|

بقلم
الكاتب: ناجي ظاهر

حكاية مُهرة
أوقعتني مهرتي عن صهوتها فانكسر خاطري، لا تضحكوا أيها القراء، هذا
ليس زمن الضحك، انتظروا قليلا، فأنا أكتب لكم قصة من هذا الزمن، فعلا أنا
أكتب قصة، ولا أنقل خبرا، ألم أقل لكم، إن خاطري انكسر بعد إسقاط مهرتي لي
عن صهوتها؟ لو نقلت لكم نبأ إسقاطها لي لكان هذا خبرًا، اسألوا فورستر، أما
إذا ألحقت بالخبر شرحا، فإن النبأ يضحي حدثا. الحدث يتكوَّن من سبب
ومُسبِّب، هكذا تكون القصص.
تتساءلون بماذا يهذي هذا الرجل؟ الحق معكم، قد أكون أهذي، نعم قد
أكون كذلك، ألم تعلموا أن هذا زمن الهذيان أيضا؟ ثم ماذا تتوقعون من رجل
أسقطته مهرته عن ظهرها أن يقول لكم؟ أن يأخذ في الضحك، على ما جرى له؟ لا
لست أنا من يَضحك، ربما كنت أنا من يُضحك أما أن يَضحك، فإن هذا لن يكون،
في بلدتنا لا أحد يضحك لنكتة أطلقها إلاّ إذا كان أهبلَ، وأنا لست كذلك،
ألست كاتبَ قصص، كما ترون؟
كنتُ اعتقد أنني أنا من يمسك بشعرة معاوية، منذ التقيتُ بها حتى
إسقاطها لي عن متنها، وأنا أُمسك بالشعرة، فإذا شدَّت أرخيت، فوقعت وآلمها
كفلها، وإذا أرخَت، شدَدْتُ جاذبا إياها إلي، حادبا حانيا، في كلتا
الحالتين كنا، أنا وهي، متفقَين، إما أن تشد فتؤلمها قفاها، وإما أن ترخي
فتكون في أحضان الحبايب، ليس حبايب عبد الحليم حافظ، وإنما في أحضان حبايب
ملموسين وتطالهم اليد، فتسري سرى نسيم الناصرة.
هكذا كنت أعتقد، إلا أن الأمر اختلف، اختلف اختلف، فعلا الأمرُ
اختلف. شعرة معاوية لم تكُنْ بيدي أنا فحسب، وإنما هي كانت في يدها أيضا،
هذا ما تبيَّن فيما بعد. تسألون كيف، انتظروا قليلا، سأخبركم بكل ما حصل.
أَلَم نتَّفق أن القصص تحتاج إلى صبر حتى تأتي مقنعةً وحتى يقبلها القلب
والعقل؟ هل أقول إن لكل منا، أنا ومهرتي، شعرته الخاصة به؟ ربما، ولمَ لا
يكون الأمر كذلك؟ تسألون كيف؟ أجيبكم، فظاعة كم أنتم مستعجلون، أتكون
إسرائيل أثرت عليكم إلى هذا الحد، فزرعَت فيكم حب الوصول إلى النهاية
بسرعة؟ طوّلوا روحكم، نحن نروي قصة، ونقتفي الأثر رويدًا رويدا، طوّلوا
روحكم، اقتفاءُ الأثر لا يتم بسهولة، وإنما يحتاج إلى تأنٍّ وصبر، قصَّاص
الأثر يبحث عن أيةِ شعرة، على ذكر شعرة معاوية، أو عقب سيجارة، أو سيجار،
كلينتون ومونيكا.
في السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة، منذ انتقلت للإقامة، في الحي
اليهودي، في نتسيرت عيليت، ابتدأت مهرتي، في إظهار شعرة معاوية، هي أيضا
ابتدأَت ترخي حينما أشد، وما أكثر المرّات التي أوقعتني فيها، أخت الشليتي،
فآلمتني عجيزتي. تضحكون؟ اضحكوا بلا أسنان، شو بضحِّك في هذا؟ إنسان يقع
على قفاه، هذا بضحِّك، اضحكوا، جعله لا حدا ضحك! أما حينما كنت أرخي، فقد
كانت تجعلني أتراخى، فأصبح مثل شريطة، لا تجد من يمسح بها بقايا ليلة
حمراء.
بين الوقوع على القفا وبين التراخي، حتى عملها في الكلسون، قضيت
وقتا طويلاً، وما زلت أقضي، ليس هذا المهم، المهم هو أننا، أنا ومهرتي، كنا
بحاجة إلى ميثاق شرف نمهره بتوقيعنا، كي نتمكَّن من مواصلة التنـزه، في
سهول المدن العربية، وعلى هضاب المدن اليهودية وجبالها الصعبة. ميثاق الشرف
ليس ذاك العربي، الذي وقعناه، في أزمان غابرة، وإنما هو ميثاق جديد "خلنج"،
له لمعة خاصة، تنبعث من عين مهرة بارحة.
لعبة الشدِّ من ناحيتي وبعد ذلك من ناحيتها، باتت مكشوفة، وأصبحَت
مع مضيِّ الوقت لعبةً مكشوفة، أقصد أنها فقدت نكهتها. وللتوضيحِ أقول لكم:
هل رأيتم من يلعب الشَّدَّة، بورق مكشوف؟ هه، والله أريد أن أضحك أنا هذه
المرة، فأي لعبة يمكن أن تكون بورق مكشوف؟ لن تكون بالطبع. لماذا؟ لأن
أحدًا لن يلقي أوراقه، وسوف يحسب حسابا لكل طارئ، هذا في أفضل الحالات، أما
في أسوئها، ونحن فيه، فإن الاثنين سيتوقفان عن اللعب، وسوف ينظر كل منهما
إلى الآخر دون أن يقذف ورقة قائلا: صُلد. لا صُلد ولا بطيخ، ما سيكون هو
أننا كنا بحاجة إلى ميثاق آخر جديد، غير ذاك الأول، الذي وقَّعناه يوم
التقينا، في المرَّة الأولى.
هكذا ابتدأت بيننا، أنا ومهرتي، لن أردِّد هذه الجملة الجاهزة،
مرَّة أخرى، أحفظوها أنتم، عندما أقول، نحن، فأنا أعني أنا ومهرتي،
أحفظوها، لن أشرح مرة أخرى، ثم إنكم تعرفون أن الشرح يقتل الفن. دعونا يا
إخوان نمارس الفن، بلا شرح ولا بلوط. أقول، وهل أنسى؟ هكذا ابتدأَت بيننا
فترة جديدة،. لا أحد منا فيها يمارس لعبة الشدِّ وما تؤدّي إليه من وقوع
على الأقفية، فلا أنا أفتعل الابتسامة في أعقاب الوقوع المدوّي، وأدَّعي
أنني أنفضُ الغبار عن قفاي، حتى لا أشمتها بي، ولا هي تأخذ في التمسيد على
كفلها، إثر وقوعها الفاضح، مدَّعية أنه لا يوجد هناك مهر يستحقه في العالم.
كان السؤال المطروح ضمنًا: هو ماذا علينا أن نفعل كي نحفظ أقفيتنا،
وحتى لا يقع أي منا، فيمارس تلك اللعبة، لعبة الألم والادّعاء بعكسه؟ وكان
كل منا يطرح على نفسه السؤال تلو السؤال، دون أن يعثر على إجابة له. على
هذا النحو، مضت الليالي، كلٌّ منّا يقف، ولا يتقدم، كلٌّ منا ينظر إلى ورق
الشدة في يد الآخر، ولا يضرب ضربته القاضية.. صُلد.
مضت الليالي، وأصبح كلٌّ منا حلمًا، بالنسبة للآخر، أنا أحلم بها..
تنظر إلى البعيد، تاركة شعرها الأسود، يتطاير، في مداه، وأركض محاولا أن
أركض كي أصل إليها، دون أن يكون لي، دون أن أصل، وتبيَّن فيما بعد، أنها هي
كانت تراني في حلمها، في صورة قريبةلهذه، مهر شرقي القسمات، ذي شعر أسود
يتطاير في مداه. هكذا عبث بنا الحلم حتى أغرانا، إلا أن أحدًا منا لم
يتقدَّم، ربما خشية من سقطة أخرى تؤلم القفا، وقد تكسر القحقوح، هذه
المرَّة لشدة ما رافقها من معرفة.
