الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 23/04/2008

القصص

 

الزهرات الثلاث

أسطورة الملك شارون والحجارة

مازال بيننا

الانتظار

وردة في معتقل الخيام

إسلاميات الانتفاضة

مياسة

البحث عن أنثى

 

بطاقة تعريف الكاتب: جمال جنيد 

ولد في دمشق 1949. 

- إجازة في اللغة العربية.

- دبلوم تأهيل تربوي.

- دبلوم الدراسات العليا.

- ماجستير في التربية- جامعة دمشق.

عمل مدرساً في ثانويات دمشق، والسعودية، وهو اليوم يعمل مديراً لإحدى إعداديات وكالة الغوث الدولية.

عضو جمعية القصة والرواية.

مؤلفاته:

1- المبنى - روية - دمشق 1987

2- الينابيع - روية - دمشق 1984.

3- المخيم - روية - دمشق 1988.

4- القنفذ والضفدع -قصة للأطفال - دار الجليل 1986.

5- مغامرة صيفية - رواية للفتيان - وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق 1989.

6- الملك داوود والحجارة- قصص - دمشق - اتحاد الكتاب العرب -1989.

7- مطار السرطان - رواية - دار الأهالي - 1990. 

8- غابة الوطاويط - روية - اتحاد الكتاب العرب-دمشق 1992.

كتب عن قصصه ورواياته دراسات عديدة

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

  نماذج من أعماله

الانتظار

 

الحاجة فاطمة تحدق نحو سهل كوكبا، بعينيها الصغيرتين، المطفأتين من البكاء..

ضوء الشمس تراه أبهى..

الصمت.. غير الصمت..

تتساءل.. ما الذي حدث؟!..

لماذا هذا الضوء وهذا الصمت يا حاجة فاطمة؟!

أيمكن أن يكون رائق قد أتى، عبر سهل الأقحوان. خطاه الواسعة تنم عن عجلة ليراها..

-رائق!.

تمزق الصمت، مرة وثانية، وثالثة..

***

يزداد تحديقها في السهل، تراه هناك، وهناك.. وهناك.. مع الأجساد التي نبتت من عمق السهل..

***

 

إنه آتٍ لا ريب، يصل إليها، تسمع صوته، وهو يقول لها:

-أريد كأساً من الشاي يا حاجة فاطمة!!.

-لماذا أنت مستعجل؟!

-أمي.. عندي عملية منتصف الليل!

-كيف ترى في الظلام الدامس؟!

-أنسيت أن الأرض جزء مني؟!.. ألا يعرف الواحد أجزاء جسمه يا حاجة فاطمة؟!

-بلى!.

ويشرب الشاي، لون الشاي عند الغروب، يبدو كدم صافٍ.

يحمل سلاحه، تحت ثيابه، ينظر إليها، تنظر إليه، تغرب الشمس، تشرق شمس أخرى، يبتسم، تبتسم..

-دعواتك يا حاجة فاطمة!

-اذهب.. الله وقلبي معك يا رائق!

يستدير..

تنظر إلى ظهره، لا يلتفت..

-انتبه لنفسك.. ليس لي سواك!

خطواته تدق في قلبها..

 

حين يختفي، تشعر أن قلبها توقف عن الخفقان..

***

يأتيها رائق ليلاً..

يحمل مشعلاً، ووجهاً مضيئاً..

يلبس البياض، يأتيها على عجل مبتسماً، ويذهب على عجل مبتسماً أيضاً..

تنهض من النوم، تصرخ:

-رائق!.

صمت الليل ينام في جنبيها، تتمدد مرة أخرى، تسمع دقات قلبها، مع صوت خطواته..

-الأرض تناديني يا أمي!.

-أبوك قتلوه هناك.. وهو يمنعهم من الدخول إلى البيت!.

-رأيته!. بيديه القويتين كجسري البيت.. جابه رصاصهم، سقط أمام الباب، حتى جثته الضخمة منعتهم من الدخول!.

-رائق.. أما زلت تتذكر أباك؟!.

-في كل عملية يا أمي.. أستمد منه القوة!

تمددت الحاجة فاطمة، وخطوات رائق ودقات قلبها كأنها شيء واحد..

***

عند قهوة الصباح..

أمام السهل..

ثلاثة رجال نبتوا مع زهور الأقحوان التي تفتحت على الندى، وقفوا أمام الحاجة فاطمة صامتين..

