|

بطاقة تعريف
الكاتب:
غسان كامل ونوس

-مواليد 1958 - الصليب -
صافيتا
-إجازة في الهندسة
المدنية من جامعة تشرين عام 1981م.
-رئيس المكتب الفرعي
لاتحاد الكتاب العرب في طرطوس منذ مطلع عام 2001م.
-أمين سر المكتب الفرعي
لاتحاد الكتاب العرب في طرطوس لعامي 1999 - 2000.
-أمين سر جمعية القصة
والرواية في اتحاد الكتاب العرب بدمشق منذ مطلع عام 1996.
-رئيس لجنة الإعلام
والنشر في فرع نقابة المهندسين في طرطوس منذ عام 2000.
-عضو لجنة الإعلام
والنشر المركزية في نقابة المهندسين السوريين منذ عام 2000.
-مكتب هندسي خاص في
المعوانة - صافيتا منذ عام 1992.
-مهندس تنفيذ ورئيس
مشروع في مؤسسة تنفيذ الإنشاءات العسكرية في طرطوس بين عامي 1982-1986.
-درّست في جامعة تشرين
كلية الهندسة المدنية ، والمعهد الهندسي فيها ومعهد المراقبين الفنيين في طرطوس
بين عامي 1987-1992.
-عضو اتحاد الكتاب العرب
منذ مطلع عام 1993.
-حصلت على جائزة محمود
المسعدي في القصة القصيرة من مركز الوطن العربي للنشر والإعلام (رؤيا) في
الاسكندرية - مصر عام 1990.
-حصلت على جائزة إيبلا
للشعر في إدلب بسورية عام 1992.
الكتب الصادرة:
- في القصة:
1- هامش الحياة.. هامش
الموت اتحاد الكتاب العرب دمشق 1991
2- الاحتراق مطبعة
الشام دمشق 1992
3- ظلال النشوة الهاربة
وزارة الثقافة دمشق 1994
4- دُوار الصدى دار
الحوار اللاذقية 1997
5- أحمر .. أبيض اتحاد
الكتاب العرب دمشق 1998
6- العائذ مطبعة إياس
طرطوس 2000
7-مفازات اتحاد الكتاب
العرب دمشق 2003
8-خطايا وزارة الثقافة
دمشق 2003
- في الرواية:
1- المدار وزارة الثقافة
دمشق 1994
2-تقاسيم الحضور والغياب
دار الحارث دمشق 2002
- في الشعر:
1- تضاريس على أفق شاحب
مطبعة إياس طرطوس 1996
 


نماذج من أعماله

أحمر.. أبيض
الشرفة علّيةٌ، والحبال مشرعة، والمدى يضيق؛ يستدرج احمرار الأفق
صدى عينيه: غداً نهار أبيض..
أشاح بوجهه: وماذا يعني أو يفيد؟!
استقرت نظراته على ورود جورية قانية؛ كانت أولى الورود التي تلقاها
من امرأة، كاد يبصق؛ انتقلت عيناه إلى أصيص آخر: جوري أبيض، تلك هي الورود التي
أهداها؛ أحس برغبة بالإقياء..
أعاد نظره إلى السماء، كان نصف القمر يستعد للإشعاع، أغمض عينيه:
يكره القمر ودورته البيضاء، ودورة شهرية أخرى.. حمراء!
***
كان البياض يتجمع في رأس مطاطي دقيق، ويساق مع بقايا وفضلات في جدول
واحد، بينما كان لمتعتنا طعم بلاستيكي. وحين تخرج من رماد المتعة، تقول: أريد
ولداً.. أما آن وقته؟!
وكنت أقول: مهلاً، لا زال الوقت مبكراً، الولد يقيّد حركتنا،
والأيام قادمة. سنملأ البيت والمزرعة أطفالاً وضحكات مشبعة، ولنتابع الآن
الانطلاق إلى المستقبل الذي يجب أن يكون ناصعاً.
كنت أريد أن أبتعد عن أية ملامح من طفولتي. وفي أوقاتٍ أخرى أندفع
متوهجاً فتقول باسمةً:
-لا.. بدأت استراحتي الشهرية، الشكر لمن أراحنا!
لم أكن أحزن، بل أشغل رغبتي بمواقع أخرى..
***
تمنيت ليلتها فحسب أن تكون العادات القديمة مستمرة، لتشهد أمي
وجاراتها الدم الذي أذهلنا. لكننا كنا وحيدين، فانفرش زهوي الأحمر على الشاطىء،
حيث نقضي أوقاتنا المشتركة الأولى. واندغم مع بياض الزبد..
***
لا زال للمتعة طعم بلاستيكي، رغم عدم وجود موانع وعوازل أمام قطرات
الحياة. كان وجهها يحمر، وجسدها يتوهج، تحت وقع جنوني، وتحمر اللحظات دفئاً
ولذة وسعادة.
ويحمر الآن الجمر في مرقدي: في المكتب، في السيارة، في هذا البيت أو
في البيوت الأخرى. لازال جسدها أبيض، ويرتجف دون أن يتوهج. ولا زال جنوني
طاغياً. أحس بالتحدي، فأنهال عليها طوال الأيام البيضاء. في ما مضى كانت
تشاركني وتبادلني ردود أفعال حارة. أما الآن، فصمتها، والهلع الكامن في عينيها،
وحركاتها، واستسلامها، كلها أشياء تزيد من مرارة التحدي، وتزيد من خيبتي
وجنوني.
حين ألاحظ طفرة جديدة من التعابير القابضة والملامح المكفهرة، أشعر
أن طلائع الأحمر قد عادت، فأفقد صوابي، وأضربها وأحطم الأشياء؛ أثور على
العاملين عندي، لعدم كفاية الربح الذي يجب أن يكون أكثر فأكثر. ثم أتكسر على
مشارف الوقت الذي يعبر حاداً.