بقي كلٌّ منا يفكِّر في قحقوحه، إلى أن كفَّ عن التفكير، وشو
هالحياة اللي بدُّه الواحد يظل يفكِّر فيها بعضو واحد من أعضاء جسمه؟ شو
هالحياه، اللي بدُّه الواحد يظل يفكر فيها بقحقوحه، وهل انتهت الدنيا،
ابتدأت وتوقفت على تلك العظمة في أسفل العمود الفقري؟ ولماذا لا تتجاوزها
إلى عضو آخر، تكمن فيه نار الحياة؟ لماذا لا تنتقل إلى... وإلا بلاش، لماذا
لا تنتقل إلى الرأس، حيث يقبع شرف المهر والمهرة؟ وغيرهما من الكائنات
الثديية على الأقل؟
أحيانا تنقلنا أفكارنا بصورة هلامية، إلى حيث هي، فما أن نفكِّر في
أمر ونتعمَّق فيه، نخلص له تمام الإخلاص، نصير هو ويصير نحن، حتى يتحوَّل
إلى حقيقة قائمة وموجودة، وهذا ما حصل لنا؛ فما أن توصلت، أو توصلنا، إلى
فكرة أن نفكِّر برؤوسنا، حتى ابتدأ كل منا يتحرَّك باتجاه الآخر. الحياة
ابتدأت تبتسم، الماضي، قبل الإقامة في الحي اليهودي ابتدأت باجتياح
أطرافنا، الشعر في الحلم ابتدأ يستقبل الحياة المفقودة، الحلم ابتدأ يعود
ليكون واحدًا. اختفت شعرة معاوية، لم يعُدْ أحد يفكِّر في أي عضوٍ آخر من
أعضاءِ جسمه. بات الجسم كلاًّ واحدًا موحَّدًا، بل إنني ادَّعي أن المسافة
بين جسمي وجسمها، جسم مهرتي، تقلَّصت، بعد تأثير الحلم المشترك، وعودته.
قرّب الحلم بيننا، وهكذا بات اللقاء مجددا، امرًا مفروضا ولا بدَّ
منه، تدفَّقت الحياة بقوَّتها القديمة الماضية في جسدينا مرة أخرى. كانت
تعرف طريقها، لهذا لم تتأنَّ، ولم تجمجم، وإنما اندفعت في طريق هي صنعته
وهي من يعرفه، ومن مثلها يعرفه، واندفع كلٌّ منا اندفاعة مهر راغبٍ في
الحياة، لا يرده رادٌّ عنها. هي اندفعَت وأنا اندفعتُ. اعتليت صهوتها،
اعتليتها، وأنا أعرفُ أنني أعتليها، فانطلقت انطلاقة فرح مباغت مجنون، وكنت
على صهوتها مثل فارس عربي ثكلته أمُّه، وعاد مجددا ليعتلي صهوة مهرته.
انطلقَت بي مهرتي، جنَّ جنونها. وصلت إلى مناطق معتمة تجلت فيها ألوان
الحياة كلها، حتى أنها راحت تصهل، وجنَّ جنون محسوبكم، فراح يشاركها
الصهيل. أنا وهي رُحنا نصهل، كأنما نحن صوتان ينطلقان من حنجرةٍ واحدة،
وحّدنا صوت طالما تاق إلى وليفه الصوتي. ابتسمت وردات الحلاج، اختلفت
ألوانها، جنَّ جنون العصافير، فراحت تبتعد عن أشجارها، محلقة في فضاء
سرمديّ بعيد. طارت روحانا أنا وهي إلى أجواء سحرية لا حدود لها، فبدت مثل
جنات تجري من تحتها الأنهار، وبدَونا فيها، أنا وهي، خالدين أبدا.
وفجأة فجأة فجأة، أسقطَتني مهرتي عن صهوتها فانكسر خاطري. تضحكون
لهذا المقلب الذي نسجَتْه لي مهرتي ونفَّذته ببراعة؟ تضحكون لأنكم لستم
أنتم من انكسر خاطره. طيب انتظروا، عيشوا لترَوا، عيشوا ليحصلَ لكم مثلما
حصل لي، بعدها تعالَوا وحاسبوني، تعالَوا وسوف تجدونني بالانتظار. لن أكون
وحيدًا، ستكون هذه القصة معي، كل ما أطلبه منكم حاليا هو أن تضعوني في
ذاكرتكم، وألا تنسوني، يوم يصيبكم مثلما أصابني، ويوم تُسقطكم مهرتكم عن
صهوتها فينكسر خاطركم، تذكروا هذا جيدًا.. لا تنسوه.
  
تمثالان حيان
لو لم أستجب لطلب مدير المدرسة، صديقي من أيام الطفولة، لما التقيتُ
بها، ولو لم أقدِّم تلك المحاضرة العصماء عن الأدب والتجربة الأدبية ودور
المرأة فيها، لما مكَّنتُها من الدخول إلى أعمق ركن يمكن أن تصل إليه في
متاهات نفسي المتعبة، المتشوفة إلى امرأة تملأ فراغاتها الرهيبة المرعبة.
الكلام يتدفَّق من فمي مثلما يتدفق اللمى من فم امرأة اشتاقت إلى
رجل، فبدت شفتاها وكأنما هما عالم ينتظر عالمًا آخر مماثلا.
أتحدث وأتحدث وأتحدث. أكتشف أنني أتحدث إليها، إليها هي. هي من تريد
أن أواصل.
الطلاب متعبون. هي لا...عيناها تشجعانني على مواصلة الحديث. كلماتي
تلمع على نظارتها الطبية. أشعر بقوة هائلة تتدفَّق من أعماقي. لو لم يبقَ
واحد في العالم سواها فإنني سأواصل.
ينتهي اللقاء.
تنصرف. أتابع عجيزتها.
تدخل غرفة المدير. تخرج. يخرج المدير. يرحب بي. يبالغ في ترحيبه.
أفهم أنها قدَّمت شهادة إيجابية. أفكر ماذا دفعها؟ أهي كلماتي؟ أم أسباب
أخرى؟ يجب أن أعرف. أريد أن أعرف. لأدنو منها. أدنو. لأسالها. ماذا أسالها؟
عيناها تدعوانني من وراء نظارتها الطبية لأن اسأل. أشعر أن بإمكاني أن أطرح
أي سؤال كي تفتح لي أبواب الجنَّة المغلقة.
-أعجبتك المحاضرة؟!
تبتسم. عيناها تقولان كلاما لا أفهمه. أجتهد في فهمه. أعجز. أسلم
أمري للوقت. المهم أن أواصل الكلام.
أكرر السؤال. لا ترد. تطرح سؤالا لا يفصح عما في أعماقها.
-أنت من قرية مهجرة إذا؟
لا أعرفُ ماذا أقول. تتابع:
-أنا أيضا من قرية مهجَّرة. ولدت بعد سنوات من تهجير الأهل. بالضبط
مثلك.
أجواء المدرسة تأخذني. أتطلع إلى ما يحيط بي. المدرسة حافلة
بالمعلمات. أيُّهن تشبه زوجتي؟ أتحول من زوجتي بسرعة إلى مهجَّرتي. أيهن
تشبه مهجَّرَتي؟ النساء هنا سمينات. كلهنَّ سمينات. أراقب أردافهن. منذ
تركتُ زوجتي وعجيزتها الصاخبة وأنا أراقب خلفيات النساء وكأنني لم أرَ ردفا
في حياتي. بإمكانك أن تعرف المرأة من دبرها، فإذا كانت ذات فقار عريض
فأعرفُ أنها لا يهمها شيء، ومن الممكن أن تتركك وتمضي دون أن تلتفت إلى
الوراء، وإذا كانت ذات ردفين مهتزَّين، فاعلم أنها يمكن أن تلاعب العالم
عليهما دون أن يطرف لها جفن.
