
بقلم
الكاتب: يوسف جاد الحق

المحاكمة
الإهداء
إليها
..ما بقي في
الأبحر ماء وما تنزّل الغيْثُ من السماء وجداً.... وشوقاً.... وحنيناً.. إليكم
...أبنائي...
أبناءها قدركم أن تحيَوْا من أجلها .أو
تستشهدون في سبيلها
يوسف
المقدمة:
أدب المقاومة
الملتزم بدون الزام. والذي ظهر إلى الوجود العربي بدءاً من إحساس العرب بثقل
الجسد العثماني على صدورهم، مع ابتداء يقظتهم من نوم إجباري فرض عليهم زهاء
أربعة قرون.
وتململ ذلك الأدب
بدوره من خلال رماد الانحطاط. مع الشعراء المجددين والإسلاميين الذين قرأوا
الإسلام بعيون معاصرة مثل الكواكبي. وتطور هذا الأدب في مواجهة النوم
العثماني... ثم الاستبداد التركي. ثم الاستعمار الأوروبي إلى قرابة منتصف القرن
العشرين.
وجاءت كارثة.
احتلال فلسطيني الفجائعية كجرح نازف من خاصرة الأمة العربية. ليترفع أدب
المقاومة العربي من منزلة السير الهاديء إلى مقام الركض الخبب. فإذا الشعر غير
الشعر والرواية تدخل في طور تطوري جديد. وترفع المسرحية صدرها لترافق أجناس
الأدب الأخرى التي سبقتها بضعة أشواط.
ويبدأ الحديث
النقدي عن مسرح عربي ينتمي إلى العديد من أنماط الأداء الدرامي. بيد أن معظم ما
خلَّفته الملكة الإبداعية المسرحية لدى العرب كان مسرحاً ملتزماً يعالج وجود
الإنسان العربي في أرضه وفي العالم من حوله.
وغني عن التكرار أن
الثورة الفلسطينية على تباعد مواقعها، وتشتت قواعدها في أنحاء الكوكب، استطاعت
أن تفرز وراء مقاتليها كوكبة من المبدعين الذين تمكنوا من إبداع تيارات أدبية
لها شخصيتها الكاملة في زحام التيارات الأدبية في العالم. وجاء نتاجهم الفكري
والفني أنموذجاً جديداً متوهجاً له خصوصيته وفرادته.
ويوسف جاد الحق
واحد من تلك الإفرازات الإبداعية التي نذرت وجودها لتضميد الجرح الفلسطيني
النازف منذ خمسين سنة. وعرفته منذ سنين يكتب الرواية والمسرح والقصة.... وهو
عبر هذا الثلاثي مناضل ملتزم تمكن من تحويل القلم إلى قذيفة تضيء في مسيرتها
لتصل إلى هدفها بدون إساءة إلى جمالية الفن أو تهاون في سخونة القذيفة.
ويقدم مسرحيته
الجديدة: المحاكمة. لتأخذ موقعها في مسيرته الأدبية ذات الالتزام الطوعي النابع
من إيمانه بقضية يكتب من أجلها. فما الذي قدمه في مسرحية المحاكمة؟
تقف المسرحية على
خلفية واقعية حول واقعية حدثت بالفعل ففي عام 1972 وخلال دورة الألعاب
الأولمبية التي انعقدت في ميونخ- ألمانيا- قام بعض المجاهدين الفلسطينيين
باحتجاز عدد من اللاعبين اليهود المشاركين بتلك الدورة. مطالبين بإطلاق سراح
عدد من الأسرى الفلسطينيين في سجون اليهود. ولما لم تستجب عصابات اليهود للطلب
نفذ المجاهدون تهديدهم وأعدموا بعض اللاعبين اليهود. وسلَّموا أنفسهم للسلطات
الألمانية التي حاكمتهم.
هذا هو ملخص الخبر
الذي حوله يوسف جاد الحق إلى خلفية درامية لمسرحيته.
سيتبادر إلى الذهن
أن يقوم الكاتب بتأليف نص مسرحي تسجيلي أو توثيقي، له من التاريخ نصيبه الأوفى
ومن الفن نصيب قليل. أو من الإبداع نَزْرُهُ اليسير.
ليشبه عمله عمل
المؤرخ أو المؤرخ الفنان في أفضل الحالات. فهل هذا ما صنعه يوسف جاد الحق؟ أم
أنه فطن لحالة التبسيط التوثيقي أو التسجيلي. فنقل الخبز من وثائقية التأريخ
وسجلات الأحداث الغابرة إلى رؤيا الفنان الخبير بتمزيق الحدث وإبداعه ليرتقي
إلى أفق الفن؟
لجأ يوسف منذ البدء
إلى عملية الخداع الفني التي نراها إحدى أهم حالات الإقناع. حيث زَجَّ بنا في
قاعة إحدى المحاكم في مدينة ميونخ. ورسم شكلاً مقنعاً لمحكمة ألمانية بقضاتها
الكهول، وأوقف المجاهدين الفلسطينيين الأربعة الذين نفذوا العملية. في مواجهتهم.
