الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 26/01/2009

دراسات أدبية - أدب المرأة

دراسات في أدب المرأة في العالم العربي3

 

 

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

الهم "الأنثوي" في الأدب الرجالي الحداثي

لننصف النساء في مجتمعنا أولا

الهم الجسدي في الأدب النسائي الحداثي

 المرأة في الإسلام

 سراة البلاغة الثلاث من الإعجاز القرآني إلى ثورة مستغانمي

 حول حرية التعبير والإبداع في المجال الأدبي

الخطاب النّسوي واللغة 

 عالية شعيب.. الجرأة والإصرار

 

لننصف النساء في مجتمعنا أولا ...

 

بقلم الكاتب: نبيل عودة

 

تحت عنوان " العاملات العربيات هن الأكثر استغلالا: في قسيمة الأجرة يسجل 19 شيقل للساعة ، الأجرة المدفوعة 8 شواقل " نشرت صحيفة "هآرتس " العبرية تقريرا مثيرا وهاما كتبته الصحفية روت سيناي  ( 08 – 02 – 01) عن الواقع الاستغلالي المذهل للنساء العاملات العربيات ، وأخذت نموذجا لتقريرها ، فتاة عربية في العشرين من عمرها رمزت لأسمها بالحرفين ( ن.ع) تسكن في منطقة الناصرة .

 

كلنا نعرف ان واقع المرأة العربية العاملة في الوسط العربي داخل اسرائيل،  هو واقع أشبه بالعبودية. وموضوع التقرير وواقع العاملات العربيات لدى اوساط واسعة من  المشغلين العرب، هي حكاية نعرفها عن ظهر قلب . ولكننا لسبب غير واضح لا نحرك ساكنا.

 

وكانت الكنيست قد ناقشت (يوم الثلاثاء  08 – 01 – 29 ) موضوع تشغيل النساء العربيات في لجنة " النهوض بمكانة المراة " بمبادرة من النائب د. جمال زحالقة ( التجمع ) ومشاركة ممثلات عن جمعيات نسائية . وطرحت في الجلسة تقييمات صحيحة حول شح أماكن العمل في الوسط العربي ، والبطالة الواسعة في اوساط نساء اكاديميات ، ومع ذلك أرى ان البحث لم يتناول جانب مخجل لمجتمعنا العربي ، الذي طرحته هآرتس بتقرير روت سيناي .

 

بالطبع نحن ننتقد السلطة العنصرية بحدة ، ونهاجم سياسة التمييز القومي  ، التي تمارس سياسة حرماننا من المساواة في  الحقوق ، وفي الاسثمارات القادرة على خلق فرص عمل جديدية في الوسط العربي . ولا نتهاون في مواقفنا النضالية ضد البطالة ولرفع الأجور ، والقضاء على الفجوة المتزايدة بين الفئات الغنية والفئات الأفقر ، ونناصر قضايا المساوة بين الجنسين وسد فجوة التمييز بينهما . هذا كله سياسة عامة . وللأسف لم أجد ان أحزابنا ، طرحت يوما قضية من القضايا المذكورة ، بتخطيط نضالي ، وبتواصل وتصميم على تجنيد القوى الأجتماعية داخل المجتمع العربي ، ومن أوساط المجتمع اليهودي أيضا ، الذي يعاني ، نسبيا .. من واقع مشابه ، من أجل خوض معركة اجتماعية طبقية تقرب المسافة السياسية أيضا بين العرب واليهود الملدوغين من نفس الجحر. وكل الدلائل تشير ان هذا ممكن. ولكن هذه المسالة لا تحتل مكانة متقدمة في أجندة "قادتنا ".

 

ما فعلته أحزابنا حتى اليوم انها تكتفي ببضع تصريحات تشدد فيها على حقوق المراة في المساواة والتحرر والحق بالعمل ، وتقيم جمعيات نسوية عربية تحصل على مئات آلاف اليورو والدولار ل " دعم ورفع " المكانة الاجتماعية والسياسية للمرأة العربية، وتصدر كراريس  ونشرات على ورق الكروم الصقيل .. حيث تلمع صور القائدات النسائيات العربيات الى جانب خطبهن وشعاراتهن ، وعندما تحين ساعة الحسم يفضلن التخلي عن مكانة المرأة ، والمشاركة بألعاب الرجال السياسية الفاسدة ، في التآمر  من أجل اسقاط ترشيح شخص غير مريح لملك الطائفة ( اقرأ الحزب) ، وتأجيل حقوق المرأة لما "بعد بعد تل ابيب " . واذا تجرات صبية لبؤة على رفض نهج المبايعة لملك الطائفة ، وكسرت الطابو القيادي للمنظمة النسائية ، تتحول الى عدوة للقيادات النسائية الرسمية  وتحاك ضدها المؤامرات من أجل اسقاطها . وللأسف في مجتمع لا يرى أكثرية رجاله ، حتى "الثوريين الماركسيين" أو "الوطنيين البواسل " الذين غادروا الوطن قسرا ، وظل ورثاؤهم غير قادرين على مغادرة الوطن قسرا بنفس شروط الرفاهية في قصور الامراء العرب  ، لا يختلف الحال عن هذا المنوال. لا يرون المرأة الا حسب ملاءمتها لتعزيز مكانتهم ، وصورتها الى جانب صورهم التي تملأ لوحات الانتخابات .

 

اما قضية استغلال العاملات العربيات في المكاتب والمحلات العربية فحدث ولا حرج .. الموضوع لا يهم المناضلين الطبقيين ورافعي لواء الهوية القومية ، وألوية سياسات الرفض الغبي والانعزال السياسي ...

كتبت روت سيناي تقول : ان ن.ع ، شابة عربية من منطقة الناصرة ، انهت دراستها الثانوية ، وبدأت تعمل في كونديتوريا ( محل لانتاج وبيع الكعك).

ن.ع ، تعمل 8 ساعات يوميا، في الصباح وفي ساعات بعد الظهر ، واجرها 60 شيكل لكل يوم ، وهذا ما يساوي 7.5 شيكل للساعة ، رغم ان الحد الادنى للاجور ( حسب القانون ) كان اثناء عملها في الكونديتوريا 19.25 شيكل للساعة .

بعد اشهر من العمل في الكونديتوريا ، وجدت ن.ع عملاً "افضل " ، بائعة في محل لبيع الادوات المنزلية والهدايا بمعاش 2000 شيكل بالشهر ، مقابل العمل 10 ساعات في اليوم .بحساب بسيط اجرته ن.ع يتبين ان  10   ساعات عمل و ستة ايام في الاسبوع،  الاجرة ليست افضل كثيراً من الاجرة في محل الكونديتوريا .

بالطبع في قسيمة الاجرة ( تلوش ) سجل مشغلها انها تعمل 4 ساعات كل يوم . في الفترة الاخيرة وجدت عملاً في مصنع للطعام ( الصحفية لم تذكر ان صاحبه يهودي ، رغم ان هذا مؤكد ) وهناك تتلقى اجرة الحد الادنى      19.25 شيكل للساعة    وشروط اجتماعية حسب القانون ، وتقول ن.ع  :" الان الوضع ممتاز" .

حسب معطيات وزارة العمل 22% فقط من النساء العربيات في اسرائيل ، يشاركن في قوة العمل ، بينما في الوسط اليهودي تبلغ النسبة  71% .

حسب معطيات جديدة من العام  2006  قدمت للجنة الكنيست ، نسبة مشاركة النساء العربيات في سوق العمل لا تتجاوز 19%  مقابل 59%  بين النساء اليهوديات.

 

%51  من النساء العربيات العاملات يتلقين اجرة الحد الادنى او اقل ، واجرتهن تصل الى 47% من اجرة النساء اليهوديات . وبالأرقام معدل دخل العاملات العربيات  3821 شيقل مقابل 5700 شيقل لدى النساء اليهوديات. وتبين ايضاً ، ان نسبة النساء العربيات العاطلات عن العمل ، يصل الى 17% بينما اليهوديات 8%  . وتبين أيضا ان نسبة النساء العاملات العربيات في المؤسسات الحكومية هو 2% من مجمل عدد النساء العاملات في المؤسسات ذاتها.

هذه بعض معطيات التقرير . السؤال الصعب الذي يطرح نفسه ، حتى متى يستمر هذا التمييز  ؟ وحتى متى نستمر بالتغاضي عما يرتكبه بعض المشغلين العرب بحق العاملات العربيات ؟ الا يكفي التمييز السلطوي لنضيف اليه استغلالا أكثر بشاعة ؟  ولماذا لا يطبق القانون ؟! ولماذا لم تطرح هذه الحقيقة القديمة والمؤلمة في جلسة لجنة "النهوض بمكانة المراة" في الكنيست ؟ هل نحاول ان نخفي شيئا ؟ ومن تخدم سياسة التجاهل والاخفاء؟ لماذا لا يكون الطرح شاملا ومتواصلا خارج ابحاث لجنة الكنيست أيضا؟!

ن.ع واختها وامها يشاركن في تنظيم اهلي ، اقيم في جمعية "يديد" (جمعية يهودية عربية و" يديد " تعني " صديق" ) في الناصرة ، للنضال والعمل لتحسين اجور النساء العربيات . وتبين من المعطيات التي وصلت اليها الجمعية ، ان اجور العاملات العربيات في المكاتب والحوانيت في الوسط العربي  ، لا يتعدى 6 - 8 شواقل في الساعة ، أي ثلث أجرة الحد الأدنى .

جمعية "يديد" والجمعية النسوية "كيان" تقومان الان بحملة شرح في اوساط النساء العربيات والمشغلين العرب ، من اجل تقليص هذا الوضع المخجل .

ولكن يبدو ان القانون بدون اسنان سيظل حبراً على ورق،  وأن الوضع يحتاج الى شيء من القطران. وكان أحرى بالنواب المحترمين ان يقرعوا باب الخزان ، وأن يواصلوا القرع قبل ان ينفذ الأوكسجين من حماستهم الطارئة .

وبصراحة أقول ان موضوع الأجور في الوسط العربي تثير في نفسي نفس القلق والغضب الذي تثيره  سياسة التمييز العنصري ، وربما أكثر ... لأننا نمارس اضطهادا مضاعفا ضد الفئة المستضعفة من ابناء شعبنا.

صحيح ان القانون يعطي العامل الحق في التوجه للقضاء لمقاضاة مشغله . المشكلة انه ( أو انها ) لا يريد ان يفقد مكان عمله ، حتى لو كان استغلاله صعبا وقاسيا ومخجلا.

 

القانون يعطي للعامل الحق بالتوجه للقضاء أيضا  بعد أن ينهي عمله للحصول على حقوقه الكاملة التي حرم منها أثناء اضطراره للعمل بشروط مخجلة.

ولكن كل هذه القوانين تقود الى اشكاليات صعبة ومن نواحي متعددة .. أحيانا من المستحيل اثباتها لأن قسيمة الأجرة ( تلوش العمل - ايصال العمل ) "قانونية " من حيث انها تتحايل على العامل أو العاملة المسكينة على الأغلب ، وتسجل انه تلقى ( تلقت ) الأجرة التي يفرضها القانون. والأكثرية المطلقة تمنعهم كرامتهم من مقاضاة المشغل الذي وصلوا اليه عبر قريب . وبالنسبة للفتاة الأمر بالغ الحساسية  لأن المشغل المحترم  أنقذهن  بقبولهن للعمل بدل السجن في البيت بانتظار ابن حلال ،بدون أي مصروف خاص ، أو القدرة على شراء ما يجدنه ملائما من ملابس وميكياجات والمشاركة في الحياة الاجتماعية ولو بجزء يسير منها يتيحه للفتاة الخروج للعمل . والشعور بشيء من الحرية الذاتية وفضاء الحياة الواسع.

 

السؤال لماذا "هآرتس " وليست صحافتنا العربية  ، هي التي تثير هذا الموضوع  ؟ لماذا تغيب "قبائلنا الحزبية" عن ساحة اجتماعية اقتصادية ( طبقية ) ونسائية هامة وتتجاوز بأهميتها كل شعاراتهم وتصريحاتهم السياسية الشجبية والاستنكارية والادانية  ؟

والله العظيم لا ننكر انكم وطنيون بواسل وطبقيون أشاوس . ولكن أين أنتم ونشاطكم السياسي والطبقي والنسائي من مثل هذا التقر ير ، المعروف لنا منذ عشرات السنين ، ولكننا ( وطنيا ؟) لا يمكن ان نخرج ضد مشغل عربي ؟!

هل من الوطنية والانتماء القومي أو الطبقي سرقة عاملاتنا واملاقهم واستغلال حاجتهن للعمل والتقدم في الحياة ، واذلالهن اقتصاديا لأنهن لا يملكن حلما لمستقبل أجمل  ؟

أحيانا أتساءل ما هي القضايا التي تشغلكم يا هيئات وقيادات ، ولا تبقي وقتا للمسائل الاجتماعية الملحة والمعروفة بمرارتها وعمق مأساويتها  ؟

هل تظنون ان المشغل العربي يحق له ما لايحق للمشغل اليهودي؟

تعودنا في حالة الاستغلال الطبقي على اساس قومي أن نصرخ ونشجب وندين ويتطاير الشرر من عيون نوابنا في خطاباتهم البرلمانية ، وتنشغل صحفنا عن بكرة أبيها في نشر من هو النائب الأكثر بروزا في تطاير الشرر. وهي دمقراطية  يحسدنا عليها بالتأكيد اخوتنا العرب المحرومون من الحق في اخراج زفير الألم بما لا يتمشى وأمن النظام..

بالطبع هناك أيضا مشغلون يهود يستغلون عمالهم ،  بغض النظر عن قومية العامل . الجشع لا قومية له.. والاستغلال لا دين له .

في الاسبوع الماضي نشرت ،"هآرتس" أيضا .. عن أول محاكمة ضد مشغل (يهودي ) صاحب شركة حراسة ، تبين انه كان يدفع لعماله ال 9 اجرة أقل من الحد الأدنى لمدة 14 شهرا . وهذه أول قضية من نوعها تقيمها وزارة العمل ضد مشغلين لا يلتزمون بقانون أجرة الحد الأدنى ( تبلغ أجرة الحد الأدنى اليوم في اسرائيل 3710 شيكل شهريا - أي أكثر من ألف دولار شهري) والقانون ينص على سجن لمدة سنة عن كل مخالفة من هذا النوع ، وغرامة 202 الف شيكل عن كل مخالفة ، أي كل شهر. أي ان المشغل اليهودي اياه كان معرضا لغرامة بقيمة 8.7 مليون شيكل والسجن لسنوات طويلة جدا . ولكن محكمة العمل أخذت بالاعتبار اعتذاره واعترافة بالذنب ووضعه الصحي الشخصي  ووضع الشركة المالي الصعب واكتفت بقرار تغريمه كمدير للشركة ب  50 الف شيكل وتغريم الشركة ب 100  الف شيكل وسجنه 7 أشهر و12 شهرا آخر مع وقف التنفيذ. وبالطبع حكمت بدفع كل فرقيات الأجور لعماله مع فوائدها الباهظة.

 

القانون لا يميز بين مشغل عربي أو يهودي ، ويجب ان تعمل صحافتنا على نشر هذه المعلومات .. وايصالها وتوعية الناس بها ، عمالا ومشغلين، لأننا حقا لا نريد ان يتعرض أي مشغل عربي ( أو يهودي ) لمثل هذا العقاب المدمر . وعندها لن ينفعنا الصراخ انه قانون عنصري . وان تنفيذه يقتصر على العرب . المعلومات تشير الى نسبة غير صغيرة من المشغلين ، يهودا وعربا ..  الذين يتلاعبون بالقانون . من جهتي ليدفعوا الثمن . ولكن ما يقلقني هو الصمت من الهيئات الحزبية والمنظمات النسائية المقربة للأحزاب ، خاصة في الوسط العربي. حيث المرأة العربية هي الأكثر استغلالا بشعا وعبوديا خاصة من المشغلين العرب.

 

ليس بالصدفة تدني عدد النساء العربيات في سوق العمل ، الى نسبة أقل بثلات مرات من نسبة النساء العاملات اليهوديات. الموضوع لا يتعلق بسياسة عنصرية فقط ، مثلا حرمان الوسط العربي من مناطق صناعية واستثمارات اقتصادية ، بالطبع هناك مصلحة اقتصادية في خروج أكبر نسبة من القادرين على العمل ومن الجنسين الى سوق العمل. مصلحة للدولة وللمجتمع العربي على حد سواء ، ولكننا نعيش واقعا مشوها يجعل الوسط العربي يعتمد اساسا على العمل لدى المشغلين اليهود . لذا ليس بالصدفة أن 22% فقط من النساء العربيات يشاركن في قوة العمل مقابل 71% من النساء اليهوديات .

 

قبل ان نصرخ ونشجب العنصرية ، وهي حقيقة لا ننفيها ونعاني منها رجالا ونساء  ...  تعالوا نصلح واقعنا الاجتماعي ، بحيث نفرض على المشغلين العرب ، ابناء هويتنا القومية ، ان يتعاملوا مع بنات شعبهم حسب القانون. ان يدفعوا اجرة الحد الأدنى على الأقل .. وعندها سنرى ان نسبة العاملات العربيات سيزداد ... عندها سنرى ان استقلالية المرأة ومساواتها الاجتماعية والسياسية سيحصل على دفعة كبرى الى الأمام ، أم ان شعاراتنا في واد وتفكيرنا في واد آخر؟

هل لملوك الطوائف ( قادة الأحزاب ) مصلحة حقا في أن تأخذ المرأة مكانها الطبيعي اجتماعيا وسياسيا الى جانب الرجل؟ أم ان هذا الأمر يشكل خطرا على مكانة الرجال ( القادة) ومصالحهم في الوصول الى الكنيست ورئاسة السلطات المحلية وغيرها من المناصب الاجتماعية والأدارية ؟ والسؤال الذي يراودني : هل توجد نية لتحقيق تحول جذري من مجتمع ذكوري الى مجتمع انساني مدني ودمقراطي ؟

بعض الأحزاب أقرت في دساتيرها ضمان الثلث للنساء في قوائمها الانتخابية  ، ولكني حتى اليوم لم أجد حزبا واحدا ينفذ ما التزم به . حقا يعطون المرأة المكان الأول في تحضير القهوة والطعام للمناضلين الرجال ، وفي الزغاريد اذا جاءت النتائج المرجوة وضمن الزعماء مقاعدهم في الكنيست او السلطات المحلية. ونسيت أن أقول ان المتبع هو اعطاء المراة المكان الأول غير المضمون في القائمة الانتخابية .أي اذا كانت القائمة قادرة على الحصول على ثلاثة مقاعد في الكنيست مثلا ، ترشح المرأة في المكان الرابع . واذا قدر الزعماء انهم سيحصلون على أربعة مقاعد تدفش المرأة للمكان الخامس ، وهكذا دواليك... وربما نجد ثلث نساء مرشحات في العشرين الأوائل تنفيذا لحق الثلث للنساء ... ولكن الأماكن الثلاثة المضمون نجاحها  تبقى من نصيب الرجال .

 

موضوع مكانة المرأة يثور دائما مع اقتراب معارك الانتخابات ، وكأن كل قضية المراة مقتصر على مشاركتها في تبوء مكان مضمون . هذا صحيح بشكل عام ، ولكن قضايا المرأة أكثر تعقيدا ومسؤولية ، وللأسف أحزابنا لا تدرك الأبعاد الاجتماعية والسياسية  والثقافية السلبية لظاهرة استغلال العاملات العربيات. 

ان انتباه الاعلام العربي داخل اسرائيل ، بما فيه الاعلام الحزبي الغارق بتمجيد عباقرته المغادرين والباقين  ، وسائر المنظمات الأهلية ، والنسائية خاصة ، والأحزاب رغما عن أنفي مع أني لآ اثق بمناهجهم وثرثرتهم ، هو موضوع حاسم لقيمة هذا الاعلام ، ورؤيتي ان اعلامنا العربي متخلف عن قضايا مجتمعه .

بوضوح أقول اننا نواجه أكثر المعارك الوطنية والطبقية أهمية . أجل موضوع المرأة أهم من التواصل مع أنظمة الفساد العربي . أهم من الانشغال بالسياسة العليا القومية وكأن العالم العربي ينتظرهم انتظار اليهود للمسيح . معركتنا هنا أولا . معركة مساواة وحقوق ، والى جانب طرحنا الصحيح لقضية حقنا في المساوة ، تعالوا ننجز شيئا من المساواة والحقوق الطبقية والاجتماعية الأولية للمرأة العربية العاملة. على الأقل ننقذها من استغلال مجتمعها لها بشكل مهين وعبودي .

 

مجتمعنا لن يصل الى مساواة مع المجتمع اليهودي بقرارات الحكومات الاسرائيلية فقط .أي حق لنا بالمطالبة بالمساواة حين نعامل نساءنا بهوان واملاق؟ كيف تتوقعون ان نتطور اجتماعيا وثقافيا في ظل استعباد مجتمعنا للنساء؟ كيف نطور مجتمعا حضاريا ، مجتمع علوم وتطور تقني ونهوض اجتماعي وسياسي بظل واقع نساء يعملن بظروف أشبه بالسخرة ، ومجتمعهم نفسه يفرض الصمت عن واقعهن المقيت ؟

كان أحرى بصحافتنا العربية وهيئات مجتمعنا الشعبية والرسمية ، ان تضع على رأس سلم اولوياتها موضوع عمل المرأة وحقوقها بأجرة حسب القانون ، مع سائر الضمانات الاجتماعية المنصوص عليها ، كخطوة في سبيل بناء مجتمع متنور ومتطور . وعدم انتظار صحيفة عبرية لتكشف لنا دماملنا المتقيحة.

ان بناء مجتمع دمقراطي مدني يضمن الحرية والعدالة للجميع ، يجب ان يكون على رأس سلم اعمالنا. وهذا يتطلب انصاف المرأة حيث نحن قادرون على الأقل ، أو لتأخذ وزارة العمل مسؤوليتها .. اذا كنا عاجزين عن انجاز شيء بسيط من المساواة داخل حدود "هويتنا القومية" .

أضيفت في 10/02/2008/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

الهم "الأنثوي" في الأدب الرجالي الحداثي...

 

بقلم الكاتبة: د. صالحة رحوتي

 

 

يكاد الناظر إلى مضامين الأدب الرجالي الحداثي، و المتمعن في ثنايا أنساقه و أجناسه أن يجزم أن المحور الأساس للإبداعات في إطاره هو الحديث عن المرأة...

 

ويكاد يجزم أيضا ـ لولا تلك المعرفة سابقة له بالواقع العربي ـ أن الأديب الحداثي هو ذاك الرجل الاستثناء المُمتِّع بامتياز للمرأة بحقوقها، والذاد عنها ضد عوادي التقاليد المجحفة و تداعياتها المركسة لها في وهدة التشييء، و كذا تلك المختزلة لها في الجسد يُسوَّق و يُنادى عليه في أروقة نخاسة الواقع المعاصر.

 

فباستقراء بسيط للأبعاد وللخصائص المضامينية لجل ما ينتج في إطار هذا الصنف من الأدب من إبداعات رجالية سيُتأكد من هذا المنحى، وتُبرز الأدلة، و تُحَصَّل البراهين.

 

فما جل ذلك الأدب الرجالي الحداثي إلا يدور في دائرة ضيقة لا تتعدى محاورها:

1 ـ التصوير لحالات إغراق في حب وغرام... وما يصاحبها تلك الحالات من سهاد وتحرق أكباد من جراء الجفاء والصد والهجران!!!!!

إذ هو الأديب في بعض الأحيان الشيخ واصطبغ الرأس منه ببياض ولازال المفرد للحب لا يكتب إلا عنه وله... ومراهقة مستدامة تبدو الناتئة من نتاجاته تلك المتضوعة بآهات العشق و بأحاديث الهيام...

 

2 ـ التعبير عن المشاعر العاطفية الحالمة المُعلية من قدر المرأة المحبوبة حد العبادة والتقديس وحتى حد الهلوسة والهذيان... مع الإغراق في النهل من معجم مترع بالوثني و بالأساطيري وحتى بالعجائبي حد النخاع... دخان وأبخرة وتعاويذ وأصنام وآلهة وأبطال ميثولوجيا وحكايات خرافية ومعابد وأصنام...

 

3 ـ الكتابة عن الحبيبة أو الخليلة وإفرادهما ـ تقريبا ـ بالتطرق للوشائج الرابطة معهما، وكذا إقصاء باقي العلاقات الأخرى مع كل الموجودين في المجتمع، وحتى مع النساء الأخريات، أولائك اللواتي لا يمكن تجاهل كونهن من أساسيات النسيج الاجتماعي المؤثر في الواقع المحيط.

 

4 ـ الحديث عن وحول حب جسدي، ويمتزج فيه الوصف لتضاريس الجسد المعشوق مع أحاسيس ومشاعر اللذة الحسية، وترتفع تلك الجرعة من الجنس الرخيص حتى تصل إلى ما يسمى ب"الأدب الإيروتيكي " وذلك حسب "جرعة الحداثة " الكامنة في فكر الأديب.

 

5 ـ الرصد لحالات تهتك و فساد أخلاقيات من نساء ما، وإسقاط صفة البراءة على تصرفاتهن الماجنة، و كذا إلباسهن لبوس الضحايا المتعرضات لقهر المجتمع و العمل على تبرير سلوكياتهن، ثم و القول بتأديتهن و هن المحترفات أو الهاويات للعهر ل"خدمات اجتماعية" لا استغناء للمجتمعات "الحداثية" المعاصرة عنها.

 

6 ـ الانتقاص من قدر العلاقات الزوجية والاستخفاف بها، ورسمها على أنها السلاسل والأغلال المقيدة إلى شخص الزوجة تلك المتشنجة البشعة البدينة المثيرة للمشاكل والمفتعلة للأزمات...و.. و.. و... و كل النعوت الواسمة لها بما يُنفر منها و يدفع إلى ازدراءها...ثم وهي بالخصوص تلك المانعة من التحليق في سماء الهوى... و المُركسة في وهدة الواقع، و أيضا تلك الصادة عن الانطلاق من عقال المسؤوليات الأسرية الممجوجة الكريهة إلى النفس و"المُقزِّمة" للقدرات على الإبداع...

 

و هكذا فإن موضوع العلاقات العاطفية و الجسدية مع المرأة لا يكاد يُتجاوز إلا بقدر يسير فيما ينتجه أولائك الأدباء، وذلك بالرغم من أنهم لا يقومون في الأغلب الساحق بأي مجهود من أجل تحسين فعلي حقيقي على أرض الواقع للعلاقات مع ذلك المخلوق الذي ما يفتأون يندلقون على أعتابه، وكذا يتهافتون على تقديسه، و يتنافسون من أجل إتقان التغني بجماله و تمني القرب منه و وصاله...

 

فهم من أكثر الممارسين للعلاقات المفتوحة هم الأدباء الحداثيون لخلفية إيديولوجية معينة تحكمهم!!! مع ما تحمله من ظلم للنساء تلك العلاقات، سواء المعبوث بهن كخليلات، أو المُستَهتر و المُستَخَف بهن كزوجات مخدوعات...

 

فبالتغلغل ـ من أجل مزيد إطلاع ـ في الواقع المحيط بهم نراهم لا يُنيلون حتى تلكم الخليلات أو الحبيبات ما يخاطبونهن بها في إبداعاتهم من رفع قيمة ومن لطف ومن تكريم ومن تبجيل وحتى تقديس...

 

إذ وهم المنشدون والمجعجعون حول ذلك الحب العذري ـ الفاتك بالقلب والمشظي لأعماق الذات ـ لا يؤمنون بوجوده في الواقع أصلا، وذلك للمعرفة لهم عميقة بالفضاءات التي ينتشي فيها التواجد المختلط للنساء بالرجال، وللإدارك لهم واسع بالتغيرات طالت المجتمع بسبب طغيان المادة وانحسار القيم الروحية المؤثرة في مسار العلاقات بين الناس...

 

فهم الواقعيون في علاقاتهم معهن، و يعاملونهن بما يليق بهن كرقيق داعرات يقبلن العلاقات المفتوحة تلك المشينة و المُذلة للمرأة، إذ هذا ما هو كامن في حنايا عقولهم، و راسخ في أغوار أذهانهم، إذ يبقون السابحون في لجة التقاليد التي تجعل منهم المؤمنين بأن لهم الحق كرجال أن يمارسوا ما يريدون من انفلاتات، و أن يرتكبوا ما يرضونه من انحرافات، ثم و يكونوا هم الموفوري الكرامة، و المرفوعي الرؤوس...و حتى حراس عفة نساء حريمهم، اللواتي لا يمكن أبدا أن يبقين الكريمات ـ حسب اعتقادهم الراسخ ـ و هن المنحرفات أخلاقيا.

 

ثم وتجدهم في حياتهم الخاصة الكارهين ـ في الأغلب الساحق ـ للقيام بتلك الواجبات الأسرية المترتبة حين "تورطهم" في تكوين أسر، يعتبرونها الرماد كريه يهاجم جذوة الإبداع فتخبو، و تبعا لذلك هم المتكالبون على كل ما يمكن أن ينسيهم الإحساس بتلك المسؤوليات من مذهبات للعقول... خمور مسكرات و حتى مخدرات... ظنا منهم أن ممارسة الغياب المقصود مدعاة إلى ازدياد وهج و ألق ذلك الإبداع، و حتى مجلبة للإلهام يوحي بما يُنتج و يُصاغ في قوالب الأجناس الأدبية.

 

فأين هي حقوق المرأة المتغنى حولها و بها وعليها والحال هذه من جور يطالها، و من انتقاص لإنسانيتها، ومن تهميش لكيانها ؟

 

أين حقوقها كزوجة لها الحق في أن تعيش مع زوج حاضر فعلا جسدا و فكرا و يتحمل معها عبء المسؤوليات المشتركة؟؟

 

وأين حقوقها كابنة ـ امرأة المستقبل ـ في أن تحظى بالوسط الأسري الهانئ السعيد يحتضنها وترعرع فيه؟؟؟

 

ثم أين مكانتها كإنسان... كامرأة يحسن التعامل معها بما يرفع من شأن وعيها وينتشلها من الرذيلة حتى إن انحشرت طواعية في أتونها لجهل معشش فيها؟؟

 

وأين الدور الموجه من المثقف لها وهو ذاك الأديب يمجد امتهان العهر من قبلها، ويدفعها إلى مزيد متاجرة بالجسد حتى يتحصل له اليسر في اقتناص ما يشاء و يرضى من اللذة و المتعة دونما تبعات و لا حساب...

 

ازدواجية و تناقض مريع، وإبداعاتهم هم الحداثيون تكاد تتفجر الأنساق منها

بالتصريحات مدبجة، وبالتلميحات مضمنة، دفاعا عن المرأة ضد ازدواجية الرجل

العربي الظالم الغاشم، ذلك المتخلف المحكوم بالموروث الضارب في عمق التاريخ...

 

فوضى فكرية ترابط فيهم...ثم وهي كل الفوضى الاجتماعية تكون السائدة في الأغلب حولهم وهم غير المبالين والسائرين قدما "المبحرين" في "عوالم الإبداع"....

