الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 23/04/2008

القصص

 

 كان ثقيلا

الحلم 

حصر 

 خيط أبيض دقيق

قبلة 

 دعوة

تركيب 

 حكاية عن الحب

 

بطاقة تعريف الكاتبة: رباب هلال

 

قاصة وصحفية

من مواليد 1963

بدأت بالنشر منذ العام 1990 في الدوريات المحلية

صدرت أول مجموعة قصصية لها في العام 1992 :

 دوائر الماء والأسماء-نشر خاص-دمشق

وفي العام 1995 أصدرت مجموعة قصصية أخرى:

 ترانيم بلا إيقاع – اتحاد الكتاب العرب- دمشق

المجموعة القصصية الثالثة:

أجراس الوقت- صدرت في العام 2000 عن وزارة الثقافة- دمشق

وستصدر مجموعتها الرابعة:

 تلك المرأة... تلك النار. قريبا عن وزارة الثقافة

تكتب في الصحافة الثقافية العربية والمحلية

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمالها

خيط أبيض دقيق

 

 

أرفعُ سماعة الهاتف. أضغطُ بأصابعي أزرارَ قلبك البعيد. يلفُّ الرنين التوجّس ويخفي أنفاسي.‏

ـ آلو!‏

هو صوتك أخيراً، فينفلش صوتي بالشّوق، ويزهر صوت الحكايا: "اظهر وبان عليك الأمان"

تُرفع السماعة حيث أنتَ. يرتفع صوتها حرّاً طليقاً:‏

ـ آلو... آلو!.... آلو؟‏

رصاصات ثلاث تدكّ القلب، وأغور في اللاّ أمان. يلوك خطوي التائه طول الرصيف. يصفعني الضّجيج، أبواق السيارات، الدخان، الغبار. تمضغني الأسماء مرة تلو أخرى: باسمة، ميسون، ليلى، منى. أو لربما دعيت باسم أحدهم، فأصير ذكراً! وتنذبح أنوثتي بيدي! يدي ذاتها التي رسمت ذات تكوين مختلفٍ، خيطاً دقيقاً أبيض!.‏

تشقّ أمي ذاكرتَها الرطبة، يرشني الرذاذُ، يلفّني الغمامُ، يعيد تشكيلي دائماً؛ أنثى تعشق الليل والمطر. وأنهمر في تفاصيل السّرد، تهيم أذناي وكأنما أسمعها تحكي:‏

ـ "كانت العتمة. وكان المطر. العالم سماء وماء ينصت لوقع خطوك القادم، هائماً فوق الماء.‏

وقف أبوك في الباب لاختراق المطر والديجور. كان لوقع خطوك إيقاع يمزقني. يتشلع صوتي على ظهر أبيك يدفعه للأمام، والبرق والرعد يفجران عتبة البيت، وينأى الأمام والمسافة بينه وبين الدّاية.‏

كان ظهورك يخلخل عظامي، يتكسّر ظهري ويتشظّى، تتمزق أحشائي، والمطر كان يزمجر عاصفاً بالألم داخلي، ويؤرجحني ما بين نفَسٍ يدنو وآخر ينأى.‏

ويشقُّ أبوك المطرَ والليلَ، وتشقّينني. كنت وحدي، وجئت دون جوقة. ما فعلته الدّاية أنها قطعتك عنّي وربطت سرّتك، واستسلمت لأرجوحة الحياة والموت".‏

بين هذيان أذنيّ وذاكرة أمي الرطبة، أمدّ يدي لسرّتي، ولا أزال أخفي سرّي، أكتمه حتى عنها! كيف لي أن أقول لها: قُطعتُ عنك، لكن سرّتي لم تُربط! فالدّاية كانت مبلّلة بالمطر والنّعاس، وبولادات كثيرة حقنت أصابعها بالروتين... الروتين! أجفل لصوت شاحنة ضخمة تعبرني، يمخر فيّ عباب دخانها. كانت شاحنة قمامة. في عزّ الظهيرة، ترسل البلديات شاحناتها للملمة القمامة ولملمة نقاء جلودنا! أفٍّ... من البلديات والروتين!‏

* * *‏

وأنتظرك دائماً. وكي لا يصير انتظاري روتيناً، أعبث به ثم ألوّنه، فانحدر في الشوارع، بين البيوتات. أبدو نافرة على صدر المدينة.‏

أتسلّى برؤية المحلاّت التجارية والمكاتب العقارية المتكاثرة مثل سفاد القطط! و أتسلّى بعدِّ السيارات، وبين كل عابرة وأخرى، أقول: سيأتي... لن يأتي... سيأتي.. لن يأتي... وأخلّي الرّجاء معلقاً على آخر سيارة تعبر قبل سطوع الشارة الحمراء، وأجهد في أن أنهي بـ: سيأتي!‏

فأمرّ على البقاليات وأشتري مستلزمات الطعام. كنا نحب التفاح. كما أحب أن ألمع التفاحات، أدخل إصبعي عند العنق لألمس أنها مربوطة وأشعر بالأمان. وإلاَّ فكيف تعرف الدودة مكمنها الدائم وتوغل في أشهى التفاحات حجماً ولوناً ورائحة!‏

وبدوْرك أيضاً، كنت تدخل إصبعك في سرتك. عميقاً كانت تبحث عن حدٍّ أو انتهاء، عبثاً! تبتسم لغرابتها، دون أن تعلّق أو تسأل. وبدوْري أكتم السِّر بالمزاح، ثم نضحك أكثر، نتعبّأ بالصّخب والحب، ونكتظُّ بالأحلام، فتتابع أنوثتي رسم الخيط الدقيق الأبيض.‏

* * *‏

مرة أخرى تمطر ذاكرة أمي. فينداح الحب منها عابقاً بتلك الليلة:‏

ـ "قال أبوك: نسمّيها عشتار. فضحكتُ. ما هذا الاسم؟! وسرعان ما تخيّلتُ الأولاد ساخرين وهازئين وهم يعيّرونك: عشٌّ وتار... عشٌّ وتار..."‏

ولا تزال أمي تضحك. أبحث في خطوط عينيها عن طرفِ خيط أفلت منذ ضياع بعيد.. كان هناك مجرد شرخٍ!‏

وكان باستطاعتي التخمين، أنه لو لا وهنُها تلك الليلة لسخر أبي منها كعادته، وقد ظلّ بخيلاً عليها بالشرح كعادته أيضاً! أبي الذي لا يزال يزداد عشقاً لعشتار، كلما ازداد ندماً على زواجه من أمي!‏

وكأنما أراه، وقد راح من جديد، يقلِّب الأسماء والذاكرة والتاريخ، يرنو إليَّ كتلة لحمية.‏

(بنت، كما أكدت الدّاية، وبعد أسبوع ربما كما حدثني مرة، أعلن اسمي الذي لم اسمعه آنذاك، فقد كنت لا أزال مغلّفة بروتين الدّاية!‏

* * *‏

ما بين الحب والسخرية خيط دقيق كنت تمرره بشعري وتعبث به، همست لي:‏

ـ كان على أبيك أن يسمّيك ماجدولين الهائمة بين ظلال الزيزفون، أو جولييت مثلاً، لا.. لا.. إيمّا بوفاري، آنّا كارنينا، إلى أخر الأسماء التي تغلف رومانسيتك التافهة. وتؤكد ضاحكاً: والآفلة!‏

