|

بقلم
الكاتب:
مصطفى محمد الصوفي
عـريق
المـراسـيل
الراوي: عبد
الرحيم العمر
خرج الشاطر حسن
يصيد الغزلان في الغابة, وبينما كان يطارد غزالا أوصله الغزال إلى بحيرة واسعة
وسط الغابة، فسحره منظرها الرائع، فترك الغزال وجلس على الشاطئ يتمتع بهذا
المنظر الجميل، وبينما هو كذلك إذ ظهر سرب من الإوز الجميل، وبعد قليل حطّ
السرب على شاطئ البحيرة، وبدأن يخلعن أثواب الريش، فظهر تحته صبيات من أحلى
الصبايا، كالبدور في الليلة المقمرة ،أجسامهن كالبلّور تضيء تحت أشعة الشمس،
نزلن إلى الماء يسبحن ويلعبن ويضحكن فرحات.
كان الشاطر حسن
يراقبهن مسلوب العقل والفؤاد، وقرّر أن يسرق ثوب إحداهن ليحجزها عنده، وعندما
انتهين من السباحة، خرجن يلبسن ثيابهن، إلاّ واحدة فقدت ثوبها فلم تجده، ففتّشت
عنه كثيراً دون فائدة. جلست تبكي وتندب حظها، وعندما قاربت الشمس للمغيب قرّر
أخواتها الطيران، والعودة إلى بلادهن وتركنها وحدها، ولمّا طارت رفيقاتها هجم
عليها الشاطر حسن، وأمسكها وحملها معه إلى البيت، وهي تبكي وتتضرّع إليه أن
يعيد إليها ثوبها، ويتركها ترجع إلى بلدها وأهلها قبل أن يفتقدونها، وعرضت عليه
ما يشاء من الجواهر والذهب دون جدوى، ولما رأتها أمه أعجبت بها، وحيّته على هذا
الصيد الثمين، وأقامت له عرساً كبيراً وفرحاً عظيماً سبعة أيام بلياليها، ثم
دخل عليها فوجدها درّة مكنونة وجوهرة مصونة، وعاشا في نعيم وسرور وبسط وحبور
ورزقهما الله بولد وبنت مثل أمهما بالحسن والجمال
.
في أحد الأيام
قرّر الشاطر حسن أن يسافر في رحلة بعيدة، فأوصى أمه أن تعتني بزوجته وأولاده،
وتلبّي كل طلباتهم، ما عدا ثوب الريش لا تريه لزوجته مهما كان السبب، فوعدته
خيراً وسافر مطمئناً. وبعد أيّام ذهبت الأم وكنّتها إلى الحمّام وكان فيه حفلة
وعرساً لبنت الوالي، اجتمعت فيه نساء البلد، فلما شاهدوا زوجة الشاطر حسن طار
عقل النساء فيها من حسنها وجمالها، وقامتها وطول شعرها الحريري، وبدأ الرقص
والغناء فطلبت النسوة من الزوجة أن ترقص، فاعتذرت فألحّوا عليها، فقالت لهن لا
أستطيع الرقص بدون ثوب الريش، وأفهمتهم أن الثوب عند حماتها، فطلبت النساء من
الحماة أن تحضر لها ثوب الريش، فرفضت فأصروا عليها وحلفت الفتاة أنها لن تهرب،
وأنهن سيغلقون الشبابيك كلها، فلم يبقوا للحماة حجة حتى اضطرت أخيراً أن تخضع
لرغبتهن، فذهبت إلى البيت وأحضرت ثوب الريش.
لبست عريق
المراسيل ثوب الريش، وقامت ترقص رقصة ساحرة أطارت عقولهم، ثم توقفت فطلبوا منها
أن تتابع الرقص، فطلبت أولادها لترقص بهم رقصة لم يروا مثلها من قبل، فألحّوا
على حماة الزوجة مرّة أخرى إلى أن أحضرت الأولاد، فوضعت كل ولد على كتف وصارت
ترقص حتى حيّرت النساء، وبعد قليل لمحت طاقة في أعلى الحمّام فطارت إليها،
ووقفت عندها وخاطبت حماتها: لقد اشتقت لأهلي، إن كان الشاطر حسن عشقان ومشتاق،
يلحقني إلى بلاد الواق الواق.
ثم صفقت
بجناحيها وطارت إلى بلادها وغابت عن الأنظار، فبهت الجميع وخيّم على رؤوسهم
الطير، وساد الحزن، ولاموا أنفسهم على ذلك، وانفضّ العرس وبقيت الأم حزينة تبكي
وتندب حظها .
عندما جاء ابنها
من السفر علم بما جرى، فحزن حزناً شديداً ومرض في الفراش من القهر والهم،
والشوق إلى زوجته وأولاده، وبعد أيام لم يعد يطيق الصبر والانتظار، فقال لأمه
جهزي لي الفرس والزاد فإني سأرحل إلى بلاد الواق الواق، ولن أعود إلا ومعي
زوجتي وأولادي أو أهلك دونهم.
قبل شروق الشمس
ركب علاء الدين فرسه، وسار على الدرب الطويل، الذي يؤدي إلى بلاد الواق، لم
يسترح ولم يهدأ حتى المساء، وصل إلى أطراف الغابة، فاختار شجرة كبيرة وافترش
تحتها، وتناول طعامه ونام، وبينما كان مستغرقاً في نومه سمع حديثاً يدور بين
غرابين، فأنصت دون أن يتحرك فقال أحدهما للآخر: صاحبنا هذا يريد أن يذهب إلى
بلاد واق الواق، وهي بلاد بعيدة وراء سبع بحور، وعليها ملك عظيم وظالم لو أمسك
به سيقتله مع ابنته التي سجنها، وأولادها في القلعة جزاء زواجها من الشاطر حسن،
فسأله الآخر: وكيف الوصول إلى تلك البلاد ؟ فرد عليه الأول: لا يوجد وسيلة
للوصول إليها، سوى أن يدخل إلى وادي الموت، وينتظر النسر الذي يأتي في العام
مرة، فيحمل بأرجله غزالاً كبيراً يعود به إلى بلاده، وما عليه سوى أن يتعلّق
بالغزال حتى يصل إلى تلك البلاد. وما إن انتهى الغراب من كلامه حتى طارا
بعيداً، وبقي الشاطر حسن متيقظاً ومتعجباً من هذا الحديث.
في الصباح تابع
طريقه حتى وصل مشارف وادي الموت، فوجد على مدخله حصاناً مجنحاً على يمين الطريق
وأمامه كومة من اللحم، وسبعاً على يسار الطريق، وأمامه كومة من الحشيش، فتعجّب
من هذا الأمر واقترب من الحصان، وحمل من أمامه اللحم ووضعه أمام السبع، وعاد
بكومة الحشيش ووضعها أمام الحصان فشكره الحصان، وأعطاه شعرة من ذيله يستخدمها
عند الضرورة، فأخذها ومضى في طريقه، وتسلّق الجبل وجلس ينتظر النسر، وبينما هو
يراقب شاهد عقاباً يحاول أن يسطو على فراخ حية كبيرة، فرماه بسهم فأصابه وأفلت
فراخ الحية، فحملهما وأعادهما إلى العش، فشكرته الحية على معروفه، وأعطته حلقة
من ذيلها إذا وقع في ضيق، فما عليه إلا أن يضغط عليها فتحضر إليه حالاً.
لم تمض أيام حتى
شاهد النسر يحلّق في سماء الوادي فوق قطيع الغزلان، فتابعه حتى انقضّ على
أحدهما، فتعلّق به وطار مع النسر في السماء وقطع سبع بحور ثم أصبح فوق بلاد
الواق الواق، فنزل النسر نحو الأرض فقفز الشاطر حسن، وتابع طريقه نحو المدينة
وعلى مشارفها صادف امرأة عجوزاً تسكن في كوخ فقير، فدخل وسلّم عليها وطلب منها
أن تستضيفه في بيتها، وتعتبره مثل ولدها فرضيت ورحبت به، فأعطاها بعض المال
لتشتري أحسن الطعام ففعلت، وجلسا يتعشيان ويتسامران، وقصّ عليها حكايته وغايته
من المجيء إلى هذه البلاد، ففكّرت قليلاً ثم قالت له: والله إن أمرك يبدو
مستحيلاً مع هذا الملك العنيد القاسي، وحتى لو تمكنت من تحرير زوجتك وولديك، لا
تستطيع أن تغادر البلاد، وسيقبض عليكم الملك ويذبحكم. فقال لها: لا تخافي عليّ
يا ستّي، فكما يسّر الله لي طريق المجيء، ييسّر لي طريق العودة.
في الصباح طلب
من العجوز أن تذهب إلى المدينة، وتستطلع له الأخبار، وتعرف له مكان احتجاز
زوجته وأولاده في القصر، فذهبت وعادت في المساء ، وأخبرته أن زوجته وأولاده في
غرفة في قبو القصر، وأن الحراسة عليهم شديدة، وأن الجنود يحيطون بالقصر، ولا
يتركون النملة تمرّ إليه، وأن الملك أقسم أن يقبض عليك ويقتلك معهم، وقد أعلن
عن جائزة كبيرة لمن يأتي بك إليه حيّاً
.
جلس الشاطر حسن
مهموماً من هذه الأخبار، وسهر طوال الليل، وفي الصباح عزم على أمر وجد فيه
الوسيلة الوحيدة التي توصله إلى زوجته وأولاده، فطلب من العجوز أن تذهب إلى
الملك، وتخبره بمكان وجوده وتقبض الجائزة عليه، فرفضت العجوز لكنه أصر عليها
فوافقت، وذهبت العجوز وأخبرت الملك بوجود غريمه في بيتها، فأرسل الجنود وقبضوا
عليه وساقوه إلى القصر، واستلمت العجوز جائزة كبيرة من المال على مساعدتهم في
القبض عليه، وأمر الملك بسجنه مع زوجته وأولاده، وأمر بالتحضير لإعدامهم في
اليوم التالي.
عندما دخل
الشاطر حسن السجن فرح زوجته وأولاده واحتضنهم وصاروا يبكون من الشوق والحزن على
حالهم، وأخبرت عريق المراسيل زوجها أن والدها لم يغفر لها فعلتها، ولم يشفع لها
أولادها عنده، وأمر بسجنها وتعذيبها حتى يقبض على الشاطر حسن، فطمأنها ووعدها
بالفرج القريب بإذن الله تعالى.
