
بقلم
الكاتبة: د.
ناديا خوست

مملكة الصمت
ثورة في مملكة الصمت
تنقل المنادي في المقبرة : انهضوا ايها الموتى، انهضوا ! فجمعوا
أطراف أكفانهم، ونهضوا في أول الليل، والقمر يسري في السماء. ومعهم نهضت فتاة
لم تكن استراحت بعد من أصوات المقرئين وحزن الوداع.
نهضت في خفة كأنها الهواء. التفتت فرأت أردية تتحرك في الليل،
أمواجاً بيضاء، رفعت رأسها فصادفت: مرة أخرى هذه النجوم وتلك السماء؟!
ظل صوت المنادي يردد متنقلاً : " لا يمكن بعد الصمت! انهضوا أيها
الموتى، انهضوا!" ورأت الفتاة امرأة تتقدم، فسألتها: عم لا يمكن بعد الصمت؟
أجابتها المرأة : جديدة؟ اصبري إذن..سنتنحدث عن ذلك في الاجتماع . وقادتها
إليه. وفي الطريق روت لها ما يحدث في مملكة الصمت. هي هنا منذ عشر سنوات. قطعت
خلالها أيام الحزن على الحياة، والقلق على الباقين من الأحياء. وتجاوزت الشوق
إلى الأخبار. وصلت إلى زمن تستمتع فيه بسماء الليل، حرة الخطوة تتجه حيث تشاء.
غير مربوطة بانتظار الزوج والإبن وبمواعيد الطعام وملعقة الدواء. تجمع رداءها
وتتجول، تجري كضوء القمر والماء. لا يزعجها هنا غير الزحمة . فالقبور متقاربة
كأنها أبنية الأحياء . لم يصل بعد إلى قبرها المشردون، ولم يستلق بعد فوقه شخص
ثقيل، ولم ينشر أحد بعد ثيابه عليها، ولم يهزها بعد شخص يرتعد من برد الليل. لم
يعلق أحد بعد فوق شاهدتها سلة أو بنطالاً ، ولم تفح بعد حولها رائحة الحشيش!
كثيراً ما مشت وحيدة، ومن التأمل وصلت إلى مجردات لخصت بها الأوضاع
. وكانت قادرة على ذلك بعد أن عبرت السنوات الأولى التي تعتبرها الآن متصلة
بالحياة. بل تكاد تضحك، فهي الآن فقط تشترك أحياناً في استقبال القادمات . يوم
وصلت هذه الجارة الجديدة، كانت مشغولة في الطرف الآخر، بامرأة أحرقت نفسها
بالكاز. اجتمعت حولها النساء. وقلن لها: أحرقت نفسك.. مجنونة ! منذ عشرين سنة
لم نعد نستعمل هذه الطريقة للخلاص! ماذا دفعك إلى هذا العذاب؟ ظلم الزوج؟ اف،
ما زال ذلك يحدث حتى اليوم! ما نراه من أعمدة التلفزيون التي تشوه السطوح، لا
يعلّم الأحياء الحياة!
عندما تستقبل النساء امرأة جديدة لا ينبشن قصتها من الفضول، كما
يفعل الأحياء. بل يعاتبنها ويصنحنها ليصلن إلى قرار، كي تختصر فرصة الشفاء من
الحياة. فإذا بكت أو تقلبت في القبر فأقلقت الجارات، دعونها إلى اجتماع ليجففن
ما بقي لديها من دموع الحياة، وليفهمنها أنها انتقلت إلى مكان فيه قوانين
وعادات، وإمكانيات وآفاق.
نعم، الأيام الأولى هنا كالامتحانات في الجامعات! لكن الناس يساعدون
الناس، والكبار يساعدون الصغار، والأقوياء الضعفاء. وليس الصمت المطلوب في
مملكة الصمت من الخوف، بل من الرغبة في الراحة والهدوء. فالموتى نجوا مما يهدد
به انسان: الضرب، والعذاب، والمنع من السفر والعمل، ومصادرة الأموال والأملاك.
هذه القطعة الصغيرة من الأرض هي مملكة الحكمة . يتأمل الناس فيها ما فاتهم أن
يتأملوه، ويكتسب فيها حتى المجانين العقل، بالشفاء من الشوق إلى الحياة خارج
الأسوار.
حكت المرأة للفتاة عن جمال الظلال أيام القمر. وعن وحدة المجموعة
التي لا تفرقها أحقاد أو أملاك. هنا كثيراً ما يجتمع الرجال والنساء من عدة
أجيال، ويلتقي من عاش قبل خمسمئة عام بمن عاش قبل خمسين سنة. وتجمع من ذكرياتهم
أمسيات تمتع المتنزهين والمستمعين . ويحكي الرواة في رشاقة وسلاسة، كأنهم يروون
حكاية حدثت لآخرين وليسوا هم أبطالها. ويصفون البلاد والأشجار التي كانت
موجودة، والطرقات والخانات. وبعد تلك الأمسيات لم يكن أحد من الحاضرين يتمنى
العودة إلى المدينة الموجودة الآن خارج الأسوار.
كانت المعلومات تصلهم فيعرفون مصير الأبنية التي شيدوها، والمكتبات
التي اشتروها وجمعوها، والبلاد التي حرروها، والأنهار التي اجتازوها، والأشجار
التي زرعوها، والأسوار الشاهقة التي رفعوها، والأسواق التي غطوها. ولو لم
يجتازوا العتب والحزن، لتردد من المقبرة نواح يوقظ الأحياء!
في تلك الأمسيات كان الموتى يزدادن ثقافة ومعرفة ، ويقدرون حظهم
الذي جمع في مكان واحد الأمراء الشجعان الذين جابوا البلاد، والعلماء الذين
حفظوا آلاف الصفحات، والشعراء والمعماريين. كان حتى السياسيون الخائبون الذين
يحكون عن تجربتهم حتى إعدامهم أو سقوطهم، يستنتجون في تلك الأمسيات ما كان يجب
أن يستنتجوه في الحياة.
ولم توجد هناك حواجز بين النساء والرجال. ففي اللقاء يتجاورون لا
فرق في السن والجنس , تنفرد النساء فقط عندما يستقبلن امرأة لم تألف بعد
العادات في مملكة الصمت، ولم تقطع بعد علاقتها بعالم الأحياء. وتحتاج الحنان
الذي ينتزع الانسان من الأحزان. انعقدت تجمعات صغيرة لبحث أمور تفصيلية، كلما
دفع حارس المقبرة بقدمه قبراً ما عاد يزار، خاصة في الأعياد. ثم نبشه وجعله
مأوى لقادم جديد. كان حارس المقبرة يعجز عن فهم الحقيقة التي يعرفها الموتى: أن
الذين هاجروا أو تغيروا هم الأحياء. أما الميت فما يزال في مكانه، يزداد حكمة
وهو يستمتع بالخلود!
لكن ما كان صدفة قبل عشر سنوات، أصبح وضعاً يومياً الآن. فالحارس
يبيع القبور ويحشر في الواحد منها ما لا يتسع له بيت عربي قديم. ذلك هو سبب
الاجتماع الكبير الذي دعا المنادي إليه!
لم يبق رجل أو امرأة أو ولد، قديم أو حديث، إلا نهض. وكان المشهد
جميلاً فالقمر بدر، وظلال السرو القليلة مرسومة على الأرض، ومثلها ظلال
الشواهد، وبين ذلك تتحرك في هدوء ثياب بيضاء فضية، وضحت ثنياتها الظلال. ظهر
ضيوف قدموا من الصالحية والباب الصغير ومن مقابر خاصة، وأتى المشردون الذين
سرقت قبورهم فصاروا يمضون الأيام في الحدائق وتحت الجسور.
في الصدر وقف نور الدين الشهيد، وصلاح الدين، وست الشام، والصاحبة
خاتون، أختا صلاح الدين، وسودون الذي هدمت مئذنته في سوق ساروجا وأجرت مخزناً .
وينال الذي هدم ضريحه مقابل الشامية . ومعين الدين أنُر الذي هدمت قبته وضريحه
في سوق ساروجا. والمزدقاني، المقتول، في القلعة الذي هدم مسجده فلجأ إلى بيت
الجيران . وست ستيتة زوجة تنكز التي أجر ضريحها لبائع قماش. وابن أبي عصرون،
والكندي، وزوجة نور الدين، بنت معين الدين أنُر، والزهراوي والعسلي.. وبدا أن
بعض الضيوف لم يلتق ببعضهم الآخر منذ زمن طويل . كيف حدث ذلك ؟ الموت وهو حرية
؟ الحزن والعتب وهو ممنوع؟ لكن كان منهم من يزور ويزار ويلتقي بمن تمنى أن يراه
يوم كانت تبعده عنه مئات السنوات.
انساب الكلام في هدوء. كان الاجتماع يليق بأولئك الرجال والنساء.
رصينا دون تصفيق، دون مقدمات، دون رغبة في رضا من يتحدثون إليه. فبدت اللغة
نقية كأنها الماء النظيف. وسمعت كل كلمة تقال من أقصى المقبرة إلى أطرافها
المقابلة. وبدا أن كلمة الاجتماع:" لا يمكن بعد الصمت " تعني ترتيب الأمور لا
الغضب الأهوج، معالجة المشكلة لا إضافة مشكلة إلى ما هو موجود.
قدم الضيوف إلى الصف الأول حيث يقف العقلاء والحكماء. لكن الجميع
كانوا متساوين في الكلام. بينوا في دقة واختصار ما تعاني منه مملكة الصمت.
ووصلوا مشكلة الفرد بالجمع، فظهرت جمهورية عظيمة أهلها حكماء. ومع أن الانفعال
محرم، منسي، بدا التأثر لمحة خاطفة على نور الدين فأمسك بيد صلاح الدين. وبدا
كل منهما كما كان في القمة . ولم تكن في المقبرة أعلام أو شعارات. ولم تعلق
أقمشة وخروق . فكان الاجتماع مذهل الجمال.
رسموا حارس المقبرة كاملاً، في عدل. يعالج بنته المريضة، في الغرب،
لذلك يسرق القبور. ويوزع المال ليبقى حارساً . لكن هذه المسروقات ليست من أرض
سائبة. بل من أشخاص موجودين. يدفع الميسورون للحارس ألوفا ليفتح القبر القديم،
ويضع فيه القادم الجديد. حتى أصبحت القبور كالقواويش لا تتسع ولو وقوفاً
للقدماء والمحدثين.
ابتسم شرف الدين بن أبي عصرون. ماذا يقول؟ باسمه سميت المدرسة
العصرونية في الأيام الذهبية. فمن يعرف مكانه اليوم؟! من يستطيع أن يراه وقد سد
المنفذ إليه؟ نعم، تباع الأوقاف، ومنها وقفك يانور الدين!