وإذا ما خيل إلى
المشاهد والقارئ أنه يسمع ويرى محاكمة حقيقية. يتسلل يوسف جاد الحق ليزج تاريخ
القضية الفلسطينية بين القضاة والمتهمين. ثم يرفع ستائر ذاكرته التاريخية
والفنية ليكشف للعالم فصول المأساة منذ بدء تكوين الجريمة العالمية لسحب فلسطين
من تحت أقدام أهلها... حتى تكوين الغدة السرطانية التي أطلق عليها اسم: الدولة
العبرية، أو إسرائيل، أو أرض الميعاد. أو ماشئت من صفات التزوير والتضليل في
هذا العصر الخائن.
وأحس المؤلف اإفادة
بدرجة متقدمة من تقنيات التوصيل المعاصرة. عندما كان ينقل الحدث عبر العين
السينمائية من قاعة المحكمة في ميونخ إلى إحدى قرى أو ساحات فلسطين ليطلعنا على
فصول من جريمة الكارثة الاستيطانية... وما يفعله اليهود بالأرض وأصحابها. كل
هذا يتم عبر سير الأحداث بتتابع مقنع وإيحاء جميل. بدون فجوات ولا تقطع ولا
افتعال ولا اجتراح خيالي يبعد المتلقي عن الرؤية التاريخية لحدوث الفعل.
وما كان يلجأ إلى
هذه النقلات التي تتم بسرعة البرق التي هي سرعة النقلات السينمائية
والتلفزيونية من حال إلى حال. إلا في حالة الضرورة إليها والتي تشبع المتلقي
إقناعاً. ولعل الأهم الأهم في هذه المسرحية هو قدرة مؤلفها على تماهي الرأي
العالمي الجائر لقضية فلسطين. وشرح وجهة النظر الغربية المتردية في مهاوي
الضلال اليهودي بصورة تكاد تصدقها إنها مخاطبة العقل الغربي بلغته بالذات. وهذا
ما رفع النص من حدود الانحياز الوطني والقومي إلى مجالات الشمولية العالمية.
حتى كأننا أمام حوار بين الرؤية العربية والرؤية الغربية الجائرة للقضية
الفلسطينية.
ومنذ أوائل فقرات
الحوار. حيث يسأل القاضي الألماني أحد المتهمين. كيف وصل إلى ميونخ؟... ويسمع
الإجابة ويلح على السؤال:
القاضي
: كم من الزمن
استغرقت الرحلة؟
نضال
: استغرقت
الرحلة عمري كله.
القاضي
: هل تسخر منا
أيها السيد؟
القاضي
: أبداً. هذه
هي الحقيقة... وإن شئت الدقة فهي ربع قرن من الزمان.
القاضي
: لو كنت
سلحفاة لوصلت في ربع هذه المدة
.
نضال
: ما ذنبي إذا
كنتم تصرون على ألا تعرفوا الحقيقة؟
القاضي
: مادمت حريصاً
على قول الحقيقة. قل لنا:
من هم بقية أفراد
العصابة؟
نضال
: هم مناضلون
وليسوا عصابة
حوار متلاحق مكتوب
بأقصى درجات التوتر بلا تفكك. وكأن المتحاورين يركضون باتجاه تصعيد الحدث. ومنذ
البدء كما قلت تمكن المؤلف من فرد أوراق القضية أمام العالم. فالمناضلون
الأربعة منذ أول إجابة لأولهم.
كانوا مصرِّين على
ربط النتائج بالمقدمات. وأن ما فعلوه ليس منفصلاً عن معاناة ربع قرن هو عمر
احتلال فلسطين. وأصروا على توصيل الجرح إلى المحكمة. بل تمكنوا من محاكمة
العالم الذي تجاهل وجودهم كشعب. لإرضاء نزوات الحقد الصليبي الذي تفجر بعملية
الاستيطان اليهودي في فلسطين.
ومع تصاعد الحدث
عبر الحوار، تتحول المحاكمة إلى ضدها. وبدلاً من أن نرى القضاة يحاكمون
الفدائيين، نرى الفدائيين يحاكمون القضاة الذين مثلوا عدالة العصر ورؤية العالم
لينقلب السحر على الساحر.
وأمام اتهام
المحكمة الذي يفجره القضاة بوجود الشباب الأربعة... يعيدنا الشباب الأربعة إلى
الخلف خطفاً بتكثيف الزمن لنرى الدوافع الأولى التي زودتهم بالغضب والحقد.
ليتحولوا إلى مناضلين. بل يدفعوننا للتعاطف معهم كآدميين حرمهم الاحتلال من
ممارسة أبسط ألوان العيش في ظلال بيوتهم في فلسطين.
فنضال أول المتهمين
يروي لهيئة المحكمة كيف اقتاد اليهود أمه وأخاه وأخته في الليل. وذبحوا الطفلين
وبقروا بطن أمه الحامل... بينما هو مختبيء في عب شجرة كالهرة المذعورة. أو
الأرنب الخائف. ومع روايته هذه. يتساءل القضاة: هل يمكن أن يحدث ما رواه هذا
الشاب العربي؟ أم هي حكاية من نسيج خياله... وهل يعقل أن يصدر هذا الفعل (عن
أناس متحضرين مثل الإسرائيليين؟).
