|

بطاقة تعريف
الكاتبة: د.
ناديا خوست

ولدت في دمشق. ودرست
فيها.
ساهمت في تأسيس مجلة
مدرسية وناد ثقافي مدرسي.
تخرجت من كلية الآداب
في الجامعة.
ساهمت في الندوة
الأدبية فيها. ثم في تأسيس رابطة الكتاب الشباب.
اختصت في الآداب في
جامعة موسكو. درست اللغة الفرنسية سنة في جامعة ستراسبورغ.
كتبت المقالة الأسبوعية
في الصحافة منذ سنة 1978. كتبت السيناريو عن قصصها.
عضوة في اللجنة التي
وضعت نظام البناء لدمشق القديمة. عضوة مؤسسة في هيئة دمشق القديمة.
عضوة في مجلس محافظة
دمشق دورة واحدة.
ساهمت في حماية بعض
الأبنية التاريخية وفي تعديل المخطط التنظيمي لدمشق.
اشتركت في مؤتمرات
عالمية عن قضايا المرأة والسلام.
مؤلفاتها:
1-أحب الشام -قصص-
دمشق 1967
2-في القلب شيء آخر -
قصص- دمشق 1979
3-كتّاب ومواقف -
دراسة أدبية - دمشق 1983
4-في سجن عكا - قصص -
دمشق 1984
5-الهجرة من الجنة -
دراسة عن العلاقة بالمدينة العربية - دمشق 1989
6-لا مكان للغريب -
قصص - دمشق 1990
7-دمشق ذاكرة الإنسان
والحجر - دراسة عن العلاقة بالمدينة العربية - دمشق 1993
8-حب في بلاد الشام -
رواية - دمشق 1996
9-مملكة الصمت - قصص
- دمشق 1997
10-أعاصير في بلاد الشام -
رواية - 1998
لقراءة
الرواية ...
 


نماذج من أعمالها

جلطة
انعقد يومذاك بيني وبينه الحوار . ولم أفهم أني بذلك كنت أعبر
البوابة إلى هنا من هناك.
وجدت يومذاك على طاولتي بطاقة باسمي من المدير، تدعوني إلى اجتماع .
وقبل ذلك اليوم، كانت حتى رسائلي الشخصية تضيع في غرفة البواب. قرأت اسمي على
البطاقة وتساءلت دهشاً : ماذا جرى؟ وسمعت الجواب! يقيم المدير احتفالاً مصوراً
يجب ألا يغيب عنه أحد.
مشيت إلى الإحتفال. ورأيت لأول مرة صالون المدير الذي كان محجوزاً
للضيوف الكرام . أدهشني أن المدير كان واقفاً عند الباب يستقبل كل واحد منا،
يصافحه ويستوقفه ليسأله عن صحته وأسرته وحاله. جلست مع الجالسين في حلقة كبيرة
، وجلس هو في الصدر. قدمت لنا القهوة المرة، وسلال السكاكر . ثم بدأ مديرنا
الكلام فقال:
اغفروا لي ما مضى! لنقل معاً: طواه العالم القديم! كان لابد لي ،
كرؤساء المؤسسات، من حاجب يمنع وصولكم إلي. كان لابد لي من سكرتير ينقل لي
صورة الواقع كيلا تشوشها الآراء. ولابد من سائق يفتح لي باب السيارة وباب
المصعد وينحني فتنحنوا لي مثله. كنت في سياق ذلك الزمان!
من حظنا جميعاً أن ذلك العالم البيروقراطي انهار، كما انهار سور
برلين، وأشرق عصر الديمقراطية ، وأصبحنا مجتمعين معاً فيه.
ألتقي بكم اليوم، لأطلب أولاً اعتراف كل شخص به، ولأعلن ثانياً أن
مكتبي سيكون كالبيت الأبيض، تستطيعون أن تجتمعوا أمامه رافعين ما تشاؤون من
يافطات. بل تستطيعون أن تدوروا أمامه دورات كما يدور المواطنون في تلك البلاد.
الحرية شعار هذا الزمن! فلا تخافوا أحداً، ولا تخافوا من شيء! سندخل بجرأة
العصر الجديد، وسنبرهن للعالم على مستوانا الحضاري ! فلنقتلع العداوة والكره من
القلوب ! أعلن لكم على مسؤوليتي: لا يوجد عدو!
كان مديري الذي ألقى علينا تلك الخطبة بصوت عميق حنون، واقفاً
أمامنا ثم أمر لنا بالمشروبات ، قد سجن مرة أحد الموظفين في الحمام، وحسم رواتب
كثير من الموظفين ، وفرض أن تكون جدران مكاتبنا من الزجاج ليرانا ولا نراه .
كان يرفض اللقاء بنا، لكنه يفتح بواباته للرجال المهمين أكانوا تجاراً أم
سياسيين . وقد صادفه سكرتيره مرة ينحني للتلفون كأنه ينحني لمن كلمه به. كان ذا
أعاصير. وقد عانيت شخصياً منه يوم قصف حلمي كما يقصف الورد. كنت مرشحاً للسفر
بمنحة لم تتوفر شروطها إلا لدي: لست متزوجاً، وعمري هو المطلوب، اللغة التي
أعرفها هي المرغوبة، والخبرة نفسها تماماً. لكنه رشح مكاني ابن أخته من فوق
السطوح دبر له المنحة وأبعدني. قبل أن أتذمر أرسل حاجبه فقال لي: لا نريد
كلاماً لا طعم له! تذكر أن مصير الإنسان في لسانه! ما حدث هو القانون في
المؤسسات والأحزاب والمنظمات والهيئات، وهو سنة في الشرق أكثر مما هو في الغرب،
وفي الجنوب أكثر مما هو في الشمال. أيمكن ألا يفضل الواحد قريباً يعرفه على
الغرباء الذين لا يعرفهم ولو كانوا أبناء حزبه ومؤسسته وبلده؟! فافهم أنه لا
يوجد أحد تشكو ما حدث إليه!
بعد تلك الحادثة لم أرشح نفسي لأمر أبداً، ولو كان السفر إلى الواق
الواق. فهمت أن السفر والمنح والوفود والرحلات ليست كما تصورتها، بل لجني المال
والفائدة الشخصية. ويوم أدركت ذلك كنت قد فهمت قوانين الحياة.
قلت لنفسي وأنا أسمع كلام مديرنا، انقلب العالم عاليه أسفله إذن،
فلم لا ينقلب مديرنا مثله! مع أن ما رأيته حتى الآن هو التحول من الأحسن إلى
الأسوأ! لعل صاحبنا جمعنا ليستنجد بنا كي نحميه من الإعصار!
كان زملائي حذرين فأظهروا أنهم يتلقون كلماته كما يتلقون السكاكر.
لكنهم من الحذر اكتفوا بتعبير الوجه وتفادوا التعليق. أنا تهورت! قد يكون سبب
اندفاعي فوضى العالم التي أكلت صبري. وكنت كثيراً ما أردد في تلك الأيام مهزوز
القلب: فليكن! أكثر من القرد ما مسخ الله! فسألته: نحن أحرار إذن كالعصافير، في
هذا العالم الجديد؟ ضحك: طبعاً، أعني ما أقول! وهل تظنني دون شغل كي أبعثر وقتي
وأوافق علي هدر وقتكم!
كدت أضحك، فقد خطر لي أن قوات الأمم المتحدة وممثلي الدولتين
سيؤكدون بالضمانات كلماته. وكثيراً ما كان يخطر لي كلما وقع خلاف بين الجيران
أني سأرى قوات الطوارىء تنزل بمروحياتها بينهم، وأن المفاوضين سيتدخلون ويجعلون
الخلافات الصغيرة مسائل عظيمة. وقد تشترك في ذلك شركات السلاح! لكني كبحت ضحكتي
وقلت في جد: اذن سأجهر بما في النفوس. أعلن في هذه المناسبة التاريخية: لا
يستهيويني هذا العالم المولود! افتتح بالكذب والتدجيل. ولأنقل لك ما يقوله
الناس: حروب جديدة، فيها ما في القديمة من قتل واحتلال. العالم أسوأ مما كان.
عالم وحشي، تقصف فيه المدن وتغتصب فيها لنساء. فيه قتل على الهوية، على الفكر،
أو العنصر، أو الدين، أو الضمير. يحاسب الانسان حتى على ماضيه. ويفرض عليه أن
يخلع جلده ويرميه. والعرب في هذا العالم في أردأ حال، تقصف مدنهم، يقتلون،
يحاصرون بالنار والجوع والبرد، ويحكم عليهم بأن يعلنوا أن القاصفين الغرباء
أصدقاؤهم الحكماء. أمس كنت في التعزية بصديق، فتبينت أن الحاضرين نسوا الميت
وجعلوا التعزية بما هو أعظم منه . حتى تصورت أنهم يهزون الأعلام السوداء. وأشد
ما أغضبهم أن يبدو المهزومون كالمنتصرين وقالوا غاضبين: زمن لا جغرافية فيه ولا
تاريخ! الجديد أن يطلب منا أعداؤنا وأصحابهم من أقربائنا، أن نعلن: العار شرف،
والاحتلال تحرير، والوحشية حضارة، والعدو صديق . باختصار: أن نقول اللبن أسود!
وهذا ما لن نفعله!
رويت ذلك لمديري أمام الجمع، وقبل أن ألاحظ أنه أصفر، قلت له:أنا
مثل اولئك الرجال !ردد بعد أن فكر زمناً: مستحيل!ذلك مستحيل! سألته: ما هو
المستحيل؟ قال: تصور أننا على شاطىء والمركب الذي انتظرناه وصل. وأنا مدير
رحلتكم، فهل أترك بعضكم يتخلف عنها؟ فيصبح جزء منا في البحر وجزء على البر؟ قلت
له: كأننا لم نكن كذلك حتى اليوم!
جرى بيننا حوار متوتر، تابعه زملائي وهم يخفون ابتسامتهم مرة
وينظرون إلي مرة نظرتهم إلى متهور أو مجنون، ويشجعونني مرة خفية كأني أعبر عن
المخبأ في نفوسهم. ودفعني ذلك فقلت إن المركب الذي وصل ليس المركب الذي
انتظرناه. المهم أن نعرف مسار الرحلة قبل أن نقفز إلى الزورق! والمهم أن نفحصه
قبل أن نتراحم عليه ونندفع إليه! يحتمل أن يكون مثقوباً، وأن نحشد فيه كي نغرق!
إذا صح أننا في زمن الحرية فلكل منا الحق في أن ينتظر رحلته التي رغب بها طول
عمره، لا أن يربط على مركب الشيطان!
ارتبك مديري وقال لي: أنت أفهم من المؤسسات العالمية، والأحزاب
العربية والكونية، ومن البارلمانات المحلية والغربية، ومن مجالس الوزراء
الدنيوية، وشخصيات العالم القديم التي هرولت إلى بوابات العالم الجديد راجية
الدخول إليه؟ أنت أفهم من المنظّرين الذين كتبوا مئات الصفحات في مدح الاصلاحات،
وبحثوا في أسسها الفلسفية والاقتصادية، في ثمارها الإنسانية والفنية وبينوا
آفاقها الملونة، وتسابقوا في سبل استدانتها واستلهامها في أنحاء الأرض؟ لن
ترغمني أن أكون خارج الإجماع العظيم الذي لم يسبقه مثيل في التاريخ!
