الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

قصص

توت شامي.. يا توت

         

البحث عن أنثى

فسيفساء

الدرس

الميت الحي

إعلان

ستلايت

توت شامي

المطعم 

  السر

 سوزان

بقلم الكاتب: جمال جنيد

توت شامي.. يا توت

 

الإهداء

الصديق الراحل الدكتور

محمود موعد "أبو عماد"

قطرة ندى الصباح

غابت شمسك باكراً

فتركت غصة في القلب لاتمحى أبداً ...

لكن عزائي أنك

الميت.. الحي...

إليك..

جمال جنيد

 

إعلان

 

مساءً، وقبل المسلسل التلفزيوني اليومي، توقفت السيارة-كانت سوداء، لمّاعة، صقيلة، أمام بيت مصطفى- الموظف في مصلحة القطارات.

كانت النجوم تبرق على سطحها الصقيل، وبداخلها القمر، فتاة بيضاء، فارعة الطول. عيناها خضراوان. وساقاها عاج مصفّى. ونظرتها تكرسح أعتى الرجال.

-السيد مصطفى... موجود!..

تقاطر أولاده ببيجاماتهم المتسخة. المطوطة، يرقصون، ويرقبون.

همهمت زوجته، بفمها الكبير، كلمات غير مفهومة.

ولم تتفوه بكلمة واحدة رغم الهمهمات، وكأن الشلل أصاب لسانها....

ليس مصطفى الذاهل على عجل، واندس في السيارة، إلى جانب القمر، كان صوت أطفاله مرتفعاً، لكن السيارة ما إن تحركت حتى تقطعت أصواتهم، ثم انقطعت، كما انقطع مصطفى عن عالمه بلحظات أشبه بالحلم....

- أين ؟‍‍‍!..

لفظ تساءله، وهو يرقب بخجل شديد الحورية الأسطورة إلى جانبه..

كان يفوح منها عطر حالم، أعلن عنه برقة وشفافية على شاشة التلفاز، لكنه، ولحالته الراهنة. نسي اسمه..

-ستعرف يا مصطفى‍‍!..

وغيرَّت بَدَّال السرعة...

تلمست عيناه فخذيها، التماعهما، استدارتهما، نعومتهما، طولهما، الزغب الأشقر المنتشر عليهما...

شوفاج السيارة يمنحه دفئاً على دفء..

الطريق المشجرة التي رآها عبر أضواء السيارة النافرة، مثل حلم وأسطورة.

اقتربت السيارة الصقيلة من قصرٍ حجري، مغسول بالأنوار، وفي جهته الغربية شلال من ماء زلال.

-انزل يا مصطفى!..

وقبل أن تمتد يده لفتح الباب. تقاطرت الصبايا الجميلات. والأنيقات. يفتحن له الباب ويستقبلنه بالبسمات، لو وزعنها على أهل القبور لنهضوا من مراقدهم أحياء.

تفرَّس فيهن مندهشاً، كأنه رأى وجوههن من قبل...

سأل واحدة:

-وجهك ليس غريباً علي!..

-نحن فتيات الإعلان!.

يدخل مع الحورية إلى قاعة ملمعة من (بوفالو)...

أحاطت به الحوريات من كل طرف، استحى لأنه كان يرتدي ملابس رثة. لكنه، حين نظر إلى نفسه وجد أنه قد لبس أرقى أزياء الـ (400)!.

نظر إلى القاعة، بلسان مهدَّلٍ، يقول في نفسه:

-"لابدَّ أنني دخلت هذه القاعة من قبل.. متى؟..متى؟!..... أأنا أحلم؟!..

يتلمس بزته الجديدة ويكمل:

-"إنها حقيقية.. أنا لا أحلم!..".

في نهاية القاعة، مُدَّت مائدة مفتوحة، مما لذ وطاب، يمتلئ البطن عن آخره لو تناول المرء من كل صنف لقمة لقمة...

يسيل لعابه..

تنظر إليه الحورية:

-موعد الطعام لم يحن بعد!.

تقوده إلى طاولة عليه ضوء مذَهَّب، وورد قرنفل، أحمر.

كان يشتهي لبس ربطة عنق حمراء، ينظر إلى صدره فيجد أن قميصه الأبيض تزينه ربطة عنق حمراء..

تجلس القمر إلى جانبه، يحتك فخذها بفخذه، يروح إلى عالم، ويأتي من عالم...