وبعد أن نام
الجميع ضغط على الحلقة، فحضرت الحيّة الكبيرة بسرعة البرق، فطلب منها أن تخرجهم
إلى سطح القصر، فحملتهم على ظهرها وتسلّلت من فتحة عالية في سقف الغرفة، وصعدت
بهم إلى سطح القصر، فشكرها على مساعدتها، وودعتهم ومضت في حال سبيلها.
ثم أخرج شعرة
الحصان المجنّح، وحرقها فظهر الحصان في السماء، ونزل على سطح القصر فركب الجميع
على ظهره، وطار بهم عائداً إلى بلاده دون أن يدري أو يراهم أحد
.
عاد الشاطر حسن
إلى قصره سالماً غانماً، وهنأته أمه على سلامته ورحبت بزوجته وأحفادها الصغار،
وأقامت لهم حفلة كبيرة بمناسبة عودتهم بالسلامة، وعاش الجميع باللذّة والنعيم
وطيّب الله عيش السامعين
.
   
الشـاطر
حسـن وسـت الحسن
الراوي:
عبد الرحيم العمر
كان يا مكان في
قديم الزمان نحك] وإلاّ ننام وإلاّ نصلي على النبي العدنان، كان يوجد ملك في
بلاد الشام عظيم الشأن، وقد أصبح مسنّاً وأحس بقرب أجله، فجمع ولديه كميل وكمال
فعيّن كميلاً الكبير ملكاً بدلاً منه، والثاني كمال ولي عهده، وأوصى كميلاً
بأخيه خيراً، وأوصى كمال أن ينصح أخاه ويعاونه على الملك، وألاّ يختلفا ويعيشا
متفقين وفي أحسن حال، ومات الملك واستلم كميل بدلاًًًً منه، وتزوج الأخوين
وحملت زوجة كل منهما في الوقت نفسه وعاشا في صفاء ووئام.
في إحدى الليالي
اجتمع الأخوان، فقال ولي العهد: يا ملك الزمان زوجتي وزوجتك حاملتان فإن وضعت
زوجتي ولداً وزوجتك بنتاً خطبناهما لبعضهما، وإن وضعت زوجتك ولداً وزوجتي بنتاً
أيضا أعطيناهما لبعض، فلنقرأ الفاتحة على هذه النية منذ الآن، لكن أخاه ردّ
عليه بجفاء وقال: لنترك الموضوع للأيام، فإني أخاف ألاّ يرضى الولدان عندما
يكبران، فلا نحب أن نفرض عليهما رأينا منذ الآن. انزعج أخوه وغضب، وقام عنه وهو
يقول: والله لا أبقى أنا وإياك في بلد واحد بعد الآن مادمت لم توافق على طلبي،
ولم يرد على رجاء أخيه بأن يبقى ويترك الزعل والخصام.
جمع كمال أمتعته
وأخذ أهله ورحل تحت جنح الظلام، وظل يسافر من مكان إلى مكان حتى حطّ به الترحال
في بلاد الجزائر، ودخل إلى ملك البلاد وسلم عليه، وعرفه بنفسه فرحب به وأعطاه
قصراً، وعاش معززاً مكرماً وفي أحسن حال، ثم ولدت زوجته طفلاً جميلاً كالبدر
التمام، ليس مثله في البلاد اسمه الشاطر حسن، وبعد أشهر وافته المنية فمات،
وترك الولد صغيراً فربته أمه حتى شبّ وكبر، وأصبح صبياً قوياً تضرب به الأمثال.
في أحد الأيام
تصارع الشاطر حسن مع ابن الوزير، فتغلّب عليه الصبي وغضب ابن الوزير، وقال له:
أنا ابن الوزير وترميني يا وضيع الأصل، ولا أحد يعرف من هو أبوك؟ ومن هي عائلتك
؟من بين الأكارم وأبناء الأمراء. حزن الشاطر حسن وعاد إلى البيت مهموماً
مغموماً، فسألته أمه عن سبب حزنه فقال: أخبريني من هو أبي من بين الرجال؟ ومن
أين أصلنا وفصلنا؟ فردّت عليه: يا بني مالك ولهذا الأمر فالإنسان بعمله
وأخلاقه، يرتفع بين الناس وليس في حسبه ونسبه. فزاد حزنه وأخذ في البكاء، فحنّت
عليه أمه وقالت: والله يا بني أوصاني أبوك ألا أخبرك عن هذا الموضوع، ولكن
مادمت مصراَ وقد صرت شاباً سأخبرك بالحقيقة وأمري لله: أنت أصلك ابن ملك وأبوك
(كمال) أخو الملك (كميل) وولي عهده في بلاد الشام، وقد اختلف أبوك مع أخيه
الملك، ورحل عنه إلى هذه البلاد، وقد مات منذ أن كنت صغيرأ، وقبره الآن في
مدافن الملوك والأمراء، وأنا كل أسبوع أزوره وأضع على قبره الآس وأقرأ له
الفاتحة، فطلب منها أن تدله على قبره والده، وذهب معها في الحال ودلته على قبر
أبيه، فجلس عنده ساعة من الزمان، وقرأ عليه بعض القرآن، وأخذ الشاب كل يوم يزور
قبر والده ويبكي عنده ويناجيه، ويقرأ له القرآن، وأحياناً ينام عند القبر إلى
منتصف الليل، ثم يعود محزوناًً ومهموماً.
أما ملك بلاد
الشام (كميل) فبعد رحيل أخيه ولدت زوجته بنتاً سبحان الذي خلقها لا مثيل لحسنها
وجمالها في ذلك الزمان، وسمّاها ست الحسن فربّاها أحسن تربية، وعاشت على الغنج
والدلال حتى أصبحت في سن الزواج، فخطبها الملوك والأمراء، فكانت ترفضهم وتمتنع
عن الزواج، فاحتار أبوها في أمرها، وانزعج أشد الانزعاج وطلب من أمها أن تعرف
قصتها قبل أن يقضي في أمرها، ويجد حلاً لمشكلتها. اجتمعت الأم مع ابنتها ست
الحسن، وعرفت منها أنها لن تتزوج حتى يأتيها فارس الأحلام، الذي يزورها في
المنام، وأنها لن تتزوج غيره مهما حصل. فأخبرت والدها فغضب من هذا الأمر وحلف
أغلظ الأيمان أن يزوجها إلى ( زبّال ) المملكة العجوز والفقير جزاءً لها، وأمر
أمّها أن تجهّزها ليزفّ العريس عليها في ليلة الغد، وأرسل العسكر ليأتوا بـ(
الزبّال )، ويجهزوه ليزفوه إلى بنت السلطان، وهو أمر لم يكن ليحلم فيه ولا في
المنام، وجلست الأميرة في سريرها تبكي وتنوح وتشكي أمرها للباري، وتدعوه أن
يفرجها عليها ويخلّصها من هذه الحال.
في السماء التقى
جنية مع عفريت، فسلّمت عليه وسألته من أين قادم ؟. قال: من بلاد الشام وسألته:
مالك متغير الأحوال ؟ فقال: شاهدت في طريقي بنت السلطان سبحان الخالق، وقد
سحرني جمالها وحسنها، وطيرت عقلي وأصبحت مضطرب الأحوال، وبقيت أكثر من ساعتين
أتأملها، وهي تبكي وتنتحب وتناجي ربها، فعلمت من أخبارها أن أباها سيزوجها
لزبّال المملكة، لأنها رفضت جميع الملوك والأمراء الذين تقدّموا لطلب يدها.
تعجّبت الجنية
من هذا الأمر، وقالت له: وأنا جئت من الجزائر ومررت من فوق المقابر، فسمعت
صوتاً ساحراً حزيناً شدّ انتباهي، فنزلت إليه فرأيت صبياً سبحان الخلاّق، وهو
نائم على قبر والده يبكي ويناجيه، وقد سحرني حسنه وجماله، وطير عقلي وقلبي
وبقيت ساعات أتأمّله، وتمنّيت لو كنت إنسيّة لأتزوجه، وأعيش معه أسعد أيام
حياتي .
تعجّب العفريت
من هذه المصادفة العجيبة، وأخذا يتناقشان ويتجادلان أيهما أكثر جمالاً الشاب،
أم الفتاة ؟ وبعد أن تعبا من الجدال. قالت له: الجنية لنعود إلى الجزائر ونأتي
بالشاب، ونضعه بجانب الفتاة، عندها نقرّر من منهما أجمل من الثاني ؟ وبلمح
البصر حمل العفريت الشاطر حسن ووضعه بجانب ست الحسن على السرير، وأخذا
يتأمّلانهما فترة طويلة، وقد وقعا في الحيرة والارتياب، فكلّ منهما أجمل من
الآخر. قالت الجنية: والله إنهما يليقان لبعضهما، لنوقظ الشاب الآن ونرى ما
الذي سيفعله ؟ فتحوّلت الجنية إلى قملة، وقرصت الشاطر حسن فأيقظته، وكتم
العفريت على نفس الفتاة لكي لا تستيقظ، ففتح الشاب عينيه فرأى بجانبه فتاة
كالبدر التمام، طلعتها بهيّة وجمالها فتّان، تعجّب من هذا الأمر، وقال في نفسه:
أين أنا الآن ؟ ومن هذه الصبية البهيّة ؟ وكيف أتيت إلى هنا ؟ وقد كنت عند قبر
والدي. احتار الشاب في أمره وحاول أن يوقظ الصبية ويسألها عن أمرها لكنها لم
تستيقظ معه، وكانت الصبية تلبس روب نوم، يبدو منه جسمها أبيض كالثلج، فاستحى
منها وغطاها باللحاف وغطّى وجهه، ونام وترك الأمر إلى الصباح
.
ثم حول العفريت
نفسه برغوثاً وقرص الصبية فأيقظها، وكتمت الجنية على نفس الشاب حتى لا يستيقظ،
وفتحت الصبية عيناها فرأت بجانبها على الفراش شاباً وسيماً ليس مثله في الحسن
والجمال. تعجبت من هذا الأمر، وعرفت أنه فارس الأحلام الذي كانت تراه في المنام
وقالت في نفسها: لقد وعدني أبي أن يزوجني بالزبّال العجوز، فجاءني بأجمل عريس
في البلدان وهو ما كنت أحلم به. فشكرت أباها ودعت له وفرحت كثيراً، و( هفّت )
نفسها عليه وقالت: كيف ينام العريس في ليلة عرسه ؟ ويترك عروسه وحدها، والله
هذه ليست من شيم الرجال، وأخذت تحرّكه لتوقظه فلم يستيقظ معها، فأخذت تتلّمسه
بيدها وحضنته وباسته ونامت، وقالت في الصباح سأعرف قصة هذا العريس النعسان
.