تستغرقك الأفكار. تحاول أن تستفيد من قراءاتك المكثَّفة في الجنس
لخلفيات النساء. ما قرأته في "الكاما سوترا" و" ألانانا رانجا" قد يسهل
عليك. في هذه المؤلفات ترتبط حركات المرأة بتعاملها مع الجنس، فإذا كانت
تحب تقبيل الأطفال، فإن لديها رغبة شديدة، ويسهل التعامل معها، وإذا كانت
ضحوكا ولا تخبئ أسنانها براحة يدها، فإنها تقبل على الرجل بسهولة. اعلم أن
لكل امرأة مفتاحا، وإذا ما رفضتك امرأة فلا تيأس. ابحث عن مفتاحها وسوف
تجده.
تختفي مهجَّرتك. أين هي؟ تفتعل الحركات كأنما أنت تبحث عن مرافق
فقدته. تصل إلى غرفة المدير، وباب المدرسة. تعود إلى داخل المدرسة. لا
تجدها. تغمض عينيك. تريد أن تتصوَّر كفلها. أي نوع من النساء هي؟ وما هو
شكل دبرها. اكتشف أنني لم أرها إلا مقبلة. ينادي عليك المدير. تذهب. تلتفت
إلى الوراء للمرة الأخيرة. تراها هناك مديرة ظهرها مدبرة. فقارها هادئ. هل
هي هادئة؟ المدير يمضي أمامك. أنت تمضي وراءها. المدير يناديك، وسؤال حائر
يناديك أيضا. تدنو منها تسألها عما إذا كانت ستأتي لمواصلة اللقاء في
الطابق الثاني. ترد عليك بأنها على استعداد لمرافقتك إلى حيثما تشاء.
حاولت في الأيام التالية أن أقرأ كفلها. لم أتوصَّل إلى أية نتيجة
وكنت كلما طرحت سؤالا يفضي إلى آخر. اكتشفت بعد أيّام أن أي سؤال يمكن أن
يكون مصيبا، وأن يكون مخطئا في الآن ذاته. هكذا وصلت إلى طريق مسدود لا
مخرج له، ثم كيف أطلب الإجابة دون أن أكون على اتصال بها؟ ودون أن أعرفَ
عنها سوى أنها مهجَّرة مثلي؟!
أسلمتُ أمري في النهاية للوقت، فإذا قدَّم إجابته، تحالف العالم على
طريقة بول كويليو وساعدني في قراءة أغرب كفل رأيته خلال ثلاثين عاما، وإذا
لم يقدِّم إجابته تركت الأمر لأنه لا نصيب لي فيه.
بعد أسبوع أغمضتُ عيني، فرأيتُ نظارتها وكفلها ولم أعد أرى بسرعة،
وما أوشكت أن أنسى ملامحها حتى تلقيت رسالة منها. أقرأ. لا أفهم. أقرأ
وأعيد القراءة. لا أفهم. أحاول أن أعيد روابط مفقودة بين الكلمات. أفهم أن
هناك سيدة تدعو رجلا ليعيش يومًا أطول من قرن، وأنها لا تريد أن تغادر هذا
العالم دون أن تجرِّب أمرًا أرادت أن تجربه، وأنها هي من سيكون الضيف
والمضيف(!!) ترى هل تمكنني رسالتها من قراءة كفلها؟
لم تمكِّني بل زادت في حيرتي.
في الأشهر الستة التالية توطَّدت العلاقة بيننا. تبادلنا الرسالة
تلو الرسالة وكنت كلما اعتقدت أنني أقرأ كفلها، أكتشف أنني سرت في طريق
الخطأ، وما أن أعتقد أنني اكتشفت الحقيقة ووصلت إلى حرها، حتى يتبيَّن لي
عبث ما اكتشفته!! كانت ما أن تفصح عن أمرها حتى تخفيه وما أن تفي باللقاء
حتى تخلفه. كانت تأتي ولا تأتي. تحضر كالغائبة وتغيب كالحاضرة. يركض كل منا
باتجاه الآخر وما أن يصل إليه، حتى يكتشف أنه ما زال بعيدًا عنه، كأنما هو
لما يغادر مكانه بعد. المسافات بيننا أضيق ما تكون وأوسع ما تكون، وكنا مثل
تمثالين حيين يسعى كلٌّ منا إلى الآخر ولا يتقدم.
ومضت سنة وتلتها سنة، وجاءت سنة جديدة وأنا أحاول أن أقرأ كفلها
الهادئة، دون أن أفلح. عدت إلى الكاما سوترا والأنانا رانجا، وسألت الشيخ
النفزاوي وروضه العاطر، ولم أجد إجابة.. وعدت إلى السنوات الماضية وإلى ما
حفلت به من مشاعر ونظرات عبر نظارة طبية، وكنت كلما مرَّ الوقت أغرق في
هدوء كفلها.. أغرق أغرق.
  
طيور الرغبة
صديقتي العزيزة أحلام،
وتسألين عن حالي؟
وكيف سيكون حالي بعد كل ما عرفتِه عني وما أخبرتك عنه من غربة
أعيشها ليل نهار، إلى جانب رجل في السبعين من عمره، يكبرني بثلاثين عاما،
ارتبطت به إثر انفصالي عن زوجي وتركِهِ لي بعد أن جذبته امرأة أخرى؟
آخ يا أحلام، ما أقسى الليل على الوحيد، وما أمرَّ النهار؟ أنت لا
تعرفين ماذا يمكن أن يفعل بك وجودك إلى جانب رجل يُقبّل يديك وقدمَيك ويعبد
جسدك في النهار، وينصرف عنك في الليل لنوم عميق وشخير.
صدقيني، إن لياليَ تمضي عليّ لا يغمض لي جفن ولا أكاد أنام فيها
لحظة!! وهو – زوجي- يستلقي إلى جانبي على فراش وثير لا حياة فيه.
بالأمس سمعت أنينًا قادما من بعيد بعيد يدعوني إليه، تعوَّذت من
الشيطان، وغمرت رأسي بالمخدَّة، إلا أن الأنين ما لبث أن عاد يدعوني
ويُلحِف في الدعوة.
نظرت إلى جثَّة زوجي إلى جانبي. كانت مثل خرقة بالية انتهت مدة
صلاحيتها، ربما منذ ثلاثين عاما. مدَدْتُ يدي أريد أن أوقظه، أريد أن أحسَّ
بمن يشاركني العيش في ظلام الليل، ومن يؤنس وحدتي.
تردَّدت. عدت ومدَدت يدي وعاد إليَّ تردُّدي، حتى لو استيقظ سوف
أحسُّ بوحدة أقسى وأمرّ. إنها وحدة الصدّي على تخوم صحراء لا نهاية
لحدودها. كم تخيفني هذه الصحراء بتخومها المترامية الأطراف وبرمالها
الصامتة، كم تخيفني يا أحلام.
حاولت أن أدعو سلطان النوم إليَّ فلم يأتِ. انتظرتُ أن تهبط عليّ
الأحلام من سمائها العالية، بقيت بعيدة هناك. حاولت، نعم حاولت أن أتذكَّر
زوجي السابق ولياليه الحمراء، لم أفلح. استدعيت ملائكة البر والبحر لم أجدْ
أحدًا منها يلبّي دعوتي أنا المرأة الوحيدة إلى جانب رجل نائم.
ضربتُ أخماسا بأسداس. دخلتُ في متاهات لا مخارج لها، إلا أن المجهول
كان يقذفني معيدًا إياي إلى حيث أنا، إلى جانب رجل لا قدرةَ له على إشباع
رغبة امرأة في زهر البساتين من عمرها، امرأة وجدت من يوقظ فيها ملاك
الرغبة، وما لبثت أن فقدته بعد أن غضبت عليها آلهة الكون، فجعلت ملاك
الرغبة زائرها، ينصرف إلى امرأة أخرى مفضلا إياها عليها.
أتوقَّع أن تقولي يا أحلام، كما قلتِ أكثر من مرة حين شكوتُ إليك
أمري وأولجتك أسرار ليالي، إنني لست المعذبة الوحيدة بنار الحرمان، وقد
أستمع إليك بكلِّ شعرة برزت للتو على سطح جلدي، وتدمع عيني كما تدمع الآن،
وأخبرك أنني أعرفُ أن هناك الكثيرات ممن يعانين مثلي وربما أكثر، غير أنني
سأقول لك والدموع تلمع في عيني: إن وجود العذاب لدى امرأة لا يبرِّر وجوده
لدى امرأة أخرى، وسوف أضيف فأقول لك: إذا كنت من غواة المقارنة فلماذا
تقارنينني بالمعذبات وتتجاوزين في الآن ذاته أولئك الهانئات في أحضان أزواج
حانين ومحبين يفيضون رقَّة؟
كل كلمة ستقولينها يا أحلام، ستدفعني للمزيد من التفكير في حالي،
وسوف أغادر فراشي الزوجي دون أن يشعر بي أحد، كما فعلت الآن، كي أكتب إليك
رسالة أبثّك فيها بعض ما في صدري من جوى وحلم بزندي رجل مثل زوجي السابق،
سامحه الله.