قلت له: تسمه إجماعاً ويسميه الناس مثلي "هوبرة" لكنه لم يسمعني، بل
قال: لن أسمح لك بأن تشوه سمعتنا! لن أربط قدميك وساقيك كيلا تستخدم صورتك
وثيقة ضدنا! لكنك ستسير إلى المركب كما نسير إليه. فلو عرف العالم المتحضر أني
أسمح لك بمعارضة قضية الحرية والسلام لقصف بيتك الذي يقع على بعد خطوتين من
بيتي أو لكلفني بأن أقصفك بيدي. ولا أظن أنك ترغب لي بمثل هذا الموقف بعد
حياتنا المشتركة في مؤسسة واحدة!
انقلب الموقف فأصبحت أنا الذي يجب أن أشفق عليه، وأنقذه من ورطته!
قال: كي يمتنع التشويش، ستوقعون مجتمعين على هذا الدفتر فنكون معاً متعاونين
متعاضدين. ولم يترك برهة الحوار.
نشر سكرتيره دفتراً مزيناً بشرائط مذهبة، مغلقاً بجلد أزرق، دفتراً
ثخيناً لكل منا فيه خانة تعرف به، فيها صورته وفيها مكان بارز لتوقيعه. استل
السكرتير القلم، فارتعشنا. قال في حزم ووقار ومهابة: سيتقدم من أعلن اسمه ليوقع
بخط واضح أمام اسمه وصفته. قلت: هذا إذن احصاء! أو إلزام! أجابني: هذا من
تحديات الحضارة والحوار والسلام! وستوقع عندما يحين دورك! غضبت: أين حرية الرأي
إذن؟ متى باليتم بتوقيعي إلا في لائحة الدوام؟! رماني بنظرة سامة: توقيعك كان
ضرورياً في الانتخابات والاستفتاءات! نسيت؟ هذا أيضاً استفتاء! أعلنت في تهور:
لن أوقع إلا على ما أختار! لم أختر هذا العالم ولم أسع إليه بل سجل أني ضده!
وأني لا أوافق على هذا السلام فإلى جهنم وبئس المصير! هذا ليس تحدي الحضارة بل
تحدي الضمير!
قال مديري في هدوء: أعرف أنكم تحتاجون زمناً كي تألفوا الحرية
وتتربوا على استعمالها دون أن تضيعوا صوابكم! أعرف ذلك من تجربتي الشخصية! كان
عندي مرة طير جميل خطر لي أن أطلقه في الغرفة، فضاع صوابه. كسر الأكواب الثمينة
والثريا الجميلة، ووسخ الأرائك المخملية. جن! ولم يعد عقله إليه إلا عندما
أعدته إلى القفص. لا أقفاص في العالم الجديد! لكننا يجب أن نتدرب على استعمال
الحرية فلا نشمت بنا العدو.
انسحب في مهابة بعد ذلك الكلام . أسرع موظف ففتح له الباب، وانحنى
له آخر كما كان ينحني في الزمن القديم. انسحب لأنه يخشى أن ينقل أنه سمع ما
أقول! بعد خروجه استقام السكرتير وأعلن في قسوة باردة: تحسب أنك ستسجل اسمك في
حلم بعيد؟! لا، لن نسمح بأن يقال أنا تهاونا أو زللنا أو خفنا من الغوغاء! لن
نسمح بذلك لمن هو أكبر منك ولا لمن هو أصغر منك! مشكلتك أنك تفكر بعقل العالم
القديم. لم تفهم حتى الآن أنه اندثر!
قرر السكرتير أن يقدمني على الآخرين في التوقيع. التفت إلى رجاله
المخلصين فدفعوني إلى الدفتر الأزرق ذي الشرائط المذهبة. وعندئذ وقعت. سمعت
زملائي يرددون: جلطة! وخلال جنازتي سمعتهم يحصون من سكت قبله في ذلك اليوم.
تحدثوا هامسين أحاديث فيها حزن علي وعلى الراحلين. لكن المكبرات كانت تعلن أن
قلبي لم يتحمل أفراح الاحتفال بنهاية أكبر صراع في هذا القرن، وبالانتقال من
عالم التوحش إلى عالم الحضارة والسلام. حاولت أن أدفع غطاء التابوت كي أعلن
الحقيقة للسائرين في الموكب، فوجدته مغلقاً بالمسامير والأقفال. وتذكرت القول
الذي كانت أمي تردده: الكذب على الموتى وليس على الأحياء! وقررت أن أصحح لها
مثلها عندما نلتقي.
ولهذا وجدت نفسي أفتش الشواهد باحثاً عن اسمها. لم أجده! فطرقت
القبور متسائلاً هل سرق مأواها؟ ثم سمعت همس جارتها: أمس طلب من الموتى التوقيع
في دفتر ذي شرائط مذهبة يعلن نهاية أطول صراع في القرن! حاولت أمك الانتحار.
لكنها لم تستطع الموت مرة ثانية فهربت. وما زالوا يبحثون عنها بالأنوار الكشافة
والكلاب. أنصحك يا ابني، لا تذكر اسمها!
   
عودة
يا لتلك السنوات الشفافة التي عبرها في مملكة الصمت! قبل أن تتبدد
تلك المملكة ويفقد آخر أصدقائه.
في نهاية المساء كان يخرج مع صديقه إلى الليل فيتجولان تحت النجوم .
ويلاحظان معا أن مملكة الصمت لم تعد تشفي القادمين إليها. ألم يسمعا مرات بكاء
رجال ونساء على البيوت التي تركوها، والأموال التي خبأوها؟ ألم ير أنهم حتى بعد
أن اجتازوا العتبة إلى مملكة الصمت لم يأسوا على الحياة التي ضيعوها، بل على
الأشياء التي جمعوها، والمتع التي قطفوها، والأحقاد التي لم يطلقوها؟
عجز مجلس مملكة الصمت عن حماية مايميز المملكة التي كانت في أيامها
الماضية هادئة، يحترم فيها ماتجرفه الحياة خارجها. كأن ريحا استقدمت إلى
المملكة نمطا جديدا من الموتى. فماعاد يصدق المثل: لايموت إلا الجيد! باولئك
الجدد اختل كل شيء. كانوا يتدافعون إلى الصفوف الاولى، يرفعون أصواتهم ويحركون
أذرعهم في خشونة، يجهرون بالرغبة في أن يجعلوا مملكة الصمت الشفافة كالدنيا
المعتمة خارجها. بل بدأ بعضهم يستخدم آخرين في كنس طرقات لاتمسها الأقدام، وغسل
أكفان بيضاء لاتتسخ. وفي إحدى الليالي أخبره صديقه الأخير أنه سمع مجموعة تفكر
بالعودة إلى ملابس الدنيا المزينة المتغيرة، وتخطط لطلبها من بلاد أخرى. بل
أحصت تلك المجموعة المعارضين والموافقين المحتملين في التصويت.
في الليالي التالية لم يخرج سكان مملكة الصمت إلى القمر ليتجولوا في
أشعته الفضية. بل تفرقوا مجموعات تتآمر إحداها على الأخرى. في البداية نظرت
إحداها إلى الثانية مستنكرة. ثم صارت تهز قبضتها متوعدة. ثم جلجلت العظام في
أنحاء المملكة. ونسي الموتى أنهم اتفقوا على كتمان مابينهم عن حارس المقبرة،
فلم يبالوا بأن يسمع ضجتهم ويعرف سرهم، ويميز تجمعاتهم ويهرع إلى سلاحه!
استعاد مع صديقه الأخير أزمنة مملكة الصمت القديمة، أيام كان
السابقون يحيطون بالقادم الجديد ويساعدونه على عبور العتبة، حتى يخلع ماحمله من
الغيرة والشره والكيد، أو من البؤس والحزن والغبن! أيام كان الجار يفيق على
بكاء جاره ويسهر معه حتى يجفف آخر دموع الوداع! أيام كان الرجال والنساء يخرجون
إلى الليل منذ تبدأ العتمة ويستمتعون بما فاتهم في الحياة، بقراءة الشعر الذي
لم ينتبهوا إليه، وانتشال الكلام المنسي، والتقاط النجوم التي وقعت على الأرض!
كانت تلك الأيام لاكتشاف الخير الضائع من القلب، الخير الذي مرت حياة كاملة دون
أن يكشفوه، والعذوبة التي تجعل الروح كضوء القمر. لحماية مارمته المدينة، كي
يبقى حتى تتذكره ذات يوم فتستعيده من مملكة الصمت! في الأيام القديمة كان
يستطيع أن يتدخل إذا تبين خرقا، فرأى قادما جديدا متكبرا يتوهم أنه يستطيع أن
يستمر في مساره الذي تعوده في الدنيا. متى بدأ عجزه وعجز الكثرة عن القلة إذن؟
متى بدأ الفساد ينتشر كالوباء؟
بحث ذلك مع صديقه الأخير وخمن أسبابا متنوعة. خطر له أن السبب الأول
هو الخوف الذي استقدم إلى مملكة الصمت التي تجاوز سكانها كل مايهددون بأن يسلب
منهم. لكن صاحبه قال له: المال! أجابه: لا! فالمال أيضا دون سلطة هنا!
بعد اختفاء صديقه الأخير أعلن لنفسه السبب القاتل: الضعف الذي
استحدثه الخوف والمال في الناجين منهما، وأمور إنسانية لاأحيط بها الآن!
لم يكن أهل مملكة الصمت يخرجون من أسوارها. ولم يعرفوا الشوق إلى
حياتهم الاولى إلا في بداية أيامهم فيها، وهم بعد يعانون من أثر الوداع
والعواطف الجامحة. وهم لم يتأملوا بعد حياتهم الماضية في هدوء ويتعودوا أنهم
خرجوا منها. وكانت مهمة السابقين أن يساعدوهم في عبور تلك العتبة. لو استعملت
مصطلحات الأحياء لقيل إن الجنسية الجديدة ماكانت تمنح لهم بالموت فقط والعبور
من مملكة إلى أخرى، بل بالعبور الآخر من عالم الصغائر المنهكة إلى عالم الحكمة.
عندئذ كانوا يمرون هادئين عقلاء، دون أمجاد ودون ذل. دون غطرسة المناصب أو
الجشع إليها أو الخوف عليها، ودون الطاعة الذليلة التي توهم المطيع بعظمة اولئك.
لكن الأيام الجديدة استقدمت الأشواق القديمة. عرفت مملكة الصمت
الصراع الأول يوم انقسم سكانها إلى راغبين في الخروج منها وإلى من ينبه إلى
قوانينها الرصينة. هل حدث التصويت يوم استكمل ترتيب التوازن الجديد في السر؟
ذهل هو وصاحبه عندما ارتفعت الأذرع كثيرة، جريئة. وكان أول من أظهر الرغبة في
الخروج وحرض عليه مجلس المملكة! نعم! ذهل. وقال يالبراءتنا! وردد صاحبه: بل
يالغفلتنا!
بعد ذلك اليوم المشهود تدفق سكان مملكة الصمت كل ليلة خارج أسوارها.