 

وهي "البوهيمية" السبب وحتى الهدف ـ كما في الغرب القبلة و كما يقولون ـ ويحاول الأديب الحداثي أن يبدو المصطبغة بها كل أبعاد حياته، لا مبالاة وترك للحبل على الغارب...و اصطناع قناع يوحي بالثقافة تجوس خلاله...

ثم والمظهر الخارجي لا يسلم حتى هو في الكثير من الأحيان من بصماته ذلك التوجه الطارئ المستورد الطارد لشذرات من الهوية لربما تبقى الصامدة المرابطة فيه...شعر منكوش...وغليون... ومظاهر كثيرة "حداثية" أخرى...

 

وقد يقال أن العبرة بالجوهر لا بالمظهر، و للأديب أن يختار ما يبدو بين الناس به كيفما يشاء...و هنا يلح سؤال و يطرح نفسه بالضبط حول ذاك الجوهر:

 

لماذا تكريس القسط الأكبر من الإبداع الأدبي الرجالي الحداثي ـ مرآة الذات و أداة الغوص في أرجاءها ـ من أجل تصوير علاقات وشخصيات وعواطف غير موجودة ولا كائنة في الواقع أو تبدو المستحيلة الكينونة حتى؟؟؟

 

أهو ذلك العربي الجاهلي القابع في عمق التاريخ:

 

ـ التائه بين كثبان الرمل لا متناهية...

ـ الغارق في لجة السُكر متواتر...

والمنتشي بالقاني انثال من جراح من أغار عليهم بالأمس من رجالات القبائل...

ـ والمتغني بالحب عذري مستحيل...

 

قد انتشت منه الروح و عادت لتسكن أجساد أولائك الحداثيين من المبدعين في وقتنا المعاصر لينفث عن طريق أقلامهم ما توحي به إليه شياطين الشعر و حتى النثر؟

 

على فرق أنها إيحاءات تلك الشياطين قد أصابتها لوثة الحداثة من هذا الزمن! و توحي في الأغلب بنصوص تنضح حبا حسيا لا عذريا و يغوص بين ثنيات كل تضاريس الأجساد...

 

أهو المبدع العربي انتكس في غيابات الماضي السحيق يبحث عن هوية لما ينتجه، فانبرى يغوص عميقا لم يتوقف إلا في المحطة قيل له أنه كان له فيها سبق الإبداع، و كان له فيها الباع طويلا في نسج أنساق الكلمات؟؟؟

 

أ فعل ذلك ـ وهو "المثقف" ـ حتى دونما طرح سؤال حول حقيقة ما كان عليه العقل العربي آنذاك في ذاك الزمن بعيد؟؟؟

 

كان ما ينتج إلا قولا !و قد اعتمد على الغير في كل شأنه...هجاء و مديح و وصف...

و بالأخص غزل...تشبيب...هيام ووله بحبيبات هن الكمال ينحت منه لهن الصور ويعبدها، ثم وهو يسوم المرأة خسفا وعليها يمطر شآبيب القهر و أمطار الطغيان.

 تُورَّث كمتاع و تُوؤد و تباع وتشترى ويُمتهن منها الجسد بالإرغام على العهر...

 

كلمات كان إذا يصدح بها و يأتيه صداها من عمق الصحراء...و ما تُصور إلا وهما و خيالات فلا تغني عنه شيئا، بل و تُضيعه و هو الضائع أصلا بين المفاوز لا يملك فيها حتى السير و هو الآمن المطمئن من مكامن و غدر المحتلين الأعداء...

 

مُترصَّد الخطوات كان من طرف روم و فرس يقضمون الأرض التي يمشي عليها...

يسوسونه كانوا... و يحيطون به من كل جانب لا يعرف إلا متابعة الترحال بحثا عن كلإ لأنعامه و عن إلهام و عن بوادر شعر جديد يتخطفه ـ و هو المستمرئ المستسلم ـ من واقعه ضيق مر و يرمي به في عالم خيال مترامي الأطراف شاسع بعيد...

 

وهو الحال الآن كما كان عليه آنذاك في ذاك الزمن القديم...

ـ أوطان مستباحة تسحل في ذيل القافلة...

ـ و"أدب" وََسْنان ذو هلوسة و غموض...

ـ و "إبداع" ولهان راكع بين يدي حبيبات مؤلهات مقدسات مفترضات...و ينضح بالأنشطة من الجسد ممارسة مع خليلات فعليات...

 

و الواقع متردي منخور...و الهموم متفاقمة في فضاءات الأمة، و تصرخ أن ها أنذا أتأجج و فمن ذا يوصلني إلى عقول قد تصيبها الرجة تستيقظ...و تستفيق...

 

أدب ما يُعنى إلا بالنسق كما يقول...و حتى التعابير منه أضحت الضحلة الكليلة و لا جمالية فيها...أدب قيل عنه الحداثي...و ما له من دور أداه و يؤديه في تحديث الفكر

ورفع وزر أدران الماضي المتردي عن كاهله المكدود...

 

وليد للحداثة... و اقتضى منه عجلها المعبود أن يتبرأ من الهوية حجر العثرة حتى يُتقن التعبد في محرابها...إذ الانتماء ـ كما جاء في المزامير مدونة ـ يفسد طهر المريد يُراد منه أن يكون "الحر" من كل ربق التابع ـ فقط ـ للتعاليم مقدسة من سدنتها المنظرين لها...

 

ثم و هي المفاهيم ابتكرت... "الإنسانية" و "الأممية" و"الكونية"...و هلم جرا...ولابد للأديب أن يتأبطها حين الرغبة في الترحال فيها باحثا عن شرارة تنقدح فيه فتُتوج بوهج الإبداع...

لكن و بالرغم من هذا الزخم من "القيم"و "المبادئ" التي تبدو السامية لا أثر في الإبداعات إلا للأجساد توصف... و للأنثى ينادى عليها في سوق المتعة تباع هي و العواطف نسجت حواليها للقارئ متعطش لمزيد من جنس و من"حب" رخيص في زمن الإباحية طغت و التفلت الأخلاقي مريع.

 

 

وطبعا لا وطن إلا في النزر اليسير... ولا هما للأمة موجود بين ثنيات الإبداع...

ولا حتى هموم الفرد الإنسان سوى هم النصف الأسفل منه، وذلك المرتبط بالقلب ميت و لا يشعر إلا بالحب للأنثى و مُنكِر لكل أنواع الحب الأخرى... ولا شيء يمكن أن يحركه و لا حتى المآسي متناسلة تحيط به و تقرع الأجراس معلنة عنها... جهل... جوع... خوف...و دماء تنتثر منها القطرات في كل مساحات الوطن الراتع في حقول الخزي ووهدات الخذلان...

 

تيه فكري جامح...و الأسئلة تتناسل استجلبت هي أيضا و ما من حاجة كانت إليها...

والأجوبة هنالك على الرف تنتظر من يسأل عنها ليفعلها...

لكنه ذاك التيه مطلوب... بل و مأمور بامتطاء الصهوة منه حتى لا يبقى للمرافئ من جوانب تبدو...تحث حين ظهور على الرسو فيها تلك المرافئ...فيحدث فهم...و كذا الرغبة جارفة في حضن استقرار...

 

ولعل الحنين إلى ذاك "الألق" كان للكلمات من العرب في ذاك الماضي ـ كما قيل لهم ـ من شجع على المتح من نفس المعجم...صهباء...و نساء..و...و...و فروسية عشواء...

إذ اعتُقد أن ذاك "الألق" سينثال مرة أخرى كما كان، و سيؤوب لهم ما كانوا عليه من فخار و من كبرياء النفس و العزة...و لا يعلمون أنه كان الوهم فقط...إذ الحال كان ـ كما صور من قبل ـ طوفان ضلال و لا من بوصلة تهدي و لا نبراس منير...

 

دوران في الحلقات مفرغة و تعمل على إفراغ عقول أولائك الأدباء...

والحال إن استمر أو استمرئ لن يثمر للمرأة عدلا و لا حقوقا و لا رفعة تطالها...

 

نعم هي الضحية.. لكن لا تحتاج:

ـ لمن يتنافس في الوصف المبالغ فيه للشكل الخارجي ذلك السطحي المزيف منها....

ـ و لا للذي يتكالب من أجل حشد أساليب اللغة ليصور بها أنشطة ذاك الجسد العاري نُصحت بتعريه خدمة لمصالح شتى...

ـ و لا إلى من يتغنى بالكلمات مترعة بمثالية لا تتوفر في الحقيقة فيها...

ـ و لا إلى الأنساق دموع كاذبة للقهر ينتج من جراء الهجر المقترف من قبلها...

ـ و لا إلى الأحرف آهات من الأكباد تتحرق لوعة للهيام متفاقم بها...

 

لكنها تحتاج لأدب متسامق يصور ذاك الجوهر كامن فيها...و كذا يحسن تسليط الضوء على الإشكاليات كائنة و حقيقية، تلك المزمنة المكبلة و المانعة من انطلاق يليق بها كالإنسان بشقيه مكرم، و ذلك للقيام بواجباتها و بمسؤولياتها تجاه نفسها و تجاه كل المحيطين بها...

 

الأمل إذا في أن يستفيق أولائك الأدباء هم القدوة...فما من معركة تُحسم بين صهوات الحب و تحت ظلال الأجساد...و المعركة هي ضد الجهل أضحى أصيلا فينا...و هم المعول عليهم في ضرب رقاب منه ذاك الجهل تعددت و اشرأبت زمن الغفلة تلك الرقاب.......

أضيفت في01/01/2008/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتبة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

المرأة في الإسلام

بقلم الكاتب: طهراوي محمد

 

منذ العـصور الغابرة لم ينحصر عـمل المرأة في البـيت فقط، بل تجـاوزه إلى مشـاركتهـا في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والسياسيـة والاجتماعية، وهذا باختلاف المجتمعـات والحقب التاريخية. ويكفي الرجوع إلى تاريخ البشريـة للتأكد من مكانة المرأة وما احتلته من مراكز قيادية هامة.

 

وحتى المجتمعات العربية الإسلامية نجد أن المرأة فيها قد حققت نجاحات في ميادين مختلفـة ومنها الاستفادة من التعليم والعمل كحق كفلتـه هذه المجتمعـات عن طريق المواثـيق والتشريعــات الدولية. ولعلّ من أهم ما ورد من مواثيق واتفاقات دولية بشأن حقوق المرأة هو اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة الصـادرة عن الجمعية العامّة للأمم المتحدة في 18 ديسمبر 1979. و تدعو هذه الاتفاقية إلى المسـاواة في الحقوق بين المرأة و الرجل، في جميع الميادـين: السياســية والاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية. كمـا أنّها تدعـو الدول إلى سن تشريعـات وطنية لحظــر التمييز ضد المرأة، و بذلك استطاعت المرأة دخول مجالات متعددة وعملت في كثير من المهن، بل وصلت حتى إلى احتلال وظائف كانت حكرا على الرجل. و مع التغيرات التي عرفتها البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات العربية و التي صاحبها تغير في الأدوار و المراكز الاجتماعية، أدى هذا إلى ولوج المرأة إلى مراكز صنـع القرار، بعد أن أثبـتت جدارتها على جمـيع المستويات وهذا ما سـاعدها على تولي المناصب القيادية، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي.

 

ولكن، رغم هذا التطور الذي عرفته وضعية المرأة، تبقى درجة تقبل المجتمع العربي للمـرأة في المناصب القيادية ضعيفة و لهذا أردنا تسليط الضوء على هذا الموضوع لتقديم نظرة المجتمع و الإسلام من خلال التحليل لنماذج مختلفـة من الخطـابات الدينـية و الاجتماعية حول مسـاهمة المرأة في صنـع القرار، مبرزين الخطابات التي تعزز هذه المشاركة و التي ترفضها أو التي تقبلها حسب شروط معيـنة.

 

المــرأة في صدر الإسلام:

تطـور مركز الـمرأة العربـية كما تطورت شخصيتها في المجتمع العربي بعد ظهـور الإسلام. و كان مصدر هذا التطور النصوص القرآنية التي جـاءت لتنـظم المجتمـع الإسـلامي من أسـاسه تنظـيما شـاملا في مختلف المـيادـين السياسـية و الاقتصادية و الاجتماعية و غيرها، و كذلك أحاديث النبي (ص) و ما أسنته من قوانين في شؤونها.

 

ولهذا سعت النساء المسلمات في عهد الرسول(ص) إلى المساهمة في الشؤون العامة و تكسير التراتبية بين الجنسين على اعتبار أن الدين قد نزل على الرجـال و النساء سواسية و من ثم رأين بأن إجبـارهـن عن الابتعاد عن المجـال العام يعتـبر إجحـاف في حقهـن. واستشعرت المسلمـات استئثار المسلمين بالرسول (ص) مع كل ما يترتب عن ذلك من استفادة و توسع في فهم الدين وأحكامه وشكون إلى الرسول(ص) الأفضلـية الممـنوحة للرجال و خاصـة في مجـال الجهـاد و رغبن هن أيضـا في هذا الأمر، فذهبن إلى حد مطالبة النبي (ص) بتخصيص يوم لهـن حيث قلن له: "غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يومـا من نفسك"(1). و كان لهن ذلك حـيث كانت النسوة تـناقشن معه مسائل بالغـة الأهميـة تتعلق بالشؤون الدينية و العامة. و كان الرسول(ص) يعظهن و يرشدهن.

 

وهكذا فتح الإسلام آفاقا جديدة للنساء، حيث أن تأسيس الدولة الإسلامية تم بمشاركتهن. لقد بايعت المرأة الرسول(ص) كما بايعه الرجل فضلا عن أن أول إنسان اعتنق الإسلام كاـنت إمرأة. وهي السيّدة خديجة رضي اللـه عنها زوجـة الرسـول (ص) و سـاهمـت المـرأة في الجهـاد لتوسيـع رقعـة الدولــة الإسلامية فخاضت ميدان الجهاد داخل الجزيرة العربية زمن الرسول (ص) في غزواته ضد المشركين،كما شاركت المسلمين في حروبهم ضد الفرس و الروم خارج الجزيرة العربية ، و برزت هذه المشاركة كواجب ديني و سياسي. لم تلزم النساء المسلمات بيوتهن، بل ساهمن فعليا في كل الأحداث فشاركن في غزوات المسلمين فضلا عن خروجهن لمداواة الجرحى.

 

وكانت المرأة تداوي الجرحى و المرضى بعيدة عن ميدان القتال أيضا. فقد كانت "لكعيبة بنت سعد" خيمة قرب المسجد تداوي فيها المرضى و الجرحـى، و هـي التي عالجـت " سعد بن معـاذ" من جرحـه يوم غزوة الخندق. كما كانت " لروفيدة الأسلمية " خيـمة قرب مسجـد المديـنة تداوي فيها الجرحـى، و تقوم بنفسها على خدمة جرحى المسلمين. و تعتبر أشهر إمرأة ممرضة في الإسلام.

 

كما أن بعضهن كن يشاركن في القتال كشأن" أم سليم"التي تنـاقلت أخـبارها كتب السـيرة، إذ أنـه روي عن الرسول(ص) قوله عن جهادها في واقعة أحد: "ما إلتفت يمينا و لا شمالا يوم أحـد إلا و أنـا أراها تقاتل دوني"(2). و هناك أخريات كثيرات من المسلمـات اللواتي شـاركن في الحروب و أبلـين بلاء حسنا و من أشهرهن في التاريخ الإسلامي " خولة بنت الأزور" التي شـاركت في معـارك كثـيرة ضـد الروم إلى جـانب أخيها " ضـرار ". و كانت تعرف" بالفـارس الملثم". كانت "خولـة" تتصــف بالشجاعة و الإقدام و التضحية و البطولة.

 

لقد لعبت المرأة دورا رئيسـيا في مؤازرة و تعزيز الـتحولات التي إستحدثها الاسلام في المجتمع العربي، فاعترف بها الإسلام كـفرد و دافع عن مصالحها و حماها من كل أشكال الاستغلال، فأصبـحت تناقش في أمور الدين و الاقتصاد و السـياسة و الاجتماع، و تتقلد مهامـا جديدة. و لعـل أفضـل نمـوذج نسوي يمثل إسهام المسلمة في المجال المعرفي و السياسي هو عائشة أم المؤمنـين رضي الله عنها. فقد استفادت من عشرتها مع النبي (ص) في اكتساب معرفة واسعة، خاصة و أنها كانت تتوفر على مؤهلات ذاتـية متميزة لازمتها طيلة حياتها. فقد روت عائشة قسـطا كبـيرا من الأحـاديث و نـالت المصداقية لدى كـبار العلماء فكانوا يعودون إليها كلما استعصى عليهـم أمـرا بعد وفـاة الرسول(ص)، و لذلك ظـلـت مرجعـا للفتوى، بل إن علمها حسب الشيخ الغـزالي (3)، كان يتجاوز الفـتوى إلى التصحيـح و ردّ ما يشيـع من خطأ. و كان فهمها للقرآن و فقهها في السنة النبوية و إطلاعها الواسع على أدب العرب يجعلها المرجع الثقة أبدا. و لهذا قال فيها الرسول(ص) "خـذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء"(4). أمّا مساهمتها في المجال السياسي بعد وفاة الرسـول(ص) فتمثلت في معارضـتها لخلافة " علي بن أبي طالب"، حيث خاضت حربا ضده في واقعة الجمل.

 

أوصى الرسول(ص) بالنساء خيرا و اعتبر الاحترام و المساواة بين الذكور و الإناث من الأعمال التي يجازى عنها المسلم بالجنة حيث قال :"من كانت له أنثى فلم يئدها و لم يهنها و لم يؤثر ولده عليها أدخله الله تعالى الجنة"(5). و قال أيضا:" إنما النساء شقائق الرجال". كان الرسول(ص) يقدم المثل الأعلى في سلوكه مع نسائه حيث يولي اهتماما بما يقلنه و لم يقمعهن أبدا بأي شكل من الأشكال، بل إن صدره كان يتّسع لما يصدر عنهن من غضب أو غيره، و لذلك خاطب عائشة رضي الله عنها، ذات يوم قائلا:"إني لأعلم إذا كنت عني راضية أو إذا كنت علي غاضبة . فقالت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا و رب محمد، و إذا كنت غاضبة قلت: لا ورب إبراهيم. قالت: أجل يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك"(6). كما كان عليه الصلاة و السلام يدع لنسائه حرية القول و التصرف، حيث كان يقول:"خيركم خيركم لأهله و أنا خيركم لأهلي". و قد أنتقل هذا السلوك الحميد تدريجيا إلى محيط النبي (ص) رغم العقلية الذكورية السائدة التي لم تكن تهضم أو تتقبل بسهولة هذا الإنقلاب في العلاقات بين الجنسين، حيث جسرت النساء على مراجعة أزواجهن، بل إن زوجة" عمر بن الخطاب" رضي الله عنه إستنكرت رفضه لمراجعتها وأخبرته بالحرية التي كان الرسول (ص) يمنحها لنسائه، حيث قال" عمر بن الخطاب" في هذا الصدد: "كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذ هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصحت على إمرأتي فراجعتني. فأنكرت أن تراجعني، فقالت: و لم تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي(ص) ليراجعنه و إن إحداهن تهجره اليوم حتى الليل، فأفزعتني"(7).

 

وتولت المرأة في صدر الإسلام كالرجال الأمور الإقتصادية، فتحملت مسؤولية تسيير التجارة كزوجة الرسول(ص) خديجة، كما كانت" الشفاء بنت عبد اللـه" إحدى قرائب عمر بن الخطاب و إحدى مستشاريه يوكل لها الإشراف على الأسواق أو يعهد إليها ببعض شؤونها. وقد أطلق المؤرخون على "الشفاء" لقب أول معلمة في الإسلام . فقد تعلمت القراءة و الكتابة و علمتها لنساء المسلمين و أمهات المسلمين. و كان ممن علمتهن " الشفاء" حفصة بنت عمر" زوج الرسول (ص) و كذلك بناء على طلبه و قد قال في حديث شريف: "إن اللـه لم يبعثني متعنتا إنما بعثت معلما و مبشرا. فمن أراد الدنيا فليتعلم و من أراد الآخرة فليتعلم و من أرادهما معا فليتعلم".

 

كانت النساء في عهد الرسول (ص) لا تتخلف عن التعليم، حيث كن تجتمعن لسماع النبي(ص) و أنّه من شدّة تزاحم النساء و إقبالهن على العلم و كثرة عددهن خصّص لهن النبي بابا يدخلن منه إلى المسجد يسمىّ "باب النساء" و لا يزال حتى يومنا هذا الإسم في مسجد الرسول في المدينة المنورة.

 

وقد أكد (ص) على مبدأ تعليم الفتاة، ممّا رواه " الترمذي" عن " أبي سعيد الحذري" عن النبي(ص) أنّه قال:" من كانت له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، فعلمهنّ و أدبهنّ واتقى اللـه فيهن، فله الجنة". و لما سأله بعض الصحابة : أو بنتان؟ أو أختان؟ أجاب الرسول (ص): أو بنتان أو أختان. حتى لمّا سأله بعضهم: أو واحدة يا رسول اللـه؟ أجاب الرسول مرّة أخرى بالإيجاب قائلا:أو واحدة"(8). و على إثر هذا الحديث شاع على ألسنة الناس قوله:" طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة" بدل " طلب العلم فريضة على كل مسلم".

 

وقد أنتج التعليم مجموعة من النساء اللائي كانت ثقافتهن لا تقل عن ثقافة الرجـال بل ربما فاقـتها في كثير من الأحوال. و قد كانت ثقافة المرأة عميقة و متنوعة. و قد تصدّت لموضوعات ثقافية متعددة و برزت في جميعها و كانت في كل منها تضارع الرجال. و العلوم التي تعلمتها المرأة في صدر الإسلام، كان منها: العلوم الدينية و الأدب و الطب و الشعر، إلى جانب بعض العلوم الأخرى. و هكذا إعترف الإسلام بحق المرأة في تسيير المدينة و مساهمتها في المجال العمومي بدون أي تمييز لكون الدعوة الإسلامية كانت مبنية على العدل و على مشاركة الرجل و المرأة.

 

غير أن التغيرات التي طرأت على المجتمع الإسلامي بعد المرحلة النبوية إنعكست سلبا على أوضاع المرأة، فسرعان ما عادت التقاليد تحكم نظرة المجتمع لها و لدورها وصاحبتها تأويلات في النص القرآني و تكاثر في التفاسير، ثم تراجعت الشورى بعد الخلافة الراشدة، الشيء الذي ألحق ضررا بوضعية المرأة و ساهم في تهميشها و تحجيم مشاركتها في المجال العمومي، و أبعدها عن المهام التي كانت تقوم بها في عهد الرسول (ص) و الخلفاء الراشدين، واعتبرت غير مؤهلة لذلك.

 

فأصبحت مساهمة المرأة في الشؤون العامة تتحدد بمعايير تكمن في التمثلات و التصورات السائدة، تمثلات تقر و تعزز التمايز بين الأدوار و المهام الإجتماعية التي يقوم بها كل جنس، حيث تحصر المرأة في أعمال البيت و تربية الأطفال، بينما تسند للرجل كل الانشطة خارج البيت و تقلده مهام تسيير الشؤون العامة. فللرجل القوة و السلطة، و للمرأة العاطفة. و أعتبرت الإدارة و السياسة أمران يتطلبان بعدا في التفكير و رأيا سديدا و صبرا مضنيا و ضبطا للعواطف و كبحا للأهواء و النزوات، و كل هذه الصفات تعوز المرأة. هكذا تم إقصاؤها من المجال العمومي.

 

وما زاد في إبعاد المرأة عن المساهمة في الشؤون العامة هو نفوذ و إستبداد الطبقة المسيطرة الذي ساد في الوطن العربي عبر قرون، و كذا إلتزام الفقهاء بأقوال الأمـراء و المـلوك و تـبريرهـا بفتاوي، الشيء الذي أٌٌدى إلى ضعف إقتصادي و تراجع حضـاري تجلى ذلك بقوة في تدهور وضـع المرأة و حصرها في البيت.

 

هذه البيئة ألأبوية للمجتمع العربي النابعة من التقاليد والأعراف لم تفسح المجال أمام المرأة لولوج مراكز القرار لأن مختلف أنواع الخطابات التي سادت على مر الأزمنة وما زالت تسود تبقى متباينة و متعارضة. فهناك الخطاب الذي ينطلق من المواثيق الدولية و الذي يؤكد على المساواة بين الجنسين في جميع الميادين، مطالبا بإنصاف المرأة و رد الإعتبار إليها بإعتبارها تمثل نصف المجتمع، و هناك الخطاب االإجتماعي الذي يتأرجح بين قبول المرأة في تسيير شؤون الدولة و رفضها، و هناك الخطاب الديني بكل أصنافه الذي ينطلق من مرجعية واحدة هي القرآن و السنة و لكنه يأتي بتفاسير مختلفة و متباينة.

 

المرأة والولايات العامة: بين التأييد و الرفض:

يعرّف منجد اللغة العربية الولاية: " بالخطّة و الإمارة و السلطان"(9). " و ولاية الشّيء وعليه يعني قام به و ملك أمره"(10). و يقول في هذا الصدد إبن الأثير:" وكأن الولايـة تشعـر بالتدبـير و القدرة، و الفعل و ما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق عليه إسـم الوالي"(11)، أما ابن السكـيّت فعرفهـا بقوله:" الولاية يعني السلطان" (12) .

 

وعرّفت بعض الكتابات و المراجع "الولايات العامة" بأنها سلطة تعطيها الشريعة لشخص أهل لها تجعله قادرا على إنشاء العقود و التصرفات، نافدة من غير توقف على إجازة أحد(13). في حين رأت كتابات أخرى أنها:"السلطة الملزمة في شأن من شؤون الجماعة كولاية سن القوانين و الفصل في الخصومات وتنفيد الأحكام و الهيمنة على القائمين بذلك" و هو ما يميّزها عن الولاية الخاصة التي هي "سلطة يملك بها صاحبها التصرف في شأن من الشؤون الخاصة بغيره كالولاية على الصغار و الأموال و الأوقاف و غيرها"(14).

 

وقد اختلفت الآراء و تباينت حول أهلية المرأة للولايات العامة فذهب فريق إلى عدم أهليتها لتولي الولايات العامة كافة، و أجاز فريق ثان توليها الولايات العامة ما عدا الخلافة، في حين قصر فريق ثالث أهليتها على ولاية القضاء. و تبين الكتابات المختلفة في هذا الصدد أن الخلاف يدور حول مجموعة من الأدلة الشرعية و هي:

 

1ـ النص القرآني:

ثار الخلاف حول الآية الكريمة:"الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم"(15). فرأى فريق أنها دليل على أن القوامة محصورة في الرجال دون النساء لما للرجال من حسن التدبير و الرأي و القوة. و ما دام الرجل قواما على المرأة فلا يجوز أن تتولى ولاية عامة يجعلها صاحبة سلطة و قوامة عليه أو حتى مشاركة له في القوامة. فالنص القرآني صريح في رأيهم بأن القوامة للرجال دون النساء، حتى و إن كانت الآية خاصة بالمسؤولية داخل الأسرة و ليست عامة فالحجة تبقى قائمة، فإذا كانت المرأة عاجزة عن إدارة أسرتها فمن المنطقي أن تكون عاجزة عن إدارة شؤون الناس و الفصل في أمورهم.

 

وقد ذهب فريق آخر إلى معارضة هذا الرأي على إعتبار أن العلاقة بين الرجال و النساء في الأمور العامة هي علاقة ولاية، بينما ذكر الدرجة و القوامة في القرآن لم يأت إلا في سياق الحديث عن الحياة الزوجية التي يلزم فيها الرجل بتحمل المسؤولية و أن عدم قوامة المرأة في الأسرة ليس دليلا على عدم أهليتها أو عجزها بل هو تقديم للأصلح بالنسبة لكل الأسرة، فإن غاب الرجل تتولى المرأة أمور أسرتها.

 

أشار القرآن الكريم إلى علاقة القوامة بالإنفاق بشكل واضح و صريـح، لذلك إذا تقـاعس الرجـل أو عجز عن واجباته في الإنفاق على المرأة، ولم يكن قواما عليها، كان لها فسخ عقد الزواج. فقوامـة الرجل على المرأة ليست مطلقـة من حـيث المبدأ و لا من حـيث النّص القرآني بل هي محصورة في مصلحة الأسرة، إذ هي تكليف و مسِؤولية يتولاها الرجل ليدفع عن المرأة كلفة العيش و هي تؤدي واجباتها الزوجية. هي رعاية إنفاق لا إستبداد. لذلك ليست القوامة بميزان الشرع الصحيح، قوامة تحكّم أو إذلال أو إيذاء من الرجل للمرأة. كما أنّها ليست نظرة دونية لشخصية المرأة لأن كلاهما مسؤول في رعاية البيت لقول الرسول (ص): "ألا كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الأعظم الذي على الناس راع و مسؤول عن رعيته، و الرجل راع على أهل بيته و هو مسؤول عن رعيته، و المرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده و هي مسؤولة عنهم، و عبد الرجل راع على مال سّيده و هو مسؤول عنه، ألا فكلّكم راع و كلّكم مسؤول عن رعيته"(16). كما أن لا قوامة للرجال على مطلق النساء ممن لا تجمعهم بهنّ رابطة زوجية لمجرد أنّهم رجال . أمّا بالنسبة إلى التفضيل الذي ورد في الآية الكريمة، لا يعني أبدا تفضيل جنس الرجال على جنس النساء. و ليس صفـة تميـيز بـين رجـل و إمرأة بسبب الجنس و إنّما هو صلة تكافؤ و تكامل بين الجنسين.

 

2ـ السنة النبوية:

إختلفت الآراء و تضاربت حول الحديث النبوي الذي رواه البخاري عن أبي بكرة حيث قال:"لما بلغ النبي(ص) أن فارسا ملكوا إبنة كسرى قال: لن يفلح قوم ولّوا أمرهم إمرأة"(17).

 

فذهب فريق إلى أنه يشمل كل النساء في كل الولايات و رأى فريق آخر أنه خاص بالخلافة دون غيرها من الولايات أي رئاسة الدولة في عصرنا الحاضر، حيث يؤكد مصطفى السباعي(18) بأن الإسلام يحتم أن تكون رئاسة الدولة العليا للرجل، أي أن نص الحديث النبوي يقتصر المراد من الولاية فيه على الولاية العامة العليا، لأن رئيس الدولة في الإسلام هو قائد المجتمع و رأسه المفكر فهو الذي يعلن الحرب على الأعداء، و يقـود الجيـش في ميادـين الكفـاح و يتولى خطبـة الجمعة في المسـاجد و إمـامة الـناس في الصلوات و القضاء بين الناس في الخصومات. و طبعا هذه الوظائف لا تتفق مع تكوين المرأة النفسي و العاطفي و خاصة ما يتعلق بالحروب و قيادة الجيوش، فإن ذلك يقتضي قوة الأعصاب و تغليب العقل على العاطفة. و إذا وجدت في التاريخ نساء قدن جيوشا و خضن معاركا، فإنهن من الندرة و القلة بجانب الرجال. والسبب الحقيقي في رأي مصطفى السباعي(19) من منع المرأة من رئاسة الدولة أي الولاية العامة العليا هو ما تقتضيه رئاسة الدولة من رباطة الجأش، و تغليب المصلحة على العاطفة و التفرغ التام لمعالجة قضايا الدولة، و هذا ما تنأى طبيعة المرأة و رسالتها عنه.