وحين أنظر إلى الشعرات البيض التي تسللت إلى رأسي، أحس أنها جواسيس
مدسوسة في واجهتي، لتنغص عليّ وقتي، وتخرب سعادتي. فأنتزعها، كما أنتزع من
تسوّل له نفسه أن يفكّر في التطفّل على سلطاتي أو مشاريعي. واستطعت بعد حين أن
أبعد هذا الاستفزاز؛ فرأسي يتلون كما أود، وقبل أن يبدأ لونه بالتحور أعيده
لمّاعاً، تماماً كما صارت مؤسستي صافية بلون واحد.
***
كل شيء طبيعي عندي، نطافاً وكثافة بيضاء.. وكل شيء منتظم عندها
مسالك وجرياناً أحمر؛ هذا ما أكده الأطباء الذين قابلتهم وسافرت إليهم؛ قلت
لهم: يمكن أن أبدلها، أو أضيف إليها مثنىً وثلاثاً ورباعاً.
أنا أحببتها، يمكن أن يكون قد حدث، عشنا أياماً حلوة، لا أنكر.
وصبرت عليها، إكراماً لأبيها الذي دلني على الطريق التي أوصلتني إلى هذا
المستوى.
ابتدأتُ بأمواله، اسمه هيّن الصعب أمامي، وحلل المحرمات؛ لكن هذا
كان في البداية، أما فيما بعد، فقد فتحتُ أبواباً احتار أو تردد في الاقتراب
منها، واكتشفتُ مغاوز لا يصلها إلا القليلون الموهوبون مثلي.
احترمتُها، وقدّرته؛ ولكني أحب نفسي أيضاً. فلها عليّ حق، كل
الحق..!
- أنتظرا! قد يحدث الحملُ في أية لحظة، لا سبب ظاهر لعدم حدوثه.
أكد الأطباء المشهورون..
- لا تيأسا. ولا تقنطا من رحمة الله.
الآن، بتُّ أقنط منها.
حاولت تصحيح ما اعوجَّ، وتعويض ما فات؛ أولمت في كل المناسبات؛
ابتنيت أكثر من مزار لا يليق موقعه ومظهرهُ بمقامه ومنزلته وقدره. تصدقتُ على
"القائمين عليها"، والباحثين عنها. لكن الرحمة استعصت على النزول. انتظرت، ولكن
إذا لم يكن من فائدة فلِمَ؟!
حاولتُ الوقوف على الحقيقة، فجربتُ المجرَّب؛ كانت موظفة عندي،
أسكنتها في الطرف الآخر من المدينة، وأغلقت عليها السبل، بعد أن تكفلتُ بابن
الشهيد، شرط السرية والغياب، وانتظرتُ النصر المؤزر. لكن الولود لم تبيّض فألي،
بل أضيف جريان آخر إلى النهر الدامي:
(كان يتخبط بدمه، لم أستطع إنقاذه، كان القصف عنيفاً، وركضت بأقصى
سرعة، مبتعداً عن الموقع، ناجياً بجلدي.. المهم أني نجوت.. بقيت صورته
المتلجلجة المحمرة تعاندني، تقلقني.. لكني ارتحت أخيراً، أنقذتُ أسرته، تزوجت
امرأته، وأعتني بابنه.. ألا يكفي هذا..؟!)..
لكن الدم لم يتركني..!
دم.. دم.. لماذا الدم يلاحقني؟! هل أنا مسؤول عن كل ما يجري في هذا
العالم؟
(عارٌ على البشرية في ذروة حضارتها، أن تجري أنهارٌ بمياه محمّرة
وأشلاءٍ وجثث..).
كانت تقول التعليقات العاجزة في وسائل الإعلام.. وأقول:
- وعارٌ أنها لا تحاول إيقافها بأي ثمن، أو أنها لا تستطيع.!
- بل نستطيع..!
قال الطبيب:
- وإن قبلتَ نلقِّح خارج الرحم، ونعيد كل شيء إلى موضعه..!
***
- شرف المهنة لا يسمح!
قال الطبيب بإصرار..
أي شرف وأية مهنة؟!
أنا لم أقل له أن يفعل، صحيح، وهل عليه أن يخبرني؟! ليفعل ما يجب أن
يُفعل! وأيّا كان المصدر! إذا كان الأمر يجري بعيداً عن العيون والأسماع، وتأكد
من لهفتي واسترخاصي أي شيء في سبيل ولد لم يعد ينقصني إلاه؛ هل كان ضرورياً أن
يسألني؟! صار طبيعياً أن أرفض؛ فالشرف لا يسمح!
شرف، شرف: شرف المهنة، وشرف العلاقة، وشرف الوظيفة، وشرف العائلة،
وشرف الأسرة..
وتحدثونني أنا عن الشرف.؟!
أنها طفرة في الشرف، شرف في غير محله، أو في غير أوانه..
أرسلت إليها السائق بسببٍ ومن دونه، ذهبا معاً في مشاوير بعيدة
ومهمات متكررة، واستمر انتظاري الشهري..
مجزرة تنتهي ومجزرة تبدأ، تنجح هدنة في مكان، لتندلع الجراح في مكان
آخر. ويعود الدم ليسقي خيبتي..
فلماذا يخيّب ظني السائق الذي طلبت منه مرات أن لا يُهندم نفسه
كثيراً، كي لا يخلطوا بيننا، كما حدث حين استقبلوه بالعناق، وحيوني..!
هي فرصة لينتقم.. فَلِمَ لا يفعل؟!
هو وسيم، وشره، ويعجبني، ويفهمني! هو لا يخونني؛ أخرجته من ورطات
كثيرة تكفي كل منها لتغييبه طويلاً، أشفقت على أمانته وصبيانه الذين يتزايدان
حولياً، وهذا ما زاد من إعجابي واهتمامي به.
