الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

قصص

 

ملاحقة

استقامة

الصوت

الثمرة

الخريف

الكوة

الجدار

الوليمة

قناعة

الانجاز

المفتاح 

تلك الرحلة

  مفازات

 

بقلم الكاتب: غسان كامل ونوس

 

مفازات

 

الإهــــداء

إلى لهفة العبور ومرارته

 

الخريف

 

-1-

 

في الوقت الذي بدأت الشمس تشيح بوجهها، متدثرة بغشاء رمادي يسودّ باطراد، كانت غشاوة مماثلة تنسدل في عيني، فتمعن المشاهد في ارتدادها إلى زمن تنغل فيه الأحداث، وتتردد في أركانه أصداء موقعة لنوبات تتواتر حادة في أوقات مشابهة. وهذا ما يجعل من الليل شركاً، أعيش طوال النهار وسواسه.

الليل والخريف مروعان، فكيف إذا اجتمعا؟!

"ليس ليل الشتاء أقل قسوة. لكن صخب الخصوبة وترقب الخضرة وصدى الانبعاث، على الرغم مما يرافق ذلك من حركة ورعب، تثير إحساساً بالمشاركة، حتى لو كان تخاصماً واصطراعاً، فتشعر أنك لست وحيداً، كما هي حالك الآن!"

ساكناً بانتظار أمر جلل، كما يشي ليل الخريف بتكاثف عتمته، وما يخلفه اصفرار النهار المتقاصر في النفس من إحساس بالمرارة والخسران. ربما يزيد من وقع كل ذلك توجس من أوقات أكثر عصفاً. هل تكفي هذه المبررات لكل هذا القنوط؟!

-2-

ذات أمسية حالكة، قال أبي:

- صرخت أمك بجنون، فاندفعتُ راكضاً إلى المولدة في القرية التالية. لم يكن الوقت يسمح بإحضار إحدى جدتيك، أو أي من نسوة الحارة البعيدة. استطعت البقاء، وأصر توأمك على مرافقة أمه إلى المقبرة.

"لم يكن ذنبك، أو على الأقل، ليس ما يثبت عكس ذلك، ولا ما يريح.

ما زلتَ تقيم النذر الذي أولمه والدك عن روحك. وها أنت تستمر، غير متأكد أيضاً من أن هذا البقاء، بكل ما يحمله من أصداء وزفرات، هو من فضائله."

*

"مصلوب في دوارة التقصي، في أي سمت تروم التوجه، تتعثر بحشرجات النكوص، ونتوءات التحسر. تغربك اللحظات طويلاً، قبل أن تلقيك مثخناً بالقروح. فإلى أية نهاية تلوذ؟! وبأية خاتمة تستعيذ؟! هل المسارات أم الساري؟! وما في الرجوع وعد؟!"

-3-

البدايات الحثيثة المتدافعة لم تتوقف، رغم كل ما كان في مقتبل الحضور من اكتئاب. والخريف فصل البدايات والنهوض المتواثب عبر الدروب المستحيلة، كما بدت في كثير من الأحيان. لم أتردد. وفي كل ابتداء استعداد وأمل، وزوادة من دعاء، ونذور وصلوات.

لم تكن البديلة عن أمي أماً. ولم تكن قارسة. لكنني لم أحس بها رضاً أو اقتناعاً، رغم محاولات أبي الدائبة. وهذا ما كان يتركني بعيداً أطول فترة ممكنة، مع إحساس بالاغتراب، والمسافة تكاد لا تذكر، قبل أن يهيمن كل ذلك البعد في تلك المهمة. كان الإحساس بالفاقة أكثر منها، وشعور بالاضطراب لا ينثني. رغم إشغال الوقت بما تتطلبه الواجبات، وما يستفيض عن ذلك من محاولات الاقتناع بما هو كائن، وتوقع ما يمكن أن يكون أفضل. 

*

حين أستذكر ذلك الخريف، يختلط علي الأمر. فقد تدافعت رزمة من البدايات في وقت قصير، لأحتار في تقديرها، أو حتى توصيفها. فهل كانت متوازية أم متتابعة؟! وأيُّها كانت مقدمة للأخرى؟! أم أن لكل منها سبباً منفرداً؟! فأصل بالتالي إلى الدوامة التي تجعلني أفكر بالطريقة ذاتها: تلك النهايات التي خلص إليها بعضها، والأخرى التي لما تختتم بعد. رغم أن ملامحها بادية، وخلاصتها لا تخفى.