بدا لنور الدين أن المشاكل التي حلها في حياته، ومنها تحرير دمشق،
وتوحيد الامارات، والانتصار على الفرنجة، أهون من حل المشاكل التي ينظر فيها
الآن. لكنه ابتسم هو أيضاً : ماذا أقول لك يا ابن أبي عصرون، وأنت على بعد
خطوات مني، وكم رأيتك أمامي في أول الليل! ألم تر السراويل معلقة على جداري،
ألم تر علب المسكة ودهان الأظافر، وزينة الشعر، مصفوفة على نافذتي؟ من يعرف من
الناس أني هنا، وكنت محرر دمشق، وبنيت هنا المدرسة النورية ، وعلى بعد خطوات
البيمرستان، مدرسة الطب، الذي تفتنني حتى اليوم قبابه الجميلة !
كان الكندي يبتسم." لماذا؟ لم يسرق قبري وتلك مكافأة عظيمة! لكن
الغبار يخنقني. حولي مستودع لما فاض عن السوق والموممين. وفي نافذتي يغسل
الباعة الخروق. أتذكر أني مشيت في ذلك السوق، وفي آخره انعطفت . وإلى هناك وصل
المعظم عيسى، قريبك يا صلاح الدين. وانتظرني حتى أكملت درس الشعر الذي كنت
ألقيه. انتظرني في أدب حتى حان دوره! زرت الأموي وبحثت عن المكتبة التي
استقدمتها وانتقيتها من مخطوطات مصر. فماذا وجدت؟!"
كان صلاح الدين يقف مهيباً ويستمع إليه . ماذا يقول هو، ماذا يقول؟"
يوم دخل الملك فيصل إلى دمشق مع الجيش، زارني . ودخل خلفه لورنس، فسرق الإكليل
البرونز الذي أهداه الامبراطور غليوم لضريحي! ولو استطاع لسرق الضريح."
ما تزال الفسحة جميلة، هادئة، أمامه. يتنزه فيها في الليل. لكن من
يتذكر المدرسة المهدومة التي كانت في تلك الفسحة! وماذا يحكي صلاح الدين، أعن
المصاحف النادرة المهداة التي سرقت، أم عن الكازات الجميلة المنهوبة، أم عن
القيشاني الذي انتزع من جدار الأموي وبيع! رأى ذلك وهو يتجول كحاكم يحرس بلده.
وهمس: " يا نور الدين، هل عرفت أن حطين نفسها مسروقة؟!".
هز نور الدين رأسه. كان يطل على مئات السنين، ويعرف أن المسروقات
الصغيرة كالمجوهرات والقبور ولوحات الخط والسجاد والمخطوطات تتناثر وتضيع. لكن
البلاد التي تسرق تعود مهما طال الزمان، يوم يفيق الناس من البؤس ومن النعيم.
لم تهمس ست الشام . فعادتها أن تتحدث بصوت واضح. مقابلها سرق ضريح
ينال، وسرق جزء من باحة مدرستها. عمر التجار أبنية أعلى من مئذنتها، وسدت
الطريق التي ظلت سالكة منذ القرن الثاني عشر الميلادي. قالت ست الشام ما سكت
عنه معين الدين انر: " هدموا قبره وقبته في سوق ساروجا، هو الذي دافع عن دمشق
! هو أبو خاتون زوجة نور الدين، صار يأوي إلى مدرستي أو يتشرد تحت الجسر!"
عادت إلى مسمع خاتون، الصاحبة، زوجة الكوكبوري، ضجة التلميذات
والمعلمة.هل تطمئن الجمع عن حالها؟ يزورها كل سنة مئات الغرباء من أنحاء الأرض،
ويتفرجون على مدرستها التي لم تكملها فبقيت أقواسها معلقة بالسماء. لا تعرف من
سرق ضريحها المزخرف الجميل، ووضع صندوقاً من الخشب في مكانه، جلست عليه
التلميذات زمناً، ثم جعلته المعلمة طاولة لها. ضحكت ضحكة لطيفة. لا! لن تتحدث
عن ذلك . فأين هي من أمة اللطيف، أستاذتها وصاجبتها! انتزع قبر أمة اللطيف
وصارت تربتها مكتباً. وكثيراً ما لجأت أمة اللطيف إلى زوجة نور الدين في
الصالحية!
هزت خاتون، زوجة نور الدين، رأسها موافقة على ما فكرت فيه الصاحبة.
ما أقل ما نزل بها، هي! عزلتها في عمق الجامع الجديد، وجفاف نهر يزيد الذي كان
يطرب الليل، وتجتمع عنده مع زوجة المعظم عيسى بانية المدرسة في الصالحية!
ارتفع صوت من الحاضرين:" حررنا البلاد، ركبنا الخيل سنوات، وقتلنا
لأجل هذا الزمان؟" رد صوت آخر ليقرر حقيقة أخرى:" لا. ليس لهذا الزمان فقط . بل
لزمن قادم بعده!" سأل صوت ثالث: " وهل سيبقي اللصوص شيئاً منا للزمن القادم؟!"
رد صوت هادىء: " لهذا نجتمع اليوم. نجتمع لنبحث ما يمس مئات السنوات الماضية،
ومئات السنوات التالية ."
تذكر عبد الرحمن الزهراوي الضربات التي كسرت شاهدته ، فبقي منها ما
نقش أنه تحدى الموت الزؤام. نقش ضريحه من الرخام في أحلى صورة. وكان الإتقان
فيه إعلاناً عن التمرد على قاتليه. وكانت تسمع في انحناءات النقوش دموع أشخاص
لم يعرفهم، أحبوه. تجول الزهراوي مرات مع الذين أعدموا في ساحة المرجة، وتساءل:
أضاع ما كتبناه، وتبددت كالغيوم والأيام، الغصة والخطأ والصواب، ونداؤنا
المدينة في غبش الفجر؟
وكان إلى جانبه شيخ مهيب، نضر الوجه، ابيضت لحيته في القمر. هل
يعرفه ؟ نعم!
" يسمونني عثمان. لم يبق من أهل التربة الأيوبية سواي! كنت أميراً
محارباً حتى مرت السنوات ونسي الناس أصل المجد الذي غمروني به، فجعلوني ولياً
من الأولياء. ووضعوا الشموع في نافذتي، ورجوني وشكوا لي.. ففهمت أن الأقوياء لا
ينجدون الضعفاء. ثم أغلقت نافذتي وسمعت الحفر والبناء في الجوار . وفهمت لماذا
كومت فوقي الأنقاض. أتاني اللاجئون من التربة الكركية حتى ضاق المكان. وفي
الليل رأيت عظام الأبطال القدماء ترمى كالأنقاض."
وروى للزهراوي حكاية أمير طرد مع ضريحه إلى القلعة. وحكى له أن
النوافذ التي يطل منها أمراء وعلماء ومحاربون محررون أغلقت في الصالحية، وصارت
تربهم بيوتاً شخصية.وسمعت خلال ذلك الحديث ضحكات لأن المستمعين والرواة كانوا
كمن يراقب أمراً يتعلق بغرباء، يريد كالباحث أن يصل إلى قرار، لكنه لا يكاد
يصدق ما يراه.
أعاد الموت الرؤوس التي علقت على أسوار دمشق وعلى أبواب دمشق، إلى
الأجسام التي دفنت وحيدة. وحرر المصلوبين. ترك الموتى الأحقاد في الدنيا، تركوا
الأملاك والبيوت والأثاث، وكل ما سفكوا فيه الحياة، وما قتلوا لأجله الأعزاء،
واغتالوا لأجله الإخوة، وغدروا لأجله بالمستجير. في مملكة الصمت لا مالك ولا
سيد ولا عبد. المكانة فقط لمن سجلهم الحب كالكنز. لذلك لم يرد قرار المجتمعين
خوف أو تردد، وقبلوا ما اقترحه العقلاء: الخروج إلى المدينة في هدوء وحزم .
ستتجمع أصوات النساء والرجال والأولاد في نداء واحد:" أفيقوا أيها النيام!
الذاكرة التي تضيعونها ليست لكم، بل للزمان. أنتم فجوة الحاضر، ونحن حق الغد.
انظروا! لديكم صحاري وقفار تضيفون إليها كل يوم قفاراً. هناك اتركوا بصماتكم،
إذا كنتم تتحملون مسؤولية صورتكم أمام الزمان!"
أدهش الفتاة، القادمة الجديدة إلى مملكة الصمت، ذلك الإجتماع وتدفق
فيها ما لم تشف بعد منه من السخرية والغضب والأفراح، من عواطف الأحياء . أخطأت
إذن بالحزن وقت الوداع على الحياة التي تومض كالبرق هناك. فهنا يمتد الزمان،
وهنا يجتمع الأحياء. قالت للمرأة :" مخظوظة لأني وصلت إلى هنا في الأوان!"
لم تر بوابة المقبرة ، ولم يعرف الشارع الواسع مثل ذلك الحشد قبل
ثورة مملكة الصمت. رجال مهيبون، نساء جميلات ، رشاقة وأناقة ، والأكفان البيضاء
متموجة في القمر! انحنى حتى السرو كأنه يريد المشاركة في مظاهرة الموتى . وسار
علىعرض الشارع في هدوء، فنانون لم تبق لوحاتهم في البلاد. ورجال علماء كتبوا
عشرات المجلدات في ضوء الشموع والسراج. وصناع نقشوا الخانات والقصور والبيوت
والبحرات منحنين عليها عشرات السنوات. قادة معارك بين الشرق والغرب. نساء درسن
الرجال في المدارس قبل خمسمئة سنة . شاعرات عاشقات بعثر الزمان أشعارهن في
الهواء.
سمع حارس المقبرة حفيف الأكفان، فأيقظ شرطة البلدية التي ستتهيأ في
الفجر للنزول إلى الأسواق، لتقلب سحارات الخضار وتصادر الفواكه والموازين
والعربات، وتركل باقات النعناع، وتدعس البندورة والخيار. واستدعى الذي يصادرون
الدراجات ويكومونها في سيارات ثم يرمونها في فناء. وسمع في المدينة صوت الأقفال
والخزائن والكراسي التي تحصن الأبواب. وأنزلت الستائر وأخفي الأطفال. وصفت
طاسات الرعبة، وصواني النحاس قرب الجدران ثم.. انطلق الرصاص. رصاص لم يهطل حتى
المطر في مثل غزارته في أيام الخيرات. فتطايرت العظام، وتمزقت الأكفان،
واستدارت شجرات السرو القليلة إلى الجدران. وضاعت المرأة والفتاة. وبعد قليل،
لم يبق على الأرض سوى حطام، وخليط من أكفان وعظام، وقمر لم يشأ أن يغيب رغم
رغبته في الغياب، وانهمر فوق الأكفان والعظام في رنين كأنه ينوح ، بعد أن سكت
الرصاص.
دمشق 1991
   
ليلة المسرحية
لايذكر الموتى أنهم رأوا مثل هذه الليلة. لا ! تبدو كأنها نهاية
الأيام! لارغبة لي في الفرجة على هذا الهوان، لكني تفرجت بملء عيني كيلا تفوتني
لمحة مما أراه. جددت مااؤمن به، وجلوت الحب والحكمة والغضب! ورأيت مرة أخرى
صلة الرحم بين الأرض والناس!
