الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتبة

قصص

عزف على أوتار قلب

الغد يأتي متأخرا

الحب لا يعرف المستحيل

أوراق الزمن الآتي

عزف على أوتار قلب

قد تصفو السماء غدا

رحلة عمر مجنون

قهوة على نار هادئة

العودة إلى ارض الأوهام

انكسار نجمة 

 التشرد في مدن الوهم

 

 

بقلم الكاتبة: وفاء عزيز أوغلي

 

 

عزف على أوتار قلب

 

 

إهــداء

إلى مَنْ عرفتُ من خلالهم ذلك الإحساس المبهر

المسمى أمومة

ومن بدأتُ بحبهم أعرف معنى الحياة

إلى حب لا ينضب.

وأمل لا يخيب..

 

 

عزف على أوتار قلب

 

 

بداية الشتاء في دمشق، والصباح يعزف نشيده الصامت...

الشمس واهنة تتمدد باسترخاء في مناحي السماء، والغيوم مبعثره تغطي الشمس حيناً وتبتعد عنها لتسطع من جديد، وتنشر الدفء في المدينة العطشى التي تستجدي المطر، وأنا أسير منذ ربع ساعة...

الطبيب قال: "يجب ألا تقل مدة السير عن ساعة في الصباح، وأخرى في المساء".

حرارة الشمس تغمرني بالدفء...

أقطع الشارع نحو الرصيف الآخر مبتعدة عن أشعة الشمس، وأنا أتساءل: ترى هل ستجود علينا السماء هذا العام بخيراتها لننعم بصيف محتمل...

أم سيظل الناس يرددون...إنه غضب الله علينا لكثرة ذنوبنا؟

أسير وذكريات شتاءات دمشق بأمطارها، وثلوجها تجول في رأسي فأهمس لنفسي: ليتها تعود.

سأغذ السير، وأبطئ: "المهم ألا تتعبي".. هذا ما قاله الطبيب.

منذ تأكدت أنني حامل، لم أعد أشعر بالتعب، ولا بالتعاسة، وأصبحت أتساءل... أيمكن أن تُصبح رؤيتي للأشياء، وإحساسي بالحياة بحجم الأحلام التي أحققها؟... وهل يشعر كل البشر مثلي؟..

أيمكن أَنْ يملأ رفيف كائن يمتلكه الغيب أيامي بالغنى؟"...

تخيَّلت طفلي فطربت فرحاً، وهمست لنفسي.. طفلي قادم.. قادم.. سأصبح أماً... لا... بل أنا أم لهذا الطفل الحبيب الذي يحتضنه رحمي...

أمه منذ اللحظة الأولى لوجوده.

"منذ التصق بي لقب مطلَّقة. احتلني الحزن الصامت كاحتلال عاصفة هوجاء لمدينة صغيرة مستكينة، فاستسلمتُ له، وصرتُ أجوب معه مدن اللامبالاة، والضجر، وأتوه فيهما.

أمي كانت تشعر بي. يخفق قلبها معي. أسمعها وهي تدعو الله أَنْ يهبني زوجاً يعوِّضني وينسيني. لكنها تذوب أسى كلما طرق بابنا خاطباً رجل يرغب بالزواج مني وهو يحمل على كتفيه عبء كهولته، أو عقدة زواج فاشل خلَّف أطفالاً يحتاجني لتربيتهم"...

أشعر بألم بسيط... أتوقف عن السير، وأسند ظهري إلى جدار...

عيون المارة بدأت تنظر، وتتساءل...

لو بقيت دقيقة أخرى سيحيط بي الناس، ففي بلدي القلوب كلها حانية. محبة..

"لا.. لا ليس كلها. ألا يعتبر طليقي أحد أبناء هذا البلد؟..".

أصرخ بصمت: لماذا أذكره..؟

ألا يجب أَنْ أنزعه من ذاكرتي، وأعتبره مجرد نقطة سوداء وقعت خطأً على صفحة حياتي البيضاء، ثم محوتها؟..

لماذا أذكره؟ ألم يهبني الله زوجاً محباً.. رائعاً؟...

أوه.. مصطفى. حبيبي الغائب..

أعود للسير، فالساعة لما تنته بعد..

عقلي لا يتوقف عن التفكير. هو عمله، وطبيعته، ولو توقف عن عمله انتهى، وانتهت حياتي معه، فليعمل، وليهبني من الأفكار، ما يسعدني لا ما يشقيني..

بضعة أيام وحسب ويخرج طفلي إلى دنيانا...

تُرى أسعادتي بقدومه أنانية وأنا أعرف حق المعرفة أنَّ الحياة ليست سوى زحف دؤوب فوق حقل أخضر مزروع بالألغام..

"يبدو أنَّ الإنسان أناني بطبعه، وضعيف أيضاً"..

طفلي يتحرك بعنف.. بقوة.. تراه احتجاج؟...

أتوقف لأرتاح من جديد.... أرفع رأسي للسماء أرجوها أن يكون طفلي ذكراً..

نعم أريده ذكراً، فالأنثى حياتها معاناة دائمة.

دمشق تنصت لحنيني، ولهفتي، أشعر بها، وأحبها.. لكنني أمقت العادات البالية المتأصلة في نفوس الكثير من أبنائها... أعشقها، وأعتب عليها، كانت ستحرمني متعة أَنْ أكون أماً...