"خطر لك مراراً أن تتحكم بالمسارات جميعاً، وتنهي الأمور كلها دفعة واحدة، بطريقة تختارها. لكن كل ذلك بقي أمنيات تختلف درجة حلاوتها من وقت لآخر."

-4-

لماذا انتهت المهمة بتلك السرعة، وتلك الطريقة؟!

لماذا ابتدأت بتسارع محموم، وطقوس غريبة؟!

أسئلة ما تزال عالقة في ثنايا الفصول بكل ألوانها. لكنها تتكاثف في شفق الخريف، كل خريف. لتنهمر في لياليه حصى أو أشواكاً، أو حدوداً حادة!

*

(كما بدأتَ تنتهي..)

هل كانت تلك المرأة تصدق، تخمن، تلعب؟!

هيكلها يوحي بالغرابة، لباسها، الألوان الكامدة على يديها ووجهها، خواتمها، شعرها المشعث..

هذا ما بدت عليه، حين كان غروب الخريف يرمد.

ماذا تقصد؟! ومن تكون؟! وهل تقول الحقيقة؟!

ليست شحاذة، لم تطلب مالاً، ولم تأخذ سوى كسرة خبز: لو تغمس بالزيت، تكون أطيب.

كان يمكن أن تنام عندنا، كما طلب منها والدي. لولا الأم البديلة:

" خفتَ أن تفعل، ذلك يكفي، لست مؤهلاً للمزيد.."

هل الحقيقة فوضوية إلى هذا الحد؟! هل هي غريبة؟! أم أنها لا تحتاج شكلاً مناسباً أو هيئة محددة؟!

لكن الشكل الذي بدأت به تلك المهمة كان غريباً، مباغتاً، عارضاً. والنتيجة قارسة.

تلك المرأة برزت فجأة، مع بدء الإعلان عن المهمة. لطالما فكرت بامرأة مميزة. ولم يكن مجال للتفكير، ولم تترك العواطف أية فرصة للمحاكمة. ولا الاستعداد للمهمة كان يمكن أن يعين في ذلك. كما لا تترك المحاكمة الآن أية فسحة للعواطف كي تبرر ما كان، أو تسكت عن تبكيت، أو تخفي قنوطاً بعد سنوات من ذلك الختام.

*

كما بدأت أنتهي!

متى؟! كيف؟! أين؟!

هل سيموت أبي معي؟! أبي الذي حزن كثيراً من أجلي، بعد الذي حصل.

ضحك:

- هذا كلام يدعو للسخرية. كلنا سننتهي كما ابتدأنا.

قلت:

- الطريقة الغريبة في قوله، وعرضه، وتأكيده تجعله ليس طبيعياً.

تحولت الضحكة إلى أسى مكتوم:

- أنت من سيجعله كذلك يا بني، أو تتمناه.

-5-

حين أفكر بتلك المهمة، والظروف التي رافقتها، أتمثل حالاً من الذهول المر، والحيرة الشائكة. فما الذي دفعني لإنهاء المهمة؟! والأشياء قد بدأت تأخذ مسارها الطبيعي، والمنغصات التي ترافق حال الغريب عادة بدأت تتحلل؟! ومن أين جاء ذلك الإحساس بالنكوص؟! أو ربما ذلك الشعور بالعظمة؟! فبدت المهمة، بكل ما يمكن أن ينجم عنها، هزيلة ضئيلة لا تستحق الوقت الذي سيهرق من أجلها، والاحتمالات التي ستتلاشى لمجرد الارتهان لفصولها.

وهذا يقود إلى الوسواس الذي دفعني إليها.

لم تكن نكسةٌ تودي إلى الهرب، ولا خيبة مفاجئة تجر إلى الانتحار، ولا طموحٌ يدفع للمغامرة.

إذن؟!

تأخذني الأفكار عميقاً، لتجعل من تلك المهمة اختصاراً رمزياً للرحلة كلها، الرحلة التي يمكن أن تختتم بالطريقة ذاتها. وهذا ما يعيد إلى الواجهة العبارة التي رددتها تلك المرأة بثقة، وربما بأسى محايد، ما تزال ملامحه المتكهنة تستثيرني. فأنقب في البدايات التي تؤدي، أو يمكن أن تؤول إلى تلك النهايات.