كدت أسألك: أحقاً هي آفلة؟ لكنني خبّأت السؤال. كم أحتاج واقعيتك!‏

وأحبك وتحبني... ندحرج ثرثرتنا في شوارع المدينة، وفي مساءاتها التي تخنقها أعمدة الكهرباء. أتشهى قمراً أشفق عليه معلقاً في السماء، مكتوماً نوره، خلف فضية أشبه بإطار معدني صغير!‏

لو تنقطع الكهرباء، الأسلاك، الهواتف، لو تنقطع أحلامُ أصابعي بفتح أزرار أمان صدرك، لو أرفع طاقية التخفي، (فأظهر وأبان)، ويزهر اسمي على شفتيك، أو ينعقد زرّ وردة في قلبك، وينعقد شوقي لمرة واحدة بالأمان!‏

لماذا تبدو كل الأشياء مفككة، غير مربوطة مثل سرّتي؟!‏

تتفكك ذاكرتي وأسئلتي، بينما تعبث أصابعي بسرّتي التي نسيها نعاس الدّاية وروتين أصابعها! لماذا لم تنس الدّاية أن تسكب الطِّشت المليء بمزيج جسدينا الأخير، أمي وأنا، ويروح مع المطر!‏

كدت أشرح لأمي سبب عشقي الحقيقي للمطر. لكني خشيت أن يكون لذلك طعم مرٌّ أضيفه إلى مراراتها التي كانت تصبها دعاء وصلوات فوق رأسي، تسكبها مع الماء الممزوج بتعاويذ المغربي، الذي كان يمر بضيعتنا بين هلّة وأخرى، كاشفاً الأسرار، ضارباً بالأقدار السّود، بأوراقه المثلثية المربوطة على السر العظيم، وعلى زوج تتمناه أمي ليكون لي طفلٌ! أشفق عليها، وأحني رأسي للماء والدعاء والخوف، ويروح رفضي مع الماء ولا يروح، وأنا أسمع‏

صراخ جنيني وهو يتقلّب بين أصابع روتين الدّاية وروتين البلديات!‏

* * *‏

كانت عمتي، تترك بيتها الخاوي وزوجها العقيم، وتأتينا كي تلملم طفولتنا بين أصابعها وتخبئها بين القلب والخاصرة، فبطنها كان لابد مشغولاً بحلم أصابع صغيرة ستخرمش لها وجههاً وثدييها وتنكش لها شعرها، ذات أذن ورحمة من الله، كما كانت تردّد دائماً.‏

وحين كانت تحمّمني، كانت تزيد من رغوة الصابون بين فخذيّ، ومعها كانت تزداد رغوة دهشتي الطفولية‏

وتظل تضحك لوحدها، وهي تصبّ الماء، ثم تلفّني بالمنشفة والقبل و(النّعيمان). ولم أكن أفهم أو أنظر بين ساقيّ لأرى! لكن رأسي الصغير كان يحلو لـه أن يرسم عشاً مليئاً بالعصافير.‏

ومنذ ذلك الحين، وأنا أعشق العصافير، وهي تغرّد في الأعالي، وتملأ بأعشاشها الأشجار وزوايا السطوح.‏

كنت أحنو على أعشاشها التي لها وجه عمتي، وأتحمّل الصّفعات والتّهديدات إزاء تطييرها من أقفاصها. وأظل أفتح لها الأبواب خفية.‏

* * *‏

ـ آلو.. آلو! صمت.‏

ويعربد اختفائي في فضاء الروتين. (أخربطه) ثم أعيد ترتيبه. لذلك اشتريت ألبوماً. ورحت أصنّف الصور:‏

صورة التخفي الأولى: أنا أطيِّر العصافير من أقفاصها.‏

الثانية: أراني أخبئ الكتب غير المدرسية تحت الوسادة، ومن ثمّ الكتب المخرّبة والحرام، كما ذكر والدي وجدي الشيخ! صورة أخرى أضعها مقابلها، وأنا أخبئ أول رسالة حب أرسلها لي زميلي في المدرسة، ورغم ذلك نكشتها أمي، طار صوابها، وطارت أصابعها تجرني من روحي.‏

أقلب صفحة أخرى وأضع صورة لي وأنا أخبئ أناشيد لفظها شعراء مع آخر أنفاسهم وراء أبواب موصدة! في المقابل، أضع صورتي وأنا أخفي بعض المنشورات التي أشاروا إليها إنها محظورة. وأتعجب الآن لماذا! فهي لم تكن أكثر من وطن للحلم! تحتها، أضع الصورة التي أوجعت والديّ حدّ البكاء، ودفعتني للتخفّي زمناً بعد افتضاح أمري!‏

تفاجئني صورة أخرى، لا أذكر متى وأين وكيف صورتها، بعضها كان لأقفاص مغلقة، وتغريد ذبيح وأعشاش موغلة في الخواء.‏

الصورة تزداد، أؤجل الأمر لحين آخر، وأخبّئ الألبوم بين جنبات الروح وفي دهليز سرّتي المفتوحة.‏

* * *‏

ومرة أخرى، أضغط بكل ثقل الشوق، تترقّم الروح بأزرار صدرك. أردت أن أسكب لك صوت فيروز، لتسكب سخريتك التي أحتاج. لكنّ الصوت ظلّ حبيس فضاء البيت، أدعه يلوّن الخواء: "طلّ وسألني إذ نيسان دق الباب، خبّيت وشّي وطار البيت فيّ وغاب".‏

أضع السمّاعة، أخبئ وجهي، رأسي، جسدي، ويوغل البيت في عناده ولا يطير. وحدي أتخفّى! لو يحدث أيّ شيء! لو تختفي الهواتف، لو يختفي سمعي، وأنت ترطن بالأسماء كلّها عدا اسمي، أغبطها وهي تصخب على شفتيك تحلّق حولك، وحولها، وحول أطفالك، ملفّعة بالأمان وهي (تظهر وتبان). وأجدني مكتومة! أجل مكتومة!‏

تمدُّ أصابعي وجعها، تقطع أسلاك الهاتف. أحمل حقيبتي، وأهرع إلى الشوارع. أمرّ على كلّ الذين أعرفهم سليم بائع الفطائر، جميل المكوجي، وعلى عصرونية باسمة، وصيدلية انطونيت، سلمى صاحبة المكتبة، جميعهم يعرفونني ويردّون على تحيتي بأخرى مكلّلة باسمي. وقبل أن يستقبلني الشارع الثاني، أفتح حقيبتي، أمسك بطاقة هويتي، أقرأ اسمي، اسميْ والدي، مكان وتاريخ ولادتي، علاماتي الفارقة، وبصمتي.‏

تنفلش ابتسامتي بالأمان، فرح عينيّ يعوم تجاه الأمهات غزيرات الأطفال، وعلى زغب رؤوس الأطفال مثل عصافير، أبتسم. تطول ابتسامتي، تجتاز طول الأرصفة، تخترق الصخب والغبار. ولا تزال تطول وترق كرقة الخيط الأبيض الدّقيق المتصاعد من سرّتي المفتوحة إلى الأمداء اللاّ متناهية....‏

   

حصر!