أشعر بالتعب.. أتوقف عن السير، لكنَّ سيل الأفكار لا يريد أنّ يتوقف...

"كل الذكور في مدينتي يتزوجون، حتى مَنْ لا يملك عقلاً يجد مَنْ تقبل به، لأنه الذي يختار، أما الأنثى فلا تملك إلا الانتظار، والاختيار لديها محدود، وهي تريد الأفضل لها، والأحب لقلبها، والأحلى لعينيها، ولكن هيهات فهي لابد أَنْ ترضى قبل أن يفوت الأوان.."

الألم يزداد...

"تُرى أثورة قلبي هي السبب؟...

وكيف لا يثور قلبي وحياتنا كلها تناقضات؟ المرأة مازالت تتخبط، وتصارع أمواج الحياة العاتية... مرة تطفو على السطح سالمة قوية، قادرة على درء القهر والظلم عنها، ومرة تهن، وتستسلم بسبب تراكم  الضغوط والأعباء فتسلِّم صاغرة.

طفلي عاد ليرفرف، ويشعرني أنه يُنصت لأنين قلبي، ويذكِّرني أنَّ الساعة قد انتهت، وأنني تعبت ليس من السير وحسب بل ومن تذكِّر ماينبغي أَنْ أنساه، فلا أمل.. لا أمل...

أسير إلى سيارة أجرة لأعود إلى بيتي... بل إلىجنتي...

"حين قررنا شراء بيت... طلب زوجي أَنْ أختار أنا المكان. كان يعرف أنني لن أختار إلا ما يحب، واشتريت مملكتي الصغيرة في حي الروضة حيث ولدت ونشأت.. اخترته بحديقة تسوِّره تحوي شجيرات مثمرة، ودالية عنب، وزرعت فيها الفل والياسمين والورد البلدي، ونثرت أصص النباتات الخضراء في كل مكان، داخل البيت، وخارجه.. طفلي يتحرك بعنف..

أيود الخروج؟!...

أسئم الوحدة، ويريد التعرف على دنياه؟

ليت والده هنا؟ أكد لي أنه سيأتي، فهو يريد أَنْ يرى ولده لحظة قدومه، وأنه قد اشتاق رؤيتي، وأنه يود أَنْ يشاهد بيته، وقال سأمضي معكما أشهراً، وأعقب بلهفة... أحبك.. بل أحبكما...

ازداد الألم، ألم شديد.. هذا النوع من الألم لم أعرفه سابقاً.... الألم يتوقف، ويعود.. قوي.. ضعيف.. لا... بل قوي... ولا يحتمل...

لابد أن الوقت قد حان...

السائق يلحظ التغير الذي طرأ عليَّ. يسألني... سيدتي... أتودين الذهاب إلى المشفى يخفف سرعته، ويضيف... ما اسم المشفى الذي تودين الذهاب إليه؟

أعطيه عنوان بيتي فقد زال الألم، وأنا لا أريد الذهاب إلى المشفى وحدي، والأمل ما زال يهمس لقلبي أَنْ قد أجد زوجي هناك ينتظرني ليرافقني إلى المشفى كما وعد. تُراه عاد؟ كم أحبه... صوته في أذنيَّ حتى وهو غائب، ونظرة عينيه الحانية المحبة في قلبي وملء عينيَّ في كل لحظات يومي...

كم أشتاقه... لا أريد أَنْ ألد وهو بعيد...

قد أموت.. أأمضي عن دنياه دون أَنْ أراه؟..

الألم يعود، والسائق يقود ببطء شديد خوفاً عليَّ من مطبات الطريق، لكنه حين سمع آهتي أسرع وهو يهمهم.... لحظات ونصل... لحظات وحسب... المشفى، والوجوه الحبيبة. أمي. إخوتي، والطبيب، والألم شديد لا يُحتمل، وهو لم يأتِ...

الخوف يفرد جناحيه، ويبني عشه في قلبي، والطبيب يقول... يجب أَنْ لا تفكِّري إلا في طفلك القادم. ركزي تفكيرك بالطفل، ويضيف.... ثوان وتسمعين صوته..

سيدة لبنى.... لا أريد منك إلا القليل من الجهد...

أحاول المساعدة. لكنَّ جسدي لا يتعاون معي فهو مُتْعب، ورأسي لا يُنصت للطبيب، بل ويشحنني بالأفكار...

"حين لثمت عجلات الطائرة التي حملتني وأعضاء الوفد أرض اليابان... أدركت أنَّ الحلم غدا حقيقة، وأنَّ الخيال صار واقعاً ملموساً...

ثلاث سنوات وأنا أعمل بجد واهتمام لأثبت جدارتي أمام رؤسائي في المؤسسة التي اخترت العمل فيها منذ البداية لأنها تُرسل المهندسين العاملين فيها إلى الدول الأوروبية، والآسيوية للتدريب...

كانت السنوات تمضي سنة تلو الأخرى، وأنا أنتظر ولا أنصت لمن يهمس لي...