 

إذا كان الفقهاء قد أقروا بأهلية المرأة في الولاية الذاتية و المتعدية على الأموال، و الولاية المتعدية على الغير كالحضانة و الوصاية، أي الأمور المدنية مع خلاف بينهم في بعض الجزئيات، فإن معظمهم قد تحفظ على أهلية المرأة لتوليها ولاية عامة. و قد إستند الكثير من هؤلاء لإقصاء المرأة من مجال الشؤون العامة إلى الحديث النبوي الذي يقول :" يا معشر النساء تصدقن فإنني رأيتكن أكثر أهل النار،فقلن: و بم يا رسول الله؟ قال:تكثرن اللعن و تكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل و دين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن . قلن: و ما نقصان ديننا و عقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل و لم تصم؟ قلن : بلى، قال: فذلك من نقصان دينها"(20). و لشرح هذا الحديث يرجع الفقهاء إلى خاصية طبيعة المرأة من حيث التكوين الفيزيولوجي و العقلي و اعتبر البعض منهم أن النقص صفة قرينة بأنوثة المرأة، فتحدثوا عن نقص و اعوجاج النساء في اخلاقهن و ميلهن إلى إتباع الهوى، مقابل التفوق الطبيعي للرجال في مسؤولية النهوض بأعباء المجتمع. فالنساء ناقصات عقل كون العاطفة تسيطر عندهن على التفكير و إستعمال العقل الشيء الذي يجعل شهادتها تساوي نصف شهادة الرجل، و ناقصات دين بالرجوع إلى الحيض و النفاس الذي يحول دون الإستمرارية في تأدية الفرائض الدينية. و تصبح إذا الفوارق البيولوجية ذات دلالة إجتماعية و تأويلات متعددة تعرض المرأة للميّز و تقلص أكثر فأكثر من حقوقها.

 

ويركز المعارضون لتولية المرأة ولاية عامة، على أن الرسول (ص) لم يول و لا أحد من خلفائه و لا من بعدهم، إمرأة قضاء و لا ولاية بلد، مع أن دواعي إشراك النساء مع الرجال في الشؤون العامة كانت متوفرة إلا أن المرأة لم تطلب أن تشرك في شيء من تلك الولايات، و لم يطلب منها هذا الإشتراك. و لو كان ذلك مطلوبا في الكتاب و السنة لما أهـملت مراعاته من جـانب الرجـال و النسـاء بالـمرة، و يؤكدون على أن هذا ما فهمه أصحاب رسول الله و جميع أئمة السلف و لم يستثنوا من ذلك إمرأة و لا قومـا و لا شأنـا من الشـؤون العامـة و قد رد علــيهم البعض بـأن عمـر بن الخطـاب ولـى إمـرأة تسمى"الشفاء"حسبة السـوق، و هو شيء أنكره المعـارضون و طعـنوا في صحتـه و رأوا أنـه من دسائس المبتدعة على سيرة عمر(رضي اللـه عنه).

 

وذهب فريق من المفسرين إلى أن حديث الرسول(ص) لا بد أن يفهم في ضوء الأحاديث الواردة في السنة عن فارس و كسرى، حـيث أنه ورد في سيـاق حادثـة معينـة هي أن فارسـا ملّكوا علـيهم إبـنة كسرى، و يذكر "إبن حجر العسقلاني" في شرحه لصحيح البخاري أن الحديث تتمة لقصة كسرى الذي مزق كتاب النبي (ص) إليه فسلط عليه إبنه فقتله، ثم قتل إخوته، فلما مات مسموما إنتهى الأمر بتولي إبنة كسرى كرسي العرش. فذهب ملكهم و مزقوا كما دعا عليهم النبي (ص) بقـوله: "أن يمزقـوا كـل ممزق"(21). و في حديث آخر قال (ص):"إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و الذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله"(22). فالحديث إذا هو خاص بقوم فارس.

 

وقد قامت الباحثة المعاصرة " فاطمة المرنيسي" بتحليل هذا الحديث في كتابها "الحريم السياسي"منتقدة صحته،موضحةالإطار الذي أدرج فيه والفقهاء الذين إتخدوا موقفا معاديا منه "كالطبري" الذي يعتبرأن هذا الحديث لا يمكن أن يشكل سندا لإبعاد النساء من مراكز القرارلسياسي(23).كما أكد الشيخ"راشد الغنوشي" على أن هذا الحديث لا يتعدى التعليق عن واقعة حتى يكون مرجعيا لمادة في القانون الدستوري(24). فقد روى القرآن الكريم قصة "بلقيص" ملكة سبأ(25) التي تولت أمر قومها بالشورى و تميزت بالحكمة و سداد الرأي و التدبير، فأفلحت و أفلح قومها.

 

لقد ذهب الكثير من الفقهاء و الباحثين إلى أن هناك إجماعا على عدم تولي المرأة الولاية الكبرى، و إجماعا على عدم توليها القضاء فيما لا يجوز فيه شهادتها، حيث أجاز "أبو حنيفة" أن تقضي فيما تشهد فيه. و قراءة المصادر الفقهية توضح بطلان دعوى الإجماع، إذ أن "إبن جرير الطبري" قد أجاز للمرأة أن تكون حاكما على الإطلاق في كل شيء،لأنّه يجوز أن تكون مفتية، فيجوز ان تكون قاضية و هو ما أورده عنه الكثيرون "كابن رشد" و"ابن قدامة" و "ابن حزم" و "الشوكاني"(26). ويؤكد الشيخ " محمّد الغزالي بقوله: " يجوز أن تتولى المرأة رئاسة الجمهورية و رئاسة الوزراء. و مسألة ولاية المرأة للحكم ليست من إختراعي، و إنّما قال بها من قبل عدد من الأئمة، من بينهم ابن حزم، و ابن جرير الطبري. فقد رأوا أنّها يمكن أن تكون حاكمة أو قاضية، لكنّهم اتفقوا على أنّه لا يجوز أن تكون المرأة خليفة للمسلمين"(27).

 

وسواء أكانت هناك نماذج لولاية المرأة في عصر الخلفاء أم لا فإن هذا لا ينقص من أهلية المرأة للولايات العامة، فعدم إشراك المرأة في الشؤون الإدارية للدولة مرده إلى طبيعة الحياة الإجتماعية في صدر الإسلام. فلم يكن من الممكن نقل مثل هذا المجتمع من عدم إعتبار النساء بالمرة إلى توليتهن. لم يكن العرف الإجتماعي بشأن المرأة أيسر على التغير، لذا لم تتم تولية المرأة في العصـر الأول للإسلام. و يقول الخليفة عمر بن الخطـاب رضي الله عنه في هذا الشأن:"كـنا في الجاهلـية لا نعد للنساء شيئا فلمّا جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقا من غير أن ندخلهن في شيء من أمورنا"(28).

 

إذا كانت تأويلات بعض الفقهاء قد ساهمت في عزل النساء لمـدة طويلة عن تسيير شـؤون البلاد و إحتلال مراكز مسؤوليـة، فإن هنـاك تأويلات أخرى تعود إلى بدايـة الـقرن 20 فتحت البـاب واسعـا في وجه الإجتهاد لكي تمنح المرأة المكانة التي تستحق في الحقول الإقتصادية والاجتماعية و السياسية.

 

المرأة في فكر النهضة العربية:

لقد كان للتدخل الإستعمـاري في المجتمعات العربــية إبتداء من القرن 19 أثر بالغ في زعزعـة ركودها،حيث شهدت هذه الفترة إحتكاكا قويا بين الفكر الغربي و المجتمع العربي،خاصة خلال الحملة الفرنسية على مصر و الشام، وازدادت عملية التفاعل عن طريق البعثات العلمية في عهد "محمد علي" الذي إعتمد كثيرا عليها لتحصيل العلوم الغربية من أجل بناء دولة عصرية. و هكذا إحتكّّ هؤلاء المثقفون العرب بأفكار الثورة الفرنسية و فكر الأنوار الذي ينادي بالمساواة بين الأفراد ممّا يعني رفض كل الأفضليات و الإمتيازات الموروثة التي قد يدعي البعض حيازتها دون الآخرين ، و كذلك التأكيد على إرتباط المساواة بالديمقراطية و الحرية كحق طبيعي كما يقول "جون جاك روسو" Jean jacques Rousseauكما يؤكد فكر الأنوار على أهمية الفرد باعتباره أصل المجتمع ، وعلى ضرورة حماية حقوقه الطبيعية بما فيها حقه في الحرية و المساواة و حقه في الرأي و التعبير و الملكية ، و لا ينبغي على المجتمعات ان تمنع الأفراد من هذه الحقوق بسبب اللون أو الجنس أو الوضعية الإجتماعية. و هنا يعتبر عدم إقصاء النساء كجنس من بين هذه الحقوق.

 

غذّت هذه الأفكار أذهان المثقفين العرب أمثال : "رفاعة رافع الطهطاوي"، "محمّد عبده"،"عبد الرحمن الكواكبي"، " قاسم أمين"، "الطاهر حداد"، و " علال الفاسي"، سواء في المشرق أو في المغرب العربي، و تفاعلوا معها و كانت ردود الفعل مختلفة بالنسبة لكل واحد حسب إختلاف إتجاهاتهم (سلفيون، إصلاحيون، علمانيون) . و لكن القاسم المشترك بينهم هو التساؤل و البحث عن أسـباب التخلف للمجتمعات العربـية و البحـث عن سبيل للإصـلاح و النهضة فيها.

 

كان منطلق التفكير الإصلاحي أن هناك إنحطاطا داخليا تعرفه المجتمعات العربية، و أن هناك حاجة ماسة لتحقيق النهوض و الإصلاح للخروج من حالة الإنحطاط و التخلف هذه التي تعود أساسا إلى الإستبداد، أي الظلم و إنعدام العدالة و المساواة، و لهذا كان هناك إجماع لدى مفكري الإصلاح بإتجاهاتهم المختلفة إلى أنّه لا يمكن تحقيق الإصلاح أو النهضة إلاّ بمحاربة الإستبداد في كل مظاهره

 

وأشكاله ومستوياته سواء في سياسة الدولة أو في سياسة الأسرة. و كان من ضمن هؤلاء المفكرين الذين ألّفوا في الإستبداد "عبد الرحمن الكواكبي" الذي وضع أول وأهم مؤلف في الإستبداد تحت عنوان : "طبائع الإستبداد و مصارع الإستعباد " نشر سنة 1901 ، بيّن فيه مساوىء الإستبداد في المجال السياسي خاصة مع تأكيده على أن الإستبداد كظلم و جور و كنقيض للعدل و للعدالة، و الإنصاف لا يبقى منحصرا في هذا المجال بل ينتقل بالعدوى إلى كل المجالات الأخرى في المجتمع و إلى كل الفئات باختلاف مراتبها الإجتماعية (29).كان "عبد الرحمن الكواكبي" ساخطا على الحـكم الفردي المستبد و كان يؤمـن بحكم الشـورى و الديمقراطية الدستورية التي لم يعرفها المجتمع العربي نتيجة السيطرة الإستعمارية و الهيمنة الأبوية.إذا كان الرواد المعاصرون " لقاسم أمين" و غير المعاصرين له قد إنجّروا إلى إثارة قضية المرأة في غمرة إنشغالهم بقضايا النهضة الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية فإن " قاسم أمين" تطرق إلى هذه القضايا في غمرة إنشغاله بقضية المرأة. و ذلك هو التحول النوعي الكبير الذي أدخله " قاسم أمين"على تاريخ هذه القضية في الفكر العربي الحديث، و هو تحوّل يعبّر عن تطور في أتجاه التفكير عامة و يدل كذلك بصورة واضحة على أهمية هذه القضية في الواقع و الفكر معا. و يعتبر أن وضعية المرأة في مجتمع ما هي المعيار الدقيق لتحديد درجة تقدمه أو تخلفه. فقد أرجع إنعدام المساواة بين الرجل و المرأة و إضطهادها إلى نتائج الإستبداد على أمّة حيث قال:"إذا غلب الإستبداد على أمّة لم يقف أثره في الأنفس عندما هو في نفس الحاكم الأعلى، ولكنّه يتصل منه بمن حوله و منهم إلى من دونهم و ينفث روحه في كل قوي بالنسبة لكل ضعيف متى مكنته القوّة من التحكم فيه"(30).

 

ويضيف في نفس الصدد : " و لمّا كانت المرأة ضعيفة إهتضم الرجل حقوقها وأخذ يعاملها بالإحتقار و الإمتهان و داس بأرجله على شخصيتها، عاشت المرأة في إنحطـاط شديد أيا كان عنوانها في العائلة، زوجة أو أمّا أو بنتا ليس لها شأن و لا إعتبار و لا رأي ، خاضعة للرجل لأنّه رجل ولأنّها إمرأة"(31) . فالرجل في منظور"قاسم أمين"حاكم صغير يمارس الإستبداد على المرأة،و لذا فلا مجال لمصارعة الإستبداد في المجتمع و السياسة إلاّ بتحرير المرأة أولا من حالة الإحتقار و الإمتهان و من إستبداد الرجل و معاملتها على قدم المساواة معه. و كان يؤمن بأن لا نهضة لمجتمع نساؤه قاعدات و كان يدعو لتحررهن و التصدي لهيمنة المتخلفين من تقليديين و رجعيين الذين يرون في المرأة إلاّ اللذة.

 

كان " قاسم أمين" يعتبر وضـع المرأة قضية من القضـايا الإجتماعية و يذكر أثر العوامل البيولوجية و الفروق الطبيعية في تحديد منزلة المرأة في المجتمع، حيث يؤكد بأن الإخـتلافات الفيزيولوجية بين الرجل و المرأة لا تعني أن الرجل أفضل من المرأة لكون هذا الإختلاف يعود أساسا إلى التربية و الأعراف و التقاليد الإجتماعية، لا إلى الفوارق الطبيعية، حيث قال: " المرأة و ما أدراك ما المرأة ، إنسان مثل الرجل ، لا تختلف عنه في الأعضاء ووظائفها، و لا في الإحساس و لا في الفكر، و لا في كل ما تقتضـيه حقيقة الإنسان من حـيث هو إنسـان، اللّهم إلاّ بقدر ما يستدعـيه إختلافهـا في الصنف و إذا فاق الرجل المرأة في القوّة البدنية و العقلية، فذلك إنّما لأنّه إشتغل بالعمل و الفكر أجيالا طويلة كانت المرأة فيها محرومة من إستعمال القوّتين المذكورتين و مقهورة على لزوم حالة من الإنحطاط تختلف في الشدة و الضعف على حسب الأوقات و الأماكن(32).

 

يرى " قاسم أمين" بأن السبب الحقيقي لتخلف المسلمين هو الجهل، و الجهل مصدره الأول هو العائلة التي هي أساس المجتمع. و لا يمكن في نظره إصلاح العائلة إلاّ بتربية المرأة و تحريرها و إعطائها الحق في التعليم لتقوم بدورها، على أساس أن الشريعة الإسلامية لا تعارض هذا الحق بل بالعكس فهي أول قانون يساوي المرأة بالرجل. و لم يقترح " قاسم أمين " تعليم المرأة تعليما عاليا كالرجل . و إنّما نادى بأن لا يقل تحصيلها عن التعليم الإبتدائي لتتمكن من إدارة منزلها كما ينبغي وتلعب دورها في المجتمع، فقد قال:" إن المرأة لا يمكنها أن تدير منزلها إلا بعد تحصيل مقدار معلوم من المعارف العقلية و الأدبية. فيجب أن تتعلم كل ما ينبغي أن يتعلمه الرجل من التعليم الإبتدائي على الأقل حتى يكون لها إلمام بمبادىء العلوم يسمح لها بعد ذلك بإختيار ما يوافق ذوقها و إتقانها بالإشتغال به متى شاءت"(33). كما ركز على عمل المرأة كأداة لإستقلالها الإقتصادي مبينا ان البطالة تقتل كل فضيلة في نفس النساء:" إنّ البطالة التي ألفتها نفوس النّساء عندنا و صارت كأنّها من لوازم حياتهن هي أم الرذائل"(34).

 

أمّا بالنّسبة لمسألة السفور و الحجاب فقد دعا " قاسم أمين"إلى رفع الحجاب عن المرأة لتمكينها من المشاركة الإجتماعية في مختلف المجالات واعتبره أثرا من آثار الإستبداد الذي كبّل الحياة السياسية المصرية، لكون الأسرة تعكس النظام السياسي، مدركا العلاقة بين الإستبداد السياسي وعبودية الرجل للمراة. و لكن موقفه تجاه حجاب المرأة كان يتّسم بالحذر، فهو لم يرد إلغاء الحجاب بحد ذاته، و إنّما إعادته فقط إلى ما نصّت عليه الشريعة الإسلامية، أي كشف المرأة لوجهها و كفيها. و قد أورد في هذا السياق نصوصا قرآنية و أحاديث نبوية و أقوال أئمة، ومنها ما يروى عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت:" إن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله(ص) و عليها ثياب رقاق فقال لها:" يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت الحيض لم يصلح أن يرى منها إلاّ هذا وهذا، و أشار إلى وجهه و كفيه"(35).

 

أمّا " رفاعة رافع الطهطاوي" فيعتبر من بين أعلام النهضة العربية ـ الإسلامية الحديثة ـ فهو يمثل الوجه الفكري للنهضة المادية التي أرسى أركانها " محمد علي" (1811ـ 1849). و الدولة العصرية التي أسس عمادها. كان "رفاعه الطهطاوي" من علماء الأزهر، و لما أرسل " محمد علي" البعثة الطلابية المصرية إلى باريس أرسله معهم ليكون إمامهم و مرشدهم . و بعد عودته إهتمّ بالتأليف و الترجمة، مساهما في تنوير العقل العربي و مبرزا ضرورة الإحتكاك بالحضارة الغربية و الإستفادة منها في هذه الفترة الزمنية.

 

تعرض " الطهطاوي " إلى قضية المرأة من زواياها الإقتصادية و الإجتماعية. فالمرأة في نظره طاقة فكرية مجمّدة و قّوّة عمل معطلة و لتنشيط هذه الطاقة و استثمارها نادى بتعليم البنات و انخراطهن في الأعمال المنمية للثروة لأن الدولة العصرية التي يحاول بنائها " محمد علي " في حاجة إلى طراز من الإنسان الجديد فكرا وروحا.

 

إذا فالمرأة هي أداة إنتاج و دعوة " الطهطاوي" إلى تحريرها تندرج في نطاق دعوته إلى تحرير وسائل الإنتاج عامة، المادي منها و المعنوي من أجل إرساء قواعد مجتمع جديد ينفسح فيه المجال أمام كل الطاقات الإنتاجية و الإبداعية و منها الطاقة النسائية. و كان من أهم ما كتب "رفاعة الطهطاوي": "المرشد الأمين للبنات و البنين " الذي ألفه سنة 1862 و الذي دعا فيه إلى تعليم البنات و الصبيان معا لحسن معاشرة الأزواج، واعتبره ضرورة من أجل التعرف و التفاهم بين أفراد المجتمع، كما أكد على أن تعليم المرأة يجعلها قادرة على مشاركة الرجل في الأحاديث و تبادل الآراء و يعزز مكانتها لدى الرجال و يحميها من الهلاك، و استدل في ذلك ببعض أزواج الرسول (ص) ممن كنّ يكتبن و يقرأن كحفصة بنت عمر بن الخطاب و عائشة بنت أبي بكر.

 

أكّد " الطهطاوي" على زواج النخبة المثقفة بنساء متعلمات يحسنّ القراءة و الكتابة لخدمة أزواجهن و الرفع من مستوى الحياة الزوجية حتى تستطيع هذه النخبة المساهمة في الإنتاج العلمي و تنوير الوطن. كما أنّه دعا إلى إحترام حق المرأة في العمل فقال:" العمل يصون المرأة مما لا يليق بها و يقربها من الفضيلة، و إذا كانت البطالة مذمومة في حق الرجال فهي مذمة عظـيمة في حـق النّساء" (36).

 

كما أن التيار الإصلاحي الديني الذي تزعمه الإمام" محمد عبده " إهتم بقضية المرأة حيث إعتبر أن واقع المرأة العربية المسلمة ليس من الإسلام في شيء و أن المسلمين قد تدنّوا بالمرأة عن منزلة شريفة كان الإسلام قد نزّلها فيها، و حرموها حقوقا كان قد إعترف لها بها، و إن إحياء الإسلام إذا ليستوجب في بعض ما يستوجب من أعمال، إصلاح وضع المرأة. و في هذا الصدد، دعا " محمد عبده" إلى تعليم المرأة لتتفقه في دينها و تؤدي شؤونه على أحسن وجه و ينمو بذلك عقلها و تزيد طاقاتها فتشارك في تغيير العقليات و إصلاح الأحوال عن طريق التربية.

 

إن أفكار هؤلاء المجددين كانت بمثابة ثورة عارمة ضد التخلف و الجمود، و كانت تهدف التطور المجتمعي مستفيدة من جهة مما يحمله الإسلام من مبادىء مناصرة للعقل و رافضة للسلطة و من جهة أخرى من مبادىء الفكر الغربي الليبيرالي المتمثلة في الحرية والعدالة والمساواة. و ضمن هذا السياق، طالب المجددون بإصلاح وضع المرأة و إعدادها للحياة الأسرية و الإجتماعية. و اعتبروا أن الإسلام كدين و كطريقة لتنظيم الحياة اليومية لا يتعارض ابدا مع حق المرأة في التعليم و العمل و المساهمة في الحياة اليومية العامّة.

 

لقد ساهمت أعمال حركة الإصلاح في مصر بقدر كبير في تنمية الوعي بالقضية النسائية في سائر الأقطار العربية و لا سيما المغرب العربي، حيث قام "الطاهر الحداد" بشبه ثورة من أجل تحرير المرأة زعزعت المجتمع التونسي وذلك من خلال إصدار كتابه "إمرأتنا في الشريعة والمجتمع "سنة 1930 الذي يرى فيه: "أن المرأة هي أم الإنسان، وهي نصف الإنسان، وشطر الأمة، وعددا و قوة في الإنتاج مع عامة وجوهه. فإذا كنا نحتقر المرأة و لا نعبأ بما هي فيه من هوان و سقوط فإنما ذلك صورة من إحتقارنا لأنفسنا. و إذا نحبها و نحترمها فليس ذلك إلا صورة من حبنا و إحترامنا لأنفسنا"(37). كما أكد" الطاهر الحداد" بأنه لا يوجد في النصوص القرآنية ما يمنع المرأة من تولي أي عمل في الدولة و المجتمع مهما كان هذا العمل عظيما.

 

واتخذ"علال الفاسي" في المغرب نفس النهج مؤكدا على أن القمع و التسلط الذي تعاني منه النساء ما هو إلا مظهرا من مظاهر الإنحطاط و التخلف الذي يعاني منه المجتمع، و يضيف في كتابه "النقد الذاتي" الذي أصدره سنة 1952 على أن الإنحطاط الذي أصاب المغرب و العالم الإسلامي قد أدى إلى تأخر في مكانة المرأة التي أصبحت مجرد متعة. هذا و إن كانت الشريعة الإسلامية حريصة على حقوق المرأة، فإن المجتمع كان يعرقل تطبيقها. كما أن جهل المرأة و الجو العام الذي تعيش فيه قد عاق تطورها و ضاعف من إستلابها. و إستند "علال الفاسي" على الشريعة الإسلامية في وصفه لحقوق المرأة المدنية حيث أكد على أن الإسلام قد وزع المسؤولية بين الرجل و المرأة و حدد مهام كل واحد و لكنه لم يمنع المرأة من أي عمل تختاره لنفسها إذا لم يتناف مع أصول الشريعة و قواعدها. حيث خول الإسلام للمرأة الحق في أن تتولى كثيرا من الوظائف و الشؤون العامة، و خول لها أن تشارك في الإجتهاد و التقنين و تبدي رأيها في كل مشاكل المجتمع و البلاد:" إن المرأة يجب أن تتمتع بما يتمتع به الرجل من حقوق و أن تقوم بما يقوم به الرجل من واجبات، و لكي تستطيع ذلك يجب أن يفتح لها المجال و تعد للقدرة على آداء ما يطلب منها، و لكن قبل ذلك يجب أن يتحرر الرجال أنفسهم من روح الجمود العتيق الذي جعلهم يفضلون التقاليد على الدين نفسه"(38).

 

كما تحدث"علال الفاسي" عن إمكانية إرساء مساواة بين الجنسين حيث قال:"إن من حق المرأة أن تتساوى مع الرجل، المساواة التي لا تتنافى مع طبائع الأشياء، لذلك يمكنها أن تشارك في الصالح العام بالخدمة و الفكر و الإرشاد، يمكنها أن تشغل مراكز العمل الإجتماعي و الإقتصادي و السياسي في الجماعة و في الدولة. و كل ما يدعيه الناس نقصا على المرأة عن مستوى القدرة الموجودة عند الرجل فليس إلا من آثار ما صنعته أجيال الإضطهاد و عصور الإنحطاط. و إن المرأة لقادرة إذا تركت و شأنها أن تصل للقيام بجلائل الأعمال و مهمات الأمور"(39).

 

لقد أعاد مفكرو النهضة الإعتبار إلى المرأة و طالبوا بحقوقها و ربطوا مكانة المرأة بالوضع المجتمعي العام. و قد برهنوا كذلك على إجتهاد فائق في الشريعة الإسلامية التي أصبحت أداة التجديد الفكري و التغيير المجتمعي. و كانت لعملية الإصلاح التي إهتمت بقضايا المرأة أثر بليغ في صفوف النساء، فأدت إلى تشكل و بلورة الوعي النسوي حيث دفعت بمجموعة من الناس إلى الإهتمام بقضية المرأة و النضال من أجل إكتساب حقوقها.

 

لقد إرتبط نضال المرأة العربيـة من أجـل إكتساب حقوقـها بالنضـال الوطني بالدرجة الأولـى، فالحركة النسائية العربية بدأت بوعي سياسي وطني فرضتـه ظروف المرحلة الإستعمارية مصحــوب بوعي إجتماعي ثقافي، و لم ترق إلى الوعي السياسي إلا مؤخرا، وعي قد تضاعف حيث أصبح ولوج المرأة مراكز القرار ضرورة ملحة لإثبات مكانتها و تلبـية حقوقـها المشـروعة مستـندة إلى المواثـيق الدولية والمرجعية الإسلامية.

 

واجهت حركة التجديد هذه معارضة عارمة من قبل الحركة الإسلامية و تم القذف بأراء مفكري النهضة و إنتقاد لاذع للحركة النسوية العربية. لقد قيد الإخوان المسلمون المرأة بوظيفتها البيولوجية واعتبروا أن طبيعتها مختلفة تماما عن طبيعة الرجل و أن مأواها الأول و الأخير هو البيت وأن وظيفة المرأة كزوجة و أم لها الأسبقية عن الوظائف الأخرى.

 

ولكن داخل الحركة الإسلامية نفسها هناك مواقف متـباينة تجاه مسـاهمة المرأة في الشـؤون العامة و لا سيما توليها مراكز القرار لكن كل تيار يأخذ بعين الإعتبار التغيرات المجتمعـية حتى و إن إنطلقت جميعها من الأحكام و التعاليم القرآنية، هكذا تبرز حركة الشيخ "راشد الغنوشي" أكثر تقدمية من حركة الإخوان المسلمين. و لذلك يرى الشيخ بأن الموقف المعارض لمشاركة المرأة غـير مـبرر شرعا و ليس في الإسلام ما يمنع المرأة من الولاية العامة أو القضاء أو الإمارة. و يستـند " راشـد الغنوشي" في تحليله على ما جـاء به الشيخ "ابن جرير الطبري" و الإمـام "أبو حنيفة" و الفقيـه "ابن حزم" الدين أجازوا للمرأة لا مجرد المشاركة في الإنتخابات أو الإنتماء إلى الأحـزاب أو القيام ببعض وظائف الدولة كالكتابة و الـوزارة، بل أجازوا لها تولي القضاء و هو من الولاية العامـة التي تقاس شروط الإمامة عليها"(40). و يـقول كذلك "محمد شحرور" في هذا الصـدد:" إن للمرأة الحق بأن تنتخب و أن تمارس أعلى مراكز المسؤولية في الدولة الإسلامية حتى رئاسة الدولة، و يحق لـها أن تصلي الجمعة مع الرجال و تشارك في ممارسة مهمات السلطة التشريعية و القضائية على أن تكون مؤهلة لذلك"(41). فالتربية و التعليم و التـأهيل هي الأداة الأساسية للوصول إلى هذه المناصـب بغض النظر عن الجنس، فالعلم إذا هو الأداة للتبحر في الشريعة و الوسيلة لتكوين الشخصية المؤهـلة لتحمل المسؤولية. و ما دام بـاب العلم مفتوحا أمام الجنسين كما جـاء به القرآن فإن إقصـاء المـرأة يتـم عـن طريق التقاليد و الأعراف و بعض التأويـلات الخاطـئة للدين و إذا كانت المرأة عبر تـاريخ الإسـلام لم تساهم بقسط وافر في تسيير شؤون الدولة الإسلاميـة، فإن "محمد شحرور" يرى أن المـرأة لـم تحكم ضمن سياق تاريخي لا ضمن تشريع إسلامي، أي أن هذا السلوك لا يعود إلى أحكام القرآن و إنما إلى طبـيعة الحـياة الاجتماعية السائدة، و إن لم تحكم المرأة في عهـد النبي (ص) فهـذا لا يعني أنها لن تتمكن من القيام بهذه المهمة في عصرنا الحالي، لأن وضع المرأة الاجتماعي و السياسي قد اختلف باختلاف الزمن ، ويضيف "الطاهر الحداد" قائلا: " إن كثيرا من الفقهاء يتناسون أن الإسلام دين الواقع و بتطوره يتطور و ذلك سر خلوده. فالقرآن لا يشمل أي نص يمنع المرأة من تولي أي عمل في الدولـة أو المجتمـع مهمـا كان هذا العـمل عظيمـا. و هذا يدل على أن هذه المسـائل ليسـت في جـوهر

 

الخاتمة

من خلال بحثنا هذا لم نجد في الإسلام ما ينص على إبعاد أو إقصـاء المـرأة من المشـاركة في الشؤون العامة و لم يمنعها قط من تسلم أي مركز في المسؤولية، بل يكفي أن تكون متعلمة و متوفرة على كفاءة تؤهلها لشغل ذلك المركز. و ما القصور في التعامل مع المرأة إلا مرده الأعـراف و النظـرة المترسـخة عبر التاريخ التي تعتـبرها ككائن تابـع، دون الرجل مكانـة و قيمة. و لـهذا مسؤولية الفقهاء اليوم في زمن العولمة، جسيمة في تطور وضع المرأة المسلمة، فضرورة الاجتهاد أصبـحت ملحـة من أجـل إرسـاء مسـاواة حقيقيـة بـين الجنسـين، خاصـة وأن فرص التعلـيم و العمـل فتحـت للمــرأة في المجتمعات العربية الإسلامية مجالا للحصول على شهادات عليا مكنـتها من الـتواجد في أعلى مراكز صنع القرار، سواء كان هذا في المجال الإقتصادي أو في المجال السياسي.