 

فوضى الغرفة تثيره. أفلت القلم، سكنت القصيدة. وضع نقطتين وفتح قوسين ثم شحطة صغيرة، شعر أن القول لا يريد أن يأتي، رغم أنه ترك الباب مشرعاً والنافذة الوحيدة التي كره النظر إلى قضبانها الحديدية الصدئة، حيث يطل القمر مقسّماً ثم يغيب تارة وراء غيوم المساء الربيعية.‏

نهض. رائحة الأزهار المروية تواً في حوض الجيران في الطابق الأرضي، تهل عليه. ميز من بينها رائحة الكاردينيا. غصّ قلبه من جديد، وأبى القول أن يأتي.‏

هي تعشق الكاردينيا، والساعة تشير إلى الثامنة. موعد نشرة الأخبار. يفكر أنه لن يتابِعها، فأقوالها تثير أعصابه، وتفتت الكلام، وتبدّد القول الذي عساه يأتي!‏

هرش رأسه، راح يرتب الكتب المنثورة على الطاولة، رفع ثيابه عن الصوفا، علقها في الخزانة الجدارية.‏

أدار مروحة السقف لتطيير سحائب دخان سجائره. مسح غبار الطاولة، حمل فنجان القهوة الفارغ، وصحن السجائر الطافح بالأعقاب، نظف المكان والأشياء. نظر إلى المكان المرتب، ودّ لو أنه يمتلئ بالفوضى ثانية.‏

نظر إلى الهاتف. لن يتردّد، سيتصل بها، ولينفلق فضاء النّفاق.‏

فكّرَ.‏

وقبل أن يمدّ يده إلى السماعة. رمق القصيدة وفمها المفتوح، وبدا سنّان صغيران، واحد من فوق وآخر من تحت، واللسان (شحطة) صغيرة، أخرس، ولعله يحدق في وجهه متحدياً، فيتحداه هو الآخر بنظرات حالم عليه أن يصير شاعراً في يوم ما.‏

فكر بصوتٍ عالٍ: "-عليّ أن أسمع صوتها لتكتمل القصيدة".‏

حك رأسه، وفكر أنه يحتاج ماء، وصابوناً.‏

دقائق مضت، خرج من الحمام، جفف جسده الساخن، رمق وجهه بالمرآة المغبشّة، راح يعرِّج عليها بأصابعه. لكن القول لمّا يأتي بعد!‏

شيء وحيد لف دماغه مردّداً: "-أجل، هيا اتصل بها".‏

هيأ الطاولة. وضع لنفسه كأس عرق، ولها كأس عصير، هي تفضّل البرتقال. ليكن برتقالاً إذن. وسيكون بوسعه رؤية السائل البرتقالي ينزلق من فمها إلى حنجرتها فصدرها، ياه! أية شفافية رسمت تلك الأنثى وخلقتها!‏

وسيعتذر لها لأن المكان يغصّ بدخان سجائره. ولربما أيضاً سيُخلّي التدخين في حضورها، وسيكون بمقدوره رؤية ابتسامتها وأسنانها الناصعة تماماً كما رآها حين أخبرها أنه يدخن خفية عن والده!‏

يتجه إلى الخزانة، يأخذ شرشفاً زهرياً، بلون وجنتيها وقلبها، يغطي به الصوفا التي غبرتها السنين. أجل يجب أن تغوص في الورد. فكّر.‏

تنهد بعمق، يصطخب دمه بحدة، يرتعش جسده، ونسائم المساء تصير أكثر برودة. يرمق الساعة. إنها التاسعة.. لا بأس. يمدّ يده إلى السماعة.‏

يصلي من أعماقه أن تردّ هي على الهاتف، ليتكثف البوح، والقول، وسيكون بمقدوره أيضاً جذبها، لتكون أمامه هنا غاطسة في الشرشف الزهري..‏

يشعر بضغط على أنفاسه، وضغط في أسفل بطنه. عليه إفراغ مثانته أولاً. يروح قليلاً ثم يعود. يتدفق قلبه أمامه. يمسك بالسماعة. يضغط أزراراً تناديها. لن يفكر بالذي سيقوله لها. لن يعانده القول، كما يعانده على الورق. يباغته الصوت في الطرف الآخر، صوت أمها. خيبة أولى، فكر أيضاً، أن الأمر يبدو أقل ارتباكاً فيما لو كان الصوت لأبيها. يحاول استجداء مرحه المعتاد معهم، محاولاً إخفاء ارتباكه:‏

-"... وأنا والله يا خالة مشتاق إليكم. لابد أنك سعيدة وسط أبنائك جميعهم. نعم.. بخير... شكراً –ينقطع صوتها عنه، لن يجرؤ على السؤال عنها –ثم ينتبه إلى أن الصوت تغير... إنه سعيد أخوها- يتواصل معه. وأنا والله يا رجل... تمام.. لا لوحدي، نعم يا عم هنيئاً لك وأنت تنعم بالدفء بين أفراد عائلتك.. مع من تسهر.... كأني أسمع صوتاً موجهاً لي، من ذا الذي يستفزني، ... وغير سمر... فؤاد... أمل... كمال... –يخفق قلبه بشدة، يفكر لماذا لم يذكر أخوها اسمها. لعلها غير موجودة! –يتابع أنه يريد التحدث إلى فؤاد..‏

يأتيه صوت فؤاد.. يبدأ معه بالتحيات وأسئلة عادية ثم يسأله.. مع من تسهر، ويأتيه صوت فؤاد: سمر، أمل، كمال، وسعيد، -يا الله ما الذي يحدث، أين هي، لِمَ لم يذكر فؤاد اسمها.. يقرر أن يطلب أمل للتحدث معها، فأمل شقيقتها التوأم ولابد أن تذكرها.. أجل لابد، وبسرعة البرق خطر له حالة هذين التوأمين غير الحقيقيين، ليترسخ يقينه أن ما من نسخة تماثلها، وما من أنثى غيرها بإمكانها أن تكون ثانية. وتدفق صوت أمل في.. أذنيه، تحدث قليلاً في أمور لا تهمه في هذه اللحظة.. خطر له أن يسألها عنها، لم يتجرأ.. ذكر أنها ضبطتهما ذات نهار عاصف كان يرقبان الشتاء عبر النافذة الموصدة.. ويختلسان النظر إلى بعضهما، هي لم تربكه، ما أربكه هو حضور أمها المباغت والعصبي، إذن، لن يكون بمقدوره السؤال عنها صراحة.. تابع حديثه مع أمل.. ليجد نفسه يعيد السؤال ذاته: -إي، مع من تسهرين؟.. سمر.. كمال... سعيد... الأم.... –يا رب القدرة، أين هي؟ -تباغته أمل قائلة: احْذَر منْ دخل الآن وسيتحدث إليك؟‏

