الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 23/04/2008

القصص

 

الكهف 

زوجة رجل آلي 

 التلاشي

 العريس الهارب

 القطرات الأربعة

رجل من قش 

 ثور السلطان

  الأجرة العجيبة

 

بطاقة تعريف الكاتب: عارف يحيى الخطيب

 

ولد سنة 1946.

عضو جمعية أدب الأطفال.

إجازة في اللغة العربية وآدابها من جامعة حلب

مؤلفاته:

1-في انتظار الزائر –مجموعة قصصية- حلب 1977.

2-الديك الأبيض والديك الأسود –بغداد 1981.

3-غزوان –مجموعة قصصية- دمشق 1991.

4-الأصدقاء –مجموعة قصصية للأطفال –1993.

5-أشعب الصغير –دمشق 1995.

6-نزهة فرح –اتحاد الكتاب العرب –دمشق 1997.

7-صندوق أبي- الإمارات العربية المتحدة- 1998.

8-الأميرة والمرآة –اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1999

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

  نماذج من أعماله

العريس الهارب

 

 

في منتصف الليل، حدثَ ما لم يكن في الحسبان، فقد هرب والدي من عروسه، وجاءني يلهث، ويقول:‏

ـ أريدُ أن أنام عندكم.‏

ـ لماذا؟!‏

ـ كرهتُ هذه المرأة.‏

ـ هل أساءت إليك؟‏

ـ ...‏

ـ ما لك ساكتاً؟!‏

ـ لا أشتهي الكلام.‏

ـ هيَّا معي، لأصلح بينكما.‏

قال والدي غاضباً:‏

ـ لن أجتمع معها، تحت سقف واحد!‏

ـ لماذا؟!‏

اربدَّ وجهُ والدي، وأعرض عنِّي..‏

شعرتُ أنَّني ضايقته، فكففتُ عن الكلام، وأعددتُ له فراشاً لينام، وبتُّ مؤرَّقاً مسهَّداً، ووجهُ والدي الحزين، ماثل أمامي، يقلق نفسي، ويشغل بالي.. سامحك الله يا والدي، لماذا تزوَّجْتَ، فأتعبْتَ وتعبتَ؟!‏

ليتني أعلم كيف نبتتْ فكرةُ الزواج في رأسك، وأخذتْ تنمو وتترعرع، شيئاً فشيئاً، بعد مرور تسعة أعوام، على وفاة والدتي، رحمها الله.. كيف سوَّلتْ لك نفسك الزواج، وأنت شيخ كبير، تجاوزَ السبعين، ضعيف البنية، أبيض اللحية، تعرَّقَ الزمنُ عظمكَ، وحنتِ السنون ظهرك، فاستعنتَ على حملها بعكّاز، يسير معك، حيثما تسير.. ماذا أصابك؟!‏

كنتَ تعيش عيشة راضية، لا تشعر بوحدة أو وحشة، فقد طلبتُ إليك، إثرَ وفاة والدتي، أن تبيع دارك، وتعيش عندي، لأنَّني ابنك الوحيد، فاستجبتَ لي مسروراً، واشتريتَ بثمن الدار، دكّاَناً صغيراً، تشغل به حياتك الخاوية، وتكسبُ منه ربحاً يسيراً، أشدُّ به أزْرَ راتبي الضعيف، الذي أجنيه من التعليم..‏

وسارت حياتنا ـ كما تعلم ـ هادئة هانئة، لا تشوبها شائبة.. زوجتي الطيِّبة، تحوطك بالرعاية والعناية، وأطفالي الصغار، يغمرونك بالحبِّ والاحترام، وحينما تسأم منّا، تذهب إلى غرفتك الخاصة، لتنام أو تستريح، فمن زرع فكرة الزواج في رأسك، فعصفَتْ بهدوئك وصمتك، ولعبَتْ بعقلك وقلبك، فصرتَ تحفظ أسماء الأرامل، وتتسقَّطُ أخبارَ العوانس، وأنت مشفق متعطِّف، كأنَّك مسؤول عنهنَّ أمام الله، يوم يقوم الحساب..‏