كانوا يشبهون رائق..

نهضت، انسكبت قهوة الصباح..

صرخت:

-استشهد رائق!.

لم يتفوهوا بكلمة واحدة، ذهبوا كما جاؤوا..

بقيت الحاجة فاطمة جالسة هكذا، حتى غابت شمس ذلك اليوم، وحين سقطت الشمس خلف الأفق، انفجرت دموعها كينبوع!.

وبقيت الحاجة فاطمة، هكذا، في قرية كوكبا، صامتة، تنتظر مجيء رائق، من السهل الملآن بالأقحوان..

كانت تجلس صباحاً.. وتنهض مساء..

صارت الحاجة فاطمة عنواناً للانتظار في قرية كوكبا، والقرى المحيطة بها..

***

ذات يوم زارتها نسوة الحي، ليهونوا عليها، نظرت إليهن، وقالت بثقة:

-أتحسبونني مجنونة؟!.. لا.. رائق سيأتي.. من هذا السهل سيأتي.. أنا على ثقة أنه سيأتي!.

عندئذ، بكت النسوة، لكن الحاجة فاطمة لم تبك!.

***

يبدأ ليل الحاجة فاطمة، من غروب الشمس إلى شروقها..

يأتيها رائق، تتحدث إليه، تشرب الشاي معه، وتمسح على شعره..

وتكرر دائماً جملتها المعهودة بينها وبين نفسها:

- سيأتي رائق سيأتي !

وحين تتعب تنام وهي مبتسمة، وكأنها رأت رائق..

***

بيت الحاجة فاطمة بوابة سهل الأقحوان..

ذلك الصباح الصامت، البهي، كأنه صباح استثنائي..

جلست الحاجة فاطمة، مع قهوتها الصباحية، نظرت نحو السهل، تنتظر رائق..

رأت النسوة، يتجهن نحوها، وعلى وجوههن تساؤلات:

-ما الذي حدث؟!.

-لا أدري!.

-سمعنا حركة في عمق الليل.. يقولون إن الجنود هربوا!.

-إذن سيأتي رئق!.

تمتد الأبصار نحو سهل الأقحوان..

تنبت الأجساد الضاحكة، الراقصة، من السهل، تتكاثر.. ينكسر الصمت..

ويصبح ضوء الشمس أبهى وأبهى..

وتسمع الحاجة فاطمة خطوات رائق..

 

 

ما زال بيننا..

 

 

صباح ضبابي..

حين غاب هاني أبو صالح للمرة الأولى عن مدرسة (عقبة جبر) الابتدائية، من الصف الخامس الشعبة (آ)..

وقفت المدرسة كلها دقيقة صمت على روحه الطاهرة الصغيرة، وبدا معلموه وكأنهم فقدوا أولادهم جميعاً..

ثم دخل الجميع الصفوف..

وجدوا صورة هاني أبو صالح على مقعده.. وطاقة من الورد إلى جانب الصورة..

بدأ الدرس الأول هذا الصباح، حزيناً، رمادياً، لم يستطع المعلم أن يتحدث عن شيء آخر سوى هاني أبو صالح، الطالب الشهيد..

قال والدموع تكاد تطفر من عينيه:

-لأول مرة يغيب هاني أبو صالح عن المدرسة..

كان شعلة ذكاء وحيوية..

هتف الصف بأكمله:

-وما زال هاني أبو صالح هنا يا أستاذ1.

كان هاني أبو صالح ينظر إلى المعلم من خلال الصورة.

بادله المعلم النظرة، ثم قال بصوت واضح:

-نعم.. ما زال هاني أبو صالح هنا!.

***

نهض هاني أبو صالح من النوم، لبس ثيابه، نظر إلى صورة أبيه الشهيد، ابتسم له قائلاً:

-صباح الخير يا بابا!.

-صباح النور!.

ردت عليه أمه، وهي تحمل صينية الإفطار..

قال لها هاني وهو يتناول طعام الإفطار:

- أمّي !.

-ماذا يا هاني؟!.

-لا شيء.. يا أمي.. لا شيء!.

-قل يا هاني.. ما بك؟!.

نظر إليها بحب..

-أريد فقط أن أضمّك!.

وضمته أمه إلى صدرها، ودمعت عيناها..

-يا حبيبي!.

وقف هاني عند الباب، ثم التفت إلى أمه قائلاً:

-انتظريني عند الغداء!.