يشعر دمه يفور، يغلي، لا يريد أن يحزر.. أتكون هي. ياه، لابد أنها هي. وكان آخر ما ردده صقيعُ دمه: "-أجل يا عم أبا سعيد،... شكراً... شكراً... مع السلامة". وضع السماعة، والغصة تكاد تخنقه. والسؤال يوجعه، أين هي؟ أين اسمها؟... بوده لو يبكي. أشعل سيجارة، وبعصبية راح ينفث دخانها، يرمق أوراقه المستكينة بحياد فظيع. تفغر القصيدة فمها، تصير السنتان الصغيرتان نابين طويلتين، يمتد اللسان (الشحطة) نحوه بلؤم وشماتة!‏

أية غصة سينام متلفعاً بها هذا المساء. أي جبان هو؟ يفكر لو أنه طلبها؟!‏

ياه، أية مسافة تفصلهما، وأي دين تشظى جدراناً هائلة بينهما!!‏

لا، لا، من الأفضل أنه لم يتحدث إليها، إذ كيف كان للبوح أن يشتعل وسط ذاك الجمع المصغي حولها.. أجل، هكذا أحسن، وإلاّ بدا الأمر أكثر تعقيداً... أجل، عليه أن يرتاح قليلاً، أجل، ما حدث حسنٌ، وإلاّ كان سيربكها... ثم... لا... لا... هو بحاجة ماسة لسماع صوتها، كان بالإمكان أن يحدثها في أي شيء بعيداً عن البوح، كان سماع صوتها فقط كفيلاً بلملمة الشتات المتزاحم، كان بحاجة أن يهمس لها بأنه...... رمق كأس العصير، البرتقال لا يزال كما هو، زجاج الكأس لا يحمل أية بصمة من أصابعها، الشرشف الزهري لم (يتجعلك)، النقطتان والقوسان لا يزالان مفتوحين، و(الشحطة) التي كان يجب أن تصير درجة صغير لقدميها كي تنزل عليها ثم تتمدّد على بياض الورق، وإن أرادت نامت، أو لعبت، أو..... ولكان القول قد أتى، ويكون رداءً تلبسه هي، أو تلبسها القصيدة!"‏

يعود الضغط يتمدد على كامل الروح والجسد. شَعَر أن مثانته تكاد تنفجر، نهض، راح قليلاً.. ثم عاد. كل شيء أفرغ منه، كما الورق، وكما كأس العرق.‏

ها هوذا.. يتلاشى، يتطاير هناك في الداخل، عميقاً، ويتشظى، يتشلّع مع المساء الموغل في تدفقه ونسائمه وبياض الورق أمامه.‏

ويظل القوسان مفتوحين على.... ويطل نابان حادّان ولسان ممطوطٌ أخرس مصوّبٌ نحوه يومئ له بالعَجْز، بالحصْر، وبالخواء!‏

  

 

 

الحلم

 

وكأنني أرى نفسي في حانوت قديم، غرفة طينية، باب عريض من خشب وتوتياء، سرعان ما قلت بأنه هو حانوت الضيعة القديم والذي أغلق منذ زمن.‏

وأرى طاولة خشبية بائسة يجلس خلفها البائع الغريب عني، يحار رأسه ما بين الصلع والشيب. رائحة تملأ المكان، هي خليط من رائحة العتق ورائحة صابون وقهوة وشاي.‏

أراني أجلس على كرسي بجانب الطاولة، وكأنما أتيت لشراء علب حليب لأطفال ثلاثة، لا تتعدى أعمارهم الأشهر، لكني لا أتذكر من هم، أو لعلي لا أعرفهم.‏

أمسك بعلب الحليب علبة علبة، أحار في البحث عن المطلوب، فأحياناً تكون العلبة بلا اسم، أو بلا نشرة معلومات، وأخرى بلا تاريخ إصدار أو انتهاء وثالثة دون أي شيء من هذا أو ذاك. أشعر بالضيق، وبرائحة تشبه الضياع.‏

ثم، وفجأة، أجدني واقفة أمام رف من علب حليب أخرى، وأضيع مرة أخرى، أنتبه إلى أن رجلاً قد جلس على الكرسي ذاته الذي كنت أجلس عليه، كان شاباً ومبتسماً، أبدى أنه يريد المساعدة، (نسيت أن أذكر أن صاحب الحانوت يظل صامتاً دائماً) ابتسمت له ممتنة وناولته علبة حليب لعله يستطيع قراءة ما عليها، اعتقدت أنه لامس أصابعي خطأً، جل ما كان يشغلني إيجاد الحليب للأطفال الثلاثة.‏

راح الشاب ينقل بصره بين العلبة وجسدي، بدت نظراته خبيثة وذات رائحة بشعة، حاولت كتم أنفاسي كي لا أشمّها.‏

نظرت إلى البائع الصامت دائماً، كان هو الآخر يقرأ جسدي. أحسست بحرج الموقف، وسرعان ما تذكرت ما قيل لي ذات يوم، لعلها أمي، أوجدي بأنني أتعامل مع الآخر بعفوية بالغة الخطورة وعليّ الحذر.‏

قررت أن أنسحب وأنسى علب الحليب، جاءني صوت الشاب المبتسم دائماً "جميل ثوبك، ووجهك، لن تجدي الحليب".‏

جمدت ملامح وجهي، وحاولت الانسحاب، بغتة، أحير بين عدة شبان آخرين يحيطون بي، تمتد أذرعهم إلى شعري وصدري وحقيبة يدي كانت سحناتهم غريبة كما لغتهم التي لم أفهم منها حرفاً واحداً!‏

كان بينهم أيضاً، صاحب الحانوت الصامت دائماً، والشاب المبتسم دائماً. وأراني أنتزع نفسي منهم، أي خوف لم يعترني، أي رعب أو كارثة لم تلح في الأفق. وكل ما رددته ذاتي: "شيء مؤسف، مؤسف حقاً". واندلقت ذاكرتي بصبيان بلدتي وشبابها، كانوا شديدي الطيبة والأمانة، تذكرت ملامح عمري معهم، من اللعب في الساحات والأزقة إلى ساحة المدرسة إلى الصفوف المشتركة.‏

فجأة أحسني أحبهم جميعهم وأمتن لهم كثيراً. جعلني شريط الذاكرة أردّد من جديد وبصمت أيضاً: "مؤسف حقاً، مؤسف" وشعرت أن معالم عفويتي القروية تروح.‏

وفكرت بالعودة إلى البيت، وقد نسيت البحث عن علب الحليب للأطفال الذين لا أتذكر من هم.‏

كأنما الحانوت هو في واد بعيد عن بيتنا، وفي مكان أوطأ بكثير من ضيعتنا الجبلية.‏

وأراني أنسى الحدث تماماً، وأبدأ بالصعود إلى البيت من الجهة الشرقية حيث المقبرة أحسست بحنين إليها، لسنديانها العالي ورياحينها. كان الأمان يلبسني.‏

اجتزتها ووقفت في طرفها العلوي، كانت الأشجار كأنما مغسولة" بمطر كان قد سبقني بالمرور من هنا.‏