تجدد ماتؤمن به؟ وأنت ممن لاتشيخ قلوبهم! وأنت ممن تمر الحياة
أمامه وتبقى موازينه مناسبة لها. ولأعترف لك: أخشاك أحيانا يانور الدين، وأنت
تستشف مالايرى! لست متسرعا، حاشاك، لكنك تسبق بحكمك مالايحيط به النظر. وأعرفك
إذا صمت! فذلك لأنك تتحاشى أن تفاجئ من حولك بما لايتوقعه! أنت وقتئذ تتريث
حتى يتهيأ من حولك لما لم يتضح بعد.
حدثت ضجة، في تلك الليلة، في مملكة الصمت. توافد أهلها إلى الساحة
ليطلوا على الدنيا التي تركوها من زمان . ففي وسطها نصب مسرح. وفي القاعة أمامه
صف الشهود والمتفرجون.
هؤلاء هم رجال العالم اليوم، ياصلاح الدين؟!
لم تخف السخرية على صلاح الدين. فنور الدين يلمح الضعف والغرور
حتى في الملابس، ويخترق الصوت ليقدر الصدق والكذب. فيرتبك أمامه أكبر الناس
ارتباكه أمام المتصوفين.
في حطين محا صلاح الدين ماكان بينه وبين معلمه نور الدين من فتور.
ولعله محا أكثر من ذلك وهما يتابعان، من مملكة الصمت، البلاد التي تركاها،
ويتبينان أن أفكارهما تسلك طرقات متشابهة. ولكن لماذا يخيل إلى صلاح الدين هذه
الليلة، أنه أقدر من نور الدين على تحمل المسرحية التي تعرض في الدنيا؟ وهل
كان يستطيع إبعاده عنها، وأصغر سكان مملكة الصمت سار إلى الساحة للفرجة!
في طريقهما إليها صادفا حشدا متنوعا، فيه أهل دمشق الذين وقفوا على
الأسوار يوم وصل الفرنجة إلى الربوة. والشباب الذين هرعوا لينقذوا صفد. وإحسان
كم ألماظ الذي اغتيل في سمخ. ومطران اللد الذي رافق عسكر صلاح الدين وبقي في
حطين. وطيار شاب اسمه عمر صفر أسقطت طائرته. وفتيان كان في ظنهم أنهم سيصلون
إلى طبرية. شباب في عمر واحد تقريبا. ماالذي جعلهم يخلعون ثيابهم البيضاء،
ويأتون كما كانوا في آخر أيامهم هناك؟ هل خيل إليهم أنهم يستطيعون العودة إلى
هناك ليدفعوا ماحاولوا أن يدفعوه حتى الرمق الأخير؟ لماذا تنظر إليهم يانور
الدين؟ لماذا؟ تتبين أنهم فقراء! أنهم كانوا أحيانا معيلي أسرهم، وكانوا أحيانا
عشاقا تركوا حبيبات شابات، فلاحين دون أرض، توهموا أن بلادهم هي أرضهم. شباب،
متصوفون تبعوا حلمهم الخفاق. لولاهم ماذا كان يمكن أن يفعل سعيد العاص، والشيخ
القسام، وفوزي القاوقجي، ذلك الفقير الذي نهشوه بالكلام. وفرحان السعدي الذي
لم يرحم عمره السبعيني الحكم بالإعدام!
لم ينظر صلاح الدين إلى نور الدين! لماذا ياصلاح الدين؟ هل نخجل نحن
عن الضحايا، أم عن الإسم والبلاد؟ فكر كل منهما في السلطة التي تحيي أو تميت.
تسهر على العدل أو تمتص رمق البيوت، وتكبل المدن بالخوف. وتذكر نور الدين الشدة
التي أخذ بها نفسه وقاوم بها في نفسه مايهبه السلطان. وفكر صلاح الدين بما اضطر
إليه من السياسة كي يقيم الملك الممتد، ويعبر الزمن حتى حطين. اضطر في حياته
إلى اللين حيث لم يشأه، لكنه لم ينشر رحمته على من يجب ألا تنشر عليه. قدم
لأعدائه الماء بعد حطين، لكنه منعه عمن هاجم الأبرياء.
خلفهما على بعد وقف معين الدين أنر. لعله كان معنيا أكثر من الآخرين
بما يراه! شغل معين الدين التفكير في الملك مرات. أمسك العصا من الوسط. وعد
وراوغ. وحاول أن يخيف أهله بأعدائهم! هو، يعرف معنى أن يقف عدو في عاصمة البلد!
لعنه الناس يومذاك، وسعوا إلى نور الدين. لكن هل ينسى أهل مدينته أنه خرج إلى
لقاء الفرنجة؟ فما بال هؤلاء يحتفلون بالهزيمة كأنها انتصار؟
انتفض معين الدين. نعم، ارتكب الإثم! وحاسبه على ذلك أهل مدينته.
لكنه، خرج بنفسه إلى الفرنجة يوم وصلوا إلى الربوة. وصادف في طريقه شيخين حاول
أن يثنيهما فقاطعاه: بعنا واشترى! لايزال يذكر تلك الأيام، والناس على الأسوار،
والحرب في بساتين دمشق قائمة، وهو يطلب في سواد الليل النجدة من المدن، ينتظرها
ولايستسلم، فتأتي راكبة وراجلة، وتطرد الفرنجة وتلاحقهم.
رأى معين الدين فتيات يلبسن جاكيتات حمراء ويحركن أعلاما من الورق.
تحية لمن يابنات؟ وابتساماتكن لمن؟ ولماذا؟ هل تحتفلن بانتصار؟ أليس لكن أقرباء
من النائمين في الرمال؟ كيف استنبتم؟ هل ألفتم في المدارس حفظ جواب محدد على كل
سؤال، فسهل أن تنفذوا أوامر الحكام ولو كانت استقبال الأعداء؟
تساءل صلاح الدين هل تعبر نظرة نور الدين عن الاحتقار أم عما هو
أكثر من ذلك مما لايستطيع أن يسميه؟ هز رأسه وقال لنفسه: نور الدين متصوف من
المتصوفين في حب البلاد! أشد مايؤلمه أن يبتسم المهزومون، وتبدو الخيانة
سياسة، والمتخاذلون سياسيين!
- ياصلاح الدين كيف أصبح هؤلاء حكاما، لهم أن يتدخلوا في شؤون كبرى
كشؤون الحرب والسلام؟ ماذا جرى للبلاد حتى ارتفع هؤلاء إلى هناك!
آه يامعلمي، هل تسألني عما تعرفه وأعرفه؟ دهاء الحاكم، وخوف الرعية!
صفق الناس للحاكم. شكروه على الهواء الذي تنفسوه والخبز الذي أكلوه. شكروه على
الشمس وعلى السماء والقمر والنجوم. نسوا أنهم هم الذين يزرعون ويخبزون. من
الخوف نسوا العصيان. نسوا حتى الأفراح والأعياد. قدر لهم الفرح والحزن في
أوقات. وعندما وصل موكب الأعداء كانوا مايزالون يصفقون. فقيل للأذكياء منهم:
قدر لامفر منه! وقيل للباقين: انتصار! والبسوا ملابس الفرح الحمراء، وصفوا في
المسرح ووضعت في أيديهم الأعلام. فكانوا كما رأيت، زينة في القاعة، مثل رسوم
القدماء.
سمع نور الدين حركة فالتفت. رأى الشباب خلفه وحوله وأمامه، في
ملابسهم التي وصلوا بها إلى مملكة الصمت في قديم الزمان.
- هؤلاء الشباب عرفوا تلك البلاد! وماتوا هناك! قل لي ياصلاح الدين،
ماعلاقة هؤلاء الواجمين باولئك المبتسمين السعداء؟ أهكذا يبتكر الحكام قطع
الأجيال عن الأجيال؟
- يقال هناك: "زمن جديد "، "عصر جديد". يجب إذن أن ينقطع اولئك عن
هؤلاء!
كان القسام آخر من وصل. هل في متابعة هذه المسرحية الصغيرة من
فائدة؟ لايزال الصراع بين الشرق والغرب كما تركناه! تغيرت فقط البيارق
والأعلام! وكان القسام يتابع الأوهام التي تصور للأحياء أن المدن الباقية
تنجو إذا هجروا حيفا ويافا وعكا وطبرية... وأدهشه أن ينسى اولئك الأحياء أن في
المدن التي يسامحون بها العدو قبورا، منها قبره، ومزارات، وذكريات. وأن منها
حطين نفسها، مقابر شهدائها وقادتها، والبحيرة التي أوى إليها المتنبي، شيخ
الشعراء! قال: آه، من يفرّط ببلد يخسر جميع البلاد! وهل يملك واحد أو مجموعة
ذلك القرار؟ كان يعرف حيفا أكثر من بلده. ويقول لنفسه بلدي حيث الخطر على
العرب! وكان الخطر حيث تدفقت الهجرة وحماها الانتداب. فهل تغير الزمان؟ سيبوح
بأمر! الخطر حيث يفسد المال الذمة والأخلاق! قال: وطن الأغنياء رحالة، متنقل،
لذلك بدأت من الفقراء.
ردد كلمته سعيد العاص. "نعم ياشيخ! وطن الأغنياء رحالة، متنقل! لم
نلتق، وكم التقينا حيث مررت! لم نفكر يومذاك بما يسميه هؤلاء الأحياء، التوازن
الكوني". "لو فكرنا مثلهم، ياسعيد، لما كان لهذه البلاد تاريخ! فأيامنا كانت
أسوأ من هذه الأيام. هؤلاء عرفوا زمنا كانوا فيه أقوياء، مسلحين، بحارة في
المسرات، لهم أصدقاء. نحن كنا نبحث عن الفشكة والقميص وقطعة الخبز!
يا سعيد، أعرف أنك كنت في قميص ممزق! استحى منك من أراد أن يهديك
قميصا، لما يعرفه من عزة نفسك. لكن، انظر إلى هؤلاء! مزينون، خاط لهم عدوهم
الياقات والأردان، ولعلهم معطرون وعطرهم من هناك!"
صمت الجمع فجأة. كأنما حدث أمر جلل تحت، في الدنيا. وبدا لهم أنهم
يسمعون لغة لايعرفونها. تناوب رجال على أوراق وقعواعليها. " آه، محوا الزمان
والمدن والأحلام والقبور والأسماء!" ودوى عندئذ التصفيق. بعد زمن من الصمت
استدار صلاح الدين عن ذلك المسرح. اسمعهم يانور الدين، اسمعهم! يقولون: "ظلت
القضية خمسا وأربعين سنة دون حل". هكذا حلوها؟! استمر الاحتلال الفرنجي مئتي
عام! جدعت الأنوف، دمرت المدن، سبيت النساء، ولكن لم يجرؤ أحد منا على التنازل
عن البلاد! قبلنا الهدنة في حرب طويلة، ولم نقبل إلغاء مقاومة الاحتلال. هل
يتصورون أنهم بضعفهم، سيأخذون "الأرض مقابل السلام"؟ كلام! إذا تدفق
الغرباء، خسروا الأرض والأمان!