ضحك الجني
والجنية من فعل الصبية، وقرّرا أن يوقظا الاثنين معاً حتى يمضيا ليلتهما سوياً،
لعلها تكون فاتحة خير ويتم النصيب فيتزوجان ويجتمعان. وهكذا أفاق الشاب
والصبية، وتعجبا من هذا الأمر وفرحا كثيراً ببعضهما، وجلسا يتسامران طوال الليل
وكل منهما يحكي قصته للآخر، فعرفا أنهما أولاد عم، وتعجبا كيف اجتمعا في هذا
الحال، وصمّما أن يتزوجا وتبادلا الخواتم، وناما ليعرفا حقيقة قصتهما في الصباح.
بعد أن استغرقا
في النوم حمل العفريت الشاب إلى بلاده، وتركه فوق قبر أبيه وأيقظه من النوم
فوجد نفسه في المقبرة، فتعجّب واحتار واعتقد أنه منام، وعاد إلى أمه مرتبك
الفكر متغيّر الحال، فحدّثها عما رآه في المنام فقالت له أمه: خير إن شاء الله
هذا المنام .
أما ست الحسن
فدخل عليها والداها فوجداها مبسوطة، فقامت وقبّلت يد أبيها وشكرته على العريس
الذي اختاره لها وسألته من أين أتى به ؟، وهو فارس أحلامها الذي كانت تراه في
منامها. تعجب الملك من هذا الأمر وقال: والله لم يأت العريس بعد، فهو مازال
يتجهّز لنزفّه عليك في المساء فكيف تقولين هذا الكلام ؟. فحكت له ست الحسن
الحكاية كلها، وأن العريس هو ابن عمها الذي سافر إلى الجزائر، وأرته خاتمه وهذه
ملابسه معلّقة على العلاّقة، وقد أفقت فلم أجده فظننت أنه ذهب ليقضي حاجة.
فرح الملك وطار
عقله لما سمع هذا الكلام، وأمر غلمانه أن يبحثوا عنه، فلم يقعوا له على أثر،
فتعجب واحتار ولم يفهم كيف الأمر صار، ولولا الخاتم والثياب لظن أنه منام،
فأشارت له زوجته أن يرسل في الحال إلى الجزائر ليسأل عنه، فكتب رسالة إلى ملك
الجزائر يسأله عن أخيه وابن أخيه، وأن يبعثهم في الحال، وسلم الرسالة إلى قائد
الشرطة ومعه مئة من الفرسان، فجدّ السير عدة أيام، حتى وصل إلى الجزائر فدخل
على الملك، وسلّمه الرسالة فلما قرأها وعرف فحواها، أمر بإحضار الشاطر حسن وأمه
في الحال، وجهّزهما بالهدايا والأحمال والسلام على ملك الشام، فترك قائد الشرطة
القافلة في حماية الغلمان، وسبقها إلى بلاد الشام ليصل بأسرع الأوقات، ويبشّر
الملك بقدوم ابن أخيه، واجتمع الأحباب بعد طول الغياب، وجدّدوا الأفراح وأقاموا
الأعراس سبعة أيام لا أحد يأكل إلا من مائدة السلطان، وزفّوا الشاطر حسن في
موكب عظيم على ست الحسن بنت السلطان، وسلّم الملك الحكم لابن أخيه وعاشوا
جميعاً بالفرح والنعيم وطيب الله عيش السامعين .
   
عـلاء الـدين
والألغاز
الراوية: كرجية
رسلان
كان في بالزمان
تاجر غني أحواله جيدة، عنده ابن شاب آدمي وصاحب دين وأخلاق اسمه علاء الدين.
أراد أباه أن يزوجه ابنة عمه، فاعتذر من أبيه بأنه لا يرغب بالزواج الآن، لكن
أباه أصرّ على زواجه، فقال له: أريد أن أذهب هذه السنة إلى الحج وبعد أن أعود
أتزوج، وافق أبوه على طلبه على أمل أن يزوجه بعد أن يعود من الحج.
جهّز علاء الدين
رحله وزوّادته، وركب متوجهاً إلى الديار المقدسة، في الطريق مرّ على مدينة فيها
قهوة دخلها ليستريح، ويشرب كأساً من الشاي، مرّت من أمام القهوة صبية مثل
القمر، دخلت الدكان التي أمام القهوة، فلحق بها ورآها قد اشترت أغراضاً كثيرة،
فسأل صاحب الدكان: إن كانت قد دفعت ثمنها فأجاب: بالنفي، فقال للصبية: دعيهم
على حسابي، وبينما كان يحاسب صاحب الدكان حملت أغراضها وغابت، فلم يدر أين ذهبت
؟ فحزن واغتم كثيراً وحاول أن يعرف من هي ومن أين ؟ دون جدوى، فتعلّق بها
وأحبها من كل قلبه، ولم يكمل طريقه إلى الحج، وعاد إلى بلدته حزيناً ومهموماً
ودخل إلى البيت، وأغلق عليه باب غرفته، ولم يعد يقابل أحداً أو يتحدث مع أحد،
وامتنع عن الطعام و الشراب.
انشغل عليه
والده وأهل بيته، وحاولوا أن يدخلوا عليه الغرفة فلم يفتح لهم، وفي اليوم
الثالث كسروا الباب، فوجدوه مريضاً ومغمى عليه ( لا من تمو ولا من كمو )، فأتوا
له بالأطباء ليعالجوه دون فائدة. سمعت به بنت عمه وكانت حكيمة وفهيمة وتضرب
الرمل، فزارته وعرفت قصته وأنه عاشق ودواه أن يرى حبيبته، فقالت له: في موسم
الحج القادم سأذهب معك، وأساعدك في الوصول إليها فقام من فراشه مثل الحصان، بعد
أن سمع وعد ابنة عمه وتأمّل بلقاء حبيبته.
في موسم الحج
شدّ الرحال مع ابنة عمه وسافرا معاً إلى الحجاز، وعندما وصلا إلى المدينة التي
قابل فيها الصبية، واستأجرا غرفة في الفندق وسكنا فيها، وبعد إن ارتاحا طلبت
منه أن ينزل إلى القهوة، وعندما يرى الصبية يسألها عن اسمها وعنوانها ولا
يتركها حتى يعرف عنها كل شيء.
استمرّ عدة أيام
يجلس في القهوة يراقب الطريق حتى شاهدها تدخل الدكان، فدخل وراءها واشترت بعض
الأغراض، فقال لصاحب الدكان: أنا سأدفع الحساب عنها، والتفت إليها وسلم عليها
فردّت السلام، فسألهاعن اسمها، فأشارت بيدها ما بين أنفها وذقنها، وسألها: أين
تسكن ؟ فرفعت يدها إلى الأعلى، ودوّرتها عدة دورات، ثمّ حملت أغراضها وانصرفت
مسرعة.
عاد علاء الدين
إلى ابنة عمه مسروراً ومحتاراً في الوقت نفسه وأخبرها بما جرى معه وما سألها
وكيف أجابته، فقالت له: هذه الصبية اسمها ثنايا، وبيتها ما بين الشجر والطاحونة
وغداً سنذهب لنفتش عن بيتها.
في
اليوم التالي ذهبا يفتشان عن بيت ثنايا، وبعد ساعات من البحث وجدو الطاحونة
وغابة من الشجر كما أشارت، فشاهدا بينهما قصراً فخماً حوله سور عال وحديقة
كبيرة. قالت ابنة عمه: هذا قصرها ابق هنا وراقبه، وأخبرني بما تراه وما يحدث
معك وأنا سأعود إلى الفندق.
استمر علاء
الدين يراقب القصر حتى رأى الصبية تطل من الشباك قليلاً ثم تغلقها وتغيب عنه،
فعاد علاء الدين إلى ابنة عمه، وأخبرها أنها فتحت النافذة، وأطلّت منها قليلاً
ثم أغلقتها دون أن تقول شيئاً، فسألته: ماذا كانت تلبس؟ فقال: ثوباً أخضر حشيشي
اللون. فقالت له: هذا يعني أنها ضربت لك موعداً في الحديقة، وبين الأشجار
الخضراء، وعلى العشب الأخضر هذا المساء، اذهب إليها وخليك قبضاي وقد حالك.
عند المساء ذهب
علاء الدين إلى الحديقة المحيطة بالقصر، وظل يتمشى حتى وجد بساطاً ممدوداً على
الأرض، وحوله الورود والأزهار عرف أنه مكان اللقاء، فجلس عليه ينتظر فترة من
الزمن شعر بالنعاس فتمدد ونام. بعد قليل جاءت ثنايا، فرأت الشاب نائماً ضحكت من
هذا العاشق الذي ينام في موعد اللقاء، فوضعت في جيبه بعض الحصى وذهبت.
استيقظ بعد ساعة
من الزمن فوجد الحصى في جيبه، فعاد إلى البيت حزيناً وقصّ على ابنة عمه ما جرى
له، فلامته وعنّفته كثيراً على إهماله، وطلبت منه أن يذهب في اليوم التالي إلى
القصر ويراقبها بدقة، وأن يكون صاحياً لما سيراه أو يحدث معه.
في الصباح ذهب
وجلس أمام القصر فترة من الزمن، ففتحت الصبية الشبّاك ثم أغلقته، ثم فتحته
وأغلقته سبع مرّات، وفي كل مرّة كانت تظهر ببدلة جديدة ثم غابت عنه. عاد علاء
إلى البيت وقصّ على ابنة عمه ما شاهده، فقالت له: تفسير ذلك أنها أعطتك موعداً
في القصر مساءً، وأنّك ستدخل من سبعة أبواب وراء كل منها يوجد أخ من أخواتها،
فعليك أن تغلق الباب وراءك حتى تنفد بجلدك.
في المساء ذهب
إلى القصر، ودخل الأبواب السبعة لكنه من لهفته نسي أن يغلق الأبواب وراءه، حتى
وصل إلى غرفة حبيبته، فرآها في كامل زينتها فاستقبلته أحسن استقبال، ورحبت به
وأخذته بالأحضان، وجلسا معاً يتسامران ويعبران عن أشواقهما وحبهما، وفجأة تذكرت
ثنايا فسألته: هل أغلقت الأبواب ؟ خجل من نفسه وقال لها: والله من اشتياقي
ولهفتي إليك نسيت أن أغلقها، فطلبت منه أن يذهب بسرعة ليغلقها، فذهب فوجد
الأبواب مغلقة من الخارج بالمفتاح.