بعد ذلك سأعود إلى الفراش ذاته، ولن يشعر بي أحد، أنا متأكِّدة من
هذا. سأحاول أن أكرِّر محاولة إيقاظ زوجي وسوف أتردّد، فأنا بحاجة إليه،
حاجة وردة حمراء لقطرة ماء تبعث فيها الحياة..، حتى تأتي قطرة ماء أخرى
تجدِّد فيها حياة توشك أن تغادرها.
يعلو إيقاع الأنين الآتي من بعيد. أغلق أذني بيدي. لا أريد أن أذهب
إليه، لا أريد أن أستجيب لعوائه، أهرب منه، أهرب من نفسي. ألامس صدري، أشعر
به حارا.
أمدُّ يدي إلى أطراف زوجي المتيبسة إلى جانبي، أمدُّها للمرة
الألف، لا أعرفُ. أتجرأ هذه المرة، أهزه. يفتح عينيه ثم يغمضهما، يهتف بي
طالبا مني أن أنام، أقول له إنني قلقة وإن النوم هجرني، فيقول وهو بين
النائم والحالم: نامي يا حبيبتي، حاولي أن تنامي وسوف تنامين.
أتركه، أحاول أن أنام، لا أُفلح. ترنُّ في أذني كلمة حبيبتي،
أتساءل أي حب هذا؟ وما هو؟ وهل ينام الحب؟ لطالما قال لي زوجي السابق وأنا
أحاول أن أتملَّص من بين ذراعيه القويين، أن الحب لا ينام، انهضي الآن
بإمكانك أن تنامي في الغد، أما الآن فبي رغبة هائلة بك وبفوح رائحتك.
تلحُّ علي ليالي زوجي السابق، أشعر بشوق إليها. أقول لنفسي إنني كنت
أقبل أن أكون امرأة ثانية في حياته على أن أكون امرأة أولى في هذا الفراش
الميت، لكن هيهات أن يكون لي هذا. نحن لا نعرف طريق السعادة يا أحلام، وإلا
كنا نواصل السير مهما واجهنا فيها من نساءٍ شبقات وخطافات رجال. ما أصعب أن
تفيق الواحدة منا متأخرة، وبعد فوات الأوان.
آخ ما أصعب هذا وما أقساه!!
يتململ زوجي إلى جانبي، أشعر أنه سيستيقظ، مثلما كان زوجي السابق
يفعل، وأنه سيدني فمه من أذني، وسيطلق نفسا يوقظ الحياة النائمة هناك، يقول
لي أحبك أنت المرأة الوحيدة التي تروق لي في العالم. أنا لا أعرفُ أن أنام
وأنت مستيقظة، لا أعرفُ أن أنام يا حبيبتي. وتستيقظ الحياة في كل شعرة ظهرت
للتو على سطح جلدي، وتأخذنا ساحرات الليالي إلى أقاصٍ لا حدود لها. تأخذنا
إلى هناك حيث طيور الرغبة تشرئب بأعناقها، وتدعونا إليها فنلبي النداء
مبهورين بشبق لا يهدأ. تجذبني الرغبة إلى جسد زوجي إلى جانبي. ألتصق به،
ألتصق به. أحاول أن أخرج شهوة ما لم تخرج ستتفجر في داخلي وستفجره. ألتصق
به، آه ما أحلى أن تلتصق امرأة بجسد رجل، ألتصق أكثر. أحسُّ بالنشوة
تراودني، أنسى العالم من حولي، ألتصق أكثر فأكثر بجسد زوجي النائم إلى
جانبي، أقترب من تحقيق وجودي. يطل ملاك الرغبة من كل شعرة طالعة للتو. أشعر
أنني قريبة من جسدي، أنني أعيشه... يتململ زوجي إلى جانبي. يهتف بي طالبا
أن أنام. أرتدُّ إلى الوراء. شعور غير محدود بالوحدة يستولي علي. أبتعد عن
زوجي. يعلو أنين الرغبة مجدّدا يدعوني إليه. تعود النشوة المغادرة إلى
جسدي، فأزحف باتجاه الأنين. أزحف مخلفة ركام زوجي.. ورائي.
  
دويُّ الصمت
امرأة تقف قرب محطة الباص، بطن متكوِّر قليلا، ثوبها يوحي أن تحته
قدمين متعبتين، قدمين لا تتناسبان، مع بطنها المتكوِّر.
يقترب منها، إنه يعرفها، من هي يا ترى؟ ملامحها ليست غريبة عنه. هو
متأكد من أنه رآها ذات يوم، لا ليس متأكدًا مائة بالمائة. كيف يمكنه أن
يعرف؟ ماذا عليه أن يفعل؟
اقترب منها أكثر، صار بمحاذاتها تقريبا، قدماه أصبحتا ثقيلتين،
لسانه جره جرا:
-مرحبا.
افترَّ ثغرها عن ابتسامة. ابتسمت عينها. هو يعرف هذه الابتسامة.
مؤكد أنه يعرفها. ردَّت صاحبتها:
-أهلا.
أراد أن يتوقف.
قدماه جرتاه مرة أخرى، هناك بالقرب من المحطة، على مبعدة مترين أو
ثلاثة أمتار، وقف رجل يعرفه. تلبَّك، لم يعرف ماذا يفعل. أين يا ترى رآها؟
وهل هو واهم؟. صديق عرف بذكائه، قال له إننا كثيرا ما نرى وجوها نعتقد أننا
نعرفها، لشدَّة ما تبوح به من ألفة، إلا أننا ما نلبث أن نكتشف أنها
المرَّة الأولى التي نراها فيها. أتكون صاحبة الوجه، صاحبة الابتسامة من
هذا النوع من الناس؟ لا. لا. محال أن تكون كذلك.
خطرت في باله خاطرة. لماذا لا يتوقَّف، لماذا لا يدقِّر، بحيث تراه؟
دقَّر على مبعدة تمكنها من رؤيته. لم تتحرك. بعد خطوات دقَّر مرة أخرى. لم
تتحرك أيضا. يا ألله هو يعرفها، يعرفها. لكن متى وأين رآها؟ لا يعرف لا
يعرف لا يعرف.
واصل سيره.
قبل أن يدخل مكتبه القريب من محطة الباص، دقَّر للمرة الأخيرة. لم
تتحرك. لم يكن أمامه سوى أن يدخل المكتب، وأن يبدأ يوم عمله المعتاد.
فتح بريده الإلكتروني، يريد أن يعرف ما وصل إليه ليلة أمس من رسائل
وأخبار، ليحررها ويرسل بها إلى صحيفة" المدى".