***

في الشارع العريض المؤدي إلى المدرسة، سمع هاني أبو صالح أصوات الحجارة والرصاص، كان الشارع فارغاً، إلا من عجوز يتكئ على عصاه، يريد أن يقطع الشارع..

وضع هاني حقيبته على ظهره، اقترب من

العجوز:

-أتريد أن تقطع الشارع يا عم؟!.

-نعم.. يا ولدي!.

وتذكر موضوع التعبير الذي كتبه عن مساعدة المسنين والمحتاجين..

قال هاني:

-هات يدك يا عم!.

اتكأ العجوز على هاني بيد، وعلى عصاه باليد الأخرى..

قال العجوز:

-أتسمع رصاصهم؟!.

-وأسمع الحجارة أيضاً!.

-أين حجارتك؟!.

-في حقيبتي مع كتبي!.

وصل العجوز وهاني إلى منتصف الشارع، فجأة، استقرت رصاصة طائشة في رأس هاني أبو صالح، وسقط الجسد الصغير، دون حراك، حركت العجوز قوة جبارة، حمل هاني، وركض نحو بداية الشارع، وهو يصيح:

-أنقذوه!.

وحين سلم جثة هاني إلى سيارة إسعاف المقاصد الخيرية، سقط العجوز برصاصة طائشة أخرى، ومددوه إلى جانب هاني في السيارة نفسها..

***

فتح هاني أبو صالح حقيبته المدرسية، أخرج الحجارة، رشق بها الجنود الذين يقطعون الشارع بسياراتهم المجنزرة..

صوَّب أحد الجنود إليه، كبس على الزناد، فاخترقت الرصاصة رأس التلميذ هاني أبو صالح من مدرسة الأمعري الابتدائية قرب القدس..

***

اجتمعت في سيارة إسعاف المقاصد الخيرية، ثلاث جثث، طفلان، ورجل طاعن في السن..

احتار أطباء المشفى، أمامهما جثتان لطفلين، باسم واحد، وإصابة متقاربة..

***

انتظرت أم هاني ابنها على طعام الغداء، أطلَّت من النافذة مرات عديدة، سمعت إطلاق الرصاص، وسقوط الحجارة، رأت حمامة، تقف خلف النافذة، نظرت إليها طويلاً، ثم طارت وطار معها قلب أم هاني.

برد الطعام، أعادته أم هاني إلى مكانه في البراد، ولبست على عجل، وقلبها يشتعل ناراً..

***

هدرت أصوات المجنزرات في قرية حوارة قرب نابلس..

تراكضت الأقدام، وركض هاني أبو صالح الطالب في الصف الخامس، في قرية حوارة الابتدائية، ليخبر أباه وأمه أن المجنزرات تتجه صوب حقل الزيتون..

ركض الجميع تجاه الحقل، كانوا يلهثون، أوقفتهم البنادق، رأى أبو هاني بعينيه أشجار الزيتون التي زرعها أبوه، وهي تموت واحدة بعد واحدة..

صرخ بالجنود، قاومهم، نشبت بينه وبينهم معركة بالأيدي..

تكاثرت البنادق فوق رأسه وجسده، وسقط مكسَّر الأضلاع..

في اليوم التالي..

هدمت المجنزرات بيته، وألقته هو وأولاده وزوجته، على قارعة الطريق تجاه طريق القدس..

***

اجتمعت الأمان في المستشفى..

-مَنْ أم الشهيدين هاني أبو صالح؟!.

صرخت الأمّان بلوعة واحدة:

-أنا!.

ونظرتا إلى بعضهما.. وصمتتا..

اقتربت الأمان من بعضهما.. وكأنهما على معرفة منذ سنوات عديدة على الأقل، وتعانقتا بصمت، وذرفت كلتاهما دموعها على كتف الأخرى بصمت..

وحين استلمتا الجثتين.. أخذت كل منهما ابن الأخرى..

وقبل مظاهرة الدفن، بكت الأم الأولى وليدها الوحيد هاني أبو صالح، بينما بكت الأخرى ولدها الثاني هاني أبو صالح..

وقبل أن يأخذوا الأول من أمام أمه التي شمت رائحته الأخيرة، بينما كانت الثانية تشم ابن الأولى.. ثم همست وهي تقبله:

-إنها رائحته نفسها.. كأنه حي!.