وجاءك شيوخٌ تزوَّجوا حديثاً، وعرفوا ما يشغل بالك، فأخذوا يزيِّنون لك الزواج، ويحضّونك عليه، فنزلتْ أحاديثهم على قلبك الذابل، كقطرات الندى البارد..‏

لقد علمتُ ذلك، وعلمتُ أنَّك كنت تبثُّ العيون والوسطاء، في المدينة والأرياف، يتحسَّسون لك أخبار الأرامل، وأحوال المطلقات، ويعطونهنَّ عنوان دكّانك، فزارتك نساءٌ كثيرات، يتعلَّلن بالشراء، وينظرن إليك نظرة فاحصة، ثم ينصرفن عنك خائبات يائسات..‏

أمّا أنت، فلم تعرف اليأس، بل ظللت تطوف وتبحث، وتتشمَّم وتسأل، وتردِّد بمناسبة، وبلا مناسبة، قوْلَ أحد الصالحين (زوِّجوني فإنّي لا أحبُّ أن ألقى الله عزباً).‏

وكان لا بدَّ لي أن أجالسك، وأُحاورك..‏

ـ هل قصَّرنا في خدمتك؟‏

ـ لا.‏

ـ هل أهملتك زوجتي؟‏

ـ لا.‏

ـ إذن لماذا تريد أن تتزوَّج؟!‏

وأحرجك هذا السؤال، وضيَّق عليك الخناق، ولكنَّك ما لبثت أن قلت محتدّاً:‏

ـ إذا برز لي دُمَّل في... فهل أكشفه لك، أو لزوجتك؟ أيجوز هذا في شرع الله؟!‏

وظننتَ أنَّك قد أفحمتني، فرفعتُ رأسي، وقلت:‏

ـ منذ سبعين سنة، لم يظهر هذا الدمَّلُ، فلماذا تتوقَّعُ ظهوره الآن، وفي هذه المنطقة ذاتها؟‏

وضقتَ بي ذرعاً، فقلتَ مغتاظاً:‏

ـ سأتزوَّج مثل غيري، ولن أطلب منك قرشاً، وإذا اعترضتَ عليَّ فسوف أغضبُ عليك!‏

وأذعنتُ لك طائعاً، لم أعترض عليك، ولم أحرمك الفرح، في آخر عمرك القاحل، وقلت لك راضياً:‏

ـ افعل ما تشاء يا أبي، ولكنْ هل وجدت العروس؟!‏

ـ لا تشغل بالك، لقد وجدتها.‏

ـ وهل وافقتْ؟‏

ـ نعم، وافقتْ، وهي تضحك.‏

وخطبتُ لك مَنْ رضيتَ بها، ورضيتْ بك، غير أنَّني حينما رأيتها، أشفقتُ عليك منها، ألم ترَها؟.. إنَّها أرملة تناهز الخمسين، بادنة سمينة، يضيق البابُ عنها!‏

وقد بعتُ لأجلها أساور زوجتي، وبعتَ أنت بضاعة دكّانك، وجمعنا مهرَها المطلوب..‏

وفي ليلة الزفاف، رأيتك منهمكاً في تشذيب لحيتك، تأتيها من هنا، وتأتيها من هناك، حتى برَدْتَها برداً، ثم خرجتَ إلى الناس، بجلباب فضيّ مخطَّط، لم أرَهُ عندك قطُّ، ولم أدرِ من أين نبشتَه، وأظن أنَّك قد ارتديته يوم دخلتَ بوالدتي، قبل أن أرى النور، فحسبتك وأنت تخطر فيه، كأنَّك خارج توّاً، من متحف قصر العظم..‏