 

المراجع:

1ـ ابن حجر العسقلاني ، شرح البخاري، الجزء الأول، باب 36 ، حديث 101 ، ص . 195 .

2ـ ابن حجر العسقلاني، شرح البخاري، الجزء 6، كتاب الجهاد، باب 66، حديث 2881، ص.79.

3ـ محمد الغزالي، قضايا المراة، دار الشروق، القاهرة، 1990، ص. 92.

4ـ عائشة عبد الرحمن، الشخصية الإسلامية، دار العلم للملايين، بيروت، 1973، ص . 45.

5ـ صبحي الصالح، المرأة في الإسلام، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت ،1980، ص.18ـ19.

6ـ ابن حجر العسقلاني ، شرح البخاري، الجزء 9، كتاب النكاح، باب 108، حديث 5228، ص. 325.

7ـ صحيح البخاري ، كتاب المظالم، باب الغرفة والعليا المشرفة، ج 5، حديث 2468،ص.137ـ138.

8ـ فتنت مسيكة بّر، حقوق المرأة بين الشرع الإسلامي و الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، مؤسسة المعارف، بيروت، 1992، ص . 200.

9ـ المنجد في اللغة، دار المشرق، بيروت، 1969، ص. 919.

10ـ نفس المرجع ، ص . 918.

11ـ ظافر القاسمي، نظام الحكم في الشريعة و التاريخ الإسلامي، الكتاب الأول: الحياة الدستورية، دار النفائس، بيروت، 1982، ص . 473.

12ـ نفس المرجع، ص . 473.

13ـ محمد الحسن حسين الشرفي، ولاية المرأة في الإسلام ، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية دار العلوم، 1987، ص. 87ـ91.

_14 عبد الحميد إبراهيم ابو سعدة، مركز المراة في الشريعة الإسلامية و حق توليها القضاء، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر، كلية الشريعة و القانون، 1987، ص . 37.

15ـ سورة النساء، الآية 34.

16ـ صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب قوله تعالى:" و أطيعوا اللـه و رسوله و أولي الأمر منكم "

جـ 13 ، حديث 7138، ص . 119.

17ـ صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب كتاب النبيّ (ص) إلى كسرى و قيصر، جـ7، حديث 4425،

ص. 732.

18ـ مصطفى السباعي، المراة بين الفقه والقانون، المكتب الإسلامي، بيروت، 1975، ص. 39.

19ـ نفس المرجع، ص. 41.

20ـ صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض للصوم، جـ1، حديث 304، ص . 483.

21ـ أحمد بن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار الريان للتراث، القاهرة،

1978، جـ.7، ص.735.

22ـ صحيح البخاري، كتاب الإيمان و النذور، باب كيف كانت يمين النبي(ص)، جـ . 11، حديث

6639، ص . 531.

23-F. Mernissi, Le Harem politique, A .Michel , Paris, 1987, p. 81.

24ـ راشد الغنوشي ، الحريات العامّة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993، ص .128ـ129.

25ـ سورة النمل، الآيات 28ـ 44.

26ـ كامل عبود موسى،الحقوق المعنوية للمرأة في التشريع الإسلامي ، رسالة دكتوراه، جامعةالأزهر، كلية الشريعة و القانون، 1982، ص . 19.

27ـ حسين عبد الحميد أحمد رشوان، علم إجتماع المرأة، المكتب الجامعي الحديث، القاهرة، 1998،

ص .27.

28ـ صحيح البخاري، كتاب اللّباس، باب ما كان النبي يتجاوز من اللّّباس والبسط، جـ10،حديث 5843، ص . 314.

29ـ عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الإستبداد و مصارع الإستعباد، الطبعة الرحمانية، القاهرة،1931،

ص . 7ـ8.

30ـ قاسم امين، تحرير المرأة، موفم للنشر، الجزائر، 1988، ص . 13.

31ـ نفس المرجع ، ص . 14.

32ـ " " ، ص . 17.

33ـ " " ، ص . 18.

34ـ " " ، ص . 54.

35ـ " " ، ص. 65.

36ـ فاطمة الزهراء أزريول ، المرأة و السلطة، نشر الفنك، الدار البيضاء، 1990، ص . 17.

37ـ الطاهر الحداد، إمرأتنا في الشريعة و المجتمع، الدارالتونسية للنشر، تونس، 0198، ص. 15.

38ـ علال الفاسي، النقد الذاتي، مطبعة الرسالة، الرباط، 1979، ص . 301 .

39ـ نفس المرجع، ص . 305 .

40ـ راشد الغنوشي، مرجع سابق ، ص . 130.

41ـ محمد شحرور، الكتاب و القرآن، قراءة معاصرة، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 1996، ص . 130.

42ـ الطاهر الحداد ، مرجع سابق ، ص .28.

أضيفت في14/05/2008/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

الهم الجسدي في الأدب النسائي الحداثي

 

بقلم الكاتبة: د. صالحة رحوتي

 

مقدمة

الإسلام حرر الإنسان كله، وما عمل على تكريس الفصل المقيت بين مكوناه، إذ اعتبره مزيجا من حفنة من طين ومن نفخة علوية، فإن اعتنى ذلك المخلوق بالجزء الطيني فقط واحتفى به وبمتطلباته ارتكس وانغمس في الطين، وإن زاوج معه الاهتمام بالجزء الروحي أيضا، اعتلى وسما وانجذب من وهدة التردي والاندحار.

 

وإيثار الجسد بالاهتمام كله في أي مجال كان سواء الأدبي أو غيره مفسدة وتضييع لحق الإنسان في التمتع بإنسانية تكرمه وترفعه، فالحيوانات إن استجابت لنداء الجسد المجرد وانساقت مع دعواته فإنها المسيرة في ذلك، وهذا مكمن الفرق مع الإنسان، ذلك المميز بالعقل المُقَيِِّد للغرائز المُسيِّر لها وفق ما يخدم حاجات روحه ونفسه و مجتمعه و ووطنه، و كذا العالم كله الذي هو مكلف بحسن الاستخلاف فيه.

 

ونظرا لتغييب مثل هذه القناعات الداعية إلى عدم إفراد الجسد بالاهتمام ـ و كذا اعتباره فقط رافدا يجب التعامل معه بما يجب مما ورد في مبادئ الدين ـ نرى أن انحرافات شتى بدت واضحة المعالم في كل الميادين و المجالات...

 

ولم يُغمط المجال الإبداعي الأدبي حقه من هذه الظاهرة، إذ اجتاح الحديث عن الأجساد جل مضامين الإبداعات الأدبية بصفة عامة، و خاصة منها تلك التي نسجت خيوطها المبدعات من النساء.

 

فالجسد حاضر في كل منعطف، و مُحتفى به في كل ركن...و مُطالَب بتمتيعه بأقصى درجات الحريات في جل الأنساق من الكلمات...

 

إنها المعادلات أضحت الثابتة و من قبيل المتفق عليه لديهن هن "المثقفات" الحداثيات النسوانيات، وهي كذلك المفاهيم الراسخة و أصبحت غير القابلة للتجاوز عندهن إلا تحت طائلة الوسم بالرجعية و بتكريس استحسان استعباد النساء...

 

* ـ البيت = السجن.

* ـ الزوج = تبلد الحس والبرود العاطفي.

* ـ الحياة الزوجية = القيود اللامرئية الموغلة بالمرأة في الإحباط و الضياع.

* ـ الجسد = الجوع الجنسي المتواتر غير المشبع بفعل الضغوط النفسية الناتجة عن التقاليد والدين و الزواج...

* ـ الدين = الأغلال و الحيف...وأيضا شتى صنوف القهر المبيحة لكبح حرية الجسد، و الداعية لعدم تمتيعه و الإمتاع به، و المانعة من حرية التعامل به و معه.

 

وهكذا...هلم جرا

 

ثم وهن دائما على نفس المنوال ينسجن...إذ:

 

* ـ إنه الحرمان الجسدي ذلك المتغنى به... المصور بعناية، والمشوب برثائيات للجسد الوَلِهِ إلى الإشباع و إلى الارتواء...

 

* ـ وإنها المعاناة النفسية الناتجة عن ذلك لدى المرأة في كل الطبقات و كل الفئات...

 

* ـ و إنها الدعوة إلى تخطي الحدود المرسومة، وإلى تحدي المتفق عليه...و إلى تجاهل الأحكام المسبقة و المحاكمات المجتمعية في سبيل تحقيق حقوق ذلك الجسد الظمآن المتشظي بفعل الحرمان...

 

* ـ و إنه التحفيز على الأخذ بالمباهج المتاحة لذلك الجسد الآيل إلى ترد، و من ثم زوال...و ذلك قبل فوات الأوان...

 

* ـ و إنه الجهر بالدعوة إلى ممارسة ما يمارسه الرجل من "حريات" في هذا المجال و هو "مضمون" الشرف "موفور" الكرامة...غير محاكم من طرف التقاليد

و الأعراف...

 

هذا هو المعبر عنه فقط ـ أو تقريبا ـ في كل النتاجات الإبداعية النسائية الحداثية...

 

ويُدبَّج و يُنمق الكل في لوحات تتكرر بشكل لا متناهي، و النتيجة صور نمطية تتكرر للمرأة المقصاة من تحرير الجسد، و من الاستمتاع بكل قدراته و إمكانياته و مكوناته...

 

وتَستخرِجُ تلك الصور المتناسلة أسئلة تفرض نفسها، بل و تلح في طلب الجواب، وذلك انطلاقا من أن تكريس الأديبات النسوانيات لجزء غير بسيط من إنتاجهن الأدبي للحديث حول كل ما يتعلق بالجسد، و برغباته... و بما يحيط به... و ما هو كائن حوله... لا بد ونابع من وجود حيثيات و أسباب معينة لابد أن منها:

 

1 ـ تداعيات وتأثير نمط الحياة الخاصة بهن هن المبدعات.

2 ـ الرغبة في ممارسة حرية التصوير و التعبير في الإبداع الأدبي كما تريده المدرسة الأدبية الحداثية.

3 ـ ركوب صهوة التحدي و الإقتداء بالأديب المبدع الرجل.

4 ـ الرغبة في إرضاء الغرب لنيل الحظوة لديه.

هذه على سبيل التمثيل لا الحصر بعض الأسباب، إذ لعل هنالك أخرى...و هذه أيضا محاولة للحديث حول هذا البعض المذكور في ما يلي:

 

1 ـ تداعيات وتأثير نمط الحياة الخاصة:

إذ يبدو و كأن مؤثرات ما نابعة من الوضعية الأسرية و العائلية للأديبات تتداخل

وتوجه مسار الإبداع المنتج من لدنهن...و ذلك من قبيل:

 

أ ـ الحرمان من حياة زوجية مستقرة مشبعة:

و الذي قد يكون تأتى من أسباب شتى منها:

 

* ـ استمرار العزوبة:

ـ للعزوف صدر منهن عمدا عن الزواج في زمن ما...و ذلك تبعا للقناعات الإيديولوجية التقدمية و الاشتراكية كانت سائدة في الزمن الماضي، أو تلك الحداثية المنتشرة الآن بعد انهيار محراب المعسكر الشرقي، و ذلك انطلاقا من الحمولة الثقافية المواكبة للزواج كمكبل مقيد للمرأة في تلك الإيديولوجيات.

 

ـ أو للعنوسة الطارئة عليهن لأسباب اجتماعية أو ثقافية أو حتى شكلية مظهرية ما...

 

* ـ فقدان الزوج:

سواء:

ـ بالطلاق نظرا لعدم التوفق في الاستمرار في المؤسسة الزوجية.

ـ أو بوفاته ذلك الزوج.

 

ب ـ الرتابة و الملل في الحياة الزوجية:

هذه المظاهر التي تتسلل قد تدريجيا إلى الحياة الخاصة لأولئك المبدعات، التي تتحول بفعل الزمن إلى تباعد و تنافر بين الشريكين، و بالتالي إلى منجم للكآبة و التشاؤم، و تنحو بهن إلى تصوير الحلم بتحرير العلاقات الجسدية كحق مشروع للتخلص من أغلال الحرمان حتى دونما اعتبار للأخلاق...

 

ج ـ انعدام القناعات الدينية:

خاصة تلك التي تدعو إلى اعتبار الحياة الزوجية مؤسسة عبادية تتمحور حول إثبات القدرة على التعايش مع الشريك، و تنبني على الصبر و التحمل و تفهم ذلك الآخر و قبول هناته و ضعفه، كما تعتمد على الاستمتاع بمحاسن ذلك الآخر و بخصاله الطيبة، إذ هي تمظهرات الحياة كلها العبادة... و العبادة تمكن من الأجر، والأجر لا يكون إلا على قدر تجاهل المشقة و تخطي الصعاب.

 

د ـ انعدام القيم و المبادئ الدينية الضابطة للاستقامة الأسرية:

أي تلك المانعة من الانحراف الخلقي للأزواج، تلك الصادة لهم عن الخروج من أجل اصطياد المتعة الحرام التي تلهي و تمنع من الإحصان و الإعفاف المتبادل بين الزوجين.

فعدم الابتعاد عن المسكرات، و عدم تفادي الفضاءات المفتوحة المختلطة الماجنة، تساهم في التفلت و الانحلال الأسري، ذلك الذي يمارس باسم التحرر و التمدن المعتقد ضرورة تواجده ضمن مبادئ التقدمية و الفكر الحداثي "المتحضر"و الغير رجعي، و المتبع من طرف أولائك المنخرطين في سلك "الثقافة" و "التمدن"و العصرنة".

 

هـ ـ اقتران نسبة من الأديبات النسوانيات بمن ينتمون لنفس الفئة من الأدباء أو ال"الفنانين" والمبدعين:

الذين يرون في التحلل الأخلاقي و عدم اعتبار الأخلاق في التعبير الأدبي كما في الحياة الشخصية أسس و أعمدة ضرورية مكونة الصورة النمطية للكاتب أو المبدع الموهوب، ذلك الذي تُراد و تُتطلب منه ـ كما يعتقد هو و أمثاله في التوجه الفكري ـ بوهيمية و خروج عن المألوف و عن العادي، و ثورة على كل الالتزامات الاجتماعية حتى يستكمل شروط الانتماء إلى شريحة المتميزين.

 

هي صفات و سلوكيات معينة خاصة إذا تتبدى و تظهر من هذه الفئة من الأزواج... وتجد فيها حتما كل زوجة بغض النظر عن كونها أديبة مثقفة ـ ما يكفي من العوامل من أجل إعانتها على عدم استمراء العيش في بيت الزوجية، وذلك لأنانية وفردانية تطبع هذا النمط من الأزواج يصعب التواجد معهم في فضاء واحد، بله الحصول على التواصل الشعوري و الإشباع العاطفي ومن ثم الجسدي.

 

و ـ التشبع بمؤثرات عالم الخيال الجامح:

وكذلك قلة الجهد المبذول من طرف أولائك المبدعات من أجل المزاوجة المنطقية العقلانية داخل دواليب الفكر لديهن بين اللاواقعية في عالم الأحلام الأدبي المفعم بالحب والوله والغرام، وبين عالم الواقع المعاش الذي يتواتر فيه اليسر مع العثرات.

 

ز ـ التيه والتحليق في العوالم المتعالية الوهمية السردية والشعرية:

ذلك الذي يوحي بالازدراء لذلك الشريك المتشبث بالأرض، الغير المبحلق في فضاءات الخيال، و ذلك بالنسبة للمقترنات بغير المنتمين لشريحة المثقفين من المبدعات.

 

2 ـ الرغبة في ممارسة حرية التصوير و التعبير في الإبداع الأدبي كما تريده المدرسة الأدبية الحداثية.

وذلك دون خلط بين الإبداع والأخلاق، أي دونما قبول لأي نوع من الوصاية القيمية على ما تريد المبدعة الأديبة تصويره والحديث عنه وإيصاله إلى الناس...

فالحديث عن الجسد هو المحور الرئيس لذلك "المسكوت عنه"، ذلك الذي يشكل الهم الأساس الذي ينبغي أن يدور حوله الإبداع الأدبي بالنسبة لهذه الفئة من "المبدعات"!!!

 

فالتعبير الحر عن كل ما يدور في الخلد هو المطلوب، و نقل كل ما يوجد في الواقع دونما حدود ولا موانع ولا ضوابط هو المنهج و المنحى...ذلك الذي لا يقبل تصويبا نابعا من دين، و لا تسديدا ممتوحا من قيم...

 

إذ يُرفع شعار الفن للفن و تُرفض وصاية الأخلاق، ويُشجب تحكيم الفضائل والمكارم، و يُتحجج بالرغبة في نقل الواقع كما هو دونما رتوش ولا تطفيف ولا تبديل للعناصر المكونة له...

 

إذ إنما هو التصوير الحرفي ذلك الإبداع فقط...دونما نقد و لا إبداء رأي و لا تدخل و لا طرح حلول...

 

إذ تجد نفسها هي الأديبة الحداثية ـ انطلاقا من المفاهيم الموجهة لها و المتجدرة في حناياها ـ لا ترغب في أن تقوم بدور الواعظة، و لا الداعية إلى نبذ الانحراف، و لا المنادية بالأوبة إلى تفعيل ما يجب أن يكون!!!

 

فلا محاكمة للبطل المنحرف، و لا تجريم للسالك منحى الابتذال...و خاصة لا نقد للمتاجرة بالجسد... و لا انتقاص ممن حرره من كل ممنوع ذلك الجسد، بل هو ذلك المُنْتصَر له و لرغباته دون هوادة و دون توقف و في كل الظروف و الأحوال، و أيضا في جميع الأماكن و الأزمنة...

 

إذ ترى المبدعة أن القيم تخنق الإبداع، و تحسر الجمالية، و تجعل من النص الإبداعي شذرات مواعظ، و نتف خطب توجيهية ليست إلا!!!

 

إذ عليها أن تتحرر من كل ربق من أجل إحسان التصوير و إتقان التعبير...ثم هو الواقع الذي يملي ما يجب أن يقال و أن يكتب...فما للأديبة إلا أن تنقل بأمانة من أجل تسليط الضوء، و فضح المتواطأ على السكوت عنه و على تجاهل آثاره و تداعياته..و من ثم من أجل رفع الحرج عن الحديث عنه وعن مكوناته و مظاهره، ومن بعد ذلك جعله يكتسي طابع العادي و الطبيعي...و تخليصه من أحكام القيم و الأخلاق و الدين المناهضة له و المدينة لتواجده...

 

وطبعا هو الجسد عماد الإبداع و محور مضامينه...الذي ترى هي المبدعة "المتنورة" أن تحرير الإبداع حوله حتما يؤدي إلى تحريره... و بالتالي إلى تحريرها هي الموسومة بالنقص من طرف الدين و التقاليد.

 

لكن هذا الطرح لا يمكن أن يصمد أمام "المنطق" التَّخَيُري الذي تتبناه الحداثة، و الذي يُحَكَّم بعد ذلك فيما يتعلق بمواضيع أخرى خارجة عن نطاق الجسد، وعن حرية التعبير عنه، و عن احتياجاته و رغباته، و في نفس الميدان...أي ذلك الأدبي...

 

إذ ما القول في نص متفاقم الجمالية لغة وأسلوبا، ويصور ثم و يبرر ضمنيا القيام بتفجير للجسد ـ عملية إرهابية دنيئة ـ أ فتحتسب آنذاك عذوبة اللغة وشاعريتها و جمالها وحدهن، أم أن النص سيحمل عبئ تمرير رسالة عنف مقيت مخرب ما...

 

فكما يجب شجب النص المحمل بالعنف، يجب فعل المماثل بالنسبة للنص المحمل بالانحراف الخلقي، ذلك "العنف القيمي" المبيح للتفلت و لركوب موجات الانحلال و المجون بحجة حرية استعمال المرأة لجسدها كيفما تريد و تشاء... فكلها أدواء و تعصف بصحة و باستقرار المجتمعات.

 

وحتى إذا كان هنالك من حيف تقاليدي منع المرأة من حق جسدي شرعي لها، فليكن التصوير هادفا و نظيفا، و غير موسوم بالسوقية و الانحطاط، وغير مسوق لصور جنسية مشينة لا يبتغى من ورائها سوى إثارة الغرائز و إشعال نار الشهوات...

 

فالنص الأدبي يمكن أن يكون المتميز، و ذلك حتى و لو لم يتحرر من سلطة القيم و من الأخلاق، إذ هو قادر على تصوير الواقع بحذافيره...لكن دون ابتذال، وكذلك دون عرض لوقائع مغرضة يمكن استيعاب مرمى مجملها و ملخصها دونما تفاصيل مثقلة و مغرقة في وحل السلوك، لا يمكن إلا أن تعمل على تطبيع السقوط و التردي و الانحراف.

 

إذ ـ كمثال ـ ما هو الأفضل بالنسبة نص أدبي يتحدث عن الاغتصاب، أهو تصوير اللقطة كلها وبكل التفاصيل "المثيرة"؟

أم الاكتفاء بالتلميح لبقية ما هو معلوم كينونته في فعل الاغتصاب صيانة للمشاعر من التقزز و الصدمة، و للغرائز من الاستثارة والاشتعال؟

 

وكمحاولة للتفكير حول قضية التحرر الكامل من كل قيد أثناء الفعل الإبداعي، و الذي تتبناه هي الأديبة الحداثية و تراه الحق و الصواب، و من ثم تتوسله من أجل الإغراق في الحديث حوله هو الجسد، أدعوها، هي و كل من يؤمن بضرورة عدم احتساب المضمون عند تقييم جمالية النصوص الأدبية إلى التأمل حول الإبداع في موضوع يعتبر محرما و غير أخلاقي عند من يؤمن نظريا ب"الحداثة":موضوع "المحرقة اليهودية"...

 

إذ أو يمكن لأي كاتب ـ حتى الغربي ـ أن يبدع نصا يفيض جمالية وشعرية، ثم وينفي المحرقة، ثم ويصفق ذلك الغرب الحداثي لإبداعه دونما احتساب للمضمون؟؟؟؟

ثم أو يمكن له ذلك الأديب أن يشيد بالإسلام و يدافع عنه ثم و يُجَوِّد القالب حتى النخاع، ثم و ينال الرضا و الإطناب و المديح منه ذلك الغرب؟؟؟

 

لا شك وأن الغرب الحداثي يُحَكِّم إيديولوجيته و الفكر السائد فيه من كل المضامين الواردة في كل النصوص الأدبية، و ذلك قبل إبداء الرأي فيها هي الأنساق المستعملة في الأجناس الأدبية الحاملة لتلك المضامين.

 

وما أجاز من نصوص إبداعية للمسلمين، و كال لها المديح، بل و توجها بالجوائز، إلا من بعد ما تضمنت قدحا في الإسلام و أهله، و تجريحا له و لهم، وإكبارا له ـ هو القبلة الثقافية الفكرية ـ و لقيمه و مبادئه!!!و ذلك رغم تردي القالب و هزالة الجمالية وانحسار الجودة.

 

هو المضمون إذا ذلك المعتبر حتى عندهم!!!

وهي الكذبة إذا عدم إقحام المضمون حين تقييم النص عند سدنة الحداثة الذين اقتبست منهم تلك المبدعةََََ!!

وهو الهراء أيضا عدم السماح بتدخل القيم والأخلاق عند مبتكري عجل الحداثة ومؤلهيه!!

 

فالنص الأدبي المصور للقطات الجنس الرخيص و المعبر عن حاجيات الجسد الآبق المنحرف لا يمكن أبدا أن يتسم بالجمالية مهما جملت عباراته ونُقِّح أسلوبه، و ذلك لقبح المعاني الواردة فيه، تلك الداعية إلى نشر الفوضى و العبثية، و تلك المؤدية إلى القضاء على الاستقرار الاجتماعي الرهين بتواجد القيم و المبادئ الربانية الممتوحة من تعاليم الدين.

 

3 ـ ركوب صهوة التحدي والاقتداء بالأديب المبدع الرجل:

هو الفكر الحداثي طبعا الذي دعاها هي الأديبة ـ كما سلف الذكر ـ إلى التحرر من كل قيد أثناء الفعل الإبداعي...و هو الذي سوغ لها أن تطرق ما تريد و ترضى من مواضيع ـ و بخاصة موضوعها المفضل المتمحور حول الجسد ـ وذلك دون الاهتمام بردود الفعل من الجميع...

لكنها أيضا تلك الرغبة في اقتفاء أثر الرجل المبدع في هذا المجال الموجودة، بل

والملحة المؤثرة...

فالقضية تكمن في أن المرأة ـ التي حرمت لعصور بفعل التقاليد المجحفة في حق الرجل و المرأة على السواء ـ رامت الإقتداء بذلك الرجل الذي سبقها إلى ميدان الأدب و الإبداع الأدبي، فسارت و تسير وراءه خطوة بخطوة، معتبرة أن التحدي و كسب الرهان يكمن في أن تفعل هي أيضا كل ما كان و ما زال يفعله هو...

فإذا كان هو يعري المرأة في كتاباته ويعتبرها جسدا يتسلى بوصف تفاصيله ولا يجرأ أحد على محاسبته...فلتفعل هي أيضا لأنها ليس أقل من قدرة منه على فعل ذلك!

بل لتفعل ثم ليس من حق أحد أيضا في أن يحاكمها، تماما كما كان عليه الأمر مع الرجل...

وإذ كان هو ينزل فكريا و شخصيا إلى المواخير و الحانات من أجل تصوير أحوال أهل تلك المواقع و الأماكن، و من أجل تبرير سلوكياتهم بحقهم في التمتع بالعيش، أو حتى من أجل التدليل على حق النساء منهم في كسب لقمة العيش ببيع الجسد ـ الملكية الخاصة لهن ـ لظروف اقتصادية معينة، فلتسِر هي أيضا نفس المسار...

ولِتُورِد الحجج على المساواة الكاملة غير المشروطة الضروري توفيرها للمرأة مع الرجل في هذا المجال!!!

ثم تنسى أنها بذلك تعترف بوجود سوق النخاسة...و تكرس بيع النساء لطالبي المتع الرخيصة من الرجال المنحرفين الناشرين للمفاسد و لكل ضروب الاختلالات.

 

ثم هي تنسى أيضا ـ أو تتجاهل ـ أنها بذلك تكرس فكرة تشييء المرأة واحتسابها من المتاع ـ المسموح بحرية التعامل به و معه ـ بل و توافق عليه ذلك المنحى، و تعين حتى على نشر الوعي به...

والمشكلة أنها لا تسلم بعد ذلك من محاكمة الرجل التقاليدي الفكر، الذي يستبيح لنفسه ما لا يسمح به للمرأة، لأنه هو الذي سطر بنود القوانين التي تحاكمها، والتي عبثا تحاول أن تتخلص منها...

إذ مما لا شك فيه أن ذلك الرجل الذي تصور هي عنفه تجاه المرأة، و كذا استخفافه بحقها الجسدي، و حرمانه لها من حسن التمتع بحرية الكيان المادي الخاص بها، أي ذلك الجسد، هو الذي سيحاكم إبداعها آخر الأمر... و سيُقيِّمه و يبدي رأيه فيه كمبدع ـ إذ سبقها إلى الميدان و له فيه اليد الطولى و التأثير الغالب الكاسح ـ لكنه سيفعل كرجل طبعا و ليس كمبدع و أديب...بل و كرجل ابن بيئته التي لا يمكن أن ينفك عنها، إذ لا بد وأن الفكر التقاليدي قد بصم عقله و حناياه...

 

إذ أنه مهما ابتعد عن الدين و التدين، و مهما اعتنق من إيديولوجيات "مُحرِّرَة" كالاشتراكية و الحداثة و الأممية حتى...و هلم جرا... لا بد و يبقى الرجل العربي الموسوم ب"المحافظة" التقاليدية، و التي تقتضي الحفاظ على الإناث من الأسرة و العائلة من التفلت، وكذلك من سوء نوايا الغير ومن اعتداءاتهم و من تحرشاتهم...

 

ولذا فبالرغم من أنه قد يوجد من" المبدعين" الحداثيين التقدميين في واقعنا من يصفق للإبداعات النسوية التي تتغنى بالجسد و بحرية استعماله، ويعلن تضامنه مع مُنتِجاتها من الحداثيات، إلا أنه لا بد و يزدري في أغوار نفسه سلوك أولائك المبدعات اللواتي حتما يعتبرهن منحرفات ماجنات، بل هو حتى في غالب الأحيان قد يحاول استغلال تلك الأفكار التحررية"المؤمن بها من طرفهن حتى يأخذ حقه من أجسادهن "المحررة" المبذولة المبتذلة المشاع.

إذ كثيرا ما يوجد من يكتب فسقا و يصور فجورا في أعماله الأدبية، ثم هو لا يمكن أن يقبل أن تفعل زوجته المبدعة الفعل ذاته...و لا أن تكتب وفق المنحى إياه...

إذ أنه لا يضمن أنه لا يكون هنالك من سيتحدث بأنها قد عاشت تلك التجارب الجسدية، أو أنها على الأقل أنها من تتحرق لكي تتمتع بها...أو أنه هو ـ و ذلك على الأقل ـ ذلك الزوج غير المقنع و المشبع جسديا و لا المرضي عنه!!!

و هذا ما لا يرضاه المبدع العربي مهما تخلص من ربق الدين... و مهما «تعصرن"... و إلى أي حد ما تضمخ ب"نور" الحداثة و تعطر ب"أريج" الحضارة و التقدم!!!

 

و الحل ـ لكي تُتَفادى هذه الانزلاقات ـ يكمن في أن تتبنى المرأة مسارا خاصا في التعبير الأدبي يعبر عن خصوصياتها، و ذلك دون أن تمتح مما يفعله الرجل في هذا الميدان، و دون أن تتوسل الوسائل التي اختارها...و لتترك المسار الإبداعي ينساب بعفوية وبفطرية دونما تكلف و لا إقتداء، ولا حتى استعداء و لا شجار و لا تنافس، بل بتكامل و تعاون و تفاهم و تلاقح أفكار...

فلتكن هي هي، ولتعبر عما يعنيها و يخصها ككيان له مقوماته و معاييره و مميزاته، و عن ما تريد أن تعبر عنه بحرية مع اعتبار لحيثيات الواقع المعاش، دو نما تحد و لا استفزاز، بل برغبة أكيدة في التواصل و إسماع الصوت، و مع استحضار هم تصحيح مسار علاقات بينها و المجتمع ككل، ثم بينها و بين الشقيق في الأحكام، كانت وما زالت تلك العلاقات يشوبها الغبش، و يلطخها سوء الفهم، و تحطم وشائجها التقاليد البعيدة عن الدين...

 

4 ـ الرغبة في إرضاء الغرب لنيل الحظوة لديه

إنه مما لا شك فيه أن كينونة المبدعة المرأة في المجتمع العربي صمام أمان له،

ووسام فخار على صدره، إذ هي الأقدر على التعبير عن حاجيات نصف ذلك المجتمع، و الأماكن من حسن تصوير واقع النساء اللواتي تشترك معهن في الهوية و الجنس و الآمال و التطلعات، وحتى في كل حيثيات الماضي و الحاضر و المستقبل...