حدث اضطراب في المسرح! خرائط مغشوشة! خلاف ! استمع نور الدين إلى
الخبر وتبادل النظر مع القسام. وقال لناقل الخبر: يابني، الخطأ ليس ذلك. الخطأ
أنهم يستقبلون العدو في بلادهم، ويقبلون توطينه بينهم. هل فاتهم أنهم قبلوا
سيادته الكبرى في هذه اللحظة؟
قال القسام في كبرياء: يانور الدين، لسنا شهودا! في زمننا، لم نقبل
أقل من ذلك بكثير! وكان الإنتداب يدرب المستوطنين ويجعلهم جيشا، ويغضي عن
طائراتهم ومصفحاتهم، ويجهز مجموعات منهم لتلاحقنا. كانت بنادقنا من مخلفات
الحرب، يحكم علينا بالإعدام إذا اكتشفت معنا. ومع ذلك، قاومنا المستوطنين
ودولة كبرى. ولم نهب الإحتلال اسما آخر!
تقدم من القسام رجاله الحكماء، وأحاط بسعيد العاص رجاله الأشداء، ثم
تقدم شباب وفتيات، غطوا الساحة بالنضارة. كانوا في تلك البرهة بالثياب التي
قتلوا فيها، في لون كاكي، وفي ألوان مزهرة. كانوا جنودا من الاحتياط تصوروا
أنهم سينتصرون ثم يعودون إلى قراهم. كانوا جنودا قطعوا الطريق وهم يرفعون
الشحم عن أسلحتهم. كانوا جنودا طردت أمهاتهم وآباؤهم من القرى وقت الإحتلال.
كانوا أصدقاء قتلى ومهجرين. كانوا يسكنون في غرف تحت السلالم، وفي أقبية
معتمة، وفي غرف من الطين في البساتين. وكانوا أطباء وطيارين، وكانوا فدائيين لم
يعرف أهلهم قرارهم إلا بعد أن نفذوه. رددوا فرادى كلمة القسام ونور الدين: لم
نوقع! ثم تجمعت الأصوات وأصبحت صوتا واحدا! وتبين نور الدين عندئذ أن يوسف
العظمة في وسطهم بملابسه التي خرج بها إلى ميسلون. وسمعه يقول: كنت أعرف أن
الإحتلال مقرر، وأننا دون سلاح ولاطيران. لكننا بميسلون حجبنا الإعتراف
بالعدو، وقاومناه.
في تلك البرهة وصلت أفواج من الأطفال والشباب والفتيات. لاتزال
جروحهم ظاهرة في رؤوسهم وفي موضع القلب. كانت في وجوههم الصرخة الأخيرة التي
صرخوها في الحارات. وماتزال تفوح منهم الغازات. كانت عظامهم ماتزال مكسورة. كان
الشباب منهم يحملون أطفالا خنقوا في المهد. وصلوا كما وصلوا إلى دمشق سنة 1936
وفي سنة 1948. وأحاط بهم الجمع. وبدا الجمع ملونا، جميلاً ، مهيبا ورشيقا. حتى
ذهل معين الدين أنر من الفرق بينهم وبين الجمهور الذي كان يحضر المسرحية في
أسفل الدنيا، ويمثل الفرح والانتصار.
سمع نور الدين همسة فتاة: لهؤلاء مملكة الصمت فقط، ولاولئك الدنيا!
فتوقف، والتفت كما كان يلتفت إلى جريح: يابنتي، لاتخافي من المنتصرين!
في أسفل الدنيا استمر الاحتفال. قيل إن زمنا جديدا يبدأ، وطلب من
الضحايا أن يكونوا عقلاء وأن يبرهنوا على نية حسنة. طلب منهم ألا يخيبوا ظن
الشهود والمحتفلين. وروي أن المباحثات سترسم سور الحديقة التي سيوضع فيها
أهل البلاد، وستنظف اللغة من كلمات احتلال، مستوطنات، هجرة، عدوان، وستزين
قاعات أخرى للاحتفال بالمساواة بين الأقوياء والضعفاء، وبين الغرباء وأهل
البلاد.
من طرف كتفه لمح القسام آخر صور المسرحية وقال: انتفضنا سنة 1936
لنوقف الهجرة، ولم تكن كما هي اليوم! فجذبه سعيد العاص من يده إلى الأمام حيث
الشباب. ياشيخ، لسنا اليوم في مسجد حيفا الكبير، فلاتبدأ درسك! قل لي، من بقي
في ذاكرة جيلي وجيلك، عبد الرحمن اليوسف، أم يوسف العظمة! لاتقلق على الأحياء
إذا ظل إنسان منهم يذكرنا هناك! سيهربنا المخلصون من جيل إلى آخر، ومن حلم
إلى حلم! قلقي على الأحياء فقط، ياسعيد؟ قلقي على هؤلاء الشباب الذين يقتلون
اليوم مرة أخرى!
كان نور الدين كعادته قد حزر مايجب أن ينجزه. وعندما التفت سعيد رأى
رايات مرفوعة، ورجالا على جياد، ومشاة، وآليات حديثة، حشودا متنوعة الأسلحة
والملابس والألوان، وملامح تركمانية وشركسية وكردية وعربية. وتبين جمالا نادرا
لم يصادف مثله في حياته. جمع نور الدين كل من دافع عن هذه البلاد، وأعاد القادة
المنتصرين كي يكرروا نجاحهم، والقادة المهزومين كي يحاولوا الانتصار، وتناسى
الأخطاء الصغرى التي فرقت الأصحاب والأقرباء. جمع من الأزمنة الطويلة كل من
استطاع. نادى حتى أسراب الطيارين وطواقم الدبابات. ولم يتخلف أحد من شيوخ
القسام حتى الجنود الصغار والفدائيين الشباب. وبينهم كانت فتيات بالبنطال ونساء
بملابس مطرزة وأغطية بيضاء. وجميع المحكومين بالإعدام. مشى الحشد مهيبا، جميلا.
فاستعجل القسام سعيدا، وهو يمسح من عينيه الدموع. " يالحزن من يفكر في كل
هؤلاء، ويالقوة من يفكر في كل هؤلاء !"
   
جلطة
انعقد يومذاك بيني وبينه الحوار . ولم أفهم أني بذلك كنت أعبر
البوابة إلى هنا من هناك.
وجدت يومذاك على طاولتي بطاقة باسمي من المدير، تدعوني إلى اجتماع .
وقبل ذلك اليوم، كانت حتى رسائلي الشخصية تضيع في غرفة البواب. قرأت اسمي على
البطاقة وتساءلت دهشاً : ماذا جرى؟ وسمعت الجواب! يقيم المدير احتفالاً مصوراً
يجب ألا يغيب عنه أحد.
مشيت إلى الإحتفال. ورأيت لأول مرة صالون المدير الذي كان محجوزاً
للضيوف الكرام . أدهشني أن المدير كان واقفاً عند الباب يستقبل كل واحد منا،
يصافحه ويستوقفه ليسأله عن صحته وأسرته وحاله. جلست مع الجالسين في حلقة كبيرة
، وجلس هو في الصدر. قدمت لنا القهوة المرة، وسلال السكاكر . ثم بدأ مديرنا
الكلام فقال:
اغفروا لي ما مضى! لنقل معاً: طواه العالم القديم! كان لابد لي ،
كرؤساء المؤسسات، من حاجب يمنع وصولكم إلي. كان لابد لي من سكرتير ينقل لي
صورة الواقع كيلا تشوشها الآراء. ولابد من سائق يفتح لي باب السيارة وباب
المصعد وينحني فتنحنوا لي مثله. كنت في سياق ذلك الزمان!
من حظنا جميعاً أن ذلك العالم البيروقراطي انهار، كما انهار سور
برلين، وأشرق عصر الديمقراطية ، وأصبحنا مجتمعين معاً فيه.
ألتقي بكم اليوم، لأطلب أولاً اعتراف كل شخص به، ولأعلن ثانياً أن
مكتبي سيكون كالبيت الأبيض، تستطيعون أن تجتمعوا أمامه رافعين ما تشاؤون من
يافطات. بل تستطيعون أن تدوروا أمامه دورات كما يدور المواطنون في تلك البلاد.
الحرية شعار هذا الزمن! فلا تخافوا أحداً، ولا تخافوا من شيء! سندخل بجرأة
العصر الجديد، وسنبرهن للعالم على مستوانا الحضاري ! فلنقتلع العداوة والكره من
القلوب ! أعلن لكم على مسؤوليتي: لا يوجد عدو!
كان مديري الذي ألقى علينا تلك الخطبة بصوت عميق حنون، واقفاً
أمامنا ثم أمر لنا بالمشروبات ، قد سجن مرة أحد الموظفين في الحمام، وحسم رواتب
كثير من الموظفين ، وفرض أن تكون جدران مكاتبنا من الزجاج ليرانا ولا نراه .
كان يرفض اللقاء بنا، لكنه يفتح بواباته للرجال المهمين أكانوا تجاراً أم
سياسيين . وقد صادفه سكرتيره مرة ينحني للتلفون كأنه ينحني لمن كلمه به. كان ذا
أعاصير. وقد عانيت شخصياً منه يوم قصف حلمي كما يقصف الورد. كنت مرشحاً للسفر
بمنحة لم تتوفر شروطها إلا لدي: لست متزوجاً، وعمري هو المطلوب، اللغة التي
أعرفها هي المرغوبة، والخبرة نفسها تماماً. لكنه رشح مكاني ابن أخته من فوق
السطوح دبر له المنحة وأبعدني. قبل أن أتذمر أرسل حاجبه فقال لي: لا نريد
كلاماً لا طعم له! تذكر أن مصير الإنسان في لسانه! ما حدث هو القانون في
المؤسسات والأحزاب والمنظمات والهيئات، وهو سنة في الشرق أكثر مما هو في الغرب،
وفي الجنوب أكثر مما هو في الشمال. أيمكن ألا يفضل الواحد قريباً يعرفه على
الغرباء الذين لا يعرفهم ولو كانوا أبناء حزبه ومؤسسته وبلده؟! فافهم أنه لا
يوجد أحد تشكو ما حدث إليه!
بعد تلك الحادثة لم أرشح نفسي لأمر أبداً، ولو كان السفر إلى الواق
الواق. فهمت أن السفر والمنح والوفود والرحلات ليست كما تصورتها، بل لجني المال
والفائدة الشخصية. ويوم أدركت ذلك كنت قد فهمت قوانين الحياة.
قلت لنفسي وأنا أسمع كلام مديرنا، انقلب العالم عاليه أسفله إذن،
فلم لا ينقلب مديرنا مثله! مع أن ما رأيته حتى الآن هو التحول من الأحسن إلى
الأسوأ! لعل صاحبنا جمعنا ليستنجد بنا كي نحميه من الإعصار!
كان زملائي حذرين فأظهروا أنهم يتلقون كلماته كما يتلقون السكاكر.
لكنهم من الحذر اكتفوا بتعبير الوجه وتفادوا التعليق. أنا تهورت! قد يكون سبب
اندفاعي فوضى العالم التي أكلت صبري. وكنت كثيراً ما أردد في تلك الأيام مهزوز
القلب: فليكن! أكثر من القرد ما مسخ الله! فسألته: نحن أحرار إذن كالعصافير، في
هذا العالم الجديد؟ ضحك: طبعاً، أعني ما أقول! وهل تظنني دون شغل كي أبعثر وقتي
وأوافق علي هدر وقتكم!
كدت أضحك، فقد خطر لي أن قوات الأمم المتحدة وممثلي الدولتين
سيؤكدون بالضمانات كلماته. وكثيراً ما كان يخطر لي كلما وقع خلاف بين الجيران
أني سأرى قوات الطوارىء تنزل بمروحياتها بينهم، وأن المفاوضين سيتدخلون ويجعلون
الخلافات الصغيرة مسائل عظيمة. وقد تشترك في ذلك شركات السلاح! لكني كبحت ضحكتي
وقلت في جد: اذن سأجهر بما في النفوس. أعلن في هذه المناسبة التاريخية: لا
يستهيويني هذا العالم المولود! افتتح بالكذب والتدجيل. ولأنقل لك ما يقوله
الناس: حروب جديدة، فيها ما في القديمة من قتل واحتلال. العالم أسوأ مما كان.
عالم وحشي، تقصف فيه المدن وتغتصب فيها لنساء. فيه قتل على الهوية، على الفكر،
أو العنصر، أو الدين، أو الضمير. يحاسب الانسان حتى على ماضيه. ويفرض عليه أن
يخلع جلده ويرميه. والعرب في هذا العالم في أردأ حال، تقصف مدنهم، يقتلون،
يحاصرون بالنار والجوع والبرد، ويحكم عليهم بأن يعلنوا أن القاصفين الغرباء
أصدقاؤهم الحكماء. أمس كنت في التعزية بصديق، فتبينت أن الحاضرين نسوا الميت
وجعلوا التعزية بما هو أعظم منه . حتى تصورت أنهم يهزون الأعلام السوداء. وأشد
ما أغضبهم أن يبدو المهزومون كالمنتصرين وقالوا غاضبين: زمن لا جغرافية فيه ولا
تاريخ! الجديد أن يطلب منا أعداؤنا وأصحابهم من أقربائنا، أن نعلن: العار شرف،
والاحتلال تحرير، والوحشية حضارة، والعدو صديق . باختصار: أن نقول اللبن أسود!
وهذا ما لن نفعله!
رويت ذلك لمديري أمام الجمع، وقبل أن ألاحظ أنه أصفر، قلت له:أنا
مثل اولئك الرجال !ردد بعد أن فكر زمناً: مستحيل!ذلك مستحيل! سألته: ما هو
المستحيل؟ قال: تصور أننا على شاطىء والمركب الذي انتظرناه وصل. وأنا مدير
رحلتكم، فهل أترك بعضكم يتخلف عنها؟ فيصبح جزء منا في البحر وجزء على البر؟ قلت
له: كأننا لم نكن كذلك حتى اليوم!
جرى بيننا حوار متوتر، تابعه زملائي وهم يخفون ابتسامتهم مرة
وينظرون إلي مرة نظرتهم إلى متهور أو مجنون، ويشجعونني مرة خفية كأني أعبر عن
المخبأ في نفوسهم. ودفعني ذلك فقلت إن المركب الذي وصل ليس المركب الذي
انتظرناه. المهم أن نعرف مسار الرحلة قبل أن نقفز إلى الزورق! والمهم أن نفحصه
قبل أن نتراحم عليه ونندفع إليه! يحتمل أن يكون مثقوباً، وأن نحشد فيه كي نغرق!
إذا صح أننا في زمن الحرية فلكل منا الحق في أن ينتظر رحلته التي رغب بها طول
عمره، لا أن يربط على مركب الشيطان!
ارتبك مديري وقال لي: أنت أفهم من المؤسسات العالمية، والأحزاب
العربية والكونية، ومن البارلمانات المحلية والغربية، ومن مجالس الوزراء
الدنيوية، وشخصيات العالم القديم التي هرولت إلى بوابات العالم الجديد راجية
الدخول إليه؟ أنت أفهم من المنظّرين الذين كتبوا مئات الصفحات في مدح
الاصلاحات، وبحثوا في أسسها الفلسفية والاقتصادية، في ثمارها الإنسانية والفنية
وبينوا آفاقها الملونة، وتسابقوا في سبل استدانتها واستلهامها في أنحاء الأرض؟
لن ترغمني أن أكون خارج الإجماع العظيم الذي لم يسبقه مثيل في التاريخ!
قلت له: تسمه إجماعاً ويسميه الناس مثلي "هوبرة" لكنه لم يسمعني، بل
قال: لن أسمح لك بأن تشوه سمعتنا! لن أربط قدميك وساقيك كيلا تستخدم صورتك
وثيقة ضدنا! لكنك ستسير إلى المركب كما نسير إليه. فلو عرف العالم المتحضر أني
أسمح لك بمعارضة قضية الحرية والسلام لقصف بيتك الذي يقع على بعد خطوتين من
بيتي أو لكلفني بأن أقصفك بيدي. ولا أظن أنك ترغب لي بمثل هذا الموقف بعد
حياتنا المشتركة في مؤسسة واحدة!
انقلب الموقف فأصبحت أنا الذي يجب أن أشفق عليه، وأنقذه من ورطته!
قال: كي يمتنع التشويش، ستوقعون مجتمعين على هذا الدفتر فنكون معاً متعاونين
متعاضدين. ولم يترك برهة الحوار.
نشر سكرتيره دفتراً مزيناً بشرائط مذهبة، مغلقاً بجلد أزرق، دفتراً
ثخيناً لكل منا فيه خانة تعرف به، فيها صورته وفيها مكان بارز لتوقيعه. استل
السكرتير القلم، فارتعشنا. قال في حزم ووقار ومهابة: سيتقدم من أعلن اسمه ليوقع
بخط واضح أمام اسمه وصفته. قلت: هذا إذن احصاء! أو إلزام! أجابني: هذا من
تحديات الحضارة والحوار والسلام! وستوقع عندما يحين دورك! غضبت: أين حرية الرأي
إذن؟ متى باليتم بتوقيعي إلا في لائحة الدوام؟! رماني بنظرة سامة: توقيعك كان
ضرورياً في الانتخابات والاستفتاءات! نسيت؟ هذا أيضاً استفتاء! أعلنت في تهور:
لن أوقع إلا على ما أختار! لم أختر هذا العالم ولم أسع إليه بل سجل أني ضده!
وأني لا أوافق على هذا السلام فإلى جهنم وبئس المصير! هذا ليس تحدي الحضارة بل
تحدي الضمير!
قال مديري في هدوء: أعرف أنكم تحتاجون زمناً كي تألفوا الحرية
وتتربوا على استعمالها دون أن تضيعوا صوابكم! أعرف ذلك من تجربتي الشخصية! كان
عندي مرة طير جميل خطر لي أن أطلقه في الغرفة، فضاع صوابه. كسر الأكواب الثمينة
والثريا الجميلة، ووسخ الأرائك المخملية. جن! ولم يعد عقله إليه إلا عندما
أعدته إلى القفص. لا أقفاص في العالم الجديد! لكننا يجب أن نتدرب على استعمال
الحرية فلا نشمت بنا العدو.
انسحب في مهابة بعد ذلك الكلام . أسرع موظف ففتح له الباب، وانحنى
له آخر كما كان ينحني في الزمن القديم. انسحب لأنه يخشى أن ينقل أنه سمع ما
أقول! بعد خروجه استقام السكرتير وأعلن في قسوة باردة: تحسب أنك ستسجل اسمك في
حلم بعيد؟! لا، لن نسمح بأن يقال أنا تهاونا أو زللنا أو خفنا من الغوغاء! لن
نسمح بذلك لمن هو أكبر منك ولا لمن هو أصغر منك! مشكلتك أنك تفكر بعقل العالم
القديم. لم تفهم حتى الآن أنه اندثر!
قرر السكرتير أن يقدمني على الآخرين في التوقيع. التفت إلى رجاله
المخلصين فدفعوني إلى الدفتر الأزرق ذي الشرائط المذهبة. وعندئذ وقعت. سمعت
زملائي يرددون: جلطة! وخلال جنازتي سمعتهم يحصون من سكت قبله في ذلك اليوم.
تحدثوا هامسين أحاديث فيها حزن علي وعلى الراحلين. لكن المكبرات كانت تعلن أن
قلبي لم يتحمل أفراح الاحتفال بنهاية أكبر صراع في هذا القرن، وبالانتقال من
عالم التوحش إلى عالم الحضارة والسلام. حاولت أن أدفع غطاء التابوت كي أعلن
الحقيقة للسائرين في الموكب، فوجدته مغلقاً بالمسامير والأقفال. وتذكرت القول
الذي كانت أمي تردده: الكذب على الموتى وليس على الأحياء! وقررت أن أصحح لها
مثلها عندما نلتقي.
ولهذا وجدت نفسي أفتش الشواهد باحثاً عن اسمها. لم أجده! فطرقت
القبور متسائلاً هل سرق مأواها؟ ثم سمعت همس جارتها: أمس طلب من الموتى التوقيع
في دفتر ذي شرائط مذهبة يعلن نهاية أطول صراع في القرن! حاولت أمك الانتحار.
لكنها لم تستطع الموت مرة ثانية فهربت. وما زالوا يبحثون عنها بالأنوار الكشافة
والكلاب. أنصحك يا ابني، لا تذكر اسمها!
   
عودة
يا لتلك السنوات الشفافة التي عبرها في مملكة الصمت! قبل أن تتبدد
تلك المملكة ويفقد آخر أصدقائه.
في نهاية المساء كان يخرج مع صديقه إلى الليل فيتجولان تحت النجوم .
ويلاحظان معا أن مملكة الصمت لم تعد تشفي القادمين إليها. ألم يسمعا مرات بكاء
رجال ونساء على البيوت التي تركوها، والأموال التي خبأوها؟ ألم ير أنهم حتى بعد
أن اجتازوا العتبة إلى مملكة الصمت لم يأسوا على الحياة التي ضيعوها، بل على
الأشياء التي جمعوها، والمتع التي قطفوها، والأحقاد التي لم يطلقوها؟
عجز مجلس مملكة الصمت عن حماية مايميز المملكة التي كانت في أيامها
الماضية هادئة، يحترم فيها ماتجرفه الحياة خارجها. كأن ريحا استقدمت إلى
المملكة نمطا جديدا من الموتى. فماعاد يصدق المثل: لايموت إلا الجيد! باولئك
الجدد اختل كل شيء. كانوا يتدافعون إلى الصفوف الاولى، يرفعون أصواتهم ويحركون
أذرعهم في خشونة، يجهرون بالرغبة في أن يجعلوا مملكة الصمت الشفافة كالدنيا
المعتمة خارجها. بل بدأ بعضهم يستخدم آخرين في كنس طرقات لاتمسها الأقدام، وغسل
أكفان بيضاء لاتتسخ. وفي إحدى الليالي أخبره صديقه الأخير أنه سمع مجموعة تفكر
بالعودة إلى ملابس الدنيا المزينة المتغيرة، وتخطط لطلبها من بلاد أخرى. بل
أحصت تلك المجموعة المعارضين والموافقين المحتملين في التصويت.
في الليالي التالية لم يخرج سكان مملكة الصمت إلى القمر ليتجولوا في
أشعته الفضية. بل تفرقوا مجموعات تتآمر إحداها على الأخرى. في البداية نظرت
إحداها إلى الثانية مستنكرة. ثم صارت تهز قبضتها متوعدة. ثم جلجلت العظام في
أنحاء المملكة. ونسي الموتى أنهم اتفقوا على كتمان مابينهم عن حارس المقبرة،
فلم يبالوا بأن يسمع ضجتهم ويعرف سرهم، ويميز تجمعاتهم ويهرع إلى سلاحه!
استعاد مع صديقه الأخير أزمنة مملكة الصمت القديمة، أيام كان
السابقون يحيطون بالقادم الجديد ويساعدونه على عبور العتبة، حتى يخلع ماحمله من
الغيرة والشره والكيد، أو من البؤس والحزن والغبن! أيام كان الجار يفيق على
بكاء جاره ويسهر معه حتى يجفف آخر دموع الوداع! أيام كان الرجال والنساء يخرجون
إلى الليل منذ تبدأ العتمة ويستمتعون بما فاتهم في الحياة، بقراءة الشعر الذي
لم ينتبهوا إليه، وانتشال الكلام المنسي، والتقاط النجوم التي وقعت على الأرض!
كانت تلك الأيام لاكتشاف الخير الضائع من القلب، الخير الذي مرت حياة كاملة دون
أن يكشفوه، والعذوبة التي تجعل الروح كضوء القمر. لحماية مارمته المدينة، كي
يبقى حتى تتذكره ذات يوم فتستعيده من مملكة الصمت! في الأيام القديمة كان
يستطيع أن يتدخل إذا تبين خرقا، فرأى قادما جديدا متكبرا يتوهم أنه يستطيع أن
يستمر في مساره الذي تعوده في الدنيا. متى بدأ عجزه وعجز الكثرة عن القلة إذن؟
متى بدأ الفساد ينتشر كالوباء؟
بحث ذلك مع صديقه الأخير وخمن أسبابا متنوعة. خطر له أن السبب الأول
هو الخوف الذي استقدم إلى مملكة الصمت التي تجاوز سكانها كل مايهددون بأن يسلب
منهم. لكن صاحبه قال له: المال! أجابه: لا! فالمال أيضا دون سلطة هنا!
بعد اختفاء صديقه الأخير أعلن لنفسه السبب القاتل: الضعف الذي
استحدثه الخوف والمال في الناجين منهما، وأمور إنسانية لاأحيط بها الآن!
لم يكن أهل مملكة الصمت يخرجون من أسوارها. ولم يعرفوا الشوق إلى
حياتهم الاولى إلا في بداية أيامهم فيها، وهم بعد يعانون من أثر الوداع
والعواطف الجامحة. وهم لم يتأملوا بعد حياتهم الماضية في هدوء ويتعودوا أنهم
خرجوا منها. وكانت مهمة السابقين أن يساعدوهم في عبور تلك العتبة. لو استعملت
مصطلحات الأحياء لقيل إن الجنسية الجديدة ماكانت تمنح لهم بالموت فقط والعبور
من مملكة إلى أخرى، بل بالعبور الآخر من عالم الصغائر المنهكة إلى عالم الحكمة.
عندئذ كانوا يمرون هادئين عقلاء، دون أمجاد ودون ذل. دون غطرسة المناصب أو
الجشع إليها أو الخوف عليها، ودون الطاعة الذليلة التي توهم المطيع بعظمة
اولئك.
لكن الأيام الجديدة استقدمت الأشواق القديمة. عرفت مملكة الصمت
الصراع الأول يوم انقسم سكانها إلى راغبين في الخروج منها وإلى من ينبه إلى
قوانينها الرصينة. هل حدث التصويت يوم استكمل ترتيب التوازن الجديد في السر؟
ذهل هو وصاحبه عندما ارتفعت الأذرع كثيرة، جريئة. وكان أول من أظهر الرغبة في
الخروج وحرض عليه مجلس المملكة! نعم! ذهل. وقال يالبراءتنا! وردد صاحبه: بل
يالغفلتنا!
بعد ذلك اليوم المشهود تدفق سكان مملكة الصمت كل ليلة خارج أسوارها.
لم تعد المملكة التي رتبوها بلادهم. أصبحت بلادهم المدينة التي لايحكمونها! في
كل يوم كانت مملكة الصمت تضيع بعض سكانها. وكان المفقودون كالمهاجرين الذين
لامكان لهم في البلاد الغريبة، يقبلون البقاء على عتباتهم القديمة، تحت مداخل
بيوتهم، وفي برد الحدائق العامة، مسحورين بالفرجة على مافقدوه من مجد أو من
أمتعة. وكان أعقلهم يكتفي بمراقبة أولاده المحبوبين، بعيون دامعة.
بدلت تلك الأحداث حتى موضوع أحاديثه مع صديقه الأخير. فأصبح يستعرض
معه أسماء المفقودين، ويحاول أن يتبين معه القوة التي جردتهم من سنوات الحكمة.
ويتساءلان عما يغري الإنسان باستعادة ضعفه بعد أن ينجو من سطوة الخوف والمال؟
فهل كان يتصور أن صديقه القديم، العارف تلك المتاهات، يمكن أن يتوه فيها؟
ذات ليلة لم يخرج من قبره. وفي الليلة التالية لم يبتعد عنه خوفا
على روحه مما اجتاح المملكة. لايريد أن يسمع حديث العائدين وهم يصفون ماخيل
إليهم أنهم يستعيدونه ولو كانوا على العتبات مع الكلاب والقطط! لايريد أن يرى
زهو اولئك الذين عرفهم عقلاء، وهم يصورون عودتهم كأنها نصر. مايزال الرصاص
يلعلع هناك! يسمعه في الليل، يطارد المشردين من الأحياء والكلاب. ألم ينتبه
إليه هؤلاء العائدون؟
يوم ربط سكان مملكة الصمت أكفانهم، واستعدوا للرحيل مجموعات، دون
خجل، خيل إليه في برهة خاطفة أنه هو المخطئ. سمع حفيف الأكفان على الأرض،
والموكب يتدافع عند البوابة. واستعاد الشعور الإنساني بالألم. وفهم أنهم
استقدموا إليه ذلك الشعور الذي نجا منه سنوات. وعرف أنه لايمكن أن يبقى معزولا
عن الخراب الشامل. وعندئذ خف إليه صاحبه، وتجولا معا زمنا يتحدثان عن الأيام
القديمة في المملكة التي رتبوها حتى أصبح حلم الأحياء أن يجعلوا مدنهم مثلها.
قدموا فيها القتلى الشباب والصغار والمظلومين، زينوا قبورهم بصورهم، ونقلوا إلى
المنسي منها أغصان النخل والآس من القبور الأخرى. بل نقلوا إلى جوارها حتى
الشجيرات التي زرعها الزوار الأغنياء للمدللين.
تصور أنه مع صديقه يمكن أن يبدأ تأسيس المملكة المهجورة. قال: لنبدأ
القصة من أولها! نعرف القوانين التي كانت مألوفة هنا قبل خراب البصرة! ذهب
الراغبون في المدينة الصاخبة. فلتزدحم بهم الطرقات والعتبات، وليرضوا على قتلهم
مرات! تركوا لنا هذه المساحة الشفافة فلنرتبها كما كانت أيام أتينا إليها! بحثا
معا حتى التفاصيل، كيلا تفشل مملكة الصمت مرة أخرى. فهل كان يتوقع تلك المفاجأة
العاصفة؟!
يوم خلت المملكة من سكانها، أتاه صاحبه وقال له: سأخرج إلى هناك!
فسأله: أنت أيضا؟ رد: ماذا بقي؟!
حقا! تبدد سكان مملكة الصمت، ولم يعد يصادف البياض الفاتن الذي
يتجول رشيقا هادئا على أشعة القمر. أقفرت مملكة الصمت من جلساتها وثقافتها.
وسمع عويل القادمين مرغمين إليها، وحفيف هربهم في اليوم التالي منها. وحدث مرات
أن أعاد الأحياء اولئك الموتى بالقوة ورموهم خلف البوابة. وجرت مشاهد مؤلمة ليس
فيها كبرياء. قال له صاحبه: سأخرج لأتبين لماذا وكيف؟ رد ساخرا: ماالفائدة؟
أتبحث أنت أيضا عن الطرقات التي لاعودة منها؟ أتستعيد أنت أيضا مايذل ويوهن؟
وهل كان يستطيع أن يقول أكثر من ذلك؟ ابتعد صديقه الأخير وحيدا، ولم يعد في
الأيام التالية. يوم كانت في مدن الأحياء قواعد وأصول، كان يقال: خان الخبز
والملح! هو لايستطيع أن يقول ذلك! ولن يقول خان! لابد أن عصرا همجيا قد وصل
فانساق حتى سكان مملكة الصمت كالمضبوعين ومدوا رقابهم لمن يضع الرسن فيها.
تذكر يوم تعارفهما. باح يومئذ كل منهما بسبب موته للآخر. وتقاربا من
تلك البداية. قال:
- دفعت أربعين ألفا، جمعتها في شق النفس. سمّها خوّة أو إجازة مرور
أو ثمن الحرية! لكن السيد الذي قبضها نقل من مكانه في اليوم التالي، فطلب من
استلم وظيفته المبلغ نفسه. لم أقدر على الدفع مرة أخرى، فخصوني بأشق الأعمال.
مت من القهر!
- ينظر الواحد منا إلى سبب موته في هدوء الآن. يبدو لي أني كنت
أستطيع أن أعيش بعض سنوات إضافية. لكني أتساءل الآن لماذا؟ قد يضحكك سبب موتي
كما يضحكني الآن. كنت أمشي في الطريق فصادفت رجلا يفتح باب سيارة فخمة، ويظل
منحنيا، ورجل قميء ينزل منها ويمشي متغطرسا إلى البوابة. عرفته! تذكرته! كان
طالبا كسولا في صفي، يسخر من غبائه الأساتذة والطلاب. بدا لي أني ضيعت عمري
هباء. ماالفائدة من الجد والدراسة، من الاندفاع في القلق على الوطن؟ كنت أسقي
أشجار الطريق. أطعم القطط الجائعة، أغلق صنابير المياه المفتوحة، أساعد من
لاأعرفه، وفي عملي أشتغل كالثور. يوم رأيت ذلك الفاشل وانتبهت أنه يمسك القدر،
شعرت بأن ريحا عاصفة تجرفني. عدت إلى البيت، ومت.
في تلك الأيام مات عشرات من أصدقائي. كانت الأيام مضطربة، فتساقطنا
بالجلطة واحدا إثر آخر. كأن الدنيا تتخلص من جيل وتطويه لتفرغ مكانه لآخر يناسب
الزمان. خيل إلي أن ذلك كان سبب موتي، لكني فهمت فيما بعد أن الموت لايأتي لسبب
واحد. في تلك الأيام المضطربة كان الموت يتسرب إلينا مع الهواء.
فقد صديقه الأخير! لمن يبوح بما يخطر له؟ مع من سيحلم باستعادة
مملكة الصمت العادلة؟ في تلك الليلة تجول وحده في العتمة. لم يتساءل عن صلاح
الدين ونور الدين وست الشام الذين كانوا يحضرون اجتماعات الشعر وينشرون مهابتهم
على الحاضرين. فقد اختفوا منذ بدأ تبديل الملابس والإغراء بالمال والتهديد
بالخوف. اختفوا مجتمعين مع الشعراء القدماء والعلماء، كأنهم ماتوا موتا لاعودة
منه، أو هاجروا إلى بلاد النسيان. لم يتساءل حتى عن الغوغاء التي تبينها خلال
الأحداث الأخيرة صاخبة، مشاغبة، متكبرة، ترفع رايات متنوعة تنزل إحداها وتقدم
أخرى بما يتفق ومجرى الأحداث وحركة الرياح.
مشى وحيدا، ورددت الجدران وأشجار السرو حفيف أكفانه البيضاء. اكتمل
الطوق إذن، فلاراحة هنا أو هناك. ولامأوى من الجنون العاصف بأرض الأحياء
والأموات. ولكن أيمكن أن يكون هو العاقل الوحيد في مملكة الصمت؟ خطر له أن يخرج
هو أيضا ليتفقد مايسحر الناس. ارتعش. هو؟ هو أيضا يبحث عما يبرر خروجه من مملكة
الصمت؟ لا، هو، لن يهجر مملكته! سيعود!
تجول في هدوء. ولم يصادف إلا الأحياء الباحثين عن مكان يبيتون فيه
مستندين إلى شجرة أو مستلقين على بلاط القبور. وكاد يضحك من حركة الخروج
والدخول! فهؤلاء يتسللون داخلين ويأوون الليل هنا كالسارقين، وأصحاب هذه
المملكة يتسللون منها في الليل ويأوون تحت النوافذ والأشجار في السر!
اقترب من البوابة. فليخرج! فليمتحن نفسه وليكشف الحقائق! نعم،
فليخرج! لن ينسى أن عودته ضرورة. إذا لم يعد أغلقت مملكة الصمت وطويت من
الذاكرة كما تطوى مدن الشرق!
عند الباب تعثر بالقمامة، تجاوزها ومشى إلى المدينة. ودهش. من
النوافذ تدفقت ضحكات كالبكاء، وبكاء كالضحك. ولم يدر أذلك من الخوف أم من
الجنون. ولم يتبين هل في المدينة احتفال أم مأتم عظيم. واستنتج أن المدينة ضيعت
بهجة الأفراح كما ضيعت جلال المآتم. فاختلط فيها البكاء بالنجيب. مشى. لم يعرف
في أي من عمريه مشاهد كالتي رآها! ولم يتعرف إلى مكان ألفه! قلب أهل المدينة كل
شيء إذن. أحرقوا ذاكرتهم كلها. نبشوا الأرض، هدموا البيوت، بدلوا الطرقات،
نزعوا كل ماكان جميلا ووضعوا في مكانه كل ماهو قبيح. كيف استطاعوا أن يوفقوا في
ذلك؟! ياللمهارة؟ تعثر بأحواض وبحرات لم ير مثلها في عمره. كاد يسقط في حفر.
لم يتحمل مارآه، فأسرع إلى شارع كان يحب المشي فيه، كانت البساتين على جانبيه،
وأشجار الجوز الباسقة تظلل رصيفيه، فيه كان يلتقط حبات الجوز الساقطة من
الأشجار فيملأ بها جيبيه.
ليته لم يقصد ذلك المكان! ليته ظن أن الجمال يمكن أن يتخفى أو يهرب
في ثنية من ثنيات الزمان. رأى رصيفا عاريا، وسورا عظيما من الحجر، ومدى فارغا.
لم يصادف أية شجرة من أشجار الجوز. لو كان حيا لانتحر!
ركض إلى مملكة الصمت. أفلحت المدينة إذن في إعادة الغضب والقرف
والخيبة إلى قلبه الذي شفي منها في السنوات الشفافة الطويلة. توقف لاهثا. لمح
أشباحا بيضاء تحت العتبات، وقرب مداخل البيوت. وخيل إليه أن الشارع نفسه يمتلئ
بحركة المتشردين. هل يسألهم: لماذا بقيتم هنا، فخسرتم مملكة الصمت ولم تربحوا
الدنيا؟ هل يسألهم أيمكن أن يصبح الذل عادة؟ أيمكن أن يفسد الإنسان في الدنيا
وفي الآخرة؟
لعله لم يشعر من قبل بمثل ذلك الألم. فقد حتى الحلم والذكرى! ويكاد
لايدري هل عاش حقا قبل مملكة الصمت أم لا، لأنه لم يجد أية من الإشارات التي
كانت مسجلة في دفتر عمره! لم يجد أي مكان كان يتذكره!
مشى إلى مملكة الصمت حزينا، مسرعا، متعبا. خلف بوابتها وقف الحارس
يتأمله ساخرا وهو يقترب، حتى أصبحت بينهما البوابة المغلقة.
- أنت؟! لن تعبر العتبة أبدا! لن أقبلك أبدا في مملكة الصمت! لن
أسمح أبدا بذلك التجمع ! أمكنتكم محفوظة! سيزورها الأحياء. وليسكبوا عليها ماء
الورد! سيريحكم ويريحنا أن تبقوا أفرادا موتى!
   
المنفي
أغمض عينيه. لو أنه لم ير مارآه! كان يعيش وحيدا. وحيدا؟ ماأكثر
الشباب حوله! يدرسهم في الجامعة، ويتابع من يسافر منهم ليختص. ومن بعيد تأتي
رسائل شباب آخرين إليه. هو نفسه مايزال شابا كالطلاب. يزور الجامعة التي تخرج
منها، وتظل غرف الأساتذة حية في ذاكرته. يتفقدها كل صيف. يلتقي هناك بأساتذته
المحبوبين. يدعونه إلى العشاء، فيتذوق الطعام والشراب الذي اشتاق إليه، ويلاحظ
استقرار الغرف التي يستقبلونه فيها. يقف أمام مكتبات أساتذته ويتفقد ماأضافوه
إليها، ويتابع أفراحهم بالحفيد. وهاهو يفكر اليوم معهم بالأيام الجديدة
العاصفة. ويستمع إلى نصائحهم: لاتتجول وحيدا! قد تطارد عصابة لونك الأسمر، أو
قد يتذكرك شخص كان لايستسيغك! نعم، نحن أنفسنا لانخرج من البيت بعد الغروب!
نعم، لانستطيع أن نتجول في هذه المدينة التي كنت تسرح فيها من أول الليل إلى
آخره، وكنت فيها بعد منتصف الليل تختصر الطريق فتعبر الغابة المدثرة بالضباب!
يسألونه هل تتذكر الصف الطويل أمام بائع الزهر؟ هل تتذكر الحلوى ذات
الرقائق والجوز التي كنت تحبها؟ والفوانيس المعلقة على الحارات؟ والساعة التي
كنت تتأمل أشخاصها وهم يخرجون مع دقاتها؟ كنت تقف في طرف الساحة مستمتعا بها.
هل تتذكر المقاهي في ثنيات الجبال، ومقاعدها الخشبية، وكؤوس البيرة الكبيرة،
والنهر الذي يخترق المدينة، والطريق هناك؟
كان يقصد براغ، بلد جامعته، في كل صيف. لأنه كان محروما من العودة
إلى مدينته. فهل كان يتصور أنه يسكت حاجته إلى الوطن، وهو يستعيد هناك كل سنة،
الحارات والمقاهي والبيوت والجامعة وأثاث الغرف والأصدقاء؟ تنقل بينها وبين
الجزائر عشر سنوات. شغل نفسه بالناس والأمكنة، لكنه فشل في أن يستعيض عن بلده
بحب امرأة أو بأسرة! لعل قلبه لاينفتح إلا في سياق سعادة كبرى. تحكمه صور
لايستطيع أن يبعدها ليقدم أخرى أصغر منها!
في زيارته الأخيرة، خيل إليه أنه أصبح يشبه أحد أساتذته. أستاذا لم
يتزوج، ملأ غرف بيته بمكتبة كبيرة. كان يستقبله في الصباح الباكر. "أستيقظ
ياابني مبكرا، أعمل في ضوء النهار، وأنام مبكرا. أنت لست مثلي. أنت شاب. اسهر!
براغ حلوة في الليل!" لكن ذلك كان في الأيام القديمة. فالعاصفة اقتلعت حتى هذا
البلد المستقر الحكيم. قال له أستاذه: عندنا لن يستمر ذلك! يفضلون أن يحدث
الانقلاب دون فوضى. لكن حياة وأجيالا ستطوى. حتى يستكمل ذلك لاتتجول ليلا،
ولاتتحدث بلغتك!
مع ذلك كان هناك أكثر أمانا مما هو في الجزائر. في الجزائر كان
الخطر همجيا. لاتستطيع أن تحاور قاتلك أو أن تسأله عن سبب الموت الذي يرفعه
عليك. لم يبلّغه أحد الحكم عليه بالإعدام. لكنه كان يشعر بذلك الحكم. وكأنه كان
في سنوات حياته يتحرك أمام قضاة سريين، وهو يدرس طلابه، ويدافع عن الإصلاح
الزراعي، ويؤكد أن العدل الاجتماعي أساس الملك. ويتحدث عن حرية الرأي التي ترسخ
وحدة الوطن. ويرسم آفاقا فيها كثير من الحلم المسنود بالوقائع. ستكون يوم توزع
الثروة العربية الكبرى بالعدل بين العرب، ويستطيع المواطن أن يبحر ويمشي ويطير
ويسري، ويصعد جبال اليمن السعيد ويقطف منه القهوة، ويجمع التمر من نخل الصحراء،
والصنوبر من الغابات، والتفاح والعنب والموز من البساتين والكروم والبيارات.
يهبط تحت مستوى البحر، ويرتفع إلى الجبال المكللة بالثلج. ويتنقل بين آثار
الحضارة العربية من الصحراء إلى البحر والنهر. يوم نكون هكذا هل يعاملنا الغرب
أو الشمال كما يعاملنا اليوم؟ هل يستطيع أن يرسل طائراته فتقصف مدينة تاريخية
وتدك فيها الملاجئ والجسور ومصانع الأدوية؟ هل يستطيع أن يمنع العرب من العلم
والدواء، ويرعى القوة النووية الإسرائيلية؟ هل تستطيع إسرائيل أن تقصف لبنان
وأن تعلن أن القدس عاصمتها الأبدية؟ هل يجرؤ رئيس شمالي أن يعلن أنه علّق ملف
القدس، كأنه يملكها؟
اندفع جهاد إلى ذلك الحديث أمام طلابه. نسي أمامهم الموت! فهل كان
يقصد أن يستنهض فيهم مقاومة الشر؟ بل كرر ماتعود أن يقوله. أضاف صفحة إلى سجل
العمر الذي يحاسب عليه. لاتلم نفسك ياجهاد! لاتستطيع أن تتقدم خطوة؟ لكنك لم
تتراجع خطوة!
عاد من الجامعة متوهجا، يردد كلمة أبيه: لايصح في النهاية إلا
الصحيح! كان طفلا يومذاك، ومضافة أبيه محطة الثوار إلى فلسطين ومعبر الجرحى
والسلاح. ورأى أباه يجلس جريحا على دابة ويدثره بعباءته، ويودعه: لايصح في
النهاية إلا الصحيح! وهاهو بعد عقود من السنين يسمع كلمات أبيه نضرة فواحة
كياسمين الصباح!
كان يعبر الشارع بسيارة وقت قتلت فتاتان. التفت ذاهلا. رأى صبيتين
تقعان على الأرض، إحداهما سافرة والأخرى محجبة. أدهشته السرعة والبساطة التي
تطوى بها الحياة! ظل يلتفت. فقال رجل في السيارة: قتلت المحجبة لأنها تمشي مع
سافرة كافرة! وضع كفه على فمه، ليمنع صرخة أم ليمنع الغثيان؟ فهم أنه لايستطيع
أن يرد موتا عن أبرياء. لايستطيع أن يدافع عن امرأة. لاشهامة اليوم! نزل من
السيارة وعبر الطريق، ثم عبر الممر إلى بيته دون أن يتلفت مستطلعا. لن يستطيع
أن يفلت من الموت!
قال له زميله في اليوم التالي: كانت الجزائر على القائمة بعد
العراق! ستفكك البلاد العربية بالقتال، وبالفقر، وباليأس، وبالأوهام! لاتعاد
بالقصف فقط إلى العصور الحجرية. تعاد إلى هناك أيضا بالعصابات! نحن اليوم مناطق
حيوية، مواقع آبار ومياه ومعادن وعمال. ولايفترض ذلك أن نكون أقوياء، بل أن
تكون إسرائيل قوية لتدير ذلك المشروع! ثروتنا؟ لاتحلموا بها! أحرق العمق
الجغرافي، ولن تبقى لنا حبة قمح أو نهر أو قطرة ماء!
في تلك الليلة تذكر مدينته. استحضر وجه أبيه الذي مات في غيابه،
وصوت أمه التي ماتت في غيابه. خطر له أن يتصل بأخيه بالتلفون لكنه خشي عليه.
استعاد بيته المبني من الحجر الأسود. جلس هناك مواجه الفلاة. غمره ضوء المساء،
وبقي ساكنا حتى مشت إليه أمه في العتمة ووضعت يدها على كتفه. شعر برطوبة حبات
التين وبدبقها. مسح يده مسرعا حيث أحرقها حليب التين. لم تنضج تلك الحبة. بل
نضجت، ياابني، نضجت! ظهر القمر متوهجا، برتقاليا، كبيرا. راقبه وهو يرتفع ويصغر
ويصبح فضيا. وأقبل البرد فارتعش. ثم وصل الناس فملأوا المضافة. استقبلهم أبوه.
وكانت أباريق القهوة ساخنة على جمر المنقل.
وبدا له أن مايمنعه من العودة إلى بلده سخيف وظالم. ذنبه أنه لم
يمسك لسانه، وجهر برأيه؟ كان مخلصا، مستقيما فلم يبحث عن الدروب الملتوية
والأقنعة التي تقال بها الحقائق. آه، تبحث عن ذنوبك؟ فهل خطر لك يوما أن تقتل
إنسانا؟ هل خطر لك أن تقطع رزق إنسان أو أن تسجن إنسانا؟ هل قبلت أن تعاون من
يهاجم بلدك؟ لم تملك غير عقلك ولسانك وأحلامك. كنت أعزل في هذا العالم الذي
ينظم فيه الشر والفساد وتحشد في الدفاع عنهما العصابات والسياسة والمؤسسات.
بحثت عن سند الحلم في العالم، فانهار ذلك العالم فجأة. لم يبق فيه مأوى تلجأ
إليه. الطيور المهاجرة في الشباك. ولافضاء! فهل تريد أن تشخص في هذه الليلة
لماذا أنت وحيد وحزين؟ لأنهم هجموا عليك، كما يهجم الظلام على الضوء! أنت المدن
المقصوفة، المساجد القديمة والجسور الرائعة التي صوبت إليها القنابل في
سيراجيفو. الجامع الأزرق الذي هدم في كابول. الجسر القديم الذي دمر في بغداد.
الحقول المحروقة في إقليم التفاح. أصابوك هناك، وهناك، وهناك! لكنك مازلت
معافى. لأنك تتذكر مسار حياتك وتمشي فيه مرة أخرى..
كان كل ماحدث فيما بعد تفصيلات. ظل طوال اسبوعين ملقى في بيته على
الأرض. لايعرف أحد سواه كيف دفعوه على العتبة بين الموت والحياة. ويحاول هو أن
يتكلم، لكن همسه لايصل إلى سمع الأحياء. لم يقرأ أحد عليه الحكم بالإعدام، ولم
يطلب منه قاتلوه أن يدافع عن نفسه. ضربة على رأسه، ثم ضربة أخرى على جبهته! سقط
على الأرض ونزف دمه وماءه. انصرفوا عندما اطمأنوا إلى موته. وكان يردد في نفسه:
آه، يابلد المليون والنصف شهيد! كنت أنشد نشيد الجزائر في المدرسة، قبل أن يصبح
نشيدها الرسمي!
ظل يتأمل حياته وحيدا اسبوعين طويلين، طويلين. وزع ماجناه في عشر
سنوات على المهاجرين الذين فقدوا عملهم ومأواهم. على الذين انهارت منظماتهم
وفقدوا أمانهم. على الذين أصبحوا أفرادا دون مجموعات. على الحالمين بالرحيل إلى
بلاد لاتقبلهم. وكان خلال ذلك يسمع طلقات الرصاص في الشارع، ويسمع نداء النساء
المذبوحات. تليت عليه أسماء أصحابه المقتولين بعده. وكان ذلك يعلو على صوت
الأخبار التي تذاع من راديو بقي مفتوحا قرب رأسه. الأخبار التي تهنئ بأعياد،
وتصف احتفالات، وتزين بلادا في يوم هزيمتها، وترفع أقواس النصر في مدن مكسورة.
في ثنيات الأخبار هجع القتلى في الشوارع، وتراكمت البيوت المقصوفة، وتطايرت
قنابل الغاز والرصاص. حاول أن ينهض ليسند شابا أصيب في رأسه، وفي تلك البرهة
فتح الباب ودخل رجال صوروه ورسموه وسجلوه بين القتلى. حاول أن يرتب نفسه،
ويستعيد دمه وماءه. حاول أن ينهض، لكنه لم يستطع ، وعندئذ بكى..
أهكذا يعود هو الشاب محمولا إلى مدينته؟ ولأنه كذلك يعبر الحدود؟
لايستطيع أن يتجول في الأسواق المزدحمة والحارات الضيقة! لايستطيع أن يتناول
كأسا من نبع بلده البارد! لن يجتمع أهله وأصحابه وجيرانه في المضافة حتى الصباح
ليلة استقباله! ولن ترد بيته الصبايا اللواتي تركهن فتيات صغيرات وجئن ليتفرجن
عليه! اجتمعت الدموع في حلقه وعينيه. هل كان يتمنى لو يستطيع أن يتجول في
البلاد التي كان يرسمها لطلابه في الجامعة، ليختار منها مكانا يؤويه غير
مدينته؟ أم كان يريد أن تعتذر له مدينته ليغفر لها منفاه؟ لاتعتذر المدن من
أحد، ياجهاد! لايطلب منها مالا تملكه!
شعر بأن مكانه يضيق. ورغم كل مانزفه من مائه، وجد دموعا يذرفها طول
الطريق، ووجهه مغمور بالسماء، وهو يهتز على ايقاع حامليه. حتى توقفوا به في
مكان واسع لم يعرفه من قبل. على مد العين فاجأته قبور الشهداء. كان مكانه في
آخر المقبرة، بين أمكنة كثيرة مجهزة للعائدين. قرأ الشواهد التي عبرها. كان
أصحابها شبابا أصغر منه. قتلوا كلهم في غيابه، وحملوا مثله إلى هذه الغابة من
بعيد. أطرق في أسى: رغم ذلك مازلتم تنتظرون المزيد من العائدين! لمست يد كتفه.
لابأس! آه، نعم! هنا على تخوم المدينة يستطيعون أن يجتمعوا وأن يتحدثوا في
حرية. أن يلوموا وأن يعتبوا على من ضيع الزمان. هنا يستطيعون أن يستمروا في
عداوتهم عدوهم، ويستطيعون أن يكرروا مايمحى من الكتب والخطابات والجرائد
والإذاعات. ويستطيعون أن يعلنوا أن العصابات التي تنزع عن المدن العربية
حضارتها، تقتل من سجلهم العدو على قوائم الإعدام.
جفف جهاد دموعه مسرعا. وخرج من مكانه الضيق.. فهم أنهم كانوا
ينتظرونه من زمان!
حزيران 1994
   
الغيبوبة
تغفو الأشجار في الليل، تهجع العصافير، تتدثر الجبال بالعتمة. تنام.
إلا هو! محرم عليه أن ينام! كيف ينام وهذه، كما يبدو، أسوأ الأيام! يقول: جن
الناس! نعم، يقول: الناس! مع أن علاقته بالفقراء تختلف عن علاقته بالأغنياء.
يقول: الناس، لأن أبسط رجل في الرعية لم يعد كما كان. من الغضب، من الغبن، من
اليأس صار كل منهم يهمس: ألايعيش القانون إلا اذا التزمت أنا به؟! فلان يخترق
صدره وفلان يفتت كبده، وفلان يأكل قطعة من قلبه. ومع ذلك لايموت إلا اذا قصصت
أنا قطعة قدر الكف من ذيل ثوبه؟!
|