كان فرحك نقيّاً، كفرح طفل صغير، وكان فرحي مشوباً بالأسى، لحلول امرأة غريبة محلَّ والدتي الحبيبة، واحتفل بك أصدقاؤك الشيوخ، وأحاطوا بك، وهم يغنّون ويهزجون، فكانت أسنانهم الصناعيَّة تطقطق، وأيديهم المعروقة تصفِّق، وحينما أدخلوك على عروسك، انصرفوا وهم يتغامزون..‏

وفي الصباح، تحلّقنا جميعاً، حول الفطور، فرأيتُ السرور يلمع في عينيك، ففرحتُ لفرحك، وسلوتُ ما بذلت..‏

وفي الصباح التالي، ألفيتُ الأمر مختلفاً، فقد أبصرتك كئيباً حزيناً، تتحاشى النظرَ إلى عروسك، وتوليها ظهرك، وأنت ناكس الرأس، كأنَّك اقترفتَ ذنباً، وكانت عروسك ترمقك ساخرة، فأشفقتُ عليك منها، وسألتك عن الأمر، فصددتَ عنّي، وأطرقتَ واجماً، لا تنبس بكلمة.. ابتعدتُ عنك، وقلبي معك، وأمضيتُ نهاري، في حيرة وذهول، وفي منتصف الليل، حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد هربتَ من عروسك، وجئتني تلهث، وتقول:‏

ـ أريدُ أن أنام عندكم.‏

وهاأنت ذا نائم، وأنا ساهر يقظان، تتعاورني الهواجسُ والوساوس، أرتقب ضوء الصباح، عسى أن تُظهر لي ما تخفيه عنّي، فيهدأ بالي، وأرتاح..‏

وأقبل الصباح، بعد ليل طويل..‏

تقَّلبَ والدي في فراشه، ثم فتح عينيه، فوجدني أمامه أرنو إليه..‏

التفتَ يمنة، والتفتَ يسرة، لم يجد مهرباً ولا مفرّاً، فقال لي وهو يائس محزون:‏

ـ كان زواجي غلطة كبيرة.‏

ـ لماذا؟‏

قال وقلبه يتفطر:‏

ـ ما لي وللزواج، لقد ضاع عمري، وانتهيت.‏

بثَّ الحقيقة المرَّة، وأطرق واجماً صامتاً..‏

لم أرَ حزناً أفدح من حزنه، ولا صمتاً أبلغ من صمته.‏

حرتُ في أمري، واستغلق عليَّ الكلام!‏

وددتُ لو عاجلَّني الموت، قبل أن أراه على هذه الحال، فلم أتمالك أن انحنيت عليه، وطوَّقته بذراعيَّ، أقبِّله راحماً، كأمٍّ رؤوم، فسكن إلى صدري، كطفلٍ مذنبٍ يتيم..‏

 

 

التلاشي

 