بقيت ابتسامتها تلحُّ عليه. من هي؟ من هي يا ترى؟ وإذا كان يعرفها،
يعرف ابتسامتها، لماذا لم تلحقْ به؟ لماذا لم تستوقفْه؟ تراها خجلت مثلما
فعل هو؟ أم أنها... لمعت في خاطره ابتسامة، إنها هي، هي وليست سواها. تلك
الابتسامة اختفت في الذاكرة أكثر من عشرين عاما. داهمته تداعيات أشبه ما
تكون باندفاعات أوراق الصحف حين تتدافع خارجة من فم مكنة الطباعة صُورة إثر
صُورة. إنها هي، هي وليست سواها، كيف نسيها؟ هي تلك الفتاة الخجول. بقيَت
خارج مكتبه حينما دخلت صديقتاها. يومها أحسَّ أنها بقيَت في الخارج، افتعل
سببًا للخروج من المكتب. سحرته ابتسامتها. طلب منها أن تدخل. رفضت. بعد
أيام أتَت إليه. دخلت متردِّدة. شجَّعها على الحديث. أحسَّ أنها تجد صعوبة
في التأقلم مع جوٍّ جديد. شجَّعها أكثر. فتح أمامها أكثر من إمكانية
للتحدث. طلب منها، دون أن يطلب، أن تتحدَّث عن ذاتها. تدفَّق الكلام من
فمها دون جهد. ارتاحت إليه. أحسَّ أنها لن تكون امرأة عابرة في حياته. أوحى
إليها بإحساسه. بعد سنة جاءت إليه. أخبرته أنها ارتبطت بشخص آخر. أهلها
أكرهوها عليه. قالت إنها لا تستطيع أن تخالف أمرًا لأهلها. دعته إلى بيتها
ليتعرَّف على زوجها. تعرَّف إليه. لم يكن زوجها إنسانا سيئا. ذهب ليعدَّ
القهوة. اغتنم الفرصة ليسألها ما إذا كانت مرتاحة. أجابته إنها متعبة،
وإنها أخبرت زوجَها أنها لا تحبه. فردَّ عليها إنها ستحبه في يوم من
الأيام. وأنه سينتظر هذا اليوم، فهو إنسان ليس سيئا ويعرف نفسه جيدا. خرج
من بيتها. لم يعد إليه. وها هي اليوم تظهر مجددا.
نهض. ابتعد عن الحاسوب قبالته. جرّته قدماه إلى الخارج. اندفع خارجا
من مكتبه. هو ينبغي أن يذهب إليها ينبغي أن يسألها عن حالها.
خرج من مكتبه. ترك أبوابه مشرعة. سار باتجاه المحطة. أرسل نظره إلى
هناك. أراد أن يعرف ما إذا كانت ما زالت تنتظر أم أنها اختفت مجددا.
رأى طيف امرأة ما زالت تقف هناك. أخرج نظارته الطبية ليتأكد من أنها
هي ما زالت تنتظر هناك. رآها. إنها هي. ربما هي ما زالت تنتظره. ربما
ساورتها هواجس مثل هواجسه. ربما هي كانت نسيت مثلما نسي، تذكرت مثلما تذكر.
ربما توقعت أن يعود إليها.
طيف الرجل قرب المحطة أوحى إليه أن الرجل ذاته ما زال واقفا هناك.
هذه المرة سيفتعل حركة، تقرِّبه من المحطة. سيمر بالقرب منها وسوف يتحدَّث
إليها، وإلا فإنه قد ينتظر عشرين عاما أخرى حتى يراها، ثم من يضمن له أنه
سيتعرف عليها بعد كل تلك السنوات؟ الأفضل له أن يتحدَّث إليها الآن، أن
يدعوها لفنجان قهوة. أن تطمئنه. أن تقول له إنها ما زالت موجودة، وإن
أفراحنا الصغيرة تبقى ما بقي في عروقنا نبض. وأن يفترَّ ثغرها عن ابتسامة
هو متأكد أنها اختبأت هناك في ملامح وجهها، وبإمكانها أن تنشرها مثل كلمات
طيبة على صفحة دفتر أو شاشة حاسوب.
لفَّ دورة، حاول أن يجعلها قصيرة، دورة توصله إليها بأسرع ما يمكن.
اقترب من المحطة حيث رآها قبل قليل. كانت المحطة خالية، ولا أحد فيها سوى
صمتٍ عمرُهُ عشرون عاما. اختفَت مرَّة أخرى. ومرَّة أخرى اختفى الرجل
القريب من المحطة، ولم يعُد هناك سوى صمت... مُدوٍّ.
  
الرجل والجُعل
الليل بهيمة سوداء وجهها قمر مضيء. يرسل الرجل العجوز نظرة ليطمئنَّ
على أن أحدًا لا يعكِّر ليله، وأن الورشة ستبقى سالمة آمنة كما كانت منذ
ابتدأ في حراستها قبل سنين. يهزُّ رأسه راضيا.
يتناول عودًا من كوم الحطَب المكوَّم إلى جانبه. يلقي به إلى موقدة
النار قبالته. يزداد أوار النار اشتعالا. تسري في أطرافه نفحة من الدفء.
يفرك يديه راضيا مرضيا، الحمد لله على كل شيء، بيده مفاتيح الرضا وهو قادر
على كل شيء.
يغمض الرجل عينيه، يشعر بقليل من الجوع، بإمكانه أن ينتظر لحظات
أخرى، كي يقوم إلى البراد الصغير في الورشة، ويستخرج منها رغيفا من الخبز،
وإلى جانبه حبات زيتون اشتراها وهو في طريقه إلى مكان عمله الليلي منذ
ساعات، أما الآن فإن ليلا طويلا بطيء الكواكب ينتظره، ليلا اعتاد عليه، منذ
كان شابا غضَّ الإهاب. شعور بالوحدة انتابه، إلا أنه ما لبث أن نبذه كما
فعل دائما. الشعور عاد يلحُّ عليه. ابتدأ في النظر إلى ما يحيط به كما فعل
منذ سنوات بعيدة، لعلَّه يجد ما يتلهَّى به وما يمضي به ليلا طويلا
بانتظاره.
ما أن خطر له صديقه الجعل حتى رآه يسعى على تراب الأرض قريبا من
موقدة النار. من يعلم ربما أحسَّ الجعل بشيء من حرارة النار، فخرج يسعى،
كما حصل في ليال سابقة، أو ربما أحسَّ بوحدته في ذلك الليل البهيمي، فسعى
إليه. هذا كله ليس مهما. المهم هو أمر واحد علمته إياه الأيام جيدا، هو أن
الجعل جاء ولم يخيِّب أمل صديقه.
شرع ينظر إلى الجعل. ترى أين جعلته؟ ولم لم تأتِ؟ فرك عينيه ليتأكد،
أنه يرى الجعلة وراء جعله. فعلا هي وراءه. سبحان الله حتى هذه المخلوقات
الصغيرة تدفعها قوة الحياة فيبحث أحدها عن الآخر ويلتقي به، مهما كبر ومهما
مضى عليه من الوقت، إلا نحن بني البشر، نكبر قليلا فتهجرنا زوجاتنا وينفضُّ
عنا من أحببنا من النسوة لنبقى وحيدين مثلما أتينا إلى هذه الدنيا وحيدين.