-مابك يا مصطفى؟!...

-أأنا أحلم؟!..

-تلمسني وستعرف!...

يدها، حرير قز، وعيناها تسبي القلوب...

فجأة، ينزرع الموسيقيون في ركن من القاعة، يتقدم من الميكرفون مغنية كوجه الشمس، تغني وتتأوه ثم تنصرف..

أكل مصطفى اللحوم المشوية والمقلية، وأنواعاً من الكبب، وأصنافاً من الحلوى..نسي ما حوله. وهو يأكل بنهم جائع لم يذق طعاماً..

تقول حوريته، وهو غارق في الطعام!..

-هناك عرض إعلاني.. انتبه!.

على البلاط الملمع.. تبدأ البرادات والجلايات والغسالات تركض من أقصى القاعة إلى أقصاها..

يصفق الحاضرون..

وتأتي الحسناوات. يعرضن الأزياء، وأكياس البطاطا، ولفافات الشعر، والمنظفات.. و...

تذكر أنه لم يلبس قميصاً أبيض، لكنه يتذكر أنه قبل قليل رأى نفسه يلبس قميصاً كالضوء حين نظر إلى ربطة عنقه الحمراء.

بطن مصطفى تنتفخ من الطعام، كأنه سم زعاف..

يرى الصبية اثنتين. بل ثلاثة. يميل. إلى قمره الخلاب قائلاً:

-أليس هناك دورة مياه؟!..

-بلى يا حبيبي... في الركن الأيسر هناك!..

يمشي مصطفى مترنحاً...

يشعر بالراحة بعد أن أفرغ مثانته وأمعاءه، في دورة مياه لماعة.. لمّاعة..

يفرك يديه سعيداً، يفكر بالطعام مرة أخرى..

وبالفخذين المزغوبين اللماعين..

 يدخل القاعة. لا يجد أحداً؛ لا الناس، ولا الطاولات، ولا الصبايا، ولا قمرة الأبيض..

يجد فقط. عدة رجال أشداء، في ثياب السهرة. يشيرون إليه، ويركضون خلفه...

يهرب منهم...

ينظر إلى ثيابه، يجدها ممزقة، يركض ويركض.. حتى بعد أن يتوقف الرجال ويختفون عن أنظاره،

وأخيراً قرب الحاوية يجد نفسه أمام باب بيته في زاوية الحارة..

 

 

الميت الحي

 

للوهلة الأولى. شعرت أنني لا أصدق ما أرى...

كان منظراً يدني من حافة الخوف، بل من حافة الموت...

لم أكن قد تهيأت نفسياً لهذا المنظر.. قبل ذلك استجمعت رجولة الثلاثين ربيعاً من عمري، ونزلت قبر عمي المدفون، ولما يتجاوز عمري عشر سنوات، نزلت قبره، لأواري جثة أخي الأكبر (كمال)....

لو قص عليَّ أحدهم مما رأيت لضحكت عليه..

ولم أكن على استعداد للاكتفاء بذلك، بل لجعلته سخرية الآخرين، وهمزاتهم ولمزاتهم.. بل وقد أتهمه بالجنون...

 

حين رأيت ما رأيت. تحجَّر لساني في فمي- نظرت إلى فوق بوجه متحجّر، حاولت الاستغاثة. لم أستطع حتى الإشارة. كانت الصورة، قد ترسخت في ذهني، حين سقط الضوء على وجه عمي المدفون منذ عشرين عاماً، ضوء شمس غاربة حمراء ومدمّاه...

وجه عمي حليق، وشعره نظيف لمّاع. وعلى فمه ابتسامة رضى، وكأنه شرب للتو، قهوة الصباح.

حين نروي مسائل، لايَدَ للعلم بها، نكون في موقف ضعيف، فالناس، عندئذ، إما ضاحكون أو ساخرون، أو مغرضون، أو يرفعون أنوفهم، وقد بتوا أمرهم...

أما أنت، فإنسان متخلف من العصور الحجرية، وهم، فقط، يحملون على أكتافهم حضارة القرن الواحد والعشرين.

شعرت. أنني عشت لهذه اللحظة، منذ أمدٍ طويل. كانت مخبوءة في أعماقي، بدت عينا عمّي نصف المفتوحتين، وكأنهما تنظران إليَّ. عبر زمن العشرين سنة الماضية، بل عبر عشرين قرناً...