لم تعد المملكة التي رتبوها بلادهم. أصبحت بلادهم المدينة التي لايحكمونها! في
كل يوم كانت مملكة الصمت تضيع بعض سكانها. وكان المفقودون كالمهاجرين الذين
لامكان لهم في البلاد الغريبة، يقبلون البقاء على عتباتهم القديمة، تحت مداخل
بيوتهم، وفي برد الحدائق العامة، مسحورين بالفرجة على مافقدوه من مجد أو من
أمتعة. وكان أعقلهم يكتفي بمراقبة أولاده المحبوبين، بعيون دامعة.
بدلت تلك الأحداث حتى موضوع أحاديثه مع صديقه الأخير. فأصبح يستعرض
معه أسماء المفقودين، ويحاول أن يتبين معه القوة التي جردتهم من سنوات الحكمة.
ويتساءلان عما يغري الإنسان باستعادة ضعفه بعد أن ينجو من سطوة الخوف والمال؟
فهل كان يتصور أن صديقه القديم، العارف تلك المتاهات، يمكن أن يتوه فيها؟
ذات ليلة لم يخرج من قبره. وفي الليلة التالية لم يبتعد عنه خوفا
على روحه مما اجتاح المملكة. لايريد أن يسمع حديث العائدين وهم يصفون ماخيل
إليهم أنهم يستعيدونه ولو كانوا على العتبات مع الكلاب والقطط! لايريد أن يرى
زهو اولئك الذين عرفهم عقلاء، وهم يصورون عودتهم كأنها نصر. مايزال الرصاص
يلعلع هناك! يسمعه في الليل، يطارد المشردين من الأحياء والكلاب. ألم ينتبه
إليه هؤلاء العائدون؟
يوم ربط سكان مملكة الصمت أكفانهم، واستعدوا للرحيل مجموعات، دون
خجل، خيل إليه في برهة خاطفة أنه هو المخطئ. سمع حفيف الأكفان على الأرض،
والموكب يتدافع عند البوابة. واستعاد الشعور الإنساني بالألم. وفهم أنهم
استقدموا إليه ذلك الشعور الذي نجا منه سنوات. وعرف أنه لايمكن أن يبقى معزولا
عن الخراب الشامل. وعندئذ خف إليه صاحبه، وتجولا معا زمنا يتحدثان عن الأيام
القديمة في المملكة التي رتبوها حتى أصبح حلم الأحياء أن يجعلوا مدنهم مثلها.
قدموا فيها القتلى الشباب والصغار والمظلومين، زينوا قبورهم بصورهم، ونقلوا إلى
المنسي منها أغصان النخل والآس من القبور الأخرى. بل نقلوا إلى جوارها حتى
الشجيرات التي زرعها الزوار الأغنياء للمدللين.
تصور أنه مع صديقه يمكن أن يبدأ تأسيس المملكة المهجورة. قال: لنبدأ
القصة من أولها! نعرف القوانين التي كانت مألوفة هنا قبل خراب البصرة! ذهب
الراغبون في المدينة الصاخبة. فلتزدحم بهم الطرقات والعتبات، وليرضوا على قتلهم
مرات! تركوا لنا هذه المساحة الشفافة فلنرتبها كما كانت أيام أتينا إليها! بحثا
معا حتى التفاصيل، كيلا تفشل مملكة الصمت مرة أخرى. فهل كان يتوقع تلك المفاجأة
العاصفة؟!
يوم خلت المملكة من سكانها، أتاه صاحبه وقال له: سأخرج إلى هناك!
فسأله: أنت أيضا؟ رد: ماذا بقي؟!
حقا! تبدد سكان مملكة الصمت، ولم يعد يصادف البياض الفاتن الذي
يتجول رشيقا هادئا على أشعة القمر. أقفرت مملكة الصمت من جلساتها وثقافتها.
وسمع عويل القادمين مرغمين إليها، وحفيف هربهم في اليوم التالي منها. وحدث مرات
أن أعاد الأحياء اولئك الموتى بالقوة ورموهم خلف البوابة. وجرت مشاهد مؤلمة ليس
فيها كبرياء. قال له صاحبه: سأخرج لأتبين لماذا وكيف؟ رد ساخرا: ماالفائدة؟
أتبحث أنت أيضا عن الطرقات التي لاعودة منها؟ أتستعيد أنت أيضا مايذل ويوهن؟
وهل كان يستطيع أن يقول أكثر من ذلك؟ ابتعد صديقه الأخير وحيدا، ولم يعد في
الأيام التالية. يوم كانت في مدن الأحياء قواعد وأصول، كان يقال: خان الخبز
والملح! هو لايستطيع أن يقول ذلك! ولن يقول خان! لابد أن عصرا همجيا قد وصل
فانساق حتى سكان مملكة الصمت كالمضبوعين ومدوا رقابهم لمن يضع الرسن فيها.
تذكر يوم تعارفهما. باح يومئذ كل منهما بسبب موته للآخر. وتقاربا من
تلك البداية. قال:
- دفعت أربعين ألفا، جمعتها في شق النفس. سمّها خوّة أو إجازة مرور
أو ثمن الحرية! لكن السيد الذي قبضها نقل من مكانه في اليوم التالي، فطلب من
استلم وظيفته المبلغ نفسه. لم أقدر على الدفع مرة أخرى، فخصوني بأشق الأعمال.
مت من القهر!
- ينظر الواحد منا إلى سبب موته في هدوء الآن. يبدو لي أني كنت
أستطيع أن أعيش بعض سنوات إضافية. لكني أتساءل الآن لماذا؟ قد يضحكك سبب موتي
كما يضحكني الآن. كنت أمشي في الطريق فصادفت رجلا يفتح باب سيارة فخمة، ويظل
منحنيا، ورجل قميء ينزل منها ويمشي متغطرسا إلى البوابة. عرفته! تذكرته! كان
طالبا كسولا في صفي، يسخر من غبائه الأساتذة والطلاب. بدا لي أني ضيعت عمري
هباء. ماالفائدة من الجد والدراسة، من الاندفاع في القلق على الوطن؟ كنت أسقي
أشجار الطريق. أطعم القطط الجائعة، أغلق صنابير المياه المفتوحة، أساعد من
لاأعرفه، وفي عملي أشتغل كالثور. يوم رأيت ذلك الفاشل وانتبهت أنه يمسك القدر،
شعرت بأن ريحا عاصفة تجرفني. عدت إلى البيت، ومت.
في تلك الأيام مات عشرات من أصدقائي. كانت الأيام مضطربة، فتساقطنا
بالجلطة واحدا إثر آخر. كأن الدنيا تتخلص من جيل وتطويه لتفرغ مكانه لآخر يناسب
الزمان. خيل إلي أن ذلك كان سبب موتي، لكني فهمت فيما بعد أن الموت لايأتي لسبب
واحد. في تلك الأيام المضطربة كان الموت يتسرب إلينا مع الهواء.
فقد صديقه الأخير! لمن يبوح بما يخطر له؟ مع من سيحلم باستعادة
مملكة الصمت العادلة؟ في تلك الليلة تجول وحده في العتمة. لم يتساءل عن صلاح
الدين ونور الدين وست الشام الذين كانوا يحضرون اجتماعات الشعر وينشرون مهابتهم
على الحاضرين. فقد اختفوا منذ بدأ تبديل الملابس والإغراء بالمال والتهديد
بالخوف. اختفوا مجتمعين مع الشعراء القدماء والعلماء، كأنهم ماتوا موتا لاعودة
منه، أو هاجروا إلى بلاد النسيان. لم يتساءل حتى عن الغوغاء التي تبينها خلال
الأحداث الأخيرة صاخبة، مشاغبة، متكبرة، ترفع رايات متنوعة تنزل إحداها وتقدم
أخرى بما يتفق ومجرى الأحداث وحركة الرياح.
مشى وحيدا، ورددت الجدران وأشجار السرو حفيف أكفانه البيضاء. اكتمل
الطوق إذن، فلاراحة هنا أو هناك. ولامأوى من الجنون العاصف بأرض الأحياء
والأموات. ولكن أيمكن أن يكون هو العاقل الوحيد في مملكة الصمت؟ خطر له أن يخرج
هو أيضا ليتفقد مايسحر الناس. ارتعش. هو؟ هو أيضا يبحث عما يبرر خروجه من مملكة
الصمت؟ لا، هو، لن يهجر مملكته! سيعود!
تجول في هدوء. ولم يصادف إلا الأحياء الباحثين عن مكان يبيتون فيه
مستندين إلى شجرة أو مستلقين على بلاط القبور. وكاد يضحك من حركة الخروج
والدخول! فهؤلاء يتسللون داخلين ويأوون الليل هنا كالسارقين، وأصحاب هذه
المملكة يتسللون منها في الليل ويأوون تحت النوافذ والأشجار في السر!
اقترب من البوابة. فليخرج! فليمتحن نفسه وليكشف الحقائق! نعم،
فليخرج! لن ينسى أن عودته ضرورة. إذا لم يعد أغلقت مملكة الصمت وطويت من
الذاكرة كما تطوى مدن الشرق!
عند الباب تعثر بالقمامة، تجاوزها ومشى إلى المدينة. ودهش. من
النوافذ تدفقت ضحكات كالبكاء، وبكاء كالضحك. ولم يدر أذلك من الخوف أم من
الجنون. ولم يتبين هل في المدينة احتفال أم مأتم عظيم. واستنتج أن المدينة ضيعت
بهجة الأفراح كما ضيعت جلال المآتم. فاختلط فيها البكاء بالنجيب. مشى. لم يعرف
في أي من عمريه مشاهد كالتي رآها! ولم يتعرف إلى مكان ألفه! قلب أهل المدينة كل
شيء إذن. أحرقوا ذاكرتهم كلها. نبشوا الأرض، هدموا البيوت، بدلوا الطرقات،
نزعوا كل ماكان جميلا ووضعوا في مكانه كل ماهو قبيح. كيف استطاعوا أن يوفقوا في
ذلك؟! ياللمهارة؟ تعثر بأحواض وبحرات لم ير مثلها في عمره. كاد يسقط في حفر.
لم يتحمل مارآه، فأسرع إلى شارع كان يحب المشي فيه، كانت البساتين على جانبيه،
وأشجار الجوز الباسقة تظلل رصيفيه، فيه كان يلتقط حبات الجوز الساقطة من
الأشجار فيملأ بها جيبيه.
ليته لم يقصد ذلك المكان! ليته ظن أن الجمال يمكن أن يتخفى أو يهرب
في ثنية من ثنيات الزمان. رأى رصيفا عاريا، وسورا عظيما من الحجر، ومدى فارغا.
لم يصادف أية شجرة من أشجار الجوز. لو كان حيا لانتحر!
ركض إلى مملكة الصمت. أفلحت المدينة إذن في إعادة الغضب والقرف
والخيبة إلى قلبه الذي شفي منها في السنوات الشفافة الطويلة. توقف لاهثا. لمح
أشباحا بيضاء تحت العتبات، وقرب مداخل البيوت. وخيل إليه أن الشارع نفسه يمتلئ
بحركة المتشردين. هل يسألهم: لماذا بقيتم هنا، فخسرتم مملكة الصمت ولم تربحوا
الدنيا؟ هل يسألهم أيمكن أن يصبح الذل عادة؟ أيمكن أن يفسد الإنسان في الدنيا
وفي الآخرة؟
لعله لم يشعر من قبل بمثل ذلك الألم. فقد حتى الحلم والذكرى! ويكاد
لايدري هل عاش حقا قبل مملكة الصمت أم لا، لأنه لم يجد أية من الإشارات التي
كانت مسجلة في دفتر عمره! لم يجد أي مكان كان يتذكره!