فنضال إذن بدأ يهز
ويزعزع الصورة الحضارية التي حولها اليهود إلى قناع مراوغ يختبئون وراءه
ليمارسوا أبشع ألوان الطغيان الذي ترتكب في هذا العصر. ليعلن في نهاية محاكمته
أن اليهود هم (الذين صنعوا مني هذا الفدائي) الذي يقف أماكم الآن. ثم لا يكف عن
إطلاق مخزون ذاكرته من الصور الإجرامية التي يصنعها اليهود على الأرض العربية.
حتى ليهزأ بالمحكمة وقضاتها الذين اتهموه بالإجرام بينما هم يبرئون أو يغمضون
بصائرهم عن جرائم اليهود المتعاقبة والتي لا يستطاع حصرها وعندما يشعر نضال
بأنه أثار غضب القضاة يلجأ إلى غدر هو أشد إثارة من ذكر إساءات اليهود أمام
أصدقائهم الألما:
نضال
: يؤسفني أن
أثرت غضبك سعادة القاضي، ولكن هل لي أن أتساءل عن موقف المحكمة الموقرة من مصرع
المئات في مخيمات الفلسطينيين بلبنان بفعل الطيران الإسرائيلي.
ليجيبه القاضي بشيء
من التردد والارتباك:
القاضي
: ذلك موضوع
آخر.
إن ما فعله نضال مع
القضاة، كان أنْ حاصرهم في موضع الاتهام وبدلاً من أن يدافع عن نفسه، دفعهم
ليبحثوا عن مخرج من مأزق الاتهام.
وفي الفصل الثاني
يحين زمن محاكمة خالد الذي يصر على أن اسم بلدة فلسطين لا إسرائيلي، وأن اللعبة
التي تمارس تحت اسم الديمقراطية تظهر متقنة الصنع والأداء. وهي التي أبعدت
الشعب الفلسطيني عن ممارسة وجوده فوق أرضه. ومن ورائها ترتكب الجرائم.
وخالد من خلال
استجوابه يفضح لعبة اللاسامية وقد أسماها الاسطوانة المشروخة. مبيِّناً لهيئة
المحكمة أن الفلسطنينيين لم يهبطوا من كوكب آخر لتبعدهم السطوة الإعلامية
المضللة عن أصولهم السامية. ويندفع خالد باتجاه القصد أكثر عندما يفند دعاوى
التوراة ويُجِلُّ الله عن أي يُنزل من السماء مثل هذا الضلال المبين.
وكلما ابتدع القضاة
اتهاماً يرده خالد إلى نحورهم حتى يرسم لهم صورة عن قريته كفر قاسم. ويريهم كيف
احتجز الجنود اليهود مجموعة فلاحين عائدين إلى بيوتهم. يطلبون منهم الاتجاه نحو
جدار ويطلقون عليهم النار ببساطة كأنهم يصطادون سرباً من عصافير ساكنة.
وفي الفصل الثالث
تنعقد المحكمة. لتوجه لناصر نفس الأسئلة المدروسة والمخططة وفق الرؤية الغربية
لقضية فلسطين. حاملة نفس التشويه السياسي والفكري والتاريخي لتلك القضية. والتي
يفندها ناصر كمواطن مطرود من وطنه معبَّأ بنفس القهر الذي تعبأ به رفقاؤه
المناضلون. وعندما تلح هيئة القضاة على إلصاق صفة الإرهاب به. ينقل المحكمة إلى
حي قديم في يافا.... ليفرد صفحة من صفحات الإرهاب الذي اتصفت به العنصرية
اليهودية. ويُطلع المحكمة على حادثة شنق لمواطن فلسطيني كان يحمل طلقة مسدس
فارغة. ثم تتدافع الأوراق من ذاكرة ناصر لنشاهد فيها أصلاً من فصول الاحتلال
والقمع بعد التهيؤ الاستعماري والتواطؤ العالمي مع العناصر اليهودية المجتمعة
من بقاع الدنيا.
وإذا وصلنا إلى
نهاية المسرحية نكون قد اطلعنا وعبر المناضلين الماثلين أمام المحكمة الألمانية
على زيف الأساطير اليهودية المفتعلة. وكيف استغل الإعلام الثانية لتثبيت
أقدامهم في فلسطين. ولاستجداء عطف أوروبا وأميركا المهيأ أصلاً لمواكبة
الاحتلال.
ولعل المناضلين
المحاكمين فردوا كل الأوراق التي لملمها روجيه غارودي فيما بعد ليؤلف منها كتبه
المعروفة عن زيف الدعوة اليهودية.
هذا هو الإطار الذي
صيغت ضمنه فصول المسرحية. التي نراها عملاً فنياً ملتزماً لا يقل عن الأعمال
المسرحية العالمية التي تلتزم خطاً فكرياً في عصر التحلل من الالتزام.