كان الاخضرار رائعاً ومتفاوتاً ولامعاً يتناسب مع لون الكون من حولي. كل شيء بدا شديد الصفاء. وكانت القبور المبعثرة هناك وهنا ساكنة باطمئنان هائل ومشبعة بطين ومطر. كما لفت انتباهي أن السماء كانت شديدة الزرقة والدفء، ثم أرى أصص نباتات زينة يانعة، كأنما هي للبيع، أبحث عن البائع، لا أحد في المكان، بينما النباتات تزداد نمواً واخضراراً. أتابع سيري. أنتبه لعائلة صغيرة: أمٍ وأب وأطفال يفترشون يباس الأوراق الصفراء. ثم أراهم يلعبون. تلوح لي كرة من قماش ملتف فوق بعضه.‏

في البداية بدوا غرباء عني. ثم سرعان ما تذكرت أنهم العائلة التي تقطن غرفتين من إسمنت كان أهل القرية قد تبرعوا لها بالنفقات حين انهدت غرفتهم الطينية أثناء نومهم ذات ليل عاصف وشتاء أسود.‏

ابتسمت لأنهم سعداء. مشهد آخر لفت انتباهي: عدة تلاميذ بلباس المدرسة الموَحّد، يمشون رتلين، وكل يحمل علبة معدنية كأنما هي علب حليب فارغة، مزروع فيها حبق، كانوا صامتين، كأنما آتين لجنازة ما، لكني لم أر أي جنازة أوميت أو أسمع أي خبر مماثل.‏

تابعت طريقي، وقبل أن أدلف إلى حاكورة بيتنا المسوّرة بجدار من حجارة مرصوفة بعلو متر تقريباً، استوقفني منظر القبور الإسمنتية، وفكرت أن ما يحدث خطرٌ، فإن أضحت القبور كلها إسمنتية فمن أين للتراب اتساع لأجساد الضيعة القادمة منها أو من البعيد؟!‏

بعد ذلك، أراني أدخل الحاكورة ( هنا أيضاً نسيت كل ما كان ورائي)كانت طريق موحلة بعض الشيء فهي قديمة مرصوصة بقساوة بفعل مرور الأقدام المزمن عليها!‏

ولأول مرة منذ بدء الحلم أنتبه إلى ملابسي كنت ألبس فستاناً بلون واحد يميل إلى الزرقة تارة ثم إلى الاخضرار تارة أخرى.‏

كان حذائي الأسود شديد اللمعان، خشيت أن يلطخه الطين، مشيت بحذر شديد خوف الانزلاق أيضاً، لكني كنت أمشي بأمان، وكل حين أنظر إلى حذائي، ظل لمعانه شديداً، وينعكس عليه شعاع الشمس التي لم تظهر في اتساع زرقة السماء.‏

قادتني الطريق القصيرة في نهايتها إلى شجرة تين، توقفت ورحت أبحث عن الثمار، كانت الشجرة مورفة الاخضرار وكثيفة، لكنها بلا ثمار. فجأة أتذكر أني حلمت ذات يوم أني آكل تيناً، فاستيقظت في اليوم التالي ولم أغادر الفراش خلال يومين. تركت الشجرة وأنا أحمد الله لأني لم أجد ثماراً. بعدها أرى شجرة الزيتون التي، في الواقع، تقبع أسفل الحاكورة، غير أنها الآن في الحلم قد بدّلت مكان إقامتها إلى مكان أعلى، كانت بلا ثمار أيضاً. وفكرت أنه حين تثمر سأجني زيتونها بيدي.‏

وبغتة، أجدني وسط البيت، كان البيت العتيق، الغرف مجاورة بمداخل منفصلة سوى غرفتين مفتوحتين على بعضهما بباب لم أر درفتيه.‏

يهلّ إلي طفل صغير، أعرف أنه أخي، الذي في الواقع، هو الأخ الكبير. أحمله بين ذراعي، فيستكين باطمئنان.‏

على الجدار كان ثوب عرس أبيض طويل معلق على مشجب بائس، قطعة خشبية ومسامير صدئة، لم يشغلني الثوب وكأنما هو مكانه الطبيعي، كأنما أنا في الحلم غير متزوجة أو بدقة لست أدري. فلم يخطر لي زوجي طوال الحلم ولم أر أي أثر له، ولست أدري إن كان علي أن أذكر أنه، في الواقع، ما يربطنا هو صك الزواج فقط، لا أطفال ولا اتفاق. لكن العيب والأعراف تمنعنا من الانفصال، رغم أن كلينا خريج الجامعة. ولن أقول هنا ما تردده النسوة المشابهات لحالي الجملة التي تضحكني: "أنني عجزت عن إصلاحه!"‏

المهم الآن، الحلم: ولا أزال أقف وسط الغرفة فجأة يعلو صوت أبي، يصرخ لأمي التي لا تريد الذهاب معه لواجب اجتماعي، أعلم أن أمي موجودة في البيت لكنها تغيب طوال الحلم.‏

أرى أخي البكر واقفاً أمام أبي، بينما لا أزال أحمل بين ذراعي أخي ذاته أسأله عن السبب، فيرد متعجباً ولائماً، وهذه عادته أبداً، "-تعرفين أباك! الآن هو متضايق على جارنا الذي أقالوه من وظيفته، وتعرفين سمعته وعدم نظافة يده، كما أنه أساء لنا حين استطاعته..".‏

قاطعه أبي مهدداً ونظر إلي: "لا تكونوا ممن يحملون سكاكين ساعة وقوع البقرة. كلنا خطاؤون، وكلنا مليئون بالمعصية.".‏

أنظر إلى أبي بشعره الأشيب وسنينه التعبة تعرّش على تجاعيد وجهه وتكتب حكمته الدائمة: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر".‏

أشفق على أبي، وأصمت دون إبداء أي رأي، بل يظل صوتي مختفياً طوال الحلم، كل ما فعلته أني وجهت نظرة عتب إلى أخي الكبير الساخر، بينما أحضن بقوة أخي ذاته الطفل الساكن بين ذراعي.‏

ثم أجدني في الغرفة المجاورة فور سماعي صرخات حادة وأصوات أشبه بالصفعات.‏

أجفل إذ أرى إخوتي السبعة الذكور واقفين في صف واحد وواجمين من الصغير حتى الكبير مشكلين سلّماً تصاعدياً مع أنهم في الواقع مختلفو الأطوال والأحجام. وأراني أقرأ مواصفاتهم بسرعة غريبة، ظل شعوري حيادياً نحوهم، كأنما استسلام لأنهم هم هكذا مخلوقون ولا فائدة! لكن أخي الصغير الذي، في الواقع، تحدث شجارات دائمة بسببه بين أمي وأبي. فأبي يتهم أمي بفساد تربيته وأمي لا تتوانى عن إبداء إعجابها به وبشطارته على حد تعبيرها. أخي هذا يلفت نظراتي بشدة فأحيانا كانت ملامحه تتغير وتذكرني بملامح أحد الشبان الغرباء الذين حاصروني في الحانوت!‏

حتى اللحظة لم أدرك سبب الصراخ الذي اشتد ودنا أكثر، لأرى أبي يجلس على (الصوفا) القديمة أيضاً يصفع أبي الجالس على ركبتيه. بالملامح ذاتها والملابس أيضاً والغضب ذاته، تتالى الصفعات، هذا يصفع ذاك وذاك يرد بالمثل.‏