خافت ثنايا
وقالت له: لقد أوقعتنا في الفخ والآن سيحضر أخوتي ووالدي ويذبحوننا معاً، فكّر
قليلاً ثم قام إلى النافذة، فرأى شاباً ماراً على الطريق، فناداه وأعطاه ليرة
ذهبية ليحضر له ابنة عمه من الخان، ففعل الشاب وأخبرها، فحضرت في الحال إلى
القصر وسحبها علاء الدين من النافذة، وقصّ عليها ما حدث معهما وسألها عن الحل.
فكّرت ابنة عمه قليلاً ثم قالت له: سأدخل أنا وأنت إلى الغرفة على أنني زوجتك،
فإذا وجدونا معاً تحل المشكلة، وفعلاً دخل الأب وأولاده السبعة إلى القصر
شاهرين السيوف، وعيونهم تقدح شرراً، فوجدوا علاء الدين وابنة عمه في غرفة
الضيوف، فتعجبوا منهما وسألوهما عن سبب وجودهما في القصر ؟، فقال علاء: نحن
غريبان ومقطوعان، وطلبنا من صاحبة القصر أن نبيت عندها هذه الليلة فرحبت بنا،
لكن يبدو أنكم لا تحبون الضيوف, فنعتذر منكم وسنرحل في الحال، ونفتّش عن أناس
كرام يستضيفونا هذه الليلة، فاستحى الرجل وأبناؤه منهما واعتذر الأب على تصرفهم
المذل معهم، وطلب منهما أن يبقيا في ضيافتهما، وحضرت ثنايا في هذا الوقت،
وأظهرت استنكارها واستغرابها من أفعال والدها وأخوتها، فأخذ الأب يعتذر منها
ويطيّب خاطرها وقال لها: لقد جاءنا خبر أنه دخل إلى القصر رجل غريب، فجئنا
مسرعين لنقتله ونقتلك، فصارت تبكي وتنكر منهم هذه التصرفات، وسوء الظنّ بها
واتهمتهم أنهم أهانوها، وشكّوا بنزاهتها وأهانوا ضيوفها، وأن الناس جميعهم
سيعلمون بالخبر، وستشيع القصة بين الناس وتصير سمعتها سيئة.
حاول أبوها أن
يطيّب خاطرها ويرضيها، وقال لها: اطلبي مني ما تريدين، سأنفذه لك في الحال.
فقالت له: الحل الوحيد أن أتزوج الرجل الذي اتهمتموني به فتستروا علي وتنقذوا
شرفكم وسمعتي وسمعتكم بين الناس. فكّر الرجل قليلاً ثم قال: أنا لا مانع لديّ
لكن المشكلة أن يوافق علاء الدين وزوجته على هذا الأمر، فقالت ابنة عمه: أنا
سأوافق من أجلكم فقط ووافق علاء، فأحضروا الشيخ وعقد قرانهما، وأقاموا لهما
حفلة عظيمة ودخل على عروسه ونال منها مرامع وحقّق غايته بالوصول إليها، وبعد
سبعة أيام حمل الهدايا، وحاجاتهم وركبوا إلى بلادهم، وهناك جدّدوا الأفراح
والأعراس، وعقد قرانه على ابنة عمه أيضاً، وعاشوا جميعاً في اللذة والنعيم
وطيّب الله عيش السامعين.
   
أم
إصـبع
الراوي: عبد
الرحيم العمر
كان في قديم
الزمان ثلاث شقيقات كبيرات في السن وقبيحات الشكل والمنظر، يعشن وحدهن في الدار
وقد أصبحن عانسات، وكانت الصغرى قد تعودت أن تمصّ إصبعها الصغيرة منذ طفولتها،
حتى صارت إصبعها رقيقة وطويلة، من يراها يظنها إصبع فتاة صغيرة وجميلة.
في أحد الأيام
تراهنت أم إصبع مع أخواتها على أنها ستجعل الأمير يحبها، ويعطيها منديله،
فوافقوا على المراهنة، انتظرت حتى مر الأمير من تحت نافذة غرفتها، رشّته بماء
الورد المعطر، فتعجب الأمير من ذلك، ونظر إلى النافذة فلم ير سوى إصبعاً جميلة
رقيقة، فقال في نفسه: إذا كانت الإصبع بهذا الجمال، فكيف تكون صاحبة الإصبع، لا
بد أنها فتاة رائعة الحسن والجمال، فصاح عليها: من رشّ الماء ؟ ردّت عليه بصوت
رفيع ناعم: أنا يا سيدي الأمير لقد رميت الماء الذي غسلت به وجهي، ولم أعرف أنك
تمر من تحت النافذة في هذا الوقت، فلا تؤاخذني على فعلتي. فكّر الأمير قليلاً
وأراد أن يتعرف عليها، فدعاها إلى الحفلة التي سيقيمها في القصر فأجابت دعوته
وقد طار عقلها من الفرح.
في المساء لبست
أحسن الثياب، وتعطرت بماء الورد ووضعت قناعاً على وجهها، وباروكة شعر مستعار
على رأسها، ولبست كفوفاً في يديها بحيث لا يظهر منهما سوى إصبعها الجميلة، فبدت
كالأميرات الشقراوات الجميلات، وفي الحفل رحب بها الأمير ورقص معها طوال
السهرة، ومشيا معاً يتسامران في الحديقة، فأرادت أن تقطف زهره فجرحت إصبعها،
فأعطاها الأمير منديله فربطت به إصبعها، وعادت آخر السهرة إلى البيت، وهناك
أظهرت المنديل لأخواتها، فعرفن مقدار مكرها وشطارتها، وسلّمن لها بأنها كسبت
الرهان.
في اليوم التالي
حضر الأمير إلى بيت الأخوات، فطلب يد الفتاة الصغيرة، فوافقت الأختان لكن
اشترطوا عليه ألا يرى وجهها، وأن لا يكشف القناع عنها إلا في ليلة الزفاف،
فوافق على ذلك وأقام حفلة كبيرة ورفع الزينة في المدينة، وقدم الطعام ثلاثة
أيام لجميع الناس، وفي ليلة الدخلة رأى عروسه تنتظره في غرفة النوم، وقد اندست
تحت اللحاف وتغطّت به، فجاء إليها وكشف عنها الغطاء، فوجدها في ملابسها وعلى
وجهها قناع، فاستغرب من ذلك وخلع عنها القناع، فوجدها فتاة قبيحة المنظر شمطاء،
فانصدم بها وغضب منها, وحاولت أن تعتذر وتطلب منه الصفح والغفران، وأخبرته
بحقيقة الأمر وأنها تراهنت مع أخواتها على ذلك، فزاد غضبه كثيراً وضربها بالسوط
حتى أدمى جسدها، وعلّقها من شعرها على باب القصر، وأحضر أخواتها وعلقهن بجانبها
وجعلهن عبرة لباقي الناس.
   
لغـز أثقـل
الثقـيل
الراوي: حيان
شبان
كان في الزمان
أمير قبيلة مشهورة بين القبائل ولها مكانتها وقدرها بين العربان، وكان الأمير
شاباً وسيماً شهما وكريماً، ولم يتزوج بعد. في يوم من الأيام بينما كان يتمشى
الأمير بين المضارب شاهد فتاة جميلة قامتها ممشوقة عيناها ساحرتين، فأحبها من
أول نظرة وملكت عليه قلبه، فسأل عنها وعن أهلها وقبيلتها، وإذ هي بنت شيخ قبيلة
( الهفتان ) وهي قبيلة وضيعة بين القبائل، ليس لها شأن بين العربان، لكنه أحبها
وصمّم أن يخطبها ويتزوجها مهما كلّف الأمر.
في بداية الأمر
تضايق الأمير، وتردّد قليلاً في الخطبة لكن حب الفتاة تغلّب على تردّده وحيرته،
وحزم أمره وشكل وفداً من كبار وجهاء القبيلة، وذهب إلى قبيلة الهفتان ليخطب
ابنتهم، ففرح أهل القبيلة وأهل العروس، وطار عقلهم أن يناسبهم هذا الأمير صاحب
المقام الكبير بين القبائل، فوافقوا فوراً أن يقدموا له الفتاة هدية ما من
وراءها عطية .
أقام الأمير
حفلة عظيمة وذبح الذبائح وعمل الولائم، وعاد إلى دياره بموكب كبير ومعه عروسه
إلى أن وصل قبيلته، فجدّد الأفراح ثلاثة أيام ثم دخل على عروسه، فوجدها من أطيب
النساء وأحسنها خلقاً، وعندما اختلى بعروسه اشترط عليها شرطاً قاسياً هو ألا
تفكّر بأهلها بعد الآن، ولا تذهب لزيارتهم مهما حصل، فوافقت الزوجة إرضاءً
لزوجها الأمير وعاشت مسرورة، ووفرت لزوجها السعادة والراحة والاطمئنان، وأنجبت
له ثلاثة أولاد من أجمل الصبيان، وسمتهم (محمد وأحمد ومحمود )، فرعتهم وربتهم
أحسن رعاية، فنشؤوا على الأخلاق الحميدة والعلم، والحكمة والفهم والشجاعة
واشتهروا من بين فرسان القبيلة
.
في أحد الأيام
دخل الأمير على زوجته، فوجدها حزينة مريضة وقد شحب لونها وهزل جسدها، فسألها عن
حالها ؟ فقالت له: لقد أطعتك بما تريد يا أمير، وأصبح لي أكثر من عشرين عاماً
لم أر أهلي، وقد سمعت أن والدي مريض وأخشى أن يموت ولا أراه، فأرجو أن تسمح لي
بزيارته هذه المرّة فقط لأودّعه الوداع الأخير
…
فكّر الأمير
قليلاً وقد حنّ قلبه على زوجته، ثم قال لها: سأسمح لك بزيارة والدك لكن سأحمّلك
لغزاً إليه، فإن أجاب عليه تعودين إلى بيتك، وتزورين أهلك متى تشائين، وإن لم
يجب عليه تبقين في بيت أهلك، ولا تعودين إلى ديارنا أبداً
.
وافقت الزوجة
وطلبت منه اللغز، فقال لها: أريد من والدك أن يعرف ما هو أثقل الثقيل ؟ وما هو
أخفّ الخفيف ؟ فحملت هذا اللغز وسافرت إلى ديار أهلها
.
سمع محمود أصغر
أخوته الحديث الذي دار بين والده وأمه، فخاف على أمه كثيراً وهو يعلم أن جدّه،
وقبيلته جميعها لا تعرف جواب هذا اللغز، فطلب من والده بعد أيام أن يذهب إلى
قبيلة أخواله ليعيد أمه إلى ديارهم، فمنعه من ذلك وقال: دع أخوالك يعيدونها
.