وهذا ما يجعلني أقعد طوال الأيام، أفكر في ما كان ويكون. فأصل إلى انكفاء عن الفعل. مما يجعل الفصل التالي مرجأ أو ملغى. فيريحني من نتائج جديدة لا تحمل سوى المزيد من النكسات.

بيد أن هذا الأمر بذاته يجعل الوقت والفصول بلا معنى، والرحلة كلها بلا طعم سوى المرارة.

 

وعلى الرغم من ذلك، فإن الشيء الذي ينخرني في هذه الأمسية الخريفية، والشمس أكملت غيابها القاتم، أن كل الإشارات توحي بوسواس بدأ لكزه الواخز الملح، وترافق ذلك مع ملامح امرأة تبدو مميزة، إن هذا الخريف مختلف.

   

 

الثمرة

 

-1-

 

لا.. لا أظن أن ذلك لأنها في أراضي الجيران!

إذن؟!

لدينا أشجار منها؛ كان لدينا. تهرأت جذوعها، غصونها التي اندفعت من هنا وهناك لم تثمر، ولم تتعلق بها تلك الثمار الصلبة. حتى البرية منها لم تعمر طويلاً؛ نداهمها، دون أن يعفيـها أنها من دون طعم.

*

" … صلبة أيضاً، هذا ما كان يبدو، ولم تكن تهتز إلا قليلاً.. لم يكن باستطاعتي التأكد من نضجها. لم أجرب.. لكنها شهية أيضاً، شهية كثيراً!".

-2-

يقول أبي: نقطفها، ونخمرها في التبن؛ لو كانت لدينا!

ونقول: لا.. لا يمكننا الانتظار. تناولها عن الشجر أطيب، حتى لو كانت غير ناضجة؛ تنضج في أيدينا!

وتقول أمي: حظنا هكذا. انظر إلى ثمرات بيت الحمدان!

ونقول: أمي.. أولادهم لا يعرفون أن يأكلوا، أم أهلهم لا يسمحون؟!

" أنظر إلى ثروات بيت الحمدان وأقول: حظ.. وهل نعرف أن نأكل؟! هل نستطيع؟!"

تضحك أمي: حظ يا ولدي؛ الدنيا حظوظ!

وتنظر صوب أبي الذي أطرق، وفي عينيها ظلال حسرة!

-3-

ليس شجره كثيراً، لم يعد كذلك، ولا موسمه وافراً، لكن طعمه لا يضاهى. هذا ما نستشعره حين تأتي حصتنا من ثمرات شحود في رحلته الحولية إلينا، أواخر المواسم؛ تلك التي ننتظرها بتلمظ. كان أقرب أقربائنا، رغم أنه البعيد، وسواه لا يبعد بعضهم عنا أكثر من سماكات جدران. ولذكره صدى كثيف الحلاوة، لا يخفف منه توالي تردده من فم والدي مفاخراً.

ذاك الطعم لا ينافسه إلا طعم ثمرات آل الحمدان. ننتشي ونحن نتحسسه في سرد الحكايا، ونخطط للحصول على حصتنا منه، وحين نتذاوق ما اقتسمناه بعد مغامرة مضنية.

*

" هي حصتي وحدي. لا أريد اقتسامها مع أحد، ولا حكايتها. وكنت أتضايق من ذكرها، أحاول الهروب بالحديث إلى أية فاكهة أخرى. ولن يصدقوا إن رويت لهم:

(كان دوري في رد الإهانة. ذهبت إلى الحدود؛ دورها أيضاً بدأت أتفُّ صوب الجهة الأخرى، وجاهرتْ بالفعل ذاته نحونا. واقتربنا أكثر. الشجرات المكتنزة بالثمار قريبة، تلك التي نحيك الخطط لاقتناصها. والثمرات الأخرى أقرب. كنت أمني النفس بالنظر إليها ، وانتظار فرصة أصعب للوصول. شهية كانت، وناضجة رغم أن شكلها لا يوحي بذلك. هذا ما اكتشفت بعدما صرت آخذ دور إخوتي. وفرحت أمي لحماستي في رد الضيم في الحرب المتواصلة مع آل الحمدان منذ سنين. لكنها سرعان ما اتهمتني بالخيانة، وسحبت مني المهمة، وصارت ترسل أخي. لست متأكداً أنها رغبته، أو رغبة أخيها في الجهة الأخرى.).

