|

بطاقة
تعريف الكاتب: يوسف جاد الحق

ولد في قرية بينا - فلسطين الواقعة جنوبي مدينة يافا عام 1930.
يحمل إجازة في الأدب الإنكليزي، جامعة دمشق.
مارس الكتابة الصحفية والأدبية وكتابة القصة والرواية والمقالة.
كما
كتب في معظم الصحف والمجلات العربية منذ الخمسينات وحتى الآن.
عمل رئيساً لتحرير مجلة صوت فلسطين أوائل السبعينات.
عضو جمعية القصة والرواية.
عضو في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.
عضو رابطة الكتاب الأردنيين.
عضو في رابطة الأدب الحديث بالقاهرة.
مؤلفاته:
1- أشرقت الشمس - قصص- القاهرة 1961.
2- النافذة المغلقة - قصص- دمشق 1965، وطبعة ثانية دمشق 1991.
3- أضواء على المؤامرة الكبرى- بحث سياسي- دمشق مكتب منظمة التحرير
الفلسطينية 1965.
4-المصير - مسرحية - دمشق 1967- وطبعة ثانية بالقاهرة 1972. وطبعة ثالثة في
الكويت 1982.
5- سنلتقي ذات يوم - قصص- القاهرة -وزارة الثقافة والإرشاد القومي 1969.
6- قادم غداً - قصص- دمشق 1980.
7- الطريق إليها - قصص- دمشق 1990.
8- الأرض ترفض الجثث- قصص دمشق 1993.
9- وأقبل الخريف - قصص- وزارة الثقافة - 1995.
10-
المحاكمة
- مسرحية 1995.
11- قبل الرحيل - رواية 1995.
12- حتى وداعاً لا تقولي (شعر) دمشق 2000.
 


نماذج من أعماله

حدث في تلك الليلة
سوف يحضر اللص في هذه الليلة –الظروف مواتية تماماً- الصالة التي
اعتدنا إقفالها من الداخل ضاع مفتاحها، فالطريق، من ثم، أمامه (سالك) بغير
عوائق.
اعتدنا أن نقفل الأبواب جميعاً بهذه الطريقة، لكي لا يتمكن اللصوص
من الوصول إلى غرف نومنا عن طريق إحداها، نفتح عيوننا عندئذ، فإذا باللص
فوق رؤوسنا، أو إلى جانب فراشنا. صالوننا هذا الذي أضعنا مفتاحه يطل على
الحديقة، ونافذته لا ترتفع عن أرضها المحاذية للشارع بأكثر من متر ونصف
المتر. ليس على اللص المحترف إذن سوى أن يرقى ذلك الإفريز الحجري، الذي
أنشأناه مؤخراً تحت إطارها، ممتداً على سائر الجدار عرضاً أيضاً، ليدلف من
ثم إلى الصالة بيسر ما بعده يسر. لن يرهقه ذلك، إذ هو نحيل وقصير القامة.
خفيف كالفراشة، وإلا لما احترف هذه المهنة التي تتطلب رشاقة ولياقة بدنية،
الطول المفرط، والوزن الزائد ليسا من مؤهلات لص محترف، إن لم يكونا من
معوقات عمله. ولسوف يعينه على مهمته المزمعة هذه الليلة أن قاطني الطابق
الأرضي في إجازة خارج البلاد وهو أغلب الظن يعرف ذلك، إذ لا بد له أن قام
بالتحريات اللازمة.
فرصة فريدة حتماً وفرتها ظروف سعيدة، وهو ليس غبياً لكي يجعلها تضيع
سدى.. ثم من ذا الذي يلومه ما دمنا نحن الذين قد مهدنا له السبل وهيأنا له
الظروف؟ ولو قيض لأحد أن يضع تقريراً حول (التقصير) لما وجد أحداً غيرنا
يلقى على عاتقه مسؤولية ما حدث..!
الآن، وبعد أن اعتلى صاحبنا الإفريز، آنف الذكر، سوف يزيح نافذة
الألمنيوم، وإن هي لم تفتح –هذا إذا كانت زوجتي قد عملت على إغلاقها، هذه
المرة، على غير عادتها، إذ هي تغفل عن ذلك دوماً على الرغم من تنديدي
المتواصل بإهمالها قضايا (أمنية) على هذا القدر من الخطورة- أقول إن لم
تفتح النافذة عليه أن يقوم بكسرها وهو يملك، دونما ريب، أداة مناسبة لقص
الزجاج، كيلا يثير ضجيجاً أو جلبة، من ناحية، ولكي يكون ناجحاً في عمله من
ناحية أخرى. أجل سوف يجد الأمور ميسرة تماماً من تلقاء نفسها. "رضا الله
والوالدين". سوف يقول. وما عليه سوى أن يتوكل على الباري، عز وجل، في طريقه
لأداء مهمته..!
ما دامت الأمور سوف تسير في هذا السياق أنّى لي، بربكم، أن يلمَّ
بجفنيَّ الكرى، فيما أطفالي هؤلاء يقبعون من حولي، يغطون في نومهم مطمئنين
إلى حسن تدبيري، وثقتهم العمياء في قدرتي على حمايتهم- تراودهم الأحلام
الجميلة التي لا ينفكون عن روايتها لي في كل صباح، كل على حدة، عما رأى في
الليلة المنصرمة. يطلب تفسيراً واضحاً ومغزىً محدداً. فالأحلام، كما تعتقد
زوجتي وبما ألقت في روعهم، ترد إلينا من العالم الآخر. من أحبائنا الذين
سبقونا إليه. وهم يملكون القدرة هناك على استكناه المستقبل (مستقبلنا نحن
لا هم). يعرفون ما لا نعرف. ثم هم يجشِّمون أنفسهم عناء المجيء إلينا
للتحذير أو للتبشير، فإذا حدث أن رأت زوجتي في منامها قطة سوداء تسقط عن
الشرفة على حديقة جارتنا (أم وجيه) فتقيم الدنيا ولا تقعدها، كان معنى هذا
أن أحد أبنائها سوف يفعل ذلك. من ثم فهي تمنعه من الذهاب إلى المدرسة في
يومه ذاك. غير أنها سرعان ما تغفل عن أسباب بقائه في المنزل ذلك النهار.
ومن ثم لا يقضي ولدها نهاره إلا في تلك الشرفة عينها..!
كيف أخيِّب ظنَّ هؤلاء، فيما هم على يقين من أن أباهم –الذي هو أعظم
أب في الدنيا!- يضمن لهم السلامة والأمن معاً إبّان نومهم، فضلاً عن ضمانه
لأمنهم الغذائي في صحوهم. أقول لك الحق أسائل نفسي: بأي وجه ألقى ربي في
اليوم الآخر، إذا ما خذلتهم، فأخلدت إلى النوم، تاركاً الحبل على الغارب
لذلك اللص اللئيم، الذي لن يتوانى عن الانقضاض عليهم –إبان نومي- إذا ما
بدرت حركة من أحدهم، أو ندَّ صوت عن آخر بما يشير إلى يقظتهم وتنبههم له..؟
هل أدع أولادي هؤلاء فريسة سائغة لهذا المقتحم علينا عقر دارنا..؟ كلا وألف
كلا..!