صار محمود صباح
كل يوم يخرج إلى مشارف القبيلة، ليقابل أمه قبل أن تدخل إلى القبيلة إلى أن
رآها قادمة ذات يوم مع أخواله، فاستقبلها وسألها: إن أتت بحل اللغز ؟ وما هو ؟
فأجابته: نعم سألت جدّك، فقال: بسيطة أثقل الثقيل هو الحديد وأخفّ الخفيف هو
التبن.
ضحك محمود وقال:
لقد عرفت أن جدّي لن يعرف الجواب الصحيح، لذلك انتظرتك لأراك قبل أن تري والدي،
فإذا سألك والدي عن حل اللغز قولي له: إن أثقل الثقيل هو العفن وأخف الخفيف
عشرة الزين، ولا تقولي لأبي أنك قابلتني وتحدّثت معي، ثم تركها وسبقها إلى
المضارب .
استقبلها زوجها
ورحّب بها ثم أجلسها، وسألها عن حلّ اللغز فأجابته كما علّمها ابنها، فاستغرب
الشيخ جوابها واندهش كيف عرفت هذا الجواب، وهو يعلم يقيناً أن لا أحد من
قبيلتها يعرف مثل هذا الجواب، فشكّ في أحد من أولاده وخاصة في محمود، فسألها إن
قابلت أحداً من الأولاد قبل أن تدخل مضارب القبيلة، فأنكرت ذلك
...
جلس الشيخ يفكّر
في الأمر وفي طريقة يكتشف فيها الحقيقة، فطلب من أحد رجاله أن يدخل عليه
المضارب وهو يصرخ بأعلى صوته: الغوث الغوث وأن الغزو دهم القبيلة وأسروا
محموداً، ففعل كما أمره، وعندما سمعت زوجته هذا الكلام طار عقلها ولم تصدّق
فصرخت: يا ويلي الآن قابلت محمود على مشارف القبيلة، وقد سبقني إليها فأين
قابله الغزو وكيف أسروه ؟ .
سمع الأمير كلام
زوجته، فعرف السر لكنه أسرّه في نفسه، وعند المساء تأخّر محمود في الحضور إلى
مجلس والده خوفاً من بطشه وغضبه بعد أن علم أن أمره افتتضح، فأرسل الأمير ولديه
لإحضار محمود فوراً. ذهب محمد وأحمد ملهوفين لا يعرفون ما السر؟ وأبلغاه طلب
والده بالحضور إليه فوراً دون تأخير، وأن والده غاضب والشرر يتطاير من عينيه،
وأنه مضطجع والسيف إلى جانبه، فخاف محمود من بطش والده، وأخبر شقيقيه بالقصة
كاملة، وأنه سيرحل في الحال من القبيلة هرباً من عقاب والده، ولما عرف الأخوان
حقيقة الأمر قرّرا أن يذهبا معه أيضاً، فأسرجوا الأحصنة وغادروا القبيلة
مسرعين، ليبتعدوا عن مضاربهم أكبر مسافة ممكنة قبل أن يكتشف والدهم أمر هروبهم.
افتقدت فرس
الأمير زميلاتها في الحظيرة، فأخذت تصهل بشدّة فسمع الأمير صهيلها، فنهض إلى
الحظيرة ليتفقدها، فلم يجد أحصنة أولاده، فعرف ما حدث. ركب الأمير مع بعض
الفرسان وبدأ بمطاردة أولاده عدة ساعات حتّى لحق بمحمد، فأعطاه الأمان وطلب منه
أن يعود إلى القبيلة، وتابع المطاردة حتى لحق بالولد الثاني أحمد، فأعطاه
الأمان وأعاده إلى القبيلة، ثم تابع وجدّ السير وراء محمود حتى لحق به
…
كان محمود قد
قطع النهر وجلس على الضفة الأخرى، ليستريح قليلاً عندما لحق به والده، فأراد أن
يقطع النهر فأبت فرسه أن تخوض في النهر، فوقف على الضفة المقابلة وصاح بولده:
ما دمت خبيراً بحل الألغاز يا محمود سأسألك ثلاثة أسئلة، فإن أجبت عليها سأعطيك
الأمان أنت ووالدتك، وتعود إلى القبيلة، وإن لم تجب عليها تذهب ودمك مهدور،
وافق محمود ووقف أمام والده ليسمع أسئلة والده باهتمام بالغ، وفتح ذهنه وعقله
ليجيب بالجواب الصحيح. سأله الأمير السؤال الأول: إن جاءك يا محمود رجلين (
عفنين ) يتشارعان عندك فكيف تحكم بينهم ؟.
فأجاب محمود:
أعط الاثنين حقهم من جيبي، وأرضهم لأن ( العفنين ) لا يرضون بأي حكم كان.
فقال: صدقت، ثم
سأله الثاني: إن جاءك رجلين واحد ( عفن ) وواحد ( زين ) كيف تحكم بينهم ؟
.
قال: آخذ من حق
( الزين )، وأعطي ( العفن ) حتى يرضى، لأن الزين كريم ولا يسأل عن حقه ويتنازل
عنه لحل المشكلة، بعكس ( العفن
) .
قال: صدقت.
وسأله الثالث: إن جاءك رجلين ( زينين ) فكيف تحكم بينهم ؟
.
أجاب: يا والدي
الزينين لا يختلفون ويحلّون المشكلة فيما بينهم، فلا يحتاجون للشرع
.
أعجب الأمير
بأجوبة ابنه، وفرح به وقال له: عليك الأمان عد إلى القبيلة وستكون ولي عهدي في
مشيخة القبيلة منذ الآن، فعاد الجميع إلى الديار وعاشوا بالفرح والسرور
والسعادة والحبور .
   
الشـيخ بشـر
الراوي: حيان
شبان
كان في قديم
الزمان شيخ قبيلة اسمه بشر، تعيش معه أمه وأخته، وكان مضرباً عن الزواج رغم
أنه وسيم وكريم، ومشهور بين القبائل
.
سمعت بقصته
أميرة تسمّى حسنة بنت الشيخ حمدان، فقرّرت أن تصل إليه وتتزوجه، فحضرت إلى
القبيلة متنكّرة بملابس الرجال برفقة والدها، فنزل ضيفان على الشيخ بشر،
فأكرمهما لمدّة ثلاثة أيام، وعندما أرادا الرحيل طلبت من الشيخ بشر أن يساعدها
في الركوب على الفرس، فأمسك بيدها فأحسّ بنعومتها، ولمّا رفعها بان شعرها مثل
الحرير فعرف أنها فتاة، ونظرت إلى الشيخ بشر نظرة ساحرة أفقدته صوابه، ومضيا
إلى ديارهما، فأضرمت النار في قلبه وزادت اشتعالاً بعد سفرها، ولم يعد يستطيع
أن ينام، فجمع وجهاء القبيلة وأسرّ لهم بلواعج نفسه، وأنه قرّر أن يتزوج من
حسنة بنت الشيخ حمدان
.
ذهب الوفد
كالعادة وخطبها له، وأقاموا الأفراح والأعراس سبعة أيّام بلياليها، وذبحوا
الذبائح وأقاموا الولائم ودخل الشيخ على عروسه، فوجدها كالبدر في السماء ونجمة
تضيء في الليلة الظلماء وعاشا في الفرح والسرور، غير أن حظّ حسنة كان سيئاً فلم
تحبها أمه وأخته وعلى قدمها أصاب الديار القحط، وقلّ الماء والكلأ والمرعى
فتشاءمت المرأتان منها.
طال المحل
واشتدّ الضيق على القبيلة، فخرج الشيخ بشر مع بعض الفرسان يفتشون عن مراعٍ
جديدة وأرض خصبة، وأمضوا شهوراً في البحث والتجوال، ومنذ خروج الشيخ أخذت أمه
وأخته تضايقان زوجته حسنة وتعذبانها، وتكلفانها بأصعب الأعمال، ويقدمان لها
قليلاً من أسوأ الطعام حتى مرضت وهزل جسمها وشحب لونها ولما عاد الشيخ رأى
حالها فاغتمّ كثيراً وحزن عليها، وسألها عن حالها فلم تقل له شيئاً عن معاملة
أمه وأخته.
وأرادت أمه
وأخته أن يكيدا لها، فأخبروه أن زوجته عاشقة ولها صاحب وقد مرضت من أجله، فغضب
أشدّ الغضب وهمّه الأمر والتفكير، وحتى يتفادى الفضيحة في القبيلة قرّر أن يرسل
زوجته إلى أهلها ويتركها عندهم. عرفت حسنة بالمكيدة التي دبرتها أمه وأخته لها,
فسكتت وصبرت وتأكّدت أن زوجها سيبعثها إلى أهلها ولن يعيدها، وأرسل معها قافلة
لتوصلها.
في منتصف الطريق
نزلت القافلة على عين ليستريحوا من عناء السفر، فطلبت منهم أن يتركوها ويعودوا
إلى ديارهم لأنها أصبحت قريبة من مضارب قبيلتها فأطاعوها، وبقيت وحدها إلى
المساء فصعدت إلى شجرة، ونامت عليها حتى الصباح.
صادف في هذا
الوقت أن ورد شاب اسمه فجر هو ابن الشيخ صالح شيخ القبيلة، ومعه ثلّة من فرسان
قبيلته، وبينما كان يجلس تحت الشجرة وهو ينظر إلى الماء لمح شبح حسنة في ماء
العين، فتعجب ورفع نظره إلى الشجرة، فرآها وأنزلها وحملها معه إلى قبيلته،
وأسكنها مع أمه وأعطاها الأمان، لكنها لم تحك له قصتها، وطلبت منه ألاّ يسألها
عن أمرها شيئاً فوافق على ذلك، ومع الأيام أحبها الأمير فجر وأخذ يطلبها
للزواج، لكنها كانت تمهله وتؤجّل الموضوع بشتّى الحجج، حتى كادت أن تيئس من
المماطلة، وخافت أن تضعف وترضى قبل أن تعرف ما حلّ بزوجها وتبرئ نفسها.
لكن الأمور جرت
سريعاً فقد قامت قبيلة الشيخ صالح بغزو قبيلة بشر زوج حسنة بعد أن أنهكهم الفقر
والجوع فنهبوها، وأسروا فرسانها ومن بينهم الشيخ بشر وأمه وأخته، وعادوا بهم
إلى مضارب القبيلة مكبّلين
.