لم أفاجأ بنظراته، ولا بابتسامته الراضية، بل فوجئت بتلك النظرة. التي مازلت أذكرها قبل عشرين سنة. قبل وفاته بأيام، بساعات، أو بلحظات،

 

كان وجهه قد غام مثل وجه يلفه الضباب، خلال ذلك الزمن البعيد.

الآن..

عادت إليَّ الحياة الحياة السابقة بكل تفاصيلها...

انحلَّ الضباب، وتوضح الوجه...

بفمه هذا.. كان يقوم بحركات مضحكة...

وبحاجبيه الأسودين الكثين هذين، كان يرقص وجهه، حين يرتفعان وينخفضان، فيبدوان مثل نصفي دائرتين، قُطِعا من شعره، وألصقا على وجهه. فصارا طوع أمره...

سمعت أصواتاً من فوق القبر. وكأنها آتية من أعماق الكون:

-لُمْ عظام عمك.. يلاَّ.... عجل.. الشمس ستغرب!.

لم أنتبه إلى الصوت أول الأمر...

لكنه. حين ألح عليَّ، انتبهت أنني وضعت كيس الخيش الذي سألمُّ به عظام عمي إلى جانبي ونسيته...

أمسكت الكيس، لكنه، أُفلت من يدي..

حين جددت النظر إلى وجه عمي الحليق. تساءلت.. ماذا سألمُّ منه؟!..

 

هل ألمُّ شعره المصفف اللامع؟!... أم وجهه الحليق...أم ابتسامته الراضية؟!...

إنه ليس عظاماً...

إنه لحم ودم..

لا ينقصه إلا أن يفتح فمه ويحادثني، يقوم بحركاته المضحكة، يخرج لي لسانه. ينطط حاجبيه، ويركض خلفي..

قم...

افعل ذلك يا عمي..

عُدْ حياً لأصرخ فيهم قائلاً... عمي حي..

عمي لم يمت.. لقد دفنتم عمي خطأ قبل عشرين عاماً...

ها هو.. انظروا إليه... قم... حادثهم، وينتهي الأمر...

قد يكون أخي هو الآخر حياً.. سنعود جميعاً إلى البيت أحياء..

عندها، يا عمي، ستعود عجلة الزمن إلى الخلف...

 

حيث الطفولة التي مازالت حية في أعماقنا...

عمي....

لتعد إليك الحياة، لتكن أول إنسان يعود حياً من باطن الأرض بعدما خرج يونس حياً من بطن الحوت..

قم.. يا عمي...

حادثهم، ذكرهم بحكاياهم السابقة، بنكاتهم، بألمهم، بفرحهم، بفشلهم، بنجاحهم....

سَلّم على ما تبقى منهم حياً، من أهلك وجيرانك، وانزع عن نفسك هذا السكون الأبدي. قم...

من أجلي، من أجل أن يقولوا... إن (ربحي) صادق، ولم تتهيأ له تهيؤات لا وجود لها، بسبب خوفه من النزول إلى القبر...

قم... أرجوك...

كان عقلي يعمل... وأنا أنظر إليه ملّياً، إلى ابتسامته ووجهه الحليق، وشعره اللّماع...

لم يكن أخي الأكبر (كمال) قد أُنزل القبرُ بعد..

كانوا ينتظرون إشارة مني، كنت أقرفص تارة. وأنهض أخرى، وأنا لا أدري ماذا أفعل..

 

نظرت إلى فوق، شعرت أنني مفصول عن الأحياء بمئات السنين..وحين أنظر إلى وجه عمي أشعر بالراحة والسكينة...

أيمكن أن يحسُّ شخص حي بالهدوء والسكينة مع  ميت بدا له حياً؟!..

لابدَّ أن شيئاً فظيعاً قد حدث!...

قد تكون القيامة. وقد تكون العلاقة الحميمة بيني وبين عمي... أو قد تكون رهبة اللحظة، حين نزلت القبر وحدث ما حدث...

فكرت بالخروج والتخلي عن مهمتي لشخص آخر...