"تحتاجين للدعم من أحد المسؤولين يا آنسة لبنى"... بل ويؤكدون أَنْ لا سفر دون دعم... لم أطلب من أحد دعماً أو توصية، وتحقق الحلم صباح يوم أخبرتني إحدى الزميلات قائلة....:"لبنى لقد وقَّع المدير قرار سفرنا معاً، وأردفت مؤكِّدة. لقد رأيت القرار على طاولته..

خفت وقتها أَنْ أصدِّق...

خفت أن أصدق فتتمرَّد حواسي وتفكُّ قيوداً كبَّلْتها بها منذ زمن بعيد..

خشيت من حواسي أنْ تتحرر فجأة فتمارس أعمالاً فوضوية لم تعتدها، وتخطئ.

خفت يومها أَن أصدق فيجتاحني الفرح، وأموت..

خرجت من المؤسسة.. ركضت في شوارع المدينة كلها.. صرخت.. بكيت فرحاً.. ضحكت ملء قلبي..

هذا كله فعلته، لكنْ بصمت، بسكون كعادتي، فالانفعالات الصاخبة نسيتها، نسيتها منذ زمن طويل... منذ....".

ألم.. ألم... والطبيب مازال يردد... فكِّري بطفلك القادم وحده. انسي كل ما عداه..

أفكر بطفلي القادم وحده... لماذا يقول هذا؟..

تُراهم أخبروه أَنَّ زوجي لن يأتي، وأنني أحبه، وأنتظره؟

تُراه حقاً لن يأتي؟

أيعقل هذا؟..

كيف لم أفكِّر بهذا الاحتمال؟

ولكن... لماذا أفكِّر فيه؟..

ألأنَ مَنْ ارتبطتُ به من جنسية أخرى؟..

يا باني... وماذا في ذلك..؟ الحب والتفاهم هما الأساس، والأهم...

ألم أتزوج من بلدي، وبيئتي وكان الفشل هو النهاية؟

لقد اعتنق مصطفى الإسلام، واقتنع به..

أحاول فتح فمي لأبتسم، لكنَّ الألم يمنعني.ألم شديد لا أستطيع تحديد موقعه، أو وصفه...

تهاجمني الرغبة في الابتسام، فأفتح فمي لكنَّ صرخة الألم تنطلق..

"يوم أعلن إسلامه أراد أَنْ نختار له اسماً عربياً، فصار الأهل، والأصدقاء يقترحون؛ كل يذكر اسماً، لكنني دون أن أشعر قلت له مصطفى، فقال الجميع... لا يا لبنى إنه اسم يصعب عليه لفظه، لكنه قال... أريده، هو اسمي منذ الآن، وأخذ يردده حتى استطاع إتقانه.

أوه.. مصطفى.. أيها الحبيب... أين أنت؟

ألم.. ألم لا يحتمل...

مصطفى.. ألن تأتي أيها الغالي؟

ألم، وصوت الطبيب يهمس العملية لابد منها لإنقاذ الاثنين...

الخطوات سريعة، وقلبي يردد... يارب..

"التجأت إلى الدين منذ مدة طويلة. التجأت إليه منذ اكتشفت أنَّ السعادة في الدنيا وهم، وأنَّ أيامنا نبدؤها بأمل، وننهيها بحلم نصحو منه على وهم، وقد قال كثيرون أنَّ أفكاري هذه كانت أحد أسباب طلاقي إِنْ لم يكن السبب الرئيسي، لكنني لا أوافقهم الرأي، فموافقتي على إنسان لا يناسبني، وسلبيتي وحدهما السبب"..

ألم.. ألم.. ألم.. الوجوه باهتة، والأصوات خافتة، خافتة، ولا شيء..

أحاول فتح عينيَّ، وتحريك جسدي المثقل بالتعب فلا أستطيع..

أسمع صوت الطبيب يقول... الحمد لله على سلامتك..

أحرِّك فمي لأجيب.. يقول الطبيب... سأخرج لأطمئن الأهل.

أبذل جهداً لأخرج الكلام من فمي، فأنا أريد أَنْ أسأل... هل طفلي سليم...؟

وهل جاء ذكراً كما تمنيت؟ وهل رآه زوجي لحظة قدومه كما تمنى؟

لكن أأتى مصطفى؟!..

لا.. لا يمكن ألا يأتي. هو يحبني كما أحبه بل أكثر، وزواجنا كان مثالياً، فقد كان القلب والعقل بالنسبة لكلينا هما الأساس في حدوثه...

ثلاثون يوماً منذ قدومي مع الوفد إلى بلده، والحب لحن رقيق بديع الجرس يُعزف لنا بقدرة خارقة، فيمنحنا الغبطة، والرضى، ويجعلنا نرى وجه الحياة بشكل لم نعهده. لم يقل شيئاً.. ولم أقل.. لكن حين آنَ وقت السفر قال بتصميم، ولهفة... لبنى أنا أحبك.. أحبك....

وقفت أمام فيض الفرح الذي غمر قلبي صامتة..

نظر في عينيَّ بحيرة وخوف وقال... ماذا؟... لماذا أنت صامتة؟! ألا يعني هذا لك شيئاً؟.. تكلمي.. قولي أي شيء إلا أنك لا تبادليني مشاعري، وإلا أنك تودين الرحيل...