الدكتور خالد محيي
الدين البرادعي
الفصل الأول
المشهد الأول
في مدينة ميونيخ:
قاعة فسيحة
الأرجاء. عالية الجدران. على السقوف رسوم هندسية عتيقة. تتصدر القاعة منصّة
تشبه خشبة المسرح. تتوسطها منضدة عالية مستطيلة الشكل.
يجلس إليها ثلاثة
قضاة كهول. عن يمينهم محامي الدفاع، وعن شمال النائب العام. الفدائيون الأربعة
في قفص على الجانب الأيمن، غير بعيد من المنصة. جمهور النظارة، من الجنسين، ومن
أعمار مختلفة يملأ القاعة في مواجهة المنصة”.
القاضي
: بعد أن يسود
الصمت، يتحدث بصوت جهوري عبر ميكروفون
تقوم هذه المحكمة،
أيها السيدات والسادة، بمهمة محاكمة عدد من الإرهابيين قاموا بأعمال إجرامية
فوق الأراضي الألمانية. منتهكين بذلك سيادتها ومتسببّين في الإخلال بالأمن
فضلاً عن إحراج حكومتنا تجاه دولة صديقة. ومما يزيد هذه الجريمة بشاعة قيام
الجناة بها إبّان دورة الألعاب الأولمبية، تجاه رياضيين أبرياء، ينتمون إلى تلك
الدولة الصديقة. نأمل مساعدتكم لنا في مهمتنا بالتزام الصمت واتبّاع النظام.
يصمت قليلاً، ثم
يتوجه ببصره وخطابه إلى من في القفص، عقب إلقاء نظرة على أوراق أمامه)
من منكم هو نضال..
نضال ياسين؟
نضال
: (شاب أسمر.
في منتصف العقد الثالث من العمر. حاد النظرات صارم القسمات)
أنا نضال.. نضال
ياسين..
القاضي
: قل لي كيف
وصلت إلى ميونيخ أيها السيد؟
نضال
: ليس مهماً
كيف وصلت.. المهم أنني وصلت..
القاضي
: عليك أن تجيب
بالتحديد على الأسئلة الموجهة إليك.. هاه.. كيف أتيت إلى ميونيخ؟ ومتى..؟
نضال
: ألا ترى يا
سيادة القاضي، أنك أخيراً سوف تخرج بالنتيجة ذاتها. ألا وهي أنني وصلت ميونيخ..
وهذا هو المهم.. فما أهمية كيف ومتى؟؟
القاضي
: من ذا الذي
يسأل أيها السيد.. أنا أم أنت؟
نضال
: حسناً.. لنقل
بالسيارة.. أو سيراً على الأقدام.. أو..
القاضي
: (متأففاً،
ولكن كمن يحاول أن يتحلى بالصبر)
كم من الزمن
استغرقت الرحلة؟
نضال
: (يصمت برهة..
تشرد نظراته بعيداً.. ثم يحدّق فيمن على المنصة)
استغرقت الرحلة، يا
سادة، عمري كله..
ينظر أعضاء هيئة
المحكمة بعضهم إلى بعض في دهشة. كذلك يفعل النائب العام، ومعظم النظارة في
القاعة)
القاضي
: هل تسخر منّا
أيها السيّد؟
نضال
: أبداً.. هذه
هي الحقيقة.. وإن شئت الدقة.. فهي ربع قرن من الزمان..!
القاضي
: (مشيراً
بكلتا يديه تعبيراً عن استهزائه)
لو لم تكن سوى
سلحفاة لوصلت في ربع هذه المدة..!
ضحك مكتوم في
القاعة. وابتهاج على وجه النائب العام)
نضال
: ما ذنبي إذن،
إذا كنتم تصرّون على ألا تعرفوا الحقيقة؟
القاضي
: ما دمت
حريصاً على قول الحقيقة. قل لنا من هم بقية أفراد العصابة.
نضال
: هم مناضلون..
وليسوا عصابة..
القاضي
: (بسخرية)
لعلهم ملائكة إذن..!
نضال
: هم بشر وحسب.
هم أصحاب وطن يطالبون به ويعملون من أجل استعادته.
القاضي
: حسناً..
حسناً.. قل لي من هم وحسب.. أسماؤهم.. أعدادهم..
نضال
: هم شعب بلادي
بأسره..
همهمة في القاعة..
حركات تنم عن الاستياء لدى هيئة المحكمة)
القاضي
: (يطرق على
المنصة.. ثم بنبرة غاضبة)
يا لك من ماكر..
كلكم هكذا..!
نضال
: حبذا لو أعرف
كيف توصلتم إلى هذه الحقيقة..! كنت أحسب أن هذه محاكمتي بمفردي ولم أكن أعلم أن
من صلاحياتكم محاكمة شعب بلادي.. غيابياً أيضاً..
محامي الدفاع
: (يستأذن
للكلام)
سيدي القاضي. لا
أعتقد أنه من صلاحيات محكمتكم الموقرة محاكمة أحد سوى المتهم الواقف أمامها..
ورفاقه..