لكني أعرف أن أبي الحقيقي هو الجالس على (الصوفا)، بينما الآخر تعرفه عيوننا أنا وإخوتي السبعة وتقول نظراتنا هو: الموت.‏

وبضراوة كانت الصفعات تحط وتتطاير على الخدود. أحاول الصراخ والتحرك عبثاً، الوجوه السبعة أمامي يرتسم عليها لا حول ولا قوة، وجوم وصمت سريع. أشعر بفظاعة مريرة، أتذكر أمي، لكني أنا أو أي من إخوتي لم ننادها. مرارة راحت تلفّ نظرات إخوتي الحزينة.‏

أحاول استحضار صوتي، أحسّ أن في حنجرتي صحراء من الرمال والملح. وتتبعثر نظراتي ما بين الوجهين، ما بين الصفعات المنهمرة والصراخ والتحدي. غضب أبي الجالس على (الصوفا) أراه لأول مرة، ربما رأيته ذات يوم قديم وهو يصفع أمي بغضب لكنه لم يبلغ هذه الحدّة. بسرعة، أمحت الصورة من مخيلتي، وأنا لا أزال أحضن أخي الطفل (البكر). فجأة أرى أبي الجالس على ركبتي أبي الحقيقي، يتقزم ويتقزم ثم..‏

-(نسيت أن أذكر شيئاً قبل البدء بسرد الحلم، ربما كان علي توضيحه وهو أنني لم أبدأ الكلام على عادة رواة الحلم، ليس تضليلاً لأمي التي تمنعنا من قص أحلامنا المزعجة أو (المشربكة)، وليس أيضاً تهرباً من أسلوب جدي الذي يبدأ سرد حلمه بمقدمة طويلة من البسملة حتى الصلاة على آخر سلالات سيد الأنام، وإنما القضية كلها أنني لم أستيقظ بَعْد).‏

  

  

 

كان ثقيلاً!

 

تقدّم حاملوا التابوت، الموكب الكئيب أولاً، بعد أن انتهى الشباب الآخرون من فتح ذراعي القبر وصدره، تبرعاً وحسنة، وأن يتبرع الجميع للخدمة في جنازة، عادة قديمة لم تندثر مثل كثير من العادات في هذه القرية الساحلية التي لامست أصابعها الحضارة الآتية عبر الطرقات الإسفلتية، وأيضاً عبر الهوائيات القابعة على السطوح كلها!...‏

سار الرجال خلف التابوت المسجى على الأكتاف، وقد تقدمهم الشيخ بطوله العجيب والذي زاده غرابة طربوشه الأحمر. كان قد ارتدى أيضاً قمبازاً وسترة مناسبة. ومن بين أصابعه كانت تتراخى خرزات سبحة طويلة يرفقها بتراتيل قرآنية.‏

وخلفهم سار موكب النساء، تتقدمهم الأم، والأخوات، يجرجرن الخطو في الطريق إلى المقبرة.‏

كانت الأخت الغارقة بالسواد والتجاعيد والنحيب، تصرخ كل حين، تلطم خديها كأنها لا تريد أن تصدّق...‏

لم تكن امرأة، وإنما كانت قد لبست ثوب العنوسة، منذ وقت طويل، منذ بدء الأيام الحزينة، والتفاصيل المتعبة!...‏

كان البكاء قد أنهكها طوال الليلة الماضية وبعض النهار، بانتظار الأخ الذي وصل نبأ وفاته عبر الهاتف من إحدى مشافي "العاصمة"، مات، بعد إصابته بالشلل لعدة اشهر.‏

وبين سيل دمع وآخر، كانت تحار فيما تقول! لكنها سرعان ما انتهزت فرصة مرور الموكب بمحاذاة المدرسة القديمة والكبيرة، لتجد ضالتها في قول أي شيء. أي شيء! اتجهت بناظريها إلى النوافذ العالية وصرخت:‏

"ـ أيها الغالي، كم كان يليق بك هذا المكان، صحيح أنك لم تكن معلماً فيه لكنك فتحت البيت كمدرسة صيفية ومجانية لتعليم صبيان وبنات الضّيعة. هاهم تلاميذك يبكونك ويودعونك".‏

مسحت دمعها، ثم تطلعت إلى الصبية التي تمسك بذراعها، لتقول:‏

"ـ آه، لو تعرفين كم كان يحبك لأنك متعلمة. وكم فرح حين تخرجك من الجامعة. كان فخوراً لأنك تحملين الجريدة بيدك وأنت عائدة من عملك"..‏

وخطر للصبية أن الأخت الحزينة تطلب منها الترحم عليه، واستبعاد تلك الحادثة القديمة والأليمة التي طالما رددتاها بجدّية حيناً وبضحك حيناً آخر. كان ذلك ذات صيف عتيق وطفولة. حينذاك كانت تلميذة في مدرسته الصيفية، يومها لم تكن تحفظ واجبها. وبما أنها من النجيبات، كما كان يردد أمام بقية التلاميذ، فيجب أن تكون عقوبتها مضاعفة! وانهالت العصا، على رأسها وكتفيها، على ذراعيها، أصابعها وقدميها، إلى أن انقلبت الطفلة عن الكرسي الصغيرة وارتطم رأسها بقوة على الخزانة وراءها، ولم ينقذها سوى ذراعي أخته هذه وصراخها في وجهه. هي أيضاً نالت العصا بعضاً منها، لكنها لم تتوانَ عن حمل الصغيرة والركض بها إلى أهلها في أعلى التلة، بين البكاء والغضب والخجل الشديد، وظلت الفتاة طريحة الفراش يومين كاملين!..‏

وتتساءل الصبية الآن: "ـ يا إلهي، ما الذي كان يضربه حينها؟"...‏

قطع عليها شرودها، وافترش الوجه الذهول حين سمعت الأخت تتابع نادبة:‏

"ـ أي انتظار مرّ، وأي فراغ بشع سأعيشه بدونك، ماذا سأفعل عند الساعة الثانية ظهراً بعد الآن. كان موعد عودتك من الوظيفة، وكنت ألملم نفسي من بيوت الجيران ومن أعمالي وأشغالي لأهرع وأسارع في تحضير المائدة لك ـ آخ!وكيف سأمضي الليل دون أن أسمع نداءك وصراخك...".‏

صمتت فجأة، كأنما أحست بخطر ما تقوله في هذه اللحظة الحرجة؟... ورمقت من جديد بعينيها الحمراوين وجه المتعلمة والمثقفة، كما كانت تعلن لها مراراً. ولتتهرب من حرج الموقف حاولت البكاء من جديد، وسرعان ما تحول إلى بكاء مرّ حين تذكرت صراخه الليلي.‏

فقد كان الأخ يمضي الليل وهو يشرب، كان يغلق عليه باب الغرفة بالمفتاح بعد أن تنفِّذ جميع طلباته، وبحذافيرها من طعام وكؤوس، ماء........‏