هو أيضاً يحمل سلاحاً. لا ريب في هذا، فهو شأنه شأن سائر خلق الله،
لا بدَّ له أن يحمل في جعبته أدوات عمله. الحداد يحمل إزميلاً، والحلاق
يقتني أمواس حلاقة.. والكاتب يحمل قلماً فلماذا يكون هو استثناء..؟
بتُّ أتخيله.. أعرف هيئته وصفاته تماماً.. فهو فضلاً عن قصر قامته،
وضمور عوده، دقيق الملامح، ذو عينين ضيقتين، وأنف محدودب، وهو ممتقع اللون،
ربما خشية وتوجساً لما هو مقدم عليه.. أو ربما لتحجر قلبه، الناجم عن
ممارسته عمله هذا زمناً طويلاً. وقد ساعده الحظ بألاً يقع في أيدي العدالة
حتى هذه اللحظة.. أو لعله بسبب (أنيميا) حادة يعاني منها منذ طفولته
البائسة، نجمت عن فقر مدقع ألمَّ بذويه، الأمر الذي حدا به إلى احتراف هذه
المهنة. إذ من الجلي أنه لم يخلق لصاً منذ البداية بل هو قد جاء إلى هذا
العالم سوياً، كغيره من الأطفال. بل لعله كان آنذاك طفلاً لطيفاً وجميلاً،
رعاه أبواه، وأغدقا عليه حباً وحناناً. وهما لم ينتظرا له مستقبلاً كهذا
بأي حال. ولربما كان الأمر على العكس من ذلك كله، كأن يكون قست عليه
الظروف، على نحوٍ أو آخر، فجعلت منه ما هو عليه الآن. كل الأطفال يخلقون
أبرياء أنقياء.. أياً كان الأمر فمن المؤكد أن أمه لم تلده لصّاً
محترفاً..!
ما دام الأمر كذلك، وما دمت أقدِّر ظروفه البائسة على هذا النحو
فلماذا لم يقصدني هذا الغبي، في وضح النهار، أو حتى في بداية سهرة
المساء..؟ يقرع جرس الباب.. نفتح له. يسألنا عوناً.. أو قرضاً لأجَلْ..
نقاسمه رغيفنا إذا اقتضى الأمر.. يقطع علينا مسلسل ذلك المساء..؟ لا بأس،
بل هو يحسن صنعاً، ويسدي إليَّ معروفاً عندئذ.. حبذا لو أنه فعل.. إذن لوفر
عليَّ هذا الأرق المضني، ثم الحراسة طوال هذه الليلة الماطرة، ذات الريح
الهوجاء، التي سوف تساعده بدورها، في القيام بمهمته على وجه أفضل مما لو
كان الجو صحواً.
نعم هذا الجو حليف مجاني لـه أيضاً. الأدهى من ذلك هو أنه يأبى
المجيء إلاّ بغتةً، كالموت الذي ما برح موعد حلوله –هو الآخر- عصيَّاً على
بني البشر، على الرغم من التكنولوجيا المتقدمة والكومبيوتر العجيب
والانترنيت الأعجب..!.. هذا الموت ربما يحمله اللص القادم للتو في جعبته
على شكل سكين حاد النصل، أو مسدس كاتم للصوت. من ناحيتي أُفضّل هذا الأخير،
دونما تردد لو خيرت. فما من شيء في تصوري أكثر بشاعة من الموت طعناً أو
ذبحاً.. أما الرصاصة فلها فضل السرعة والحسم وهما مطلبان عصريان أيضاً لدى
الشعوب المتحضرة..!
كما أنه ودونما ريب، سوف يختار الوقت المناسب أيضاً.. وأي وقت أنسب
من هذا؟ الثالثة صباحاً (حسب التوقيت الجديد)، إذ هو بخبرته وتجربته، فضلاً
عن نظره الثاقب بات يدرك أن الناس، مهما امتد بهم السهر، فلن يتأخروا حتى
هذا الوقت، فالمسلسلات.. وحتى برنامج (غداً نلتقي) تكون كلها قد مضت منذ
زمن ليس بالقصير.. وما كل إنسان يملك (ساتلايتاً..!) كما أن أحداً لن يصحو
الآن لصلاة الفجر التي لم يحن أوانها بعد.. الثالثة والربع.. والثلث..
والنصف.. تدق الساعة المعلقة في الجدار المقابل مرسلة رنيناً موحشاً في
هدأة الليل.. ودقات رتيبة مثيرة للأعصاب.. لقد تأخر.. لعله غيَّر رأيه.. أو
لعله أجل الأمر إلى ليلة تخلو من العواصف.
ولكن صمتاً.. صمتاً.. هذا وقع خطواته.. وقعها خافت.. خافت.. طبيعي
هذا إذ لا بد أنه يستخدم حذاءً مطاطياً. وأنت بلا ريب، تقره على ذلك إذا
كنت موضوعياً، ولم تكن مكابراً.. لا لا ليس هو.. إنه حفيف ستارة النافذة.
أو أغصان شجيرات الليمون في الحديقة. إذن لا بد أنه أدخل تعديلاً ما على
النظرية آنفة الذكر،
-خلافاً لما تعارف عليه سائر اللصوص- كضرب من التجديد... ولماذا لا
يكون التجديد إلا في الشعر والقصة..!؟ أجل لقد رأى –خلافاً لما سلف- أن
الوقت ما بين الثالثة والنصف والرابعة صباحاً –أي الآن- يشكل ضمانة أفضل
لسلامة خطته الهجومية، حيث يكون الإنسان.. أيّ إنسان.. قد هدَّه السهر مهما
أوتي من قدرة على الصمود، فأخلد إلى النوم. سويعات السحر هذه هي الوقت
الملائم. عدَّل ذلك المنكود مخططه إذاً، عامداً كيما يطيل من أرقي وعذابي..
حتى جهاز الراديو الذي اعتدت أن يؤنس وحشتي في حالات أرق مماثلة، وإن يكن
لأسباب مختلفة، لم أجرؤ على فتحه.. إذ كيف لي أن أسمع عندئذٍ وقع أقدامه
بحذائه المطاطي؟ لم آسف على ذلك كثيراً أيضاً.. إذ ماذا كان يمكن أن يقدم
لي سوى تلك الأغنيات السقيمة التي لا يفتأ يصدع بها رأسي، بل رؤوسنا جميعاً
معظم الوقت.. وكأن (ماركوني) لم يصنعه حين صنعه إلا من أجل الغناء.. وما
يطلبه المستمعون على وجه التحديد..!
على أية حال، وإذا كنت سوف أنجو من هذا القادم بحسن تدبيري ويقظتي،
أو لأن عرى الصداقة لا بد قد توطدت الآن بيني وبينه، إذ فكرت فيه طوال هذا
الوقت –متصوراً هيئته وملامحه وسلاحه، وطريقة تفكيره ونشأته البائسة- فإن
آخرين في هذه اللحظات، في أماكن شتى من هذا العالم، لا يتمتعون بفرصة كهذه
المتاحة لي. أي فرصة (الحياة) ولو في قلق، الأمر الذي هو عكس نظرية ذلك
الأمريكي (ديل كارينجي) القائلة: دع القلق وأبدأ الحياة.. كأن أحدنا لم يكن
حيَّاً قبل النصيحة (الذكية)..! نعم هناك بشر يموتون في هذه اللحظات ميتات
بشعة، دون أن يتسنّى لهم الوقت لترف هذه التأملات، أو حتى مجرد (الاستمتاع)
بالأرق..! الأرق (الخلاق)..! بغتةً وجدتني أسأل نفسي.. أو نفسي هي التي
فاجأتني بسؤالها: أيعتريك الخوف يا هذا..؟
استنكرت السؤال بادئ الأمر، بيد أني ما لبثت أن أقررت بأني خائف
حقّاً. وفي ذات اللحظة خطر لي أنَّ إقراري هذا هو الشجاعة عينها.. أجل هو
إقرار (الشجعان) بالخوف..! ولكن ممن الخوف بالتحديد..؟ من إنسان ما قطعاً..