وفي ليلة مقمرة
كانت حسنة تنشد قصيدة حزينة تحكي قصتها، وعذابها سمعها الشيخ بشر في أسره، فطلب
مقابلة الشيخ صالح، وقصّ عليه حكايته وطلب منه أن يسمح له بمقابلة زوجته حسنة،
فلما اجتمع الجميع حدّثتهم عن قصتها مع أمه وأخته فثار الشيخ بشر، وأراد قتلهما
فمنعه الشيخ صالح، وعقد الجميع اتفاق صلح بين القبيلتين على أن تعود حسنة إلى
زوجها بعد موافقتها، وأن تبقى أمه وأخته في هذه القبيلة، فتزوج ابن الشيخ صالح
أخت بشر، والشيخ صالح تزوج أمه، وعاد بشر وأفراد قبيلته إلى الديار محملين
بالهدايا والمؤن والمال، ولمّ الشيخ بشر شمل قبيلته من جديد، ووجد أرضاً خصبة
وفيرة المياه والمراعي، وعاشوا في أحسن حال وخلًفوا الصبيان والبنات
.
   
فـطـوم
الراوي: حيان
شبان
كان في شيخ عرب
وعنده بنت وحيدة وجميلة وصاحبة دين وأخلاق حميدة اسمها فطوم، وكانت تحب أباها
وتخدمه، وتصنع له القهوة المرّة ولها دقّة مهباج رائعة ومميزة ومشهورة بين
الناس، وكان عندهم عبد أسود يخدمهم ويلبي حاجاتهم
.
في أحد الأعوام
أراد الشيخ أن يذهب إلى الحج، فجهّز نفسه وأوصى العبد بابنته خيراً وودّعهم
وسافر، وفي أحد الأيام عاد العبد إلى البيت فوجد فطوم بالحمّام، فلعبت نفسه
عليها وأراد منها الفاينة، فقاومته وضربته بالعصا، فكسرت رجله وقعد بالأرض لا
يتحرك، فحقد عليها وصمّم على الانتقام منها
.
لمّا عاد أبوها
من الحج رأى العبد مكسوراً, فسأله عن السبب ؟ فطلب منه الأمان، فأعطاه الأمان
فقال له: يا سيدي ابنتك صاحبت رجلاً وأحضرته إلى البيت، فلما أردت منعها ضربتني
هي وصاحبها، فكسرا رجلي وقعدت على الأرض منذ ذاك اليوم، فغضب الأب وفار دمه
وطلب ثلاثة رجال من القبيلة، وأمرهم أن يأخذوها إلى البرية ويذبحوها، فأخذها
الرجال ولما ابتعدوا عن المضارب أرادوا أن يفعلوا معها الفانية قبل أن يذبحوها،
وصاروا يتقاتلون عليها، فقالت لهم: أنا أحلّ الخلاف بينكم سأرمي حجراً بالمقلاع
ومن يسبق ويعود بها أكون له، فوافقوا ورمت الحجر بعيداً، فتسابقوا عليها ولمّا
ابتعدوا ركبت الفرس وسابقت الريح وهربت منهم، ومرت في طريقها على عين، فنزلت
عليها وغسّلت وشربت، وجلست ترتاح تحت شجرة ونامت
.
مرّ أحد أمراء
العرب فشاهدها وأعجبه حسنها وجمالها، فعاد بها إلى القبيلة وكتب كتابه عليها،
وتزوجها على سنة الله ورسوله وبعد أعوام ولدت له ولدين، بعد فترة من الزمن وفي
أحد الأيام قالت لزوجها: إنها اشتاقت لأهلها وتريد أن تذهب إليهم لتطمئن على
والدها، وكان الأمير مشغولاً فطلب من أخيه أن يوصلها إلى أهلها، ويبقى معها
عندهم مدّة أسبوع ثم يعيدها إلى القبيلة.
أخذها شقيقه
وسارا في طريقهم إلى ديار أهلها، وفي الطريق نزلا قرب بئر ماء ليأكلا ويشربا
ويرتاحا قليلاً، فطلب الأخ منها الفاينة فرفضت، وهدّدها بأن يرمي أولادها في
البئر، فلم تقبل، فرمى الأولاد واحداً بعد الآخر وهي مصرة على موقفها، ثم رماها
وراءهم في البئر وعاد إلى دياره، وقال لأخيه: بأن زوجته هربت منه في البرية،
وهو نائم وبحث عنها كثيراً فلم يجدها، فغضب زوجها كثيراً وحزن لأمرها، وصمّم أن
يبحث عنها ويجدها ليذبحها ويغسل عاره منها.
أما المرأة
والأولاد فقد جاء أحد الرعاة ليسقي غنمه، فسمع صوت أنين في البئر فنزل وأخرجها
من البئر وأنقذها وأخرج الولدين ميتين، وأخذها إلى مضارب قبيلته ورعاها حتى
صحّت، فأخذت ثياب من الراعي، ولبست ثياب الرعاة، ووضعت على رأسها عقالاً وحطّة
وتلثّمت، وتابعت طريقها حتى وصلت مضارب أهلها فدخلت ضيفة على أبيها، فرحب بها
وأضافها ثلاثة أيام بعدها قالت له: إنها غريبة ومقطوعة، وترغب أن تبقى عنده
تخدمه، وتعمل عنده بأكلها فقط، فوافق الرجل فصارت تنظّف وتكنس وتطبخ له وتصنع
القهوة المرّة، وعندما كانت تدق على المهباج تذكّر الرجل ابنته فبكى عليها.
أمّا العبد فقد أحس بالشؤم من سماع دقة المهباج، وتذكّر فعلته مع ابنة سيده،
فكره هذا الرجل الدخيل والغريب، وصمّم على التخلص منه بأقرب فرصة
.
لم يمض عدة أيام
حتى حضر زوجها وأخوه الذي خرج للبحث عنها إلى بيت هذا الشيخ، فرحب بهما وقدّم
لهما الطعام، وسألاه عن امرأة معها ولدان هربت منهما فنفى أنه شاهد أحداً، وفي
المساء اجتمع أفراد القبيلة عند الشيخ، وبينهم الرجال الثلاثة الذين أخذوا فطوم
ليذبحوها وزوجها وأخوه والعبد وطالت السهرة، فطلب الشيخ من ابنته أن تقص عليهم
حكاية لتمضية السهرة، وكانت تنتظر الفرصة لتكشف نفسها وتفضح الجميع أمام والدها
وزوجها، فبدأت برواية قصتها دون أن تذكر الأسماء، ولما وصلت لذكر ما فعل العبد
صرخ بها، واتهمها العبد بالكذب وأن حكايتها قبيحة، وأراد الخروج فأمره الشيخ
بالجلوس، وقد أحس بأن قصة هذا الرجل الغريب تشبه قصة ابنته، ولما وصلت إلى
الرجال الثلاثة قاموا ليسكتوها ويضربوها، فأمر رجاله باحتجازهم، فتابعت الحكاية
إلى أن وصلت إلى قصة الأمير زوجها، فعرف أنها تحكي قصته، ففرح بها كثيراً
واستبشر خيراً وعندما بدأت بقصة أخيه قام أخوه غاضباً وسحب سيفه، وأراد أن يضرب
عنقه فأوقفه رجال القبيلة، وعندها قامت ورمت العقال والحطّة عن رأسها، فعرفها
الجميع وفرح الأب والزوج لنجاة فطوم من كل هذا الظلم، وحاكموا الجميع وأعدموهم
جزاء أفعالهم الشنيعة وانتقموا لشرفهم، ثم أقاموا الأفراح من جديد وعاد
العروسان إلى ديار القبيلة وجدّدوا الأفراح والليالي الملاح، وعاشوا بالثبات
والنبات وخلّفوا صبيان وبنات
.
   
مـوفق وجـنية
المـلك الأحـمر
الراوي: حيان
شبان
كان أبوه شيخاً
للقبيلة وصاحب ثروة كبيرة وشخصية مشهورة بين العرب بالكرم والجود، يعطي المحتاج
ويطعم الضيوف ويفك الضيق ولا يرد طلباً لأحد. دارت الأيام وتغير الزمان، فأصيبت
قطعان الشيخ بالوباء وأضاع ثروته بالسخاء، وشحّت موارده حتى اضطر لبيع أملاكه
ليسد حاجته، فضاقت به الأحوال وانسدّت أمامه السبل، فجمع زوجته وابنه وقال لهم:
كما ترون لم نعد نملك ما يسد الرمق والجوع ولا نستطيع أن نمد يدنا إلى أحد،
لذلك سأخرج وأفتش عن عمل بين القبائل حتى الله يفرجها علينا.
عارضه ابنه موفق
وطلب منه أن يبقى مع أمه، وسيخرج هو للعمل وتجادل الأب وابنه حتى اضطر الأب أن
يوافق ابنه. في الصباح ودّع موفق والديه وطلب منهما الدعاء، وسار في الصحراء لا
يعرف إلى أين يذهب، وبقي على هذه الحال حتى شارف على مضارب إحدى القبائل فلجأ
إلى مضافة الشيخ، الذي استقبله بالترحاب وصب له القهوة وقدم له الطعام، ثم جلس
مع الحاضرين ساكتاً طول النهار إلى أن بقي وحده مع الشيخ، عندها قال للشيخ: إنه
غريب ومقطوع في هذه الديار ويبحث عن مأوى وعمل، ففكّر الشيخ وقد توسم في هذا
الشاب خيراً، وعرض عليه عملاً أن يصبّ القهوة في المضافة أو الطبخ أو التنظيف،
وهو يعتذر عنها حتى وافق معه أن يعمل راعٍ عند الشيخ مع باقي الرعاة.
في الصباح خرج
موفق مع الرعاة إلى المراعي، وهناك ابتعد بغنمه عن القطيع وجلس تحت شجرة، وأخرج
الناي من جيبه، وبدأ يعزف عليه أحلى الأنغام والأغنام ترعى حوله. وفي المساء
جمع قطيعه وعاد خلف بقية الرعاة إلى المضارب، وبقى على هذا الحال خمسة أيام
خلالها كانت وطفة بنت الشيخ تراقب تصرفاته وأفعاله، وقد أعجبت بحسنه وأخلاقه،
وقالت في نفسها: إن صفات هذا الشاب ليست صفات الرعاة. فحملت منسفاً من أحسن
الطعام إلى المرعى، وجمعت الرعاة ودعتهم إلى الطعام، لكنها لم تر موفقاً بينهم
فسألتهم عنه، فأشاروا إلى مكانه تحت الشجرة غير بعيد عنهم، وقالوا لها: إن هذه
عادته, يقضي اليوم وهو يعزف على الناي، فأرسلت في طلبه فاعتذر عن الحضور وعن
الطعام، فتعجّبت أكثر من تصرفاته وزاد حبها له أكثر.