تأملته وهو يستعطفني كطفل، تمنيت لو أستطيع أَنْ أضمه إلى قلبي، وأقول له أحبك..  لكنَّ الأفكار كانت قد بدأت تتصارع في قلبي، وفي عقلي... فعليَّ أَنْ أقول كلمتي.. أَنْ  أقرر.. أَنْ أختار بين حياة خاوية مع رجل يكبرني بسنين لا حصر لها يريد أَنْ يجعل مني عكازاً لشيخوخته، وبين حياة تمتلئ بالحب والتفاهم والمشاركة مع شاب من جيلي... وصرخت بصمت لكنه ليس أي شاب، إنه من بلد آخر، ودين آخر، ودنيا لا أنتمي إليها

أمي.. أبي.. معارفي... مدينتي كلها.. وماذا سيقول الجميع... كنت أنظر إلى عينيه المتسائلتين... المنتظرتين.... وأهمس لنفسي... ولم لا؟!..

حسم هو الأمر كله حين وجدته إلى جانبي  في الطائرة التي أعادتني والوفد إلى دمشق. احتضن يدي بين يديه، وقال… :"لبنى أنت جبانة.. لذا سأتصرف أنا"..

غرفتي في المشفى تعجُّ بالأحبة.. أمي... أبي... إخوتي... أما هو فعيونهم تجيب عن استفساراتي الصامتة. تقول لي إنه لم يأتِ.. لكن تراه لن يأتي؟...

قالوا.. اتصل وقال سيتأخر لأنه مسافر من أجل عمل ضروري...

ابني أسميته مصطفى. حملته وعدت إلى بيتي، وبعد بضعة أيام وصلت رسالته، رسالة زوجي الغائب...

بضع صفحات تزخر  بكلمات تقطر رقة، وعذوبة، وحباً...

بدأ كلامه بكلمة أحبك، وأنهاها بها، أقسم أنه أحبني، ويحبني، وسيظل يحبني إلى نهاية عمره، ..........لكنه أدرك أنه لن يستطيع أَنْ يعيش بقلبين، وعقلين، وجسدين، زوجته هناك وولده، وطنه، ودنيا اعتادها...

"قال... لن أستطيع رؤية ولدي.. أخاف أَنْ أحبه، وأرتبط به.. يكفيني حبك يا لبنى، وحرماني منه. سأذكرك وطفلي ما حييت. من خلال طفلي وذكرياتنا أذكريني"..

رسالته بين يدي، وطفله إلى جانبي، وهو لن يعود..

تراه وهم؟

أأحبت إنساناً نسجه خيالي، وأنجبت طفلاً من رجل ليس له وجود إلا في أحلامي؟...

ألأنه رائع تسرب من دنياي كشعاع شمس غاربة؟..

رسالته بين يدي، وطفله إلى جانبي، وحبه في قلبي، وذكريات أيام عشناها معاً تسكنني..

رسالته حقيقة، وطفله حقيقة، وحبه حقيقة، والذكريات أحلى حقيقة

لن يعود...

قالها بحب، وأنا سأتلقاها بحب أيضاً..

لكنه حب منسوج بالتفاؤل، ومغزول بخيوط الأمل...

   

 

أوراق الزمن الآتي

 

تائهة... تفترسني الحيرة. يلفني الخوف. تجتاحني رغبة للابتعاد. للهروب... ولكنني أظل ملتصقة بالكرسي. أتمنى لو أغلق عينيَّ وأموت، ولا أظلُ محملقة في وجهه. أمتص كالإسفنجة كل كلمة يقولها لأتضور ألماً تحت سياطها..

أعانق حزنه. ألثم كلماته. ألوب صامتة علّي أضم عينيه إلى قلبي وأبتعد. وأبقى عاجزة عن الحركة، مستسلمة لأنامل مجهولة تتحكم بي.

حاول أَنْ يهبني ما اعتاد من حنان. أَنْ يحجب عن عينيَّ ما يعتمل في أعماقه فلم يستطع.

قلت: مابك يا أدهم...

قال: غاليه.. أم ابنتي تود العودة..

تأملت وجهه وأعماقي تصرخ... تراني سأفقده...؟

ـ أرسلتْ ابنتي ترجو..

*سيعود الكون شاحباً كئيباً يا أدهم، ويعود للذكريات طعم المرارة والسقم.

ـ تُراها أحست حقاً بقيمة ما فقدت أم. هو التحدي..؟

*إنه حبٌ لم يعرف قلب كلينا أصدق منه. فكيف سيغدو مذاق الحياة بعد فراقك؟

ـ أحقاً دعاها الواجب تجاه ابنتنا.. أم هي الأنانية؟

كان حائراً لم يستطع امتلاك الحقيقة.. كل ما حصل عليه دعوة مفاجئة ملحَّة للعودة من زوجة كان ارتباطها به جحيماً. دعوة مغلَّفة بالحب، تذوب لهفة لنسيان الماضي، والتسامح لأجل ابنته.. أو هكذا تدَّعي.

قال وعيناه تائهتان: كانت الحياة خاوية حتى التقيتك، وأحببتك حباً أكبر من طاقتي.. وطاقة الكلمات أن تعبر عنه، إنما....