فالكلاب لا تخيفني- ولا الذئاب.. ولا الضباع.. المخلوقات الأخرى لم تعد
تخيف أحداً.. حتى الزلازل والأعاصير أمست أقل خطراً على الإنسان من الإنسان
الآخر.. ومما تصنعه يداه وما تتمخض عنه عبقريته!.. ما تدفعه إليه نوازعه..
أخلاقه.. أولا أخلاقياته..! الخَلْقُ في تسابقٍ نحو إفناء جنسهم.. من يقتل
من؟ من يدمر أكثر..؟ يتفلسف الإنسان في مثل هذا الظرف..!
دقات الساعة تتواصل كأن ثوانيها تقطع العمر ثانية فثانية. تمضي إلى
البعيد المجهول دونما عودة مرتجاة.. واحد.. اثنان.. ثلاثة.. أربعة.. يمضي
الرنين متجاوباً بصوت أكثر ارتفاعاً بين جدران غرفتي.. يتلاشى تباعاً..
ويحل في أذنيَّ ضجيج صمت مثير متربص.. آه.. ها هو ذا.. لقد جاء أخيراً..
هذا حفيف حذائه المطاطي إياه.. لا مكان للشك هذه المرة.. لم يخلف الرجل
وعده.. صادق هو فيما اعتزم.. أأفتح باب الصالة؟ أباغته.. أم أنتظر اقتحامه
هو لـه...؟ أنتظره أم آخذه على حين غرَّة..؟ الهجوم خير وسائل الدفاع يا
هذا.. أفتح الباب في رفق.. أصرُّ على أسناني كيلا يثير الباب صريراً..
الصالة تغرق في الظلام.. يا إلهي إنه هناك قرب النافذة.. عينان تبرقان..
لكنه لا يتحرك لمقدمي.. كأنه لم يحسَّ بي.. أو هو يتظاهر بذلك.. يبدو أضخم
جثة وأطول قامة مما حسبت.. أعدو نحوه منقضَّاً عليه: مشهراً يد (الهاون)..
أقذفه بكل طاقتي.. الزجاج يتحطم محدثاً فرقعة هائلة.. النور يضيء الصالة
بغتةً، وسعاد من خلفي مرتاعة تصيح: ماذا هناك يا أبا هاشم.. ماذا حدث..؟
اللص يا سعاد – اللص اللعين.. انظري لقد هشَّم النافذة.. هناك عند
الزاوية.. إنه هناك.. أين هو؟ كان هنا هذه اللحظة صدقيني...
أجلت بصري في أرجاء المكان.. ثم عند النافذة.. لم يكن هناك غير
الزجاج المهشم، وشظاياه المتناثرة.. وسعاد زوجتي..!
   
شجاعة
(1)
كانت نظراتها التأنيبية الحادة تقول لي: "من قال أنك سوف تصبح رجلاً
في يوم من الأيام، وأنت لا تستطيع ذبح دجاجة..!؟"
حاولت التهرب من نظراتها، ولكنها –أمي- لم تدع لي فرصة أن أفعل ذلك.
رفاقي أولاد جارتنا (أم حامد) وأحفاد (الحاجة صبحة) والخالة (حليمة) زادوني
حرجاً وهم يتحلقون من حولي. كانوا ينظرون إليَّ في ازدراء، يطلقون الضحكات
الهازئة وعبارات التحريض الجارحة كي أذبح تلك الدجاجة، وإلا أكون جباناً.
وها هي ذي أمي نفسها على ذلك من الشاهدين..! كانوا يتصرفون جميعاً وكأن
بينهم وبين الدجاجة ثأراً يقتضي ذبحها. كنت ممسكاً رقبتها بيسراي والسكين
بيمناي، فيما كانت هي ترفرف بجناحيها وأطرافها، بينما كان أفراد عشيرتها
وبنو جلدتها من الديوك والدجاج تتقافز في باحة الدار، مدركين ما سيحل
برفيقتهم البائسة، التي لن تلبث أن ترحل إلى العالم الآخر دون رجعة...؟
صاح واحد من رفاقي متحدياً، وموجهاً كلامه إلى أمي التي اربدَّ
وجهها واحمرت عيناها غضباً:
"خالتي أم صابر –اسم أخي الأكبر- أنا أذبح لك هذه الدجاجة فوراً..
بل أذبح لك كبشاً إن شئت.. قولي (له) فقط أن يعطيني السكين..".
قال آخر بحميّة:
"بل أنا الذي سوف يذبحها لك، يا خالتي، في ثانية، بل قبل أن يرتد
إليك طرفك.. هكذا هكذا..".
قالها وهو يسحب سبابة يده اليمنى من اليسار إلى اليمين وبالعكس أمام
رقبته. أيقنت أن ليس هناك مندوحة من الانصياع لأوامر أمي العرفية بحق
الدجاجة. أقول العرفية لأن والدتي كانت تعمد أحياناً إلى حبس أي دجاجة، ليس
لمخالفتها رأياً لها، كما قيد يخيّل إليك، ولكن لمجرد إزعاجها لها بارتفاع
صوتها بما هو أكثر من المسموح به..!
ما انفكت الدجاجة إبان هذه (الهوجة) تحاول بحركاتها العنيفة،
بكيانها كله، الإفلات من المصير الذي يترقبها والسكين فوق رقبتها. لقد
أدركت أن دقائقها باتت معدودة في هذا العالم الذي ستمضي عنه في الحال،
مخلِّفة ورائها صيصانها العزيزة التي رقدت على البيض أسابيع عديدة. من أجل
أن تخرجها إلى النور بالأمس تحديداً.. صيصانها التي مازالت في حاجة
لرعايتها وحدبها، على الأقل حتى يجيء دورها ويحين وقت ذبحها هي الأخرى أسوة
برفيقاتها..
في لحظة خاطفة.. بغتةً دونما تفكير. وفي لحظة تشبه الغياب عن الوعي
بتأثير من عيني أمي وكلمات رفاقي، كانت يدي تحزُّ رقبة الدجاجة.. بل وينفصل
رأسها عنها ليسقط بعيداً قرب الجدار.. انبثقت نافورة دم قانية مخيفة..
أصابت الجدار المقابل. قذفت بجسد الدجاجة مقطوعة الرأس بعيداً، وهي تنتفض
متقافزة كراقصة مجنونة على إيقاع صاخب، ترش رذاذ دمها على وجهي وثيابي
وصدري. نظرت في فزع إلى يدي التي (تلطَّخت) بالدم البريء.. علت هتافات
التهليل والتكبير من حولي ابتهاجاً بالنصر المبين، الذي تحقق أخيراً على
يدي. وهاهم رفاقي إلى جواري يشدون أزري ويهتفون بحياتي..! أما أمي فقد برقت
في عينيها الجميلتين نشوة الفخر بصنيعي البطولي الذي أكَّد لها، دونما ريب،
قدرة ولدها هذا على مقارعة الأعداء ومواجهة الخطوب في مقبل الأيام..!