القاضي
: (في حدّة)
المحكمة تعرف جيداً حدود صلاحياتها.
ثم موجّهاً كلامه
إلى نضال) تكلم أنت..
نضال
: ولكن ألا
ترى، يا سيدي، أنك لا تتيح لي فرصة للكلام..؟
القاضي
: أنت الذي لا
يريد أن يتكلم.. أنت تراوغ.. تضيع الوقت دون جدوى.
نضال
: وقت من هذا
الذي أضيعه، يا سيادة القاضي؟
القاضي
: وقتنا بالطبع..
نضال
: وقتكم
بالطبع.! أما وقتنا نحن فضائع منذ خمس وعشرين سنة. ولكن لا إنه لم يكن ضائعاً.
كنا نَُصنّعْ.. نتكوّن.. نتشكلّ، في ذلك الوقت الذي حبستموه ضَياعاً لنا،،
ونسياناً لقضيتنا..
القاضي
: (ينظر إلى
زميله مستغرباً) يتصرّف وكأنه هو الذي يحاكمنا..!
نضال
: لو كانت هناك
عدالة على وجه هذه الأرض لكان ذلك هو الأجدر أن يحدث..!
القاضي
: (حانقاً)
أحذرك يا هذا من التمادي في أسلوبك هذا أمام هذه المحكمة.
نضال
: (مقاطعاً
وبسخرية) الموقرة.. المحكمة الموقرة..!
القاضي
: يمكنك أن
تتكلم الآن
نضال
: هل تريدني
حقاً أن أتكلم؟ وأن أقول ما أريد قوله؟
القاضي
: (ينظر إلى
الجمهور مستنجداً) أتسمعون..؟ أتسمعون بحق الشيطان..؟
نضال
: إذن عليك أن
تسمعني.. وبصبر يا سيدي.. ببعض من التضحية من وقتك.. أعني وقت المحكمة النفيس..!
القاضي
: برافو.. ها
أنتذا تعرف أن وقت المحكمة لا يسمح بالكثير من الإسهاب.. وأن صبرنا سوف ينفد،
بلا شك، قبل أن تفرغ من سرد حكايتك..
نضال
: هي ليست
حكاية.. أولاً..
القاضي
: (في حنق
شديد) وثانياً.. وثالثاً.. ورابعاً.. وعاشراً.
نضال
: (بإصرار
وكأنه لم يسمع) هي ليست حكاية. إنها..
القاضي
: (مقاطعاً) ما
هي إذن؟ قل ما هي أيها السيد؟
نضال
: هي مأساة..
تسمونها أنتم تراجيديا.. دونها كل ما ورد في آدابكم منذ الإغريق وحتى يومنا هذا..
القاضي
: (يضحك في
سخرية) أسمعتم..؟ إنهم يعرفون التراجيديا وآداب الإغريق..! أليس عجيباً هذا
حقاً..؟
نضال
: (متجاهلاً
سخريته ومتابعاً) هي ملحمة أيضاً.. دونها الالياذة والأوديسّا..
القاضي
: (يضرب كفاً
بكف) ويعرف الأوديسا والالياذة.. ثم يجيء ليقتل..!
نضال
: معذرة، يا
سيادة القاضي، إذا كان ذلك تطفلاً على آدابكم.. وآمل ألا يسجل ذلك في لائحة
الاتهام ضدي بتهمة السطو..
!
القاضي
: ألا ترى أيها
السيد بأن صبرنا يجب أن ينفد..؟
نضال
: ألا ترون إذن
أيها السادة، أن لنا العذر في أن صبرنا قد نفد فعلاً، فلجأنا إلى الوسيلة
الوحيدة التي بقيت أمامنا، بعد أن أصممتم آذانكم عن سماع أصواتنا.. ونحن عشنا
زمناً وما زلنا نعيش أحداث القصة التي يضايقكم سماعها (مجرد سماعها) ولدقائق
معدودة.. أجل لقد عشناها ربع قرن بأكمله.. بكل مرارتها.. وأحزانها.. وو.
القاضي
: (مقاطعاً) لا
تقل لي أنك تنوي أن تتحفنا بالحديث عن تفاصيل ربع قرنك هذا..!؟
نضال
: لست أطمع في
كرم، إلى هذا الحد، يصدر عنكم.
القاضي
: نحن نعرف هذه
القصة القديمة على أية حال.
نضال
: بل أنتم
تجهلونها تماماً..!
القاضي
: قرأنا عنها
مجلدات.. وملفات.. وتقارير..
نضال
: كل الذي
قرأتم عنها.. لم يكن عنها.. ذاك هو الوقت الذي أضعتم سدى..!
القاضي
: ماذا تعني
بقولك هذا؟
نضال
: أعني أن ما
كتب عنها لم يكن عنها إطلاقاً..!
القاضي
: أهي أحجية؟
نضال
: ألا تقولون
أن للعملة وجهين..!
القاضي
:...
نضال
: وجه واحد هو
ما رأيتم.. الوجه الصدئ المطموس.. المشوّه.. أما الوجه الآخر.. الواضح
المعالم.. وجه الحقيقة فذلك ما لا علم لكم به.