يرسل نظرة استطلاع إلى الجعل. ترى أتكون ليلة ساخنة هذه الليلة؟
وماذا سيتم بين هذين الكائنين الصغيرين؟ يفاجأ بوقوف الجعلة قبالة صديقه
الجعل، كلٌّ من الاثنين يرسل نظرة إلى الآخر، يتفحصه، وربما يريد أن يعرف
ما إذا كان يريده أو لا. إن كلا من الاثنين يقترب من الآخر، وكل خطوة تقصر
المسافة بينهما. إنهما يتغازلان. مؤكد أنهما يتغازلان. آه بالضبط هكذا
اقترب منها يا جعلي العزيز. اقترب منها لتكن لك، إياك أن تدعها تذهب. لا
تطل وقت المغازلة، وعليك أن تعرف متى يحين وقت مبادأتها وإلا فإنه سيصيبك
ما أصابني، ستهيئ كلَّ شيء وستنتظر أن يلين لك كل شيء، آنذاك لن تفهمك
جعلتك، لن تفهم أنك تريد أن تظهر لها على أنك مخلوق متحضر، ولا تستعجل
الأشياء، وسوف تنتظر وتنتظر، ثم قد تأتي إليك في يوم من الأيّام، وتتحدث
إليك عن أنها بلغت العشرين وتفتَّحت للحياة، وأنها تفكَّر جديا ببناء علاقة
مع شاب زميل لها في العمل، ولا يكون أمامك إلا أن تصرفها عن التفكير فيه،
لأنه كلب كلاب ولا يستحق أن تكون له، وتسمع كلامك، وتنفضُّ عنه، وتشهد
علاقتك بها نوعا من الاستقرار الحذر، بسبب أنك تكبرها بعشرين عاما!! غير أن
هذا الاستقرار لا يلبث أن يتعكر، لتأتي إليك بعد أيام وتخبرك أنها لا تتعلم
الدرس، وأنها تشعر بالانجذاب إلى زميل عمل آخر. هذه المرة تفكِّر فيما
ستقوله لها، فأنت لا تستطيع أن تنتقص من كل من تتحدث إليك عنه ممن تحب أن
تبني علاقة معه، أضف إلى هذا أنك تعرف من يدور الحديث عنه وأنه ليس إنسانا
سيئا، وسيمضي الوقت بينكما، أنت وهي، وستأتي إليك ذات يوم لتقول لك إنها لا
تني تفكر في ذلك الشخص، وسوف تجد نفسك آنذاك في ورطة لا تحسد عليها، فقد
ابتدأ الانزلاق ولن يكون أمامك سوى واحد من أمرين: إما أن تنجرف مع
الانزلاق قليلا من أجل التغلب عليه، وإما أن تقف ضده فيجرفك معه إلى متاهة
قد لا تتمكن من الخروج منها طوال حياتك. وتأخذ الانجراف وهو أيضا يأخذك،
وتحاول أن تبدو إنسانا متحضرا، فتقول لها إنه بامكانها أن تذهب إلى أي مكان
في العالم إلا أنها ستعود إليك في النهاية، ومن يعلم ربما ستفهم من هذا أنه
بامكانها أن تذهب وتنفضّ عنك متى تشاء وأنى تريد، وأنك بتَّ مضمونا بيدها،
وهي لن تكون من الغباء بحيث تعلمك بكل حركة تقوم بها، وسوف تحسُّ بهذا، كما
أحسست أنا صديقك، وربما ستكثف من اتصالاتك بها، حتى لا تترك لها مجالا لأن
تزوغ منك، ولأن تذهب إلى من تحدثَت إليك عنه، ومن يعلم فقد تخبرك بأن
الهدايا ابتدأت تنهال عليها من ذلك الشاب، وأن يده ابتدأت تمتدُّ إلى
وجهها، ثم إلى كتفها. ويتواصل الحال على ما هو عليه إلى أن تتصل بها ذات
يوم، فتخبرك أنها أسلمت جسدها لذلك الشاب عن طيب خاطر، فتصطنع حالة من
الوقار الحضاري، وتخبرها أن هذا لا يهمُّك وأن ما يهمُّك هو أن مشاعر
الصداقة بينكما أقوى من أن تتأثر باختيار شخصي. وسوف يمضي الوقت يا جعلي
العزيز لتكتشف أنها، جعلتك أو جعلتي، إنما أجرت لك امتحانا لتعرف ماذا
ستفعل إذا ما ذهبت في اللحظة المناسبة مع أحد عرصات هذا الزمن، وآنذاك ستجد
أنك منحتها كلَّ ما لديك من إمكانيات لتبتعد عنك وأنت تعتقد أنها تقترب..
آخ يا جعلي.
ينظر إلى النار في الموقدة، يلاحظ أن النار ابتدأت بالخبو، يتناول
عودا آخر من كوم الحطب بالقرب منها، ويقذف به إليها، فيرتفع لهيبها، ويلاحظ
الرجل قبالتها الجعلين ما زالا يلفان ويدوران، فيواصل حديثه موجها إياه إلى
جعله، أرأيت؟ أرأيت يا جعلي العزيز؟ أرأيت كيف أن النار بالعودين تذكى؟
وأننا ما لم نمدّها بالمزيد من الحطب ستخبو؟ ومن يعلم فقد يأتي من هو أخبر
منا بأدواء النساء وأكثر معرفة بطبابتهن، وسوف يقذف إليها بعود أو عودين
لتشتعل أكثر، ولترتفع ألسنتها مشرئبة بأعناقها إلى عنان السماء، ونحن نتفرج
من بعيد مدَّعين أننا متحضرون وأنه لا يهمنا أن يأتي آخر ويأخذ مقعدنا إلى
جانب من نهيم بها غراما!! فتنتقل النار لتشتعل في صدورنا، بدلا من مواصلتها
للاشتعال في الموقدة قبالتنا.
يمد الرجل يده إلى جيب ساكتِه، يخرج منها علبة دخان هيشي، يشعل
سيجارة منها، يعجُّ عليها، يقدمها إلى الجعل قبالته، خذ خذ أيها الجعل
حشِّش، أشعل نار مخيلتك، اقترب منها، نل وطرك منها، حتى لا تذهب إلى سواك،
ماذا تنتظر؟ يرسل الجعل نظرة إلى الجعلة قبالته، يفهم الرجل العجوز أن نار
الشهوة ابتدأت في الاشتعال في أطراف الجعل. يضع السيجارة على واحد من
الحجارة المحيطة بالموقدة. آه هكذا أريدك. لا تتلهى بالسجائر، ركِّزْ
أفكارك ركِّزْها جيدا. ضع في رأسك همّا واحدًا هو كيف تنال وطرك من جعلتك.
ارسم صورا لكيفية مباضعتك لها، مخمخ على هذه الصور. ارسمها في عينيك. دعها
تظهر على سطح عقلك وعينيك. اصطنع إخفاءها لكن لا تخفها، وإذا فعلت فإنما من
أجل أن تظهرها. دع جعلتك تعيش حالة مناكحة متواصلة، أسكرها بنار الشهوة.
إياك أن تترك لها مساحة للتفكير بجعل آخر، بادعاء التحضر؛ لأنها ستذهب
إليه، وسوف تعيش معه ما تمنيت أن تعيشه معها، وسوف تنام، أيها الجعل
المسكين، لياليك مقهورا مثلي!!
ينظر الرجل إلى الجعلين قبالته، إنهما يلفّان ويدوران، يدوران
ويلفان. إنهما يتغازلان، في ضوء نار الموقدة، تنوس عيناه من شدة النعاس.
يرسل نظرة استطلاع إلى الورشة. الليل ما زال ممتدًا طويلا. ليغمض عينيه،
بإمكانه أن يغمض عينيه. إن أحدًا لن يأتي لسرقة ورشة فيها حارس، لا تخف يا
رجل لا تخف، نم قليلا وسوف يكون كل شيء على ما يرام وربما أكثر.
يغمض الرجل عينيه، يستسلم لكرى خفيف، يرى فيما يرى النائم، الجعل
يقترب من جعلته، هو يقترب وهي تبتعد. يدركها في النهاية. يدركها بعد أن
توقفت، وربما تأكَّدت من أنه لم يعد لديها المزيد من القدرة على المناورة،
وأنه يريدها، لأنه يريدها بدون لفِّ أو دوران، وبدون تخوُّف من أن تفكِّر
في أنه متخلِّف كما خشي هو الرجل ذاته، أن تفهمه وليفة كانت. وتستسلم
الجعلة، تستسلم كأنما هي المنتصرة على تردد في داخلها، وينتصر الجعل
ويعلوها وكأنما هو يؤكد شجاعة ترسخت في أعماقه منذ كان.. وتعلو وجه الرجل
ابتسامة وهو يتابع هذا المنظر الرائع، حقا كان المشهد رائعا وكان أولى به،
هو الرجل المتحضر، أن يتعلم من الجعل.. فعلا كان أولى به أن يتعلم.
  
مشهد عادي جدا
ضغط الصحفي المحترم، بعد انتهاء دوامه، على دواسة البنـزين أكثر
وانطلق بسيارته الكورتينا باتجاه بيته، في إحدى ضواحي الناصرة. قبالته على
"تابلو" السيارة كانت صور زوجته تطل إليه متوعدة مهددة، إياك إياك. إياك أن
تسرع، حياتي وحياة أولادي ليست رخيصة. إذا أسرعت أكثر سأقذف بنفسي من
السيارة وسأدبك بمصيبة، لا تخرج منها طوال حياتك. أنت تعرف ماذا بإمكان
المرأة أن تعمل في هذه البلاد. الشرطة تنتظر إشارة من امرأة، بعد ذلك تبدأ
فترة أخرى في حياتك.
الحمد لله لو كانت زوجته معه لانهالت عليه باللوم والتقريع، كما
فعلت بالأمس، حين هددته بالتوجه إلى الشرطة، وعبثا حاول أن يقنعها بأنه
يمشي على السراط المستقيم، وأنه لا يخالف رجال الشرطة لأنهم ينتظرون أن يقع
عربي بين أيديهم كي يذيقوه من المرِّ ألوانا، وكي ينتقموا عبره من جلاوزة
العرب. عبثا حاول إقناعها، إلا أنه يعرف أنها لن تُحضر الشرطة، وأن ما يدور
الحديث عنه تردَّد على مدى السنوات الأخيرة من زاوجٍ عمره ثلاثون عاما أو
أكثر قليلا.