كان أتباع رفيع المقام يعيشون عيشة راضية، يلعبون بالمال، ويتقلّبون في النعيم..‏

دفعَتْني زوجتي دفعاً، لأعمل تحت جناحيه، وأنتشلها من الفقر.‏

قابلتُ رفيع المقام، وطلبتُ أن أعمل عنده.‏

رمقَني من علٍ، وقال:‏

ـ مَن يعمل عندي، يأتمر بأمري.‏

قال رجاله، بصوتٍ واحد:‏

ـ مَن يعمل عنده، يأتمر بأمرهِ‏

قلت:‏

ـ أنا مع الجماعة، ولن أشذَّ عن رأيها.‏

ضحكَ رفيعُ المقام، وقال ساخراً:‏

ـ الرأي الأوحد هو رأيي، وما على الجماعة إلا الطاعة.‏

قال رجالُهُ، بصوتٍ واحد:‏

ـ الرأي الأوحد هو رأيه، وما على الجماعة إلا الطاعة.‏

قلت ناصحاً:‏

ـ رأيان أحسنُ من رأي!‏

قال جازماً:‏

ـ لا رأيَ إلاّ رأيي.‏

قال رجاله:‏

ـ لا رأيَ إلا رأيه.‏

قلت مدهوشاً:‏

ـ أنتَ إنسان، والإنسانُ يخطئ ويُصيب!‏

قال غاضباً:‏

ـ أنا لا أُخطئُ أبداً.‏

قال أتباعُهُ:‏

ـ لا يُخطئُ أبداً.‏

قلت هامساً:‏

ـ الناسُ يتَّهمونكَ بالظلم، واختلاس المال!‏

عبسَ رفيع المقام.‏

عبس أتباعُهُ جميعاً.‏

سعل رفيعُ المقام.‏

سعل أتباعه جميعاً.‏

قال رفيع المقام:‏

ـ أنا لا أكترثُ بالناس، ولا بما يقولون.‏

أمسكتُ عن الكلام، وأنا حائرٌ مشدوه!‏

ابتسمَ رفيع المقام.‏

ابتسمَ أذنابُهُ جميعاً.‏

مال ذات اليمين.‏

مالوا ذات اليمين.‏

مال ذات الشمال.‏

مالوا ذات الشمال.‏

قال رفيع المقام:‏

ـ لن أقبلَ بكَ حتّى تصير مثل رجالي هؤلاء.‏

ـ أيَّ رجالٍ تقصد؟‏

ـ الرجالَ الجالسين حولي.‏

حملقتُ جيِّداً، وقلت مدهوشاً:‏

ـ لا أرى حولكَ أيَّ رجال!!‏

 

 

زوجة رجل آلي

 

كان الزوج مستغرقاً في حساباته، عندما صرختْ زوجُهُ في وجهه:‏

ـ أكرهكَ.. أكرهك!‏

وكانت هذه أوَّلَ صرخة، تمزِّق الهدوء المزمن، الذي يعشِّش في البيت، منذ ثلاث سنوات عِجاف، مضتْ على زواجهما، لم ينجبا فيها ولداً، لأنَّ خطَّة الزوج العتيدة، توجبُ تحصيل الثروة أوَّلاً، وإنجاب الأولاد ثانياً..‏

وقد حاولتِ الزوجة مراراً، أن تثني زوجها عن رأيه، وتحدث تعديلاً في خطته، فلم تلقَ منه أذناً صاغية، وارتدَّتْ عنه يائسة خائبة، تقول في نفسها:‏

ـ قد يكون أعقلَ منِّي، فهو يكبرني بسبعة عشر عاماً.‏

وقنعتْ بهذا التعليل، وعاشت في البيت الهادئ، هدوء المقابر، وقد أحبَّتْ هذا الهدوء، في بادئ الأمر، ولكنَّها مع مرور الأيام، أخذتْ تضيق به ذرعاً، وتحسُّ بوطأته عليها، كأنَّه كابوس ثقيل، فالزوج يخرجُ في بياض الصباح، ولا يرجع إلاّ في سواد الليل، وتبقى الزوجة في البيت، وحيدة موحشة، تنتظر إياب زوجها..‏

وحينما يعود، يحادثها قليلاً، ويستريح قليلاً، ثم يُقبل على حساباته، وقوائم بيعه وشرائه، فيغرق فيها حتى أذنيه، وتحاول الزوجة أن تنتشله منها، وتجذبه إليها، فتأتيه من هنا، وتأتيه من هناك، تحادثه مرَّة، وتمازحه أخرى، وهو صامت بارد، كأنَّه خارج من ثلاجة، فتسري برودتُهُ إليها، وتبرد حماستها، فتنسحب مخذولة محزونة..‏