لبثت جامداً كالصخرة الصماء في مكاني. أحسست أني أزهقت روحاً دجاجية
بريئة: "ما الفرق بيني وبين أولئك الجناة الذين يتحدثون عنهم. فها أنذا
أذبح الدجاج.. وللدجاج أزواج وأسر وأصدقاء وأقارب من ديوك ودجاج وصيصان.
أليس كذلك يا صديقي..!".
(2)
لم أستطع على مائدة العشاء التي بسطت على الطبلية الخشبية العتيقة،
أن ألمس شيئاً من لحمها، أو تناول شيءٍ من مرقها، رغم إلحاح أمي. كان حزناً
طاغياً يملأ قلبي، بل إني عمدت إلى تجنب النظر إلى أشلائها الغارقة في
المرق، والدسم يتلألأ من حولها، فيما كانت أمي وإخوتي سعداء بالتهامهم
إياها قطعة، وراء قطعة دون أن يرف جفن لأي منهم...! أو تدمع له عين.
"إن هذه الدجاجة تحديداً، لم تسيء إليَّ في شيء. بل إنها هي التي
كانت تمنحني بيضة في كل يوم. أيكون جزاؤها هو تماماً جزاء سنّمار.!". هكذا
تماماً خلتها تقول لي. وكنا قد سمعنا بقصة سنمار هذا من أستاذ مادة العربي
في مدرستنا منذ أيام. لكن أمي التي هي أدرى مني، بلا ريب، فيما هو خير
وماهو غير ذلك، هي التي أصدرت إليَّ الأمر العسكري غير القابل للنقض،
بالإقدام على ما أقدمت عليه. ويقيناً لولا احترامي لها ولولا أنها أمي،
لأعلنت أمامها وعلى الملأ أنها هي التي دفعتني لاقتراف تلك الجريمة. أجل ما
كنت سوى أداة التنفيذ لإرادة خارجة عن إرادتي. بيد أني على الرغم من ذلك لا
أجدني قادراً على نسيان ما حدث.
أرقت تلك الليلة طويلاً. الليل موحش حقاً، الكل من حولي يغط في نوم
هانيء عميق بعد أن قضموا لحم الضحية، وشربوا من مرقها الدسم. حتى أن أخي
الأكبر (نادر) الذي يتمتع بقدرة جيدة على الشخير، علا شخيره الآن أكثر من
أي وقت مضى، فأيقظ الجيران، ولكن دون أن يوقظ أمي وأشقائي. تحول ذلك
الشخير، بعد لأيٍ، إلى موسيقى لها إيقاعها الخاص الذي ألفته مع الوقت. عدا
ذلك كان الصمت مطبقاً، والظلام حالكاً.. وصوت الريح يأتي من بعيد فحيحاً
موحشاً... الدجاجة أمامي.. ترنو إليّ وقد عاد رأسها المقطوع إليها.. تنظر
بعينين خلتا من الدموع تماماً، ومن ملامح الذعر والألم التي بدت عليها وهي
تكافح بين يدي من أجل البقاء.. نظرة عتاب فقط من عينين كحبتي عدس ملونتين،
وهي تقف فوق بقعة كبيرة من الدم، رجلاها لا تلمسانها.. بقعة الدم تكبر
وتكبر حتى أخذت شكل بحيرة تتلاطم أمواجها الحمراء.. والدجاجة البيضاء ترفرف
فوق منتصفها تماماً، ترمقني بنظرة العتاب إياها، ثم يأتيني صوتها هامساً
عذباً رقيقاً:
-بماذا أسأت إليك يا هذا كي تقتلني وتُيتِّم صغاري..؟
-لا شيء صدقيني.. بل إنك أنت التي قدمت لي بيضاً لذيذاً ومغذياً في
كل صباح.. بلى إني لناكر للجميل..!
-إذن لماذا أقدمت على قطع رأسي أيها الآدمي..!
-أنت تعرفين.. ألم تكوني معنا لحظتئذ.؟ ولقد سمعت بأذنيك ورأيت
بعينيك..
ألم تكن أمي هي التي دفعتني إلى ذلك دفعاً –كي أكون بطلاً مثل
نابليون أو هتلر؟ وما كان لي أن أعصي لها أمراً، فالله سبحانه وتعالى
يأمرنا بطاعة الوالدين..
-ولكن هل عليك أن تطيعهما في قتل خلق الله..؟
-أتظنين أنه سبق لي أن قتلت أحداً من خلق الله..؟ أنا لم أقتل سواك.
-أوَلست أنا من خلق الله يا ابن آدم..؟
-بلى إنك لكذلك.. كاد يغيب عني هذا.. سامحيني على أية حال.. غفر
الله لك وأسكنك فسيح جناته في أعلى عليين..!
-أسامحك..؟ أنتم اعتدتم مثل هذا.. فحين يبطش من بينكم ظالم مقتدر..
يكتفي أحياناً بالإعلان عن خطئه، وربما أسفه، لكي يبرر مقتل بشر آخرين على
يديه.. بل هو أحياناً يطلب المغفرة نفاقاً..! ولكن ماذا يفيد الأسف الضحية؟
رفرفت الدجاجة بجناحيها.. ارتفعت في الفضاء قليلاً، ثم عادت لتستقر
على ارتفاع قدمين من بحيرة الدم، ثم متسائلة بنبرة تنضح بالسخرية والتأنيب:
-قل لي يا هذا.. هل أشبعكم لحمي وانتشيتم باحتساء مرقي؟
-أقسم لك بكل غالٍ وعزيز أني لم أذقه.. وأنت تعرفين ذلك، إذ أنت
الآن في بطونهم هم.. تعرفين تماماً من قام بالتهامك..!
-ولكن أهلك فعلوا..
-وهل يؤاخذ المرء بجريرة ما فعل أهله..؟ هل تزر وازرة وزر أخرى..؟
-أتتبرأ منهم الآن؟ كلكم هكذا عند الحساب والعقاب يتبرأ واحدكم من
أخيه وأمه وأبيه..!
-على أية حال عليك التماس العذر لهم فالإنسان لكي يعيش يجب أن يتغذى
على لحوم الآخرين. أنتم أيضاً معشر الدجاج، ينطبق عليكم هذا.. ألا تقضمون
الحشائش وتلتهمون الديدان؟ كل الكائنات كما ترين يأكل بعضها بعضاً..!
-ألا يمكنكم العيش على أشياء أخرى غير لحومنا؟ أشياء لا تملك روحاً
حية على الأقل أنتم تميتون أرواحاً لكي تحافظوا على أرواحكم..؟ كلوا أي شيء
(يا أخي) غير ذي روح..
-مثل ماذا؟
-كالقمح والشعير والذرة والبرسيم شأنكم شأن الحيوانات الأخرى..
الحمير والبغال تقتات التبن وتعيش عليه.. وهاهي ذي.. انظر إليها، تملك
أجساداً أقوى، وأكاد أقول إن لها عقولاً أرجح..!
-أتشبِّهين البشر بالحمير والبغال؟ أيليق بك هذا؟
-ما الفرق..؟
-أنت معذورة، على أية حال، فأنت لا تعرفين أنهم –البشر- ارتقوا
مدارج الرقي وأخذوا يتفننون في إعداد أصناف الطعام، وأمسى لها متخصصون
وبرامج في التلفزيون، وكتب رائجة تؤلف فيها، بل هناك شهادات دكتوراه في هذه
المسألة..! ولكن أنَّى لك أن تفقهي هذا.؟
-هذا في ذاته دليل على أن البهائم أرجح عقلاً، كما قلت لك، إذ هي
تتناول العلف من أجل أن تعيش بغير محسنات ولا منكهات، ولا تذوُّق، ولا
احتفال ولا ولائم. الحيوانات تعرف أن الأكل هو الأكل وحسب.. وهو وسيلة
لمواصلة العيش فقط. تأكل لتعيش.. وأنتم تعيشون لتأكلوا.. وتستمتعوا..!