كلا زوجته لن تستدعي الشرطة.
ضغط على دواسة البنـزين أكثر. توقَّف عند مفرق في حارته. لم ير
سيارات. انطلق. في اللحظة الأخيرة شاهد سيارة تقترب منه. ضغط أشدَّ على
دواسة البنـزين، كما يفعل في مثل هكذا مواقف. الحمد لله أن شيئا لم يحصل،
وتابع انطلاقه باتجاه بيته.
السيارات قليلة في الشارع. نظر في مرآة السيارة خلفه. شاهد سيارة
شرطة. حمَدَ الله على أنه ابتعد عن المفرق. حاول أن يخفِّف من سرعته كي
ينـزل سيارة الشرطة عن كاهله. سيارة الشرطة أسرعت قليلا. حمد الله مرة أخرى
وحاول أن يخلي الشارع بحيث تتمكن السيارة وراءه من المرور عن سيارته. نظر
الشرطي السائق إليه. هزَّ رأسه، يريد أن يقول له امضٍ بعيدا، هاأنذا أخليت
الطريق لك. أرسل الشرطي نظرة حاقدة. أمره بالتوقف. توقف نزل ثلاثة من رجال
الشرطة، واحدا وراء الآخر في البداية، ثم بصورة فيلق عسكري. اقترب منه
أحدهم. فهم أنه ضابطهم. توجه إليه مبتسما:
-لماذا أوقفتني. اعتقدت أنك تريد أن تعبر عني.
قبل أن يستمع إلى إجابة الضابط، تحسس جيبه حيث رخصة السيارة ورخصة
القيادة وشهادة التأمين، لا ينقصه شيء.
أرسل الضابط نظرة أكثر حقدا. مؤكَّد أن هذا ضابط يهودي. مؤكَّد أنه
سيلبسه تهمة. لن يتركه يمضي دون أن يُدفعه الثمن.
توجَّه إليه الضابط بقسوة:
-لم أشأ أن أعبر عنك. أنت ارتكبت مخالفة.
وأمره أن يناوله الأوراق الثبوتية.
راح الضابط يتمعَّن في الأوراق. عاد إلى سيارته وبيده الأوراق. ترى
ماذا يريد منه هذا الضابط، وأية نسمات عدوة أرسلته إليه في نهاية هذا اليوم
الحافل بالعمل؟ تمتم متمنيا أن يكون ما يحصل فحص عادي ويمر، وأن يكتفي
الضابط بفحص الأوراق، وكلُّها على ما يرام، وأن يدعه يعود إلى بيته، بعد
يوم عمل مضنٍ في الصحيفة.
عاد إليه الضابط، حاول أن يخفي جزعه. ابتسم. بقي الضابط مقطبا:
- أنت ارتكبت مخالفة.
أرسل إلى الشرطي نظرة استفهام. أراد أن يسأله. أنا. أنا ارتكبت
مخالفة، ما هي المخالفة؟ أنا أقود السيارة منذ أكثر من ثلاثين عاما. أنا
لست أزعر سير. افحص عندك. ملفي نظيف.
تابع الشرطي:
-أنت لم تعطِ حق الأوليَّة للسيارة قبالتك. عند المفرق.
ماذا يقول للشرطي؟ يقول له إنه أعطى حقَّ الأولية، بدليل أن أحدًا
لم يضغط على فرامل سيارته، لا هو ولا السائق قبالته؟ أم يقول له، من قال لك
إنني أنا من لم يعطِ حق الأولية في المرور، ألا يمكن أن يكون هناك سائق آخر
وسيارة أخرى؟ خاصة وأنك لم تكن هناك، وهاأنتذا توقفني على بعد أكثر من كيلو
متر من المفرق؟ ماذا يقول للضابط؟ أيواجهه بكل هذه الوقائع؟ أم يصمت ويحاول
أن يخفف من الضربة؟ وقع اختياره في النهاية على أن يمتصَّ الضربة. توجه إلى
الضابط:
-أنا لم أرتكب مخالفة.
أرسل الضابط إليه نظرة حقد. فهم منها أنه يريد أن يوصل إليه عبرها
أن العرب جميعهم كذابون. شد الضابط على أسنانه:
- بل أنت ارتكبت مخالفة.
أرسل نظرة متفحصة إلى الضابط. حاول بسرعة أن يخفي ما تضمنته من
تفحُّص. أراد أن يقول للضابط إنني رجل كبير، ولست شابا غريرًا حتى أرتكب
مثل هكذا مخالفة، إلا أنه ما لبث أن غير لهجته:
-صدقني، إنني أسوق ضمن القانون. انتهيت للتوِّ من عملي في الصحيفة.
صرَّ الضابط أسنانَه. كان من الواضح أنه قرَّر أن يسجل له مخالفة،
وأن لغةً في العالم لن تحميه من العقاب على ما لم يرتكبه من مخالفة.
تناول المخالفة. وضعها جانبا. أفكار جهنمية ابتدأت تطرق ذهنه. زوجته
اتهمته أمس أنه يسرع أكثر من اللازم، وهددته بإحضار الشرطة. رئيس بلديته
يناشد الشرطة بالدخول إلى البلدة من أجل تنظيم حركة السير. رئيس بلديته لا
يعرف أن شرطة المدينة تعاقب العرب، ولا يهمها أن تنظم حركة السير. ثم هو لا
يعرف أن هذه الشرطة، في حال دخولها لتنظيم حركة السير، وهو ما حصل في
الفترة الأخيرة، إنما هي تعاقب المسالمين من الأهالي، ومن يمشون على العجين
أمثاله هو الصحفي المحترم فلا يخبطونه، أما الزعران المخالفون فإنهم يعرفون
كيف يتعاملون مع الشرطة، وكيف يرتكبون المخالفة تلو المخالفة تحت عين
الشرطة وسمعها، دون أن تتمكن هذه من التعامل معهم وتسجيل مخالفة واحدة لأي
منهم. هؤلاء، وهو يعرف العديدين منهم، يغيرون الطرق حينما يرون رجال شرطة
من الممكن أن يوقفوهم، ويقودون السيارات أحيانا لفترات طويلة دون أن توقفهم
الشرطة، بدليل أن هناك شخصا قاد سيارته بدون رخصة على مدى أكثر من عقد ونصف
العقد من الزمان، ولم تلق الشرطة القبض عليه إلا بعد أن اصطدمت سيارة
بسيارته. أضف إلى هذا أن رئيس بلديته لا يعرف أنه يطالب الشرطة بتنظيم ما
هو منظم أصلا، فالناصرة هي واحدة من أقل البلدات والمدن في إسرائيل تسجيلا
للحوادث!!
ضغط على دواسة البنـزين أكثر. بعد قليل سيصل إلى البيت وسيحكي
لزوجته عما تعرَّض إليه من ظلم وإهانة، لا لسبب إلا لأنه عربي، كتب عليه أن
يعيش تحت حكم إسرائيل. سيقول لزوجته إن ضابط الشرطة حكم عليه بدون تهمة.
وإنه أشبه في هذا بما صوره كاتب يهودي مبدع يدعى فرنز كافكا، في العديد من
كتاباته، حول تهمة بدون سبب تؤدي إلى محاكمة. سيقول لها آخ لو أعرفُ التهمة
الموجهة إلي. آخ لو أعرفُ سبب محاكمة الضابط لي.
واقترب بسيارته الكورتينا من العمارة حيث بيته. كان هناك رجال شرطة
غير أولئك يقفون في سيارتهم قرب العمارة. عاصفة أخرى من الأسئلة نشبت في
رأسه، ألغت سابقتها. ترى أيكون هذا يوم الشرطة؟ أيكون هؤلاء حضروا ليذيقوه،
هو الكاتب الصحفي المحترم، ألوانا أخرى من العذاب. وخطرت بباله فكرة ما لبث
أن نبذها. فكَّر للحظة في أن يعود من حيث أتى، إلا أن رغبة دفينة في داخله
لأن يعيش العذاب حتى أقصى مداه، دفعته للتوقف بسيارته في موقفها الخاص،
قبالة العمارة، ونزل من سيارته وهو يتساءل ما إذا كان هؤلاء حضروا لمعاقبته
على ما لم يقترفه من ذنوب. وتلكأ حين وصل إلى حيث تقف سيارة الشرطة،
بانتظار ما قد يحصل، إلا أن شيئا من توقعاته، لم يحصل.