 

لكن المشكلة أن الإبداعات الأدبية منهن هن المبدعات الحداثيات، تلك التي كان من الممكن أن تكون آليات تغيير وإمتاع في نفس الوقت، تنقي الشوائب و تغرس الأصيل، و تلك الصادرة ممن يفترض أنهن يعشن الهم ويكتوين بلهبه، لا تعبر حقيقة عن واقع المجتمع، و بالخصوص عن حاجة المرأة الرئيسية في أن تتمتع بإنسانيتها أولا و أخيرا قبل كل شيء...إنسانية أصيلة تستحقها،و نابعة من كونها من جنس المكرم من طرف الباري عز وجل الذي استخلفها كما الرجل، من أجل إعمار الأرض وفق منهج الحق و الصواب.

 

ثم والإشكالية تتفاقم و تتناسل منها الأبعاد و التداعيات حين يشتهرن أو لائك المبدعات، إذ يترقين و يرقين درجات السلم الاجتماعي بفضل "ثقافتهن"

وإصداراتهن، ثم و ينسين هموم القاعدة الأوسع من عموم النساء، ويصبح همهن الأكبر هو إثارة انتباه السيد الغرب و تلامذته النجباء و استجداء جوائزهم، و ذلك عن طريق الكتابة حول المرغوب في الحديث عنه من فضائح و شذوذ في الفكر والسلوك، كتابة تتوخى التصوير و النشر في واضحة الضوء و كذا التطبيع، دونما محاولة لفهم الأسباب، و للبحث عن الحلول.

 

و حينذاك، أي حين النأي عن الفضاءات الطبيعية ـ التي تتفاعل و تحيى فيها المرأة بعفوية ـ يصطنعن الحديث عن عدم الزج بالأخلاق، و ينادين بعدم احتساب ما ورد في المضمون من مفاهيم عند تقييم الإبداع كما سلف الذكر، و يتخذن هذه الحجج متاريس يتوقين بها تبعات كل مساءلة حول تأثير ما يكتبن، و حول آثار ما ينشرن من مفاهيم على التوجه القيمي و الأخلاقي في المجتمع بشكل عام، تلك المفاهيم الدخيلة المستوردة و التي يجدن أنفسهن مطالبات بتسويقها في إطار السياق الثقافي والفكري المتبع من طرفهن.

 

الهم الجسدي لدى المرأة...مقاربة تصورية إبداعية...

وبعد محاولة جرد و تتبع الأسباب الداعية إلى احتكار الحديث عن الجسد لجل إبداعات الحداثيات، أعتقد أنه من المطلوب العمل على صياغة مقاربة ممكنة معقولة ممتوحة من القيم الربانية، و تؤدي إلى درء الغموض و إلى تسليط الضوء على هذه القضية المهمة المحور، قضية علاقة المرأة بالجسد في واقعنا التقاليدي البعيد عن الدين...

 

إذ الحديث عن الجسد ليس من قبيل المحرم و لا الغير مرغوب فيه كلية...فالحق الجسدي للمرأة كفله الشرع، و أيد ذلك العلم المدعو إلى اعتماد نتائجه من طرف الدين، و ليس من المطلوب إلغاؤه و تجاوزه بالكلية من طرف المرأة في إبداعاتها الأدبية، إنما المستهجن هو تكرار طرح هذا الموضوع في الكتابات النسوية، حتى أن القارئ أو المتلقي ليظن أن ما لها ـ هي الأنثى ـ انشغال إلا بتضاريس الجسد تستفتيها حول كيفية سد جوعتها...

 

ثم و حتى لو أن المبدعة لا تعاني فعلا من الحرمان الجسدي ذلك الموضوع المستهلك، وتصوره فقط من أجل تسليط الضوء عليه ونقده، ولكي تساهم في فضح مكنوناته أمام المجتمع من أجل علاجه، فإن في هذا الأمر هدر لطاقاتها الأدبية والفكرية، لأن للمرأة هموما أخرى أهم و أفدح تأثيرا عليها وعلى محيطها من قضية الحرمان من حق الجسد.

فأنواع متناسلة متعددة من القهر تمارس على المرأة، جور وحيف و طغيان و ينزرع الكل شوكا في دهاليز حياة النساء ليردوها أسفل سافلين... متاهة حالكة منتنة و تنتعش فيها الحيرة و الضياع...و يساق النساء إلي فضاءاتها عنفا كل آن و حين.

 

ثم إن الهم الجسدي لدى المرأة ليس هما قائما بذاته منبثقا من نفسه، إنما هو عبارة عن تداعيات كثيرة أشياء أخرى...

فعن طريق الغوص في حميميات النساء، و بواسطة تقصى أغوار أسرارهن الزوجية، يبدو واضحا أن الحواجز بين المرأة و بين التواصل الحميمي المشبع مع الزوج منبعه الإحساس بالظلم الممارس من طرفه تجاهها، سواء أكان ذلك الظلم متعمدا، أو حتى دون نية الإساءة لسيطرة و انحشار التقاليد.

 

فعدم الإشباع الحاصل لديها ليس مرجعه إلى عدم حضور جسد يقاربها، وإنما لغلالة من الأحاسيس والمشاعر تمنعها من استمراء ذلك القرب.

فبعض حقد دفين يتغلغل تدريجا مع تواتر السلوكيات المهينة لها، حتى تصبح المقاربة عبئا ترزح تحت ثقله و تمقت حدوثه و كينونته، ثم و هي لا تستطيع البوح بالإحساس بالظلم لتواطؤ الكل على تقبله و على التعايش معه، لكن و مع مرور الزمن لا بد و أن يبدو منها ما ينبئ عن استثقالها لتلك العلاقات الحميمية، فتنشأ لدى الزوج أحاسيس تجاهها يطبعها التجاهل و يداخلها الاستعلاء، ثم من بعد ذلك:

 

ـ فإما يستمر في استغلال الجسد لأنه "مِلكُه"، ولو أنه يعلم بعدم رضا صاحبته، تأكيدا لقوامة يراها له، و يعتقد أنها تكفل له حق التصرف فيها كلها حتى و لو كانت كارهة له.

 

ـ وإما يستعيض عن ذلك الجسد الغير مستمرئ للعلاقة، الغير متجاوب، بآخر منقاد يلبي رغباته، سواء في "الحلال" عن طريق التعدد، أو في الحرام بارتياد المواخير و ذلك حسب التوجه، و على قدر كَمِّ المبادئ و القيم.

 

و لذا فإن حل المشكلة ليس بتسليط الضوء على النتيجة وإنما على الأسباب.

إذ النتيجة ما هي إلا حصيلة تراكمات ما، هي الفاعلة الحقيقية في عملية إنتاج مشكل ما.

لكن...أو تروم الحداثيات المكرسات أدبهن للحديث عن الأجساد البحث عن حلول أو حتى التعريف بإشكاليات ما بخصوص هذا الموضوع و حوله؟؟؟

 

إذ لعله من العبثية بمكان أن يقال بأن الأدب ما هو إلا النقل و التصوير بهدف الإمتاع بالقالب الجميل المنمق لا غير...

 

ثم...لا بد و أن هذا الطرح ـ على الأقل تطبيقيا ـ متجاوز و مرفوض من طرف المبدعات النسوانيات الحداثيات، إذ هن بالرغم من أنهن يحاولن الإقناع نظريا باعتناقهن للمقولة الحداثية "الفن للفن" دون استهداف الفعالية و التغيير، إلا أنهن يُصَرِّحْن أيضا ـ و على الكثير من المنابر ـ أنهن يَرُمْنَ من وراء إنتاجاتهن الأدبية إلى إسماع صوت النساء، و إلى إظهار واقعهن المطموس و المخنوق بالمسكوت عنه عن طريق تعريته بالكتابة عنه، هو و كل ما يحيط به...

 

وانطلاقا إذا من إرادة التغيير هاته الكامنة والمضمنة في خطابات هؤلاء المبدعات، فإن تكرار تصوير الهم الجسدي للمرأة بمعزل عن الحديث عن الأسباب المؤدية إلى حصول ذلك الجوع، لا يغير من الأمر شيئا، بل يكرس و يُسوِّق فقط صورة المرأة "الكائن المهووس بالجنس "، تلك التي تنضح شبقا، و تتضوع خيانة، و تنثر الفتنة و المجون، صورة قدمتها ألف ليلة وليلة وكرستها التقاليد المجحفة البعيدة عن الدين.

 

لكن ربما تفضل "المرأة المثقفة" الأديبة الحداثية النسوانية عدم التغيير ـ عن طريق استقراء الأسباب و البحث عن حلول لها ـ أصلا، و لربما تستمرئ القيام بدور الضحية حتى تستبيح القيام بما تريد و تستحب...

 

مازوشية و تريد أن تظهر بها سادية الرجل...و ذلك من أجل استدامة البكاء على حاجيات جسدها. ...و أجساد بنات جنسها تلك "المتردية الصريعة بفعل الإهمال"!

مع أنه بإمكانها المطالبة بحقها الجسدي مباشرة انطلاقا من أنها أصبحت الآن "المثقفة"، و تدرك أن الدين كما العلم يسلمان لها بحق المطالبة... طبعا بوسائل أنظف و أرقى و أسمى... وليس بالابتذال و بالعنف و بالشقاق...

 

إذ بالإمكان حتى ـ في نهاية المطاف ـ أن تطالب بطلاتها في كتاباته الأدبية بالانسحاب من تلك المؤسسة الزوجية التي تعتبرها هي ذلك السجن...و التي لا تكفل لهن الحصول على ما يساهم في إرساء التوازن النفسي و الشعوري لديهن من حقوق، حتى تلك الجسدية منها...

 

فالمبدعة المثقفة تمثل النخبة الأنثوية المعول عليها في حسن تمثيل المرأة في جميع المجالات، و من ثم عليها أن تستشعر ثقل العبء الملقى على عاتقها، وأن لا تتملص منه ذلك العبء اختيارا منها لأن "تحقق" ذاتها، و ذلك عن طريق ركوب النشاز المثير للجدل و للنقاش، رغبة في الثورة على قمع طالها مطولا ومنعها من التعبير عن الذات...

فالتحدي و"تحقيق الذات" عن طريق سلوك هذا المسلك يجب أن ينشغل حوله فكر المبدعة طويلا قبل أن تمارسه، و عليها أن تستقرئ في ذهنها المثقف تداعيات ما ستقوم به عليها، و على من يرين فيها الأنموذج القائد إلى التغيير و الانعتاق.

 

فحين تكرس الفكر الذكوري القائل بمحدودية فكر الأنثى وطغيان الجسد على انشغالاتها، فهي و لابد ستجهض حلم المرأة ككل في أن تغير من صورة لها متوارثة، ونحتت أبعادها أيدي ظالمة متسلطة استغلت قوة الجسد منها في إحقاق الغلبة.

 

فعلى المرأة المبدعة إذا أن تعلم أن تحقيق الذات والتحدي الحقيقي ليس هو تحدي من يرى في كتابات الجسد شينا وعيبا بالإصرار على الكتابة في ذات الموضوع، ولكن التحدي هو إخراج المرأة من سجن رد الفعل إلى القيام بالفعل المختار المطلوب فعله، أي بالقيام برسم صورة المرأة المتوازنة التي تعنى بتحقيق الإشباع لنفسها في كل باب و مجال، الفكري والثقافي و الاجتماعي وحتى السياسي، ولم لا طبعا الجسدي لكن بصورة توحي بأنها فاعلة إيجابية مؤثرة، لا ضحية مستلبة مفعول بها مخاتلة مخادعة منتهزة لفرص الخيانة و التدليس...

 

وسأورد هنا نصوصا حديثية شريفة قد تُمكِّن قراءتها والاستفادة منها من إعطاء فكرة حول كيفية إعادة تشكيل عقل المرأة، و ذلك حتى تتخلص من الموروث المكرس لاستبقاء صورتها في إطار معين، سطرت مقاييسه منذ زمن ولى ومضى، و ما زال هو الكائن والمستدام:

 

‏1 ـ " حدثنا ‏ ‏عبد الله بن محمد، ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏الزهري ‏ ‏عن ‏ ‏عروة ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏رضي الله عنها، ‏ جاءت ‏ ‏امرأة ‏ ‏رفاعة القرظي إلى ‏ ‏النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقالت:

كنت عند ‏ ‏رفاعة ‏ ‏فطلقني ‏ ‏فأبت ‏ ‏طلاقي، فتزوجت ‏ ‏عبد الرحمن بن الزبير، ‏إنما معه مثل ‏ ‏هدبة ‏‏ الثوب، فقال: ‏ ‏أتريدين أن ترجعي إلى ‏ ‏رفاعة؟ ‏ ‏لا حتى تذوقي ‏عسيلته ‏ ‏ويذوق عسيلتك .

‏ ‏وأبو بكر ‏ ‏جالس عنده ‏، ‏وخالد بن سعيد بن العاص ‏ ‏بالباب ينتظر أن يؤذن له، فقال: يا ‏ ‏أبا بكر ‏ ‏ألا تسمع إلى هذه ما تجهر به عند النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم؟".

الحديث رقم 2445 ـ باب الشهادات ـ صحيح البخاري.

أبت طلاقي : طلقني البتة أي ثلاثا.

 

2 ـ ‏"حدثنا ‏ ‏أبو بكر بن أبي شيبة ‏ ‏وعمرو الناقد ‏ ‏واللفظ ‏ ‏لعمرو ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏الزهري ‏ ‏عن ‏ ‏عروة ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏قالت ‏:جاءت امرأة ‏ ‏رفاعة ‏ ‏إلى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقالت:كنت عند ‏ ‏رفاعة ‏ ‏فطلقني ‏ ‏فبت طلاقي، ‏ ‏فتزوجت ‏ ‏عبد الرحمن بن الزبير، ‏ ‏وإن ما معه مثل ‏ ‏هدبة الثوب، ‏ ‏فتبسم رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال: ‏ ‏أتريدين أن ترجعي إلى ‏ ‏رفاعة؟ ‏ ‏لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك.

قالت: ‏ ‏وأبو بكر ‏ ‏عنده ‏ ‏وخالد ‏ ‏بالباب ينتظر أن يؤذن له فنادى: يا ‏ ‏أبا بكر ‏ ‏ألا تسمع هذه ما تجهر به عند رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم؟".

الحديث رقم 2587 ـ باب النكاح ـ صحيح مسلم.

 

هذا الحديث بروايتيه في الصحيحين يثبت كيف أن امرأة ما في ذاك الزمن علمت أن عند الرجل الذي تزوجته ـ بعد مفارقة زوجها الأول ـ عجز جنسي، فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، و أخبرته بالذي عرفته، و كَنَّتْ عن حالة عجزه بتشبيه ما عنده بهدبة الثوب، أي بالخيوط الجانبية المتعلقة بالثوب في انسدالها وارتخائها... فكان أن اخبرها أن عليها أن تنتظر حتى يثبت ذلك عند اللقاء الحميمي، حتى لا تكون قد تسرعت و جانبت الصواب في حكمها عليه، لأنها طلقت ثلاثا، والشرع يعاقب ذلك المُطلِّق ثلاثا بأن يحرمه من استعادة الحياة المشتركة مع تلك التي طلقها إلا بعد أن تتزوج زوجا آخر، ثم و تمارس معه العلاقة الجسدية الفعلية حتى ينال جزاءه المستهتر بقدسية العلاقة الزوجية، و يمنع من التلاعب والاستخفاف عن طريق تكرار إحداث أبغض الحلال إلى الله.

فلم يعب عليها الرسول صلى الله عليه وسلم أنها اهتمت بمسألة الإشباع الجسدي، فذلك حق مكفول يضمنه كون المرء إنسانا، سواء أ كان ذكرا أم أنثى، إذ ابتسم ـ في نص صحيح مسلم ـ واكتفى بالتوجيه لفعل ما يضمن حق الطرف الآخر أيضا.

لكن كان هنالك من تدخل الصحابي خالد بن سعيد بن العاص، وذلك انطلاقا من نظرة جاهلية للمرأة، كانت ما تزال قائمة بالنفس لكونها ما تزال حديثة عهد بتلك الفترة، فعاب على المرأة المجاهرة بالمطالبة، لكن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يكترث له، و لم يجعل لرأيه صدى في توجيهه و تصويبه، إذ كان دوره عليه الصلاة و السلام وضع الناس على الجادة الربانية لا الاستجابة للأهواء البشرية.

 

هكذا إذا يمكن أن تستفيد المبدعة المسلمة المتزنة من إعادة قراءة النص الديني، ذلك الذي يحاول الذكوريون أن يسخروه لجانبهم من أجل غمط المرأة حقوقها عن طريق قراءاتهم الذاتية الموسومة بالفكر التقاليدي، وذلك من أجل استحضار الإيجابية لدى المرأة، ومن أجل خلق الفاعلية البناءة فيها، تلك المؤدية إلى إثبات الذات و تحقيقها في هذا المجال، وذلك عوض:

 

* ـ دفعها إلى لعب دور الضحية.

* ـ وتشجيعها على القيام بالتحايل و باستحلال الوسائل المشبوهة المدينة والمركسة لها من أجل تحقيق الإشباع.

* ـ وبالخصوص تحريضها على نبذ الدين، و دعوتها إلى التخلي عن القيم الدينية التي تصورها لها على أنها المهينة للمرأة، و المعتبرة لها من قبيل الأعوج الناقص المسخر لاستمتاع صاحب القوامة و السيادة، المالك لحق استبدال جسد بآخر في إطار التعدد من أجل الحفاظ على غنى و جمالية الحريم.

 

فيمكن للمبدعة مثلا أن تصور امرأة تعاني من إهمال الزوج، فتطالبه بالقيام بالواجب أو بإطلاق السراح، وذلك حتى تستطيع أن تحقق لنفسها استقرارا نفسيا وجسديا مع من تختاره مرة أخرى...عوض تصوير حالة خيانة زوجية على أنها سبيل أمثل مشروع للاقتصاص من زوج مستهتر أو عنيف أو حتى عاجز!!!

 

وقد تحاكم في هذه الحالة من طرف ذكوريين:

ـ لأنها جعلت المرأة تفضل الحاجة الجسدية على مصلحة أطفال و أسرة.

ـ ولأنها سمحت لها بأن تتساوى مع الرجل الذي يفعل الفعل ذاته مع امرأة لا تشبعه.

 

لكن و بالرغم من المحاكمة التي قد تتعرض لها ستتجاهل ردة فعلهم، لأنها لابد وأنها ستخدم نفسها و النساء ككل، لأنها ستقنعهم أنها تفعل ذلك لأنها تفضل الصراحة على أن يطعن الرجل من الخلف و أن يخان، لأن المرأة إنسان مكرم...

ثم هي ذات مبادئ، و لم تعد ترغب في أن توسم بالكيد وبالمخاتلة، ولم تعد تستحسن الانصياع للفكر الموروث والتقاليد، وحتى للدين المحرف الذي طالتها أغلاله المكبلة منذ زمن بعيد.

كل هذه الخطوات لا بد و ستكون السُلّم الذي سيرتقي به الإبداع النسائي، إذ سيتخلص من كونه مجرد تعابير باهتة سوقية عن حالة القهر كانت...أو حتى ما زالت قائمة... تعابير تُركِس في وحل الابتذال...و تَحُط من قدر المبدعات...

إذ هي تلك النتاجات الأدبية الحداثية المهووسة بالجسد لا تعين إلا على تكريس مفهوم نقصان المرأة و قصور فكرها الذي لا يستطيع و لا يستسيغ إلا الحديث عن "الشهوات"... و إلا الارتماء في أحضان الانفلاتات...و إلا انتحاء منحى التفاهات...

أضيفت في01/01/2008/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتبة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

حول حرية التعبير والإبداع في المجال الأدبي

 

بقلم الكاتبة: د. صالحة رحوتي

 

رُفِعت دعوى ضد الشاعر حلمي سالم في مصر لكتابه شعرا يسيء إلى الذات الإلهية، وكانت هنالك الضجة والحملات الإعلامية المساندة للشاعر... أو لمن حاكموه وأدانوه...

وبعيدا عن هذه القضية الخاصة، وفي خضم الحديث عن حرية الإبداع و التعبير في الواقع المعاصر، لا بد من محاولة سبر لأغوار هذه الإشكالية، ومن تحليل لكل المقومات المكونة لها، و ذلك بهدف الفهم و الاستيعاب الضروريين من أجل تيسير إصدار الأحكام و طرح الحلول.

 

فالمشكلة تتعلق بخليط من الرؤى و الأفهام المتشعبة لذات الموضوع، و التي انبنت في الماضي ـ ومازالت على ما كانت عليه ـ على مجموعة من الطروحات الفاسدة المجانبة للصواب و للعقل و للمنطق...

إذ هنالك:

 

1 ـ عدم فهم حقيقة حرية الاعتقاد عند الآخر، إذ و لابد من محاولة استيعاب كنه الإحساس بالانتماء الحر إلى دين أو عقيدة ما، فهو الهوية، و هو أبعاد الذات، و أسس النفس، ومقومات الشخصية، إذ منها تلك العقيدة تُمتح كل التوجهات و كل الخصائص المراد استيطانها و استبطانها في عقر دار الأنا المكونة للإنسان.

2 ـ عدم محاولة استشعار شعور ذلك الآخر حين تسفيه رأيه و تحقير معتقده، و ذلك مهما كان ذلك المعتقد و ذلك الرأي، حتى و لو كان عدم التدين و استهجان الدين و رفضه برمته...

3 ـ عدم احتساب المسؤولية تجاه الآخر حين اللمز حول معتقده، سواء بالواضح أو بالمرموز، فالمبدع العربي ابن بيئته، و يدرك حتما ما يمكن أن يثير الآخر ضده، خاصة وقد سبقت سابقات في هذا الأمر، و وضحت العواقب المترتبة عن ذلك من إثارة النعرات والفتن في واقعنا المتهرئ أصلا، و الآيل إلى السقوط كل حين و لحظة...

فمن يتصدى للإبداع حول المُشكل أو الإشكالي من القضايا العقدية ما هو إلا:

*ـ راغب في إثارة الرأي العام و إثارة القلاقل و الفتن...

*ـ أو راغب في الاستئثار باهتمام ذلك الغرب"القبلة"،و ذلك حين يكون الإسلام هو المستهدف،و ما النماذج مثل تسليمة نسرين البنغالية، أو سلمان رشدي الإيراني، أو أورهان باموك التركي أو أو....إلا غيض من فيض...

4 ـ عدم إدراك التماثل بين ما يقوم به المبدع المستهدف لما يمكن أن يكون له علاقة بدين الآخر، و بين استهداف ذلك الآخر له، ذلك المجروح من جراء الإحساس بالإهانة لهويته و أناه القابعة فيه.

فالراغب في أن لا يقوم الناس بالحسبة عليه، و المريد لأن يجاهر برأيه دون تحجير عليه، و الآمل في أن يرص أحرف إبداعاته بالقالب الذي يريد و في المضمون الذي يريد، لا يمكن أن يسمح لنفسه بالحسبة على الآخرين، فيقوم بالواضح حينا و بالمرموز و أحيانا كثر بالإشارة في "إبداعاته" إلى تفاهة معتقد ذلك الآخر، أو عدم جدواه أو خرافيته أو غيبيته أو إبهامه...

 

فأن يحاول أن يمارس مبدع ما الحسبة على الناس بأن ينقذهم من الترهات، و ينبههم أمام الآخرين إلى تفاهة معتقدهم، فهذا يعطيهم الحق في أن يمارسوا نفس الحسبة عليه، و ذلك بأن يحاصروه و ينبهوا أولائك الآخرين إلى "مروقه من الدين"!!!

 

أن يؤمن بما يريد هو، و أن لا يؤمن هو بذلك الغيبي أو الخرافي ويؤمن بغيره، أو أن لا يؤمن أصلا، فهذا شأنه، وله أن يعيش حياته العقدية كما يريد...لكن عليه أن يحترم رأي وتوجه من رأوا في ذلك "السفه" أو الخرافة"حتى ـ حسب تعبير البعض ـ دينا و منهج حياة...

 ديموقراطية وقمة حرية التفكير والتعبير...

 

قد يقول قائل أنه قد يُحاصر ويُحاكم المعلن لعدم إيمانه بما هو سائد من الدين حتى دونما استهداف للآخرين...و هنا يجب القول بأن على المثقفين وعلماء الدين المتنورين أن يعملوا على تفسير حقيقة الدين و كذا مفهوم التدين للناس.

إذ أنه مما لا شك فيه أن الدعوة إلى محاكمة من يجاهر باستهجان الدين تدل على عدم فهم معنى التدين...فالدين لا يُوَرَّث، و لا يتلقى كتركة كما هو الشأن بالنسبة للعرق و للأرومة وللجنسية... إنما هو القناعة التي تتسرب إلى أغوار النفس فتنبت، ثم ترسل الجذور متغلغلة، فتينع منها الأفنان متسامقة في سماء الحنايا.

فابن المسلم ليس مسلما بالإكراه و بالعنف، إلا أن يقتنع هو بالإسلام دينا حين يعقل و يعلن عن ذلك بسلوكياته و أفعاله، و لذا فإن لم يفعل، واختار عدم التصديق به ذلك الدين فهو حر ويتحمل مسؤولية نفسه، ولا إكراه ولا تسلط في الدين.

إذ له ومن حقه أن لا ينتمي إلى دين والديه وبيئته، سواء أ فعل ذلك لأنه لم يحاول أن يبحث عما يقنعه به ذلك الدين و تلك المبادئ وتركه تجاهلا، أو أنه بحث فيه وحوله ووجد فيه ما يثنيه عن أن يعتنقه و مسلكه و دروبه.

 

ثم لننظر ـ بالخصوص ـ و لو بشيء بسيط من الدقة لحال أغلب الأدباء المبدعين الذي ينحون هذا المنحى الداعي إلى تحقير الدين، ويسيرون وفق منهج تسفيه رأي المتدينين...

 

فقد تلقى الكثير منهم الإلحاد و الكفر ـ مضمنة في مبادئ الشيوعية والماركسية سواء:

 

1 ـ بطريقة رسمية في مدارس البلدان التي تبنت حكوماتها الفكر الأحمر، كما هو شأن الأحزاب البعثية التي حكمت في بعض الدول العربية...

2 ـ أو بطريقة عشوائية فردية و جماعية أحيانا كما في باقي الدول العربية الأخرى ـ في سنوات السبعينيات و الثمانينيات ـ على يد أساتذة و مربين:

* ـ اتبعوها تلك المبادئ حين تأثروا بانتصارات المعسكر الشرقي وب"إنجازاته" الفكرية و في شتى المجالات...

* ـ أو تبنوها تلك المفاهيم حين ابتُعثوا لتحصيل العلم في الجامعات المصدرة للإيديولوجيا، الصانعة للمناضلين الحاملين للفكر الثوري الاشتراكي الشيوعي هنالك في الاتحاد السوفيتي سابقا، أو في الدول الدائرة في فلكه آنذاك.

 

كل هؤلاء ممن تأثروا بهذا الفكر الناكر للدين المعادي له و أُشربوه في قلوبهم و عقولهم ـ رغما عنهم ـ حين شبابهم و حداثة سنهم، لاشك و حتى و إن لم يجاهروا بعدائهم له في كتاباتهم، فإنهم حتما يمجونه و يحتقرونه، بل و يسفهون رأي من يتبنى منهج الحياة الممتوح منه!!!

ثم هؤلاء الأدباء... و هم النخبة المثقفة منا و فينا أي في الأمة العربية و الإسلامية:

 

* ـ أَوَ عَرَفوا أوْ عُرِّفوا شيئا عن الدين الحق؟؟؟

* ـ أو ليس كل ما تلقفوه منه وتلقوه فتات متبقية، مع كثير من تقاليد متوارثة من واقع يضج بالتخلف و الجهل و الأمية و الانحدار الأخلاقي و القيمي؟؟؟

* ـ أو ليسوا هم ضحية التجهيل بالدين الحنيف، و ذلك حين حرموا من تلقي الصحيح القويم منه، ثم و حين دُرِّسوا مناهج التحقير له و السخرية منه، و كذا اعتباره أفيونا مخدرا يستعمله السلطان من أجل إفقاد الوعي، و من ثم الاستغلال و الابتزاز و الاستخفاف و الاستئثار بكل شيء؟؟؟

* ـ أو ليس لهؤلاء الحق في أن يعاملوا معاملة خاصة حين الجهر بالعداء للدين أو بإنكاره، و قد كانوا أتخمت عقولهم في زمن البعد عن الدين بكل ما هو مُكرِّه فيه و معاد له؟؟

* ـ أو ليس لهم الحق في الصبر عليهم، و في حسن تفهمهم، و في استيعاب خلفياتهم الفكرية قبل الحكم عليهم؟؟؟

* ـ أو ليس من الواجب تعريفهم بالنسخة الحق للدين، وذلك عن طريق الحوار الحضاري الطويل النفس المتجاهل للاستفزازات و التشنجات الصادرة في بعض الأحيان من طرفهم؟؟؟

* ـ أو لا يجب أن تُتفهم الظروف السياسية و الاجتماعية و الثقافية التي صاحبت تكوينهم الثقافي و الفكري؟؟؟

* ـ ثم أو كان من الممكن أن ينجو المُحاكم لهم المُتهم لهم بالردة من تبني نفس الفكر لو أنه عاش نفس الظروف، و خالطته المؤثرات التي كانت المتفشية فيها آنذاك؟؟؟

بمعنى.... أو ليس لهم الحق أن تكون إليهم نظرة غير النظرة إلى المرتد، كما كان للسارقين الحق في نظرة مغايرة إليهم ـ حين سرقوا من أجل لقمة العيش عام الرمادة ـ من الخليفة عمر ابن الخطاب؟؟؟؟

 

إذ أسقط هو الخليفة المجتهد العادل حد السرقة، لأنه علم أن الظروف حين الجدب و القحط و الجوع و القافة لا يمكن إلا أن توحي بالاستيلاء على ما للغير من أجل سد الرمق...

 

ثم إن المرتد في العصر الإسلامي الأول حين تَواجُدِ الرسول كان يرى المعجزات، و يلمس القدوة في شخص رسول الله عز وجل، ثم إنه كان قد اعتقد الإسلام اعتقادا حرا واعيا لأنه لم يكن هنالك إكراه في الدين، فلا شك إذا في أن نكوصه و ارتداده ـ و هو المعلوم العارف بحقيقة الدين، و الرائي لنسخته البيضاء الناصعة الربانية ـ دليل على تردي مقومات شخصيته ذلك المرتد، و على تذبذب أسس تفكيره، وتَركُه على ما هو عليه من انتقال من فئة الإيمان إلى الكفر سيربك مسيرة المجتمع الإسلامي و سيؤثر على مسيرة انتشار دين الإسلام ككل، و سيعيق التحاق الكثيرين بصفوف المؤمنين.

 

فأين نحن من هذا حتى نطبق الأمر بحذافيره؟؟؟

و أين نحن من توفير نموذج مشرف للمطبقين للدين حتى نجرم الذين يحادونه؟؟؟

 

إذ هي المحرمات ترتكب من طرف اللابسين لبوس الدين...

وهي الموبقات تتقترف بمباركة العلماء" المفترض أنهم الداذين عنه ذلك الدين...

وهي التقاليد مغموسة في قليل دين هي التي تُعَرَّف على أنها الدين...

بل وهم من الدعاة إلى الدين من لا تجد في سلوكياتهم و تصرفاتهم في حياتهم الأسرية الخاصة ـ في كثير من الأحيان ـ إلا شذرات بسيطة من قويم الدين...