-هذا غريب حقاً. كيف لكم معشر الدجاج معرفة هذا كله..؟
-مخلوقات الله جميعاً تعرف ذلك ولكنكم لا تعلمون أنتم معشر البشر،
أسوأ الحيوانات على وجه الأرض. بل إنكم لخبثكم ينصب بعضكم لبعض شباكاً عن
طريق الأكل. تقيمون ما تسمونه الحفلات والولائم لاكتساب الجاه أو لعقد
الصفقات، بعد ذبح الخراف والدجاج والطيور والأسماك.. أو ليدعو أحدكم مخلوقة
منكم، يريد اصطيادها، إلى مطعم أو مقصف لينال منها وطراً.. وتقبل هي مع
أنها لا تعاني جوعاً..! نحن لا نفعل ذلك.. سائر الحيوانات والطيور
والمخلوقات تذهب إلى أهدافها من هذا القبيل مباشرة.. دون الحاجة إلى اتخاذ
الطعام والمآدب وسيلة.. أو حيلة من أجل ذلك..! ثم هي تقدم عليه في مواسم
محددة للحفاظ على النسل ليس إلاَّ.. وليس للمتعة.. وهي لا تجعل منه شغلها
الشاغل مدى حياتها..!
الدجاجة تبتعد وتقترب.. تعلو وتنخفض.. وأنا أقع في مزيد من الحيرة
مما أرى وأسمع.. متسائلاً في كل لحظة: كيف عادت الدجاجة برأسها مع أني قطعت
ذلك الرأس بيدي هذه.. بيد أني أحسست برغبة مخلصة في الاعتذار لها فقلت
ملاطفاً:
-أكرر لك اعتذاري، وأؤكد لك أنه لولا تحريض أمي ورفاقي لما أقدمت
على ذبحك..!
-أردت أن تثبت لهم شجاعتك.. ولكن على حساب دمي.. وإزهاق روحي..
-ألكم أرواح أيضاً..؟
-ماذا ترى..؟ مخلوقات الله كافة تملك أرواحاً وإلا لما رأيتني حية
أمامك الآن.. حتى الأشجار والأزهار تملك أرواحاً.. ليست كأرواحكم.. لكنها
أرواح على أية حال.
-حسناً حسناً يا صديقتي..
مقاطعة بصياح عالٍ وحاد:
-لا تقل صديقتي.. تقطع رأسي وتقول صديقتي.. يا للبجاحة..!
بادرت إلى تهدئتها:
-صدقيني أنك تملكين من المنطق المعجز مالا يملك مثله الفلاسفة في
عصرنا..!
تطلق ضحكة دجاجية عالية لتقول:
-أنتم تحسبون أنكم تعرفون أكثر من البهائم ومخلوقات الله الأخرى.
الفرق هو أنكم تتكلمون كثيراً عن قدراتكم وذكائكم، فيما نحن نلتزم الصمت.
لن تجد دجاجة تتعالى على دجاجة بدعوى أنها أكثر فهماً.. لن تجد حماراً
يحاول أن يثبت لحمار آخر –عن طريق الكلام أو تأليف الكتب- أنه يملك
العبقرية وحده، دون سائر بني جلدته من الحمير. لا يحاول بغل أن يستعرض
عضلات بلاغته أمام بغل آخر، أو بغلة ابتغاء مرضاة هذه الأخيرة أو نيل
إعجابها منأجل إغوائها..! هل رأيتم حيواناً من أية فصيلة يدعي أنه يبول
بطريقة أفضل من سائر أبناء جنسه، أو أنه يتناول علفه بطريقة متميزة على
غيره من أفراد فصيلته..؟
-إنك تثيرين دهشتي. ألا إنك لتفهمين من الأمور ما لا يقل عما يفقهه
عقل أدلر أو فرويد أو داروين.. وإني لأعدك بألا أعود إلى مثل ما اقترفت
يداي بحقك، حتى لو مت جوعاً وسائر أهلي.. حتى أمي –سبب هذا الإشكال- لن
أطيع لها أمراً من هذا القبيل في مقبل الأيام..
هزت رأسها باستنكار وأسف واضحين:
-ولكن ما جدوى ذلك الآن..؟ هل تحسب أن وعدك هذا سوف يعيد إليَّ روحي
التي ذهبت تشكو لبارئها ظلم الإنسان للدجاج..! لقد يتمت صيصاني المسكينة..
بل إنك أجهضتني حين كسرت أجنَّة البيض التي كانت في أحشائي، بعد أن بقرتم
بطني وتلذذتم بالتهام كبدي وقوانصي.. إنما أشكو بثي وحزني إلى الله العلي
القدير..!
-يا إلهي تقولين هذا وأنت لست سوى دجاجة..؟
-دعني أزيدك علماً.. إن مخلوقات الله كافة تدرك بالفطرة نواميس
الكون وتتواضع فتلبث خاشعة أمامها. ولتعلم أيضاً أننا لسنا إلا أمماً
أمثالكم. أما أنتم فجهلة متبجحون، تقضون ثلاثة أرباع أعماركم في الكلام
عاكفين على ثرثرة لا طائل من ورائها، ولولا ساعات نومكم لقضيتم الربع
الرابع فيها أيضاً...!
بغتةً توقفت الدجاجة عن كلامها.. نظرت عن يمينها ويسارها ومن خلفها.
كان هناك قطيع من الدجاج الأبيض (اللجهورن). تقدّمت القطيع واحدة منها.
اقتربت من الدجاجة محدثتي. نظرت إليها دون أن تعيرني التفاتاً. قالت لها
بصوت دجاجي هادئ:
"دعك منه يا رفيقة.. إنه كبقية أبناء جنسه.. هؤلاء هم مصيبة الأرض
التي كنا فيها.. هم بلاء على الكائنات كافة، ليس علينا وحدنا، بل وعلى
أنفسهم وبني جنسهم ذاته.. لسنا وحدنا ذبائحهم.. ولن تصلحي أنت ما عجزت آلاف
السنين عن صنعه، إذ تتراءين له كي تطلعيه على بعض الحقائق الكونية.
ثم توجهت الدجاجة –القائدة كما يبدو إذ كانت أكبر حجماً بل أحست أني
رأيت على جناحيها ما يشبه النياشين –توجهت إلى بقية الفوج من الدجاج الذي
بدا وكأنه يغطي رقعة الأرض الممتدة حتى الأفق، لتقول بصوت عالٍ لكنه نحيل
جداً:
ألا تعرفن أنه وُجد بين هؤلاء من ألّف لهم ملايين مما يسمونها
كتباً، ومن ألقى من الأحاديث ما لا حصر له، بلى لقد ظهر بينهم العديد من
الأنبياء والرسل والدعاة.. لكن ذلك كله لم يصلح من شأن هذا الصنف الغريب من
المخلوقات أبداً.. هذا الكائن غير قابل للإصلاح.. أصدُقكم القول رفاقي
ورفيقاتي..!