وقرأتُ في عينيه قرار إعدام لأجمل أمنية حققتها. كان الحزن يصرخ في عينيه، والقلق يعربد فيهما وهو يتساءل... لكنَّ حيرته تعني لي الكثير  فأنا أحبه، وأعرف أنَّ الحقيقة التي يبحث عنها لن يحصل عليها، فمنذ أقفرت الدنيا حولي أيقنت أنني قد أقرع أبواب الكون كله، فألمس حقيقته، أجوس خلالها، وأرتوي حتى الثمالة. لكنني سأظل مسربلة  بالعجز... ممزقة بعتمة الوهم، أهيم عبثاً للوصول إلى حقيقة ما يهمس في قلب إنسان على بعد شبر مني. تمنيت لو صرخت به قائلة:

ـ أتعانق الأمل الكاذب يا أدهم، وتتوه في دوامة الحيرة من جديد..؟

لكنني كنت أعلم أنَّ مجرد التساؤل كان يعني اتخاذ قرار... قراره هو... وليس لي الآن إلا أَنْ ألتجئ إلى الصمت وأمضي..

حين خرجتُ لأنضم إلى قطيع التائهين. اخترت الأماكن المزدحمة لتكون مأوى للأفكار التي تضج داخل رأسي، فوجوه المارة تُلهي...

وجوه مجهدة محبطة تتوه إشارات الاستفهام حيرى في عيون بعضها، وإشارات التعجب في بعضها الآخر، وعيون تموج بالحزن، أو اللامبالاة، أو الغضب، وأخرى تصرخ بعبث الحياة، وأتساءل أين يمكن أن أرى وجهاً يرقص الفرح في عينيه. أيكون لهؤلاء عالم حدوده عالية.. عالية على أحزاننا، ومشاكلنا، وتشاؤمنا..؟

تائهة والدروب تضيق… تهمي السماء رذاذاً منعشاً..

"في ذلك اليوم. يوم التقيته في مطعم صغير في حي أبي رمانة كانت السماء تسقي الأرض العطشى، وأنا أعشق الانتماء للحياة، والمشاركة بها حين تمطر..

قال: قد لا تعرفين مَنْ أكون، لكنَّ قرابة ما تجمعنا..

كانت عيناه تحتويانني وهو يعرِّفني بنفسه، ثم مضى وهو يقول سنلتقي... لم أدرك يومها أنَّ عينيه ستغدوان يومي وغدي، وتصبحان الشمس التي تشرق عليَّ كل صباح"...

تائهة مسربلة بالضياع.... خائفة والدروب متشابهة مثل الوجوه المقهورة بالحاجة، والتي تقف كل يوم على باب الجمعية المقابلة لمكان عملي..

لن أعود إلى البيت. أريد أن أغتسل تحت سياط المطر فتتضَّح رؤياي..

لن أعود.... أريد أن ألتصق بالناس... بالحياة لأدرك المجهول...

لن أعود إلى حيث السكون والصمت... حيث تترصد عيون الأهل ضعفي ويأسي. لتذكرني بيوم قالوا لي فيه ستندمين..

أتوّغل في الحزن وأنا مضرجة بالفزع  فالليل بدأ يحتويني. أختبئ بين ذراعيه بثيابي المبتلة، وجسدي المسكون بالغربة، وأفكاري اليقظة، لكن لا مفر... أعود لألجأ إلى الدفء بين جدران غرفتي.. أهوي على سريري مجهدة.. أرتعد كطفل وحيد يفتقد أحضان أمه، وأحن إلى النوم ينسيني اليوم ويمحو من ذاكرتي الأمس... ولكن هيهات... فالزمان هذا الكائن الجبار يعود ليلفني بالحيرة من جديد، ووجه أدهم الحائر  ماثل أمامي...

لقد طويت أوراق تلك الفترة من حياتي وأخفيتها في زاوية منسية حين التقيتك يا أدهم.. وهاهو الزمان يُبعثر تلك الأوراق وينثر أحداثها أمام عيني فتجثم التساؤلات إلى جانبي، وتتواثب الصور. "حين طرق صلاح أبواب حياتي. احتل عقولهم وقناعاتهم كأفضل زوج لابنتهم.. علم ومال وفي زمن مسَّ القحط، فيه حتى الأحاسيس..

تأملت وجوههم الطافحة بالفرح وأنا أمتطي زورق الحياة الزوجية بعد أن مُلئ بأحلام وآمال وكلام كقصائد الشعر بوعود لا تنتهي..

ومضى الزمان يا أدهم.. القيم تحطمت، والمثل انهارت، سنة... الثلج استوطن جسدي، وفمي أغلقته القروح، رجل هو وأنا امرأة..!

لا وجه للمقارنة. عليه الأمر وعليَّ الطاعة. سنة.. وأنا أعيش مع رجل لا أعرفه.. رجل كنت أنتظر بغباء أَنْ أغوص في أعماقه، وأقطع الجسور الفاصلة بين قلبي وقلبه.. سنة مضت وأنا أعيش في جحيم ذلٍّ لم يستطع إدراكه أحد.. وعقلي متطرف لا يرضى بأنصاف الحقائق، ولا قلبي يرضى بأنصاف الحلول. استلبت التساؤلات راحتي يا أدهم كما تفعل بك الآن: أتكون الحقيقة وهماً  كلما أمسكنا  به انزلق من بين أيدينا.. أم سراباً نحثُّ الخطا عبثاً للوصول إليه؟..

ولِمَ يَعتبر الرجل الزوجة جزءاً من أملاكهْ تنقص قيمتها بعد فترة من الزمن لتحلو كل الأخريات بعينيه؟..

كانت حياتي كحياة آلاف من النساء. التوحد الموحش.. والزواج المقهور بالإهمال..

لذا حين قررت أَنْ أعيش الحياة، واستعيد كرامتي، واسمع إيقاع الصدق والمشاركة، انهالت على وجهي صرخات الاحتجاج..

أتدوسين نعمة تحلم بها الكثيرات...؟

"وماذا لو كان يحرِّم عليك ما يحلله على نفسه..؟ متع الحياة زائلة، ومَنْ رضي عاش"..

يا امرأة رجل هو ألا تدركين.. احمدي الله فزوج فلانة لا تسلم منه امرأة. وزوج فلانة يبعثر أمواله كل ليلة على طاولة القمار وووو..... وتصعقني المفاجأة والألسن المهيأة لوأدي... الطلاق.. مجتمعنا ظالم لا يرحم المرأة المطلقة.. الذنب ذنبها دائماً...

زوجك أبدلته فهل أبدلت حظك..؟

ويتطوع الكل لإبداء الرأي وإعطاء أمثلة مدعَّمة بمأثورات القدماء والتي لم تُقل عبثاً. أنصتُ والأسى يمور في عينيَّ وأنا أفكر. ليته حاول أن يفهمني. أن يستوعب أحاسيسي. أن يتعرف إلى حاجاتي المتواضعة. أن يلمس مدى حاجتي لحبه واهتمامه. مدى ضعفي أمام كلمة حلوة صادقة. ليته حاول ... ليته...

ولم تقهره أوهام عبودية كان يتلذذ بها وأفزعه صوتي المطالب بإلغائها.

ليته أحس معي.. حاورني.. حاول أن يصل معي إلى حل"..

الليل ينسلُّ هارباً ليفسح مكاناً لنهار جديد يا أدهم.. ولما أزل يقظة أطل من شرفة غرفتي وأصغي لصوت يغرق الكون بأحلام ضبابية تشعرني بروعة الوجود. فأتابع العتمة المنزلقة نحو المجهول. وأشعة الشمس الواهنة القادمة من البعيد. يتسرب السكون إلى جسدي. ويغمرني خدر لذيذ وأنا أنظر للبعيد، وعقلي يفكر بتلك الآلة البكماء القابعة إلى جانبي ويتساءل: متى سيصلني صوتك عبرها.

أتذكر يا أدهم حين كنا صغاراً كانوا يحصلون على الحقيقة من خلال إيهامنا أن جبيننا صحيفة تكتب عليها أفعالنا وأقوالنا. وصدَّقنا ما قالوه.. فليت الجبين كان مرآة الحقيقة حقاً..

حين تسلقت أشعة الشمس الصفراء، نافذة غرفتي.. تلمست طريقها إلى وجهي، وطبعت عليه قبلة صباحية. استقبلتها بفرحة طفل تفاجئه أمه بهدية عيد ميلاده..

لن أذهب إلى عملي اليوم سأبقى وأنتظرك يا أدهم فنحن الحب صهرنا وجعل الحقيقة في وجداننا واحدة، والعالم خارجنا غامضٌ، مزيَّفٌ، مجهولٌ.. أستلقي والآلة السوداء بجانبي.. تذكرت فجأة لم أنتظر.. سأتصل أنا..

وأدير سبعة أرقام.. يصلني الصوت بعد أول رنين قائلاً:

ـ أأنت يا غالية كنت أنتظر الصباح لأقول لك انتظريني... سآتي لاصطحابك....

   

 

الحب لا يعرف المستحيل

 

 

أَنْدَسُّ بين الداخلين، الجمهور المنَّصت كبير جداً، وأنا بينهم، الكل يحبه، وأنا أكرهه، بحقد يتحدث عن وطني، فكيف لا أكرهه، بل كيف لا أحقد عليه، أو أقتله...

نعم أقتله أنا الرجل الهادئ المتزن الذي لن يتوقع أحد أن أفعل هذا.... سأقتله. له وجه حَمَل، وعينا صقر، وخبث ثعلب، كلماته قطرات سامة تصيب العقول بخدر لذيذ، وأنا وحدي بينهم الحقد يغلي في دمي، وأنتظر التصفيق لأرميه برصاصتي..

صوته يدوي حيناً، وحيناً يغدو حشرجة مقيته...

يدي على الزناد. عيناي تحملقان به.. وإصبعي ينتظر اللحظة الآمرة..

سيعانق الموت جسده، وجسدي..

الموت.. وأغصُّ بالكلمة، لهوت عنه بدنيا اخترت وداعها بنفسي.

اللحظة تقترب، الموت يلتصق بي. يسير معي حيث الرجل. رصاصتي في رأسه قاتلة، وجسدي على الأرض جريح..

أصوات.. ضجيج، وأنا بينهم أعي كل شيء.. لقد مات الرجل فماذا بعد؟! أأغدو في نظرهم مجرماً، ويرتفع هو إلى مرتبة العظماء؟ تراني أخطأت؟..

ولكنه يستحق القتل، وكثيرون مثله، وعملي مجرد دليل على وجود اعتراض، ومقاومة، وتذكير بالوطن الذي كادت بقية أجزائه أَنْ تُلْتَهم...

صمت لا يقطعه إلا خطوات الحراس. وأصوات تنبعث من بعيد..

طالما كرهت الأماكن المغلقة، وها أنا ذا وحيد بين جدران سجني. هم يخشون على الآخرين مني لذا حكموا علي بهذه القطيعة، ولكن إلى متى؟؟..

ألوب  في أرجاء الغرفة الضيِّقة، والعجز يوهن قدرتي على التفكير. توحدي موحش وزمني يفوق المدى، وغربتي عن وطني وأحبتي انسحاق لأعز مشاعري..

ليتني أستطيع الحصول على قلم وأوراق، فعقلي بركان يكاد ينفجر بما يعتمل فيه...

"لقد كنت خلال عملي كصحفي ألملم قروح أبناء وطني وتوجعهم وأخطها صرخات تفضح. تُؤلم.. وتلطم العالم بحقائق تُطمس معالمها بإتقان من قبل أيدٍ قادرة بترت أنا إحداها، وسيفعل مثلي آخرون...".

ليتني أحصل على الأوراق والقلم، فعبر الكلمات سأشعر أنني حي، فأقهر أيامي الممتدة أمامي بلا نهاية، وأتنهد بعمق بعد أَنْ أفرغ مخزون عقلي الذي يعمل كمرجل، وقلبي الذي يتوق إلى رؤية أولادي وزوجتي... ترى ماذا حلَّ بهم؟ وكيف كان تقييمهم لما فعلت؟ تُراهم أدركوا غايتي. أم تأثروا بآراء الغير؟ لا .. لا لابد أَنْ أمهم ستجعلهم يفهمون، ويعون الأسباب التي جعلتني أفعل ما فعلت... سارة إنسانة عاقلة...

سارة... الزوجة والحبيبة..."يوم التقيت بها كانت المرأة بالنسبة لي موضوعاً لقصة جديدة يجب أَنْ أعيشها لأستطيع الكتابة بصدق... لحناً يلهمني مئات الأفكار، لكن ساره لم تكن أية امرأة، فلم أعرف أنني مجرد عابر سبيل في عالم يضجُّ بالحياة إلا حين عرفتها، ولم أكتشف أنني أعيش على عتبة وطني إلا حين أحببتها، سكن قلبي إليها، واستسلمت مشاعري." فكيف طاوعني قلبي أَنْ أدعها تحتمل غربة عن وطنها وعني، وحمل مسؤولية ولدينا؟! كيف استطعت وأنا المحب أَنْ أفعل بها هذا؟...

الوقت بالنسبة لي ليس له وجود. حيرتي بلا حدود..

ترى ماذا ستفعل هي والأولاد؟ هل ستعود إلى الوطن؟

أوه... وطن.... ما أجملها من كلمة، وما أروعه من إحساس. فلسطين. هي الوطن، ولكن أليست دمشق التي احتضنت طفولتي، وشبابي، وأحلامي، وطناً لي ولأولادي أيضاً....

دمشق موطن الحب والحنان. كيف هانَ عليَّ أَنْ أغادرها... أولادي لا أريد لهم أَنْ يغتربوا... ليتهم يوافقون على العودة إلى حضنها. أريدهم أَنْ يكونوا قرب فلسطين... أَنْ يعملوا لأجلها... لأجل عودتهم إليها، هي  أمهم. هي أملهم. هي. هي وحسب..

صورة ولديَّ لا تغيب عن عينيَّ. أشتاق رؤيتهم. ضمهم إلى صدري..

"نوال وصلاح.. أصرت سارة على تسميتهم أسماء تذكرهم بعروبتهم. وحاولنا جاهدين الاحتفاظ بعاداتنا، وتقاليدنا، ولغتنا، ولكن هيهات فمجتمع الغرب لا يقاوم.

لقد شعرتْ نوال بالتشتت وهي تعيش ازدواجية الحياة. بين أخلاقيات أردنا إلزامها بها، وبين حياة تعيشها، فكيف تستطيع التعايش مع مجتمع نريدها أن تنفر من عاداته. كانت محقة حين صرخت... لماذا يحق لأخي ما لا يحق لي؟...

وأجبتها بحيرة ولكن بحزم، أنت فتاة وهو شاب..

قالت بتحد.. هذا كلام لا أستطيع الاقتناع به...

قالت أمها برقة... ديننا وعاداتنا لا تسمح..

أجابت بجرأة... لي وحسب، أم لنا؟

قلت بيأس.... لكما، ولكن.....

قالت بهدوء... لا تقل يا أبي ولكن...، بل تذكَّر أنني غدوت غريبة بين أصدقاء أحتاج صداقتهم. لم أعد طفلة، وحديثكم عن مجتمع الشرق المعبأ بالحب لن يستطيع أن يمحو من ذاكرتي أنني سأبتعد عنكم يوماً، وأحيا حياة عالم اخترتموه لي يوم هاجرتم إليه وتركتم ذلك العالم المثال"...

رأسي بين يديَّ يكاد ينفجر، أركن جسدي إلى السرير المتكئ بوحشة على الحائط المواجه للنافذة...

"ليتني لم أغادر بلدي، ولكنني يومها كنت إنساناً آخر، ما تغيَّرت إلا يوم عرفت سارة، قابلتها في إحدى زياراتي لدمشق بعد هجرتي لأمريكا بعدة سنوات. كنت في زيارة لأسرة صديق...صحفية شابة... جريئة... وطموحة... حياتها فلسطين.. وقلمها لفلسطين... وحلمها العودة إليها، متحمسة إلىحدَّ التهور أحياناً...

جلست صامتاً أنصت لحديثها، كانت تتحدث بغضب عن المغتربين من أبناء الوطن، وكيف نسوه، وحين علمت أنني أحد مَنْ تهاجمهم أخرجت دفتراً وقلماً.. وقالت: ... لنبدأ حواراً عقلانياً إما أَنْ تقنعني، وإما أَنْ تؤمن بوجهة نظري، وتعود...

استمر الحوار  ثلاث ساعات وفي نهايته قلت لها... سارة هل تتزوجينني، وتمضين معي إلى بلاد الغربة لتقنعي بقية المغتربين بالعودة؟...

صمتت سارة وابتسمت.. ثم غدت زوجتي...

تذوقت طعم الحب الرائع، وأحسست بلذة الأبوة فما عاد يُغريني في الحياة شيء، لكنها ظلّت تخشى عليهما مستقبلاً نجهله....

كانت تقول لي... جهاد أخاف عليهما. ستقهرهما الأفكار السائدة، وسيغدوان جزءاً من هذا المجتمع يؤمنان بما يؤمن. وقد يصبحان أعداء لوطنهما...

فأهدئ من روعها قائلاً... في أعماقهما تترسب المثل والقيم التي علَّمناهما إياها. ولكنها لا تتوقف فتقول وكأنها تحادث نفسها... المغريات هنا قوية، والوطن بعيد. ولو وصل أحدهما يوماً إلى مركز سياسي كبير ترى هل سيعمل لنصرة وطنه؟ وأي وطن سيعتبره يومها وطنه؟...

وكنت أتهرب من تساؤلاتها بالصمت..".

مشتعل الأحاسيس يسحقني الانتظار... وعدتني سارة أن تقنعهم  بالعودة إلى الوطن، سأراها اليوم مع الأولاد. لابد أنه الوداع، وستبقى القيود، والوحدة علقماً يمتص سنوات  عمري الباقية..

دوامة الحيرة تُحكم ضغطها على أعصابي، وسؤال أرفضه ثعبان يلتفُّ حول رأسي.

أنادم أنا؟ لا.. لن أجيب.. لا بد أنه الانتظار، والشوق إلى مَنْ لم أعتد فراقهم، ولكن صدري سيحتمل ثقل الأيام الباردة، وقلبي سيعتاد رائحة الجمر المشتعل أبداً في أرجائه...

نعم سأعيش الحياة التي اخترت، وأرضى حرماناً عايشه أبناء وطن أحببته ونذرت أَن أفديه. وطن بدأتْ مأساته يوم ولدت، ولما تنته بعد... حاولت نزعه من قلبي بالانتماء لغيره فلم أستطع.. فكيف أكون نادماً؟..

السيارة تجوب بسارة الشوارع... اقترب موعد لقائها به..

"خائفة أنا من المواجهة، كيف أقتل آخر أمل لديه. هما أمله، وعودتهما إلى حضن وطنه وأهله أمنيته الوحيدة المتبقية... هو نادم على فعلته بشكل ما.. كان يمكن أَنْ يساعد وطنه أكثر لو بقي خارج أسوار سجنه، وموت ذلك الرجل لم ينه الاحتلال، ولا جبروت العدو، ومن يحمل أفكاره كثيرون جداً"...

السيارة تسير بناء على طلبها دون هدف، وهي تائهة حائرة  مع أفكارها..."الندم غدا بالنسبة لنا ومنذ وضع القيد في عنقه طائراً قبيح الوجه ينقر رأسينا باستمرار ورتابة.. صار طبلاً بين يدي كاهن إفريقي يدوي صوته في أرجاء قلبينا... أصبح علقماً في فمي وفمه، ولكن إلى متى؟! وما الفائدة؟

ما حدث حدث، ولابد من تقبِّل الواقع والحقيقة. لن يفيد الندم، ولن يعيد الزمان. لن أستسلم، ولن أدع أولادي يضيعون مني. سأضمهم إلى حضن قلبي ثم إلى حضن الوطن... دون أن يعوا سأجعلهم يعشقونه، ويعودون إليه. لن أجعله يخسرهم...".

خطوات تقترب. لابد أَنَّ الموعد قد حان.. سارة بثوبها الأخضر الذي أحب تدنو...

ـ الأولاد.. أين هم؟ ألن أراهم قبل الرحيل؟

ـ لن يرحلوا أيها الغالي..

ـ هذا ماكنت أخشاه.. ألم تحاولي إقناعهم؟...