القاضي
: قلت لك يا
هذا، أننا نعرفها.. مثل ما تعرفونها أنتم.. إن لم يكن أكثر..
نضال
: هذا أسوأ،
على فرض صحته. إذ أنتم تعرفونها، ثم تقفون منا هذه المواقف المتحيزة.
القاضي
: ينبغي أن
تحسن ظنك بالمحكمة أيها الشاب..
نضال
: حسن ظننا يا
سيدي، هو الذي أوقعنا دائماً في حبائل الشر ومكائد الأشرار..
القاضي
: من تقصد؟
نضال
: لو لم نحسن
الظن بكم -مثلاً- لما كنا وقعنا في هذا الموقف. كل شيء كان مرسوماً بإحكام من
قبلكم للغدر بنا. وطوال الوقت الذي كنا نتحلى فيه بسوء الظن فيمن حولنا، كانت
الأمور تسير على نحو جيد. ولكن فقط، وللتو وقعنافيما وقعنا فيه من شراك غادرة
لحظة أحسنَّا فيها ظننا.. ثم كان ما كان.
القاضي
: ها أنتذا
تعترف..!
نضال
: أعترف بماذا؟
القاضي
: بأنك ارتكبت
جريمتك النكراء عن سابق عمد وإصرار.. أنت مجرم خطير..!
نضال
: (ساخراً
ومطلقاً قهقهة عالية) أليس مضحكاً هذا الإستنتاج يا سيدي؟
القاضي
: إنه استنتاج
في محله يا هذا..
نضال
: صدقني، يا
سيدي، أنني لم أحرق إنساناً في فرن للغاز..!
القاضي
: أتُعرَض
بالمحكمة وبالشعب الألماني أيضاً؟
نضال
: هم يقولون
ذلك. أصحاب الشأن.. أصدقاؤكم.. يصدقون أويكذبون، لا أدري... على أية حال لم نكن
نحن طرفاً في هذا....
القاضي
: ولكن ذلك حدث
في العهد النازي.
نضال
: يسعدني أن
المحكمة تعرف تاريخها جيّداً!
القاضي
: ونحن ندين
ذلك العهد.
نضال
: وما جدوى
ذلك؟ نحن خير من يعرف جدوى الإدانة والشجب والإستنكار.. فهذه جميعاً لم توقف
الجاني يوماً عن مواصلة ممارساته الإجرامية.
القاضي
: هذا شأنكم
أنتم..
نضال
: بلى والعالم
معنا. لقد مكثنا ربع قرن.. ومعنا أشقاؤنا.. بل معنا أصدقاء كثيرون في هذا
العالم يفعلون الشيء ذاته.. ثم ماذا.. ها نحن هنا الآن كي نخضع لعملية ابتزاز
ظالمة من جديد..
القاضي
: لا تحسبنَّ
العدالة تعفي الجناة، أو تغفر لهم ما صنعت أيديهم.
نضال
: ولكن ها هم
يسرحون ويمرحون.. يملأون الدنيا عربدة وفجوراً، ويقترفون المزيد من الخطايا
والجرائم.. فأين الحساب؟ بل أنت تشدون أزرهم.. وتواصلون دعمكم لهم..
القاضي
: يبدو لي أنك
تنسى أين تقف الآن.. أنت هنا لست إلا إرهابياً..
نضال
: ولكني لم
أبقر بطن امرأة..
القاضي
: إنك لقاتل..!
هل تنكر ذلك؟
نضال
: لم يحدث أن
ذبحت طفلاً في حضن أمه مثل ما فعلوا ويفعلون بنا دوماً..
القاضي
: بل تفعل لو
أتيحت لك الفرصة.
نضال
: هي إذن مسألة
فرص متاحة..
القاضي
: ولم تُضعها
أنت حينما سنحت لك..
نضال
: لقد بكيت في
أول مرة ذبحت فيها أرنباً..
القاضي
: تبكي حين
تذبح أرنباً.. ولا تهتز شعرة في جسدك وأنت تقتل إنساناً متحضراً.
نضال
: وكيف عرفت،
يا سيدي، أن تلك الشعرة اهتزت أو لم تهتز..؟
القاضي
: أنا واثق من
ذلك.. كثقتي بأنكم قتلتم الرياضيين عن عمد..
النائب العام
: (يهب واقفاً
بانفعال) ولهذا أطالب بإيقاع العقوبة القصوى على الجناة..
نضال
: يبدو أنكم
تتناسون كيف حدث ذلك.. ولم يمض عليه زمن طويل يبرر نسيانه..
أما نحن فلن ننسى
كيف حدث التواطؤ لأننا نحن الذين ندفع الثمن..
القاضي
: ألا تجلس
مكاني يا هذا؟ يبدو وكأنه هو الذي يحاكمنا.
نضال
: حبَّذا..!