لكن، ما ثناني عن عزمي، هو محبتي القديمة لعمي، التي خبت بفعل الزمن، مثل ضوء واهن بعيد، وإذا بها الآن يصب فوقها زيت، فتشتعل وتشتعل، وتتناسل وتتشعّب، تعود الروابط بحبال من حديد، بل من فولاذ، وتشدني إلى تحت. تربطني به، أتملَّى وجهه قطعة قطعة. وأنسى الوجوه في الأعلى وجهاً وجهاً.

هذا الانفصال، بدا لي تدريجياً، شيئاً ممتعاً، وليس مخيفاً أو مميتاً، كما ظهر لي منذ المنظر الأول، ورغبت لو أنهم نسوني هنا، وذهبوا، حتى أستطيع أن أحيا، تلك اللحظة. بتفاصيلها المدهشة.

عشت لحظات، صعبة الوصف...

هذا عمي. غاب زمناً طويلاً، ثم أطل فجأة، بوجهه الصامت؛ وكأنه عاد من سفر طويل، عاد بعادات وتقاليد مختلفة تماماً، لم يعد يضحك، لم يعد يرفع حاجبيه، لم يعد يُخرج لي لسانه الأحمر- كأن اللصوص سرقوا فرحه، وعاد صفر اليدين. لا هو ميت ولا هو حي...

عند هذه النقطة. فكرت بالحياة والموت...

أردت أن أعرّف هاتين الكلمتين. كلمتان متضادتان، كلمتان تتوقف عليها حركة الإنسان وسكونه، ومع ذلك فما زال الإنسان حائراً أمامهما...

أنا لا أقصد تلك التعريفات القائلة إن الحياة هي صرخة البداية، وإن الموت هو نفخة الحياة.. أريد كنههما... رائحتهما. الخصيصة الكامنة فيهما، أريدهما، كما لم يعرفهما شخص آخر..

خرجت من تأملاتي، على صوت من الأعلى، من بعيد، بعيد:

-لماذا لا ترد يا ربحي؟!.

خرج صوتي من صدري:

-ها أنا ألم العظام!..

ومن فوق، ردت أصوات مهمهمة مطمئنة..

أعرفك يا عمي..

في حياتك، كنت ميتاً، وفي موتك ها أنا أراك حياً...

حدثني عنك أبي...

حدثني في ليالي الشتاء الباردة...

بلدتك، مجد الشمس، التي خرجت منها بعد الاحتلال،

أخذتها، بحجارتها، وهوائها، ومائها، وضعتها في عقلك وأسكنتها قلبك، ولج لسانُك بها..

كنت تتذكر تفاصيل حياتك بها، وأنت تتركها في العشرين من عمرك..

تعيد التفاصيل لولديك وليد و يزيد، ولهدى ابنتك...

تعرض عليهم صوراً قديمة مهترئة، صور بيتك في مجد الشمس، أو مجدل شمس.. صور التلال والجبال، صور الهواء والماء، وصورتك وأنت تحمل بندقيتك القديمة، ومفتاحاً قديماً، من نحاس، لبيتك المحتل، كنت تخبئه في عبّك، إلى جانب دقات قلبك...

تعرض عليهم ذلك، وكأنك تعرض جواهر لا تقدر بثمن...

ولم تكتف بذلك، بل كنت تذهب كثيراً إلى عين التينة.

تقف هناك، وتنظر نحو مجد الشمس، وتسقط دموعك، وفي عينيك غضب دفين..

وذات مرة، أرسلت عن طرق الصليب الأحمر -رسالة إلى مَنْ تعرفهم هناك، تطلب منهم أسماء الذين مازالوا على قيد الحياة، وأسماء الذين ماتوا، كنت تسأل عن مجدل شمس بيتاً بيتاً، وحجراً حجراً، وشخصاً شخصاً، كنت تسأل عن حرارتها ورطوبتها، عن شجرها وثمرها، عن حيواناتها، عن مائها، وعن ترابها...

كنت تسأل عن المواويل والدبكة...

كنت تشعر أنك ميت وأنت حي، وكنت تقول دائماً:

-ليتني ما عشت لأتذكر!.

ولم تدرِ أنك كنت تحيي الزمن الميت، تمنحه اكسير الحياة، وتقدمه لولديك وابنتك، فأرى ذكرياتك تعيش من خلالهم، كأنهم عاشوا فيها قبل ولادتهم، صاروا امتداداً لذكرياتك....

وبعد أن قضيت..