 

فلا شك إذا في أنه من المسموح للذين كُرِّهُوا في الدين أن يَكْرَهوا مثل هذه النسخة من الدين!!!

 

وبعد هذا الطرح، يبدو وكأن بعض التعقل مرغوب فيه من طرف كل الغيورين على الدين بخصوص هذا الأمر، بل هو التعقل ذلك السلوك الإلزامي توخيه، ومن ذلك التخلي عن المطالبة بمحاكمة من يقومون بمثل هذا الفعل الاستفزازي، إذ أن تقديمهم للمحاكمة لن يزيد نار الفتنة إلا اشتعالا... و لن يزيد المجتمع إلا تخلفا و انهيارا، ثم لن يزيد الراغب في "الشهرة" عن طريق امتطاء هذا "الإبداع" المُشكل المثير للفتن إلا "شهرة"، و لربما هذا ما يروم هو الحصول عليه!!!

 

ثم لعل بعض التريث هو أيضا مطلوب...إذ أن النقاد المتخصصين أجمعوا على أن معظم"الإبداعات" المصنفة ضمن هذا الإطار المستفز لا يمكن تصنيفها ك"إبداعات" أصلا...فلتُترك إذا إلى ممحاة التاريخ فهي كفيلة بإبهاتها و بالقضاء عليها، و بالتالي بهدم شهرة صاحبها المكتسبة بفعل الجعجعة المواكبة أيضا!!!

 

فهنالك العديد من ضعفاء النفوس ممن يتعمدون استصدار أحكام الردة على أنفسهم من أجل استمطار شفقة العلمانيين، ومن أجل الفوز بإعجاب قبلتهم ذلك الغرب، و بهدف الظفر بحمايته و بجوائزه المكافئة لهم على امتهان هويتهم و سب معتقدهم.

 

والاستمرار في الاهتمام ب"إبداعات" هذا الصنف من "المبدعين" و التركيز على محتوياتها التجريحية الاستفزازية لن يعمل إلا على تفريخ أجيال متناسلة من هذا الصنف الضعيف الهمة، الناكر للذات، و الفاقد لمقومات الشخصية.

 

فالأوْلى الاهتمام بهم على أنهم شريحة من المثقفين أضاعوا أو حتى أُضيعوا الطريق...

فاختلطت عليهم السبل... و خاصة حين انهدم محراب الاشتراكية الشيوعية...وتداعى مذبح التقدمية...وتكالبت عليهم الأنواء...فتاهوا في حلكة الفكر المتضمخ بالأهواء البشرية المفتقد لنبراس الربانية...وحتى لما اصطنعوا عجل الحداثة لم ينجيهم ذلك المنحى من جحيم التيه...

ثم حين الصحوة الدينية الإسلامية تفاقم الخطب عليهم...وتعاظم الإحساس بالعزلة في حناياهم... فكانت الرغبة في فرض الذات، و في إثبات الهوية...ثم من بعد غليان المراجل في أعماقهم المتورمة ،و من بعد تأجيج الغرب و إذكائه لنار الأتون فيها،كان الإفصاح عن التجريح... و كان الجهر بالإنتقاص وبالتحقير وقد ألبس لباس الإبداع الأدبي تمويها ليس إلا...

 

فالأحرى إذا أن يكون الرثاء هو ما يُؤثر عند التعامل معهم، مع العمل على إقامة جسور حوارات حضارية تتوخى الإقناع و الرد إلى الجادة بالعقل و بالمنطق و بالبرهان العلمي، و عن طريق تجاهل ردود أفعال قد تصدر منهم حتى و لو كانت مسيئة، و حتى و لو كانت الجارحة، فكل ينفق مما عنده، وواجب المقتنع بدين الحق أن يعمل على أن لا يُحْرم من نوره أحد، حتى و لو كان ممن يطفئون ذلك النور حين تقترب الجذوة الساطعة منهم.

 

ثم...و أخيرا...و في انتظار تحصل الوعي الضروري إيجاده، و المهم العمل على استحضاره بخصوص حقيقة الدين و مفهوم التدين بالنسبة للجميع، و في إطار التوجه إلى الطرف الآخر في المعادلة...يجب القول بأنه على أي "مبدع" يرى له حق "حرية التعبير"دونما ضوابط في واقعنا أن يحاول أن يفهم خصوصيات هذا الواقع، و أن يدرك تداعيات التخلف الفكري و الثقافي الذي طاله وما زال يطاله، و ذلك من جراء تواجد عقليات متجمدة متحجرة لا تحبذ الحوار، و لا تريد توسل الإقناع بالتي هي أحسن، بالرغم من أن الخالق عز وجل أمر به سبحانه حتى مع أهل الكتاب المخالفين في الملة و المعتقد، و ما كل ذلك إلا بسبب ضياع حقيقة الدين الناصعة التي غادرتنا منذ زمن طويل...

 

فليعش إذا قلة إيمانه هو ذلك "المبدع" كائن من كان كيفما شاء، و ليطبق معتقداته في واقعه الخاص كما يريد، ولكن ليترك الآخرين يعيشوا إيمانهم هم أيضا بما يريدون وكيفما يحبذون، فإن كان ولا بد من التفاعل حول هذا الموضوع فليكن بالتناظر الجاد وبالحوار الحضاري البناء، وبالدليل وبالحجة وبالبرهان، على أن يكون حق الاختلاف كائنا و معترفا به، وراسخا الاعتقاد بوجوب تفعيله، وذلك من أجل الحفاظ على توازن المجتمع ككل، ومن أجل التكفل بإيجاد حقوق الكل المتواجد فيه في كل الميادين، و طبعا في هذا الميدان الأدبي، الذي ما فتئ يفجر التركيز على الإنتاجات المبدعة في إطاره كل مرة الكثير من الزوابع و الأنواء، و التي ما تفعل سوى أن تعيد عجلات التقدم إلى الوراء حقبا وسنين.

أضيفت في01/01/2008/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتبة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

سراة البلاغة الثلاث...

من الإعجاز القرآني إلى ثورة مستغانمي.

 

بقلم الكاتب والروائي: محمود سعيد

 

اعتذار:

في مقابلة تلفزيونية في تلفزيون الشارقة، أواخر التسعينات، جمعتني مع أستاذ تونسي فوجئت بطرح موضوع اختلافِ أدب المشارقة العربي المعاصر عن أدب المغاربة، ودار النقاش حول نقاط بائسة، احتقرت نفسي بعدئذ لأني شاركت فيها، ثم أُقحِم اسم الأديبة أحلام مستغانمي من دون تمهيد، ثم فوجئت بها تشاركنا بالهاتف في المقابلة، وكنت أريد أن أقول رأيي بصراحة في نتاج أحلام، فقد كان هناك تناقضٌ كبير بين شقين رئيسين عندها: سموٌ رفيعٌ معجزٌ لا يبارى في سرد، ذلِق خلاب، يسِمُ رواياتها كلها، يتوازى مع تواضع لا تحمدُ عليه في فن الرواية.

 

 

أردت أن أبدي هذا الرأي وأشرح مقاصده، فبعد القرآن الكريم الذي بثّق شلالاً هائلا من معجزات بلاغية حيرّت السامع، وأذهلته، وسحرته، جاء دور مجموعة من عباقرة الشعراء، والخطباء، والكتاب، تتالوا في حلقات مترابطة، ليصل السمو البلاغي الرفيع قمته على يد المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وليقف وحيداً يشار إليه حصراً كمنبع بلاغي متدفق لا يبارى في غزارته.

 

بعد أفول نجم المتنبي خلت الساحة من المحيط إلى الخليج من بليغ يسدّ تلك الثغرة الواسعة، طيلة أكثر من تسعة قرون طويلة بائسة عجفاء. حتى سطع نجمُ أحلام مستغانمي. ففي رواياتها الثلاث التي قرأتُ سرد رفيع متدفق يتجاوز معاصريها كلهم، ويجعلها نداً للمتنبي وحده، لا يدانيها أحدٌ، في غزارة وقوة تعبيرات بلاغية فائقة سامقة.

 

في المقابلة التلفزيونية الخليجية تلك، أردت أن أقول هذا مع الشق الثاني حول تواضع الفن الروائي عندها. لكن مقدم البرنامج الملتوي، ولأسباب ما زلت أجهلها، حرف النقاش وأثار أشياء تافهة سطحية، وكان قد اتفق مع مجموعة من الأميين، والسطحيين، وسقط المتاع، فتدخلوا ورفعوا وكبسوا وأسقطوا كلمات وآراء "كما يفعل لاعبو كرة الطائرة"، وخلقوا فوضى عارمة، جعلت المقابلة أشبه بصراع دام لديكة وحشية، لا علاقة لها بالأدب والبلاغة واللغة قط، فوجدت نفسي كمن ابتلع عظم سمكة حاد، وقف في بلعومه، فلا يستطيع إخراجه فيرتاح، ولا يستطيع بلعه ليتجاوز ألمه، صمتتُ، وقول من قال: ولا تقربوا الصلاة، وأُجبر على بتر الآية الكريمة، ينطبق علي.

 

طيلة تلك المدة وأنا أفكر بكتابة مقالة أوضح اللبس، لكن لم يتأت لي كتابتها إلا الآن، وبعد نحو عشر سنوات من حدوث ذلك اللقاء المخزي، أعتذر من كل قلبي لأحلام، فقد شوه معدُّ البرنامج والمتدخلون الطفيليون الجهلة، ما أردت قوله، فعسى أن استطيع توضيح قصدي الآن، وعساها أن تسامحني.

 

البلاغة العربية المهدورة.

لم يرَ علْمٌ من علوم اللغة العربية، صعوداً وهبوطا ًوانحلالاً، كما شهده علم البلاغة، فهذا العلم الذي نشأ وارتفع وتألق، وسطع نجمه وفق مطلبات حلِّ ألغاز سحر الكلمات التي تدفقت بها الرسالة، وبلغ شأوه في القرن الخامس الهجري، أخذ بالتلاشي، وربما مات كلية الآن.

فعلى كثرة دارسي الأدب العربي "حالياً" بشتى فروعه وأصوله لم تصدر أي دراسة حديثة تتناول البلاغة العربية التي كانت يوما ألقاً باهراً يتوج أي نتاج لغوي وأدبي.

 

لقد فرضت البلاغة نفسها كواقع يتطلب الدراسة والتحليل لاكتشاف ألغاز سحر التعبير الرفيع واقعاً ومعاصرة، أمام انهيال النصوص الرائعة المتوارثة من العصر الجاهلي، وبلوغها القمة في موجة التدفق الرسالي وأقوال محمد الإعجازية، ثم تكللها المتنوع في العصر العباسي، في الرقعة الواسعة من الأندلس حتى بلاد السند. وإن كان تعريف البلاغة يختلف من مختص إلى آخر، لكن الكل يجمع على أنها: إيصال المعاني بأفضل وأجمل وأسلس الألفاظ وأكثرها أناقة وسحراً. بينما اعتبرها الكثير علماً شاملا يتوجب على من يدرسها الغور في علوم اللسان، والإحاطة بالفكر الإنساني وتأثيرها على الأسماع والأذهان.

 

شهد العصر الحديث حياة وازدهار أجناس أدبية كانت موجودة في السابق، تتعلق بالسرد والحكي، وأعيد لها الحياة، وسميت بأسماء أخرى كالرواية والقصة القصيرة، وظهور أجناس جديدة كالمسرحية، وسيناريوهات الأفلام، وافتتاحيات الصحف، والمقالات، والتحقيقات الصحفية، وتعليقات التلفزيون والمذياع، وازدهار فروع شعرية لم تكن موجودة من قبل كالشعر المسرحية والشعر الحر، وما اصطلح عليه خطأً بقصيدة النثر، الخ. لكن هذا العصر شهد فيما شهد أيضاً، تغييب البلاغة مع الأسف الشديد، فقد تم إهمالها على حساب المقالات المترجمة التي يرطن أصحابها بأسماء أجنبية، لا يعرف عنها أو يسمع بها سوى من قصد الجامعات الغربية، أو فضل أن يختص بآداب اللغات الأخرى. أو من وجد ضالته في النتاج الفكري الغربي المترجم. وظل يردد ويزعق بصوت عالٍ، جلي بما لا يُفْهم ولا يفهمه الآخرون، ومما يشرح الصدر أن هذا النفر عموماً قلة، لا يتجاوز أصابع اليد، ولا يمثل غير نفسه.

 

كانت خسارتنا بفقد التواصل مع أبحاث البلاغة فادحاً، فهي الدراسة الوحيدة والفريدة التي ولدت مع النقد الأدبي العتيد في ماضينا، وكانت تقوِّم أدبنا وتراثنا. ومع أننا احتفظنا بمفردات ومصطلحات النقد احتفاظاً شكلياً، لكننا لم نقم بتطبيقه منهجياً كأسلافنا. في الأقل كان أدبنا فيما مضى يسير في قضية التقويم و(التقييم) والتوجيه والوزن على رجلين هما البلاغة والنقد، وبإهمال البلاغة واختزال النقد إلى المصطلحات فقط، فقدنا طرفينا وأخذنا نزحف على مؤخراتنا، ونستجدي الغرب، الذي لم نفهمه، ولم يفهمنا، والذي يسيء إلينا ويرغمنا على استجدائه، والذي يرفض التنازل لنا، وإن تنازلنا له يحتقرنا، ويرفض أدبنا، فمتى نعطي أنفسنا وقتا للتفكير والتنظير، لكي نكون نحن كما خلقنا، ولكي نتعايش مع الآخر بمؤهلاتنا ومكوناتنا وميزاتنا، لا بالصفات المقتبسة منه والمقلدة له؟ كي نفرض عليه احترامنا؟

ترك لنا الأقدمون تراثاً واسعاً كبيراً من الدراسات البلاغية حللوا وفككوا فيه التراث العربي وبشكل مركز القرآن الكريم وما تألق من الأحاديث النبوية، وشعراء ما بعد الإسلام، وبخاصة شعر المتنبي الذي وصل القمة آنئذ وحتى الآن، ولو كان مثل هذا التراث موجوداً لدى الغرب لانتشوا وفاخروا، لكنهم وجدوا ضالتهم في الأدب والتراث اليوناني فتمسكوا به واعتبروه تراثهم وثروتهم الفريدة.

 

البلاغة:

ذكرنا فيما سبق أن البلاغة إيصال المعاني بأفضل وأجمل وأسلس الألفاظ وأكثرها أناقة وسحراً. وهذا يعني أنها الوسيلة الأفضل والأجمل لإيصال المعاني من القائل إلى السامع، وكان للآمدي وعبد القاهر الجرجاني، وابن سنان الخفاجي والسكاكي والقرطاجني والعسكري وغيرهم الدور الكبير في تعبيد طريق النقد واكتشاف أقسام البلاغة، وطرقها وتشعباتها ودهاليزها التي لا تنتهي.          استطاعت البلاغة أن تكتشف أسرار الكلام الفصيح والبليغ والسامي، وفك رموز ارتباطاته بالخيال والوجدان والعاطفة، وأن تبهجنا بالتمتع بالألفاظ وموازينها من حيث اختيار الكلمة المناسبة للمعنى المناسب، وأن تدفعنا إلى التذوق السليم، وتفهم الجمال والنفاذ إلى التصوير خيالاً وواقعا، وباختصار ساعد علم البلاغة دارس الأدب العربي بالإحاطة بمعانيه وإماطة اللثام عن مغالقه المخفية، وإيصال الراغب في المباهج، إلى نقطة معينة يستطيع منها الولوج إلى عالم السحر اللغوي، وآيات البيان السامقة السامية الممتعة، ومكّنه من عزل الغريب، وتشخيص السوقي من الألفاظ والمقاصد، وقربه إلى تفهم النص. وعرض له أمثلة لا تحصى من كلمات منظومة وميسرة، وفق أساليب معينة للوصول إلى الطريقة المثلى في التعبير الدقيق أو التبليغ الأرفع.

وإن كان الأقدمون قد أنجزوا هذا العلم وأوصلوه إلى مستوىً رفيع فهل استفدنا من هذا العلم في الوقت الحاضر؟

لا. لم نستفد، ولم ننتج شيئاً يستحق الدراسة والتوقف قط.

 

توصل الأقدمون إلى علم البلاغة ليدرسوا النصوص الأدبية القديمة والمعاصرة لهم، لكننا وبما يتيسر لنا من وسائل الاطلاع على الثقافة الحديثة العالمية، لم نستطع تعريب العلوم القريبة من بلاغتنا، ولم نستطع تطبيقها على نتاجنا، مما ولد قطيعة كبرى بين تراثنا وواقعنا، وبين الثقافة المعاصرة الخارجية والداخلية، فبتنا في تيه واسع شاسع، في وضع لا نحسد عليه، حتى أتى الغيثُ.

 

نتاج أحلام.

الغيثُ هو نتاج أحلام مستغانمي.

كنت أتمنى أن يتصدى غير واحد لدراسة أسلوب أحلام البلاغي السامي والمتميز، وكما ذكرت سابقاً أن أحداً ما منذ المتنبي وحتى الآن لم يدلق مثل هذا الكم في النوعية والكمية من التعبيرات البلاغية الفائقة غير أحلام، لكن مع الأسف لم يتوقف أحد عنده بالرغم من حصولها على جائزة رفيعة في الرواية.

وربما يكون خروجها على المألوف مضموناً وشكلاً سبب تهجم ومعاداة أنصاف المثقفين لها، فماذا عن النقاد؟ لماذا يغفلون مثل هذا الأدب المتميز؟

قد يعترض أحد عليّ: أ لدينا نقاد متميزون يستطيعون أن يميزوا أدباً حراً سامياً؟

لا أدري. لكنني أستطيع تصنيف من أخذوا على عاتقهم مهمة النقد إلى:

 

أولاً: قلة جادة جليلة، لا تتجاوز أصابع اليد، يعيشون في ظروف صعبة كالقابضين على الجمر، يكافحون للتوازن بين الضمير المهني وبين متطلبات عيش باتت أصعب من العيش في صحراء تنعدم فيها المياه.

 

ثانياً: عدد كبير من الكتاب يتميزون بقلة الثقافة والاطلاع والمنهجية، وهم بشكل عام وبالرغم من قصورهم الثقافي والمنهجي انطباعيون، ومتذوقون، وذوو حواس حادة، لكن نقطة ضعفهم تتركز في أنهم لا مبادئ لهم، فهم يمتلكون حساً رفيعاً تنحصر خبرتهم في معرفتهم من أين يؤكل الكتف، وينحازون للثللية، ويتعصبون لقراهم ومدنهم وأوطانهم ومذاهبهم وقومياتهم ووو الخ، وللحق والتاريخ يركن الكثير من هؤلاء تحت جناح جريدة، مجلة، شخصية معينة، مستطيبين العيش بذل من أجل العيش وحده، لا من أجل الحياة ولذة الاكتشاف.

 

ثالثاً: كم هائل من  كتاب "اللنكة " السرطاني، نصف قارئ، ربع كاتب، عِشْر إنسان، لا يجيد من الكتابة سوى دمج الكلمات في حد أدنى، يكون هذا الكمّ جيشاً عرمرماً لا يحصى من "العرضحالجية". أصبح لكثرته كالطوفان، اكتسح الساحات، والبلدان والأقطار وسيطر على وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية، وبلغ أوجهه في صفحات الصحف اليومية، والمواقع الإلكترونية. لا يمكن تشبيهه إلا بسيارات الأجرة "التاكسي" في بلد مزدحم، وكما لا تعرف سيارات الأجرة غير تلبية رغبات الزبائن، والسير وفق رغباتهم، وتلقي الإجرة مع حلوانية مقسومة، لا يعرف أشباه الكتاب هؤلاء سوى زبائن عفنين ومستبدين وأمراء فساد وأشباه رجال لكنهم يتوافرون على جيوب مملوءة بالنقود.

أستطيع عذر النقاد الجادين لإغفالهم أحلام مستغانمي، لظروفهم القاهرة، أما النوعان الآخران فاحترمهم غاية الاحترام لعدم تناولهم لها، لأنهم لو تناولوها فسيسيئون لها، وللأدب، وللبلاغة، ولكل مبدأ إنساني.

 

إن أهم ميزة لهؤلاء السقطة بالرغم من سيطرتهم تحت هذه الظروف الشاذة على ساحة الأدب في البلدان العربية النائمة، هي أنهم لا يمتلكون القدرة على فهم الأدب الرفيع. وهم معذورون لهذا، ففاقد الشيء لا يعطيه. فمهما ينمو الفأر فلن يصل إلى حجم أسد.

لكن هل ساهمت أحلام في خلق المشكلة؟

الجواب في نظر هؤلاء نعم، بخروجها عن المألوف عندنا.

 

الخروج عن المألوف في الأدب والفن والإبداع والموسيقى ووو ليس عيباً ولا نشازاً، ولا انحطاطاً قط. بل يمكن أن يكون في الأقطار المتطورة، تجديداً يستحق الدراسة، وبالنسبة لأحلام فعلينا أن ننظر إلى قضية خروجها على المألوف في الكتابة لنرى هل ارتكبت ما يستحق الملاحقة والتشهير؟

فبالنسبة للرواية هناك معايير درج معظم الروائيين على إتباعها، أهمها استعمال السرد الواقعي، المتمثل في مطابقة اللفظة لمعناها، من دون خيال، أو محسنات بديعية، من مجاز، استعارة، أو كناية الخ.

 

حتى في الواقعية السحرية "مئة عام من العزلة، لماركيز". أو في الواقعية الخيالية: "العمى. لساماراغو" كان هذا الأسلوب هو السائد، أما استعمال الأسلوب الشعري المليء بالخيال والمجاز والاستعارة والكناية فلم يكرسه أحد للرواية قط، بل للشعر وما شابهه.

لقد تم الفصل بين الأسلوبين لسبب بنيوي متين، ذلك أن الرواية فن الإقناع، وفن الممكن، ولا يتم إقناع القارئ العادي بمحسنات بديعية لا يفقهها، أو يصعب عليه فهمها. ولا يمكن تصوير حادثة معقدة بأسلوب مليء بالمجازات! فتصوير لقطة فنية يتطلب تفصيلات واقعية، ودقائق، تفرض تطابقاً للكلمة مع المعنى، وإلا انعدم التصوير وأصبح أضغاث أحلام. ولذا نستطيع أن نقرر أن الرواية تبنى على جمل تتصل مع بعضها برباط قوي، يصل ما قبلها بما بعدها من دون فاصل، فعندما تقرأ جملة لا تتوقف قط، بل تنطلق إلى جملة أخرى، وهكذا، ولذا أيضاً اعتبر عنصر التشويق أحد الأسس المهمة في كتابة الرواية والقصة.

 

لننظر إلى هذا المقطع الصغير عند ماركيز في بداية روايته خريف البطريق:

 

"أثناء عطلة نهاية الأسبوع، اقتحمت النسور قصر الرئاسة، متسللة عبر كوىً فتحتها بمناقيرها في القضبان الحديدية المشبكة فوق الشرفة، فحركت برفيف أجنحتها زمان القصر الراكد، ومع طلوع فجر يوم الاثنين نفضت المدينة عن عينيها سبات عدة قرون، واستيقظت على نفحة رقيقة دافئة تنثال من بقايا ذكر ذلك الكبير الذي قضى وتلك الأبهة التي بادت."

أربعة وخمسون كلمة حددت بداية الرواية، وأثارت أسئلة لابد لها من إجابات، فقد كان هناك غموض يقتضي التوضيح في عملية اقتحام نسور لا لمكان عادي، بل لقصر الرئاسة! وهناك أيضاً عملية تسلل من كوى، ونشاط مناقير غير مألوف، ورفيف أجنجة الخ. أي أربعة أعمال مثيرة، يريد القارئ أن يدرك أسبابها، ويتفهم ظروفها، نتج عنها عملين مهمين، يتعلقان بحدثين لشخص مهم، كرد فعل لهما، هذا إضافة إلى وقتين مختلفين. ففي الجملة الأولى بدأنا نتساءل ما الذي حدث نهاية الأسبوع، ثم كيف اقتحمت النسور قصر الرئاسة، ولماذا حركت النسور الأزمنة، وهكذا تتلازم الأسئلة في حلقة متواصلة من بداية الرواية حتى النهاية. في هذه الكلمات المحددة بدأت الرواية بداية مهمة موفقة، وأثارت أسئلة تضع اللبنات الأساس لعنصر تشويق لذيذ، يتسلسل، يبدأ ولا ينتهي إلا بنهاية الرواية، مثل هذا التسلسل موجود في نتاج نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وسامراغو، وكراهام كرين واليزابيث أليندي وغيرهم الخ. تسلسل أسئلة تتوالى من دون توقف قط إلى آخر كلمة في الرواية، عندئذ لا يهم إن كان لهذه الأسئلة إجابات أم لا.

 

لننظر إلى أسلوب السرد عند أحلام، ولنر هل اختلف عن أسلوب السرد الروائي المتعارف عليه عند ماركيز وغيره أم لا؟، تبدأ روايتها ذاكرة الجسد:

(مازلت أذكر قولك ذات يوم:

الحب هو ما حدث بيننا، والأدب هو كل ما لم يحدث.

يمكنني اليوم، بعد ما انتهى كل شيء أن أقول: هنيئاً للأدب على فجيعتنا، إذن. فما أكبر مساحة ما لم يحدث؟ إنها تصلح اليوم لأكثر من كتاب.

وهنيئاً للحب أيضاً.

فما أجمل الذي حدث بنينا، ما أجمل الذي لم يحدث. ما أجمل الذي لن يحدث.)

 

عدد الكلمات مقارب لفقرة رواية خريف البطريق، إحدى وستون كلمة، لكن ما الأسئلة التي أثارتها أحلام؟ وما الأحداث التي سلسلتها؟ لا توجد أحداث مطلقاً، ولذا لا توجد أسئلة، ولا يوجد عنصر تشويق.

إن استثنينا الجملة الأولى وهي غير مهمة إطلاقاً، ويكاد حذفها يتساوى مع وجودها، نرى أن البداية الحقيقة للرواية أسلوب تقريري، يتخطاه معظم الروائيين:

الحب هو ما حدث بيننا، والأدب هو كل ما لم يحدث.

 

لكن بالرغم من هذا قدّمت أحلام ما يعادل ذلك كله، قدّمت في هذه الجملة بالذات بلاغة رائعة عوضت عما تجاهلته من قوانين الرواية المتداولة. عوضت أحلام بـ: كلمة الحب عن الأسئلة كلها، فنحن جميعاً نحب، وهذا يكفي للإثارة، فكأنها احتالت علينا بخديعة جميلة وذكية، وكلنا نحب مثل تلك الخدع. لكن الفرق بين تشويق نجيب محفوظ وماركيز وغيرهم أنهم يدفعوننا للقراءة بشكل مستمر، لمزيد من الكشف من دون أن يضعوا أي نقطة تستدعي التوقف، بينما تلجمنا أحلام وتوقفنا رغماً عنا بين الحين والحين. نعم. وحدها تلجم اندفاعنا، وتكبح عجلاتنا، فنتوقف صاغرين، فلماذا؟ لننظر إلى عبارة:

الحب هو ما حدث بيننا، والأدب هو كل ما لم يحدث.

عبارة مفهومة، وجميلة، وفيها بلاغة مكثفة تستدعي التوقف لسبر أغوراها، لا لكي نرى ما حدث أو ما سيحدث بل لنتفهم كيف استطاعت أحلام صياغة هذه الجملة. فالجملة جميلة ما في ذلك شك، لكن ما يدفعنا للتوقف هو التفكير في سر أو أسرار جمالها، أهو الجناس "حدثَ ويحدثْ" و"ما وما"؟ أم هو شيء آخر؟ لو قيلت هذه الجملة في العصر العباسي لقالوا فوراً: إنه الجناس من دون شك. آنذاك كانت الفصاحة سائدة، وكان سحر الفصاحة يذيب الجميع ببودقته، وكانوا يرون أنهم أمام معضلة حضارية تستلزم الإجابة عن الأسئلة كلها، ففسروا سحر الكلمات بقوانين معينة تفي بتنظير يحيط بالإجابة. لكننا في هذا العصر لا نكتفي بذلك، إننا نريد أن نعرف أسرار ما لم يكشف.

 

هل هو الخيط السري الذي يلف كلمات المقطع كله؟ حسناً لننظر إلى بقية المقطع؟ أهملت أحلام أهم فنون الرواية، ثم عوضتها بإنجاز بلاغي فريد ومتميز.فعوضاً عن تسلسل الحوادث، وعوضاً عن التشويق الروائي المهم، قدمت أحلام صوراً بلاغية مشتتة، غير مترابطة، لكنها صور سامية راقية قدمتها بأسلوب شديد الخصوصية أغنى النص، لتصبح كتاباتها صوراً مذهبة تتلألأ أبداً، ولتعوض عن فنون الرواية الأخرى.

إن الكلمات الإحدى والستون في مقدمة "ذاكرة الجسد" تكون محيط دائرة منغلقة، دائرة بلاغية تدور حول كلمة واحدة هي الحب، الفجيعة في انتهاء الحب، تهنئة بذلك الحب، تقويم له، لوجوده، تقويم لأشياء تتعلق بالحب، لا ندري عنها سوى أنها لم تحدث. فلا حركة في الرواية، ولا صورًَ فريدة، ولا تسلسلَ مشوقاً بل هو بلاغة تعبيرات افتقدناها، وفقدناها منذ رحيل المتنبي، وإذ بلغ بنا الياسُ نهايته، وكدنا نستسلم، فوجئنا بالقدر يبعث مرة أخرى، متنبياً مؤنثاً جديداً ورائعاً، ليملأ الدنيا مرة أخرى، ويشغل الناس، متنبياً متمكناً من أدواته، غائصاً في جذور اللغة حتى الأعماق، وناهلاً من آداب اللغات الأخرى من دون حدود.

 

هذا المقطع بالذات مقطع غير روائي إطلاقاً، لكنه أصبح جزءاً من رواية، وقرأه الألوف من الناطقين بالعربية.

 

أمثلة أخرى:

اعتاد أحد الأصدقاء أن يذكر كلما طرح اسم أحلام مستغانمي: إنها خير من يلعب بالكلمات، وكنت أجيبه، إن إجادة اللعب بالكلمات بحد ذاته تمييز يستحق الإشادة، ألا ترى أننا نكرم المجيدين بلعب الكرة والملاكمة والمصارعة والجري والسباحة ووو الخ؟ فلماذا نبعد من يجيد اللعب بالكلمات إن كان يعرف كيمياء الكلمات؟ وفيزيائها، وجغرافيتها، وتاريخها، وطلاسمها؟ أليس ذلك بعبقري؟

حسناً أمامي أقل من صفحة، لا تتجاوز كلماتها المئة، "ذاكرة الجسد" هل أستطيع أنا بالذات أن استمر بالقراءة من دون توقف؟ لا. كل جملة تأخذ مني دقائق. أستطيع تكملة الرواية الضخمة "الجريمة والعقاب. ديستوفسكي" بيومين في الأكثر. لكني لا استطيع قراءة عشر صفحات من أي كتاب لأحلام في اليوم كله، حسناً لنفرض أنها تلعب بالكلمات. لكن اللعب بالكلمات يقتضي مني مراقتة اللعبة وأتفاعل معها. ولهذا اضطر للتوقف. قالت أحلام في صفحتها:

 

أكنتِِ زلة قدم؟ أم زلة قدر؟ أي عبارة جميلة؟ أهو محض جناس؟ لا. مطلقاً الجناس سطحي، مشخص، موجود، لكن هناك معنى مخفي تحت الجناس علينا أن نفكر بعمق لكي نجده. شيء يفسر البلاغة التي تتمتع بها أحلام. أسبقها إلى هذا التعبير أحد؟

لنستعرض معاً هذه التعبيرات الأخرى، وهي جميعاً عن الصحف، وفي رأيي أن لا تنظر إلى المجاز والاستعارة والتشبيه بحد ذاتها، غص إلى أعماق جذور المعنى وحاول أن تستعرض الصحف العربية المأفونة ودقق بما قالته أحلام لتكتشف أسرار جمال التعبيرات.