مشى إلى مملكة الصمت حزينا، مسرعا، متعبا. خلف بوابتها وقف الحارس
يتأمله ساخرا وهو يقترب، حتى أصبحت بينهما البوابة المغلقة.
- أنت؟! لن تعبر العتبة أبدا! لن أقبلك أبدا في مملكة الصمت! لن
أسمح أبدا بذلك التجمع ! أمكنتكم محفوظة! سيزورها الأحياء. وليسكبوا عليها ماء
الورد! سيريحكم ويريحنا أن تبقوا أفرادا موتى!
   
المنفي
أغمض عينيه. لو أنه لم ير مارآه! كان يعيش وحيدا. وحيدا؟ ماأكثر
الشباب حوله! يدرسهم في الجامعة، ويتابع من يسافر منهم ليختص. ومن بعيد تأتي
رسائل شباب آخرين إليه. هو نفسه مايزال شابا كالطلاب. يزور الجامعة التي تخرج
منها، وتظل غرف الأساتذة حية في ذاكرته. يتفقدها كل صيف. يلتقي هناك بأساتذته
المحبوبين. يدعونه إلى العشاء، فيتذوق الطعام والشراب الذي اشتاق إليه، ويلاحظ
استقرار الغرف التي يستقبلونه فيها. يقف أمام مكتبات أساتذته ويتفقد ماأضافوه
إليها، ويتابع أفراحهم بالحفيد. وهاهو يفكر اليوم معهم بالأيام الجديدة
العاصفة. ويستمع إلى نصائحهم: لاتتجول وحيدا! قد تطارد عصابة لونك الأسمر، أو
قد يتذكرك شخص كان لايستسيغك! نعم، نحن أنفسنا لانخرج من البيت بعد الغروب!
نعم، لانستطيع أن نتجول في هذه المدينة التي كنت تسرح فيها من أول الليل إلى
آخره، وكنت فيها بعد منتصف الليل تختصر الطريق فتعبر الغابة المدثرة بالضباب!
يسألونه هل تتذكر الصف الطويل أمام بائع الزهر؟ هل تتذكر الحلوى ذات
الرقائق والجوز التي كنت تحبها؟ والفوانيس المعلقة على الحارات؟ والساعة التي
كنت تتأمل أشخاصها وهم يخرجون مع دقاتها؟ كنت تقف في طرف الساحة مستمتعا بها.
هل تتذكر المقاهي في ثنيات الجبال، ومقاعدها الخشبية، وكؤوس البيرة الكبيرة،
والنهر الذي يخترق المدينة، والطريق هناك؟
كان يقصد براغ، بلد جامعته، في كل صيف. لأنه كان محروما من العودة
إلى مدينته. فهل كان يتصور أنه يسكت حاجته إلى الوطن، وهو يستعيد هناك كل سنة،
الحارات والمقاهي والبيوت والجامعة وأثاث الغرف والأصدقاء؟ تنقل بينها وبين
الجزائر عشر سنوات. شغل نفسه بالناس والأمكنة، لكنه فشل في أن يستعيض عن بلده
بحب امرأة أو بأسرة! لعل قلبه لاينفتح إلا في سياق سعادة كبرى. تحكمه صور
لايستطيع أن يبعدها ليقدم أخرى أصغر منها!
في زيارته الأخيرة، خيل إليه أنه أصبح يشبه أحد أساتذته. أستاذا لم
يتزوج، ملأ غرف بيته بمكتبة كبيرة. كان يستقبله في الصباح الباكر. "أستيقظ
ياابني مبكرا، أعمل في ضوء النهار، وأنام مبكرا. أنت لست مثلي. أنت شاب. اسهر!
براغ حلوة في الليل!" لكن ذلك كان في الأيام القديمة. فالعاصفة اقتلعت حتى هذا
البلد المستقر الحكيم. قال له أستاذه: عندنا لن يستمر ذلك! يفضلون أن يحدث
الانقلاب دون فوضى. لكن حياة وأجيالا ستطوى. حتى يستكمل ذلك لاتتجول ليلا،
ولاتتحدث بلغتك!
مع ذلك كان هناك أكثر أمانا مما هو في الجزائر. في الجزائر كان
الخطر همجيا. لاتستطيع أن تحاور قاتلك أو أن تسأله عن سبب الموت الذي يرفعه
عليك. لم يبلّغه أحد الحكم عليه بالإعدام. لكنه كان يشعر بذلك الحكم. وكأنه كان
في سنوات حياته يتحرك أمام قضاة سريين، وهو يدرس طلابه، ويدافع عن الإصلاح
الزراعي، ويؤكد أن العدل الاجتماعي أساس الملك. ويتحدث عن حرية الرأي التي ترسخ
وحدة الوطن. ويرسم آفاقا فيها كثير من الحلم المسنود بالوقائع. ستكون يوم توزع
الثروة العربية الكبرى بالعدل بين العرب، ويستطيع المواطن أن يبحر ويمشي ويطير
ويسري، ويصعد جبال اليمن السعيد ويقطف منه القهوة، ويجمع التمر من نخل الصحراء،
والصنوبر من الغابات، والتفاح والعنب والموز من البساتين والكروم والبيارات.
يهبط تحت مستوى البحر، ويرتفع إلى الجبال المكللة بالثلج. ويتنقل بين آثار
الحضارة العربية من الصحراء إلى البحر والنهر. يوم نكون هكذا هل يعاملنا الغرب
أو الشمال كما يعاملنا اليوم؟ هل يستطيع أن يرسل طائراته فتقصف مدينة تاريخية
وتدك فيها الملاجئ والجسور ومصانع الأدوية؟ هل يستطيع أن يمنع العرب من العلم
والدواء، ويرعى القوة النووية الإسرائيلية؟ هل تستطيع إسرائيل أن تقصف لبنان
وأن تعلن أن القدس عاصمتها الأبدية؟ هل يجرؤ رئيس شمالي أن يعلن أنه علّق ملف
القدس، كأنه يملكها؟
اندفع جهاد إلى ذلك الحديث أمام طلابه. نسي أمامهم الموت! فهل كان
يقصد أن يستنهض فيهم مقاومة الشر؟ بل كرر ماتعود أن يقوله. أضاف صفحة إلى سجل
العمر الذي يحاسب عليه. لاتلم نفسك ياجهاد! لاتستطيع أن تتقدم خطوة؟ لكنك لم
تتراجع خطوة!
عاد من الجامعة متوهجا، يردد كلمة أبيه: لايصح في النهاية إلا
الصحيح! كان طفلا يومذاك، ومضافة أبيه محطة الثوار إلى فلسطين ومعبر الجرحى
والسلاح. ورأى أباه يجلس جريحا على دابة ويدثره بعباءته، ويودعه: لايصح في
النهاية إلا الصحيح! وهاهو بعد عقود من السنين يسمع كلمات أبيه نضرة فواحة
كياسمين الصباح!
كان يعبر الشارع بسيارة وقت قتلت فتاتان. التفت ذاهلا. رأى صبيتين
تقعان على الأرض، إحداهما سافرة والأخرى محجبة. أدهشته السرعة والبساطة التي
تطوى بها الحياة! ظل يلتفت. فقال رجل في السيارة: قتلت المحجبة لأنها تمشي مع
سافرة كافرة! وضع كفه على فمه، ليمنع صرخة أم ليمنع الغثيان؟ فهم أنه لايستطيع
أن يرد موتا عن أبرياء. لايستطيع أن يدافع عن امرأة. لاشهامة اليوم! نزل من
السيارة وعبر الطريق، ثم عبر الممر إلى بيته دون أن يتلفت مستطلعا. لن يستطيع
أن يفلت من الموت!
قال له زميله في اليوم التالي: كانت الجزائر على القائمة بعد
العراق! ستفكك البلاد العربية بالقتال، وبالفقر، وباليأس، وبالأوهام! لاتعاد
بالقصف فقط إلى العصور الحجرية. تعاد إلى هناك أيضا بالعصابات! نحن اليوم مناطق
حيوية، مواقع آبار ومياه ومعادن وعمال. ولايفترض ذلك أن نكون أقوياء، بل أن
تكون إسرائيل قوية لتدير ذلك المشروع! ثروتنا؟ لاتحلموا بها! أحرق العمق
الجغرافي، ولن تبقى لنا حبة قمح أو نهر أو قطرة ماء!
في تلك الليلة تذكر مدينته. استحضر وجه أبيه الذي مات في غيابه،
وصوت أمه التي ماتت في غيابه. خطر له أن يتصل بأخيه بالتلفون لكنه خشي عليه.
استعاد بيته المبني من الحجر الأسود. جلس هناك مواجه الفلاة. غمره ضوء المساء،
وبقي ساكنا حتى مشت إليه أمه في العتمة ووضعت يدها على كتفه. شعر برطوبة حبات
التين وبدبقها. مسح يده مسرعا حيث أحرقها حليب التين. لم تنضج تلك الحبة. بل
نضجت، ياابني، نضجت! ظهر القمر متوهجا، برتقاليا، كبيرا. راقبه وهو يرتفع ويصغر
ويصبح فضيا. وأقبل البرد فارتعش. ثم وصل الناس فملأوا المضافة. استقبلهم أبوه.
وكانت أباريق القهوة ساخنة على جمر المنقل.
وبدا له أن مايمنعه من العودة إلى بلده سخيف وظالم. ذنبه أنه لم
يمسك لسانه، وجهر برأيه؟ كان مخلصا، مستقيما فلم يبحث عن الدروب الملتوية
والأقنعة التي تقال بها الحقائق. آه، تبحث عن ذنوبك؟ فهل خطر لك يوما أن تقتل
إنسانا؟ هل خطر لك أن تقطع رزق إنسان أو أن تسجن إنسانا؟ هل قبلت أن تعاون من
يهاجم بلدك؟ لم تملك غير عقلك ولسانك وأحلامك. كنت أعزل في هذا العالم الذي
ينظم فيه الشر والفساد وتحشد في الدفاع عنهما العصابات والسياسة والمؤسسات.
بحثت عن سند الحلم في العالم، فانهار ذلك العالم فجأة. لم يبق فيه مأوى تلجأ
إليه. الطيور المهاجرة في الشباك. ولافضاء! فهل تريد أن تشخص في هذه الليلة
لماذا أنت وحيد وحزين؟ لأنهم هجموا عليك، كما يهجم الظلام على الضوء! أنت المدن
المقصوفة، المساجد القديمة والجسور الرائعة التي صوبت إليها القنابل في
سيراجيفو. الجامع الأزرق الذي هدم في كابول. الجسر القديم الذي دمر في بغداد.
الحقول المحروقة في إقليم التفاح. أصابوك هناك، وهناك، وهناك! لكنك مازلت
معافى. لأنك تتذكر مسار حياتك وتمشي فيه مرة أخرى..
كان كل ماحدث فيما بعد تفصيلات. ظل طوال اسبوعين ملقى في بيته على
الأرض. لايعرف أحد سواه كيف دفعوه على العتبة بين الموت والحياة. ويحاول هو أن
يتكلم، لكن همسه لايصل إلى سمع الأحياء. لم يقرأ أحد عليه الحكم بالإعدام، ولم
يطلب منه قاتلوه أن يدافع عن نفسه. ضربة على رأسه، ثم ضربة أخرى على جبهته! سقط
على الأرض ونزف دمه وماءه. انصرفوا عندما اطمأنوا إلى موته. وكان يردد في نفسه:
آه، يابلد المليون والنصف شهيد! كنت أنشد نشيد الجزائر في المدرسة، قبل أن يصبح
نشيدها الرسمي!