وفي أحد الأيام
بينما كان يعزف على الناي، خرجت من الأرض غمامة بيضاء ثم تحولت أمامه إلى صبية
مثل القمر، تمشي بغنج ودلال فسلّمت عليه، وجلست بجانبه تستمع إلى ألحانه الشجية
حتى انتهى، فعرّفته على نفسها بأنها بنت ملك الجن الأحمر، وأنها سمعت أنغامه
الساحرة فاشتاقت إلى رؤيته فاستأذنت أباها بالخروج إليه والاستمتاع بقربه، وفي
المساء ودعته وعادت إلى مكانها، وبقيت تزوره عدّة أيام وفي كل يوم يزيد حبها
له، وتعلقها به حتى إنها دعته لزيارتها، والتعرف على أهلها وقصرها فوعدها
بتلبية طلبها في اليوم التالي، وعندما حان الموعد حضرت إليه كالعادة وأمسكت
بيده، وطلبت منه أن يغلق عينيه، وتحولت إلى غمامة بيضاء تغلغلت في شقٍّ صغير في
الأرض، ولما فتح عينيه وجد نفسه في قصر عظيم لم ير مثله على وجه الأرض، أحجاره
من الياقوت والمرمر وفرشه من الديباج، وستائره من الحرير ووسائده من ريش
النعام، فظن نفسه في جنة من الجنان، ورأى في القصر صناديق من الذهب والجواهر لا
تعد ولا تحصى، وطلبت له الطعام فحضرت مائدة عظيمة عليها أطيب الطعام، وأشهى
المأكولات لم ير مثلها في حياته، فأكل وشرب وجلس مع مضيفته وكأنه في الأحلام.
عندما حلّ موعد
الرحيل قالت له الجنية: أنا عشقتك وأرغب في أن نتزوج على سنة الله ورسوله، وهذا
القصر وكلّ ما أملك هو ملك لك، فوعدها أن يفكّر في الموضوع وأنه عليه أن يشاور
والديه. فأعطته سواراً من المطاط المذهّب، وقالت له: إذا احتجتني اضغط على
السوار أحضر فوراً أمامك. ثم ودعته وأغمض عينيه ثم فتحهما فوجد نفسه وحيداً
تحت الشجرة، وكان الوقت مساءً فلم يجد أحداً من الرعاة في المراعي، فظن أنهم
عادوا وتركوه وعاد إلى مضارب القبيلة، فوجد الناس مجتمعين عند الشيخ وهم
صامتون، وكأنّ على رؤوسهم الطير والحزن بادٍ على وجوههم دون أن يدري سبب هذه
الحال، فدخل وجلس في طرف المجلس، وكان العبد يدور بالقهوة على الحضور فلا يشرب
القهوة أحد، ولما وصل إليه أخذ فنجان القهوة وشربه، فصاح الجميع: والله أنت
قدها يا موفق ما في غيرك لها. فعرف وقتها أنه أوقع نفسه في قضية كبيرة دون أن
يدري، وعرف أنه جاء غزو على الديار وساق معه كلّ الحلال، ولم يتجرأ أحد أن يلحق
به، والعادة أن يجتمع رجال القبيلة في مضافة الشيخ يتباحثون في الأمر، ويدور
فنجان القهوة عليهم فمن يشربه معناه أنه يتكفّل بإعادة الحلال، فكان فنجان
القهوة من نصيب موفق، فقال والله علقت وما حدا سمّى علي، ولم يستطع التراجع
أمام الناس فركب فرساً وأعطوه سيفاً وسار وراء الغزاة، ولما ابتعد عن المضارب
ضغط السوار فحضرت الجنية أمامه، فأخبرها بما جرى وصار، فوعدته خيراً وأعطته
صندوقاً من الذهب وقالت له اخل على شيخ القبيلة وأعطه ما يريد من الذهب مقابل
رد الحلال، واعرض عليه باقي الذهب مقابل أن يذهب لعند شيخك، ويصالحه حتى تزيد
قيمتك عنده، فإن شيخ هذه القبيلة يحب المال فتكون قد حققت هدفين معاً، رجعت
الحلال وصالحت القبيلتين.
ثم أمسكت بيده
وأغلق عينيه وفتحهما فوجد نفسه أمام بيت شيخ القبيلة الغازية، فدخل وسلّم عليه
وعرفه بنفسه وعرض عليه ألف ليرة ذهبية مقابل إعادة الحلال، فوافق معه وأمر
الرعاة أن يجمعوا الحلال ويعيدوه للقبيلة بأنفسهم، وقبل أن يرحل موفق دعا شيخ
القبيلة أن يذهب لعند شيخ قبيلته على الغداء ليتصالح معه ويعتذر له مقابل ألف
ذهبية أخرى، فوافق أيضاً ووعده أن يكون في الغد عند الشيخ مع كبار قبيلته، وعاد
موفق بالحلال فاستقبله الجميع بالزغاريد والهتافات، وعمت الفرحة والاحتفالات
وأجلسه الشيخ قربه، وهنأه بالسلامة والانتصار على الأعداء، وسأله أن يقصّ
للجميع حكاية بطولته، فروى لهم قصة أقرب إلى الخيال، وقال له في نهاية الحديث:
غداً يكون شيخ القبيلة الغازية عندك على الغداء حتى يصالحك ويعتذر منك، فطار
عقل الشيخ من الفرحة، وفي اليوم التالي استقبل الشيخ ووفده وصحبه وعمل وليمة
كبيرة وتصالح الطرفان، وراقت بينهم الأحوال وزادت قيمة موفق بين أفراد القبيلة.
أما فضة بنت
الشيخ فقد زاد حبها له، وطلبت من موفق أن يخطبها من أبيها ويستغل هذه الفرصة
الثمينة، فتقدم موفق إلى الشيخ وطلب يد ابنته، فأمهله عدّة أيام حتى يردّ له
الجواب، وعندما اختلى الشيخ بابنته أخبرها بطلب موفق لها، فوافقت في الحال، لكن
الشيخ قال لها: إن موفقاً مجرّد راعٍ وغريب لا نعرف أصله، وفصله فكيف تتركين كل
الشيوخ والأمراء وترضين بهذا الراعي، فأصرّت فضة على موقفها، فأجل البتّ
بالموضوع إلى بعد عودته من ردّ زيارة شيخ القبيلة التي تصالح معها على يد موفق،
لإكمال الصلح كما جرت العادة.
بعد يومين ركب
الشيخ مع كبار أهل القبيلة وعلى رأسهم موفق لتلبية دعوة شيخ القبيلة الثانية،
وبقيت فضة في البيت وحدها فخرجت في المساء إلى العين لتملأ القربة، فصادفها أحد
عبيد والدها ولما رآها وحدها حاول الاعتداء عليها، فقاومته وتعارك معها فضربها
على رأسها فأغمي عليها، وظن أنها ماتت فخاف وحملها إلى بئر مهجور ورماها فيه
وعاد وكأن شيئاً لم يحدث.
عاد والدها آخر
الليل فاعتقد أن فضة نائمة فلم يفتقدها، وفي الصباح لم يرها فسأل عنها، وبحث مع
أفراد القبيلة فلم يجدها فاعتقد أنها اتفقت مع موفق على الهرب، فطلب موفقاً
واستجوبه فأنكر فأمر بتعذيبه حتى أغمي عليه، فاعتقدوا أنه مات فحمله بعض
الرجال، وألقوه في البئر المهجور مع فضة.
في اليوم التالي
تعرضت القبيلة لغزو من قبل قبيلة قوية قتلت أكثر الرجال، وأسرت الباقي ونهبت
الحلال، وهرب الشيخ مع بعض الغلمان في الصحراء لا يعرفون أين يتوجهون، إلى أن
وصلوا إلى قرب البئر المهجورة وهم عطشى, فحاولوا نشل بعض الماء من البئر، ونزل
أحد الرجال في البئر فوجد فيه جثة شخصين في أسوأ حال، فنادى على أصحابه
وانتشلوهما فإذا هما فضة وموفق، فتعجب الشيخ من هذه الصدفة العجيبة وفحصوهما
فوجدوا فيهما بعض الرمق من الحياة فعالجوهما حتى شفيا. أخبرت فضة والدها بقصتها
مع العبد، فندم الشيخ على ظنه السوء بموفق ومبادلته المعروف بالأذى وقال: الله
حكيم فقد جازاني على ظلمي، واعتذر من موفق وطلب منه السماح وقص عليه ما تعرضت
القبيلة من الغزو والقتل والنهب.
طيّب موفق خاطره
ووعده أن ينتقم له من القبيلة ويعيد له الحلال، فرح الشيخ وعاهده أن تكون فضة
من نصيبه بعد أن تنجلي هذه المصيبة وتعود الأمور كما كانت، وفي الحال أخذ موفق
فرس الشيخ وطلب أن ينتظروه حتى يعود، فركبها وغاب عن الأنظار، ثم ضغط على
السوار فحضرت بنت ملك الجن الأحمر، سألته عن حاجته فأخبرها بكل ما جرى، فقالت
له: الأمر بسيط وستفوز بكل ما تريد إن شاء الله، لكن أريد منك وعداً أن تتزوجني
مع فضة أيضا، وتحقّق لي رغبتي في أن أكون معك ولو مع ثلاثة نساء. فرح موفق من
قولها وعاهدها على ذلك، فأعطته سيفاً سحرياً يحارب فيه جيشاً بكامله، ثم أغمض
عينيه وفتحهما فإذا هو في مضارب القبيلة التي غزت جماعته، وقد تجمع الفرسان
والرجال في مضافة الشيخ يحتفلون بالانتصار والغنائم، فدخل عليهم وقال للشيخ:
أنا من القبيلة التي غزوتها وقتلت رجالها وسلبت أموالها وحلالها وأريد منك في
الحال أن تعيد كل ما أخذته ولا تقترب من هذه القبيلة لأنها في حمايتي.