ثم يحذر الأم والأخت من الدخول أو محاولة طرق الباب إن لم يدعُهما. وإن فعل فيكون الأمر مرفقاً بالشتائم والضرب أيضاً، إن رأى ضرورة لذلك! وبعد وقت يطول أو يقصر، يبدأ بتكسير الصحون، الزجاجات، والكؤوس، وتكسير النفس الهائجة، وتنطلق اللعنات والسباب البذيء لأولئك الذين خدعوه في الحزب وخارجه، ثم على العالم كله مروراً بأمه وأخوته وأبيه المتوفى ثم على نفسه أخيراً، وكثيراً ما كان ينتحب ضارباً رأسه بأي شيء أمامه، بالجدار، بالكتب، بالملعقة، وبأي شيء تطاله يده. وكثيراً ماكان يوجه ضرباته بالكؤوس إلى التلفزيون الذي لا يتوقف عن الهذر والكذب و النفاق! كما يردد دائماً، ورغم ذلك كان يتابع برامجه باستمرار!‏

وتظل المرأتان القابعتان مثل قطعتين هلعتين بانتظار السكينة وانطفائه تماماً. دون أن تجرأ إحداهما على النوم.‏

وفي اليوم التالي، وبعد خروجه إلى عمله، تدخل الأخت غرفته الطافحة والملوثة برائحة العرق والقيء والدمع والبول.‏

تلملم الحطام والقذارات المتناثرة على الجدران، والنافذة وعلى الباب أيضاً.‏

تبكي، وإحساس فظيع بالقهر يدفعها في كثير من المرات إلى تمني الموت له ثم تلعن نفسها، وحظها وتاريخها كله. وتحمِّل أخاها مسؤولية ضياعه، كما تلعن الحزب والسياسة كلها!...‏

وذات مرة سألت الصبية الممسكة بها الآن: "ـ ما الذي فعله بهذا الحزب؟ ما ذنبنا نحن؟ لماذا لم يدخل في حزب الدولة ليرتاح ويريحنا؟.. أليست كلها سياسة؟ إنه يدمّر نفسه ويدمرنا معه".‏

ثم توقفت لتتذكر ماكانت تسمعه في وسائل الإعلام أو من أحاديث أخيها مع ضيوفه: "ـ إن كانت الدول الكبيرة ـ قالت ـ تلعن حزبها وتخربه فما بالنا نحن البسطاء؟...‏

وتتساءل بحيرة إن كانت فعلاً قد قدّمت فكرتها بطريقة مقبولة مثل المتعلمين! وتسرب إلى ذاكرتها خيط عقد شجاراتها المتواصلة مع أمها لأسباب أو دونها وربما بسببه أغلب الأحيان! ثم يتدخل هو آمراً، ناهياً، ومهدداً...‏

تنتبه إلى أن الموكب يشارف على الوصول إلى المقبرة، كان شريط من المصابيح الكهربائية يصلها من أقرب بيت لإنارة ذاك الغروب العاتم.‏

بينما المساء يهلّ مع أنّسام ربيعية باردة، وغيومٍ متفرقة، تحاول التجمع والمطر.‏

وكانت أشجار السنديان العالية الخضرة والعتق تحار في اهتزازاتها مابين الفرح لاستقبال المقيم الجديد والحزن للموكب الذي يتهيأ للصمت والخشوع..‏

وصل الموكب. واختلط الجمع في بعض أطرافه، رجالاً، ونساءً، وصغاراً شدّهم الفضول للمجيء.‏

خشعت آذان الجميع، لصوت الشيخ الذي راح يتلو آيات قرآنية، ثم راح يذكر الوصايا الخاصة بالميت، بعدها وصايا للأحياء، ويردد الجمع كل حين "آمين".‏

في البداية حاولت الأخت الانسجام مع صوت المقرئ، فكثيرة هي اللحظات التي تمنت فيها قراءة القرآن الكريم. كان طلاسم من كلمات وسطور، كانت أميّة، فتكتفي بضمه وتقبيله، ووضعه تحت الوسادة حين تنام!‏

ولم تتجرأ يوماً أن تطلب منه قراءة بعض الآيات والسَّور! هو الذي كان يسخر من أسئلتها وخاصة أمام ضيوفه! كان يتكلم كثيراً، ويقاطع الحاضرين وربما امتلك ناصية الحديث طوال الجلسة... للحق، كانت تراه مثقفاً ويعرف الكثير، كما يغلب الكثيرين من المتعلمين حين النقاش! كان يعشق العِلْم، يدعو الشباب إليه، وخاصة البنات، وهذا ماكان يحزّ بنفسها كثيراً، فلماذا عليهاهي وأمها الصمت، وعلى الأخريات الحديث والتعلم؟!.

بل إنه لم يكف عن اتهامها بالجهل، والغباء، ولعن حظه العاثر الذي جعله معذباً ومظلوماً بالعيش مع عانس أمية طوال حياته!...‏

كم كان يبالغ بفرحه حين تتابع أية فتاة تعليمها! وكانت تشعر بتلك المبالغة التي تحمل في طياتها سكين سخرية يغرزها في صدرها!...‏

مما دفعها سراً إلى أن تمحو أميتها. وحين نالت شهادتها، كان فرحها أكبر من أن تخفيها عنه، لكن الاستحياء منعها. بالرغم من أنها تجاوزت الأربعين بسنوات! فما كان منها إلاَّ أن خلّت الشهادة في مكان تعرف جيداً أن عينيه ستمران عليه حتماً...‏

وتساءلت إن كان عليها أن تشكر تلك السخرية المريرة التي دفعتها لمعرفة القراءة والكتابة؟‏

أمسك بالشهادة، ثم ألقاها بلا مبالاة وسخرية نسفت كل فرحها، وقال: "ـ يا سلام، أصبحت تفكين الحرف، هل تعتقدين أنك أصبحت فهمانة ومتعلمة حقاً، إن صرت تعرفينَ قراءة: "أبي فلاح ـ أنا ابنة الفلاح". في كتابك السخيف. كيف لك قراءة الكتب العظيمة التي قرأتُها؟". عندئذٍ تكسرت أعماقها، تشفق على الشهادة، وترمق المكتبة بكثير من الكراهية والتهديد!...‏

كان الشيخ قد أنهى الصلاة الأخيرة و المواعظ، ولم تكن قد سمعت كلمة مما قاله، لعنت الشيطان في سرها، شبكت يديها على صدرها متأهبة، للانتباه..‏

كان الخشوع قد لملم أطرافه واندس في فضاء السنديان العالي. ثم انفجرت عاصفة من الدموع والنحيب كوداع أخير، ممن يهمه الأمر مباشرة، وغير مباشرة. وأنزلت الجثّة المكّفنة والمعطرة في قاع القبر البارد والطين.‏

انقبضت الأخت أكثر، إحساس بالذنب والفجيعة يمزقان روحها، تتوه مابين الحزن والإحساس بالخفة!..‏

ولم تعد تدري ما الذي يقال. ثم تصاعدت كلماتها الأخيرة: "ـ مع السلامة أيها الغالي. مع السلامة يا حبيبي"... وانفجرت بالبكاء..‏