ثم خرجت مدينة القدس كلها، تشيّع طفلين وشيخاً، وبعد مراسم الدفن، تحولت الحجارة إلى نفوس غاضبة، تصرخ في وجه ظلم الفوهات..

***

تسلق الشاب المفتول العضلات، السور الشمالي للمسجد الأقصى، وأنزل العلم الإسرائيلي، صفّق له حاملو الحجارة بحماس.

ابتسم لهم، وكأنه يحيي شعباً بأكمله، ومن بعيد، وجه جندي منظار بندقيته الجديدة إلى رأس الشاب هاني أبو صالح، سقط الشاب المفتول العضلات، بين المصفقين جثة هامدة، ثم أخرج الروح وهو يبتسم لرفرفة العلم الجديد..

وتحولت الأكف الفرحة إلى أيادي غاضبة، وحناجر قوية، هدرت في شوارع القدس، وهي تحمل الشهيد هاني أبو صالح نحو سيارة الإسعاف..

***

بهت المدير وهو يقرأ اسم هاني أبو صالح على الإضبارة التي تقدَّم بها الطالب لدخول المدرسة:

-ما اسمك؟!.

-هاني أبو صالح!.

-من أين جئت؟!.

-من قرية حوّارة!

-لماذا؟!.

-هدموا بيتنا واقتلعوا أشجار زيتوننا!.

-هل لك أقارب هنا في عقبة جبر؟!.

-لا.. يا أستاذ‍!.

-تعال يا بني!..

وأمسك المدير بيد الطالب الجديد، هاني أبو صالح. القادم من قرية حواره، وقاده نحو الصف الخامس(أ)..

*   *   *

جلس الطالب هاني أبو صالح من قرية حوارة إلى جانب صورة الطالب الشهيد هاني أبو صالح من مخيم عقبة جبر، نظر إلى الصورة ودمعت عيناه..

صفق طلاب الصف الخامس (أ) للطالب الجديد.

بدا لهم هاني أبو صالح من مخيم عقبة جبر، وقد عادت إليه الحياة من جديد.

 

*    *    *

اشتاقت الأم الأولى لملامح ابنها..

وتذكرت أن صورة ابنها لابدّ أن تكون في حقيبته المدرسية..

فتحت الحقيبة، وجدت كتاب تاريخ، وحجارة، وأقلاماً من الرصاص مكسورة.

بكت لأنها لم تجد صورة ابنها..

ثم نهضت ولبست ثيابها.. وخرجت..

*    *    *

في الجهة الشمالية من القدس، وفي مخيم الأمعري، نبشت الأم الثانية حقيبة ابنها وهي تبكي…

وجدت أقلام الرصاص وكأنها بريت الآن..

سقطت صورة هاني أبو صالح الذي يسكن عقبة جبر في الجهة الشرقية من القدس، في حضنها، حملتها بحنان بين يديها، وصاحت بقهر:

-يا ولدي!..

ومن بين غبش الدمع، تأملت الصور، مسحت دموعها، حدقت في الصورة، لم يكن ابنها..

قلبت الصورة وقرأت، هاني أبو صالح، مدرسة عقبة جبر الابتدائية، الصف الخامس(أ)..

وبخطىً سريعة اتجهت صوب المدرسة..

***

التقت الأمّان أمام باب المدرسة، تعانقتا، بصمت، كما في المشفى، وذرفتا دموعاً ساخنة، كل على كتف الأخرى بصمت..

فتحت الأم الثانية كفها، عن صورة ابن الأم ، الأولى

حين رأت الأم الأولى الصورة، ابتسمت، وكأن ابنها عاد إلى الحياة من جديد..

تحدثت الأمّان بصوت واحد:

-أنا… دفنت… ابـ..

وصمتتا…

-خرج ابنك من بيتي!.

-وابنك أيضاً خرج من بيتي!..

ولم يعد للكلام مجال، أعادت الأم الأولى صورة ابنها، إلى الأم الثانية قائلة:

-أنت أمه الآن..

وفتحت الأم الأولى يدها، كانت تحمل حجراً كتب عليه هاني أبو صالح من مخيم الأمعري.. اسم (فلسطين)..

-سأحتفظ بهذا تذكاراً من ابني!..

*    *    *

زارت الأم الأولى الأم الثانية في بيتها في مخيم الأمعري، وبادلتها الثانية الزيارة في مخيم عقبة جبر..

أصبحتا صديقتين حميمتين..

