبدلتها بكلمات أرفع مستوىً، كما حذفت  بعض الأحداث والأفكار التي تتعارض مع أخلاق مجتمعنا العربي المسلم وقيمه الدينية ومعتقداته وأعرافه الأصيلة .     

خامساً: اتبعت في التبويب وترتيب الحكايات المضمون، وبدأت بحكايات بسيطة سهلة تناسب الأطفال، شخصيات أبطالها غالباً من الحيوانات، وتحمل قيماً تربوية وأخلاقية مفيدة وصالحة، والفئة الأخرى تتميز بأحداثها القوية والمثيرة والمخيفة والعنف، وتعتمد أساليب السحر والخرافات والغرائب وهي تناسب الكبار من الشباب والأولاد .

سادسا: أكثر الحكايات ليس لها اسم أو عنوان، وكان كل راوي يضع لها عنواناً مختلفاً عن الآخر، فاخترت لها اسما يناسب أحداثها، أو أسماء شخصياتها، لتمييزها عن باقي الحكايات .

كانت بداية مشروع جمع الحكايات الشعبية من مدينة حمص وريفها منذ عام 1995، وما أقدمه في هذا الكتاب هو جهد أعوام متواصلة ومضنية، لكن المشروع يستحق هذا العناء من أجل إنجاز هذه المهمة القومية للحفاظ على تراث الأمة وهويتها ووجهها الأصيل ...

 

 

تراجم رواة الحكايات

 

ـ كرجية رسلان:

مواليد كفرعايا 1913 م ـ توفيت : 1989م

وهي جدّة المؤلف ولدت في قرية كفرعايا وتزوجت وعاشت في بابا عمرو، أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة كانت الراوية الأساسية والمشهورة للحكاية الشعبية في بابا عمرو، ومن أهم النساء اللاتي كن يحكين الحكايات الشعبية للأطفال في أيام الشتاء، وأخذ عنها معظم النساء الحكايات، وبقيت  تحكي لي حتى أواخر السبعينات حيث توقفت بسبب تحول اهتمام الأطفال عن سماع الحكايات، وقد سمعت منها شخصياً في مرحلة الطفولة أغلب الحكايات الواردة في الكتاب.

ـ نزهة الصوفي :

مواليد حمص  1930 م توفيت عام 1997

أم المؤلف الراوية الثانية عن كرجية رسلان، أمية لا تعرف القراءة والكتابة عاشت مع حماتها في بيت واحد وسمعت منها الحكايات، وكانت تساعدها في روايتها وتحل مكانها عند غيابها

ـ وردة الشيشكلي :        مواليد حماه  1933

ـ عبد الرحيم العمر:       مواليد حمص 1948 م

ـ خضير القاسم :          مواليد حمص ـ جديدة 1938

ـ عبد الكريم إسماعيل :    1948 حمص

ـ أمين صطوف :          البويضة جنوب حمص  1936

ـ فرحان العموري :        سكرة شرقي حمص 1948

ـ حيان شبان :             مواليد حمص 1951

ـ أم مريم :                مواليد حمص  1947

 

 

 

الفرشة أو استهلال الحكاية

 

لكل حكاية مقدمة أو فرشة كما يقولون تهدف إلى لفت الانتباه وإثارة المستمع وتهيئته لتلقي الحكاية

وهذه المقدمة تختلف من بلد  إلى  آخر ومن فئة إلى أخرى، المقدمة الحمصية تستهل الحكاية غالباً على النحو التالي: " كان يا مكان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان نحكي وإلاّ ننام، وإلاّ نصلي على النبي العدنان. . . كان في بزمانو  ... "

وهي مقدّمة تحمل معان كثيرة، يتم إيصالها إلى ذهن المستمع، فأحداث الحكاية الشعبية حدثت في الماضي القديم في زمان ومكان ما دون تحديد، لا نعرف تاريخ البداية بالتحديد، وإذا كان هذا وقت الاختيار بين الحكي والنوم، فإن المستمع يقرّر أو قد قرّر سلفاً أن الوقت هو وقت القص وبداية السهرة الممتعة، وأن وقت النوم لم يحن بعد، فيهيئ نفسه وتتشكّل جلسة السمر كالعادة بالتحلّق حول العجوز، ويستنفر حواسّه جميعها لمتابعة الحكاية المثيرة، وأحداثها الغريبة.