القاضي
: (ناظراً إلى
الجمهور في استهجان) هل شهد أحد منكم مثل هذه الوقاحة..؟
فتاة تهب لتقول
بصوت غاضب)
الفتاة
: ولكنكم، يا
حضرات القضاة لا تعطون الشاب فرصة ليقول شيئاً (ينهض النائب العام- وفي ذات
اللحظة يطرق القاضي على المنضدة عدة مرات ليسكت الجلبة التي نشأت في القاعة..
وتكاد تحدث مشاجرة بين مؤيد للفتاة ومعارض)
القاضي
: (بصوت مرتفع
عبر الميكروفون) صمتاً.. صمتاً.. أرجو المحافظة على النظام والتزام الهدوء..
لنستأنف إجراءات المحكمة حسب القوانين المرعية.
ثم ينظر إلى عضو
اليمين متسائلاً) أين وصلنا؟
النائب العام
: (يتكلم دون
أن يُسأل) قلت يا سيدي للمتهم (إنها وقاحة..) وهذا صحيح تماماً..!
نضال
: (لا يبد عليه
أنه فقد هدوءه.. ولكن الألم يتزايد في نبرات صوته)
هي وقاحة حقاً..
ولكن حسب مفاهيمكم المغلوطة، ومدنيّتكم الزائفة. أنتم مثلاً، يا سيدي، تعتذرون
بأرق عبارة إذا لمس أحدكم طرف رداء آخر عن غير قصد.. ثم أنتم أنفسكم، في موقف
آخر، تمزقون إنساناً مستضعفاً بالحراب.. بالرصاص.. لا لشيء إلا لأنه لا يملك
قوة الرد. حضارتكم تسمح بإبادة مدينة بأسرها بما ومن فيها.. هيروشيما.. نجازاكي..
ألا تذكرون..؟ حدث ذلك.. أبيدت المدينتان عن بكرة أبيهما وفي اللحظة ذاتها كان
(ترومان) الآمر بقصفهما يتناول إفطاره (الحضاري) وبالطريقة الحضارية.. بالشوكة
والسكين.. بل وهو يتحسس ربطة عنقه ليطمئن إلى أنها في مكانها الصحيح.. وشكلها
الملائم.. أليست هذه حضارتكم..؟ أليست...
القاضي
: (مقاطعاً
بصوت غاضب) أنت تتكلم ليس بوقاحة فقط.. ولكن بجرأة غريبة تستحق عليها.. آ آ..
(ثم يقطع حديثه فجأة وينفخ غيظاً)
نضال
: عذراً يا
سادة فأنا لم أتعلَّم أسلوب حضارتكم في استعمال الكلمات المنمقة.. أعني
المنافقة..!
القاضي
: أنت لست
خائفاً إذن.. أنت لا تخشى عاقبة ما أقدمت عليه.. أليس كذلك؟
نضال
: (ضاحكاً) من
يعرف الخوف لا يحظى بشرف الوقوف هنا. أيها السادة..
القاضي
: (في غيظ) إذن
هو شرف لك أن تقف هنا.. في قفص الإتهام..
نضال
: من وجهة نظر
محددة.. نعم..
النائب العام
: إذا سمحت لي
المحكمة الموقرة الإدلاء بما أرى بشأنه.
القاضي
: (بتودد زائد)
ليتفضل النائب العام.. تفضل يا سيد جاكوب..
النائب العام
: هذا المتهم
الماثل أمامكم ما فتئ يراوغ ويراوغ، في محاولة بارعة للسخرية من هيئة المحكمة
الموقرة. كما أنه يحاول أن يتخذ من هذا المنبر الحرّ وسيلة للدعاية لنفسه
(أولاً) ثم لقضية عفا عليها الزمن، وينبغي أن يسدل عليها ستار النسيان إذ هو
يتحدث عن شعب لم يعد له وجود. وهو (ثانياً) يتكلم وكأنه ندّ للسادة أعضاء هيئة
المحكمة.. يحاورهم ويداورهم ليس كمتهم يقف أمامها ليقدم حساباً عن جريمته. ثم
هو (ثالثاً) يتحدث دون شعور بالمسؤولية أو إحساس بالذنب نحو الجريمة التي
اقترفت يداه، مع عصابته الإرهابية بحق أبرياء لا ذنب لهم. رياضيون.. مجرد
رياضيين، أيها السادة..
متابعاً بطريقة
تمثيلية وكأنه يوشك على البكاء.. وبصوت متهدّج) جاؤوا إلى هذا المكان من أرض
الميعاد لكي يسهموا في مجهود حضاري (يشدد على هذه الكلمة حضاري) رفيع.. الألعاب
الأولمبية.. تصوروا الألعاب الأولمبية..!
لقد أقدم هذا
وزمرته على فعلتهم النكراء، غير عابئين بما يؤدي إليه ذلك من تكدير وتعكير لصفو
الملايين من شعوب أوروبا وأمريكا، وإفساد لحظات المتعة والسعادة التي كانوا
ينعمون بها أمام أجهزة التلفزيون في أسرَّتهم الوثيرة. جاءوا وكأنهم القدر
الصاعق على غير انتظار، فقلبوا سعادة الملايين إلى كدر حقيقي. فيما لقي أبناؤنا
حتفهم. لذلك كله أرى أن تعمد المحكمة المبجلة إلى إسكات هذه المحاولات
الطائشة.. بل وعدم السماح للمتهم بالكلام أصلاً، وليصدر الحكم العادل بحقه.