ظل يتأمل حياته وحيدا اسبوعين طويلين، طويلين. وزع ماجناه في عشر
سنوات على المهاجرين الذين فقدوا عملهم ومأواهم. على الذين انهارت منظماتهم
وفقدوا أمانهم. على الذين أصبحوا أفرادا دون مجموعات. على الحالمين بالرحيل إلى
بلاد لاتقبلهم. وكان خلال ذلك يسمع طلقات الرصاص في الشارع، ويسمع نداء النساء
المذبوحات. تليت عليه أسماء أصحابه المقتولين بعده. وكان ذلك يعلو على صوت
الأخبار التي تذاع من راديو بقي مفتوحا قرب رأسه. الأخبار التي تهنئ بأعياد،
وتصف احتفالات، وتزين بلادا في يوم هزيمتها، وترفع أقواس النصر في مدن مكسورة.
في ثنيات الأخبار هجع القتلى في الشوارع، وتراكمت البيوت المقصوفة، وتطايرت
قنابل الغاز والرصاص. حاول أن ينهض ليسند شابا أصيب في رأسه، وفي تلك البرهة
فتح الباب ودخل رجال صوروه ورسموه وسجلوه بين القتلى. حاول أن يرتب نفسه،
ويستعيد دمه وماءه. حاول أن ينهض، لكنه لم يستطع ، وعندئذ بكى..
أهكذا يعود هو الشاب محمولا إلى مدينته؟ ولأنه كذلك يعبر الحدود؟
لايستطيع أن يتجول في الأسواق المزدحمة والحارات الضيقة! لايستطيع أن يتناول
كأسا من نبع بلده البارد! لن يجتمع أهله وأصحابه وجيرانه في المضافة حتى الصباح
ليلة استقباله! ولن ترد بيته الصبايا اللواتي تركهن فتيات صغيرات وجئن ليتفرجن
عليه! اجتمعت الدموع في حلقه وعينيه. هل كان يتمنى لو يستطيع أن يتجول في
البلاد التي كان يرسمها لطلابه في الجامعة، ليختار منها مكانا يؤويه غير
مدينته؟ أم كان يريد أن تعتذر له مدينته ليغفر لها منفاه؟ لاتعتذر المدن من
أحد، ياجهاد! لايطلب منها مالا تملكه!
شعر بأن مكانه يضيق. ورغم كل مانزفه من مائه، وجد دموعا يذرفها طول
الطريق، ووجهه مغمور بالسماء، وهو يهتز على ايقاع حامليه. حتى توقفوا به في
مكان واسع لم يعرفه من قبل. على مد العين فاجأته قبور الشهداء. كان مكانه في
آخر المقبرة، بين أمكنة كثيرة مجهزة للعائدين. قرأ الشواهد التي عبرها. كان
أصحابها شبابا أصغر منه. قتلوا كلهم في غيابه، وحملوا مثله إلى هذه الغابة من
بعيد. أطرق في أسى: رغم ذلك مازلتم تنتظرون المزيد من العائدين! لمست يد كتفه.
لابأس! آه، نعم! هنا على تخوم المدينة يستطيعون أن يجتمعوا وأن يتحدثوا في
حرية. أن يلوموا وأن يعتبوا على من ضيع الزمان. هنا يستطيعون أن يستمروا في
عداوتهم عدوهم، ويستطيعون أن يكرروا مايمحى من الكتب والخطابات والجرائد
والإذاعات. ويستطيعون أن يعلنوا أن العصابات التي تنزع عن المدن العربية
حضارتها، تقتل من سجلهم العدو على قوائم الإعدام.
جفف جهاد دموعه مسرعا. وخرج من مكانه الضيق.. فهم أنهم كانوا
ينتظرونه من زمان!
حزيران 1994
-------------------------------------------------------------------
أضيفت في 31/03/2005/ خاص القصة السورية من
مجموعتها مملكة الصمت الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب
   
ليلة المسرحية
لايذكر الموتى أنهم
رأوا مثل هذه الليلة. لا ! تبدو كأنها نهاية الأيام! لارغبة لي في الفرجة على
هذا الهوان، لكني تفرجت بملء عيني كيلا تفوتني لمحة مما أراه. جددت مااؤمن به،
وجلوت الحب والحكمة والغضب! ورأيت مرة أخرى صلة الرحم بين الأرض والناس!
تجدد ماتؤمن به؟ وأنت
ممن لاتشيخ قلوبهم! وأنت ممن تمر الحياة أمامه وتبقى موازينه مناسبة لها.
ولأعترف لك: أخشاك أحيانا يانور الدين، وأنت تستشف مالايرى! لست متسرعا، حاشاك،
لكنك تسبق بحكمك مالايحيط به النظر. وأعرفك إذا صمت! فذلك لأنك تتحاشى أن تفاجئ
من حولك بما لايتوقعه! أنت وقتئذ تتريث حتى يتهيأ من حولك لما لم يتضح بعد.
حدثت ضجة، في تلك
الليلة، في مملكة الصمت. توافد أهلها إلى الساحة ليطلوا على الدنيا التي
تركوها من زمان . ففي وسطها نصب مسرح. وفي القاعة أمامه صف الشهود والمتفرجون.
هؤلاء هم رجال العالم
اليوم، ياصلاح الدين؟!
لم تخف السخرية على صلاح
الدين. فنور الدين يلمح الضعف والغرور حتى في الملابس، ويخترق الصوت ليقدر
الصدق والكذب. فيرتبك أمامه أكبر الناس ارتباكه أمام المتصوفين.
في حطين محا صلاح الدين
ماكان بينه وبين معلمه نور الدين من فتور. ولعله محا أكثر من ذلك وهما يتابعان،
من مملكة الصمت، البلاد التي تركاها، ويتبينان أن أفكارهما تسلك طرقات متشابهة.
ولكن لماذا يخيل إلى صلاح الدين هذه الليلة، أنه أقدر من نور الدين على تحمل
المسرحية التي تعرض في الدنيا؟ وهل كان يستطيع إبعاده عنها، وأصغر سكان مملكة
الصمت سار إلى الساحة للفرجة!
في طريقهما إليها صادفا
حشدا متنوعا، فيه أهل دمشق الذين وقفوا على الأسوار يوم وصل الفرنجة إلى
الربوة. والشباب الذين هرعوا لينقذوا صفد. وإحسان كم ألماظ الذي اغتيل في سمخ.
ومطران اللد الذي رافق عسكر صلاح الدين وبقي في حطين. وطيار شاب اسمه عمر صفر
أسقطت طائرته. وفتيان كان في ظنهم أنهم سيصلون إلى طبرية. شباب في عمر واحد
تقريبا. ماالذي جعلهم يخلعون ثيابهم البيضاء، ويأتون كما كانوا في آخر أيامهم
هناك؟ هل خيل إليهم أنهم يستطيعون العودة إلى هناك ليدفعوا ماحاولوا أن يدفعوه
حتى الرمق الأخير؟ لماذا تنظر إليهم يانور الدين؟ لماذا؟ تتبين أنهم فقراء!
أنهم كانوا أحيانا معيلي أسرهم، وكانوا أحيانا عشاقا تركوا حبيبات شابات،
فلاحين دون أرض، توهموا أن بلادهم هي أرضهم. شباب، متصوفون تبعوا حلمهم الخفاق.
لولاهم ماذا كان يمكن أن يفعل سعيد العاص، والشيخ القسام، وفوزي القاوقجي، ذلك
الفقير الذي نهشوه بالكلام. وفرحان السعدي الذي لم يرحم عمره السبعيني الحكم
بالإعدام!
لم ينظر صلاح الدين إلى
نور الدين! لماذا ياصلاح الدين؟ هل نخجل نحن عن الضحايا، أم عن الإسم والبلاد؟
فكر كل منهما في السلطة التي تحيي أو تميت. تسهر على العدل أو تمتص رمق
البيوت، وتكبل المدن بالخوف. وتذكر نور الدين الشدة التي أخذ بها نفسه وقاوم
بها في نفسه مايهبه السلطان. وفكر صلاح الدين بما اضطر إليه من السياسة كي يقيم
الملك الممتد، ويعبر الزمن حتى حطين. اضطر في حياته إلى اللين حيث لم يشأه،
لكنه لم ينشر رحمته على من يجب ألا تنشر عليه. قدم لأعدائه الماء بعد حطين،
لكنه منعه عمن هاجم الأبرياء.
خلفهما على بعد وقف معين
الدين أنر. لعله كان معنيا أكثر من الآخرين بما يراه! شغل معين الدين التفكير
في الملك مرات. أمسك العصا من الوسط. وعد وراوغ. وحاول أن يخيف أهله بأعدائهم!
هو، يعرف معنى أن يقف عدو في عاصمة البلد! لعنه الناس يومذاك، وسعوا إلى نور
الدين. لكن هل ينسى أهل مدينته أنه خرج إلى لقاء الفرنجة؟ فما بال هؤلاء
يحتفلون بالهزيمة كأنها انتصار؟
انتفض معين الدين. نعم،
ارتكب الإثم! وحاسبه على ذلك أهل مدينته. لكنه، خرج بنفسه إلى الفرنجة يوم
وصلوا إلى الربوة. وصادف في طريقه شيخين حاول أن يثنيهما فقاطعاه: بعنا واشترى!
لايزال يذكر تلك الأيام، والناس على الأسوار، والحرب في بساتين دمشق قائمة، وهو
يطلب في سواد الليل النجدة من المدن، ينتظرها ولايستسلم، فتأتي راكبة وراجلة،
وتطرد الفرنجة وتلاحقهم.
رأى معين الدين فتيات
يلبسن جاكيتات حمراء ويحركن أعلاما من الورق. تحية لمن يابنات؟ وابتساماتكن
لمن؟ ولماذا؟ هل تحتفلن بانتصار؟ أليس لكن أقرباء من النائمين في الرمال؟ كيف
استنبتم؟ هل ألفتم في المدارس حفظ جواب محدد على كل سؤال، فسهل أن تنفذوا
أوامر الحكام ولو كانت استقبال الأعداء؟
تساءل صلاح الدين هل
تعبر نظرة نور الدين عن الاحتقار أم عما هو أكثر من ذلك مما لايستطيع أن يسميه؟
هز رأسه وقال لنفسه: نور الدين متصوف من المتصوفين في حب البلاد! أشد مايؤلمه
أن يبتسم المهزومون، وتبدو الخيانة سياسة، والمتخاذلون سياسيين!
- ياصلاح الدين كيف أصبح
هؤلاء حكاما، لهم أن يتدخلوا في شؤون كبرى كشؤون الحرب والسلام؟ ماذا جرى
للبلاد حتى ارتفع هؤلاء إلى هناك!