وهي لم تفعل، رغم أني أوصلت خبر ضراتها إليها عن طريق السائق الوسيم
ذاته.
ولم تفعل!
الأمر ليس سهلاً، أعرف، فكرت فيه طويلاً، وبصقت في داخلي كثيراً.
وأحسُّ أن رأسي محفورٌ بأنفاق سوداء طويلة متعرجة ناتئة الحواف، لا
تنتهي. ولكن ما العمل؟
إذا كان الطبيب لم يفعلها دون أن يسألني وأرفض، أليس الذي تعرفه خير
من الذي لا تعرف عنه شيئاً؟!
الشرف منعهما؟! أم الظن أني أجربهما!! والخوف على رأسيهما؛ أنا الذي
لا يصعب عليّ ذلك، فرؤوس عديدة ضاعت بسببي، ورؤوس كثيرة لا تقوى على التوازن في
حضوري، أو حضور سمعتي.
كل الأسوار التي واجهتني لم تصمد أمامي: سور بستان جارنا، وسور
المدرسة، وأسوار تحرسها العيون. كلها تمكنتُ من اختراقها؛ ويصمد جدار بويضة لا
ترى؟! حاصرتها ملايين المذنبات ساعاتٍ وأياماً، وعجزت عن الاختراق..
لم أخبر زوجتي، وطلبت من الطبيب أن لا يفعل. وهي لا تعلم بأن كل تلك
الملايين بلا رؤوس!
***
كنت أتحسر وأخاف على كل تلك الملايين وهي تفر من بين يدي، وتتناثر
أمامي، وأقول: حرام أن يضيع الجهد، وتتبعثر الإمكانية؛ كل هذه مشاريع أولاد، أو
أولاد مع وقف التنفيذ، كما صارت تتحسر زوجتي في ما بعد، لكني كنت أتجاوز ذلك،
وأقول: الأيام قادمة، ويضحك كثيراً من يضحك أخيراً! أنظر الآن إلى صورتي في
المرآة، وعيون زوجتي، ووجوه مرؤوسي الذين بدؤوا يخمنون ويتوشوشون ويشمتون.
***
الضوء شحيح، يختصر المشاهد، ويشوه الأشكال. ونقاط بيضاء يزداد
تناثرها في سماء مشوشة ابتلعت قمرها.. كما موجات الأفكار المتلاحقة في رأسه
المسنود على حافة كرسي هزّاز. ينقض شهاب فيخترق اللوحة، ينتفض كالمصعوق، وتقفز
الأفكار حادة ضاغطة:
هل حقاً هو الحل الوحيد؟!
الحل الذي استبعدته طويلاً، وحاربه المقربون بأسهم الورثة التي
ستؤول إليهم (بعد عمر طويل)..
الأمر الذي ترغبه زوجتي التي لا مؤنس لها ولا رفيق، والتي تنتظر،
بفارغ الصبر، ذهابنا غداً من أجله إلى..
آه.. الأمر الذي يرعبني..!
ولد بالتبني؟!
أي مجهول هذا؟!
إذا كان الأولاد من صلب آبائهم يعقّون ويتكبرون وينسون؛ فكيف بالابن
الذي لا تعرف رأس أبيه من أين؟! ولا أين ستصل شجرة نسبه؟! هل تحمل مورثاته
إمكانية اختراق الأسوار، أو تسلق الجدران، أو استحمائها. أم أنه يهوى التبذير،
وبعثرة كل شيء؛ خاصة إذا كان من دون تعب؟! ابن أية مجزرة أو كارثة أو هزيمة
هو؟! ابن أي سفاحٍ أو اغتصاب أو حب مغدور؟! ابن أي احمرار ضاع في غفلة، أو أي
انتقام؟!
إذا كان الأبناء يرمون آباءهم الحقيقيين في الوحدة والخيبة
والانتظار العقيم، فما الذي سيفعله بي هذا المجهول؟!
وما البديل؟!
جريانات الدماء لم يستطع أن يوقفها من رغب بذلك، فتغافل عن عجزه
وتعهداته، وأغض الطرف عنها. وتوقفت من نفسها في بعض المجاري، بعدما جفت اللهفة،
وتبدل الحس، وحل اليأس، وكادت تغمض العيون.. وتناثر الأبيض بإصرار وعناد على
حدود الوجه المثلم، ولم تَعُد الملايين سوى أشلاء بيضاء تُجَرْجَرُ دون ضجيج،
ولم يبق إلا أن تتأرجح الرايات البيض على الحبال المشرعة في كل اتجاه..
   
علاقة..!
كان كل شيء يوحي أنه الأمر الذي يجب أن يتحقق؛ إذ إنه الوضع الأمثل..
وأن ما أقيم من أفراح، حتى الرقص المجنون، والغناء الماجن،. لا يداني قيمة ما
تحقق. ولا يعطي المناسبة حقها، وكل ما وصلني من ردود أفعال، كان مؤيداً
ومباركاً ومهنئاً. وقرأت حسداً في عيون كثيرة. وهذا ما زاد من تعلّقي.
كان وضعاً يبدو معه أنه يستحق أن يترك كل شيء من أجله، فتركتُ،
أغلقت النوافذ والأبواب الأخرى.. رفضت كل الاحتمالات الممكنة، أو مجرد التفكير
بها، واقتنعتُ أنها احتمالي الأخير..
***
أحسستُ بحلاوة الفوز ونشوة الوصال وطعم العسل.
فترة من الزمن مرت، تستملكني حمى من نوع مختلف، وتسيطر على مشاعري
قوة تدفعني للطيران حتى لأحسَّ أني أطير فعلاً، وأحلق عالياً، ولا يمكن أن يكون
لي صلة بهذا العالم الأرضي البائس.
هي ليست غريبة عني؛ أعرفها، سمعت عنها الكثير، حتى شغلتني عن كل
شيء، وغدت سيدة الأحلام ومحورها.
لم أنشغل كثيراً بتفاصيلها، صورتها في خيالي زاهية، لدرجة تبدو معها
كالوردة التي لا يصح أن تفكر بوريقاتها أو فرعها أو مَيْسَمِها على نحو منفصل.
صارت مركزاً لدائرة حياتي، أغيب قليلاً لأعود إليها، أقوم بأعمال
كثيرة لأرضيها. وسرعان ما أجدني مشدوداً إلى المركز، مقدماً لها ما جنيت،
وتاركاً من أجلها مشاريع واحتمالات.
لكن ما حيّرني، وزاد من إثارتها وفتنتها، عدمُ تلهفها للقائي، وعدم
انشغالها الكبير بي. لقد وافقتْ منذ البداية. أو أنها لم تعارضْ. وقد فسرتُ هذا
حياءً وخجلاً وعذرية. وقلت: غداً حين نصبح معاً يضمنا حيّز واحد، تظهر عواطفها
المكبوتة، وتعلن عن حقيقة مشاعرها.
أنا لم أشك لحظة بها، ولم أفكر أنها يمكن أن تفكر في سواي. لأني لم
أجد نفسي مرة واحدة، على الرغم من تعلقي الشديد بها، أقل منها شأناً. ولم أسمح
لنفسي مرة واحدة، أن أتصوّر أنّ لدى أحدٍ آخر، أياً كان، إمكانية أن يحتل
مكاني.
هذا ما يقره سراً وعلانية، الكثيرون من معارفنا.. ولكني كنت حريصاً
دائماً على إظهار توددي وتعلقي، كي لا تفكر أني يمكن أن أنشغل بسواها، كما
يحاول أن يُفسد الحاسدون.
غير أن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه هو: هل كان ذلك حقاً؟! وهل عشت
تلك الفترة بالفعل؟! أم أن كل شيء كان هلوسة وهذياناً ليس إلاّ!
حين أستعرض مراحل حياتي معها، أصل إلى حالة من الذهول:
فأنا لا أذكر منها حركة ودية، أو مشاركة حميمة. ولا أحتفظ، حين أفتش
في ذاكرتي القريبة والبعيدة،مواساة أو تعويضاً أو عجزاً، بأي مشهد لها علاقة
به، يعيد إلي توازني الذي بدأ يضطرب، أو يبرر لي ما مرّ، ويدفع عني شياطين
اللوم وعفاريت الندم. حتى أني صرت أشك إذ أتساءل: هل هذه حقاً هي؟! أم واحدة
أخرى؟!
ولكني حين أسترق النظر إليها، وأرى تلك الصورة أمامي، أعترف بأنها
تستحق التعب والإرهاق والتضحية، ويحق لها التباهي والدلال؛ فما لديها مميّز
ومثير ومُشتهى.. فأندبُ حظي، ويدور الشك، ينخر عظامي، ويتركني فاقد الأمان
والمتعة.
أزمنة مرت، ونحن معاً، ولا زالت عواطفها غامضة، ومشاعرها مخبوءة؛ لم
تعلن صراحة عن حبّها، ولم تبدِ تشوُّقاً لإقامة الطقوس المشتركة المستمرة. وفي
كل مرة، تصطدم حماستي ببرودتها، وشوقي بصمتها، وشبقي بلا مبالاتها.
حتى لأظن أحياناً، أن هذا ليس إلاّ احتلاماً ليلياً، أو مشهداً
ابتدعه الخيال. وأنها ليست إلا صورةً، لا كائناً من لحمٍ ودم.. وهذا ما جعلني
أفكر بأنها غير مقتنعة بي، وغير مرتاحة معي، وأنها تفكر في أمر آخر، أو أحد
آخر!
وعلى الرغم من الأوراق العديدة، والوثائق التي بحوزتي، والتي تقرّ
وتؤكد، بشهود، وتواقيع، وأختام، أن العصمة في يدي، وأنني حرُّ التصرف بها،
وأنها ملك يميني وحدي. وعلى الرغم من طاعتها لي، وانصياعها لأوامري؛ فإن
إحساساً غريباً تسلل إليّ، جعلني أنسحب من حال الطمأنينة التي توهمتُ، وترك
أوقاتي شروخاً بدأتْ تتزايد مع تزايد شكيّ ومراقبتي وتوتري.
خجلتُ من السؤال عنها، عن تاريخها، أصلها وفصلها؛ فليس من أحد يمكن
أن يعرف هذا أكثر مني. وترفعتُ عن استشعار علاقاتها السابقة، هي التي لم تستقرّ
لأحد، رغم المحاولات التي لم تنته.
وسمحتُ لنفسي التي صارت تتقلّى بتصوراتها وشكوكها، أن تقوم بأشياء
لم أتصور أنها يمكن أن تحدث:
فتشت أوراقها ورقةً ورقة.. محافظها، جيوبها؛ لم أجد شيئاً يثير
الشك. وهذا ما يدعو للارتياح. وفي الوقت ذاته، لم أجد لديها أيَّ شيء يتعلق بي.
حتى رسائلي إليها، التي كنت أبثها نيران أحاسيسي، لم أجدها. صورتي التي أبدو
فيها في حال سعيدة، ليست معها. أو أنها في مكان آخر.. هداياي البسيطة في
مادتها، القيّمة في مغزاها - كما كنت أعتذر- لم يظهر أيٌّ منها.وهذا ما يدعو
للعجب والاستغراب: هل أحرقت كل هذا؟ هل ألقت به في بئر مهجورة؟ هل أعطته لعابر
سبيل؟! أم أنها تخفيه في مكان عزيزٍ صوناً واحتراماً؟!
لم أصل إلى جواب، وليس من المعقول أن أسألها؛ في هذا الوقت على
الأقل. استحكم بيَّ القلق، أخفيته رغم اعتقادي أنه يظهر على ملامحي، ازدادت
طلباتي الزوجية مرات في اليوم، لم ألحظ أي نفورٍ أو استياء. صرت أقوم الليل،
بينما تنام وعلى وجهها ذلك الشعور، الذي يمكن أن تفسره رضى واقتناعاً إن كنت في
حال جيدة، ويمكن في حال أخرى، أن يكون قرفاً أو إفلاساً أو استسلاماً. كنت
أتمنى أن تتكلم في أحلامها؛ رحت أقضي ساعات الليل الشاق في التنصتِ، وانتظار أن
تقول شيئاً، أن تبوح بأي شيء، أن يصدر منها أي كلام يجعلني أفهم شيئاً عنها.
لكن ذلك لم يحدث؛ كانت أنفاسها رتيبة، ونومها هادئاً؛ لا كوابيس ولا توتر ولا
انقطاع..
بادرني شعور أن هناك أحداً غيري. وبدأتُ بتوجيه سياط اللوم على ثقتي
العمياء بها، وتضحياتي من أجلها. وقبل ذلك وبعده، بثقتي المطلقة بنفسي، وأن ما
من أحدٍ يتجرأ الاقتراب من حدودي، أو التطاول على عريني. وأنهم جميعاً ليسوا
أكثر من أقزام أمام شموخي، وحشرات في جحور مملكتي.
ومن يكون هذا الذي استطاع أن يدير رأسها نحوه، ويحتل جزءاً من
مشاعرها، أو مشاعرها كلها؟! وصرت أؤكد لنفسي أنها، لابد، في حال جيدة معه،
وأنها تلتقيه في غيابي، فتصل إلى حال من الإشباع يصبح عندها أي شيء أقدّمه لا
معنى له، أو زائداً عن الحاجة. وقلت: لعلّ ما يؤمن ذلك، ويسهّل أموره، أني أغيب
عن البيت زمناً محدداً، أخرج في ساعة معروفة، وأعود في وقت معلوم؛ حتى إذا ما
رآني أحدٌ أخرج أو أعود في مواعيد مخالفة، سرعان ما يبادرني بالقول: تأخرتَ، أو
بكّرتَ يا أستاذ، خيراً إن شاء الله..!
فغيرت مواعيد خروجي من البيت، وعودتي إليه، وصرت أغادر وأؤوب في أي
وقت. علّني ألاحظ أمراً ما يريحني.. مهما كانت نتيجته. ويجعلني أضع يدي على
الحقيقة. لكني لم ألحظ أي شيء غريب.
وما كان غريباً أكثر، أنها لم تعلّق على هذا الأمر، ولم تتعجب.
وفكرتُ: هل هي من الذكاء بحيث يمكنها أن تخفي نفورها واستياءها؟!
ربما لأنها تعلم أن قلقها سيوقع بها، ولكن كيف تمكنتْ من الوصول إلى حل؟!
والتكيّف مع الوضع الجديد بهذه السرعة؟! ومتى استطاعت إخباره؟! وكيف توصلتْ إلى
الاتفاق معه على تأجيل اللقاءات بعض الوقت حتى تستقر الحال؟! لا هاتف لدي، ولا
عمل لديها لتخرج؛ كل شيء يصلها إلى البيت، وزوارها نادرون.. فأنا أكفيها، هذا
ما أحسبه، ومالم تعترض عليه البتة.
ومع تفاقم الحال، وتزايد الإحساس بالتعاسة والعجز، فكرتُ بالقيام
بأفعال أخرى مريعة. قلت: سأضربها، وأطردها. لكن قبل أن أنفذ، فكّرتُ بالأولاد:
ماذا سيحل بهم؟ّ كيف أربي الكبار؟! وكيف سيعيش الصغار؟! معها؟! هي التي لم أحسّ
أنها تتعلق بهم كثيراً؛ حتى أني صرت أشك أن هناك مبالغة في تقدير حال الأمومة،
وأنها تعطى أحياناً أكثر مما تستحق، وهي ليست أكثر من قيمة مثالية مطلقة نظرية،
والواقع شيء آخر؛ وكذلك حال الأبوّة، وحالي معهم؛ إذ لم تختلف على عددهم، ولا
على أسمائهم، ولا على تربيتهم، ذكوراً أو إناثاً، أصحاء ومشوّهين، مشغولين
وعاطلين..
ثم تناسيت الأولاد وقلت: إن أسرة مغلفةً بالنفاق والشك أشد خطراً من
افتراق بمعروف أو من دون معروف. لكن حتى هذا الأمر عزّ علي؛ إذ كيف سأتركها
تذهب دون أي جزاء أو عقوبة؟! وأينَ ستذهب؟! ليس لها أهل معروفون تعود إليهم.
وهذا ما كان أمراً اعتبرت عدم أخذه بالاعتبار فضلاً مني، وإيجابية تضاف إلى
إيجابياتي وتضحياتي..
لاشك أنها ستذهب إليه، وهل هذا معقول أو مقبول؟!
كيف أسمح لنفسي أن أفتح لها السبيل الذي يوصلها إلى من فضَّلته
علي؟!
أليس في هذا خيانة تستحق عليها القصاص، بحجم ما كنت أعلّق عليها من
آمال، وما قدمتُ من أجلها من تنازلات، وتركتُ من أجل عينيها من فرص واحتمالات،
كانت ستجعلني شخصاً مختلفاً؟! لا، هذا لا يمكن أن يحدث، ولن أحلّ قيدها، الذي
يربطها بي إلاّ بعد أن أشفي غليلي منها..
***
أعددتُ كل شيء للخلاص منها إلى الأبد، بعدما تحوَّل حبي الجارف لها
رغبة عارمة في تدميرها..
أرسلت الأولاد إلى بيت جدّهم، لنحتفل معاً بذكرى التحامنا الأول
وحيدين تحت سقف واحد. هذه كانت حجتي التي لم تبدِ حيالها أي رضى أو استغراب.
أعددت كل شيء مشحوناً بأحاسيس قاتلة، ومدفوعاً بألف رغبة بالانتقام، ومسلحاً
بطريقة مبتكرة للقيام بالفعل، الذي سيعيدني كائناً حراً مستقلاً قادراً على
التحرك والانطلاق، في اتجاهات أخرى..
وعدتُ إلى البيت، كان على ما تركتُه عليه، دون أية حركة أو أنفاس،
فتشت عنها في كل الغرف والأركان..
كان كل شيء صامتاً بارداً شامتاً..
   
الشاي البارد
نوم لزجٌ يعتصره، وفراش شوكيٌّ يدفعه للنهوض.
وجع متعدد الأشكال والأسباب، يتواقت، ويتناوب مع كل حركة من حركات
جسده، أو أي عضوٍ فيه..
صخب الخارج لم يترك فضاء في الغرفة العتيقة قليلة الفضاءات، حتى لو
لم تكن كل حاجات وأغراض رجل خمسيني وحيد منتصبةً أو معلقة أو ممدودة؛ كما هي
حال سليم.
طقطق السرير طوال تحركه فيه، كما لو أنه يغالب الأصوات الداخلة عبر
الجدران، والباب الوحيد، والنافذة اليتيمة المعلقة قرب السقف، الذي يضاعف بقربه
وقتامته الشعور بالارتصاص؛ مما يحول، إضافة إلى وجع الرقبة المدمَّلة، دون بقاء
العينين مفتحتين قبل النوم وبعده، أو آناء القلق الليلي المتكاثف.. ويحرمه من
عادة قراءة خرائط السقف ومتاهاته؛ تلك العادة وريثة متعة متابعة أشكال الخشب
والدخان، ومواقع انسراب الدلف، وثقوب الحشرات، وأصداء الحركات. بما تحمله من
مشاعر الخوف والحذر من تراب، أو ماء يغافل التحديق، أو حيّات وأحياء أخرى،
تتطاول على الأوقات الحميمة. على الرغم من كل ذلك فقد كان فيها ما يشعر بالإلفة،
لأن حياة تسري غير بعيد عن الرأس المشحون بألف حلم وأمنية وهم.. خطا متثاقلاً
يحاول لملمة همةٍ ورغبةٍ. الأصوات لازالت تتزاحم في رأسه، قادمة من جهة الساحة،
متنفس الحارة الوحيد. لاشك أنها الآن، كما تصورها دائماً، تشبه رئة مدخنٍ
مزمن..
بحث عن كبريت لإشعال سيجارة، لم يجد التبغ "هذا الصديق اللدود الذي
لا يحترق بمفرده..!".
جلس على كرسي مقلقل، تناول الكأس من على الطاولة حائلة اللون، شرب
بقايا الشاي، كان أسود بارداً، أحس بانتعاش، وبحركة في الأمعاء، ورغبة بالإقياء:
كانت عادة غريبة أخرى لم يبرأ منها منذ أن كان يغرقه العمل، وحين كان يرفض
تجديد الشاي، يهز المستخدم رأسه، وهو يراقبه، يدلق ما بقي في الكأس دفعة واحدة
في فمه، ثم يلحس شفتيه ويناوله إياها؛ كان هذا يتكرر. ولم يتعودْه ذاك الرجل،
ولم يكف عن سرد ذلك على سبيل التندّر، منذ المسؤول التالي.
***
عملية ضبط الإيقاعات، ودوزنة الطبول، واستظهار المحفوظات، لم تهدأ
منذ وقت، لاشك أنه ليس قليلاً، ولم تنم طويلاً..
إنهم في طريقهم إليها، استعدوا لهذه المناسبة السنوية منذ موعدهم
السابق، وها هو الموعد الجديد للاحتفال بمولودها الجديد. يعرف هذا من هرجهم
وصياحهم، من تصويتهم المتأخر في الذهاب الصباحي، والمبكر في الإياب، بما لا
يتناسب مع مواعيد العمل اليومي.
هو لم يعلم بالاحتفال من الدعوات التي وجهت؛ فليس له دعوة؛ دعوه قبل
الآن، بنيّة غير مؤكدة السلامة، وضعوا تلك الدعوة على الباب الخشبي. لم يذهب،
لأنه لم يقرأْها؛ فهو لايخرج إلاّ في العتمة، آلى على نفسه أن لا يرى أحداً،
وأن لا يراه أحد..
ولكن هل يمكن أن يذهب حتى لو دعوه صادقين؟!
هل يقوى على حضور المراسم؟!
هل يستطيع تحمل احتفالها بأولاد..؟!
***
(يتضاحك بين ساعديه، يضرب الهواء بيديه الدقيقتين، يناغيه، يقترب
بوجهه ليقبله بين عينيه: "ليستا خضراوين".. ارتدادٌ قابض، تصور غائم، "برودتها
أوقفت حماستي، زوغان عينيها عن عيني أسدل الستار عن العرض البهيّ، لم تتأوه كما
كانت تفعل أوكنت أتخيل، أيام الحب العذري، ليست ملامحي هذه التي تبرز على وجه
الطفل، ليس ولدي..".
اتركه لها، اتركهما واخرج..!)
فتح الباب بسرعة، وبلمحة بصرٍ صار في الشارع..!
***
الشوارع مقفرة كما في كل مرة يخرج فيها أو يعود، لكن الوقت مختلف؛
كان يحدث ذلك في الظلام، أما الآن فالنهار ملبد بالغيوم والصقيع. لم يخرج مساء
أمس، كان الشارع مضاءً.
تنقل بين شارع وشارع، بين حي وآخر، بين صف من الحوانيت وصف مواز؛ لم
يعترض مسيره أحد، ولم يُعثره عائق؛ فالبيارق مرفوعة، والأقواس المزينة
واللافتات عالية، اللوحات المضيئة تتراقص؛ أسماء كثيرة جديدة، أسماء غير معروفة
تماماً بالنسبة إليه، وغير بعيدة عنه؛ لوقعها صدىً يتردد في قاع الذاكرة، فتعود
شزرات صور وهياكل وأقوال.. إنها أسماء لأناسٍ يعرفهم، كان يعرفهم حق المعرفة:
"غريب، هل صار أبناؤهم ما صاروا؟! كم يمر الزمن". أحس بوهنٍ وضياعٍ
ويأس: "كنا معاً!".
هزّ رأسه مرات....
لو كان تزوج منها، لكان لأولادهما أمكنة تليق.. لو كان تزوج من
سواها، لكان لأولاده سجلات ومواقع وربما لوحات:
"لو كنت أعرف أن هذا سيحصل لي.. ما خرجت من قبوي..!!".
***
ألا تخجل من قبوكَ هذا؟! لماذا لا تتركه لأصحابه؟! أمن أجل الأجرة
الزهيدة التي تدفعها؟! يا للؤمك يا سليم! لماذا لا تخرج إلى الحياة؛ يا لغبائك
يا مناضل؟! الأراضي منبسطة، والمدينة تتوسع، والموافقات رهن الإشارة، والأيدي
المليئة الممدودة لا تعد؛ اغتنمْها قبل أن تغير الريح اتجاهها..!
موجات ريح تصر آن عبورها الزينات واللافتات المثقَّبة، والرداء
المهلهل، فتصر المفاصل والأسنان والأفكار:
- لماذا (لا تأخذها)؟!
- يكفيني ما نحن عليه، ويكفيها..!
- هل أنت متأكد من مشاعرها؟!
- كل ما لديها من خيري..!
- وما ليس لديك أليس بسببها؟!
- لن تفرقوا بيننا؛ غيارى حاسدون..!
- اخرج من قبوك تحظَ بها..!
- حين أخرج منه سأخرج من حياتها؛ لأني حينئذٍ لا أستحقها!
شتيمة عجوز عمياء تخلفت عن الركب الاحتفالي، قهقهة واثقة قادمة من
داخل أحد البيوت في غياب أصحابها المحتفلين، آهاتٌ تتردد من زوايا ميتةٍ يختلط
فيها العذاب بالنشوة:
"هل تأوهت معه؟! لا شك أنها كانت تتصورني؛ هل يصح أن تنساني؟! أنا
مفجر طاقاتها، مبدع انطلاقتها وأحلامها، محفز مواهبها و.. من منهم حظي برضاها؟!
من منهم اغتصبها؟!
كانوا يتنافسون عليها وينافسونني، وكنت في أوقات استراحتي القليلة
أصلح ذات البين..".
- لماذا لم تصلح هندامك؟!
***
تكاد الأفكار تسرقه من نفسه، والطرقات تعثره؛ أم أن أقدامه نسيت
أبجدية السير تحت أشرعة الضوء، وعلى إيقاع الحياة.
في ما مضى لم يتعود أن يفكر بحاجاته؛ كانت مقضاةً ولم يفكر برغباته؛
كان لها اتجاه واحد، منبع واحد، وغاية واحدة: رضاها! أما الآن فعليه أن يفكر في
كل شيء، ويحضر أي شيء بنفسه:
"مقطوع من شجرة، ومقطوع عن الجذر، أين المفر؟!".
ترك قريته البعيدة، انشغل عن أهله. ومن جاء بهم إلى هنا ينشغلون
الآن عنه؛ مات الذين يذكرون، ونسي من ظلَّ هناك! لكن أولياءها لم ينسوه، تذكروه
في الليالي القاسية تذكر المنتقم!
الأصوات تأتي من كل الجهات، يسيرون في الشوارع الهامة قبل أن يعودوا
إلى الساحة الرئيسة، حيث الساعة منتصبة دون أن تدور عقاربها منذ تدشينها..!
(كانوا يدورون بالعروس في طرقات القرية كلها قبل أن تدخل بيت عريسها
الذي قد لا يبعد أكثر من سماكة جدار واحد!).
إنهم مبتهجون يرقصون لزينة الحياة الدنيا؛ الأولاد وأشياء أخرى، هي،
يؤكدون أنها منتشية، وهم مسرورون بالولادة دليل خصوبة وفروسية وأصالة:
"خصوبتها وفروسية من؟!
آه لو يصدقونني..!"
"آهٍ لو لم يصدقوني..!".
***
غير بعيد عن أطياف البهجة، وعلى أصداء الهتافات والطبول، وأنغام
الأناشيد والمزامير، وقف محتضناً جذع شجرة. كان يبحث بنظراته عنها.. كان يترصد
طيفها، يتسقط نأمة منها، رغم اعتقاده أنها لن تقول شيئاً.
وقع المطر على أغصان الشجرة الفتيّة، وخيوطه الواصلة بين السماء
والأرض، أحالا الحالة إلى شبه وهم، والمشهد إلى شفيف حلم، أحس أن نبضه تسارع؛
هل هو القلب التعب؟! أم تخيُّلها وضحكتها تغرّد على شبكة الخيوط المتلاحقة،
وخفق الأعلام الملونة، والأصوات واللافتات التي تؤرجح الوقت والمتعة.
دفءٌ لذيذ بدأ ينغل في مساماته:
كانت أياماً ماتعة. حب وهيام وولع، ولا شبع!
قرقرةٌ في جوفه؛ الجوع أم آثار الشاي البارد؟! أم التساؤل القارس:
لماذا؟!
تغضُّنٌ يعرج الخيوط المائية: ما الذي يلزمك البقاء هنا؟!
الآخرون ملزمون أو مستفيدون، لم أنت هنا؟!
حركات أقدامه وجسده كله زادت. هل المشاركة مع إيقاعات المحتفلين تحت
المطر؟! أم الحنق الذي يتضاعف في خلاياه؟! أم آثار البرد والبلل المتساقطين من
بين وريقات شجرة الزينة؟!
(ما الذي يبقيك تحت سطوة المطر والبرد، وهيمنة القلق؟).
"إنها تستحق، لا أستطيع نكران ذلك، لا أستطع نسيانها؛ لم أعد
مراهقاً ولم أزل أهيم بها؛ لم يعد لي موسمٌ ولم يبق لي سواها؛ لديها الكثيرون
وليس لها سواي..".
أحس تعباً في ظهره، وتحجراً في عنقه، مدَّ يده إليه، كان بارداً
رطباً.. هل هو الرقاد المتطاول؟ أم وسادة القش الخشن؟ أم سرير الخشب الذي
يتآكله السوس، أم أنها آثار نير الفلاحة التي وُعد بها يوم كان لاهياً:
(هذا وعد الأولياء الذين لهم الليل والأراضي البور)! من كان مثلك
كيف له أن يفكر بها؟! أمامها كل هذه القامات والانحناءات، فهل من المعقول أن
تتذكرك بعد؟! حتى إن رأتك، فلن تنال منها إلا قهقهة وسخرية.
هذه قوافلهم تتشرذم، إنهم يعودون، عليك بالإسراع قبل أن يروك،
فتتحول إلى فرجة ومشجب..
لا يحتاج هذا السيرك إلاّ رجلاً على هيئتك..).
***
لم يستطع الاستمرار منكباً؛ رائحة القش المتعفن، وأنفاسه التي تحرق
وجهه، والغطاء الرطب العفن الذي لفه حول رأسه، دفعه كل هذا لأن ينقلب على قفاه،
لم يستطع أن يبلع لعابه، أحس برغبة بالإقياء، وجعٌ في عنقه، وثقل في عينيه،
وصوت تحفّر الخشب المتقاطع مع نبضات قلبه، وأصوات العائدين من المهرجان؛ كل ذلك
جعله ينسى أنه مستلق على ظهره. وقذف ما كان في فمه نحو الأعلى..!
   
الموت حق..!
للموت رهبةٌ وخوف، انشغال وتوتر، تأمل واجم وأفكار سود وصدى قاتم؛
لكن عادة سليم جعلت للموت طعماً مختلفاً..
إذا كان هذا يعمم على حالات الموت المتعددة التي تحدث، ونحضر
طقوسها، أو نسمع بها، فكيف سيكون الحال اليوم، وفي هذا الظرف الاستثنائي؟
فقد ماتت أخيراً!
لاشك في هذا، فالخبر وصل إلى كل بيت، والناس بدؤوا يتقاطرون إلينا
معزّين وعارضين المساعدة، وسليم في الصالون يستقبل الوافدين، وأنا هنا في هذه
الغرفة أبادل القبلات بأحسن منها!
***
لم تكن علاقة سليم بأمه، كأية علاقة بين أم وولدها؛ عرفت هذا منذ
الليلة الأولى لزواجنا، وما حدث وقتها: حين راحت تضرب الباب والنافذة بقوة فور
أن أصبحنا وحيدين، وفي كل مرة يخرج سليم، ليهدئها ويرجوها أن لا تسمع الجيران
المتيقظين. وما إن يغلق الباب من جديد، حتى تعود إلى هياجها وصياحها. حتى صارت
ليلتنا تلك سيرة مخزية وذكرى جحيمية.
على الرغم من أنها - كما أكد سليم والجيران في ما بعد- هي التي ألحت
عليه أن يتزوج، وسعت بكل الحجج والتبريرات، ووساطات الأقارب، لكي يصبح رجلاً
صاحب أسرة وأولاد تراهم قبل أن تموت. ولم تبدِ أي اعتراض على اختياره لي. وقد
حاولتُ مراراً أن أبرر الأمر، وأضع له أسبابه الوجيهة: فهو وحيدها وكل شيء في
حياتها- هكذا كانت تقول- بعد أن غاب والده دون رجعة، ولم يمضِ من مشوارهما
المشترك غير سنين قليلة؛ وهي أمه التي سخّرت حياتها، وضحت بكل شيء من أجله؛
حتى طلبات الزواج العديدة، كما كانت تكرر دائماً، بمناسبة أو من دونها. لكن هذا
لم يمنع من أن يجعل ما بيني وبينها، لا يختلف عما يُعرف عن علاقة اثنتين في مثل
وضعينا؛ فهي أمُّه، وهو وحيدها، وأنا شماعتهما التي تنوء تحت أحمالهما. لذا فإن
نفوري لم أستطع مقاومته، رغما ما سببه لي من خلاف مع سليم، وما تعرضت جراءه
لإهانات..
ليس هذا مهماً الآن، فقد ماتت وانتهى الأمر، لكن المهم شيء آخر، فهل
سيبقى سليم على عادته الغريبة تلك؟ أم أن هذا الظرف الخاص سيلقي بثقله عليه
ويشغله عنها؟
وعادة سليم التي قاومتها وحاولت تغييرها في البداية، جعلت الإحساس
لدى سماع خبر الموت يختلف عن الإحساس المتوقّع أو المألوف، فالموت كارثة
الإنسان المحدقة، أنّى كان وحيثما حلّ. ومجرد حضورها في القرية أو المنطقة أو
العالم الذي أصبح صغيراً، يجعل من الناس المختلفين بتفكيرهم أو سلوكهم أو
أوضاعهم، متساوين في خوفهم واستلابهم وعبادتهم وإخلاصهم وتقواهم؛ أما عند سليم
فالأمر مختلف إلى درجة الغرابة والشذوذ كما فكرت طويلاً.
|