رفرفت الدجاجة بجناحيها.. ارتفعت في الفضاء.. رفرف موكب هائل من
الدجاج الأبيض محلقاً في أثرها.. إلى أن اختفى عن ناظري تماماً.. تلفتُّ من
حولي، فلم أر أي دجاجة.. تنفست الصعداء وأغمضت عيني مخلداً إلى نوم عميق..
عميق.
   
الصديقة
(1)
جلست زوجتي في قاعة الانتظار، على الكنبة الجلدية التي تتسع لثلاثة
أو أربعة، ننتظر دورنا لمراجعة الطبيب، فيما كانت الممرضة، ذات الرداء
الأبيض، تخرج بين الفينة والأخرى لتطلب إلى إحداهن الدخول، إذ حان دورها.
أقبلت في هذه الأثناء شابة أنيقة، ممشوقة القد، تناهز الثلاثين من
عمرها، وهو ما يقارب عمر زوجتي يسرى –حسب عقد زواجنا- شرعت أعقد مقارنة
بينها وبين زوجتي ولكني احتفظت بذلك لنفسي ابتغاء السلامة، أو قل تفادياً
لإثارة الزوابع والرياح الهوجاء..!
اتخذت المرأة الوافدة المثيرة للانتباه، مقعدها إلى جانب زوجتي في
الناحية الأخرى، وإن كنت أعترف لك –قد آثرت لحظتئذ لو أنها جلست إلى جواري،
وفي المكان متسع لها. –لكنهن- كما لا شك تعرف- حريصات على ألا يتصرفن على
النحو الذي يرضي رغباتنا أنا وأنت. لماذا يبيِّتن نحونا –معشر الرجال- سوء
النية منذ الوهلة الأولى.. أقسم لك أني لا أعرف..!
مضيت في مقارناتي: زوجتي سمراء جذابة –لابد أن أقول هذا لأنها سوف
تقرأ هذه السطور- وتلك شقراء. زوجتي متوسطة الطول وهذه طويلة كالنخلة
الباسقة. الشعر ذهبي لكليهما، وإن كانت أسباب تشابه اللونين مختلفة..! لم
تلفت المرأة نظري وحدي بل أنظار الأخريات والآخرين، الذين حضروا مثلي بصحبة
زوجاتهم الأنيقات.. الحق أن وجودنا نحن الرجال في عيادة خاصة بالشؤون
النسائية كان محرجاً لنا، حتى أننا بدونا كالمتطفلين على المكان. النساء
كنَّ يقذفننا بنظرات لا سبيل إلى وصفها بأنها نظرات إعجاب.. أو مودة..
لقد خطر لي أنهن، يقلن: "أنتم السبب فيما نحن فيه، أيها السادة،
سواء منا الحامل أو المرضع، أو التي تريد أن تحمل أو ترضع، أو حتى تلك
الساعية إلى الإجهاض.. (كله منكم) أيها الأوغاد.. نحن نتألم من أجلكم، نحن
نعاني، كما ترون، لا لشيء إلا لكي نشبع رغباتكم الـ.." هكذا سمعت أفكارهن
داخل رأسي..
خرجت الممرضة من لدن الطبيب، في هذه الأثناء، مرة أو مرتين. لم تعد
هي التي تسترعي انتباهي منذ الآن. خرجت لكي تدعو صاحبة الدور إلى الدخول.
بعد لأي رأيت المرأة التي وفدت عما قليل تتحرك في جلستها، مزيحة جسدها لكي
تقترب من زوجتي ولتهمس إليها بكلمات حرصت، كما بدا لي على ألا أسمعها.
ردت زوجتي بهمس مماثل، وقد بدت على محياها سيما مودة صادقة، وعلى
شفتيها ابتسامة رقيقة، أحظى أحياناً بمثلها وإن يكن في مناسبات قليلة، رغم
انقضاء سنين طويلة على زواجنا..! يمضي الوقت بطيئاً، لتقترب المرأتان،
اللتان كانت إحداهما زوجتي، من بعضهما أكثر فأكثر، وتنغمسان في حديث هامس،
تتخلله من حين لآخر ضحكات مكتومة أوشكت أن تلفت أنظار الحاضرين.
تساءلت فيما بيني وبين نفسي: ترى هل كانتا تعرفان بعضهما بعضاً من
قبل..؟ من ناحيتي لا أذكر. وحين التقت عيناي بعيني زوجتي في إحدى المرات
القليلة التي كانت تلتفت فيها إلي، هممت بسؤالها عما خطر لي، بيد أنها
أشاحت بوجهها عني على الفور، كأنها لم تعرفني من قبل قط. تكرر ذلك أكثر من
مرة، لا بل إنها أخذت توجه إلي نظرات محذّرة، مصحوبة بتكشيرة صارمة على
جبينها الرائع.. تماماً كما تفعل أيّ امرأة أصادفها في أي مكان، وأحاول
التفرس في ملامح وجهها.. شعرها.. أو غيرهما..!
ساورني الإحساس بأني وحيد ها هنا.. بل غريب في جلستي، حتى عن زوجتي
نفسها. لم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ لم تلبث المرأتان أن قامتا، دون
استئذان أحد، ثم تمضيان إلى الخارج كي تتمشيا في حديقة المشفى بين أشجار
السرو العالية وممرات الزهور، وقد احتدم الحديث بينهما. تضحكان حيناً،
وحيناً تضرب إحداهما بيدها الناعمة ظهر الأخرى أو صدرها أو كتفها. ساورني
العجب. وددت لو أنضم إليهما أشاركهما الحديث والضحك والتصرفات الأخرى
ذاتها، لاسيما بالنسبة للمرأة الأخرى..! لكنني ـ وأنت توافقني يا صديقي
ناظم على هذا دونما ريب ـ لم أجرؤ على ذلك. صحيح أنك لم تعهدني جباناً في
الأيام الخالية كما تقول. لقد تعرض لي ضبع ذات ليلة حالكة الظلمة تأخرت
فيها عن العودة إلى القرية من بيارتنا هناك. واجهت ذلك الضبع يومئذ دون أن
يرفّ لي جفن. ألا تصدق؟ أنت وشأنك.. الحق أن شجاعتي خانتني هذه المرة، حيث
أنني لبثت في مكاني لا أريم، كتلميذ ابتدائي حذَّره معلمه بألا يأتي بحركة،
أو تصدر عنه نأمة (ابحث عنها في لسان العرب للمقريزي إن شئت). المتواجدون
في القاعة طفقوا يتهامس بعضهم إلى بعض، أو ينظر هذا إلى ذاك، وهذه إلى تلك،
فيما كانت الممرضة تخرج بين حين وآخر كي تنادي إحداهن، ثم تختفيان سريعاً
داخل غرفة الطبيب، الأمر الذي يثير انتباه المتواجدين في القاعة، لتصور ما
يحدث هناك.
مددت يدي إلى جيبي كي أتناول لفافة تبغ.. بيد أني لمحت في ذات
اللحظة اللوحة المانعة للتدخين، كما لاحظت أن أحداً غيري لا يدخن، فأحجمت
للتو وقمعت رغبتي الجامحة في التدخين، مما زادني ضيقاً وحرجاً. أدركت
عندئذ، وفي تلك اللحظة فقط جدوى التحلي بفضيلة "ضبط النفس"..!
( 2 )
تعودان أخيراً. لقد بدتا تماماً كشقيقتين أليفتين إحداهما زوجتي.