فهنالك واحدة تترك حبرها عليك، وأخرى أكثر تألُّقاً تنقل عفونتها إليك.

تبدو لي جرائدنا وكأنها تستيقظ كل يوم مثلنا، بملامح متعبة وبوجه غير صباحي، غسلته على عجل، ونزلت به إلى الشارع دون .... إغرائنا بابتسامة.

عناوين كبرى، كثير من الحبر الأسود، كثير من الدم، وقليل من الحياء.

        

فقرة أخرى:

في عابر سرير تُقحِمُ أحلامُ هذه القطعة الفريدة، ببلاغة متميزة إعجازية، تضطرك للوقوف والتفكير، وتكبح اندفاعك لقراءة ما يلي من الأحداث، تستوقفك كي تصل إلى أسرار التعبيرات الرائعة، بالرغم من أن هذه الفقرة بشكل واضح لا لبس فيه لا علاقة لها بالرواية قط:

"في مدينة كان هنري ميلر "كاتب أمريكي" يتجول فيها جائعاً، وفي حالة انتصاب متنقلاً، وسط حدائق "التويلري" غير مبصر سوى أجساد نسائية من رخام، عساها تغادر عريها الرخامي، وترافقه إلى فندق تشرده، لم أكن أنا أرى سوى الرؤوس المعلّقة في أي مكان، لأي سبب كان. حتى مومسات "بيغال" المنتشرات على أرصفة الليل، في هيئة لا يصمد أمام غواية التلصص على عريهن رجل، لم أستطع، وأنا أعبر شارعهن، أن أقيم مع أجسادهن العارية، تحت معطف الفرو، أية علاقة فضول. فقد كنّ يذكرنّني بمشهد آخر، تناقلت تفاصيلَه الصحافةُ العالمية لمومسات البؤس العربي، مشهد لو رآه زوربا لأجهش راقصاً، لنساء عُلِّقت رؤوسهن، على أبواب بيوتهن البائسة في مدينة عربية، لا تخرج من حرب إلا لتبتكر لرجالها أخرى، وريثما يكبر الجيل الآتي من الشهداء، كانت تفرغ البيوت من رجالها، ومن أثاثها، ومن لقمة عيشها، لتسكنها أرامل الحرب وأيتامها.

لكن لا تعتم زوربا. يا صديق الأرامل لا تحزن، الجميلات الصغيرات لا يترملن. إنهن يزيّن قصور سادة الحروب العربية، وحدهن البائسات الفقيرات يمتن غسلاً لشرف الوطن، كما مات أزواجهن فداء له، وبإمكان رؤوسهن الخمسين، التي قطعت بمباركة ماجدات، فاضلات يمثلن الاتحاد النسائي، بإمكانها أن تبقى معلقة على الأبواب يوماً كاملاً، تأكيداً لطهارة اليد التي قطعتها، كي يعتبر بها الفقراء الذين جازفوا بقبول مذلة "المتعة مقابل الغذاء" وتجرّؤا  على تمني شيئاً آخر في هذه الدنيا غير إضافة جماجمهم لتزيين كعكة عيد ميلاد القائد."

 

هذه الفقرة في الرواية غريبة عن رواية "عابر سرير" كما ذكرت أعلاه، ولا تمت بأي صلة إليها إطلاقاً، على الرغم من وجودها في الرواية، فلا القارئ يهتم إن كان هنري ميلر يتجول جائعاً، أو شبعاناً، ولا يهتم أيضاً إن كان في حالة انتصاب أو ارتخاء، ووجوده في وسط حدائق "التويلري" لا يضيف إلى الرواية أي شيء ذي معنىً، كما لا يهمه أن يرى أو لا يرى نساءه يغادرن قدرهن وعريهن الرخامي. ولو حذفت هذه الفقرة كلها، لما أخل الحذف بالرواية قط، ولما شعر القارئ بفقد شيء البتة. وإقحام مثل هذه الفقرة كثير في جميع روايات أحلام. يكاد يتكرر كل صفحتين أو ثلاثة. وربما أعيد كلامي إن قلت أن وجود أمثال هذه الفقرة  يتعارض مع فن الرواية المعمول به، لأنه كما قلنا يشتت الأنظار، ويصرفها عن سيرورة الرواية، لكني أرى أن هذه الفقرة المقحمة "من دون داعٍ"، غير المعترف بها سرداً روائياً، والمتكونة من " 206" كلمة. أراها معجزة بلاغية لا نظير لها مطلقاً.

لقد كُتِبتْ عشرات المقالات عن مشكلة البغايا المسكينات، الضحايا البريئات، الفتيات اللواتي قُطعتْ رؤوسهن في بغداد، حُللت أسباب ودواعي وتداعيات الموضوع المؤلم الذي يفتت القلوب، لكن لم يصلْ أحد من الكتاب قط إلى مثل هذا المستوى الرائع من التعبير المعجز! انظر إلى هذا الكلمات المتلألئة الفائقة، كيف تتدفق شلالاً من البلاغة الموحية الذكية الجامعة المانعة، كيف تراكمت كماً هائلاً جمعت بين تفكير عقلاني رصين وعاطفة متوثبة خلاقة، كيف صاغت أحلام مستغانمي المتألقة آياتٍ بينات، حكيمات، بليغات تتميز بنوع فريد لا مثيل له في التواصل، والتراحم، والتعاطف الإنساني:

(عساها تغادر عريها الرخامي، وترافقه إلى فندق تشرده)

 

(لنساء عُلِّقت رؤوسهن، على أبواب بيوتهن البائسة في مدينة عربية، لا تخرج من حرب إلا لتبتكر لرجالها أخرى)

(الجميلات الصغيرات لا يترملن. إنهن يزيّن قصور سادة الحروب العربية، وحدهن البائسات الفقيرات يمتن غسلاً لشرف الوطن، كما مات أزواجهن فداء له)

 

(كي يعتبر بها الفقراء الذين جازفوا بقبول مذلة "المتعة مقابل الغذاء" وتجرّؤا  على تمني شيئاً آخر في هذه الدنيا غير إضافة جماجمهم لتزيين كعكة عيد ميلاد القائد)

 

في كل جملة من الجمل السابقة تعبير معجز لا يدانى، انظر إلى " فندق تشرده" إلى " مدينة عربية، لا تخرج من حرب إلا لتبتكر لرجالها أخرى" أنظر إلى الجمل الأخرى" غسلاً لشرف الوطن، كما مات أزواجهن فداء له" أنظر إلى "المتعة مقابل الغذاء" انظر إلى "إضافة جماجمهم لتزيين كعكة عيد ميلاد القائد"

لو أمتلك الوقت الكافي لتحليل تلك التعبيرات الرائعة في أي رواية من روايات أحلام لتجاوزت مقالتي حجم جميع روايات أحلام العظيمة، وأعود مرة أخرى إلى تلك المقابلة اللعينة في التلفزيون الخليجي، لأقول: أنني لم أُعطَ لا الوقت الكافي ولا الحريةَ للتعبير عما أريد قوله.

ولكي أختصر الكلام، فأنا كشخص دارس للأدب العربي، حينما أقلب بصري، وأشخص نظري، وأدقق فيما بين يدي من كتب، وأتواصل مع بحوث غيري وبحوثي، وأقلب نظراتي، فلن أجد في تاريخ أدبنا العربي أدباء وصلوا القمة وأنتجوا جواهر متألقة، وكماً هائلاً ونوعاً متميزاً ساحراً سوى المتنبي وأحلام بعد معجزة الرسالة المحمدية بالطبع.      

وفي نظري المتواضع أن هذا يكفي أحلام فخراً، ويكفي ثقافتنا وبلاغتنا التاريخية خطوة، مهمة، وهذا يعني فيما يعني أننا في وضع سليم، وأننا نتطور. وهذا وحده كافٍ.

 

معضلة الجنس الأدبي:

اصطلح كتابنا على وصف: الشعر، (القصة، الرواية) المقالة الخ بكلمة جنس. في رأيي أن أحلام ضيَّعت مقدرتها البلاغية في كتابة الرواية. قرأتُ شعرها، ولا أستطيع الحكم على مستواه وتقويمه بغير كونه شعر عادي وسط. وقرأت ثلاث روايات لها، وعندما تصفحتُ موقعها رأيت أنها كتبت روايتين أخريين، لم يتيسر لي قراءتهما. وفي مقالتي هذه، غير المتخصصة، التي تعبر عن رأي شخصي بحت، أرى أن هذا الأسلوب البليغ المتفرد، لدى أحلام لا يؤدي دوره في الرواية قط، لأنها استعملته في غير موضعه، كمن يضع ماكنة طائرة متطورة في شاحنة حمل لنقل السماد، فلا الشاحنة أصبحت طائرة، ولا المكنة أبرزت طاقتها، ولا السماد أصبح لألئ وجواهر وأحجاراً كريمة. نعم. سارت الشاحنة سيراً متواصلاً محفوفاً بالأخطار، لكن الماكنة اُضطهدت وغُمط حقها في توليد سرعتها الفائقة المتوخاة.

 

لو استطاعت أحلام أن تستخدم بلاغتها الفريدة في جنس أدبي غير القصة، لاستحق ذلك الجنس أن يكتب بماء الذهب ويعلق في كعبة كل مثقف يتعبد في محراب الفن.

 

لو استطاعت أن تعيد الكرة في توظيف هذه القدرة الفائقة في الشعر لأصبحت قمة  لا يطالها محمود درويش أو السياب أو البياتي أو نازك، ربما أصبحت متنبي القرن الواحد والعشرين.

 

لو كتبتْ مقالات صغيرة بالأسلوب نفسه التي كتبت به عن المومسات العراقيات المظلومات، وعبّرت فيها عن معاناة، وحب، وآمال، وطموحات، وهزائم، ومآسي، وأفراح الأجيال العربية في العراق المعاصر بعد الغزو الأمريكي الشائن، في فلسطين، الجزائر، دارفور، اليمن وووو لدعوت وغيري لانتخابها معجزة حية تتربع على عرش البلاغة الحديثة، من غير منازع.

لو كتبتْ عن القهوة في غير الرواية، عن المآذن في مدننا الحزينة، عن الجسور التي حطمها الغزاة في العراق واستحال دم دجلة والفرات أحمر لكثرة الضحايا من البشر العاديين، لو كتبت عن احتلال العراق وسط تهليل علمائه وعملائه ومعمميه ومثقفيه، عن المدن التي استبيحت وهجرت، عن أحياء باريس البائسة التي لا تحوي غير بؤساء العرب المساكين، عن زنقات الجزائر والمغرب حيث تمـّّر عملية الجنس عبر بضع أوراق مالية تسدُّ رمق أطفال يتامى، عن تقلبات ونزوات العرب الهاربين ظالمين وضحايا في مدن غربية استغلت وشبعت وارتوت من دماء المساكين، لو كتبت عن جزء يسير من هذا وغيره، لو سطّرت انطباعاتها، بذلك الأسلوب المعجز المتفرد كما ذكرت في روايتها عن القلم، والورق، والليالي، والصباحات، والمساءات، وووووو لأصبحت شمساً تهون معها شمسنا، وقمراً يتضاءل معه بدرنا الشهري في عنفوان توهجه.

 

فتحيةً، لمن سلبتني وقتاً طويلاً، جعلتني أسير وأنا كالمسرنم أفكر بأسرار بلاغتها ولم أتوصل إلى شيء، ومعذرة.

لكني سأبقى أتساءل عن سر هذا الأسلوب الفائق الذي لم تستطع أحلام استخدامه بالرواية والشعر، إذ أن شعرها كما قلت ذا مستوى متوسط. فأين تستطيع استخدامه إذاً؟

لا أدري.

 

سيبقى القرار لها وحدها من دون الخلق.

ربما أستطيع أن أقول أن أحلام ضحية بريئة لتراث عظيم درسته بجد، واستوعبته بذكاء، وطبقته بعفوية، ففتن معاصريها، لكنه لم يستطع إيفاءها حقها، فمتى تستطيع هي، ومتى نستطيع نحن؟

أضيفت في15/12/2007/ خاص القصة السورية /المصدر: الكاتب ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

أفق من الأنوثة وغابة من الأسئلة

عالية شعيب.. الجرأة والإصرار

بقلم الكاتب: عبد الكريم المقداد

 

 

تتشعب اهتمامات د. عالية شعيب بين القصة، والشعر، والرسم التشكيلي، والمقالة الصحفية، إضافة إلى كونها أستاذة في قسم الفلسفة بجامعة الكويت. والمتابع لإبداع الدكتورة عالية شعيب سيلحظ، لابد، انفلاتها من الكلاسيكية والتجنيس، وتمردها على التقاليد والمألوفات، ولكن.. تأسيسا على مداميك من التجارب المعرفية والممارسات المخزونة في الخلفية الثقافية، وليس على فراغ بتاتا.

على ان المدهش.. انك إذ تجلس إلى عالية الشعيب تفاجأ بإنسانة غاية في الهدوء والرقة والتواضع، فتعجب كيف تم لهذه الشخصية لملمة كل شظايا التمرد الإبداعي النافر في لوحاتها ونصوصها؟ ومن ثم.. كيف تم إغلاق الجسد دون ذلك كله، فلا يطفو على سلوكات صاحبته وسيمائها؟!!.

 

أمواج إبداعية شتى تتدافع من بين يديها. فهي الفنانة التشكيلية ذات الحضور المميز في الساحة الخليجية، وهي الشاعرة المتمردة على النظم والقوافي وبحور الخليل، وهي أستاذة الفلسفة، وهي ـ فوق هذا وذاك ـ قاصة أبدعت حتى الآن مجموعتين قصصيتين: (امرأة تتزوج البحر ـ 1989) و(بلا وجه ـ 1991). والطريف في الأمر انك واجد كل هذه الشظايا الإبداعية مجتمعة في كل هم مفرد من هموم الكاتبة الإبداعية، سواء كان قصة، أم شعرا، أم لوحة!.

إنما.. وكوننا بصدد ملاحقة سيرورة التيار القصصي، سنوقف دراستنا عليه، دون المناحي الإبداعية الأخرى التي نتركها لغيرنا من المهتمين، محاولين قدر المستطاع تتبع ملامح الخط القصصي بشكل تدرجي من المجموعة الأولى (امرأة تتزوج البحر) إلى الثانية (بلا وجه).

تشي الملامح الأولى لـ(امرأة تتزوج البحر) بكثافة فلسفية مخرت عباب كل النصوص.. والقارئ، والحالة هذه، لابد أن يحتاط بخلفية من علم النفس والفلسفة تؤهله للتواؤم مع شخوص ومرامي هذه القصص، ناهيك عن ضرورة توافر الدربة عند هذا القارئ في اعتياد قراءة القصص. ذلك أن الكاتبة اتكأت على العنصر الذهني بشكل جعل من بعض قصصها أحاجي يحتاج القارئ معها إلى إعمال فكره وكأنه بصدد حل مسألة رياضية. الأمر الذي حصر الطاقة التوصيلية لهذه النصوص بشريحة محددة من القراء.

والشيء الذي أوصل إلى هذه المرحلة هو اعتماد الكاتبة ثالوثا مدججا بالذهنية حيث: الغوص في العوالم الداخلية للشخوص، واعتماد خلفية حكائية قابعة، مسبقا، في ذهن الكاتبة، وحشد رموز فلسفية دونما إحالات تفضي بمدلولاتها.

فالكاتبة إذ تغوص في العوالم الداخلية لشخوصها تنقطع بهم عن العالم الخارجي، فنجدهم عاجزين عن «الفعل» إلا في اللاوعي أو الحلم. هم أشخاص مسجونون داخل ذواتهم لا يملكون فعلا خارجها، وجميع ما يقع من أحداث إما أن يقع في اللاوعي، أو.. يلتمس له واقعا صادرا عن اللاوعي. فالبطلة في (امرأة الانتظار) شخصية عدمية بائسة تشعر بالتلوث المستمر رغم الاغتسال المتكرر «اغتسل في اليوم خمس مرات وأحيانا ست مرات حين يخنقني الشعور بالتلوث..». وفي قصة (كانت هي الشمس) نجد البطلة، وهي كاتبة، مشدودة اللاوعي إلى الشمس حيث لا تستطيع الكتابة إلا في مواجهة الشمس: «.. إلا حين تلتصق الشمس بجسدي.. حيث تصهرني وتذيب كل ما يربطني بالعالم ـ باللحم» ص34. وفي (يمشي يمشي في الغرفة) يتعملق العالم الداخلي عند البطل، ويسد عليه منافذ الواقع، فيقتل حبيبته. وكذا الوله الذي يسيطر على بطلة قصة (امرأة تتزوج البحر) حيث يشكل البحر كل دنياها فلا تملك أن تفارقه بل.. يدفعها ولهها به أن تخوّض في أمواجه في إحدى الليالي فلا تصحو إلا على الغرق و.. الموت!. وهذا ما نجده أيضا في قصتي (من يوميات مطلقة) و(هل أنا.. أنا حقا؟(.

وكذا يشعر القارئ أن هناك حلقة مفقودة، لا يقع عليها مهما جدّ في سبر أغوار الكثير من النصوص. وليس مرد ذلك إلا إلى خلفية الكاتبة شخصيا، التي يتدافع السرد من بين يديها بوحي من تصور أو اعتقاد أو حدث ما قابع في الذهن. ففي (امرأة الانتظار) نجد بطلة القصة تصرح: «كل شيء إلى الزوال. كل شيء إلى الفناء.. فلماذا أبكي؟». وهي «وحيدة كجرذ وبائسة كخيمة فجر» تلفها رائحة خانقة تنبعث ـ حسب شعورها ـ من كل شيء: من الجدران، من الأثاث، منها.. الخ رغم حركة الخدم الدائبة، ورغم اغتسالها اللااعتيادي حتى لا يكاد يجف لها شعر.

مع تنامي النص تتبدى لنا نتف تحاول أن تشي بحالة هذه المرأة: «صورة أبي مزروعة داخل صدري في تربة من نار»، «كنت أحبك بجنون وكانوا يحسدوني لامتلاكك، والآن، ماذا أمتلك. متخدرة وبعيدة جدا عنك وعن موطني»، و«في هذا البلد كل شيء رمادي».

ومن جهة أخرى: «منذ تزوجتك وذلك السائل اللزج ملتصق بذراعيّ وساقي يغطي كل مسامات جسدي أو كفني لا فرق»، و«حين كنت تعود من المكتب مثل ديك شبق، كم وددت لو استطاعت تلك الصفعات الساخنة أن تذكرني بما حدث لأبي»، و«أبي كان يحب المياه لكنه لم يكن يحب الحياة»، وهو الذي قال: «انظري إلى السماء.. انها تحترق هذه الألوان الحارقة هي دماء.. دماء بشر يقتتلون، ستنشب حرب عظيمة، سيقتل الكثيرون». ثم تنتهي القصة كالتالي: «لازالت الرائحة الكريهة تسكنني.. أظن انها تنبعث مني.. كل شيء إلى الزوال.. كل شيء إلى الفناء فلماذا أبكي؟.. ولمن؟ هل أبكي حقا؟ هل هي دموع البكاء، أم قطرات الماء المتسربة من بين خصلات شعري، لا أدري.. لا فرق!».

الآن.. ما سر بؤس هذه المرأة وشعورها بالتلوث؟ وما سر تذكرها الدائم لأبيها؟ وما معنى توقع أبيها لحرب عظيمة قادمة (أهو تنبؤ بالغزو العراقي؟)، ولماذا يصفعها زوجها؟، ولماذا هي بعيدة عن وطنها، قابعة في بلد رمادي؟، وماذا يعني أن أباها كان يحب المياه لكن لم يكن يحب الحياة؟ و....الخ.

للإجابة على هذه الأسئلة يتوجب الرجوع إلى خلفية المؤلفة، لا إلى النص وذلك لخلوّه من إشارات تفيد ذلك. قد أحدس أن الكاتبة رمت إلى أن هذه المرأة كانت تتمنى رجلا يحمل مواصفات أبيها، فلما لم يكن.. انتابتها حالة قرف من كل شيء، لكن حتى لو صح هذا الزعم الاجتهادي يبقى الكثير من الرموز، والكثير من الأمشاج السردية، والكثير من الخيوط الحكائية في حالة فلتان.

لو اجتهدنا في ملاحقة بعض الرموز، فماذا نرى؟

حالة الاغتسال : تطهر عن قصد

حالة البكاء : تطهر دون قصد، لا إرادي

الاغتسال: خصوبة، تطهر، أنوثة، بعث...

ولكن هي تغتسل أيضا للخلاص من ذلك السائل اللزج (منذ تزوجتك وذلك السائل اللزج ملتصق بذراعي وساقي..). إذن.. هي تغتسل ضد الخصوبة أيضا!.

إنما.. هل تواصل الاغتسال هذا لأنها في بلد رمادي (في هذا البلد كل شيء رمادي). كأن الأرض ماتت منذ زمن بعيد، والآن يرغمها هؤلاء على العيش ثانية. يشيدون لها القصور، ويجبرونها على ارتداء ثوب الشبع والقناعة والعافية، وهي ترفض؟. هل تمارس التطهر من هذا البلد لأنها لا تشعر بانتماء إليه (يرغمها هؤلاء)؟. وهل تحاول التطهر من السائل اللزج حتى لا ترتبط أو تخلق شيئا يربطها بهذا البلد؟ ربما.

إنما.. كيف نفسر: «أبي كان يحب المياه.. لكنه لم يكن يحب الحياة»؟ وكيف تناقضت المياه مع الحياة؟!.

قد تكون قصدت الكاتبة إنتاج هذه الغابة من الأسئلة في ذهن القارئ، بغية الاستحواذ عليه أطول فترة ممكنة في سياحة ذهنية عميقة قد يجاريها البعض، وقد يضجر منها الكثيرون. فالأدب حسب تصوري ليس معنيا في الإغراق في الذهنية قدر اهتمامه بتناول المألوفات بطرق جمالية تفتح أعين القراء عليها بدهشة وكأنهم يرونها لأول مرة. إنما.. لست أصادر اجتهاد الكاتبة عالية شعيب في محاولاتها الإغراق في الذهنية بقوالب أدبية، وإن كلفها ذلك الشيء الكثير.

في (كانت هي الشمس) نصادف الشيء نفسه حيث تصدمنا الكاتبة بأجوائها الفلسفية منذ البداية: «مفجع أن تبكي أم والأمومة وهمّ..»، و«لم تكن أمي.. ولا أمهات في هذا العالم.. لأن الأمومة وهم». هذه هي قناعة بطلة القصة، أما لماذا هذه القناعة، فالنص لا يحيل إلى جواب، ولا يقدم إيحاءات لذلك. ثم إن البطلة هذه لا تعيش إلا في الشمس، ولا تستطيع الكتابة إلا بمواجهة الشمس «إلا حين تلتصق الشمس بجسدي.. حين تصهرني وتذيب كل ما يربطني بالعالم».

بعد ذلك تنتقل البطلة الراوية، لمخاطبة معشوقها فتقول:« وقررت إخبارك بسرها الكبير». وننتظر عسانا نعرف سر من تقصد، وما هو هذا السر،دون جدوى . فهذا كله محذوف، وربما هو في ذهن الكاتبة لا غير.

إذ:«منذ أخبرتك والشمس تتناسى حلمي الجميل..وكنت أرى الشمس تخفض رأسها الجميل وتخفض دمعة جارية.. ولم استطع الكتابة..» ص34-35.

في نهاية القصة تقرر البطلة التحدي،فتنقل أشياءها إلى الشرفة لتكون وجها لوجه مع الشمس، رغم تحذيرات أمها، فتسير مترنحة نحوها:« عيناي بركتا دم تغلي، وجسدي حار متماوج، كانت في رأسي أمنية واحدة ..أن ألقي ثقلي عند قدميها الرائعتين (قدمي الأم طبعاً ) كانت هي الشمس، كانت هي وحدها الشمس» ص37

هل من مبررات حملتها سياقات القصة للوصول إلى هذا التحول الصدامي المفاجئ ؟.أسئلة عديدة،وإجابات مخيبة لا يفتي بها النص، ولا يحيل إلى شيء منها.

تبقى الفكرة الفلسفية عماد نص قصة ( يمشي.. يمشي في الغرفة ) حيث يمكن اقتناصها من الحوار التالي بين شخصيتي القصة:

ــ لقد خلقك الله لي

ــ وخلقك الله لي .. لي أنا ، فلماذا هي في بيتك؟

ــ كانت غلطة !

ــ ومتى تصحّحها؟

و..بصمت، تغيظه

ــ سأتزوج إذن لنتساوى !

ــ سأقتلك إن فعلت

ــ وهل قتلتك أنا؟

لكن الجميل في الأمر أن النص جاء محكما، مكتفياً بذاته، لا يحيل إلى خلفية غائبة عن النص،قابعة في ذهن الكاتبة، رغم الحدث الفانتازي الذي تمخضت عنه القصة وهو قتل البطل معشوقته:«ينظر اليها ..لازالت جامدة ..لا أثر لنفس . وهي في وسط الغرفة . في مكانها لازالت. حين يحتاجها..هي هنا . حين يفتقدها ..هي هنا .. وإن كانت جامدة لا روح في جسدها لكنها هنا .. هنا قربه. لن يأخذها سواه،لم يلمسها أحد سواه» ص19.

هذا الاكتفاء هو ما تفتقر إليه قصة (فقط أنت المرأة) التي تنقطع فيها الكاتبة إلى العالم الداخلي للبطل بشكل مطلق مصمت، فلا تترك للقارئ أدنى إلماحات إلى ماهية أو حقيقة أو سبب ما يدور في هذا الفلك المصمت. إنها رحلة ذكريات لا وعي البطل مع حبيبته التي فارقته.

ولكن كيف ولماذا تم الفراق وقد«كنت امرأة بكل نساء العالم . وكنتُ الفرح الذي ينعقد حول رقبتك» ص53

ولم تكن « بيننا ابدا تلك المسافات الاعتيادية . تفاصيل الحياة اليومية الآلية . لأن وجودك كان مكثفا لدرجة الانشراح المشبع.ولم أكن اسمح لتلك التفاصيل اللزجة ملء المسافة بين عنقك وعنقي»ص54 ؟

إنك إذ تبحث عن السبب في ثنايا النص تصاب بإرباك ما بعده إرباك،فالسبب هو ( الوهم الهلامي الكبير ــ العفن الكبير)!. إنما .. ماذا يعني هذا الوهم أو العنف الكبير ؟.

تعال معي نلاحقه، علّك تصل إلى ما لم أصل إليه:«كان ذلك الوهم الهلامي الكبير الذي يحشو صدرنا ورئتينا يكاد يحجبك عن ذراعي وكنا نعيش ذلك الوهم ـ العفن الكبير. لم نستطع أبداً اختراقه أو تمزيقه..»ص54

ثم «كان من الصعب أن أناقشك في شؤون الوهم الكبير.. قلت لي: (أتمنى أن أرفع رأسي ذات يوم لأصفعه.الآن..يمكنني أن أصفعه وسترى) هل كان هذا هو سبب اندفاعك.. سبب قبولك لأن تكوني في جوف العفن الكبير..»ص55.

هل وصلت إلى شيء ؟

ما يثير الحيرة أكثر هو تلامح أحد الخيوط الحكائية في النص بشكل غامض. وإنك إذ تجدّ في تفسير علاقته بالخيط الحكائي الرئيس للقصة فلا تقع إلا على الإرباك. إذ .. ما معنى أو صلة ذلك الرجل (المجنون)، سجين أحد البيوت، بالقصة ؟. فالبطل يقول:« وصورة ذلك الرفيق تطاردني. والحكايات التي تقال عنه: المجنون المهووس. أنا كل ليلة أطفئ نور الغرفة الصغيرة وأراقبه وهو في سجنه العلوي..أعلى المنزل المقابل»ص52.

و « في مرات نادرة كان يزيح الستارة قليلاً ويطل جزء من وجهه على العالم ثم يختفي بسرعة. كم تمنيت أن آري وجهه، ملامحه، عينيه اللتين تخفيهما النظارة السميكة، هل هو حقاً مجنون. ولماذا يبدو حزيناً وتائهاً إلى هذا الحد ..؟»ص53 .

وبعد ذلك في نهاية القصة نراه :« بدا لي مهشماً مشوهاً وقد نفذ صبره. فتحت النافذة بقوة لأخرها . حين رأيته يفتح نافذته بشراسة ويقفز على حافتها ويقذف بجسده لأسفل صارخاً بأعلى صوته .. كان صوتا مزيجاً من العواء والصهيل..» ص56ــ57!!.

بيد أن الأديبة عالية شعيب لم تكتف بالكثافة الذهنية، والتزام العوالم الداخلية، والرموز، بل.. لفّت ذلك كله بلغة شاعرية تجريدية، مسكونة بروح فانتازية، الأمر الذي لم يعتده القارئ في لغة القص. وذلك على الرغم من ثراء هذه اللغة (لغة الكاتبة) وقدرتها التوصيلية العالية. لكنها هنا، وبتساوقها مع الرموز والكثافة الذهنية، شكّلت بعداً إضافيا لصدم القارئ العادي:

«.. تشعر بصهيل نظراته، تغمرها القامة الطويلة، تلفّها رائحة رأس طفل لن تلده أبدا» ص24.

«.. ويختزن قلبي الشهقات. يفرغ الحبر من أحشائه ويحشو جسده الضئيل بذلك الفحيح المرن.. بذلك اللهاث اللافح و.. يكتم!» ص33.

«.. كل منا يقف على حافة شاطئ يشع كالأحلام، يفصل بيننا مجرى ماء فيروزي الروح، نمد أيدينا نفتح صدرينا لريح داكنة.. ولا نلتقي أبدا» ص35.

«.. وشرائح من لحن تركي يتسلل إليه عبر النوافذ الموصدة.. فيتنهد بحرقة ويتراجع للخلف قليلا ليتركها تسند رأسها على حائط ثلجي في قمة ما من أعماقه.» ص62.

بلا وجه

الملامح كلها التي أظهرتها المجموعة الأولى (امرأة تتزوج البحر) ستتعمق في المجموعة الثانية (بلا وجه) بشكل سيجعل منها الفلك القصصي الخاص الذي تعرف به عالية شعيب. فهي إذ تمسكت بهذه الملامح في مجموعتها الأولى، فإنها حفرتها بعمق في (بلا وجه)، وتمادت أكثر في اختلافها وغرائبيتها وأحلامها. وقد ذهبت مع اللغة مذهبا تضمّخ بالشعر، وتبتّل بالرسم التشكيلي الفانتازي، مثلما انفلتت إلى مضارب أنثوية لم يتجرأ أحد على إتيانها. وفوق كل ذلك، بقيت حريصة كل الحرص على حمل غابة الأسئلة أينما حلّت، فتشهرها في وجه القارئ كلما اقتنص قراءة نص من نصوصها.