وتمكثُ أيّاماً طوالاً، تشحذ عزيمتها، وتجمع قواها، ثم تكرُّ عليه من جديد، لتدكَّ حصنَ هدوئه، وتذيب جليد روحه، فتنحسرُ أمواجُ اندفاعها، حاملة هزيمة جديدة، ويظلُّ الزوج صامداً جامداً، لا يشعر بانتصاره، ولا يشعر بانهزامها، فصارت زوجته تنفر منه، وتكره هدوءَهُ وجموده، وتتوق إلى رؤية تعبير ما على وجهه، أو تغيير ما في ملامحه، ولكنَّ شوقها طال، ولم تظفر بطائل، فزوجها تمثال جامد، قسماته محفورة بالإزميل، لا تقبل التبديل ولا التحويل، وهي قسمات باردة محايدة، لا تدلُّ على إحساس، ولا تنمُّ على انفعال، وهذا ما كان يغيظها، فهي لا تميِّزُ بين فرحه وحزنه، ولا بين حبه وكرهه، فوجهه لا يفصح عن شيء، إنَّه وجهٌ هادئ بارد، مَصوغ من شمع جامد!‏

وحارتِ الزوجة في أمره وأمرها، فغدتْ ساخطة على زوجها، ساخطة على نفسها، لأنَّها قبلتْ هذا الزوج، وهي لا تعرف عنه شيئاً، سوى أنَّهُ غنيّ، فغلب شعاعُ ذهبه شعاعَ عقلها، ومدَّتْ لـه عنقها راضية، فطوَّقها بسلسلة من ذهب برّاق..‏

ومهما يكن الأمر، فقد حمَّلتْ عائشة نفسها، مسؤولية هذا الزواج، وبذلتْ ما استطاعت، لتنقذه من الإخفاق، فها هي ذي الآن، في يوم عيد زواجهما، تلبس ثوبها الأنيق الزاهر، وتكحلُ عينيها السوداوين، وتتعطَّرُ بعطر فاخر، ثم تقف أمام المرآة، فتُبرزُ المرآة الصافية، فتاةً هيفاء سمراء، تناهزُ الحادية والعشرين، لم تزدها الأيّام إلا حسناً وجمالاً، فتبسمُ مزهوَّة، كعروس مجلوَّة، وتذهب إلى زوجها، تتهادى على أطراف أصابعها، لتباغتهُ وتبهره..‏

كان الزوج يملأ الكرسيَّ بجرمه، وكان رأسه الكرويّ يتدلّى على صدره، فيحسب مَن يراه أنَّه نائم، بيد أنَّ زوجته ـ وحدها ـ تعرف أنَّه يقظان، يجمعُ ويطرح، ويرمق الأعداد، بعينين شاخصتين، لا تختلجان ولا تطرفان..‏

وقفتِ الزوجة طويلاً، والزوجُ لا يلتفت إليها، ولا يشعر بها، فقالت بغنج ودلال:‏

ـ ما رأيك بهذا الثوب الجديد؟‏

رفع رأسه متباطئاً، وقال:‏

ـ جميل.‏

ونكس رأسه، يغازلُ حاسبته وأرقامه..‏

ـ ألا يذكّركَ تاريخُ اليوم بشيء؟‏

قال ورأسه ينوس:‏

ـ لا.‏

ـ إنَّهُ تاريخُ زواجنا!‏

ـ ...‏

ـ ألا تسمع ما أقول؟!‏

لم تلقَ الزوجة أيَّ جواب، فالزوج مكبُّ على الحساب!‏

شرعتْ تتأمَّلُ وجهه الهادئ البارد.. لم تجد فيه أيَّ أثر ينمُّ على إعجاب أو انفعال، فهو كما عهدتْهُ مذ عرفته، أخذتْ تحدِّثُ نفسها مدهوشة:‏

(أيُّ رجل هذا؟!.. لم أسمع منه يوماً كلمة رقيقة، لم أرَ في عينيه ومضة حبّ، أو شرارة كره، إنَّهُ لا يضحك، ولا يمزح، ولا يحزن، ولا يفرح، ولا ينفعل، ولا يغضب.. إنَّهُ رجلٌ آليٌّ متزوِّج!)‏