ثم صار القبر المغطى بالبخور والزهور والسنديان العالي.‏

انتهت مراسم الدفن، استدار الموكب، وتفرق الجمع.‏

وظلت الأخت تقبض على لسانها وإحساسها الغريب، تستسلم لذراع الصبية، وبخفة المطر الذي بدأ يتساقط وابلاً!‏

  

 

 

قبلة

 

1- "كِشْ، كِشْ.. الله يلعن أبو الدجاج وأصحابه، وكل من يقتنيه، ولكْ.. ويلعن أبو البحص، كش" هي ذي العبارة المنبه التي توقظني أغلب الصباحات، فأعرف أن أمي تلوب بحثاً عن حصىً، أو أي شيء بإمكانه طرد الدجاجات التي تلتهم الأخضر واليابس، على حدّ تعبيرها، وأيضاً بعد نفادِ الحصى من العلبة المعدنية التي تملؤها كل يوم من أطراف البستان.‏

وكثيراً ما تفتق العبارة تلك شهوة اللعبة الأثيرة لدي، وهي إيجاد مرادفات للغّة المكدّسة في دماغي وأذني.‏

أرشق وجهي بالماء البارد، أرمق خدي وأسجل مرادف كلمة "حصى"، أضع هذه الكلمة على خد، والمرادف: "قبلة" على الخد الآخر.‏

2‏

وكنا صغاراً، نلهو مع العاملات اللواتي كن ينقلن الحجارة بسلال جلدية سميكة، من تحت قلاب الشاحنة المائل إلى الكسّارات التي تولّد كومات من الحصى البيضاء والغبراء، حيث كنا نستمتع باللعب على قممها ثم التدحرج إلى الأسفل. ولم أكن آبه لحظتها لتلك (العلقة) التي سأنالها، فيما بعد، من أمي لأني وسخت ملابسي وجسدي بالغبار وغيره.‏

كنت مولعة بالنظر إلى تلك الوجوه المغبّرة للفتيات السمراوات، وشعورهن المخفية تحت مناديل مربوطة من الخلف على الرقبة تماماً.‏

كما أني لم أكن آبه لإنذار العائلة للعب مع الولد (المعتّر) كما تذكره ألسنتها. كان اسمه (حسن)، سمّاه أبوه تيمناً باسم أخي الأكبر.‏

وقد جن جنون العائلة، حينها، لتلك الجرأة الوقحة! فلجؤوا إلى مناداته بـ (حسّون) (فَحَسَنْ) بفتح السين هو خاصة سلالتنا في هذه القرية والقرى المجاورة أو البعيدة نسبياً، أمّا (حَسِنْ) بكسر السين فيعني العامة. وإن أرادوا إنزال أحدهم إلى أسفل القاع نادوه بـ (حسّون).‏

أمّا أنا فكنت أناديه (حسَن) بفتح السين، ولم أكن أعرف لماذا كانت الحمرة تطفو على وجهه حين أتلفظ باسمه على هذا النحو!‏

كانت عائلته تسكن جوار بيتنا، وتعيش من النذر اليسير الذي تدرّه مواسم الزراعة الضئيلة، ومن بعض ما تكسبه لقاء خدماتها لعائلتنا الكبيرة، أعماماً وعمات، جداً وجدة، سلالةِ المجد والعظمة! سلالة الإقطاع الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة حينذاك، كما لفظ جداي أنفاسهما الأخيرة المميزة، وقد تركا تواترها في صدور العائلة، ما عدا صدري الذي كان يسكنه إبليس، وعشق الخراب كما تصفه عائلتي وخاصة أمي وعماتي! وعماتي أدلاء تأخرن في الزواج كثيراً، كي لا يتدنس الدم المقدس! إلى أن جاء النصيب من الدم ذاته، وأنجبن أطفالاً فيهم الأبكم والأصم، والأبله، أو بوجوه صفراء وعيون مريضة!‏

أمّا أمي فكانت سليلة (المشايخ)، فلا يمكن أن يُذكر أيّ من أجدادها، على لسان أحد في المنطقة كلها، دون إرفاقه بعبارة (قدّس الله روحه). كما أن أباها سيرث العبارة هذه فيما بعد. وجدي هذا، كثيراً ما كان يتفاخر سراً وعلانية بمصاهرة سلالة الدم المقدس! وخصوصاً أمام خالي ابنه الوحيد الذي جاء الرقم اثني عشر بعد الخالة الأخيرة. وبقدر سعادة جدي واعتزازه بمطابقة الرقم اثني عشر بذكر، ولياً للعهد، كان إحساسه بالخيبة بل بالمصيبة التي خلخت موازين تبصره المقدس، للمستقبل الآتي!‏

فخالي هذا كان مولعاً بقراءة الكتب الفاسدة والمدمّرة والتي لا بد أن يدخل كتابها وقراؤها وشارحوها وناقلوها نار جهنم خالدين فيها! كما يزعم جدي، وينذر خالي هذا كان مثيراً لإعجابي، كما كنت محط الكثير من أحلامه، كما الوطن، هكذا كان يردّد لي دائماً، وكان عقلي الصغير آنذاك لا يستوعب الكثير من كلامه الآسر. كما كنت مولعة بسخريته الدائمة من العائلة، وجرأته التي كان يخشاها الآخرون. وكثيراً ما كان يدفعني حبي له لقول: "حين أكبر سأتزوج خالي". وكنت أفسر قهقهاتهم لقولي ذاك، بنوع من السخرية من خالي ومني أيضاً، فوحدنا كنا مختلفين عنهم، ووحدنا كنا متفقين دون اتفاق سري أو علني على مناداة (حسَن) بفتح السين وهذا أيضاً ما كان يجعلني أوغل في عنادي، وفي اللعب مع (حسن).‏

3‏

ذات ظهيرة، أمسك حسن) بيدي، وقادني على بُعدٍ قليل من العاملات اللواتي فردن الزوّادات) لتناول طعام الغداء، كان الفضاء مغبراً وموشى بمرح العائلات وحديثهن الدائم بعد فترة العمل الشاقة.‏

استسلمت لقيادة (حسن)، وأنا أمنيّ نفسي مثل كل مرة بمفاجأة غريبة يباغتني بها كعادته، كرؤية حشرات غريبة، أو عش عصافير، أفخاخ، أو استنفار أكوار النمل الآمن.‏

وعند جذع شجرة سنديان ضخم، توقف (حسن) واضعاً سبابته على شفتيه يأمرني بالسكوت، فأطعته.‏

مددنا رأسينا بهدوء وحذر لاكتشاف الكنز، كما ظننت، وهالني ما رأيت، فلأول مرة أرى جسدين شبه متلاصقين. كان سائق الشاحنة يقبّل خدّ إحدى العاملات، كانت مستكينة وقد غصّت سمرتها باحمرار وصمت كثيفين.‏

لم أفهم ما يحدث. لكنني أحسست أنه شيء يشبه العيب، وإلاّ فلماذا اختبأا! نظر (حسن) إليّ، وكان يكبرني بسنوات قليلة، آمراً باستمرار سكوني، لكنني باغته بضحكة أجفلت الشابين. ركضاً هلعاً، ولم نبح لأحد بما رأيناه.‏

بعد ذلك اليوم، وطوال مدّة وجود الكسّارات في الساحة، شبعن