تكرّس العالم الداخلي عند الكاتبة كثيمة لا تستغني عنها في أي من نصوصها. فالعوالم الداخلية لشخوص قصصها هي الفضاء الأثير الذي لا تمل الغوص فيه. وهي إذ تفعل ذلك إنما تتسلح بخلفية ثقافية مدججة بالرموز الفلسفية والنفسية، التي تتيح لها تناول نفس الهمّ بأكثر من صيغة وأكثر من زاوية، وإن.. تلفّّع كل ذلك بكثافة ذهنية تشق على القارئ العادي بل.. على المتمرّس أحيانا.

لكن المحيّر أن الكاتبة، وفي كثير من نصوص هذه المجموعة، حريصة على الانقطاع إلى العالم الداخلي بشكل مصمت لا يملك القارئ إزاءه إلا الاصطدام بأسئلة وتأويلات لا حد لها و... لا يركن إلى أي منها. وكأنني بالكاتبة قد قصدت ذلك عن سبق إصرار وترصد!. إذ.. لا يعقل لمن امتلك مثل لغة الكاتبة، وحيوية تدفق سردها، وعملية مفصلة خيوطها الحكائية، إلا ان يكون فطنا لمآلات السرد، ومحارق النصوص، وفنون التقاط تركيز القارئ. إنما.. ورغم ذلك تصر الكاتبة على حذف حلقات حكائية، تكاد تلوب النصوص شوقا لاحتوائها حتى تشعر بالاكتمال.

في (تفتّق) تصور الكاتبة معاملة الزوج الدونية للزوجة، فحتى في حياتها الجنسية يعاملها كبهيمة. وهي إذ تتحمس لتثور على ذلك، خصوصا بعدما اكتشفت خيانته وشذوذه الجنسي، نجدها وقد «انحنت، قبّلت قدميه» ص13. بعد ذلك، وفي نهاية القصة، حين عاد الزوج إلى المنزل: «لم يلحظ السماء الصغيرة الوردية التي احتلت مكان البيت المحروق» ص14. ماذا يعني هذا؟!.

كذلك الحال في قصة (تكوّن) حيث قالت الزوجة في مستهل النص: «سأنام وحدي الليلة». ولكن: «لماذا صارت تنام وحدها. لا يريد أن يفكر»ص16. ثم «كأنها تتنفس وجودها الحقيقي الآن؟.. كأن جلدها العتيق يتفتق عن ياسمين يبتكره الخالق الآن من أجلها وحدها..» ص16. وذلك على الرغم من أن الزوج: «يتذكر كيف كان يقشرها مثل ثمرة. وهي تقبّل كل خلية فيه. كانت تحرقه قبل أن يصل لجمر عينيها. كان يموت ويشهق وهي تلف على رأسه لفائف من بخور غلائلها» ص17. إذن.. ما السر؟ لماذا هي تنام وحدها؟ النص لا يلمح إلى أي إجابة.

الأمر نفسه نجده في القصص: (كان رجلا حقيقيا)، (صباح مختلف)، (ما لم تقله الحقيقة)، (آ.ص يرش الملح).. الخ.

أتراها تتمرد على عنصر الحكاية في القصة القصيرة؟.

قد يتمرد الكاتب على مفهوم الشخصية، وقد يتمرد على اللغة، وقد يتمرد على تسلسل السرد وقد.. الخ. لكن أن يتمرد على العنصر الحكائي في القصة القصيرة فهذا ما لم يستسغ بعد.

*  *  *

على أية حال، وبالإضافة إلى الإشارات السابقة، يتأصل في هذه المجموعة ملمحان بارزان لا يمكن الفكاك من أي منهما في أغلب النصوص: اللغة بمحمولاتها وتشظياتها غير المألوفة في عالم القص، والنزعة الاحتفالية الواضحة بالأنوثة كجسد ورغبة.

اللغة

تبني لغة عالية شعيب لنفسها فلكا قاموسيا خاصا، تتناسل فيه المفردات إلى غير المتواضع عليه من المعاني. ذلك أنها تبتعد عن المباشرة، وتلتف بالإيحاءات المنثوثة من الأخيلة والهالات التي يصدرها تلاقح المفردات الانزياحية داخل الجمل المكونة للنص. أما الانزياحات الدلالية لهذه المفردات ضمن جملها، فتستمد طاقاتها من ثلاثة منابع هي: الشعر، والفانتازيا، والرموز.

1ـ الشعر

ليس يحتاج القارئ كبير عناء كي يستظل نفحات اللغة الشعرية في نصوص عالية شعيب القصصية، فالشعر يمارس حضوره بكل أريحية في متون السرد حيث الوصف شعرا، والحوار شعرا، والمناجاة شعرا. وباختصار، أنفاس الشعر تتماوج في أفق لغوي محملا بالمجاز، نازعا نحو تخوم التجريد .ولمعايشة ذلك يكفينا اقتباس الآتي من الأمثلة:

«قطرة ندى ممزوجة بلهاث زنبقة تتمرغ في عنصر وجودها المتفرد. تنهمر من بؤبؤ الزمن، تغتسل بها فتاة لم تكمل عامها السابع بعد...» ص5.

«تفتقت خيوط السماء القطنية عن فوانيس صفراء لها رائحة غابة تولد وتوأمها في البحر البعيد في نفس اللحظة..» ص11.

حتى أنها تلتزم الشكل الشعري أحيانا مثل:

«ثغرة لوهم:

يسمونه وطنا

يسميه دودة بريئة تحفر في حمرة.. تفاحة!

يسمونه وطنا

يسميه رئة مثقوبة لأفق من الجدائل العطرة

يسميه وجها من حديد

روحا من زنبق محروق» ص33.

وبعض الأحيان نرى الحوار شعرا أيضا:

«قال: أنا الهواء الأبيض الشفاف.

قالت: أنا الهواء الأزرق المالح.

وانفصلا..» ص54.

أو

«قالت الخاصرة للخاصرة بيت شعر: انهمر

المطر

في الخارج..!!

قال لها الجدار: ادخلي لنبتكر حوارنا السرّي اللاهث.

قالت: والعالم..؟

قال: اتركيه ينجو بحريقه، هو حواره الوحيد.

و... اشتعلت الزاوية

صارت دخانا أسود

صارت

رمادا

باردا» ص86.

وحتى في ملاحقتها لأحداث القصص نراها تسرد ذلك شعرا:

«.. على يساره امرأة في صندوق كرتوني تصرخ وسط الشارع. تمزق فستان زفافها.. السيارات تعبر من حولها بهدوء. لم ترتعش رئة في صدر طفل.. يرفع نظارته عن وجهه. يرى عينيه في النظارة. لا يعبأ. ينفخ على العدسات. تطير عيناه وتتدحرجان على الرصيف أمامه إلى الشارع. تمر سيارة تهرسهما مثل بيض مقلي. يبتسم. يبتلع كيسا من الملح. يرتديهما. يمشي» ص78 ـ 79.

أو:

«صعد هو صهوة سحابة من البلور النقي و.. حلّق. وامتطت هي جدائل البحر الذي يتكون كل فجر جديدا بلهاثها إذ تستيقظ فتتداخل بعري أمواجه تداعب الملح و.. يتكاثر... وهي تجمع فراشات روحها عند الشجرة الكبيرة قبّلت الأوراق الصفراء عند القدمين المتعبتين» ص54 ـ 55.

2ـ الفانتازيا

تتداخل الفانتازيا عند الكاتبة مع الأحلام، والأحاسيس، والأحداث، عبر ريشة لغوية رشيقة الخطو، مفتوحة الآفاق. والمدقق في هذه الرسومات اللغوية الفانتازية، سيدرك أن الكاتبة اعتمدتها كمعادلات موضوعية لتمرير ما أرادت بطريقة فنية أبعد ما تكون عن المباشرة. وقد ساعدها على ذلك خيال تشكيلي متمرس، أتاح لها تشكيل الرسم الفانتازي، صاحب الهالات الإيحائية الأكثر عكسا للحالة أو الإحساس المراد إثارته.

وهي إذ تستعين بفانتازيا الحلم إنما تهيئ لا وعي القارئ لاستشراف الآتي من الأحداث، وتترك لديه استعدادا لتقبّله دون صدامية. فالفتاة إذ تحلم في قصة (البذرة): «رأت في الحلم أبيها على هيئة زرافة سوداء يركض خائفا من نار عـظيمة ترفع أذيالها وتنتشر. وهو يمتطي ذعره ويركض» ص8. وأخوها إذ يحلم: «رأى أباه معلقا من رقبته بجديلة أخته الطويلة. معلقا بين الأرض والسماء. تنظر إليه تشد الجديلة لا يرتفع، تخفض رأسها، لا يصل الأرض» ص10. إنهما إذ يحلمان مثل هذه الأحلام فإنهما يهيئان القارئ للنهاية الفانتازية التي تمخّضت عنها القصة وهي وأد الأب لابنته. وحين أدرك أخوها الطفل هذه النهاية ذعر و: «أخذ منديلها وركض خارج الخيمة نحو مكانها. رأى مرتفعا من الرمل. بقايا جديلتها. قبّلها. بكى. عقد المنديل بطرق الجديلة. واحتضن الرمل. نام. ولم يفترقا.. أبدا» ص10.

وأحيانا تأتي فانتازيا الحلم كانعتاق من ظلامية فانتازيا الواقع. فالزوجة إذ تختزن ظلم زوجها لها، سدّه كل منافذ الحرية عليها، ومعاملتها معاملة بهيمية، لا تجد في قصة (تفتق) إلا الفانتازيا تنفسيا لرغباتها المكبوتة حيث: «وقفت في الحديقة.. رفعت رأسها لأعلى. أغمضت عينيها وتنفست بعمق.. قفزت حولها البجعات البيضاء ناصعة لامعة الروح. منحتها شموس ذراعيها ونفخت. دخل في صدرها هواء أزرق لأنها بأجنحته الصغيرة ينثر ريشه وبللور عينيه عن خديها ويدخل. كأنها صارت سماء!. استفاقت مذعورة...» ص12.

والرجل إذ يضجّ عالمه الداخلي بعد فتحه الرسالة في قصة (صباح مختلف)، تأتي الفانتازيا لتشفّ عن دخيلته: «أغمض عينيه. انفصل. كأن بجعات وردية ذات أعناق ملساء طويلة تخرج من الجدران نحوه. اقتربت واحدة، مسحت رأسها في عنقه، تركها تفعل ذلك بحب. انتشرت سحابات. فضية في فضاء رئتيه...» ص50.

وبعيدا عن الحلم، نجد الفانتازيا تعكس الأحاسيس، كمعادل موضوعي لما تكون عليه الشخصية:

«.. حين ابتعد قليلا رأى في انعكاس الزجاج رجلا يشبهه يحمل شجرة بدل رأسه» ص35. أو «رأسي صدفة وردية على ركبتي. البحر سماء السماء. أمواج تهدر في الأعلى. يتساقط ملح على خوذتي..» ص73. أو: «كان فجرا له رائحة الصنوبر البري الذي يهرول خلف غزالة تخبئ منه بكارتها وتركض. تشتاق لملح ينفخه البحر في فمها فتتناسل مويجات في أخدود ما بين الثديين» ص87.

كما كان للفانتازيا نصيب وافر في تشكيل كثير من أحداث النصوص. وقد أجادت الكاتبة في كثير من ذلك متحاشية تصادم مستويات الفانتازيا مع مستويات الواقع ضمن النص، حتى لا تولّد ارباكات تبعث القارئ على الشعور بالنتوءات والمطبات فيوقف المتابعة. فكان لها إتقان فانتازيا أحداث قصة (بلا وجه) بشكل مبتكر أخّاذ، ما كان لنا معه إلا الانصهار الكلي والمتابعة الشائقة.

وقد استطاعت لغة الكاتبة، في غير نص، أن تحمل فانتازيا الأحداث بحيوية بادية. وذلك رغم الكثافة الفلسفية التي صبغت هذه الأحداث، وضاعفت، إلى جانب الفانتازيا، من غموضها. والقارئ إذ يستطيع بعد جهد فك غموض بعضها، وفقا لمجريات النصوص، من مثل:

«.. يصل إلى نافورة. وهو يقترب قرر أن يتعرى ويقفز في الماء و. يسكن هناك اليوم. وجد فتاة تنام داخلها. أمسك فستانها ورماه في الهواء. صارت الأوراق له أجنحة..» ص34. أو «أخرج من جيوبه قارورتي المسك والعنبر. خلع قميصه. تجمعت السحب حوله. نفخ على سبابته اليمنى. صارت حادة. شق صدره غمس أصابعه في المسك والعنبر. صب الكثير وفرك كفيه. مسح وجهه وشعره.. صارت السحب مثل أوراق هشة..» ص57.

فإنه ـ القارئ ـ يقف عاجزا أمام إبهام أخرى مثل: «.. كانت تحاول أن تقرأ رقصة إحداهن في الخلف. اقتربت منها علّها تحثها على المشاركة. استدارت تلك وقضمت من ثديها الأيمن. تركتها تفعل بحب.. بدأن يرقصن. نبت لها ثدي آخر. وصارت الواحدة منهن تأكل من فخد الأخرى. من خدها وذراعها. بقيت هي وحدها تتفرج، بينما نبتت من خلايا صخرة زهرة بيضاء..» ص115 ـ 116.

3ـ الرموز

إضافة إلى الرموز الفلسفية العامة التي كشفت أجواء النصوص، نجد كماً من الرموز على شكل مفردات أثيرة عند الكاتبة شكّلت قاموسا خاصا يدل عليها أينما حلت نصوصها. ذلك أن هذه الرموز، المفردات، لازمت لغة الكاتبة كظلال ما استطاعت الفكاك منها.من هذه الرموز: البجعة، الزعفران، خيوط الريش البيضاء، الدخان الرمادي، ياسمين، زنبق، عباد الشمس، قوس قزح، إضافة إلى توظيفها للألوان وبعض المواد كصفات عكست من خلالها الأحاسيس والأوضاع النفسية: «اعتراه ذلك الشعور المعدني»، «.. والمشاعر البلاستيكية تتمطط وتشد بحسب الموقف»، «هواء أزرق»، «سرب حمام أزرق»، «سماء وردية»، «مساء رمادي»، «غروب أحمر».. الخ. خصوصا واننا لاحظنا قبلا، في المجموعة الأولى، نفس التعابير: «في هذا البلد كل شيء رمادي» ص12، «ويمتطي لهاثا أزرقا» ص18، «وجه الطبيب الزجاجي..» ص45، «يغلف كيانها الياسميني» ص62، «يتحول إلى وجه بجعة وردية» ص85.

الاحتفال بالأنوثة و.. الجنس

خلخلت جدران الحرملك. فتتت أوصال الضلع الثالث من تابوهات الثالوث المحرّم: السياسة، الدين، الجنس. أسقطت قناع الزيف المؤطّر لأسطح ذواتنا، ناضحة حقائق الدواخل التي يشعر بها كل منا ولا يجرؤ على الجهر بها. غامرت.. فتجاوزت محظورات البوح والتعبير، الأشد حظرا على المرأة في مجتمعاتنا العربية التي مازالت ترى المرأة بعين خاصة. تجرأت عالية شعيب فاحتفلت بالجسد و.. الجنس.

ظهر احتفالها بجمالية الجسد الأنثوي في متون النصوص بشكل مكثف، جلي، لا يمكن إلا الوقوف عنده. وفي الغالب الأعم لم يأت هذا الاحتفال بطريقة مجانية، بل جاء موظفا بفنية ارتبطت بحيثيات السرد الحكائية ومراميه المزمع دفعها للقارئ. فالمرأة والرجل وعلائقهما هو الموضوع الأساس الذي نسجت عليه الكاتبة نصوصها. وليس غريبا، والحال هذه، أن يحضر الجسد بكل بهائه ليلقي بظلاله على هذه العلائق:

«تمددت على أرض الشرفة الباردة عارية تماما.. تشهق طفولة الجسد الزهري: تشد وتاد عريها... فقط ينظر.. لو يمس الهواء الذي يعانق رخام نهديها.. لانكسر. لو يشم رائحة الزعفران يتكون في إبطيها ثم يتساقط.. لانكسر» ص15 ـ 16.

«ذهلت لعريها.. اتجهت للنافذة. اشتعل البيت المقابل من وهج رخام جسدها، وتصاعدت أبخرة من أسفلت الشارع..» ص43.

«.. أصداف في مناجم الفخذين تنحت حقولا من المرمر النقي. ياقوتتان تختمان النهدين..» ص58.

«.. في حقول الإبطين زعفران يرتوي بعرق دافئ يصبه حريق الروح. في كل خاصرة تغزل الفراشات... تتخذ الحلمة لون/ شكل ياقوتة لها رائحة دم طازج..» ص74.

«رأت نفسها مستلقية على ظهرها.. مطر يخربش بريقا ينبعث من رخام عريها.. زغب جلدها يشهق... بحيرة دافئة كان بطنها» ص121.

بيد أن ما يدعو للدهشة والاستغراب هو تلك الأوصاف الجنسية الفاقعة التي اعتورت النصوص. فرغم الكثافة الفلسفية العالية، ورغم اللغة الشعرية، ورغم الرموز والفانتازيا. رغم كل مسحة الغموض هذا، أصرت الكاتبة على اعتناق التعبير المباشر في وصف الأفعال الجنسية!. وليس احتجاجنا على ذلك من منطلق عدم الجواز بإطلاق هذه التصريحات الفاقعة، وإنما من منطلق أن المواقع التي احتلتها هذه الأوصاف في النصوص ما كانت تتطلب من الكاتبة هذه المباشرة الصدامية. إذ.. كان بإمكانها استحضار أوصاف هذه الأفعال، والاحتيال عليها بطرق بيّنت الكاتبة، من خلال ما رأينا، قدرتها العالية على توظيفها لإيصال ما تبتغيه، متجاوزة صدامية المباشرة التي بدت نشازا في نصوصها:

«رأت أمها عارية تماما.. ما هذه الحركات الغريبة.. أبوها الحبيب يرتفع ويهبط مثل موجة. رأته يرمي بثقله عليها ويضغط، وهي تغرز أصابعها في ظهره. تفتح له حديقة الياسمين على مصراعيها..» ص7.

«.. واستمر يخلع ملابسه خلف الباب. يطلب منها أن تنحني على أربع، وجهها في بكاء الحائط، ليدخل فيها بكامل رجولته..» ص12.

«طابور طويل من رجال يعرون نصفهم الأسفل، وطفلة تعدّل من وضع الجثة، تفتح فخذيها جيدا كلما انتهى أحدهم، يرمي في كيسها قطعة معدنية، وتمسح بيدها الدود الذي تكوّن في فرجها..» ص66.

«.. وكان ينزع عنها مريلتها وثوبها وجلدها. يضيف قرنفلة خلف الأذن اليسرى، وياسمينة على الركبة اليمنى.. وهي تمتصه تماما. يدعها تفتح أفواه مسامه وتملؤها بالعسل والحليب والسكر، بينما هو يمشط بشفتيه زغب أسفل بطنها، ويتمنى الموت» ص 94

أضيفت في15/06/2006/  خاص القصة السورية /المصدر: الكاتب ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

الخطاب النّسوي واللغة

بقلم الكاتبة: رباب هلال

 

لم تختلف النّسوية بكل اتجاهاتها ونظرياتها المختلفة، حتى الراديكالية المتحررة، التي بدت متطرفة في طروحاتها، حول ضرورة مشاركة الرجل في شتى ميادين الحياة، السياسية، الاقتصادية، الفكرية، الثقافية، والاجتماعية، الخ... وأن الكثير بين تلك النظريات أعلنت أنها لا تهدف إلى استبدال مركزية ذكورية بأخرى نسوية.‏

 

تُجمع النظريات النّسوية على مناهضة هيمنة القطب الواحد على العالم. وذلك لخلق التوازن، وتحقيق العدالة، وإصلاح ما أفسدته البطريركية الذكورية عبر قرون طويلة بمركزيتها الاستبدادية، وقطبها الواحد الذي هيمن على الحياة، وأودى بالبشرية إلى ما وصلت إليه من كوارث سياسية، اقتصادية، اجتماعية، وبيئية الخ... تلك البطريركية التي بدت الحياة معها كأنها حق للرجل وواجب على المرأة. وإمعاناً في استبداديتها فقد عملت على تشويه البشرية، نساءً ورجالاً، على حدٍّ سواء.‏

 

لابد للاستبداد، مهما طال الزمان به، أن ينشئ، من حيث لا يدري ولا يقصد ولا يريد، مقاومة تتعادل معها كفتا الميزان، فكانت النّسوية.‏

 

يشير مصطلح النسوية إلى كل من يعتقد بأن المرأة تأخذ مكانة أدنى من الرجل في المجتمعات التي تضع الرجال والنساء في تصانيف اقتصادية أو ثقافية مختلفة. وتصرّ النسوية على أن هذا الظلم ليس ثابتاً أو محتوماً، وأن المرأة تستطيع أن تغيّر النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي عن طريق العمل الجماعي. ومن هنا فإن المسعى النسوي هو تغيير وضع المرأة في المجتمع.‏

 

لقد حاولت فلسفة العلم النّسوية ، الرافضة للتفسير الذكوري الوحيد المطروح للعلم بنواتجه السلبية، إبراز وتفعيل جوانب ومجالات وقيم مختلفة خاصة بالأنثى، جرى تهميشها وإنكارها والحطّ من شأنها بحكم السيطرة الذكورية، في حين يجب أن يفسح لها المجال وتقوم بدور أكبر لإحداث توازن منشود في مسار الحضارة والفكر.‏

 

نشأت النسوية في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، وهي في أصولها حركة سياسية تهدف إلى غايات اجتماعية تتمثل في حقوق المرأة وإثبات ذاتها ودورها.و قد توالد عنها فيما بعد فكر نسوي، وفي سبعينيات القرن العشرين نجم عنها فلسفة نسوية.‏

 

وانطلاقاً من مبدأ المشاركة، فإن النّسوية موقف، بإمكان كل من المرأة والرجل تبني مواقفها والسعي إلى تحقيق أهدافها.‏

 

يعتبر كتاب "استعباد النساء" 1968، للفيلسوف "جون مل ستيوارت"، إعلاناً للحركة النسوية والنص النسوي بكل المعايير وقبل ظهور مصطلح النّسوية ذاته. وقد استهل "مل" كتابه هذا بقناعاته الراسخة التي تؤمن بأن: "المبدأ الذي ينظّم العلاقات الاجتماعية الكائنة بين الجنسين، أي تبعية أحدهما القانونية للآخر، إنما هو مبدأ خاطئ في ذاته، وينبغي أن يحل محله مبدأ المساواة الكاملة التي لا تسمح بسلطة أو سيادة أحد الجانبين على الآخر...".‏

 

ظلت البطريركية الذكورية تعمل طوال عقود على حماية السلطة والسيادة أحادية القطب والمركزية، ولم يتوقف الأمر معها عند عدم إشراك المرأة والاعتراف بجدارتها وإمكانية اكتشاف قدراتها وممارسة خبراتها، وإنما على تهميشها وقمعها والنظر إليها على أنها آخر دوني، ولطالما نظر إليها على أنها شرٌّ. إلى أن رسخوا لديها تلك القناعة في أغلب الأحيان.‏

 

لم يقتصر بطاركة الاستبداد الذكوري على سلب المرأة حقها الطبيعي في تنمية وتطوير مجالات الحياة، أو على حرمانها من حقوقها القانونية والشخصية، وطمس أسماء كثيرات أسهمن وأبدعن في شتى مجالات العلم والفكر والأدب والبيئة الخ... أو على سلبها اسم عائلتها حين تصبح زوجة، لتنتمي بتبعية مطلقة إلى زوجها، ثم لتأتي الأمومة وتطمس أي اسم لها لتصبح أم فلان أو علان دون أية علامة فارقة. وإنما زادت البطريركية على ذلك بأن نبذتها من الخطاب اللغوي السائد.‏

 

ولا يغرّنا أو يفرحنا ما يتوجه به خطباء المنابر الرسمية والإعلامية بادئين الخطاب بتحية إلى السيدات أولاً ثم إلى السادة.. إلى الأخوات ثم الأخوة. ولن يتعدى ذلك تلك المقولة التي أفرزتها الإتيكيت الذكورية Ladys First، لماذا السيدات أولاً وكيف؟... من نافل القول إن لغة الاستبداد لغة منافقة.‏

 

جاء في تعريف اللغة أنها نسق من الإشارات والرموز يشكل أداة المعرفة، ويعمل على حفظ واستعادة منتجات الثقافة الروحية والعشرة البشرية. ومن دون اللغة يتعذر نشاط الإنسان المعرفي. فأفكار الإنسان تصاغ دوماً في قالب لغوي، حتى في حال تفكيره الباطني. واللغة ترمز إلى الأشياء المنعكسة فيها، فرموزها تبدو وكأنها تحل محل الأشياء المنعكسة فيها.‏

 

تبعاً لهذا التعريف فإن ما ينعكس في اللغة خطاب ذكوري مستبد، وعلى اعتبار أن هذا الخطاب قد همّش المرأة وجردها من الحضور الفعال، فإن المرأة غائبة. وبالتالي فإن اللغة لن تعكس ماهو غائب، وإن كانت اللغة تعكس الأشياء المنعكسة فيها، فهي مثل المرآة لا تعرف الكذب، ولن يكون بمقدورها أن تحجب أو تضيف أو تعكس تبعاً لمزاجيتها. ومن نافل القول إن اللغة مُختلقة وغير خالقة، مصنوعة وغير صانعة، فإن واقع حالها يدل على عدم الانحياد وعدم الموضوعية، وأن الصانع قد خلقها تبعاً لمزاجيته ومصالحه، حتى أنه بدا متناقضاً، وإلاَّ لكانت اللغة، بحسب التعريف المتفق عليه والموافق عليه من قبل البطاركة الذكوريين أنفسهم، قد عكست ماهو موجود فعلاً، لكانت عكست مفردات مثل: الأستاذة والدكتورة والمهندسة والنائبة والقاضية والتاجرة....، أم أن أولاء غير موجودات بالفعل، وأنهن مجرد أوهام وخيال وظلال؟!...‏

 

في اللغة العربية، اخترعت كلمة: أمَة، فلماذا لم تُكرّس مفردة عبدة مثلاً، مؤنث عبد، أم أنه وحده عبد الله مفرد لجمع عباد الله؟ وإن سميت إحداهن فإنه يطلق عليها الاسم المذكر والمصغّر (عبيدة)!! ألم يتوجه الخطاب القرآني، بوعده ووعيده إلى الذكور والإناث كل على حدة، وقد ذكر المؤمنين والمؤمنات، الصالحين والصالحات، القانتين والقانتات، الزانين والزانيات،....؟!..‏

 

في اللغة الفرنسية نجد أن كلمة Homme، وفي الإنجليزية كلمة men تعنيان الإنسان والرجل. أليس في ذلك تحيزاً يومياً للرجل في اللغة الاجتماعية؟ كما ما قالت به المنظرة النسوية "ديل سبيندر" 1980.‏

 

أما المنظرة النسوية "كيت ميليت" فقد قامت بتحليل للقوالب النمطية الأدبية في كتابها "السياسات المنحازة للرجل" 1970، والذي تستند عليه الدراسات النسوية الحالية للاستخدامات اللغوية.‏

 

كانت اللغويات (علم اللغة) من أبرز المجالات التي شهدت مدّاً لافتاً، ينطلق من مسلّمة معاصرة تقول: "إن اللغة ليست مجرد وسيط شفاف يحمل المعنى. بل هي مؤسسة اجتماعية محمّلة بأهداف ومعايير وقيم المجتمع المعني. وبالتالي قامت اللغة بدورها في تجسيد الذكورية المهيمنة، وهذا ما ينبغي كشفه توطيداً للتحرر منه". وتبعاً لهذه المسلّمة فإن اللغة صنيعة الرجل، أي الإنسان، وعليه فإن التشكيك وإعادة النظر فيها لن يكون كفراً أو جريمة، وخاصة أن هذه الصنيعة لم تكن منصفة حين ألغت من خطابها التعبيرات والمفردات الخاصة بالأنثى.‏

 

لقد عمل المنظّرون والمنظّرات، المفكرون والمفكرات، اللغويون واللغويات لإعادة التوازن والسلامة إلى عالم أعور وأعرج وأصم بالتأكيد، وإلاَّ لكان رأى وسمع وهرع بقدميه لوقف كوارث نتاج البطريركية الذكورية.‏

 

ألا يستدعي العجب وربما السخرية أن تكون عبارة بطريركية ذكورية مؤنثة؟!.. لا ضير عليهم إذن وهم يستدفئون في دورانية تاءات التأنيث، وحنان صدرها، حكمتها، حدسها الراداري، وعقلها الذي أهلّها لتكون على منزلة هامة من العلم والفلسفة والتصوف والأدب والإبداع بشتى مجالاته.‏

 

يجب على الأجيال اللاحقة تطوير ما أنتجه السابقون، والعمل على تحوير التنظير إلى واقع. لاشك أن الجهد كبير ويحتاج مؤسسات لتنفيذه. وإن كانت الألف ميل تبدأ بخطوة، فلماذا لا نبدأها في المناهج التربوية في مدارسنا التي تعتبر أول الخطو في التعلم والمعرفة، وندرج في الكتب إلى جانب ما له: ما لها، وما عليه: ما عليها. لم لا وقد باتت الأخت والأم والجدة والخالة والعمة والجارة مدرّسات وطبيبات، عالمات وتاجرات، سائقات وشرطيات، ومناضلات شهيدات الخ....‏

 

ربما ينفر مهتم جاد، من سخرية الحاضرين، ويسأل عن حجم البلبلة وحجم الأزمة التي ستنجم عن استهلاك مزيد من الحبر والورق والجهد والوقت الذي قد يطول لاستيعاب الأمر وتمثله!‏

 

أما بالنسبة للزمن الذي يقتضي فيه تمثل لغة الأنوثة وحضورها في اللغة، فإنه باعتقادي يوازي ما احتاجه البطاركة الذكور سابقاً للتصديق بكروية الأرض.‏

 

أي اختصار مرير يربك ويفقد التوازن؟.. اختصار الكلمات والمفردات الموجهة للمرأة، أم اختصار حضور المرأة الفعال والحقيقي؟ هذا الحضور الذي دفعت النساء ثمنه غالياً خلال ألفي سنة مضت.‏

 

إن الصراع والنضال من أجل قضية المرأة وتحررها، الذي بدأ مع "ماري ولستو نكرفت"، مروراً بقاسم أمين، نظيرة زين الدين، هدى شعراوي، ومن لويس آلتوسير إلى كيت ميليت، وجولييت ميتشل، وغاياتري سبيفاك... لن ينتهي بالتأكيد والحال على ما هي عليه!!!..‏

 

المراجع:‏

1-النّسوية وفلسفة العلم-د.يمنى لطيف الخولي، عالم الفكر، المجلد 34.‏

2-النّسوية وما بعد النّسوية ، سارة جامبل، ترجمة: أحمد الشامي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.‏

أضيفت في15/06/2006/  خاص القصة السورية /المصدر: الكاتبة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية