الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | الرعاية والإعلان | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

محجوز لدار نشر

أوربية كبرى

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 11/09/2008

إلى صفحة الكاتبة

المسرح

مسرحية حلم السنين

 

الفصل الثالث م2

الفصل الثالث م1

الفصل الثاني م2

الفصل الثاني م1

الفصل الأول م1

 

  

بقلم الكاتب: سلوى بكر

 حلم السنين

الشخصيات 

مكرع - الأمير - شاد -  العمائر - عسكر -  حاجب -  جواري -  عرافة -  وزير -  سلطان

 

 

 

الفصل الأول  المشهد الأول

 

 

قاعة عرش شرقية قديمة، لا تنم عن فترة تاريخية محددة، اللهم إلا أنها قروسطية، الأثاث والديكور خليط من طرزعربية وفارسية وهندية وصينية، الاتفاق الوحيد فيها هو إيحائها بالغنى والهيمنة والجبروت.

 

السلطان بين حاشيته وحراسه. الوزير يبدو في حالة ترجٍ وتوسل، بينما السلطان في حال من الغضب والهياج.

 

السلطان :  قلت لك ألف مرة أيها الوزير إني لا أريد مزيداً من العرافين والمنجمين. لقد سئمت كل هذه الأكاذيب والترهات. عشر سنوات مضت. استقبلت خلالها عدداً لا يحصى من هؤلاء الدجالين المهرجين دون جدوى. بت كالظمآن المهرول وراء سراب في الصحراء، هنا وهناك، ولا يجد ما يرويه. لقد سئمت أوهام التنبؤات، وشعوذة السحرة، وتمائم الكاهنات. وأنت أيها الوزير عليك أن تسأم من كل هذا وتكف عنه. كم ديكاً أسود بنقطة بيضاء بحثت عنه بنفسك وجلبته من بلاد الواق واق دون جدوى؟ كم أهدرنا من دماء الخراف البيضاء التي لا تمأمىء، والماعزات السوداء اليتيمة؟ هه؟ ( يضحك بسخرية(  .  

 

كله، إلا ذلك الساحر الذي طلب مرة دجاجة فريدة عمياء. أجل.. دجاجة عمياء طلبها ذلك الخبيث. لا.. لا أيها الوزير. كفّ عن هذا. لا أريد مزيداً من التنبؤات تلهب جذوة النار المستعرة في ذرى آمالي، وتكون كالريح العاصفة بجنون أشواقي وأحلامي. أنا لا أريد إلا أمراً واحداً الآن. حقيقة واضحة مجسّدة أمام ناظري. طفل أتحسسه وألمسه وأشمه... أشم رائحة شعره، وألمس أسيل خده وأضمه الى صدري. لقد أكلني الانتظارأيها الوزيروعيل صبري. أشعر أنني على وشك الجنون أو الانفجار. كلما فكرت في كل هذا الملك والسلطان. كلما فكرت في تلك السماوات العالية الممتدة بلا نهاية فوقي، والتي حدودها هي حدود سلطنتي، كل هذه الأنهار الجاريات، وهذا الماء الدافق الجم وقد جرى من تحت عرشي. أنا المالك، الآمر، الناهي، المنتقم، الجبار، المذل، قاهر ملوك الأرض ومعفّر جباههم في التراب، الفاتح الأعظم، الصقر الخاطف، والريح العاصف، أسد البرية، وسيد البشرية، كما ألقب في كل مكان. أنا الوحيد دون عباد الله في كل الأرض، أصبح بلا ولد. بلا وريث يرث الملك بعدي، ويحمل اسمي ويخلد ذكر سلطاني ومجدي. لا ولد يحفظ ما أمتلك من بلاد تمتد من عند النهر الأصفر ببلاد الصين البعيدة، وحتى ما حول بحر الظلمات الأعظم.لا..لا أيها الوزير. كفى. أصمت ولا تحدثني عن كهنة وسحرةوعرافين. أريد طفلاً، طفلاًيخرج من صلبي ويقبض بيده على الصولجان بعدي، ويتكلل رأسه بتاج ملكي الفريد.. التاج الذهبي ذو الياقوتة العجيبة. الياقوتة الحمراء التي ما كانت لتتوج رأسي إلا بكل ذلك الدم الذي سفحته والذل الذي فرضته.لا...لا.. إ-هب عني أيها الوزير، لقد ودعت عظيم الآمال، ودفنت ما لديّ من أحلام. لا أريد بعد اليوم مزيداً من الأوهام، وقد تعلّقت بما يكفي بحبال العنكبوت الواهية،وتمرمت نفسي بالفشل والخيبة مرة إثر مرة..أسكت أيها الوزير.. أسكت واذهب عني الآن

)يطرق في الأرض، ويعود الى عرشه ليرتمي عليه كالمهزوم، بعدما كان يجول في القاعة كالمجنون، وكأنما يخاطب نفسه دون الوزير)

 

الوزير :  (بعد تأمل وصمت) ولكن هذي العجوز الموجودة لدينا الآن، أتت من وراء الجبال البعيدة يا مولاي. تقول أنها سارت سنة بكاملها، قطعت خلالها آلاف الفراسخ والأميال، وتعرضت لما لا يحصى من الأهوال، حتى أنها رأت أثناء رحلتها وبأم عينيها الغول والعنقاء. وها هي الآن، بعد أن ظلت شهوراً تنتظرعند أبواب المدينة تقول أنها لا ترغب إلا في المثول بين يديك،لا تريد هبة أو عطية أو مجداً من وراء هذا، لقد أتيت بها الآن يا مولاي وألح عليك يا سيدي أن تراها، لأني أخشى أن تموت فهي مريضة جداً، والموت يراودها بين الحين والحين، وربما قطفنا من كلماتها ثمرة رجائنا الطويل. ولعلنا ندق ذات يوم- بعد ذلك – في كل السلطنة كؤوسات البشارة والفرح.

 

السلطان :  كؤوسات البشارة.. كؤوسات البشارة. آه أيها الوزير. كم تقت الى سماعها وهي تنبىء في كل أنحاء السلطنة بميلاد ولى عهدي. كم تقت الى تنشيف أذني بدقاتها السارة، لترقص على إيقاعاتها دقات قلبي. آه. إنها تبدو لي كحُلم مستحيل لا يتحقق أبداً، إنها كلؤلؤ الأغوارالسحيقة، وذهب السماء البعيد. لا..كفى.. كفى أيها الوزيرلا تدغدغ مشاعري بمثل هذا الكلام، لا تمنّ نفسي بما لن يحدث أبداً . لقد كرهت "ربما"، و"علّنا"، مثلما سئمت كل تلك العقاقير والدهانات والأشربة التي طالما تجرعتها بحثاً عن المستحيل. حتى الشهد المصفى مللت شربه مع الماء الزلال عند كل صباح لأنه دواء. الآن إذهب أيها الوزير. إذهب واتركني في الحال. (يصفق بيديه) هاتوا الشراب..الآن أريد الشراب.. أريد خمراً..خمراً فقط يهدىء روحي.. ولا شيىء آخر الآن

الوزير :  مولاي، أتوسل إليك يا سيدي.. الأمر لن يستغرق أكثر من بضعة دقائق. فقط دقائق معدودة لا غير، نستمع خلالها الى العرافة وينتهي كل شيىء.. إنها - وكما تقول- سوف تنبئنا نبوءة قصيرة مقتضبة، ولن تطلب خرافاً فريدة لا تموء، أو ديوكاً خارقة لا تصيح، أو معزاة سوداء بثلاثة عيون. مولاي إأذن لها بالدخول. أرجوك وأتوسل إليك يا حبة عيني. لأجل خاطري هذه المرة. لأجل وزيرك المسكين المتفاني في خدمتك وخدمة عرشك والسلطنة. ضعني في الدهن واللبد، وارم بي عند حارق الصحراوات وأكثرها قسوة وسخانة حتى يأكلني الدود إن شئت، وإن لم يعجبك الأمر هذى المرة

)ينحني الوزير على الأرض. يقبل الأرض بين قدمي السلطان ويبكي (

 

)يطرق السلطان برأسه قليلاً. يبدو كأنه يفكر(

 

السلطان :  إنهض. إنهض أيها الوزير الوفي. قلبي تقطع من بكائك. هاتوا له شربة مياه يشربها. ورشوا عليه رشة عطر. لاداعي لكل هذا، فلتدخل العجوز لنراها، ولتمثل بين أيدينا

الحاجب :  (يصيح) فلتدخل في التو والحال عرافة الجبال البعيدة

يفتح باب القاعة، وتدخل منه عجوز متهالكة، مشعثة، ذات نظرات قوية، تبدو غير مبالية بكل الأبهة والعظمة السلطانية، تجول بعينيها في المكان. تتحرك ببطىء، وتقف أمام أول جندي يقابلها عند الباب من حراس السلطان

العرافة :  (للجندي) سلام عليك أيها السلطان العظيم

الجندي :  (مصدوماً) .. حاشا.. حاشا أيتها المرأة. أنا جندي. بيدق مسكين، ولست جلالة السلطان

العرافة :  (تتأمله بتمعن) ولماذا أنت لست السلطان؟ ما الذي يمنع. لا تنقصك رجل أو يد أو عين. هه؟ تبدو شاباً موفورالصحة. وجهك مليح وشاربك وذقنك لا بأس بهما. ثم إن ملابسك جيدة ولديك سلاح. لا. أنت السلطان لكنك تهزر معي. سلام عليك أيها السلطان...

 

الوزير يقاطعها بسرعة وقد بدا في حالة شديدة من الارتباك )

 

الوزير :  تعالي هنا .. تعالي هنا أيتها العجوز الخرقاء، هذا جندي حارس. محض حارس، هل عميت؟! مولاي هنا.. تعالي هنا.

 

العرافة : طيب.. طيب أيها الخادم.. إنتظرني، سآتي إليك حتى تقدمني لسيدك. ولكن كن مهذباً. لا داعي لأن تتفوه بكلمات تعبر عن أصلك ومنشئك الوضيع.. ياه، المكان واسع جداً، يبدو أنني سأسير كثيراً وتتعب قدماي.

 

تتوجه الى الوزير

هلا جئت أيها الخادم وحملتني، ألا ترى أنني عجوزولا أستطيع المشي طويلاً.. ألا تسدي لأمك العجوز معروفا ًوتوفر علي المشقة والعناء.

 

الوزير :  خسئت أيتها العجوز. أنا الوزير. احترمي نفسك وإلا مسحت بك الأرض، وقطعت خبرك من الوجود.

 

العرافة :  قطيعة تقطعك.. أنت لا تستطيع أن تمس شعرة واحدة من رأسي (تضحك) لأني صلعاء تماماً، ثم إني ذاهبة الى السلطان، مالك ومالي؟ تكون وزيراً أو خادماً، ما الفرق؟! كله ارتزاق، وكل الناس تعرف ما معنى الوزير، ما هو الوزير! (تلتفت الى الجندي) . قل له ما معنى الوزير!. 

الوزير :  (مقاطعاً) إخرسي.. إخرسي أيتها المرأة. وتقدمي بسرعة الآن

يذهب إليها ويمسك بيدها محاولاُ حثها على المشى بسرعة لتمثل أمام عرش السلطان

 

العرافة :  بالراحة.. بالراحة، أنا لا أستطيع السير بسرعة. ثم لا تلمسني.. لا أحب أن تلمسني يدك القذرة هذه.

 

تدفع يده بعيداً.. وتتحرك ببطء حتى تصل الى عرش السلطان ).

 

تتأمل السلطان لحظات، تتأمل التاج والكرسي المذهب والصولجان ).

 

تاجك جميل جداً أيها السلطان. لكني أظن أني رأيته ذات مرة منذ سنوات في مكان ما. (تحاول التذكر آه، ربما في تلك المعركة الشنيعة عند النهر الأصفرببلاد الصين، رأيت رجلاً ممدداً على الأرض، وقد خرج قلبه من صدره وإلى جانبه تاج يشبه هذا بالضبط،وقد تعفر بالتراب، وتلوث بالدماء.. آه ما أبشع هذا.

 

السلطان، يبدو عليه الغضب والارتباك، بينما يفغر الجميع أفواههم، أما الوزير فيصيح بغضب وغيظ ).

 

الوزير :  إخرسي.. إخرسي أيتها العرافة.. قولي مقالتك وإلا أمرت بدق عنقك هنا..هنا والله في الحال، ولكن قبل كل شىء، أنحني فوراً وقبلي الأرض بين يدي سيدك ومولاك.. ألصقي جبهتك بالأرض طويلاًوأظهري خشوعك وذلتك أيتها الشمطاء الحقيرة فوراً

العرافة :  يا لك من رجل زرب اللسان،عديم النظر تطلب مني الانحناء، ولا ترى كم هو محني ظهري، ألا يكفيك كل هذا الانحناء، إن أمثالي لا ينحنون مرة واحدة. نحن نتربى ونتعود كل يوم، ومنذ مولدنا على الانحناء، القهر والذل والجوع، لا تمنحنا لحظة واحدة كي نرفع رؤوسنا وننتصب. ثم هلا سكت قليلاً فلم تقاطعني حتى أقول قولي، وأتمم عملي الذي قطعت كل هذه المسافات لأجله.  

 

تتوجه الى السلطان، بعد أن تجلس وتتربع أمامه على الأرض )

 

هل يمكن أن تأمر لي بكوب من الشاي بالحليب المحلى بالعسل الخفيف حتى أشربه؟ لقد عكّر هذا الرجل دمي.. أرجوك أخرسه،واأمره ألا يقاطعني أو يتحدث أثناء كلامي.

 

السلطان :  (يكظم غيظه ويبتسم) هاتوا لها ما طلبت، أما أنت أيها الوزير فلتسكت قليلاً حتى نسمعها وننتهي

العرافة :  سلام عليك أيها الغلبان

الوزير :  السلطان يا حمارة.

 

العرافة :  آه.. أقصد السلطان. نسيت. يحدث لي ذلك عندما لا أفطر لقد جئت بسرعة ولم أفطر. سوف آكل شيئاً.

 

)تخرج من خُرجها بعض البقسماط الأسود الجاف وتبدأ في التهامه (

 

السلطان :  ألا ترين أن هذا الخبز الجاف قاس جداً على أسنانك! سآمر لك بشىء طري تأكلينه.

 

العرافة :  لا تقلق يا سيدي، لا أسنان لدي، سقطت كلها منذ زمن بعيد، في الحقيقة أنا لا أعرف طعم الأشياء الطرية.. لم أتذوقها أبداً، وأخشى أن تعافها نفسي إذا بلعتها، فأسترجعها ويحدث ما لا تُحمد عقباه في حضرتكم. إطمئن يا مولاي، أنا أقضم اللقمة وأضعها في فمي وأضغط عليها بدراديري حتى تذوب.. دعك من هذا.

 

الوزير :  إذن. ادخلي في الموضوع، قولي بسرعة ما لديك فلقد سئمنا ثرثرتك التي لا لزوم لها

السلطان :  قلت لك اسكت. اسكت الآن.

 

العرافة :  سلام عليك أيها السلطان من صاحبة الشطارة، وسيدة البشارة، عرافة الجبال البعيدة التي لا يطأها إنس ولا جان، ولا يملكها ملك أو سلطان.

 

السلطان :  (مقاطعاً) فكّرني يا وزير، نروح ونشوفها مرة، ولو أعجبتنا يبقى...

 

الوزيــر :  طبعاً طبعاً يا مولاي. لكن دعنا نخلص من موضوعنا أولاً.

 

العرافة :  والله مهما عملتم كان غيركم أشطر. نقبكم على شونة. مالكم ومال الجبال البعيدة! كله عاوزينه! كل حاجة عاوزين تبلعوها في كرشكم؟

 

الوزير :  تهذّبي واخرسي.. لن نحتمل هذا منك طويلاً . كل شىء وله حدود أيتها الحمقاء ما شأنك بهذا؟! السلطان يوجه لي الكلام. لا تتدخلي في كلامنا. هذه مسائل عليا. أمن دولة ممنوع أن تتدخلي فيها.

 

السلطان :  أسكت. أسكت واتركها تتكلم. بالله. هاتي ما عندك أيتها المرأة.

 

العرافة :  (تحرك الأكل في فمها تمضغ) . لقد اجتزت الفراسخ سيراً، وعبرت الوديان ليلاً حتى ألقاك، بعد أن رأيتك في منامي ثلاث مرات (تغني أغنية عبد الوهاب الشهيرة) .

 

أنا زارني طيفك في منامي قبل ما احبك ) (تضحك) .

 

الوزير :  سأقتلك.. والله سأقتلك في الحال إذا لم تكفّي..

 

العرافة :  : يوه. الشاي تأخر. عاوزة أبلّع. وأسلّك صوتي.

 

لقد رأيتك أيها السلطان في المنام ثلاث مرات. مرة عندما كنت مقيّلة في الظهر تحت شجرة جوافة بلدية. ومرة قبل الفجر وقمت بعدها محصورة وعاوزة أعمل كما الناس والمرة الأخيرة شفتك وكأنك أمامي، كما الآن، بدمك ولحمك وشحمك، بمناخيرك المخنشرة وشفاتيرك و عينيك الصغيرتين المسحوبتين وكأنهما حبتان ترتر. (تضحك)

 

الوزير :  اخرسي..اخرسي.

 

العرافة :  إخرس أنت والله لو سمعت صوتك مرة ثانية لأذهب وأتركك تاكل بعضك وتضرب أخماساً في اسداس.

 

السلطان :  اتركها.. اتركها واسكت.. قلت لك اسكت.

 

العرافة :  : الله! ( وهي تنظر إلى الوزير شذراً. وتستمر في توجيه كلامها إلى سلطان ) .

 

ثم بعد ذلك يا مولاي قمت وفتحت عيني، وكان الوقت وقت مغربية والدنيا هس..هس. فسمعت من يناديني هامساً ويهتف في أذني: شدّي الرحال إليه. وبشّريه بحلم السنين. أجل سيكون له ولد يرث العرش بعده. إسمه حلم السنين.

 

السلطان :  ولد ولد إسمه حلم السنين؟ (يفقد وقاره ويصفق جذلاً) .

 

ولد؟ هل أنت واثقة ومتأكدة أنه قال لك ولد؟ إياك أن تكون بنتاً. أنا لا أحب البنات. أنا عاوز الولد. طيب احلفي برحمة أمك أنه ولد

العرافة :  (تقلده) أنا لا أحب البنات.. أنا لا أحب البنات.

 

تشير إلى جميع من على المسرح

 

  كلكم لا تحبون البنات إلا في حالة واحدة فقط (تشير بيدها) الحالة الأفقية في السرير. أجل تحبون البنات هناك. في الأسرّة فقط. عندما تحولون الأسرّة إلى موائد طعام، والبنات كحمامات أو يمامات أو بطاّت أو برتقالات أو تفاحات شهية تشبع شهواتكم، وتمنحكم اللذة التي ترغبونها.

 

الوزير :  ما هذا الذي تقولينه أيتها المرأة، هل جئت هنا لتدخلينا في فلسفة عقيمة؟ ألا تعرفين أن الفلسفة هي صنو الهرطقة، والله لأضعك بين يدي أولي الأمر من العارفين المتفقهين ليبتوا في أمرك. والله لأسجنك بتهمة الفلسفة والكفر وأقلب عليك العامة والرعاع.

 

العرافة :  أسكت يا هذا. ما شأنك أنت بهذا الكلام؟ مالك أنت والبنات؟ خليك في الصبيان. (تغمز بعينها(

 

السلطان :  آه. أسكت أنت. خليك أنت في الصبيان.. مالك ومال البنات؟ أسكت خلّنا نعرف الحكاية وبقية النبوءة. لأني منتظر الكلام على أحر من الجمر. يا الله.. يا الله ياعرافة الجبال البعيدة، هاتي ما عندك، ثم نتكلم بعد ذلك عن البنات والصبيان. لكن - ورحمة أمك – هل الهاتف قال لك ولد؟! ولد اسمه حلم السنين

العرافة :  : أمي موجودة على ظهر الدنيا.. لماذا تفوّل عليها؟ أمّا أبي فمحتمل أن يكون قد مات، أصلي عمري ما شوفته. وعيت على الدنيا بدون أب. (تضحك) يعني ما الفارق؟! لو كان موجوداً كان سوّد حياتي أنا وأمي، ثم كنتم أخذتموه كما جميع الرجال إلى الحرب.. ألا تشبع هذه الحرب من الرجال أبداً؟ أنتم فعلاً لا تحبون البنات بدليل أنكم جعلتم الحرب مؤنثة لتجعلوا الجميع يقولون: حرب قذرة. حرب ضروس. حرب شنعاء. حرب مميتة. حرب فانية...

 

الوزير :  إذا لم تدخلي في الموضوع وتتحدثي في مسألة النبوءة سأخرجك من هنا فوراً وسيكون الويل كل الويل لك.

 

العرافة :  (للسلطان) خلي الجدع الحشري الواقف هناك يسكت. قلت إسمه الخفير والاّ؟..

 

السلطان :  (مصححاً لها) الوزير.. وزير السلطنة حمّص أخضر برقوق.

 

العرافة :  طيب قول لترمس أصفر أبو صوت مخنوق أن يسكت لأني زهقت منه، وهات لي الأول الشاي بالحليب لأني عاوزة أفطر.

 

السلطان :  (يضحك) طيّب. كملي، والشاي بالحليب سوف يكون عندك في التوّ والحال. قولي بسرعة لأني متلهف على سماع بقيّة البشارة.

 

  هاتول بسرعة سطل شاي بالحليب للعرافة.

 

العرافة :  محلّى بعسل خفيف.. وبحليب معزى بيضاء بنقطة سوداء في ذقنها.

 

السلطان :  (متوجهاً للوزير بغضب) ألم أقل لك لا أريد سماع مثل هذا الكلام مرّة أخرى، هل سنعود ثانية إلى السخافات وشروط الديوك والمعيز والخراف؟

 

العرافة :  خلاص. إذا لم توجد معزة بيضاء بنقطة سوداء في ذقنها. هاتوا حليب كبش بثلاثة قرون.

 

الوزير :  (يقترب منها ويبدو وكأنه على وشك أن يضربها وقد استل سيفه) . هل جننت؟ ما هذا الذي تقولينه؟ إذا لم تدخلي في موضوع النبوءة سأقتلك هنا. وعلى رؤوس الأشهاد.

 

العرافة :  أتقتلني لأني طلبت كأساً من الشاي بالحليب. كل هذا لأجل الشاي بالحليب؟ طيب سأذهب الآن ولا أريد منكم شيئاً. (تبدو وكأنها على وشك الخروج) . سلام عليكم..سلام عليكم يا بخلاء، يا مقترون، بالناقص شايكم وحليبكم.. والله يحرم عليّ حتى لو كان بلبن العصفور.

 

السلطان :  أسكت أيها الوزير. لا تفتح فمك بكلمة واحدة، ولتعد هذا السيف إلى غمده. تعالي هنا أيتها المرأة لا تخشي شيئاً. أكملي كلامك وعليك الأمان، ولسوف نأتي لك بحليب كبش بثلاثة قرون.

 

العرافة :  كبش بثلاثة قرون؟ هل ستأتيني بحليب كبش بثلاثة قرون؟ لا.. أنت تمزح أيها السلطان؟ أنت تمزح معي.

 

السلطان :  آه كبش بثلاثة قرون.الله. مستحيل فعلاً ولكنك أنت التي طلبت ذلك منذ قليل. ألم تطلبي بنفسك ذلك ومنذ قليل؟

 

العرافة :  خلاص. خلّه شاي بحليب عادي .. أي نوع من الحليب ولو حتى لبن عصفور منقط مزقطط من على أية شجرة في حديقة القصر. (تضحك) ( تتعمد التلكؤ في الكلام وهي تقضم وتزدرد البقسماط )

 

السلطان :  اتركينا الله يخلّيك من موضوع الشاي والحليب.. وادخلي في مسألة النبوءة. قولي بسرعة وهاتي ما عندك. أصل صبري نفذ وروحي طلعت من الزهق.

 

العرافة :  أعرف. أعرف أن السلاطين والمتجبرين ليسوا بصابرين، ويظنون أنهم إن قالوا للشىء كن فيكون. في الحقيقة أنهم في الحماقة لسادرون. ومن حكم الزمان لا يعتبرون، ثم أنهم..

 

الوزير :  (متوجهاً للسلطان) مولاي.. أرجوك.. اتركني أفعلها،أتركني أقتل هذه المرأة في التو والحال، وإلا سأجدني مضطراً لقتل نفسي. هل يهون عليك أن أموت كافراً؟ لقد خرجت هذه المرأة عن حدود الأدب، وطفح كيلي منها وهي تتطاول على عظمتكم وعلى أصحاب المقامات والرتب.

 

العرافة :  (بجد) والله لو لم تكف عن مقاطعتي، فالسوف أنصرف فوراً ولن أقول بقية النبوءة أبداً، حتى ولو قطعت رقبتي.

 

الوزير :  فلنقطع رقبتها في الحال يا مولاي.

 

العرافة :  وماله. ياللا اعملها. لكن عليك أن تعلم أن أجلك سوف يحين بعد أجلي بحوالي ساعة إلا ربع. يعني تشهد على نفسك يا شاطر و..

 

السلطان :  كفى. كفى. اسكت أيها الوزير، وإذا لم تستطع أن تتمالك نفسك فغادر المكان في الحال. ألست أنت الذي أصرّ على دخولها ومثولها بين أيدينا؟ إذن تحمّل. تحملّ نتيجة إصرارك وإلحاحك على حضورها هنا.

 

العرافة :  أيّدك الله وقدّس سرّك أيها السلطان وسلّم فمك لأنك أعطيته كلمتين في جنبه. والحق أقول لك، إن ما أنت راغبه ومؤمله سوف يكون، فلسوف تبنى إن شاء الله بفتاة هي كبدر السماء، وسلسبيل الماء، ولسوف يكون اسمها برقع الحياء خاتون، وآيتها شامة وعلامة، أمّا الشامة فلسوف تكون في نهاية كتفها الأيسر، وأمّا العلامة فهي أن بكفها ستة أصابع سبحان العاطي الخلاق، ولسوف ترزق يا مولاي من برقع الحياء بغلام جميل، لا هو بالقصير ولا هو بالطويل، وشعره لا هو ناعم أو كثير. لكنه على أية حال سوف يكون كورد الأكمام، وفاكهة الزمان والبدر الطالع على الأنام. والمسألة يا مولاي هي أنه يا كبدي سوف يولد بعلّة، آفتها الدموع والبكاء، فإذا بكى او ناح قدر جرى فرس فرسخاً من الأرض، قُضي عليه وانتهى الأمر. لذا فعليك منعه ابداً من البكاء مهما كان الأمر، ومهما كبر وأمتد به العمر، أي أنه يجب أن يعيش في مرح وسرور، ولا يجوز أن يبقى حتى ولو للحظة حزيناً أو مكدوراً، ثم أعلم أن هذا الوليد الخارج من صلبك سوف يجر على مملكتك الخراب ذات يوم، وها أنا اقول لك كل شىء بمنتهى الصدق والأمانة، دون كذب أو خيانة، فبشّرتك وحذّرتك وأنذرتك، ليكون لك الخيار، وعليك تقع مغّبة الاختيار.

 

الوزير :  (يبدو غاضباً غضباً ليس مفهوم، وقد أخذ يتمتم لنفسه بكلام، ويبدو كمن يتوعد العرافة بسوء سراً، لكنه يتوجه إليها في النهاية بصوت عالٍ موتور)

 

أي خراب تتحدثين عنه أيتها العجوزالخرفة الحمقاء؟ أجئت تبشرين أم جئت تنذرين؟ والله لا حل لك إلا الموت.. سأميتك ميتة لا يصل إليها خيال بشر أو جان.

 

السلطان :  انتظر.. انتظر أيها الوزير. دعها تكمل ما عندها، ولكن: ألا قلت لي أيتها العجوز كيف سيكون الخراب؟ إن من سيخرج من صلبي سوف يكون وريثي وسلطان البلاد من بعدي..فأي خراب في هذا الأمر؟! أفصحي أيتها المرأة بربك.

 

العرافة :  أيها السلطان، أنا أصدقك القول. الهاتف لم يهتف لي بكيفية الخراب ولم أرغب في حجب ما لا يرضيك فالأمانة قد تكون في الإفشاء وليست في الإخفاء. ولعلك تعلم أن الكمال ليس من شرط

 

الإنسان.والفضيلة إن زادت عن بلوغها قد تتحول إلى رذيلة. والخراب قد يحل من عاطفة رعناء أو ظلم أعمى، لكنه لابد آت من استبداد غشيم، وعدل يبحث عن مقيم، ولعلك تعلم أن الذي لا يرى أبعد من أنفه مثله كمثل الذي يسير على أربع، فلكي يرى المرء البعيد، عليه أن يقف ويستقيم والوقوف تأمل، والاستقامة رغبة في البلوغ، دون الدوران والعروج. والآن اتركني أرحل يسلام. (تلتفت إلى الوزير) والموت سيحل بي أينما كنت وعلى أي حال صرت وبأية طريقة اختارها لي الخالق، والخوف من المنية لا يناسب مثلي، لكنه يليق بكل جبار غشيم. وأنا لا أريد هبة أو عطية ولا حتى شاياً بالحليب.

 

السلطان :  اتركوها تمضي بسلام.. وأوصلوها إن أرادت إلى ما وراء الجبال البعيدة.

 

الوزير :  طبعاً يا مولاي. عاوزين نعرف سكّة الجبال البعيدة بالضبط

- ظلام

المشهد الثاني 

   خشبة المسرح ما زالت مظلمة، تتعالى منها أصوات حركة ناس وحيوانات ولغط ترتيب مواقع الممثلين والحيوانات والأثاث والأشياء،يدخل السلطان والوزير والحاشية بينما تضاء الخشبة. الحركة والأصوات ما زالت مستمرة، وفي هذا المشهد يصبح الارتجال هو سيد الموقف، وتصبح السلطة، كل السلطة للممثل.

 

الوزير :  الله، الله. بسم الله ما شاء الله. كلّه تمام يا مولاي،

 

)يتجول السلطان يتبعه الوزير في المكان. يقترب الوزير من أحد المهرجين بينما هو ينط ويقفز ويتشقلب ويتوجه بالكلام للسلطان (.

 

الوزير :  رائع. ممتاز. ولد شاطر جداً. هذا المهرج يا مولاي جلبناه من جزيرة المرح الواقعة في أعالي البحار. يقال أن أهلها لا يكفون عن الضحك والتهريج ليل نهار بسبب لعنة ربانية حلت بهم بعد إثم اقترفوه. وهذا يا مولاي كبيرهم بعد أن أسرناه وأتينا به عبداً ذليلاً.

 

)المهرج يأتي بأفعال مضحكة بوجهه وجسده ويقلد الوزير ساخراً، بينما ينشغل الرجل بغيره. يضحك الجميع(.

 

الوزير :  (يشير إلى أحد القرود) وهذا القرد يا مولاي متخصص في عجين الفلاّحة، وزميله الذي هناك في نوم العازب. إنهما غاية في الظرف يا مولاي. ويشرحان قلب الحزين.

 

السلطان :  عظيم.. عظيم.. رائع. ضعوا سرير الأمير في وسط القاعة تماماً، حتى يستطيع رؤية هؤلاء من كل ناحية وإذا ما تقلب إلى اليمين أو اليسار. ولكن هل أبلغتم الجواري التعليمات بدقة؟ ثم أين الشخللات والخشخشات؟ إصنعوا واحدة كبيرة تلهيه عند أول بادرة بكاء تصدر عنه.

 

الوزير :  لقد جلبنا يا مولاي لأميرنا المحبوب حلم السنين عجيبة من عجائب بلاد الصين، عبارة عن شجرة صغيرة وارفة، صنعت من الورق وخشب المسك والعنبر، وعلى فروعها أطيار وأزهار، ويصدر عنها أصوات فرح ومرح. كأنها أصوات غابة بأكملها. هي ستكون هنا في غضون أسبوع مع قافلة قادمة من طريق الحرير. اطمئن يا مولاي. حسبنا حساب كل شىء، حتى المكرع يا مولاي يقبع هناك في طرف القاعة. ( يتوجه إليه ومعه السلطان، فيبدو شاباً يافعاً وقد أدخل يده في قفاز ضخم أشبه بقفاز الملاكمة، يتأمله الوزير والسلطان ملياً (.

 

الوزير :  أرأيت يا مولاي ما ألبسناه في يده، إنها حاشية مبطّنة من الحرير والقطن، حتى تكون ضرباته رقيقة حانية على ظهر الأمير ليتجشأ. نحن نفذنا تعليمات الحكيم بدقة ولسوف نجشئه بعد كل رضعة، وبعد كل شربة ماء، حتى عندما يكبر سنجشئه أيضاً. الحكيم قال أن العفونات والطيارات يجب أن تخرج أولاً بأول من أمعائه، لأنها إن بقيت تعمل مغصاً وتسبب ألماً. وقال أيضاً إنه يفضل أن ننومه منبطحاً حتى لا تبقى طيارات بداخله.

 

السلطان :  لا..لا داعي لحكاية النوم منبطحاً هذه، حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه. (يغمز بعينه للوزير) . أتفهم؟

 

الوزير :  طيّب.. لا داعي للانبطاح، ولكن هل سمعت يا مولاي أغنية المكرّع. (يتوجه بالكلام إلى المكرع) هلاّ قلت لنا يا ولد أغنيتك الرقيقة التي سوف تغنيها لأميرنا العزيز، عندما تكرعه.

 

المكرع :  صحة إيىء (يصدر صوت التجشؤ(

 

عافية إيىء

 

مطرح إيىء

 

ما يسري إيىء

 

يمري إيىء

 

إيىء.. إيىء..إيىء..

 

السلطان :  وما هذا؟ لماذا بقي هذا العبد هكذا ساكناً على الأرض؟

 

)يقترب من قصرية على ظهر عبد أسود ساجد على الأرض ومستمر في مكانه كالصنم.. تبدو قصرية صغيرة مزركشة على ظهره(

 

الوزير :  هذه يا مولاي لزوم سيدي الصغير، فلسوف يتحرك به العبد ويزحف هنا وهناك وهو يغني حتى لا يمل أميرنا أثناء قضاء حاجته. إن صوت العبد من أجمل وأرق الأصوات المعروفة في المدينة. ولكن لا شىء يغلو على أميرنا الصغير وفي سبيل سعادته. أليس الأمر طريفاً يامولاي؟ (ثم إلى العبد) هل أسمعت مولاك شيئاً من الغناء أيها الرجل ؟

 

حامل القصرية : (يغني)

 اعملها يا حبيبي وريحني الله يخليك

 

كفاية قرف. وفرّح العزول والعدو فيّ الله ما يوريك

 

جار الزمان عليّ وبعد غنا العز والفرح..

 

صرت أغني وأقول: أفيه.. أفيه.. أفيه

 

أو أخيه.. أخيه.. أخيه..

 

السلطان :  فكرة ممتازة ومسهلة لكل أمر عسير. ولكن ألم يكن من الأفضل أيها الوزير أن يستبدل العبد بجارية حلوة ذات شعر طويل، فربما أراد صغيري ولي العهد أن يعبث بشعرها مرة ويشدّه قليلاً حين يحزق ويعصر نفسه.. ها ها.. ها

 

الوزير وجميع الحاشية :  ها ها ها ها..

 

الوزير :  سنستبدل العبد بالجارية فوراً يا مولاي، سأختار جارية لها أطول وأجمل شعر في البلاد كلها، حتى يعبث أميرنا العزيز به وقتما يريد.

- ستار -

 

 

 

الفصل الثاني  المشهد الأول

 

قاعة العرش ذاتها والتي شهدت لقاء العرافة بالسلطان. الأضواء كابية حزينة. السلطان يتحرك بعصبية جيئة وذهاباً، وقد أخذته الحيرة وبدا عليه الغيظ .

 

السلطان :  والآن. ماذا أفعل يا ربي؟ سبع سنوات مرت على مولده، ونجحت خلالها في محاصرته بالفرح والمرح، ومنعته من مجرد الدمع وليس البكاء، حتى ظننت أنه ولد بلا دموع خلافاً لسائر البشر، لكن ها هو يبكي للمرة الثانية خلال أقل من شهرين.. شهرين فقط، لقد كرر ما قاله في المرة الأولى بعدما رأى القمر بدراً مكتملاً في السماء. لقد رفع يده وأشار بإصبعه بعيداً إلى السماوات الصافية الزرقاء وهمس بصوته الحريري البرىء: أريد فطيرة الفضة هذه في صفحة الفيروز. كيف أحضر له هذا يا ربي؟ كيف أقطف القمر بدراً من عليائه لأقدمه له؟ عندما طلب ذلك في المرة الأولى، قدمنا له قرصاً كبيرا ًمن الفضة النقية الخالصة على صفحة من الفيروز السينائي النادر الثمين، لكنه دفعها بيده بعيداً بغضب، ولم يعبأ بها، ثم ضرب الأرض بقدمه وقال وهو يشرع في البكاء: أريد تلك الفطيرة البعيدة الرائعة، أريد فطيرة الفضة البعيدة، هل هذا معقول؟ أيعقل مثل هذا الطلب يا ناس؟ أيظن أنني واحد من الجن، أو العماليق الأقدمين لأستطيع فعل هذا؟ لقد أحضرت له كل ما طلب في المرات السابقة حتى لا يبكي وتحدث الكارثة. أرسلت كتيبة من الفرسان لتاتي له بوردة الثلوج المستحيلة من أعالي جبال السماء العالية الوعرة والواقعة في وادي الغيلان المميت، ويعلم الله كم كلفني ذلك من ذهب وجوهر. قط سيام الأنيس، جلبت له أربعة أزواج منه دفعة واحدة. عندما أراد قطاً ذهبياً بعينين زرقاوين، حتى المعزة التي لها رأس خروف أعطيتها له عن طيب خاطر عندما أرسلها لي سحرة مغارات السودان البعيدة. لا أدري ماذا أفعل أكثر من هذا؟ اليوم يطلب القمر. وغداً قد يطلب الشمس وبقية النجوم.

 

ولكن ها هي نبوءة العرافة قد أوشكت على التحقق، سيموت إن لم أجب له طلبه. سيبكي ويموت لأظل أنا ضائعاً بين الألم والحسرة. أعض إصبع الندم، وقد ضاع أملي في الحياة. نعم سأفقد كل أمل وكل رجاء في هذا العالم إذا ما مات إبني. وحيدي وقرّة عيني "حلم السنين". وريثي المنتظر الذي خرج من صلبي بعد سنوات طوال من الصبر والعناء. دخلت خلالها بمائة عذراء من أجمل صبايا الأرض وأشدهن فتنة دون فائدة. كنت أقتل كل واحدة منهن، وأقطع خبرها عن هذا العالم، إذا ما مر قمرين مكتملين دون أن ينقطع طمثها، أو يبدو ما يشير إلى إمكانية انتفاخ بطنها ببذرة طفل.. طفل واحد فقط أتشوق إليه ويرث الملك بعدي.

 

أفنيت كل أخواني الذكور واحداً إثر آخر. سممت الكبار منهم بسموم مميتة لا تُحس ولا يُشعر بها حتى يبدو موتهم موتاً طبيعياً وقدراً مقدراً من عند الله. الصغار منهم أغتلت بعضهم وهم في المهد بأساليب عبقرية تفتقت عنها قريحة وزيري العزيز، والآخرون وأدتهم في بطون أمهاتهم قبل أن يولدوا. لقد سالت دماء كثيرة هنا على أرضي.. وفي هذا المكان، حتى جاء قُرّة عيني "حلم السنين"، وتحققت نبوءة عرافة الجبال البعيدة، بعد أن حلمت به جاريتي، معجزة السماء، برقع الحياء، تلك الفلاحة العفيّة الفذة التي أثلجت صدري وبرّدت ناري، وطمأنت نفسي بحلم السنين، وكان وزيري العزيز قد جلبها إلىّ بعد عناء ومشقة في البحث، قال إنها الفتاة التي صدقت عليها شروط النبوءة، وجرى التأكد من وجود شامة وعلامة بجسدها، وأنها خرجت من بطن امرأة مجربة ولود. ما إن تحرث وتبذر حتى تحمل ثمارها، حتى إنها طرحت ثمانية عشر بطناً ولا تزال خصبة ولوداً، كأرض بكر لم يجر وطؤها من قبل، وابنتها لابد أن تكون مثلها، معطاء، عامرة بالثمار.