بعد أن تصل العجوز إلى هذه النقطة من المقدمة تتوقف وتصمت قليلاً، لتفسح للأولاد فرصة كي يقرّروا بأنفسهم ماذا يريدون، الحكي أو النوم، فيصرخون بصوت واحد: ( نحكي يا ستي ... نحكي ). تبتسم الجدة ابتسامةً حلوة، و تشعر بالزهو والخيلاء وهي تشهد عزيمة الأطفال، وإصرارهم على أن يسمعوا منها الحكاية، فتبدأ الحكاية بصوت جهوري وثقة بالنفس:( كان في بزمانو ..)، وهذا استهلال ثان للحكاية للدخول في صلب الموضوع، وبعضهم يختصر المقدمة الأولى، ويبدأ مباشرةً بالاستهلال الثاني المباشر ( كان فيه بزمانو )، وهذا غالباً أسلوب الرجال وليس النساء، فالرجال لا يحبذون المقدمات الطويلة، ويدخلون في موضوع الحكاية مباشرة، ومنهم يبدأ بمقدمة أقصر مثل: ( كان يا ما كان يا سادة يا كرام، كان في ...) أو( كان في قديم الزمان...) وهذه أيضاً يتميز بها الرجال عن النساء. ثم يبدأ القص.

لابد للحكاية الشعبية من مقدمة، واستهلال، كبيرة كانت أو صغيرة، ونادراً ما تسمع حكاية دون مقدمة، لأن القاص يشعر بأن الحكاية تكون ناقصة دون مقدمة.

أمّا فرشة الحكاية، فهي مقدمة طويلة للحكاية أو حكاية من نوع آخر، لا يتقنها سوى القليل من العجائز الجدّات، والفرشة التي تختص بها العجائز، عبارة عن أهزوجة شعبية، أو زجل، أو أقصوصة، أو حكمة، أو حزورة، غايتها الإثارة، وشدّ الانتباه، وتلطيف الأجواء، أو إضفاء المرح والنكتة على السهرة وجلسة السمر.

 

 

نماذج مـن فرشـات الحـكاية

 

 

1المـقص

 

يطلب الأولاد من الجدّة حكاية بقولهم: ( احكيلنا حكاية)

فتبتسم الجدّة وتقول: " احكيلكم على المقص ؟ " فيجيب الأطفال فرحين : نعم.

فتقول: " كلمتين وبس". وتسكت

يحتجّ الأطفال ويسود جو من المرح والزعل وعدم الرضى بين الأطفال الذين يصرون على الجدّة أن تحكي لهم حكاية أطول.

 

2شـقارق بقارق

 

ومن أجمل الفرشات التي سمعناها من العجائز أيضاً تلك التي تعتمد على المفارقات، وعكس الأمور مما يعطيها نكهة مميزة. تقول :

(عن شقارق عن بقارق، عن حدّادين العبي، عن خياطين المعالق، الكذب عمري ما عرفتو، والصدق ملح الرجال، طلعت مشوار، لقيت بطريقي برغوت قد الأرنبو، مسكتو، شدّيت عليه الجلال وركبتو، خضت فيه البحر، طلع لعند ركبتو. قعدت قبل الصبح، والدنيا نهار، دخلت الإسطبل، لحط الجحش للتبن، سمعت صوت، طلعت عليه، لقيت المزابل عما تنبح على الكلاب، وشفت حيط راكب على حرامي، لحقتو حتى مسكتو، لاحني ولحتو، من كتر عزمي إجيت تحتو، شوفوا رقبتي صارت حمرا من كتر ماضربتو ) .

 

3كـت كـتيتان

 

( إجا كت كتيتان، نط وبال بالدكان، مسّح بكبكوبة خيطان.

راح لعند أم عباس، قاللها: خيطيلي الباس، قالتلو: ما بخيطلك حتى تشبّ الفارا على الرف، وتجيبلي بكرة خيطان.

راح لعند الفارة، قاللا: يا فارة مشببك ... مشببك ؟. قالتلو: مشببني ... مشببني ؟ ما بدي القط بياكلني.

راح لعند القط قاللو: ياقط، مأكلك...ما أكلك ؟. قاللا: مأكلني ...ما أكلني ؟ ما بدّي بخاف العصاي تضربني.

راح لعند العصاي، قاللا: يا عصاي مضربك...مضربك ؟. قالتلو: مضربني...مضربني ؟ مابدي بخاف من النار تحرقني.

راح لعند النار، قاللا: يا نار محرقك... محرقك ؟. قالتلو: محرقني...محرقني ؟ ما بدي بخاف من المي تطفيني.

راح لعند المي قاللا: يا مي مطفاك...مطفاك ؟. قالتلو: مطفاني...مطفاني ؟ ما بدي بيجي الجاموس بيحرني.

راح لعند الجاموس قاللو: يا جاموس محررك...محررك ؟. قاللو: محررني...محررني ؟ ما بدي بخاف من السكين تدبحني.

راح لعند السكين، قاللا: يا سكين مدبحك ... مدبحك ؟. قالتلو: مدبحني ... مدبحني ما بدي بخاف من الحدّاد يطرقني.

راح لعند الحدّاد قاللو: يا حدّاد، مطرقك ... مطرقك ؟. رد عليه الحدّاد: مطرقني ... مطرقني هادا عملي، والله خلقك وخلقني).