أعضاء المحكمة
يهزون رؤوسهم بالموافقة والإعجاب فيما هو يجلس في مكانه. ترمقه نظرات الجمهور
بين مستحسن ومستهجن)
محامي الدفاع
: (يستأذن ليرد
على النائب العام)؟
أرجو أن تلاحظ
محكمتكم الموقرة أن النيابة العامة تحاول تضليلها. كما أنها، هذه النيابة
العامة تفعل تماماً ما اتهمت موكلي، افتراء بفعله. فهي التي عمدت، في الواقع،
إلى اتخاذ منبر المحكمة وسيلة لبث دعاية صهيونية مضللة. وذلك واضح تماماً في
طرحها لمفاهيم مغلوطة، لا أساس لها من الصحة، ولا سند لها من الواقع والحقيقة.
كقولها بأن موكلي يتحدث عن شعب لا وجود له. فإذا كان هذا صحيحاً فمن تحاكمون
إذن، ولمن ينتمي هذا الكائن الواقف أمامكم ورفاقه؟ هل هبط علينا من كوكب المريخ
أو عطارد. أم تراه جاء من العدم، خلافاً لنظرية (لافوازيه). وإذا لم يكن شعب
فلسطين موجوداً، فكيف أمكن أن نكون في هذا المكان، وأن تكون هذه المحكمة
والأسباب المنعقدة من أجلها قائمة..؟ وأما (كدر) الملايين أيها السادة، وأما
(السعادة) التي قطعت على أصحاب (السعادة) فتلك أمور لا شأن لهذه المحكمة
ببحثها، ولا للنيابة العامة حق التعرض لها. وإذا كان لا بد من الخوض في أمور
كهذه، فلنقل بأن (سعادة) تلك الملايين التي قطعت للحظات يقابلها (شقاء) متصل
لملايين أخرى تعيش مأساة رهيبة منذ سنين عديدة. وإذا كانت الملايين السعيدة لا
تأبه لشقاء الملايين التعيسة، فكيف يتأتى لنا أن نطالب هذه الأخيرة بدورها، أن
تأبه لسعادة غيرها..؟ لماذا يجب أن يهمها ذلك؟ ألا ترون أنها معادلة صعبة؟ وإذا
كنتم، أيها السادة بحاجة إلى شواهد من وسط (حضاري) لا تملكون إنكار قيمته
الحضارية، لأنه أحد معالمها فذلك هو المؤرخ “تويبني” الذي يقول بأن على كل فرد
غربي أن يكون مستعداً لدفع قطرات من دمه، تكفيراً عما لحق بالفلسطينين من غبن
وأذى، لأنه -ذلك الغربي- ينتمي إلى الأمم التي أسهمت في صنع مأساتهم. وهو لم
يصنع شيئاً ولو برفع صوته استنكاراً.
أجل أيها السادة.
إن أولئك الذين استهجنوا أن تقطع عليهم متعتهم للحظات، هم أنفسهم الذين تجاهلوا
شقاء أولئك دهراً بطوله، ناهيكم عمن أسهم في صنعه من بينهم.
يتريث قليلاً
فيبادره القاضي:)
القاضي
: هل قلتم كل
ما عندكم؟
محامي الدفاع
: هناك الكثير
مما أود قوله حول الأمور الأخرى التي تعرّض لها حضرة النائب العام، لكني لن
أفعل فقد سبق الحديث فيها. غير أني أرجو لفت أنظاركم، والجمهور هنا (ملتفتاً
نحو الجمهور مشيراً بيديه) أيضاً في مغزى طلبه منع موكلي من الكلام.. مجرد
الكلام. فهذا مؤشر واضح على مدى تحقق الديمقراطية وشيوع الحرية في بلاد الحضارة
الغربية..!
ما إن يجلس حتى يهب
عدد من الحضور منددين بطلب النائب العام، مطالبين بحرية الكلام للجميع. عندئذ
يقف آخرون، ولكنهم قلة، مؤيدين مطلب النائب العام).
القاضي
: (يطالب
بالصمت والتقيد بالنظام) أطالب السيد محامي الدفاع بالتزام الموضوعية، وعدم
إثارة قضايا جانبية كالتي تحدث عنها. كما لا بد أن أعلن أننا لا نوافق على ما
ذهب إليه بشأن الحرية والديمقراطية والحضارة الغربية.
يصمت قليلاً. يتحدث
إلى زميله على المنصة همساً)
ثم موجهاً كلامه
إلى نضال)
أعتقد أنه من
الأجدر بنا ألا نضيع مزيداً من الوقت فيما لا طائل وراءه.. والآن تكلم أيها
السيد في الوقائع الأخيرة لما جرى هنا..
نضال
: سأتكلم..
ولكن من البداية. أي عما سبق الأحداث الأخيرة. فهذه الأحداث حصاد ذلك الزرع.
القاضي |