وذات يوم قالت الأولى للثانية:

-لماذا ذهبت إلى المدرسة ؟!…

-افتقدت صورة ابني.. فذهبت لأخذها!..

*   *   *

نظر المعلم إلى هاني أبو صالح، القادم من قرية حوارة، وإلى صورة هاني أبو صالح، الذي استشهد قبل أيام..

كان هناك شبه كبير بينهما..

فهم الطلاب طبيعة نظرة معلمهم، قالوا بصوت واحد:

-ألم نقل لك يا أستاذ؟؟.. لم يمت هاني أبو صالح.. ما زال هنا يا أستاذ!!.

قال المعلم والدموع في عينيه:

-نعم.. مازال هاني أبو صالح هنا‍!..

*    *     *

بعد منتصف الليل، في قرية عصيرة قرب حيفا، شق صراخ وليد جديد صمت الليل..

دخل الأب غرفة الأم، ابتسمت له قائلة:

-مبروك.. إنه ولد!. ماذا ستسميه؟!.

-سأسميه هاني.. وسيصبح اسمه.. هاني أبو صالح.. سيحمل اسم جدي أبو صالح..

وبدأ صراخ الوليد الجديد يخفت ويخفت..

وحين انشق الفجر أخذ صراخ الحجارة يعلو ويعلو..

وكان من بين مَنْ يحملون الحجارة، في وجه الفوهات، الطالب هاني أبو صالح، من قرية حوارة، قرب نابلس، في الصف الخامس (أ)، في مدرسة عقبة جبر الابتدائية.

 

 

 

أسطورة الملك شارون.. والحجارة

 

 

في زمن الغفلة الدنيوية، استولى الملك شارون على السلطة، ونصّب نفسه ملكاً..

كان الملك شارون ظالماً، ضحاياه، لا تعد ولا تحصى، وكان يدعي أنه يملك نظرية الأرض، التي تقول كلما هرب الناس أو ماتوا أصبحت الأرض بلا أصحاب..

ولم يجد أصحاب الأرض بداً من المقاومة..

كان عندهم أسلحة بسيطة، طاردوا بها جنود الملك شارون الظالم، مما دعاه إلى إصدار أمر بمصادرتها.. وهذا ما حدا الناس إلى البحث عن سلاح عتيق، حتى لو كان انكشارياً، وكانوا يدفعون ثمناً للقطعة الواحدة، مبلغاً محترماً، إلى أن بلغ ثمن إحدى القطع ثمن مهر عروس من حمولة كبيرة.

بيد أن رجال الملك شارون كانوا بالمرصاد لذلك الذي يملك قطعة سلاح واحدة، عملت فيها يد التصليح مائة ألف مرة.

علقوا المشانق في الساحات، وقطعوا أطراف الجثث، وسحبوا الناس في الشوارع خلف العربات، وصنعوا من عيون الجثث كرات صغيرة، نظموها في أسلاك، وعلقوها أمام أبواب البيوت..

وتجوّل جنود الملك شارون في شوارع القرى والمدن، بأسلحتهم الثقيلة والخفيفة، عندئذ، تجوّل الحزن في كلمات الناس، وتعابير وجوههم، وبات في عيونهم هم دائم..

ومع الأيام، أخذ الناس يفكرون في شكل آخر من مقاومة جنود الملك شارون، فكروا في استخدام سكاكين المطابخ، لكن السكاكين قليلة، لأنها صودرت، بينما أسلحة جنود الملك النارية أسرع في الإصابة والمدى.

وفجأة، جاءت الفكرة مثل إشراقة شمس؛ حين لاحق صبي جريء بحجارته كلباً مسعوراً، فأصابه في رأسه، فهرب الكلب إلى الحقول البعيدة، ولم يعد..

انتشر خبر السلاح الجديد في هواء القرى والمدن، تناقلته الألسن والعيون مثل تباشير فرح، طار الحمام الأبيض نحو السماء الزرقاء، وضحكت الشفاه عن قلوب عازمة على مقاومة ظلم الملك شارون..

حين سطعت الشمس. من بين غيمة تشبه وجه طفل، طاردت الحجارة، جنود الملك شارون، ولم تستطع أسلحة جنود الملك شارون المتطورة إيقاف ثورة الحجارة.. فُرض حظر التجول..

سقطت الحجارة، من أسطح المنازل. ومن مآذن المساجد، ومن قباب الكنائس..