وتعاركنا طويلاً..".

-4-

في أول دخل لي، فكرت بوليمة منها. بحثت عنها في أسواق عديدة. لم تكن كثيرة ولا طيبة. لها طعم التبن، أو الماء. نكهتها شبيهة ثمرة أخرى، لم أكن قد تذوقتها قبل ذلك. أثارني شكلها حين رسمه لي في الهواء صديق آيب من السفر، بشفاه ملمظة، وحركات ذات معنى.

لم يكن شجره معروفاً في منطقتنا، ولا الشكل الشهي لثمره. فلباسهن لا يفصح، ولا كلامهن.

حتى طعمه الذي تلهفت إليه في أول مناسبة، لم يكن على قد الشهية. فارتسمت غصة أخرى، أقل من غصة ثمرتي الخانقة حتى قبل نضجها!

-5-

لم تعد الحدود ميداناً لمعارك حادة؛ كبرتُ على القيام بتلك المهمة، وكبرتْ أيضاً، واقتربنا أكثر في مواجهة مشروعة. لم يعد لتلك التخوم معنى، بعدما تداخلت الحدود وتشابكت حتى لم يعد ممكناً، لو مر سيف بيننا، معرفة أي الدماء تهرق! لكنني عرفت أن شحود مات، وضاعت سلته الشهية..

وقعدت أتلمظ طعماً يغيب.

-6-

حين صار لي متسع من الإمكانية، قدرت أنني أستطيع أن أزرعها، وأهيئ لها كل ما يلزم. جعلتها اختصاصي، قرأت الكتب، وسألت الخبراء، وانتظرت أولى الثمار. قلت: ربما أصابتها العيون التي لا أشك في أنها تتشهاها. كتبت لها عند الأولياء، ونذرت. منعت المرور جوار البيت. حتى الضيوف الذين امتدحوا خضرتها ونضارتها، قاطعتهم حين بدأت تزهر.

*

كان لها طعم الماء.

عطشتها..

بدأت تذبل أمام عيني، وتحت أنفاسي.

يئستُ، أهملتها. وعدت أنظر في الجهات كلها.

سُرقتْ..

 من يمكن أن يقوم بذلك؟! ماذا يجد فيها؟!

أين منها ذاك الطعم؟!

حزنت، لم أحزن..

نظرت في كل اتجاه..

ما تزال الغصة في قلبي!

   

 

الصوت

-1-

 

"- لو كان لي صوت، لصرخت في وجهه !"

قال في سره، وهو يراجع أصداء لقاء انتهى للتو.

"- لو كان…!"

زفر تافاً رذاذاً حاراً؛ تأكد له ذلك من كثافة بوق البخار الذي انطلق من بين شفتيه.

" - لماذا لم يصرخ في وجهه أحد؟!

  - ظننت أن ذلك سيحصل!"

فح بوق آخر:

"-فعلها أحدهم، بل فعلوها جميعاً، ولكن…!"

*

"وحدي بقيت صامتاً؛ أطرقت قليلاً، نقلت ناظري بينهم، يتكلمون بحماسة.

قاطعوه مراراً، بالهتاف والتصفيق؛ لم يُنظر إلي. منهم من نظر عرضاً.. لم يسألني أحد عن رأيي، لم أطالب بحقي في الكلام؛ ليس لدي أبلغ مما قالوا، ومن غير اللائق أن تردد أقوالاً مشابهة، أو أقل حرارة…!"

فكر ثم أضاف مدارياً حال حزن مكتئب :

"هذا فيما إذا كان لي صوت…!"

 

-2-

قال والدي:

-أنا أحب (وديع ) أكثر، لأن صوته من رأسه!

وتابع، بعد أن نفر سؤال في وجهي:

- هناك من يكون صوته من بطنه!

- وصوتي أنا؟!

ضحك :

- أنت.. ليس لديك صوت… بعد !

وأضاف مع أنة مديدة حادة:

 

- لا تزعل! لست وحدك.. أنا أيضاً ليس لدي صوت؛ لا أحد يسألني عنه!

*

سهرت مندهشاً:

صوت أبي واسع حاد، حين ينادينا، أخي وأنا، في الحارة البعيدة كي نعود قبل المغيب.