اقتربت ـ زوجتي ـ تجلس إلى جواري، وهي تشير إليَّ بيدها بأن ابتعد قليلاً،
لكي تفسح للشابة مكاناً إلى جوارها. فيما هي تردد بمودة واضحة:
ـ اقتربي.. تفضلي.. اجلسي هنا يا جانيت.
وما إن جلست الشابة، التي عرفت الآن أن اسمها جانيت، حتى خرجت
الممرضة لتدعو زوجتي باسمها ـ حسب ورقة في يدها ـ إلى الدخول. نهضنا معاً
بعد أن استأذنت زوجتي رفيقتها. وجدتها فرصة سانحة لأبادل جانيت ولو كلمة
استئذان خاطفة، لكن زوجتي رمتني قبل أن أفعل ـ وقد حدست ما انتويت الإقدام
عليه ـ بنظرة لم أفهم مضمونها ومحتواها، تماماً كما يحدث لك عند قراءة
قصيدة نثر لشاعر مبتدئ..! هل كانت تشجيعاً..؟ استنكاراً..؟ تحذيراً..؟ لا
تعني شيئاً..؟ علم ذلك عند علاّم الغيوب. لا تقل لي أنك لا تعرف أن للنساء
نظرات وابتسامات وإيماءات فيها من الغموض ما يستعصي علينا نحن الرجال
وحدنا، إدراك مغزاها ومرماها، في حين أن المرأة ـ أي امرأة ـ تدرك على
الفور المغزى والمعنى الذي تنطوي عليه نظرة زميلتها المرأة الأخرى، أو
ابتسامتها، أو حتى حركة خصرها..!
(3)
حين دلفنا إلى القاعة، إثر خروجنا من لدن الطبيب النسائي المختص،
اقتربت زوجتي من جانيت. انتحت بها جانباً قريباً من مدخل القاعة. انهمكتا
في حديث خافت، ثم تبادلتا قبلات ودودة، وعبارات وداع دافئة، تنبئ عن وطيد
العلاقة، وعميق الصداقة المستجدة بينهما. لم يفت زوجتي أيضاً إعطاءها رقم
هاتفنا، بل أيضاً رقم جارتنا (هدى) من قبيل الحيطة في حال كان هاتفياً
معطلاً، أو مفصولاً لأسباب مالية..! ثم مستحلفة إياها بالله أن (تهاتفنا)
في أقرب وقت مستطاع لديها..!
وما إن غدونا المشفى حتى بادرتُ زوجتي بالسؤال:
ـ اخبريني يا زينب، فيم كنتما تتحدثان طوال هذا الوقت أنت والصديقة
جانيت..؟
توقفت زوجتي للتو في مكانها. قطعت خطوها فوراً حيث كنا في الشارع..
وضعت كلتا يديها على خاصرتيها وهي تقول باستنكار عاصف:
ـ وما دخلك أنت (يا حبيبي) فيما كنا نتحدث فيه؟ إنها شؤون نسائية لا
علاقة لكم بها أنتم الرجال.. أفهمت..؟
لزمت الصمت. لم أنبس ببنت شفة (أو ابنها) إزاء عبارتها القامعة..
ومضينا في الطريق إلى بيتنا بعون الله ورعايته كأن على رأسينا الطير..
(4)
لم نلبث إلا قليلاً.. دقائق معدودة عقب وصولنا، حتى كان رنين الهاتف
يتردد في غرفة الجلوس.. هرعت زوجتي إليه.. كانت جانيت على الطرف الآخر.
  
حواء وأصل الأشياء
قفل راجعاً إلى كهفه في ذلك المساء، مكدوداً مهدوداً، بعد أن أنهكته
مصارعة وحش لم ير لـه مثيلاً من قبل، منذ هبوطه إلى الأرض. يطارده حيناً
ويفرُّ منه حيناً، ولا ينجو من براثنه إلا حين يتسلق تلك الشجرة السامقة
العلو، تأهباً للانقضاض عليه من جديد. الأرض حافلة بالوحوش، تغص بها
الغابات التي تغطي سطحها. وكذلك البحار حافلة بالمخلوقات العجيبة المخيفة..
وليس هناك سواهما.. على ظهرها.
ما إن جلس إلى جوارها في ذلك الكهف الذي تكاد تخفيه الأشجار الكثيفة
المظلمة في تلك الليلة المدلهمِّة، حتى ابتدرته بقولها:
ـ أين كنت يا آدمي العزيز..؟
ـ في الغابة الشاسعة كي آتيك بطعام يا وحيدتي.
ـ قلقت عليك إذ تأخرت.
قال وكلماته توشك أن تكون همساً لشدة إعيائه:
ـ دعيني أسترح قليلاً، أيتها العزيزة، فلقد أنهكتني مطاردتها.
ـ من هي هذه..!
ـ تلك المخلوقة، أو ذلك المخلوق.. ما أسرع عدوها.. وما أعلى
زئيرها.. لقد كان يوماً مخيفاً حقاً.
بعد فترة صمت تساءلت كمن تحدث نفسها وهي ترفع رأسها نحو السماء:
ـ ألم نكن مرتاحين هناك..؟
اقتربت منه، وقد لفت جسدها بأوراق الشجر. نظر إليها على الرغم من
إعيائه.. اعتراه الشوق لضمها.. أحسَّ كأنها قطعة منه يريد استعادتها.. يشعر
بالأنس قريباً منها كلما عاد من الغابة، وينتابه الحنين إليها طوال غيابه
عنها. ابتدرته قائلة:
ـ لقد خطرت لي اليوم فكرة جديدة.
ـ ما هي هذه الخاطرة يا وحيدتي..؟ ولا تنسي أنك تتحفينني كل يوم
بأفكار جديدة.
ـ سآتيك بالعشاء قبل ذلك.. قطعة اللحم الباقية من كتف ذلك الوحش
الذي اصطدته آخر مرة.
ـ لا أرغب في ذلك الآن، لقد مللت لحم الوحوش.
ـ وماذا سيكون لدي غيره..؟
ـ إذن هيا، أتحفيني بفكرتك، لعل فيها ما يفيد.
ـ أتساءل عن مسألة.. لا أعرف كيف أفصح عنها.. فكرت فيها طوال
غيبتك.. لا أعرف ما هي.. ما هي.. قد أسميها تعادل.. مساواة.. أعني لماذا لا
تكون هناك مساواة بيننا؟.
ـ مساواة؟ ماذا تعنين؟ مساواة مع من..؟
ـ معك..
ـ معي.. ولكن كيف..؟ أوَلسنا متساويين في هذه الوحدة الموحشة..؟ ألا
آكل مما تأكلين.. وأشرب مما تشربين.. ونعاني معاً الظروف ذاتها؟.
ـ لا.. لا.. ليس شيئاً من هذا.. أعني لماذا يكون هناك فرق بيني
وبينك..؟ لماذا يتصرف كل منا بطريقة مختلفة..؟ أوضح لك ذلك بطريقة أخرى.
أنت تخرج إلى الغابة الفسيحة وقتما تشاء، فيما أظل أنا حبيسة هذا الكهف
الموحش، في هذه الرقعة من الأرض في انتظار أوبتك لا لشيء آخر.. تغيب النهار
بطوله تذهب إلى حيث تشاء، وعندما تعود تتشاجر معي إذا لم تجدني حبيسة هذا
الكهف أو على مقربة منه.
ـ لكن ذلك بسبب خشيتي عليك أن يصيبك مكروه.