طال وقوف الزوجة، والزوج مطرق، لا يرفع رأسه، ولا يفتح فمه..‏

تميَّزتْ عائشة من الغيظ، نترتِ الحاسبة من يده، وقذفتها بعيداً..‏

وسارقتْ زوجها النظرَ، فرأت وجهه هادئاً، كدأبه دائماً، فثارت ثائرتها، وصرختْ في وجهه:‏

ـ أكرهكَ.. أكرهك!‏

نهض الزوجُ واقفاً، التقط حاسبته المرميَّة، وعاد إلى عمله، وبعد صمت ثقيل، التفتَ إلى زوجته، وقال:‏

ـ ماذا قلتِ؟‏

ـ أكرهك.. أكرهك!‏

ـ لماذا؟‏

ـ أكرهك.‏

وانفجرتِ الزوجة باكية..‏

مدَّ الزوجُ يده، ليمسح لها الدموع، فأبعدتها بقوَّة..‏

ـ خذي هذا المنديل، وامسحي دموعك.‏

رمتِ المنديلَ بعيداً..‏

تركها زوجها، وعاد إلى حساباته، يراجعها ويدقِّقها، وهو مغلَّفٌ بالهدوء..‏

وشمَّ الزوجان رائحة طعام محروق!‏

قال الزوج:‏

ـ أطفئي الغاز، فالطعام يحترق.‏

ـ فليحترقِ الطعام، فليحترقْ كلُّ شيء.‏

ـ إيّاكِ أن تغضبي، فلقد قرأتُ في أحد الكتب، أنَّ الغضب نار تحرق الجسم والعصب، وقد أودى بحياة أُناس كثيرين.‏

ـ كلّ ما قرأتَهُ كذب بكذب.‏

ـ ولكنَّ الأطباء يؤكّدون في أبحاثهم العلميّة، أنَّ الغضب ضارٌّ بالصحّة‏

ـ والأطباء كاذبون.‏

ـ إذا كنتِ مصرَّة على الغضب، فاغضبي بهدوء، لتحافظي على سلامة أعصابك.‏

ـ لم يبقَ عندي أعصاب.. حرقتَها ببرودتك!‏

ـ لو احترقتْ أعصابكِ لمتِّ فوراً.‏

ـ لقد متُّ منذ تزوَّجتك.‏

ـ وهل أنتِ ميِّتة الآن؟‏

ـ نعم.. أنا ميتة.‏

ـ كيف أفهم ما تقولين، وأنتِ تحادثينني؟‏

ـ إنَّك لم تفهم، ولن تفهم أبداً.‏

ـ كلامكِ هذا يثيرني.‏

ـ وماذا ستفعل؟‏

ـ سأطفئ الغاز.‏

همدتْ حماسة الزوجة، وشعرتْ بالخيبة والخذلان، فهذا الزوج يتحدّاها بهدوئه، وإذا عجزتْ عن إثارته، ستنفجر مرارتها.. وجاءها زوجها، يحمل كأس ماء، قدَّمه إليها، وقال:‏

ـ اشربي هذا الماء البارد.‏

ـ أنا أكره كلَّ بارد.‏

ـ هل أجلبُ لكِ ماء ساخناً؟‏

طاش عقلُ الزوجة، جذبتِ الكأس من يده، وقذفتها على البلاط، فتكسَّرتْ وتبعثرت..‏

نظرتْ إلى زوجها خلسة، فألفتهُ هادئاً مثل ميِّت محنَّط!‏

قالت في سرِّها:‏

(أيُّ رجل هذا؟!، لمَ لا يغضب، لمَ لا يثور، لمَ لا يزجرني زجرة، أو يلوي ذراعي مرَّة؟!)‏

نظر الزوج إلى الزجاج المكسور، والماء المراق، وقال بنبرة توحي بالحدَّة:‏

ـ لمَ فعلتِ هذا؟!‏

قالتِ الزوجة تحثه على الغضب:‏

ـ فعلته لأغيظكَ، أرني ماذا ستفعل؟!‏

ـ أتريدين إثارة أعصابي؟‏

ـ هذا ما أريده، إن كان عندك أعصاب!‏

ابتسم ابتسامة آليَّة، وقال:‏

ـ لن تفلحي أبداً.‏

خاب أملُ الزوجة، رمقتْ وجه زوجها، رأتْ ابتسامته الموقوتة، لم تقوَ على احتمالها، أشاحتْ بوجهها، وابتدرتْ بابَ المنزل، وخرجتْ تهرول، على غير هدى، في طريق مظلم مجهول..‏