كان يطلقه معتّباً، وهو يستريح من حفر الأرض، وابتناء المساند الحجرية للسفوح المنحدرة، فتردد أصداءه الوديان..

تباهى أمامنا مرات، بأن لصوته الفضل في استمالة قلب أمي، حين اشترك في منادمة شرسة، جوار البيت الذي صار بيت جدي؛ ومنافسه مقومس ! لكن حماراً لا يلبث أن يطلق نهيقه المديد حين تتعالى نبرة صوته! فبقي صوت والدي وحيداً مؤثراً:

إذن لماذا لم يعد لوالدي صوت؟!

سمعته يقول مرات:

-سبحان المعطي! صوت حمد يصل مسافة يوم، وعتاباه قوية حادة. إنه رزقة حقاً، سبحان الرزاق!

- هل يبيع صوته؟!

ضحك:

- لا.. ليس تماماً؛ يتقاضى بعض النقود عن عذوبته ومعاني أبياته؛ هو لا يطلب، المستمعون يدفعون من خواطرهم.

- ولكن سلوم باع صوته!

- سلوم…

وضحك باسترسال :

( جاؤونا بورقة جريدة، وقالوا: أصواتكم لنا؛ يجب أن تكون لنا. انظروا بياننا/ برنامج عملنا! نحن من نستحق أصوات الكادحين! لن تضيعوا أصواتكم هنا وهناك. يجب أن تعلموا أن لها قيمة، ثمناً…

تناول سلوم الجريدة، وبدأ يصفّر، ويهز رأسه. وصاحب البذلة المكوية، ينتشي:

-أرأيت؟! اقرأ لزملائك.. خبروا أصحابكم! )

وتابع والدي:

( كتمت ضحكة -جلجلت بعدما ذهبوا - حين مد المرشح يده إلى الجريدة، يصحح من وضعيتها، قائلاً: هذا من شدة لهفتك لقراءة البيان!

قال سلوم: كنت أصفّر من منظر السيارة التي في الجريدة؛ ظننته حادثاً، فالدواليب إلى أعلى!!

ثم ضحكنا أكثر حين قلت له:

- حسبتك ستقول: ما أنا بقارئ!

- صل على النبي يا رجل!

وترافق ضحكه مع رنين النقود في جيبه.).

قلت في سري: لو كان لي صوت، لبعته.. ربما!

رددت ذلك مرات، حين كانت تتملكني رغبة أن يكون في جيبي قطعة نقود، كالتي يلعب بها أولاد السعدون في المدرسة ذاتها، أو في احتفالات العيد التي تستمر أياماً؛ كما كانت تحز أعصابي أصوات الأبقار التي أمر بها تحت شجرة التوت حيث تربط ذبيحة العيد.

-3-

ذات مساء صيفي غاص بدخان روث مضاد للناموس، كنا على المصطبة، حين قطع عدي النجوم الأكثر إشعاعاً صراخ أنثوي حاد قادم من البيت الملاصق لدارنا. جفلت واعتدلت؛ تطلعت إلى أمي: كانت عيناها معلقتين بعيني أبي المبتسم. قلت:

أمي؛ إنه يضربها!

ضحكت:

- لا لا تزعل من أجلها! هي ليست…

ربتت على كتفي:

- لماذا لم تنم؟! تأخرت؛ ستفيق لترافق الماعز إلى المرعى!

ضحكت رفيقة الرعي حين أخبرتها، ولم تستغرب، حتى حين حدثتها بما جرى في ليلة تالية: جاءتنا المرأة ذاتها تركض، وكنا على المصطبة عينها، وعصاه تلاحقها، وألوان من النعوت التي تشتهى في أوقات أخرى. بكت أمي من أجلها طويلاً.

لكني لم أرو لها ما سمعت ذات مساء شتوي: كان أنين أمي المكتوم، وضحكها المشتت يتناوبان من الركن المظلم في بيتنا الوسيع. لم أدر إن كان علي أن أحزن من أجلها، أم أفرح! وبقيت عيناي مبعثرتين في ظلام يعجز عن إضاءته سراج شحيح.

*

قالت أمي:

حتى في هذه لا تنفع!

لم تكن المرة الوحيدة: كانت ترسلني، كلما مر حين من الزمن، أقف على طرف الحاكورة المقابلة للحرش، لأرفع صوتي محذراً الثعلب المتربص بدجاجاتنا الوفيرة. فيخرج وشوشة، فتصيح:

-ويلي منك، وويلي عليك! هنيئاً لثعالب الدنيا بحراس من أمثالك!

قعدت، يومئذ، أندب حظي، وقلة حيلتي، وضعف صوتي. حين سمعت أصواتاً متلجلجة غير مفهومة قادمة من طريق الوادي القريب؛ جزعت، وكدت أهرب لولا أن شغلتني اللهجة غير العادية، واللحن الغريب، والمقاطع المتداخلة، دون أن أتبين كلمة واحدة، أو نغمة منسجمة؛ قبل أن يظهر، بعد حين، أخرس القرية المجاورة، عابراً من جوار الحافة التي أختبئ خلفها، منتشياً، منشغلاً، هازاً رأسه، منطرباً…

*

صديقي يطلق من فمه أصواتاً متقطعة، وهو يشد خيط طائرته الورقية المتعالية. كنت أرفع طائرتي، حين سألته:

- ما هذا؟!

- صوت الطائرة.

- ولكن صوت الطائرة يخرج من مؤخرتها.

سخر:

-من قال لك؟!

-أبي قال لي حين مرت طائرة حربية، سمعت صوتها بعد عبورها، فسألته.

-وما الفرق؟!

لم أجب .

وحين عبرتنا ذات أصيل صيفي محمر، مجموعة من الطائرات الشبحية، وترافق دويها مع أصوات انفجارات الخزانات التي تلينا، أحسست برائحة كريهة، اختلطت مع مشاعر الخوف والحيرة والشك! وفتشت عن صوتي طويلاً!

*

لم يكن لصوتي حاجة، حين حاربنا كل الأعداء، وانتصرنا في فترات التدريب الصباحية والمسائية. وكنت أحرك شفتي مع الصوت الهادر الذي يرعب العدو في عمق تحصيناته، ويعيد كل الحقوق بخبطة قدم. لكن المشكلة برزت، حين كان علي أن أقسم. وطلب مني أثناء التحضير لحفل التخرج مرات، أن أعيد الكرة، بعد عقوبات وتهديدات. فقد خلص المشرفون بعدئذ إلى أن نقسم جماعة؛ لست متأكداً إن كنت وحدي السبب في ذلك!

-4-

صرخت في وجهه:

- أنا غير موافق!

حين قال:

- كلكم موافقون، بالتأكيد.

- أنا غير موافق، وما تقوله غير صحيح، وأنت نفسك لا تؤمن به، ولا تمارسه؛ هؤلاء أيضاً لا يؤمنون، ولا…

وقف محتداً، أراد أن يقاطعني، يسكتني. ويذكرني بالنظام والأكثرية، والصوت الوحيد النشاز، وبالشذوذ الذي يؤكد صحة القاعدة، وبالحصاة التي تتوهم أنها ستوقف التيار..

لكنه بدأ يتراجع، أسبل يديه، أطبق فمه. بعد أن وقفت، وقلت كلاماً كثيراً، كلاماً أفكر في قوله منذ زمن، كاد يقتلني، يخنقني، يميتني.

بدأ صراخي يتعالى، ويدي تهتز، وعرقي ينز؛ الكلام يتهاطل بالجملة.. بدأت الكلمات متآكلة متداخلة؛ الصوت متواتر متلجلج..

تصاغر الذي كان قبل لحظات أمامي عملاقاً، تضاءل، تلاشى. لم أعد أحس بمن حولي؛ تهامسوا أول الأمر، وانشددت من قميصي لأسكت:

-مالك أنت؟! هل جننت؟! هل تريد أن تصلح ما أفسد الدهر؟! ولماذا تحمل السلم بالعرض؟! ومن الذي يدفعك؟! أو يحميك؟!

لم أعد أسمع أنفاسهم، زفراتهم، حتى موافقاتهم  التي تلت ذلك، وكلمات التأييد التي كانت خافتة. ثم تعالت، حتى أن صوتي لم يعد بإمكاني تمييزه!

قالت زوجتي منقبضة الملامح:

-مع من تتخاصم؟! كنت تتعذب، وأنينك خافت؛ هل هذا كابوسك الدائم؟!

-5-

في الوادي البعيد، ثمة متسع من الفضاء الخالي من الكائنات: كنا نشرع أصواتنا، نتبارى بالصدى..

هل ما يزال هناك صدى ؟!

كان غروب الشمس قد بدأ بإلقاء نثار العتم على اللوحة الغارقة في الإبهام؛ أطلقت حجراً صوب النهر الذي كان لصهيله نغم الحياة، ذات طفولة. تردد إيقاع ارتطامها بقاعه الصخري. تلاه نداء خرج من بين شفتي المتيبستين، باسم من كانت تشاركني الرعي والصراخ، وأشياء أخرى.. لا أدري كيف حدث ذلك، لكنه كان صوتاً مني، صوتي! أتبعته بآخر، وآخر… تواصل الصدى مديداً، قبل أن تظهر على الضفة المقابلة من الوادي، على الصخرة المواجهة؛  تضرب خديها بكفيها، وتشد شعرها، وتنتحب..!

   

 

استقامة

 

خيول شاردة في برية لا تستطيع الامتداد أبعد، الخطوط المستقيمة تحد اللوحة على الجدار أمامي. لوحات أخرى تتوزع الجدران: أفكار متنوعة، وصور وأحلام وخيالات وألوان، وكلام منثور في بيادر تصلب بين استقامات متعامدة..

أهرب منها للتأمل بما حولي:

فضاء مقطوع باستقامات كثيرة تحشرني في إحدى زوايا هذه الغرفة، أو تخزني في أماكن عديدة، فتسيل الكآبات، وتطوف الخيبات على خلفيات باهتة في اتجاهات الغرفة جميعها. أحاول الهرب في أي منها، فيقيض محاولاتي انتصاب الجدران العنيدة.

أستقصي الثغور، أصطدم بحواف النافذة، وحروف الخشب الحادة. تتكاثر الشروخ، وتنمو الندوب، وتتأهب للحز حروف الباب والأبواب الأخرى، والبيوت القريبة والبعيدة المشرعة استقاماتها وحدودها القاطعة في أي اتجاه أنظر إليه، أو في أية دروب أطلق إليها ساقي. تعتقل نظراتي برهة، وتفكيري لحظة. وتطوف على رقبتي عدداً من المرات التي أكرر النظر فيها.. ثم تلقيني مطعوناً بعدد لا يحصى من الحراب، وتتركني معلقاً من رؤاي وأسئلتي:

أي شر هذا؟! أية قسوة وأية شراسة وعدوانية تمثلها تلك الاستقامات؟! وإلى أين تمتد؟! وكم تتعدد؟! وكيف تنتهي؟!

أتنقل من استقامة إلى أخرى، ومن صدمة الوصول إلى خيبة الابتداء من جديد: استقامات الواجهات المتجاورة، استقامة الشوارع المرسومة المحددة بأسهم موجهة بعناد، وخطوط ملونة، وأرصفة مستقيمة أركض عبرها، أحاول الهرب من هذه المدينة ذات الاستقامات والانعطافات الحادة بلا انتظام. تصطدم عيناي بأشياء تبعث بعض الرضى في النفس المشروخة: تكورات متعددة في هياكل أنثوية تمشي، تتحرك، تتمايل برؤوس لها أشكال مختلفة، لكنها ليست مستقيمة، مزينة بنتوءات وتعرجات في واجهاتها المتمايزة، ليست لها حدود واضحة محددة حادة. ألاحقها، عيناي تنزلقان على محيطاتها المحيرة الغامضة اللذيذة. فتنتقل من سطح إلى سطح، ومن نتوء إلى نتوء، ومن تعرج إلى آخر؛ تدخل في الثنايا، تخرج من الزوايا محملة ببريق جذاب، وشيء يدغدغ الذاكرة والإحساس واللحظة الحاضرة، ويترك في النفس رغبة وأملاً في متابعة الجري، ولذة تبعث على طلب المزيد.

*

لماذا يحدث هذا؟! وما الشيء الذي يجعل من تلك الاستقامات أدوات اغتيال؟! ومن تلك التعرجات والتكورات دروب مشاوير ممتعة؟!!

ولماذا كانت الاستقامة من أصلها؟!

من الذي اخترعها؟! وأي شيطان أمر بها؟! إذا كانت الطبيعة لا تعرف الاستقامة، ولا تقر بها أو تستخدمها؟!

لا الأنهار المدعوة إلى البحر يهمها أن تذهب إلا بالطرق الممكنة الأسهل. ولا الأشجار المنسوب إليها حب الانتصاب العلي يعيبها أن تتفرع وتتشعب، وتختلف ثخاناتها، وتتعرج حواف أوراقها. وليست الغيوم الباكية أو الصامتة مربوطة إلى أبعاد معروفة.

حتى هذه المطية المفلطحة التي تسبح في الفضاء، لا تسير وفق استقامة صارمة. ولا يشينها،  بل ربما يزينها ويحييها تعرج سطوحها، وتناوب النتوءات والتجاويف بشروط غير محددة، ولا معلومة السبب والغاية. ومثيلاتها، تلك التي لا تعد، ليس لزاماً عليها أن تسلك طرقاً مستقيمة، ولا تبدو وفق أي نوع من الاستقامات.. وهل كان ينقص كل هذه الموجودات مثل تلك الاستقامة؟!

ولم كانت؟!

" الخط المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين.."! و" هو أقصر الدروب.." !

هذا ما كرره أستاذ الرياضيات معتزاً بقدرته على الشرح، ومفاخراً بهذه المعلومة التي لا تحتاج إلى طول برهان.

فماذا يعني هذا؟! وما الذي يجعلنا سعداء بمعرفته؟! وما كان الدافع إلى اكتشافه؟! ولم العجلة؟!

لتكن الطريق بعيدة ومتعرجة، هل هذا يحد من جمال الرحلة؟ أو يمنع من إمكانية التفكير في أن الوصول في حد ذاته لعبة مفترضة، وغاية متكهن بضرورتها؟! وغير مؤكدة النتيجة، وغير معلوم من ينتظرنا هناك؟!

أقرب الطرق سوط يجلد باستمرار، وأمر دائم الإلحاح؛ هل هي الرغبة في مماثلة الضوء أو التشبه به؟! هل هو التوق لاستباق الزمن أو مطاردته؛ تلك التي لن تجدي نفعاً؟!

ولماذا أنا ملعون بالاستقامة في كل مكان؟! ومطارد منها ومقتول بسهامها؟!

لو لم أكن مستقيماً، ما كنت متكوراً هنا، في هذا الركن ذي الاستقامات الحادة، ومتهماً بصفات لا ترحم، وبحوادث لا تنتهي فصولها ودعواتها ومرافعاتها، وتكفي كل منها لتعليقي في حبل شاقولــي سيستقيم من أجلي، أو لجعلي دريئة تصوب إلي الرصاصات التي تسير وفق أقرب الطرق، لأستقر في النهاية في حفرة ذات حدود مستقيمة…

"هذا رجل مستقيم"! قالوا..

 كنت كذلك.. لم أقبل أياً من محاولات اللف والدوران، والخروج عن الخطوط المرسومة بإتقان، أو التي تصورت أنها كذلك، وظننت أني أسهر على تسهيل العبور وفقها. لكن أحداً لم يعد يرغب بذلك أو يعجبه، كما يبدو، وبدؤوا يتناقشون حول جدوى اتخاذها سبيلاً، وصحة وجودها إلا في ذاكرتي القاصر.

من الذي ورطني وزرع في خلدي أن الاستقامة طريق الوصول السريع الآمن، وطريق السعادة وراحة الضمير والبال؟!

ها أنا أجتر ماضيّ الذي رسم بطريق الخطأ، حين قالوا مرات: هذا رجل مستقيم.

ثم أعادوها وكرسوها، وامتدحوا ذلك إلى درجة بقيت وحدي على الدرب المستقيمة، وغادر الآخرون إلى دروب أكثر نضارة وبهجة والتواء.

وما تزال اللعنة تطاردني، وتنهال علي من كل الاستقامات التي تجسمت معاقل وأقفاصاً، وخرج الآخرون منها إلى الطرق المتشعبة المتثنية بزهو وانتصار..

هنا في وحدتي وغربتي وبطالتي، تحاصرني أمداء مقطعة باستقامات مرئية وأخرى غامضة، وتخترقني إشعاعات من نوع مختلف، لكنها قادرة على الوصول إلي من كل الاتجاهات، وتتركني خرقة متكومة مثقوبة ومشروخة بعدد لا يحصى من الاستقامات..!!