 

 4أبو عـدوس وأم عـدوس

 

كان في أبو عدوس وأم عدوس، أبو عدوس طلع عالبريي ليفلح، مر بياع الخواتم والأساور لعند أم عدوس، اشترت منو خواتم وأساور وأعطتو حقن برغلات الموني...

رجع أبو عدوس من الفلاحة، حطي الأكل يا أم عدوس، ردت عليه أم عدوس: ويلي ما في شي غير خش خش خش. أبو عدوس ضرب أم عدوس. أم عدوس تركت البيت وراحت قعدت عالمزبلي زعلاني.

مرت من جنبا بسّي وصارت تنوي، قالتلا أم عدوس: بعتك أبو عدوس والله ما بدوس.

مرت من جنبا جاجي وصارت تبحش وتقاقي، قالتلا أم عدوس: بعتك أبو عدوس والله ما بدوس.

بعد شوي مر من جنبها جمل عليه حمل تين وحمل زبيب، فرحت أم عدوس وقالت: بعتك أبو عدوس والله هلّق بدوس.

جرّت الجمل ورجعت لعند أبو عدوس. قالتلو: لكن يا أبو عدوس هيك برضى وبدوس. قام أبو عدوس نزّل حمل التين وحمل الزبيب ودبح الجمل وعمل منو كبيّ، وصار عندن كبّي كتير حمل أبو عدوس الكبّي وطلع عا السطح وصار يرميها على الناس في الشارع.

مر صاحب الجمل وسأل أم عدوس: كنا شافت جمل عليه حمل تين وحمل زبيب ؟ قالتلو: نعم لقاه أبو عدوس ودبحو. سألا الرجل امتى صار هالحكي ؟ قالت أم عدوس: لما صارت السما تشتي كبّي.

راح هرب صاحب الجمل وهو عما يصيح: ياهو يا ناس تعو شوفو اللي علّقني بعجوز خرفاني وما فيا عقل, إمتى الدنيا بتشتي كبّي ؟.

 

5 القطـة البيضا والكـلب

 

كان في قطا بيضا صغيري ، بتمشي بالطريق بغندري في ليلة مقمري. شافت قدامها درخوش  .

مدت ايدها فيه طلعت محنّايي، اطلّعت على السما رجعت عيونها مكحلي.

مرّت على بيت السلطان، لبسوها بدلي كتّان.

مرت على بيت الوزير, لبسوها توب حرير.

مرّت على بيت القاضي، لبسوها قلادي.

رجعت عاالبيت متل العروس.

لاقاها بالطريق كلب أسود رذيل، إجا بدو يشلّحها ثيابها وقلادتها.

قالتلو: عميل مثل ما عملت، بتنال متل ما نلت .

طمع الكلب وراح عالدرخوش، مدْ ايدو طلعت مقطوعة، اطلّع عالسما رجع أعمى.

مر على بيت السلطان، ضربوه بالقضبان.

مر على بيت الوزير، ضربوه بالجنازير.

مر على بيت القاضي، مسكوه ورموه بالوادي .

 

6 المـرا القصـيري

 

كان في مرا قصيري، عندا دار صغيري. كنّستها، ونضفتا، ورشّتا كويّس، لقت فيها فليس، اشترت فيه صحن دبيّس، حطتو على الرف.

إجت دباني هدّت عليه ، قالتلا: كش، ردت عليا: ما بكش. قالتلا: كش. ردت عليا: ما بكش. قالتلا: كش. ردّت عليا: ما بكش.

راحت اشتكت عليها للقاضي. فكّر القاضي وقالا للمرا: وين ما شفتي دباني، اضربيها بالشحّاط واقتليها وحقها علي.

ما خلّص القاضي كلامو حتى وقفت دباني على دقنو، قامت المرا شلحت الشحّاط وضربتها

صرخ القاضي: أخ ليش هيك عملتي ؟ . ردّت عليه: ما أنتي قلتلي .

ـــــ

رصدت عدداً قليلاً من هذه المقدمات والفرشات، بسبب تلاشيها وموت الجدّات أصحاب الحكاية الأصلية، ونسيان أغلبها من قبل حفظة الحكايات من الجيل الثاني.

هذه نماذج من المقدمات والفرشات التي تستهل الجدّة بها حكايتها الجميلة، تعبّر عن وعي الذاكرة الشعبية لضرورتها، وتدل على الإبداع في الأدب الشعبي المميز وطبيعة الثقافة السائدة والأجواء النفسية الخاصة لعامة الشعب.

وكما تختلف مقدمة الحكاية من الرجل إلى المرأة، فإن اللغة والألفاظ المرافقة للقص أيضاً تختلف بينهما. فالمرأة تستخدم ألفاظ معينة في القص مثل: ( يا عيني ، يا بعد روحي ، تقبرني ، يا ويلي ، يا خطيتو ، المعتّر.. . الخ ) وهي ألفاظ لا يستعملها الرجال عادةً.

لذلك كُتبت الحكاية الشعبية بألفاظها الأصلية، وروحها وبيئتها الخاصة، يستطيع المستمع أو الدارس أن يميزّ بين الراوي المرأة والراوي الرجل في الحكاية.

 

الحـكايات الشـعبية

 

الأطـفال الخمسـة والذئب

 

الراوي: عبد الرحيم العمر

كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان امرأة ولديها خمسة أطفال، يسكنون في غرفة صغيرة على أطراف القرية ولها باب خشبي صغير، كانت أمهم تعمل وتقدم لهم الطعام، وفي كل مرّة كانت عندما تخرج من البيت تحذرهم من أن يفتحوا الباب لغريب مهما كان السبب، وأن ينتظروا حتى يسمعوا صوتها ويتأكدوا منها فيفتحوا لها الباب.

في أحد الأيام خرجت في الصباح للعمل، طلبت منهم أن يغلقوا الباب ( البجّار الخشبي )، وأن لا يفتحوا لأحد وذهبت لعملها مطمئنة. بعد ساعة من الزمن جاء ذئب متوحش ضخم، طرق الباب وقال:

ـ افتحوا يا أولاد الباب أنا أمكم.

انتبه الأطفال إلى صوت الذئب الخشن، فقالوا له:

ـ أنت لست أمنا لأن صوت أمنا ناعم وأنت صوتك خشن .

اغتاظ الذئب وذهب فغاب ساعة من الزمن، وأكل كمية من السكر البلوري ليصبح صوته ناعماً ثم عاد إلى البيت، وطرق الباب وطلب بصوت ناعم من الأولاد أن يفتحوا الباب. سمع الأولاد صوتاً مشابهاً لصوت أمهم لكنهم أرادوا التأكد من ذلك، فنظروا من ثقب الباب فرأوا ذيل الذئب الطويل يلوح خلفه، فقالوا له: أنت لست أمنا، أنت لك ذيل وأمنا ليس لها ذيل.

غضب الذئب كثيراً من نباهة الأولاد، وذهب إلى جحره ولفّ ذيله تحت ثيابه، وأكل بعض السكر وعاد إلى بيت الأولاد وطرق الباب، سمع الأطفال صوته ونظروا من ثقب الباب، فلم يروا الذيل ولكن شاهدوا قدمي الذئب ومخالبه فعرفوه، فقالوا له:

ـ إن قدمي أمنا بيضاوان وأنت قدماك سوداوان.

اغتاظ الذئب وكاد ينفجر قهراً من هؤلاء الشياطين، الذين لم يستطع حتى الآن أن يخدعهم، وذهب مسرعاً إلى الطاحون ومسح رجليه بالطحين فأصبح لونهما أبيض، وأكل بعض السكر البلوري وعاد فطلب من الأطفال بصوت ناعم فتح الباب، فنظر الأطفال فلم يروا ذيل الذئب، ورأوا  لون قدميه بيضاوين كالثلج، وكان صوته ناعماً، فانخدعوا فيه وفتحوا له الباب، فهجم عليهم والتهمهم واحداً واحداً ماعدا الصغيرين فقد اختبأا تحت القفة، فلم يرهما الذئب.

عادت الأم فلم تجد أطفالها فأخذت تصرخ عليهم، وتناديهم، فخرج عليها الصغيران من تحت القفّة، وقصّوا عليها ما حدث، غضبت كثيراً وخرجت تبحث عن الذئب، وأخذت معها سكيناً وإبرة وبكرة خيطان، وبعد جهد كبير وجدته أخيراً في مغارة قرب البئر، وهو مستغرق في نومه فهجمت عليه وشقّت بطنه بالسكين، وأخرجت أطفالها، ثم وضعت بدلاً منهم بعض الأحجار، وخاطت له بطنه من جديد، وتركته وعادت بالأطفال إلى البيت، استيقظ الذئب بعد قليل وهو يشعر بالعطش الشديد، فخرج يجرّ نفسه بصعوبة نحو البئر بسبب ثقل الحجار في بطنه، وعندما وصل حافة البئر وأراد أن يتدلى فيه ليشرب منه سقط في الماء وأغرقته الأحجار ومات وارتاح الأطفال من شرّه .

 

أبو قـرن وقـرنين

 

الراوية:  نزهة الصوفي

كان في أيام زمان رجل وزوجته، وعندهما بنت وحيدة وهم في عيشة مبسوطة. في يوم من الأيام جاءت أختها وطلبت منها البنت لتنام عندها هذه الليلة حتى تؤنسها لأن زوجها مسافر، فوافقت الأم وأوصتها بها خيراً، ذهبت معها الفتاة إلى البيت في الطرف الآخر من الغابة، وسهرا تلك الليلة حتى منتصف الليل ثم نامتا .

لكن الزوج عاد فجأة قبل الصباح، فانزعج من وجود الفتاة في البيت، وطلب منها أن تعود إلى بيت أهلها، فأخذت الفتاة تبكي ورجته أن يتركها عندهم حتى الصباح، فرفض ذلك بحجة أنه لا يوجد عندهم مكان يتّسع لتنام فيه. وأخرجها من البيت وأغلق الباب وراءها، فخافت البنت كثيراً في هذا الليل وصارت تبكي ثم سارت في الغابة باتجاه بيت أهلها، فضاعت فلقيها في الطريق أبو قرن وقرنين، وكان يفتش طوال الليل عن فريسة يأكلها دون فائدة، حتى وجد الفتاة وحيدة في الغابة وأراد أن يأكلها

قالت له الفتاة: أنا بنت صغيرة ولا أشبعك، ولكن إذا أوصلتني إلى البيت، أعطيك قفةً من التمر وقفة من الزبيب، فتأكل منه حتى تشبع، ويصبح عندك مونة من الطعام، فوافق وأوصلها إلى البيت وطرق الباب وهو يقول: ( البنت اللي عند خالتها، ضاعت بالغابة يا حنينتها، رجعها أبو قرن وقرنين، ويريد قفة تمر ورغيفين ) فلم يسمعه أحد فأعاد عدّة مرات حتى يئس من فتح الباب، فأكلها وعلّق ثيابها على الباب ومضى في حال سبيله .

في الصباح خرج والداها فشاهدا ثياب ابنتهما، فعرفا أن أبا قرن وقرنين أكلها، فحزنا عليها ولام الرجل زوجته لأنها سمحت لها بالذهاب مع خالتها، وغضبت الأم وقررت الانتقام لابنتها فتربّصت الفرصة المناسبة.

بعد شهور عاد ابن أختها من السفر، فجاء لزيارة خالته وسلّم عليها، فاستقبلته ورحبت به ثم تركته نائماً فذبحته وقطّعت لحمه وطبخته، ودعت أختها وزوج أختها على الغداء وقدمت لهم لحم الولد، فأكلا منه حتى شبعا، وبعد أن انتهيا من الطعام وجلسا يتسامران، قامت أختها وأتتها بملابس ولدها وعظامه، وقالت لها: هذا ابنك أكلته أنت وزوجك، مثل ما أكل أبو قرن وقرنين ابنتي والآن أصبحنا خالصين وعاش الطرفان في حزن وغم طول الحياة

 

الطـير الأخضـر

 

الراوي فرحان العموري

كان في قديم الزمان رجل عنده ولد وبنت، وعندهم بقرة صغيرة صفراء اللون كان الولدان يرعيانها ويحبانها وتحبهما وهما متعلقان بها كثيراً، ماتت زوجة الرجل  فتزوج امرأة أخرى لكنها بدت شريرة لا تحب الأولاد، وتكره الولد والبقرة خاصة، فأخذت تكيد لهما وتفكر في طريقة للتتخلّص منهما ومن البقرة.

في يوم من الأيام جعلت نفسها مريضة، وأرسلت بطلب أحد الأطباء من أصحابها ليعالجها، فطلبت منه أن يوصف لها لحم البقرة الصفرا، وأنها لا تشفى حتى تأكل من لحمها، وتدهن جسمها بدمها. وكان ذلك فبعد أن فحصها الطبيب وصف لها أمام الجميع لحم البقرة والدهون بدمها، وبين لهم أنه لا دواء لها غيره، ورغم معارضة الأولاد وحزنهم الشديد على البقرة وافقوا مضطرين عليه، فذبح الرجل البقرة وأكلت المرأة من لحمها ودهنت من دمها، وبعد قليل ادّعت أنّها شفيت من المرض، وقامت مثل الغزالة ففرح الأب بشفائها.

بقي همها الوحيد الولد (حطّت نقرها من نقره وبدها يا هو يا هي بالبيت ). لكن الأب تمسك بولده الوحيد، ولم يضحّ به من أجل زوجته، فذهبت المرأة إلى عند ساحرة شريرة، فصنعت لها سحراً وكتبت للأب والولد، فصار الرجل يكره ابنه ولم يعد يطيق رؤيته.

وفي يوم عملت نفسها مريضة أيضاً وأخذت تتدلل على رجلها، وتتغنّج عليه ومنعته أن يقرب منها، فصار يراضيها ويسألها عن طلباتها وينفذها لها لترضى عليه، وعندما تمكنت منه طلبت منه أن يذبح ابنه ويطعمها من لحمه، فقام الرجل وذبح ولده فطبخته وأكلت من لحمة، وتركت عظامه ورمتها في الحديقة. رأتها أخته فصارت تبكي، ولمّت عظامه وهي حزينة عليه، وضعتهم بكيس وحفرت حفرة في الحديقة ودفنتهم، وأصبحت كل يوم تسقي العظام وتبكي على أخيها0

مضت سبعة أيام على هذا الحال، وإذ خرج من الحفرة طير أخضر صغير، أحلى من كل الطيور، دار بالحديقة من شجرة لشجرة، وصار يزقزق ويناغي بألحان حزينة، وحط أخيراً على شباك غرفة أخته وصار يغني:                                                                      

" أنا الطير الأخضر بشد العسكر، أبوي دابحاني وخالتي إكّالة لحامي، أختي الحنونة لملمت عظامي وحطتهم بكيس خامي، بعد سبعة أيام صرت طير أطير بالبلداني..."

سمعته أخته وعرفت أنه أخوها فقربت منه ، وصارت تلمّس ريشاته، ودموعها تنزل غزيرة من عيونها مثل المطر من حزنها عليه، طار بعيد عنها ورجع ومعه قلادة من ذهب ورماها على أخته، أخذتها ولبستها وصارت مثل العروس فيها. رأت خالتها بعينيها ما حدث للبنت، فانزعجت وحسدتها وطمعت بقلادة مثلها ...

في اليوم التالي وقف الطير على الشباك وصار يغني أغنيته، أتت خالته وصارت تلمّس ريشاته، فطار بعيداً ورجع ومعه إبرة مسمومة، ورماها عليها فجاءت برقبتها وماتت لوقتها، وبقي الطير كل يوم يقف على الشباك ويغني أغنية لأخته، ويرمي إليها الهدايا من الحلي والجواهر، وهي فرحانة ومبسوطة به.   

 

البنت القطـة

الراوي: عبد الرحيم العمر

كان في قديم الزمان امرأة لا تنجب الأولاد, فدعت ربها أن يرزقها بنتاً ولو كانت قطة. بعد عدّة شهور حملت المرأة وولدت قطة فرعتها، وربّتها حتى كبرت.

كان أبوها وأمها يتركانها في البيت وحدها ويذهبان للعمل في الحقل، أما القطّة فكانت تخرج وتتمشّى في المدينة، وتتفرّج على البيوت والدكاكين والأسواق وتمضي النهار وتعود قبل عودة والديها...

في أحد الأيام وهي تمشي في المدينة، صادفت قصر الملك الكبير الفخم الذي تحيط به حديقة واسعة غناء كثيرة الأشجار، أرادت الدخول إلي القصر فمنعها الحارس وطردها بعيداً عن باب القصر، لكنها عادت ودارت حول السور حتى وجدت مكاناً تسلّقته وقفزت داخل القصر، تجولت في المكان فرأت حديقة كبيرة فيها من جميع أنواع أشجار الفواكه والثمار، وفي وسط البستان بحيرة ماء صغيرة، فاشتهت أن تسبح فيها، فخلعت ملابس القطة وظهرت منها صبية فاتنة ورائعة الجمال، وخلعت خواتم أصابعها العشرة ووضعتهم فوق ثيابها، ونزلت إلى البحيرة فسبحت فيها حتى اكتفت، ثم قطفت كمية من الفواكه ولبست ثياب القطة وعادت إلى البيت.

لما رجع والداها وجدا في البيت الفواكه والثمار الطيبة التي لم يريا مثلها في حياتهما، فاستغربا الأمر ولم يعرفا كيف جاءتهما، فأكلا منها حتى شبعا وحمدا الله تعالى وناما .

كرّرت القطة الأمر عدّة أيام وفي كل مرّة كانت تغافل الحارس وتدخل وتخرج دون أن يستطيع منعها أو الإمساك بها وكان الحارس منزعجاً من هذه القطة ومستغرباً من قصتها ولم تأت وتذهب كل يوم...

في أحد الأيام انتبه ابن الملك إلى الحارس ولاحظ انشغاله وانزعاجه، فسأله عن أمره فحكى له قصة القطة التي تدخل وتخرج إلى القصر منذ عدّة أيام في الموعد ذاته، فانشغل ابن الملك أيضاً بقصة  القطة وصمّم أن يكتشف سرها..

 في اليوم التالي اختبأ ابن الملك في الحديقة بين الأشجار يراقب ما يحدث إلى أن حان الموعد، فدخلت القطة وخلعت ثيابها فبانت كما ولدتها أمها. افتتن ابن الملك بحسنها وجمال جسمها، وتركها حتى نزلت إلى الماء تسلّل إلى مكان ثيابها وأخذ أحد خواتمها.

عندما خرجت القطة وجدت أحد خواتمها مفقوداً فاستغربت الأمر، وفتشت عليه كثيراً دون فائدة  فارتدت ملابسها وعادت إلى بيتها حزينة.

في اليوم التالي فعل ابن الملك مثل اليوم السابق، وأخذ خاتماً آخر وعندما غادرت، لحق بها ومشى وراءها دون أن تراه حتى عرف بيتها.

في اليوم التالي لم تعد القطة إلى حديقة القصر بسبب حزنها على ضياع خاتميها وخوفها أن تفقد الباقي. افتقدها ابن الملك وانشغل باله عليها وبعد عدّة أيام تأكد أنها لن تعود، فحزن واغتمّ ورقد مريضاً في فراشه فجلبوا له كبار الأطباء لكنهم عجزوا عن مداواته. فحزنت أمه عليه واغتمّت كثيراً وجلست إلى جانبه تحاول أن تعرف قصته فصارح أمه وأخبرها حقيقة حاله، وأنه يحب القطة ويريد منها أن تخطبها له، فاستاءت أمه من هذا الخبر وصاحت وولولت وخافت من الفضيحة، وحاولت بكل الوسائل أن تثنيه عن عزمه فلم تتمكن من إقناعه، وفي النهاية تحت إصرار ابنها وخوفها على حياته وافقت، وذهبت إلى بيت القطة تطلب خطبة ابنتهم لابنها، فاستغرب والدي القطة الأمر وأفهماها أنه لا يوجد لديهما ابنة ولا يوجد معهما في البيت سوى قطة صغيرة، فأخبرتهم أنها جاءت تخطب القطة لابنها، وعرضت عليهم وزن القطة ذهباً, فوافقا في الحال وهم مدهوشان من أمر الملكة، وقبض الوالدان المال وسلّماها للقطة وفرحا لأنهم تخلّصا منها.

حملت زوجة الملك القطة  إلى القصر وهي خجلة ومستحية من الناس، ودخلت على ابنها وقالت له مستهزئة: خذ عروسك واتهنّى فيها، وتركته وأغلقت عليه الباب.

قام ابن الملك من فراشه وكأنه لم يكن به شيئاً، فأخذ القطة وحضنها بشوق وأخذ يكلّمها ويبثّها حبه وغرامه، وهي ساكتة ومندهشة من أمره وتصرفاته. وأخيراً قال لها: اخلعي ملابسك فإني أعرف حقيقتك. فلم ترد عليه، عندها قام إلى الخزانة وأخرج الخاتمين وقدمهما لها، فتأكدت القطة أنه يعرف حقيقتها، فخلعت ملابسها وبدت صبية أحلى من القمر، لبست الخاتمين وجلست بجانبه، وطلب أمه فدخلت عليه وشاهدت عنده صبية مثل القمر فحدثها بقصة القطة، وعرفت الحقيقة وفرحت بها أشد الفرح وأرسل ابن الملك في طلب والديها وعقد قرانه عليها وأقام الأفراح والليالي الملاح، وعاش الجميع في سعادة ونعيم وطيب الله عيش السامعين

 

هيلوني والبقرة الشهباء

 

الراوي : فرحان العموري

كان يا ما كان في سالف العصر والأوان لحتى كان، كانت عائلة متوسطة الحال تعيش في قرية جميلة هادئة، وعندهم بنت اسمها هيلونة وصبي اسمه خالد، ويربون بقرة هولندية شهباء تحلب لهم كمية كبيرة من الحليب يبيعونه ويعيشون منه.

كان الأولاد والأم يحبون البقرة كثيراً ويعتنون بها، وبعد فترة مرضت الأم مرضاً خطيراً توفيت على إثره، وقبل أن تموت أوصت الأولاد بالبقرة وأن يعتنيا بها ولا يتخليا عنها مهما حصل.

حزن الجميع على موت الأم، وعاشوا على ذكراها فترة من الزمن إلى أن صارت جارتهم تتقرّب من الأب، وتتودّد للأولاد وتظهر لهم الحب والرعاية حتى أحبوها، وتعلّقوا بها ونالت إعجابهم ورضاهم، فطلب الصبيان من أبيهم أن يتزوج جارتهم، فوافق في الحال وتزوج من الجارة، وعاشوا في البداية فترة من الزمن مبسوطين وسعيدين، لكن المرأة مع الأيام بدأت تتحول وتتغير وأصبحت تغار من الأولاد وتكرههم وتنفر منهم، وتضمر لهم في نفسها الشر وتحاول إيذائهم بشتى الطرق.

هيلونة صارت صبية لكنها كانت سمراء عاتمة، وكانت زميلاتها في المدرسة يعبن عليها أنها غير جميلة، وأنها مادامت سمراء لن يخطبها أحد، وستبقى عانساً طوال حياتها.

عادت البنت إلى البيت حزينة، تبكي من القهر ودخلت إلى الإسطبل، وجلست تشكي همها للبقرة ، لما حنّت عليها البقرة وقرّرت أن تساعدها، قالت لها: غداً صباحاً قبل أن تفطري أحضري معك ماعوناً واحلبي مني حليب الصباح، وسمّ بالله واشربيه كله على الريق، يتغير لونك بإذن الله تعالى، وتصبحي بيضاء متل الحليب الذي شربته .

فرحت هيلونة وقامت نشيطة، ومبسوطة حتى تضايقت خالتها وتعجبت من فرحتها، وصارت تراقبها لتعرف سبب تغيرها، في المساء نامت البنت مبكراً وراحت بسابع نومة، وما أن طلعت الشمس قامت نشيطة، وأخدت معها الماعون ووضعته تحت أبزاز البقرة، فامتلأ حليباً وسمّت بالله وشربته، وما أن انتهت من شربه حتى صار لونها أبيض كالحليب ذاته.

كانت خالتها تراقبها ورأت ما حدث معها فجن جنونها وطار عقلها وحقدت عليها، وسألتها عن سر

تغيرها، فلم تخبرها لكن خالتها ضربتها بقسوة حتى أقرّت وحكت لها قصتها مع البقرة، فذهبت الخالة في الحال إلى البقرة، وضربتها وعنّفتها لمساعدتها هيلونة، وطلبت منها أن تصنع بها كما صنعت  بهيلونة، وحلبت البقرة بقسوة وعنف فجمّعت بعض الحليب، وشربته بلهفة لكنها أصبحت أكثر سمرة وسواداً من قبل، فزاد غضبها وحقدها على هيلونة والبقرة معاً وصمّمت على الانتقام والثأر منهما. ذهبت المرأة إلى طبيب القرية وأعطته مبلغاً كبيراً من المال مقابل أن يقول إنها مريضة، وأن يصف لها لحم البقرة الشهباء كدواء لها لا تشفى بغيره.

ورجعت إلى البيت ونامت في الفراش، ووضعت تحتها رغيفا من الخبز المحمّص كلما تحرّكت يفرقع تحتها ويصدر صوتاً، فتصيح وتتوجع من الألم من ظهرها وأضلاعها التي تتكسّر ، حزن زوجها وطار عقله، ونذر النذور لشفائها وأحضر لها طبيب القرية في الحال .

بعد أن فحصها الطبيب باهتمام شديد قال: إن زوجتك لا يشفيها سوى أن تدهن جسمها ثلاث مرات من دم بقرة شهباء، وأن تأكل من لحمها ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع تشفى بإذن الله تعالى.

فرح الرجل وقال لأولاده: لا يوجد بقرة شهباء سوى بقرتنا، سنذبحها لتشفي خالتكم من المرض.

عرف الأولاد بمكر خالتهم ورفضوا الموافقة على ذبح البقرة، لكن أباهم صمّم على ذبحها، فذهبوا إلى البقرة وأخبراها بالقصة، وأسرّت هيلونة في أذن البقرة وقالت لها: " يا بقرتنا اهربي ولا تنمسكي ".

فحاول الأب أن يمسك البقرة فلم يقدر، فأمسك هيلونة وضربها، وطلب منها أن تطلب من البقرة أن تنمسك. فهمست هيلونة في أذن البقرة وقالت لها: " يا بقرتنا انمسكي ولا تنذبحي ".

فأمسك الرجل بالبقرة لكنه لم يستطع أن يذبحها، فأجبر ابنته أن يطلب منها أن تنذبح فقالت لها هيلونة: " يا بقرتنا انذبحي ولا تنسلخي " فانذبحت ولم تنسلخ. ثم ضغط على ابنته فقالت لها: " انسلخي ولا تتقطعي " فانسلخت ولم تتقطع. ثم قالت لها: " تقطّعي ولا تنطبخي ". فتقطعت فوضعوها في الدست على النار، وبقيت طول النهار لا يستوي لحمها ولا ينضج، فأجبرها أبوها فقالت لها: " يا بقرتنا استوي ولا تنأكلي ". وأخيراً دعت أن تؤكل ولكن يصبح طعمها مراً بفم كل من يأكل منها ويصيبه الإسهال . فأكلت المرأة من لحم البقرة فشعرت بمرارة شديدة وأصابها الإسهال الشديد .

أما هيلونة فجمعت عظام البقرة، وصعدت إلى الجبل القريب، ودفنتها هناك وجلست تبكي البقرة، ولما افتقدها أهلها بحثوا عنها فلم يعثرو لها على أثر، فخافوا عليها. ولكن أخاها عرف مكانها فدلهم عليه، فذهبوا وشاهدوها على قمة الجبل، وقفوا على سفح الجبل ونادى أبوها عليها وقال:

( عيني هيلونة وروحي هيلونة، هلّي من عالي جبال يا روح الغزال ) .

فردّت عليه وقالت: ( عيني أبويا وروحي أبويا، الآن أبويا بدو اياني وعلّي فيني يا جبال وعلّي فيني يا جبال ) . فعلّت الجبال بها كثيراً .

وفعلت هذا مع جميع أفراد أهلها فكانت الجبال