ثار الرجال
وغضبت الجموع وهجموا على موفق يريدون قتله، فأشار عليهم بالسيف فوقعت رؤوسهم
على الأرض، فهجمت عليه دفعة أخرى فجرى لهم ما جرى للسابقين وامتلأت الساحة من
رؤوسهم، خاف الشيخ وباقي الرجال فأمر الشيخ رجاله أن يعيدوا كل ما أخذوه من
القبيلة، وفوقه مثله ويوصلوه إلى مضارب قبيلة أبو وطفة، ركب موفق وسار على
مقدمتهم طوال الليل، وفي الصباح كان عند الشيخ أبو وطفة فاستقبله بالفرحة
والابتهاج، وضمه وقبّل رأسه وقال: والله فعالك فعال الجبابرة وليس فعال رعيان،
وعاد الجميع إلى المضارب وأقاموا الاحتفالات والأفراح، وذبحوا الذبائح وأقاموا
الولائم. وعقد كتاب موفق على وطفة وقدم له موفق صندوقاً من الذهب مهراً لها،
وعرّفه موفق على نفسه وأنه ابن شيخ قبيلة جار عليه الزمان، وخرج يطلب العمل
فساقته الأقدار إليه، فرح الشيخ أكثر وصنع له عرساً لم تر مثله القبائل في كل
البادية وزفّه على وطفة، وبعد عدة أيام طلب موفق الرحيل إلى أهله ودياره فحزن
الشيخ على فراقه وحمّله بالهدايا والحوائج، وودعهم وسارت القافلة حتى وصلت إلى
المراعي، فضغط على السوار فحضرت بنت ملك الجان، وهنأته بالسلامة وبالعروس
وأنزلته مع عروسه إلى قصرها، وأحضرت والديه ففرحا برؤيته سالماً غانماً بعد هذا
الغياب الطويل، ثم عقد قرانه على بنت ملك الجن الأحمر التي بنت له قصراً فوق
الأرض وجدّدوا الاحتفالات والأفراح، وعاشوا جميعاً باللذة والنعيم وطيّب عيش
السامعين.
   
مـن زعـل إلى
فـرح
الراوي: فرحان
العموري
كان زعل أصغر
أخوته بسيط أبله، بالي الثياب تظهر عليه الوساخة في كل الأوقات, مكانه قرب
العتبة يقوم بخدمة الجميع، وينفّذ الأوامر وكان ملطشة للصغير والكبير، وكان
اسمه زعل ويسمونه راعي البقر
.
أخوته فارغو
الأشغال كسولون لا عمل لهم ولا حركة, همهم التمتع باللباس والطعام والراحة،
وجدوا له فتاة بسيطة مثله، طيبة درويشة، اسمها وطفة رضيت به وتزوجته، وتحمّلت
معه بعض الأعمال، فكان هو يرعى البقر ويخدم والديه وأخوته، وهي تنظّف الإسطبل
وتصنع "الجلّة" من "الزبل" لاستخدامها في وقود التنور والموقد، وتخدم أمه
وزوجات إخوته .
طال هذا الحال
على المرأة سنوات، وهي تعمل بجد واجتهاد دون تذمّر ولا شكوى حتى كدّها التعب
فلم تعد تتحمّل، فقالت لزوجها يوماً: أنا سأذهب زعلانة لعند أهلي وعندما سيأتي
أهلك ليراضوني سأطلب منهم بعض الطلبات، وما عليك سوى أن توافقني، وتتمسك بي
مهما كلّف الأمر إن كنت تريدني ؟ فوافق زعل
.
ونفذت وطفة ما
خطّطت له وذهبت إلى أهلها زعلانة، وبعد أيام ذهب أهله لمراضاتها وإعادتها إلى
البيت فاشترطت عليهم أن تسكن وحدها، وأن يعطوهما بقرة ويعيشون مستقلّين عن
العائلة، رفض الأهل وأصرّت هي، فطلبوا من زعل أن يطلّقها، فأبى وأصرّ على
التمسك بزوجته فسبّوه وعنّفوه وتركوه عند أهل زوجته
.
احتضنته زوجته
وباعت أساورها واشترت له بقرتين، وقالت له: قم ارع بقرك بدلاً من أن ترعى بقر
أهلك، فعمل هو وزوجته بكل جدٍّ ونشاط، وبعد عدّة أعوام أصبح عنده قطيعاً من
البقر يدرّ عليه كمية كبيرة من الحليب، فتصنع الزوجة منه الجبن والزبدة وتبيعه
في السوق، وجمعت كمية من الأموال فاشترت له "جلابية" غالية وشروالاً وجاكيتاً
وحطّة وعقالاً فلبسها وبدا كالأمير، وبنت له مضافة كبيرة فرشتها بالمساند
والسجّاد ووضعت له كانوناً كبيراً وقهوة مرّة وجلس فيها كأنه شيخ عرب، ثم طلب
والديه ليعيشا معه ويخدمهما بنفسه، بعد أن ساءت أحوال أهله وأخوته باعوا البقر،
وصرفوا ثمنه وقعدوا على الحديدة، فعاش والديه عنده معززين مكرمين يخدمهم زعل
وزوجته ولم يتركهما يحتاجان شيئاً وصارا يدعوان له بالتوفيق والنجاح
...
وبعد مدة جاء
أخوته يهنئونه ويباركون له واجتمعوا حوله يستجدونه بعض الطعام والمال بعد ما
عانوا من الفقر والجوع، فعرض عليهم أن يعملوا عنده ويرعوا البقر، ويخدمونه
مقابل إعالتهم وصرفه عليهم فرضوا بذلك
...
وعاش عيشة كريمة
لم يحسد الشيوخ عليها، وذلك بفضل زوجته الحكيمة والكريمة وتدبيرها الحسن، فصار
أفضل من إخوته وأحبه الناس واحترموه، وأصبح له قيمة كبيرة بين الناس...
ومن وقتها تغير
اسم زعل وأصبح اسمه الشيخ فرح
.
   
ســت الكـل
الراوية: نزهة
الصوفي
كان تعيش امرأة
عجوز وعندها ثلاث بنات، الصغيرة اسمها ست الكل، لما حضر العجوز الوفاة، وزّعت
رزقتها على بناتها، فأعطت الكبيرة الطاحونة، والوسطى أعطتها المعصرة، أما
الصغيرة فأعطتها الموقدة. تزوجت الكبيرة وصارت تشتغل بالطاحونة هي وزوجها،
وعاشوا أحسن عيشة. وتزوجت الوسطى وصارت تشتغل مع زوجها بالمعصرة، وتعصر زيتون
وعاشا بأحسن حال.
بقيت الصغيرة لم
يتقدم لخطبتها أحد لأنها فقيرة الحال، والموقدة القديمة لا تنفع شيئاً.
في
يوم من الأيام ضاقت عليها العيشة، فقالت في نفسها: هذه الموقدة لم تنفعني وسببت
لي الفقر، فهدمتها وإذ تحتها حلقة سحبتها، فإذ بها معلّقة بحجر تغطي تحتها
سرداباً، رفعت الغطاء ونزلت به فرأت حديقة غناء فيها أشجار وفواكه من كل
الأنواع، فصارت تأكل حتى شبعت، وبينما هي فوق إحدى الأشجار جاء فارس فنزل تحت
الشجرة، وربط فرسه وخلع حذاءه وأخرج منه دودة، قرأ عليها فتحولت إلى امرأة
جميلة فجلس معها، وأنزل منسفاً عليه خروفاً محشياً، فأكلا وانبسطا، ثم سقته
المرأة شراباً فنام لوقته فحملت المنسف، وذهبت به إلى مغارة قريبة فيها عفريت،
سلّمت عليه وجلسا فأكلا الطعام وانبسطا وناما.
اقترب موعد
استيقاظ زوجها من النوم عادت إليه، فسألها ماذا حدث؟ أجابته أنه نام ونامت
جنبه، ثم أعاد المرأة على شكل دودة، وضعها في الحذاء وركب فرسه وعاد إلى بلده
.
رأت ست الكل من
مكانها على الشجرة كل شيء، فتألمت على وضع الزوج المسكين المخدوع، في اليوم
التالي وفي الموعد نفسه حضر الفارس ونزل تحت الشجرة، وأخرج الدودة من الحذاء
وتحولت إلى امرأة وفعلت مثل المرّة الماضية وسألها وأجابته بذات الكلام، غضبت
منها ست الكل وهي تكذب على الفارس بهذا الكلام، فأخذت ليمونة من الشجرة وضربت
المرأة على رأسها فأصابت عينها، وصرخت من الألم، فصعد الفارس إلى الشجرة وأنزل
ست الكل وربطها، وقرّر أن يقطع رأسها فقالت له: قبل أن تقطع رأسي اسمع مني هذه
الحكاية. فقال: نعم سأسمع منك آخر حكاية في حياتك، أحكيها لكن بسرعة.
فروت له ست الكل
قصتها بالكامل حتى وصولها إلى الشجرة، وما رأته من المرأة التي معه وكيف كانت
تسقيه فينام، وتأخذ المنسف لعند العفريت وأنها تكذب عليه في كل مرة.
عندما سمع
الفارس القصة غضب، وسحب سيفه وقطع رأس امرأته، فتدحرج على الأرض إلى أن وصل إلى
مغارة العفريت، فلما رأى العفريت ما حدث لصاحبته جن جنونه، ولحق آثار الدم إلى
الشجرة، فشاهد الفارس وست الكل. فعزم عليه ورشّه بكأس من الماء فحوله إلى دودة،
فوضعته ست الكل في حذائها، وأخذهما العفريت إلى المغارة وصار يعذبها أشد
العذاب، فقالت له ست الكل: المرأة التي كنت تعشقها ماتت وأنا صبية وأحلى منها،
فما رأيك أن نتزوج ؟ وأبقى أخدمك طول الحياة، فكّر العفريت قليلاً وقال في
نفسه: هذا الكلام صحيح وقد ماتت صاحبتي وانتهت، وهذه أحلى منها فوافق على
فكرتها وحلّ رباطها، وطلب منها أن تجهّز نفسها، فقامت وكنّست المغارة وعملت له
أطيب طعام، فأكل حتى شبع وعملت له شراباً، ووضعت له منوماً فيه فشربه ونام.
قامت ست الكل
لتهرب فنظرت إلى العفريت، فرأت في يده خاتماً قديماً ففركته، فظهر خادم الخاتم
وهو مارد عملاق ضخم، فعرض عليها خدماته، فطلبت منه أن يحول العفريت إلى دودة،
ويعيد الفارس كما كان، فرشّ على العفريت ماء وحوله إلى دودة، فوضعته في حذائها،
وأعاد الفارس كما كان وطلبت من المارد أن يحملها إلى ديار أهل الفارس، وهناك
أمرت العفريت أن يبني لها قصراً مثل قصر السلطان وفيه خدم وحشم دخلت عليه هي
والفارس، فرأته أجمل قصور الدنيا وتزوجها الفارس، وعاشوا بثبات ونبات وخلفوا
صبياناً وبناتاً .
   
الليمـونات
الثـلاث
الراوي: وردة
الشيشكلي
كان يا ما كان
في قديم الزمان يحكى أنه يوجد ملك من الملوك، وله زوجة جميلة يحبها كثيراً،
ولكنها لم تنجب له أولاداً فعاشت الملكة حزينة مهمومة، تدعو الله ليل نهار أن
يرزقها |