ـ وأنا أخشى عليك أيضاً، ولكنني لا أتصرف بالطريقة ذاتها.
ـ صدقيني أنني لا أفقه اليوم شيئاً مما تقولين. وهذا كلام غريب
عليَّ حقاً.
ـ وسيظل غريباً عليك دائماً.. لأنك لا تحاول أن تفهمني..
ـ لست أفهمك فعلاً يا امرأة..
ـ آه.. أرأيت من هنا تبدأ المسألة.. ها أنتذا تنادي (يا امرأة)
أليس كذلك..؟
ـ وماذا أنت يا عزيزتي.. سوى أنك امرأة..؟
ـ أليس في هذا ما يوحي بالدونية إزاءك.
ـ يا إلهي.. حقاً لا أفهم عمَّ تتحدثين اليوم..
ـ على أية حال لن تخرجني عن الموضوع.. سأظل على وعي به.. بل سوف
أورثه لحفيداتي في الأحقاب القادمة..!
ـ لو كنت أعرف عمَّ تتحدثين لحققت لك رغباتك جميعاً.. أنا الذي أكرس
حياتي من أجل رعايتك والحدب عليك.. أضرب في أرجاء الأرض لأجلب لك الطعام..
وأصارع الوحوش الضارية كي أذود عنك وأحقق لك الأمن والطمأنينة. وإنك
لتعرفين أن إحدى رغباتك جاءت بنا إلى هذا المكان الموحش المسمى بالأرض،
المحرقة حرارتها حيناً، الموجع بردها حيناً..
ـ لا تلق باللوم عليَّ وحدي يا عزيزي الأوحد.. أنت رغبت أيضاً في
ذلك.. نحن شريكان متساويان فيما حدث.. كان ممتعاً أليس كذلك..؟
ـ كنت وما زالت فاتنة مغرية.. لقد أغوانا الشيطان.. ذلك الإبليس..
وكان ما كان.. بل ها هو ذا لا ينفك يتربص بنا.. وأخشى أن تكون هذه إحدى
وسوساته لك.
ـ ولماذا تراه يفعل ذلك..؟ لماذا يصرُّ على ملاحقتنا من أجل
أذيتنا..؟
ـ لكي ينشئ خلافاً.. وربما عداوة لو استطاع.. إذا ما جنح كل منا إلى
هواه..
ـ لكنها فكرتي.. وردت على ذهني من تلقاء نفسها.
ـ وأنَّي لفكرة خرقاء كهذه أن ترد على ذهنك أصلاً.. لولاه ذلك
اللعين إلى يوم الدين.. احذريه يا عزيزتي.. احذريه وإلا .
ـ معاذ الله أن يكون له سلطان عليَّ أو عليك.
ـ إني لا أخشاه علينا.. بل على أبنائنا في العصور الآتية. لقد وطّد
العزم على أن يتربص بهم على مدى الدهر، هل نسيت أنه توسل إلى ربنا العلي
القدير أن ينظره إلى يوم الدين..؟
ـ ولكننا لن نتوانى عن مواجهته معاً؟
بعد فترة صمت يسرح فيها بعيداً بعيداً يردد وكأنه يحدث نفسه:
ـ أكاد أرى رأي العين صوراً من الشقاء والبلاء، وبحاراً من الدم،
مفاسد ومظالم لا يحيط بها حصر سوف تعم الأرض، حتى يوشك أن يغدو العيش فيها،
بحد ذاته، ضنكاً وعذاباً.. فيا لأبنائي التعساء..
ـ لقد ألقيت الروع في قلبي بما تقول حول مستقبل أبنائي.. أوَ كثير
هم يومئذ؟
ـ أعدادهم هائلة تملأ الأرض على رحبها.. أجيال تتعاقب على ظهرها ثم
يطويهم جوفها عبر ملايين السنين..
ـ حبذا لو نكون معهم يومئذ لعلنا نرشدهم سواء السبيل.. ومصائرهم
المنتظرة كما تتحدث عنها تدمي قلبي..
ـ سيبعث الله فيهم رسلاً وأنبياء، ولكن قليلاً منهم يستجيبون
للهداية، فيما أكثرهم تغويهم المعاصي والآثام، وتغريهم مباهج الحياة،
فيمضون في بغيهم وغيِّهم إلى أن يحل بهم ما حلَّ بمن كانوا قبلهم وسيظلون
هكذا حتى تقوم الساعة..
تجهش بالبكاء أكثر من أي يوم مضى عليهما في الأرض. يضمها إلى صدره
في حنان لكي يخفف عنها ما ألمَّ بها من حزن وخشية وشجن.
انقضت أيام، وشهور، وسنون، إلى أن كان يوماً حين عاد إليها في
المساء، بعد أن انتقلا إلى كهف في سفح جبل، بدا لهما أنه أكثر أمناً، إذ
يقع عند طرف من الغابة، وأمام السفح منبسط من الأرض ترعى فيه أغنامهما.
تناولا عشاءهما لبناً وثماراً جنتها من شجيرات قريبة من الكهف. ثم أوقدت
ناراً في أعواد جافة من أغصان الشجر. اقتربت منه، ثم قالت مبدية شيئاً من
التذمر:
ـ لقد شعرت اليوم بملل شديد أثناء غيابك.. حبذا لو كانت لي جارة
تؤنس وحدتي..!
ـ كنت أبحث عن طعام.. وأجمع حطب.. إنه عناء يا عزيزتي..
ـ ولكنك تتنزه إبان ذلك.. هل ترى أنه من العدل في شيء يا قرة عيني،
أن تمضي سحابة نهارك، متجولاً في أرجاء الأرض، بين الغابات والأودية وشواطئ
الأنهار والبحار ترى من الطبيعة ومن مخلوقات الله ما ترى، فيما أنا (مرزيّة)
هنا في هذا الكهف المهجور إلا من الأشباح..
ـ اللهم أعنِّي على الصبر..!
ـ أنت تتغيب عن المكان على الدوام لعلك تعرفت إلى أخرى..
ـ لا شك أنك بحاجة إلى الراحة يا عزيزتي.. أين هي الأخرى..؟ هل هناك
على وجه الأرض من امرأة غيرك..؟
ـ في مقبل الأيام سوف يقول أحفادك لحفيداتك مثل هذا. سيقول واحدهم
لواحدتهن هل هناك من يمكن أن أحبها غيرك يا حبيبتي..؟ أنت الوحيدة في حياتي
ومماتي أيضاً..! سيقول لها ذلك كما تقوله لي أنت الآن وهو يعرف عشراً منهن
على الأقل.. إبليس نفسه سوف يدفعهم إلى ذلك..
ـ ولكننا أنا وأنت نتحدث الآن عن الآن.. فأين هي هذه الأخرى..؟
ـ من أدراني..؟ أنت تعرف أن كواكب السماء مأهولة بالخلق. لم يخلقنا
الله وحدنا في هذا الكون.. عوالم أخرى مليئة بالخلق. لم يخلق الله هذا
الكون عبثاً ولجنسنا هذا وحده.. وليس غريباً أن يهبط أحد منها لتلك الأسباب
التي مرت بنا، أو غيرها، فلكل كوكب ظروفه وأحواله.
ـ آه يا عزيزتي.. يبدو لي أنه لن يقر لك قرار قبل أن تخرجيني من هذه
أيضاً..!
ـ ولكنك عندئذ تعود إلى الجنة.. ألن يسعدك ذلك..؟
ـ كيف لا؟ |