مازال أولادك يتحدثون بلسانك.. بعقلك، بعاطفتك، يصفعون بلدتهم المحتلة التي لم يولدوا فيها، ولم يروها إلا على شاشة التلفاز...

وها هو أخي كمال الذي توفي فجر هذا اليوم.. حيث تصوَّف في معبد ذكرياتك، يوصي، أن يدفن في قبرك، ولم يكن بالإمكان إلا أن تحترم وصية محتضر...

وأذكر أنني قرأت ما كتبته أواخر حياتك. كانت رسالة طويلة إلى مجهول، تتحدث فيها عن كل دقيقة عشتها في بلدتك، كما يعيش الرجل البدائي في مكان لا يستطيع أن يبرحه، في كل سطر تتفجر الكلمات، في كل جملة أرى العذاب يطل بين الحروف. وفي كل كلمة أرى رجلاً يبني عالماً من ذكريات لا تموت..

قرأت رسالتك مرات ومرات. فكرت في كلماتها وجُملها وأفكارها، انتزعت من رأسي ذلك الرجل العابث الضاحك أمام  طفل، وبدت صورتك في ذهني رجلاً مهيباً، طاغياً، حقيقياً وإنساناً...

رفعت رأسي، فرأيتهم مازالوا ينتظرون إشارتي بإنزال جثة أخي كمال، لم أكن أريد إنهاء لقائي مع عمي، بعد غيبة طويلة، حيث سعدت به كما لم أسعد مع شخص آخر على قيد الحياة.

تأملت عمي، شعره، وجهه، أسنانه، تذكرت ما قرأته عن التحنيط عند الفراعنة، حفظ الجسد من الرطوبة والجفاف، ورش مواد معنية ليحافظ الجسد على بقائه...

استعملت أنفي لأشم رائحة معينة، فلم أشم إلا رائحة السكون والتراب..

سألت عمي، وكأنني أسأل رجلاً كامل الحياة:

-هل كنت قديساً أم...

لا أدري.. لِمَ سألت هذا السؤال..

سألته ليجيبني، ليخرجني من لحظة الفراغ الممتدة بين عالم الأحياء وعالم الأموات...

تلك اللحظة، الفراغ، صنعت الانفصال عن عالم الأحياء. هزته بقوة. دفعت الهدوء بعيداً، وأحلت محلهما رجفة البداية، رجفة الخوف..

كنت نائماً فاستيقظت..

بدأت أعي ما حولي... كان صمت عمي قد أتلف أعصابي، ورائحة التراب والعرق المتصبب من جميع أنحاء جسمي..

وضعت كيس الخيش جانباً، وخرجت الكلمات من فمي مبتورة:

-هاتوا جثة كمال!.

أنزلوا الجثة..

مددتها إلى جانب عمي..

نظرت إليهما طويلاً. نظرة فيها ألم وخوف وانتظار وارتجاف ودهشة...

خرجت إلى فوق..

أعماني ضوء الشمس الغاربة...

خرجت إنساناً آخر..

فقط..

تذكرت شيئين....

وجه عمي الذي لم يعد يُمحى من ذاكرتي

وذكرياته عن مجدل شمس، مجد الشمس.. التي أحيته بعد موت..

 

 

الدرس

 

-أخيراً سأصبح معلمة أصيلة!.

قالت لينا لأمها، وهي تكاد تطير من الفرح..

قبلتها أمها... لم يكن لها في الدنيا غيرها. ثم رفعت الأم يديها إلى السماء تدعو لوحيدتها..

-حضّري الغداء يا أمي.. سأحضّر درساً لن يعطيه أحد قبلي ولن يعطيه أحد بعدي..

-الله يكون معك!..

تقف لينا أمام طالباتها. زهرات من كل لون، تؤدي الدرس بثقة وفرح. تصول وتجول على المنصة، تستشف نظرة رضىً في عيني موجه المادة.. و....

 

-مابك يا لينا!.... لِمَ لا تأكلين؟!.

تأكل بضع لقيمات،  ثم تطير إلى غرفتها كالفراشة..

كتاب القراءة أمامها.. النص أمامها.. تتراقص الكلمات أمامها مثل شموع مضاءة في ليلة عيد الميلاد..

عصفور في قفص، هرم وهو محبوس، وفجأة قرر صاحب العصفور أن يمنحه حريته...

نظر العصفور إلى صاحبه وتساءل:

-" لماذا أعطيتني حريتي وأنا عجوز.. ومنعتها عني وأنا عصفور صغير قوي الجناحين أتنقل من شجرة إلى أخرى؟!.. تضع لينا أهداف الدرس..

تسطّر.. كل سطر بلون، ترسم. تكتب، تعتصر معلوماتها التربوية التي قرأتها والتي سمعتها...

كأنها تركب الآن صهوة جواد أبيض، يسبح بها في سهل فسيح، ينتظرها سمير وسط السهل مرحباً، ضاحكاً، يتلقفها بيديه القويتين، وتشم رائحته المميزة...

هذا الصيف موعد الزفاف..

-العرس، بعد أن أصبح معلمة أصيلة!.

ينظر سمير إليها. في نظرته عتب، وفي عينيه هيام..

 

-أمري لله!.

تدخل أمها..

لم تنتبه إليها إلا حين وضعت كأس الشاي أمامها..

-يكفيك سهراً يا لينا!.

-هذا الدرس هو حياتي يا أمي!.

حين تخرج أمها تغوص في حياة العصفور العجوز....

غداً، تخرج من القفص، يصبح لها كيان خاص، غداً.. تفتح باب القفص، فتطل الشمس، يطل سمير في بذلة عرسه ماداً لها يديه..

تفكر في كل كلمة تكتبها. تتمثل كلامها أمام تلميذاتها الصغيرات. ستتوقف في اللحظة المناسبة، وستسير حين يتوجب ذلك، ستضع لوحة أبرية هناك، وجيبية هنا، وقفصاً وصورة عصفور و....

تستقرئ في وجوه تلميذاتها الفهم والتجاوب..

تنظر إلى موجه المادة، ترى أباها يبتسم لها..

تتنهد..

مات أبوها وهي صغيرة، لم تعرف صورته إلا عبر غبار وغيوم..

 

دائماً، تراه ينظر إليها بصمت وحنان، في منامها، وفي يقظتها، أحياناً...

احتضنتها أمها.. ونذرت نفسها لها.. عملت خادمة في المنازل، وعملت في المعامل.. حتى كبرت ودخلت الوظيفة المؤقتة بعد الشهادة الثانوية..

صوت المنبه يعلن  منتصف الليل..

تمسح غرفتها بنظرة سريعة.. الخزانة مغلقة!

ماذا ستلبس غداً؟!... أجمل ثوب عندها.. وحذاءَها الجديد.

لن تركب "الميكرو"، حتى لايدوس الناس على حذائها، ستأخذ سيارة أجرة، وتصل المدرسة في أبهى حلتها...

تسمع دقات قلبها، أهو الخوف أم الفرح؟!..

هكذا كان يدق قلبها قبل كل امتحان، وهكذا دق حين التقت سمير..

عادت إلى مكانها بعد أن حددت الثوب والحذاء.. أنصتت..

 

لابدَّ أن أمها الآن في سابع نومة...

طنين سكوت الليل جعل لينا تقف متأملة يومها وغدها..

راجعت مواد الدرس، والبطاقات الملونة، حاولت أن تزيد، لكن التعب غزا جسدها دفعة واحدة..

أخبرها المنبه أن الساعة هي الثانية صباحاً..

حينئذٍ، ربطت المنبه على السادسة صباحاً..

وما إن وضعت رأسها على الوسادة حتى غرقت في بئر النوم..

صباحاً..

قامت لينا بالخطوات نفسها التي رسمتها البارحة..

وصلت المدرسة، وكأنها تدخلها للمرة الأولى، الصف يرقص فرحاً، وجوه التلميذات ناضرة ناظرة..

تدخل، ترتب لينا أشياءها، وتنتظر بفارغ الصبر قرع الباب لتستقبل الموجه، وتعطي درساً ناجحاً مائة في المائة..

وفجأة..

يُقرع الباب، تسرع دقات قلبها، وهي تخف نحو الباب بكامل أناقتها..

 

تفتح الباب..

تقف المديرة بوجهها الصارم..

-أجّل الموجه حضوره!.

-لماذا؟!...

-لا أدري.. سيأتي في وقت آخر!..

وتختفي المديرة في الردهة..

تعود لينا، متراخية الأوصال.. تجلس على كرسيها منهكة، وتدخل قفص العصفور العجوز..

 

فسيفساء

 

1- القط

الليل زجاج أسود..