  

 

 

الكهف

 

طويتُ القفارَ، وحيداً شريداً..‏

أنهكني المسير، وأضواني المرض.‏

وصلتُ إلى مدينة حديثة، يسكنها أناسٌ مثلي.‏

دخلتُ بين الناس، أرنو إلى وجوههم الناضرة..‏

أعرضوا عنّي، ولم يلتفتوا إليّ!‏

سخرَتْ منّي غُربتي وكُربتي.‏

تخاذلتْ رجلايَ، وخارتْ قواي..‏

وقعتُ على رصيف صُلب..‏

ارتضَّتْ عظامي الواهنة، صحتُ متألِّماً:‏

ـ آخ..!‏

أصمَّ إخوتي آذانهم، وتابعوا سيرَهم مسرعين..‏

جمعتُ قوايَ الضعيفة، ونهضتُ متثاقلاً.‏

خرجتُ من المدينة الحديثة، أجرُّ خيبة مريرة، وأقداماً متعبَة..‏

أويتُ إلى كهف صخريّ، قبعتُ فيه يائساً بائساً..‏

زفرتُ محزوناً:‏

ـ آه.. آه!‏

ردَّد الكهفُ محزوناً:‏

ـ آه .. آه!‏

فرحتُ بما سمعت.‏

أسندتُ ظهري إلى صخرة حانية..‏

سمعتُ نبضَ قلبها الرقيق!‏

نسيتُ أوجاعي وأحزاني.‏

أغمضتُ عينيَّ، وغفوت مسروراً..‏

-------------------------------------------

أضيفت في15/02/2006/ خاص القصة السورية / عن مجموعته الرَّجُل الشَّجَرَة الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب

 

 

القطرات الأربع

 

كان في قديم الزمام، ملكٌ كبيرٌ حكيم، اسمه حسَّان.. وكان الملك حسان، يحبُّ الأذكياءَ، ويرفعُ قَدْرَهم، فهو يُقيم مُسابقةً، بينَ حينٍ وآخر، يطرحُ فيها سؤالاً واحداً، ومَنْ يجبْ عنه، يقلّدْهُ وساماً ملكيّاً رفيعاً.

واليوم. هو يومُ المسابقةِ الكبرى..

الملك حسان في شرفةِ القصر، وحولَهُ الوزراء والقُوّاد..

والساحة الواسعة، تغصُّ بالبشر ،من رجالٍ ونساءٍ وأطفال، وكلُّ واحدٍ يقول في سِّرهِ :

- ماسؤالُ اليوم ؟!

لقد حضر الناسُ، من أقصى المملكة، ليسمعوا السؤالَ الجديد ...

- ما أَغلى قطرةٍ في المملكة؟

- ومتى الجواب؟

- في مثل هذا اليوم، من العام القادم .

***

وانصرف الناسُ، يفكِّرون في السؤال ...

قال طفلٌ لأبيه :

- إذا عرفْتُ أغلى قطرة، هل أنالُ وسامَ الملك؟

ابتسمَ والدهُ، وقال :

- نعم يابني!

قال الطفل :

- قطرة العسل .

- لماذا؟

- لأنها حلوةٌ ولذيذةٌ.

وقالتْ طفلةٌ لأُمِّها :

- أنا أعرفُ أغلى قطرة..

- ماهي؟

 - قطرة العطر..

- لماذا؟

- لأنَّها طيِّبةُ الرائحة .

***

وشُغِلَ الناسً بالقطرات، فهذا يقول :

- إنَّها قطرةُ الزيت..