آه يامعلمي، هل تسألني
عما تعرفه وأعرفه؟ دهاء الحاكم، وخوف الرعية! صفق الناس للحاكم. شكروه على
الهواء الذي تنفسوه والخبز الذي أكلوه. شكروه على الشمس وعلى السماء والقمر
والنجوم. نسوا أنهم هم الذين يزرعون ويخبزون. من الخوف نسوا العصيان. نسوا حتى
الأفراح والأعياد. قدر لهم الفرح والحزن في أوقات. وعندما وصل موكب الأعداء
كانوا مايزالون يصفقون. فقيل للأذكياء منهم: قدر لامفر منه! وقيل للباقين:
انتصار! والبسوا ملابس الفرح الحمراء، وصفوا في المسرح ووضعت في أيديهم
الأعلام. فكانوا كما رأيت، زينة في القاعة، مثل رسوم القدماء.
سمع نور الدين حركة
فالتفت. رأى الشباب خلفه وحوله وأمامه، في ملابسهم التي وصلوا بها إلى مملكة
الصمت في قديم الزمان.
- هؤلاء الشباب عرفوا
تلك البلاد! وماتوا هناك! قل لي ياصلاح الدين، ماعلاقة هؤلاء الواجمين باولئك
المبتسمين السعداء؟ أهكذا يبتكر الحكام قطع الأجيال عن الأجيال؟
- يقال هناك: "زمن جديد
"، "عصر جديد". يجب إذن أن ينقطع اولئك عن هؤلاء!
كان القسام آخر من وصل.
هل في متابعة هذه المسرحية الصغيرة من فائدة؟ لايزال الصراع بين الشرق والغرب
كما تركناه! تغيرت فقط البيارق والأعلام! وكان القسام يتابع الأوهام التي
تصور للأحياء أن المدن الباقية تنجو إذا هجروا حيفا ويافا وعكا وطبرية...
وأدهشه أن ينسى اولئك الأحياء أن في المدن التي يسامحون بها العدو قبورا، منها
قبره، ومزارات، وذكريات. وأن منها حطين نفسها، مقابر شهدائها وقادتها، والبحيرة
التي أوى إليها المتنبي، شيخ الشعراء! قال: آه، من يفرّط ببلد يخسر جميع
البلاد! وهل يملك واحد أو مجموعة ذلك القرار؟ كان يعرف حيفا أكثر من بلده.
ويقول لنفسه بلدي حيث الخطر على العرب! وكان الخطر حيث تدفقت الهجرة وحماها
الانتداب. فهل تغير الزمان؟ سيبوح بأمر! الخطر حيث يفسد المال الذمة والأخلاق!
قال: وطن الأغنياء رحالة، متنقل، لذلك بدأت من الفقراء.
ردد كلمته سعيد العاص.
"نعم ياشيخ! وطن الأغنياء رحالة، متنقل! لم نلتق، وكم التقينا حيث مررت! لم
نفكر يومذاك بما يسميه هؤلاء الأحياء، التوازن الكوني". "لو فكرنا مثلهم،
ياسعيد، لما كان لهذه البلاد تاريخ! فأيامنا كانت أسوأ من هذه الأيام. هؤلاء
عرفوا زمنا كانوا فيه أقوياء، مسلحين، بحارة في المسرات، لهم أصدقاء. نحن كنا
نبحث عن الفشكة والقميص وقطعة الخبز!
يا سعيد، أعرف أنك كنت
في قميص ممزق! استحى منك من أراد أن يهديك قميصا، لما يعرفه من عزة نفسك. لكن،
انظر إلى هؤلاء! مزينون، خاط لهم عدوهم الياقات والأردان، ولعلهم معطرون
وعطرهم من هناك!"
صمت الجمع فجأة. كأنما
حدث أمر جلل تحت، في الدنيا. وبدا لهم أنهم يسمعون لغة لايعرفونها. تناوب رجال
على أوراق وقعواعليها. " آه، محوا الزمان والمدن والأحلام والقبور والأسماء!"
ودوى عندئذ التصفيق. بعد زمن من الصمت استدار صلاح الدين عن ذلك المسرح.
اسمعهم يانور الدين، اسمعهم! يقولون: "ظلت القضية خمسا وأربعين سنة دون حل".
هكذا حلوها؟! استمر الاحتلال الفرنجي مئتي عام! جدعت الأنوف، دمرت المدن، سبيت
النساء، ولكن لم يجرؤ أحد منا على التنازل عن البلاد! قبلنا الهدنة في حرب
طويلة، ولم نقبل إلغاء مقاومة الاحتلال. هل يتصورون أنهم بضعفهم، سيأخذون
"الأرض مقابل السلام"؟ كلام! إذا تدفق الغرباء، خسروا الأرض والأمان!
حدث اضطراب في المسرح!
خرائط مغشوشة! خلاف ! استمع نور الدين إلى الخبر وتبادل النظر مع القسام. وقال
لناقل الخبر: يابني، الخطأ ليس ذلك. الخطأ أنهم يستقبلون العدو في بلادهم،
ويقبلون توطينه بينهم. هل فاتهم أنهم قبلوا سيادته الكبرى في هذه اللحظة؟
قال القسام في كبرياء:
يانور الدين، لسنا شهودا! في زمننا، لم نقبل أقل من ذلك بكثير! وكان الإنتداب
يدرب المستوطنين ويجعلهم جيشا، ويغضي عن طائراتهم ومصفحاتهم، ويجهز مجموعات
منهم لتلاحقنا. كانت بنادقنا من مخلفات الحرب، يحكم علينا بالإعدام إذا اكتشفت
معنا. ومع ذلك، قاومنا المستوطنين ودولة كبرى. ولم نهب الإحتلال اسما آخر!
تقدم من القسام رجاله
الحكماء، وأحاط بسعيد العاص رجاله الأشداء، ثم تقدم شباب وفتيات، غطوا الساحة
بالنضارة. كانوا في تلك البرهة بالثياب التي قتلوا فيها، في لون كاكي، وفي
ألوان مزهرة. كانوا جنودا من الاحتياط تصوروا أنهم سينتصرون ثم يعودون إلى
قراهم. كانوا جنودا قطعوا الطريق وهم يرفعون الشحم عن أسلحتهم. كانوا جنودا
طردت أمهاتهم وآباؤهم من القرى وقت الإحتلال. كانوا أصدقاء قتلى ومهجرين.
كانوا يسكنون في غرف تحت السلالم، وفي أقبية معتمة، وفي غرف من الطين في
البساتين. وكانوا أطباء وطيارين، وكانوا فدائيين لم يعرف أهلهم قرارهم إلا بعد
أن نفذوه. رددوا فرادى كلمة القسام ونور الدين: لم نوقع! ثم تجمعت الأصوات
وأصبحت صوتا واحدا! وتبين نور الدين عندئذ أن يوسف العظمة في وسطهم بملابسه
التي خرج بها إلى ميسلون. وسمعه يقول: كنت أعرف أن الإحتلال مقرر، وأننا دون
سلاح ولاطيران. لكننا بميسلون حجبنا الإعتراف بالعدو، وقاومناه.
في تلك البرهة وصلت
أفواج من الأطفال والشباب والفتيات. لاتزال جروحهم ظاهرة في رؤوسهم وفي موضع
القلب. كانت في وجوههم الصرخة الأخيرة التي صرخوها في الحارات. وماتزال تفوح
منهم الغازات. كانت عظامهم ماتزال مكسورة. كان الشباب منهم يحملون أطفالا خنقوا
في المهد. وصلوا كما وصلوا إلى دمشق سنة 1936 وفي سنة 1948. وأحاط بهم الجمع.
وبدا الجمع ملونا، جميلاً ، مهيبا ورشيقا. حتى ذهل معين الدين أنر من الفرق
بينهم وبين الجمهور الذي كان يحضر المسرحية في أسفل الدنيا، ويمثل الفرح
والانتصار.
سمع نور الدين همسة
فتاة: لهؤلاء مملكة الصمت فقط، ولاولئك الدنيا! فتوقف، والتفت كما كان يلتفت
إلى جريح: يابنتي، لاتخافي من المنتصرين!
في أسفل الدنيا استمر
الاحتفال. قيل إن زمنا جديدا يبدأ، وطلب من الضحايا أن يكونوا عقلاء وأن
يبرهنوا على نية حسنة. طلب منهم ألا يخيبوا ظن الشهود والمحتفلين. وروي أن
المباحثات سترسم سور الحديقة التي سيوضع فيها أهل البلاد، وستنظف اللغة من
كلمات احتلال، مستوطنات، هجرة، عدوان، وستزين قاعات أخرى للاحتفال بالمساواة
بين الأقوياء والضعفاء، وبين الغرباء وأهل البلاد.
من طرف كتفه لمح القسام
آخر صور المسرحية وقال: انتفضنا سنة 1936 لنوقف الهجرة، ولم تكن كما هي اليوم!
فجذبه سعيد العاص من يده إلى الأمام حيث الشباب. ياشيخ، لسنا اليوم في مسجد
حيفا الكبير، فلاتبدأ درسك! قل لي، من بقي في ذاكرة جيلي وجيلك، عبد الرحمن
اليوسف، أم يوسف العظمة! لاتقلق على الأحياء إذا ظل إنسان منهم يذكرنا هناك!
سيهربنا المخلصون من جيل إلى آخر، ومن حلم إلى حلم! قلقي على الأحياء فقط،
ياسعيد؟ قلقي على هؤلاء الشباب الذين يقتلون اليوم مرة أخرى!
كان نور الدين كعادته قد
حزر مايجب أن ينجزه. وعندما التفت سعيد رأى رايات مرفوعة، ورجالا على جياد،
ومشاة، وآليات حديثة، حشودا متنوعة الأسلحة والملابس والألوان، وملامح تركمانية
وشركسية وكردية وعربية. وتبين جمالا نادرا لم يصادف مثله في حياته. جمع نور
الدين كل من دافع عن هذه البلاد، وأعاد القادة المنتصرين كي يكرروا نجاحهم،
والقادة المهزومين كي يحاولوا الانتصار، وتناسى الأخطاء الصغرى التي فرقت
الأصحاب والأقرباء. جمع من الأزمنة الطويلة كل من استطاع. نادى حتى أسراب
الطيارين وطواقم الدبابات. ولم يتخلف أحد من شيوخ القسام حتى الجنود الصغار
والفدائيين الشباب. وبينهم كانت فتيات بالبنطال ونساء بملابس مطرزة وأغطية
بيضاء. وجميع المحكومين بالإعدام. مشى الحشد مهيبا، جميلا. فاستعجل القسام
سعيدا، وهو يمسح من عينيه الدموع. " يالحزن من يفكر في كل هؤلاء، ويالقوة من
يفكر في كل هؤلاء !"
   
امرأتان في
مملكة الصمت
جرّت صاحبتها:
لماذا لاتريدين العودة
إلى الحياة؟
مرة أخرى؟ لا!
وتأملتها هالة وهي
تسحب يدها وتنظر إلى سكان مملكة الصمت. أتفترقان بعد عشر سنوات من الجيرة؟
تركتها تنصرف إلى ماحولها ذاهلة. وخمنت ماتفكر فيه. نعم، انقلب الناس فجأة،
كأنهم خبأوا رغبات سرية، دفنوها في أعماق بعيدة!
نودي أمس في مملكة
الصمت: "من يرغب في العودة إلى الدنيا بشكل آخر، فليقف في الجهة اليمنى! ومن
يرغب في انتظار الصراط والحساب فليقف في الجهة اليسرى! في السادسة صباحا تفتح
نقاط العبور!" نظرت هالة إلى يمينها، ففاجأتها جموع الراغبين في العودة إلى
الحياة. هرع إلى هذه الجهة حتى اولئك الذين عاشوا دهرا في مملكة الصمت وألفوا
قوانينها، وشفيوا من الغيرة وحب المال وزينة الدنيا. قالت لصاحبتها: ياأمل،
هذه هي الحقيقة! فنظرت أمل إليها عاتبة: أمس لم تكن هذه هي الحقيقة! وأنت أيضا
لم تكوني هكذا! بماذا ترد؟ صمتت وتأملت صاحبتها، وتابعت مايشف من أفكارها.
عادت إلى أمل تلك
العاطفة المنسية، الذهول. كانت القاعدة أن الامتحانات الصعبة في الدنيا. وأن
امتحان مملكة الصمت الصعب هو الأيام الأولى، وقت تكون الدنيا عالقة بعد بروح
القادمين منها! "ما بال هؤلاء يتسابقون على العودة إلى تلك المهجورة وقد نجونا
من بريقها!" التفتت وفحصت الوجوه حولها. أبمثل هذه السرعة تغيرت ملامح الأشخاص
الذين عرفتهم؟ تبدلت حتى قاماتهم وحركتهم، فبدت فيها الرغبة في الانتقام،
والشهوة إلى المال، والعطش إلى المتعة. ورأت اولئك الذين كانوا يتنزهون أمس
منصرفين إلى ضوء القمر في مملكة الصمت، يحاولون أن يتقدموا على أصدقاء الأمس
ليأخذوا دورهم. بل سمعت حارس المقبرة يعلن لهم في ترفع: "لاتتزاحموا! الفرص
كثيرة. لن يؤثر الدور على نوع مصيركم!" انتصر الحارس عليهم إذن! هم أنفسهم
أعادوه حارسا، يأمر ويمنع!
نعم، عادت الرغبات! لذلك
عاد التملق والنفاق والضعف والحسد! تذكرت أمل ماتركته في آخر أيامها في الدنيا،
أيام قيل: "عصرنا يؤشر إلى انهيار القيم الأخلاقية والعواطف الإنسانية. يقتل
الناس، تقصف المدن، ولايستنهض ذلك حتى الدفاع عن النفس!"
ياأمل، لماذا تستعيدين
الآن كل ذلك؟ ألم نتركه عشر سنوات؟
تسألينني ياهالة، أنت
العائدة إلى الدنيا!!
استدارت أمل! مسكينة!
أعرف عم تبحثين! تبحث أمل عن الطرف الآخر المنسي، عن الذين اختاروا الصراط!
لاتتبين أحدا منهم! فتقول لنفسها: لعلني لاأراهم.. تحجبهم عني كثافة الراغبين
في العودة إلى الدنيا! لا، ياأمل! لاأحد هناك، لاأحد حيث تبحثين! يخجل حتى
الراغب في تلك الجهة من الإعلان عن قصده! من يجرؤ على مقاومة هذا المد العظيم؟
من يجسر علىالايمان بأنه هو المصيب وهذا الجمع الكبير مخطئ؟!
تراجعت أمل خطوة إلى
الوراء! قالت لنفسها: ياللهول! ووضعت كفها على عينيها! أيفسد الناس حتى هنا!
أينهارون بنداء واحد فقط؟ أتفقد ويفقدون حتى هذا المكان الآمن الأخير؟ جرتها
هالة. فسحبت أمل يدها: إلى هناك مرة أخرى؟ لا!
في آخر الأيام هناك سهرت
أمل الليل كله تفكر في حياتها. قالت لها بنتها: تركت الجامعة! لافائدة من
الدراسة! لن أقبل بعض الآلاف من الليرات في الشهر! سأبحث عن شغل يعطيني
ماأستحقه! تستحقينه؟ هل اشتغلت زمنا، وتعبت، وتفوقت فصرت تستحقين أكثر مما
تأخذينه؟ تريدين القفز إلى فوق دون تعب؟ آه هذه الشابة، أيضا، تريد من أول
العمر الوصول إلى آخر درجات السلم! هذه الشابة، أيضا، تبحث عن الجني السريع
وترمي الهوى ولذة التعب! لم أكن أقوى من الدنيا لأغريها بغير ذلك!
اأمل لاتستعيدي ذلك! في
أول لقاء بيننا هنا حكيت لي عن خيبتك. ثم شفيت كما يشفى سكان مملكة الصمت! في
تلك الليلة فوجئت أمل بعقل آخر لاعلاقة لها به. لم تعرفه ؟ بل لم تعترف به! خيل
إليها أنها ستلجأ إلى ابنها. لكنه رجع في تلك الليلة متأخرا. ورأته يربط عصبة
على رأسه. من أين استوردت ياابني هذه العصبة؟ وتضع قرطا في أذنك؟ فلتجعل شعرك
ضفائر كالبدو القدماء، كي أشعر بأنك نبتة في أرضك!! أرضي؟ أنت ياأمي من زمن
آخر! لاتشعرين بأننا في زمن بعده! همك العمل! هواك: "بلادي"! لاتوجد بلاد
مغلقة اليوم! هذا زمن اللاحدود! قولي لي بماذا كافأك بلدك؟ وبماذا أفادك هواك؟
ركض الناس أمامك وسبقوك. بنوا البيوت وبدلوا السيارات على حساب بلادك! تجولوا
في الدنيا على حساب بلادك! غيروا "بلادك" وأنت تحملين صورها وتركضين! تركضين
إلى الخلف! بلادك صورة في خيالك، لم تعد توجد في الواقع! آه، من رأى شابا لم
ينبت شاربه بعد يكلم أمه هكذا؟ شابا يدين زمنا لايعرفه، وينتسب إلى زمن لايعترف
به؟ ماذا قدمت من عمل كي تصبح ذا آراء، ياابني؟ مازلت تأكل على سفرة أمك
ياحبيبي! نسيت ياأمي كلماتك؟ كنت تقولين: الرأي حق الإنسان؟ تحاربني إذن
بكلماتي وفكري ياابني؟ هذه موضة العالم اليوم! من فؤادي قتلوني ياحبيبي! لكني
رفضت الموت! رفضت الهزيمة هناك. لم أعرف أنك طريق الهزيمة الآخر إلي! هربت منك
الحياة ياأمي وأنت تبحثين في الهزيمة والانتصار!
سهرت أمل يومذاك حتى
الصباح. كان يصعب عليها أن تعترف بأنها مهزومة. لاتوجد هزيمة قبل المعركة
الأخيرة! وقبل الموت لاتوجد معركة أخيرة! لكنها يجب أن تخرج من الحفرة! أشعلت
الضوء، وتذكرت الدنيا التي بنتها قشة، قشة. تذكرت حتى الأيام التي كانت تشتهي
فيها النوم ورأسها يسقط فوق مكتبها، وهي تنهض على رؤوس أصابعها فتغسل وجهها
بالماء البارد لتصحو، وزوجها وطفلاها نائمون. تذكرت اندفاعها وحماستها في البيت
والشغل. كانت تردد وهي تلهث أن الحياة أكثر سعة من الولد والزوج. وأن الحياة
الواسعة هي التي تغمر بيت المرأة بالحب.
خيل إلى أمل في تلك
الأيام أن الدنيا الواسعة انفجرت. "في عمري لن تعود! ستعود فيما بعد!" ولكن
لماذا ينفجر بيتها؟ لماذا تنهمر فوقها حجارته وتسقط فوقها أشجاره؟ قالت: الناس
كالعالم، يتسابقون على الانتحار. لايفخرون بما فيهم من جمال، بل بما فيهم من
بشاعة. كأن الحياة تهرب منهم فيحاولون أن يصيدوا مالهم ومالغيرهم فيها! يدعس
الواحد منهم على الآخر ليأخذ لقمة زائدة، وليرتفع مقدار إصبع!
ومع ذلك لم تترك الحياة
إلا يوم شعرت بأنها أصبحت دون مكان. قالت: لاأحد يحتاجني، لافي البيت ولاخارجه!
يجب ألا آخذ من الشمس والهواء حصة آخر! يومذاك، فقط، ماتت.
سحبت أمل يدها من يد
صاحبتها:
لاأريد العودة! لافائدة
من العودة في شكل آخر إذا كانت إلى تلك الدنيا نفسها!
لاتبقي هنا ياأمل! أمامك
فرصة لتختاري حياة جديدة! اختاري أن تكوني شجرة أو طيرا، إذا مللت مصير البشر!
انظري! يرحلون كلهم إلى الدنيا! فهل تبقين هنا وحيدة؟
سحبت أمل يدها مرة
أخرى:
سأبقى هنا، وستعودون
إلي! وأدارت إلى الجمع ظهرها.
تأملتها هالة. نظرت إلى
ظهرها المستقيم. كانت أمل تمشي في الاتجاه المعاكس وحدها. تجري بكبرياء في مجرى
مستقل، ضيق، بجانب مجرى هادر يتدفق عكسها. بدا ظهرها المستقيم وسط جمع يحاول
الواحد فيه أن يتقدم على الآخر. وشعرت بأن تلك المبتعدة أقرب إليها من هؤلاء
المتسابقين على العودة إلى الدنيا. لكن قرارها، هي أيضا، كان حاسما.
في الليلة الماضية بعد
أن سمعت المنادي يغري سكان مملكة الصمت بالعودة إلى الحياة، فكرت بالدنيا
القديمة التي تركتها. وتبينت أن عشر سنوات في مملكة الصمت قد انتهت في برهة.
عاد إليها كل ماتركته. شعرت بالرغبات القديمة نفسها، بالخيبة القديمة نفسها،
وبالأفراح القديمة نفسها! مشت في الممرات التي هجرتها عشر سنوات. وأدهشها أن
تتبدد مملكة الصمت التي بدت لها مستقرا هادئا، حلما يصعب حتى على الأحياء أن
يرسموا تفاصيله. نهضت، ومشت في ضوء القمر. جلست تحت سروة طويلة. وتساءلت:
أيمكن حقا أن أختار العودة إلى الدنيا؟ وأن تختار صاحبتي أمل مملكة الصمت؟! كان
يفترض العكس! وعادت إليها التفاصيل..
كم كانت جميلة هناك!
قال شيخ مرة وهي تمر قربه: سبحان الخالق! فابتسمت.. لم يبق إلا أن يحبها شيخ!
لم لا؟ ماأكثر الذين أحبوها! في الليلة الماضية تذكرت ثلاثة رجال منهم.
وانصرفت إلى استعادة التفاصيل. في البرهة الأخيرة كان يحدث مايباعد بينها وبين
المحبوب. لكن قبل ذلك.. كم كان الحب جميلا، وكم كانت مرغوبة! استسلمت للصور،
وغمرتها متعة ناعمة كالمخمل.
خففت من الضوء. وبدأت
تكتشف أن يده تلتهب كلما صافحته. وعرفت أنه قال لأصدقائه: مربوط بشعرها، تجرني
أينما شاءت وأتبعها مطيعا! كان يبدو سعيدا، منتشيا، وهي تمشي إلى جانبه. وكان
يظهر أنه فخور بها. تحدق الآن فيه، تتأمله، تفحصه. ثم تقول: كان حبه حقيقيا!
لكنها كانت صغيرة خلية البال، وكان هو مرهقا. عاش ضعف عمرها. يوم أعلنت عن
فرحها لأن فرش البنفسج نزل إلى السوق، وتحدثت عن مواسم ستظل تنتظرها، قال
مسرعا: مازال العمر لك جديدا. أنا، تكاثر علي! لم يخطر لها أنه تساءل: يوم
ينثني ظهري، ألن يغريها شاب في مثل عمرها؟ كان ذلك يوم استوقفه صديقه في
الطريق وهي معه، فقال له معرّفا: الخطيبة! فلمحت في عيني صديقه ذهولا وخيبة.
كان فراقهما كالصاعقة،
مفاجئا، سريعا، ومحرقا. صادفا مرة قريبتها. فعرّفته بها، لكنها لم تقل
لقريبتها: الخطيب، بل قالت في احترام: الأستاذ! كيف التقى بقريبتها فيما بعد؟
كيف أرسل أهله إليها وخطبها؟ تجهل ذلك! أعلنت تلك الخطبة فجأة! يمر الآن موكب
الألم أمامها. وترى نفسها وهي تكتم بكاءها. هل كانت حزينة على الحب؟ بل أكثر من
ذلك! كانت مخدوعة، لاتستطيع أن تحتفظ حتى بذكرى المحبوب. كان يجب أن تمزق تلك
القطعة من حياتها وترميها. بعد سنوات طويلة فهمت أن صفحات الحياة لاترمى.
وتذكرت أنه جلس مرة أمامها وقال:هل ستحبينني بعد عشر سنوات؟ كانت صبية لاتعرف
بعد تغير الرغبات. ولم تر من قرب الموت والشيخوخة. ولم تجرب بعد تحرر النظرة
من المحبوب، وطيرانها إلى أفق ممتد بعده. أفهمها العمر فقط سطوة الرغبة، وقرار
العقل. لكنها يوم فهمت ذلك رأت ذلك الرجل كما ترى حالة من الضعف. رجلا جرفه
هواه، أحب شابة في عمر بنته، زين بها ياقته في زهو، ثم اختار بعقله زوجة
لايمشي معها!
هل برأته، أو أبعدته،
فيما بعد، كي تدافع عن ذلك الجزء من حياتها؟ بعد شهر من الفراق صادفته في
الطريق، ورأته ينحني لها في احترام. كادت تضحك! وعبرته خفيفة الخطوة. وفهمت
أنها طوته.
كان الرجل الثاني في مثل
عمرها. طوله يناسب طولها. كانت تردد ضحكته ويردد ضحكتها. لم يظهر بالكلمات
زهوه بأنها تحبه. سعادته بها كانت تظهر ذلك. لكنه كان ذاهلا أمام العالم. يوم
أحبها كان كل منهما يعرف أنه مايزال يستند إلى أهله. ومازالت أمامهما سنوات من
الانتظار. لابأس! فكل منهما موجود في أفق الآخر! ولكن لماذا كانت تبعد شعورها
بأنه موثق وثقيل؟ كانت قدماها لاتمسان الأرض كأنها تطير. آه، من يجهل جمال الحب
بين شابين في عمر واحد!
يوم افترقا تذكرت أنه
قال مرة كأنه باحث: لايستطيع الرجل أن يضبط نفسه. لذلك قد يقيم علاقة عابرة ولو
كان عاشقا. سألته مازحة: والمرأة؟ رد: المرأة من طبيعة أخرى! لم تتوقف عند
حوارهما الخاطف، لأنه لم يكن الرجل الذي تحدث عنه، ولأنها لم تكن المرأة التي
يجب أن يتميز عنها الرجل.
كانت واهمة! اعترف لها
بأنه في غيابها خلال الصيف أقام علاقة خاطفة لم تمس حبه لها! سألته: من هي؟
اعترف.. صديقتها!
ابتعدت عنه. لايزال
يحبها؟ ياللحب الذي لايصمد إذا غابت شهرا عنه! لكنها فكرت طويلا في تباين
طبيعة الرجل وطبيعة المرأة! طبيعة؟ قرر الرجال ذلك كي تزيد حقوق الرجل، فيلهو
وهو مطمئن إلى "طهارة" امرأته. ويكون له دائما مأوى مفتوح الذراعين! هكذا
يصبح الحب سجنا تقبله المرأة وينجو منه الرجل! لحقها. لكنها لم تلتفت إليه.
وانشغلت بالتفكير: كان هذا الحب المكتوم الذي انثنى عليه شابان منسوجا إذن في
العالم الذي ظنته منصرفا عنهما! تدخل العالم الغريب البشع إذن في حبهما! ولم
يكن ذلك العالم هو ماحولها، بل جميع العوالم السابقة التي لم تعرفها هي وربما
لم يعرفها أهلها! تبعها. لا! لاأريد قطعتين! أحكم أنا فؤاده، وتحكم الطبيعة
سلوكه! وقالت لنفسها: نجوت! وابتعدت عنه وهو مايزال يتبعها. كفى! قال: أيتها
الهاجرة! آه، إذن أنا الهاجرة!
عندما أتى الحب الأخير
فحصته من بعد بكل مالديها من المقاييس. راقبت لهفته وخيبته وأساه. تركته يلوب
حولها. لم تكن مستعجلة. وكم كان مجنونا وهو يعلن حبه! وقف مقابل بيتها والثلج
يهطل. قال الجيران: مجنون.. أو مكلف بمراقبتنا! رأت فوق رأسه قبعة من الثلج،
وقالت هي أيضا: مجنون!
ثم عادت الأشواق تبدل
مقاييس الأيام، وتمد الساعات، وتسمعها أصواتا في رعشة الغيمة على الشفق، وفي
تنفس الأشجار، وفوح الزنبق، ورنين القمر. وعاشت سنة مع مواسم المضعف والنرجس
وزهر الليمون، مع المطر والزعتر والطرخون. وبدا لها الباذنجان رائعا، ونضارة
الكوسا مدهشة. أصغت في متعة حتى إلى صوت الحنفية التي تقطر. وأصبح العمل ممتعا،
ولكل من الساعات معنى. سألته مرة مازحة: إلى متى ستحبني؟ قال: حتى ينتهي عمري!
فابتسمت. من يحكم مغيبه! لكن جوابه ممتع!
لم يعترف لها. اعترفت
لها صديقتها! باحت لها بأنه يحبها! روت لها: قال لي سأحبك حتى ينتهي عمري!
وسألتها: مارأيك فيه؟ رأيها؟ ليست لديه كلمات جديدة يقولها لحبيبة جديدة!
مسكين! تسألها رأيها فيه؟! رأيها فيه أمس أم اليوم؟
لم تشعر بالحزن عليه.
حزنها أكبر منه! فقدت الثقة.. بالمواطن! جرى حوار بينها وبين نفسها، قالت:
تقصف القنابل المدن،
ويتفرج العالم كل مساء على حرائقها وهو يتناول عشاءه، كأنها موقد! فهل تسلم روح
الإنسان وعواطفه؟ يتراكض الناس، وخلال الركض يدعسون فؤادهم..
تبرئينه ؟
لا! أفسر لماذا ينهار
الضعفاء. يتصورون أنهم إذا ركضوا يستطيعون أن يخطفوا قطعة من الحياة. يعجزون،
فيتناولون امرأة إضافية.. لايعرفون أن الحصص مقدرة، ولن ينالوا إلا ماقرر لهم!
لكنها يومذاك تبينت أن
المحبين لايبتعدون. يختارون صديقة حبيبتهم أو قريبتها. وتذكرت أن زميلتها في
المدرسة أحبت شابا أحبها ثم تزوج صاحبتها. وأن جارها أحب الأخت الكبرى لكنه
تزوج الأخت الصغرى.لابد من سبب لذلك..
لم تجد الجواب على
سؤالها في الكتب. طبعا يجب أن تبقى بعض جوانب الإنسان مجهولة! وإلا لما استمرت
الدراسات. يجد أساتذة الجامعات صعوبة في اختيار موضوعات لطلابهم. فإذا لم يضطرب
العالم وتنهار الروح كيف يجدون موضوعات للبحث العلمي!
وجدت الجواب صدفة، وهي
تلمح فلاحا يستند إلى الحائط وزوجته تفرش البرغل على السطح. قالت: ربما كانوا
مثل هذا الفلاح! لاهمة للمحب، لذلك يتناول القريبة من يده! بذل الجهد في الحب
السابق، ولايستطيع أن يكرر ذلك! عند المرأة التالية، يهمد، يستقر، وهو متوج
بالمجد، مزين بوسام الحرب الذي يشهد على جنونه. لايستطيع أن يعيش ولهان طول
عمره!
ــ ربما، ربما. لكن
يبدو لي أن في الرجل المعاصر أزمنة سابقة، قد يكون منها عصر العبودية، وقت كان
يملك زوجته وأخواتها ويملك حتى بناته!
ــ لاأشعر بأن في روحي
عصور العبودية! أشعر بأن فيها أزمنة لم تصل بعد !
خيل إليها يومذاك أنها
على ذروة جبل تشاهد منه الناس من بعد وتفحص حياتها وحياتهم. لم تشعر بالغيرة،
بل شعرت بالأسى لأن اولئك الرجال يتبددون. يمضون دون أن يتركوا ذكريات. وهم؟ هل
يستطيعون أن يخرجوا من صناديقهم صورا تؤكد أنهم عاشوا، يوم يصبح العمر وراءهم،
ولاشيء يثبت أنهم عبروا الحياة غير مايتذكرونه ومن يتذكرهم؟
أدهشها أنها لاتستطيع أن
تستحضر أي لقاء به. لم توفق حتى في استحضار ملامح وجهه! لكنها من تلك الذروة
وصلت يومذاك إلى مملكة الصمت.
فلماذا تترك هذه المملكة
الهادئة، وتعود إلى هناك؟ لترى الشيب والقامات التي ضمرت حيث كان الشباب؟ لترى
محبيها مع صديقاتها؟ لتنوس مرة أخرى بين الأشواق وبين المرارة، وتذوق الأرق
وتنتظر أن ينتهي الليل؟ أتعود لتنحني على عملها مجدة تلهث، والمدللات يعبرنها
إلى الصف الأول؟ أتعود إلى العالم الذي تركته متفرجا على الحروب وحرق المدن،
وهو يكوم كل مساء القتلى والجرحى وضحايا الحوادث واللصوص؟ ويعلق على جدرانه صور
الرجال المسؤولين عنه وهم يبتسمون للمصورين؟
لماذا تعود إلى هناك؟
ليعصف بها الوجد مرة أخرى، لتطير بالفرح وتسقط بالحزن، تغلق نوافذها مغبونة
غاضبة، ثم تفتحها لتلتقط طرف شعاع القمر، وتستدعي شدو العصافير الدورية، وتغري
بفتات الخبز بقايا الشحارير المهاجرة؟
تبينت هالة أن ظهر
صاحبتها أمل يبتعد لأنها هي أيضا تمشي.. تمشي مع الجمع في الجهة المعاكسة. تمشي
مع ناس يركضون إلى انتقام منعهم الموت عنه، إلى مال لم يكن لديهم الوقت كي
يخطفوه أو يسرقوه. وهي؟ تمشي هادئة، خفيفة، إلى عملها الذي غابت عنه، إلى
الغبن الذي ستشعر به، إلى الأرق وغدر المحبين..
|