ومضى يصعد درجات البيت متثاقلا. لقد كبر فعلا، وكبرت إهانته.
عندما دخل إلى البيت، سألته زوجته عما به، فرد عليها قائلا إنه
سيحدثها فيما بعد عمّا به، وألحت عليه، فاخبرها بما تعرَّض إليه من ظلم
رجال شرطة عابرين، كان بإمكانهم أن يتركوه هو الصحفي المحترم يمضي في
سيارته دون أن ينالهم أي ضرر، إلا أنهم عاقبوه لأنه عربي متخلف.
وضعت زوجته يدها على ظهره وأرسلت إليه نظرة مواسية:
-هم المتخلفون. كان عليهم أن يتركوك لحظة عرفوا أنك صحفي ومحترم.
ومضت زوجته لتُعدَّ فنجال قهوة يعدل به مزاجه. استوقفها فجأة
متسائلا عن سبب وجود سيارة الشرطة بالقرب من العمارة، فالتفتت إليه:
-هؤلاء ينتظرون جارنا زوج جارتنا طروب، المرأة الجميلة ما غيرها.
يقولون إنه لم يمض على زواجهما سوى أشهر، وها هي تحضر له الشرطة، يبدو
أنهما غير متفقين.
ونظر إلى زوجته ممازحا:
-اعتقدت أنك نفذت تهديدك لاعتقادك أنني أقود السيارة أسرع من المصرح
به.
ابتسمت زوجته:
-إذا أسرعت في المرة القادمة سأحضر لك الشرطة، هذه المرة سماح.
وضحك الاثنان، الصحفي المحترم وزوجته، ودخل الصحفي بعد قليل إلى
غرفته المظلمة ولاحت في عينه دمعة أرادت أن تنـزل إلا أنها بقيت هناك.. في
عينه.
  
دجاجة زولا
مشى الكاتب الفرنسي إميل زولا في شوارع مدينته باريس، في طريقه إلى
السوق، يفكِّر في أمر واحد، هو هل سيكون الأول الذي يحقق ما يرغب فيه بين
كتاب المدينة ويصل إلى السوق؟ كعادته؟ وهل ستخرج تلك الدجاجة الملونة
الغريبة، من مخبئها في الحظيرة التابعة لمحل بيع الدجاج في السوق لترحب به،
كما أراد ورجا منذ فترة؟
نسي زولا أن السماء قد تمطر، ونسي أنه نسي أن يحمل مظلته ليقي نفسه
إذا ما أمطرت السماء، وانطلق لا يلوي على شيء، وفي ذهنه أمر واحد ملك عليه
مشاعره كلها، هو تلك الدجاجة التي استعصَت على جميع من خطب ودَّها وطلبه،
بمن فيهم هو ذاته!!
تلك الدجاجة رفضت الانصياع له، رفضت مصادقته لها، ورفضت كل عروضه
السخيَّة لها، وكان أكثر ما يشغله هو ماذا سيعمل كي يكون الوحيد المتميِّز
في باريس، الذي يمكنه أن يكون صديقا لها، يتباهى أمام أقرانه من الكتَّاب
والمبدعين، وحتى من أصحاب الحوانيت، لتمكنه من إقامة علاقة مودَّة معها؟
تلك كانت المرَّة كذا، التي يحاول فيها زولا التقرب من الدجاجة
الملونة، ولم يكن للحقيقة الأول الذي أراد أن يحصل على حظوة العلاقة معها،
وإنما كان واحدًا من عدد وفير من كتاب العاصمة، الذين بهرتهم تلك الدجاجة،
فأرادوا أن يتقربوا منها، لكن دون جدوى.
رفض الدجاجة لمصادقة زملاء زولا من الكتَّاب، جعله يقطع على نفسه
عهدا، مفاده أن تلك الدجاجة ستكون صديقته هو وليس سواه. زاد في إصراره أنه
كان واثقا من نفسه شديد الثقة، وكان إحساسه بأن الدجاجة الملونة، ستكون
صديقته، هو تلك المقدرة على التعامل مع الأفكار الصعبة، وإمكانيته غير
المحدودة في السيطرة عليها والتمكن منها، عبر جرها من عنقها ووضعها على
صفحات مؤلفاته الكثيرة.
سار زولا مثلما فعل في أصباح أيام ماضية في طريق مدينته، منتصب
القامة، يردِّد لنفسه أنه ينبغي لمن يريد أن يحصل على ودِّ الدجاجة الملونة
خاصة، أن يرفع رأسه، إذ لا يصحُّ أن يخفض المرء رأسه، ويطلب في الآن ذاته
ودَّ دجاجة متميَّزة مثل تلك.
ثقة زولا بنفسه جعلت خطاه أكثر ثباتا على الأرض، فبدا مثل منارة
مضيئة في ليل قد يهمي فيه المطر، وقد يدفع بالأمواج للارتفاع، متقاذفة
سفينة تائهة هناك، لا ينقذ بحارتها، سوى رؤيتهم للمنارة الفرنسية المنتصبة
هناك.
عندما وصل زولا إلى أحد المفارق الرئيسية المفضية إلى السوق، راودته
أفكار سوداء قاتمة، فهل سيكون له ما أراد من مصادقته لتلك الدجاجة؟ أم أن
تلك الدجاجة العصيَّة "ستتعنطز" عليه، مثلما فعلت مع آخرين من أترابه
الكتاب؟ ومثلما فعلت معه هو نفسه. ولماذا يبعد عن ذاته؟ لقد بذل زولا مع
تلك الدجاجة ما لو بذله مع أصعب الأفكار وأشدِّها استعصاء، لاستجابت لطلبه
ولرفعت راية المهادنة، ولقالت له ها أنا ذي صديقتك الأبدية. بإمكانك أن
تصطحبني إلى حيث تشاء. نحن التقينا لنلتقي، ولن يكون بيننا فراق ابتداء من
اليوم.
أحس زولا بقطرة مطر تلامس يده، فشعر أن المطر سيهمي عما قليل، إلا
أنه مضى في طريقه غير عابئ بشيء ولسان حاله يردّد: تلك الدجاجة ستكون
صديقتي يعني ستكون صديقتي، وشدَّد زولا على كلمة صديقتي كأنما هو يعلن
إصراره على ما خطَّط له وفكَّر فيه منذ رأى تلك الدجاجة، ومنذ قرَّر خوض
معركة سبق وخاضها آخرون، دون أن يكون لهم ما أرادوا.
مضى زولا في طريقه، غير عابئ بقطرات المطر التي تساقطت بصورة متدرجة
في الشدة، من شديد إلى أشد، ابتلَّت ثيابه ولم يتوقَّف.
استرخت شعرات رأسه القليلة على صلعته ولم يتوقَّف.
ابتلَّت نظارته الطبية، ولم يعُدْ يرى ما فيه الكفاية ولم يتوقَّف.
كان يقوده إصرار هائل على المضي في طريق الدجاجة الملوَّنةِ ساحرةِ
كتَّاب باريس ومبدعيها، وكان متأكدا من أنها ستستجيب له في النهاية، وستكون
صديقته، وستمشي إلى جانبه مبهرةً الجميع بمشيتها الرائعة الجميلة،
ومقدِّمةً مثالا طيبا للعلاقة ما بين أفكاره الرائعة وألوانها الخلابة.
إيمان زولا بأن الدجاجة ستكون صديقته الوفية، جعله يندفع في طريقه،
مؤمنا بأنه سيكون الفائز الأوَّل في العاصمة.
صحيح أن تلك الدجاجة، استعصت عليه، وهربت منه مقأقئة كلما رأته
قادما باتجاه حظيرتها، وصحيح أنها رفضت سماع أي كلمة منه، كل هذا صحيح، إلا
أن الصحيح بالنسبة لزولا، هو أن تلك الدجاجة ستصادقه، وسيقع اختيارها عليه
من بين جميع كتَّاب العاصمة، ليس لأنه ذو عينين زرقاوين، وإنما لأنه مصر
على أن تكون صديقته، ومثابر على خطبه لودها.
مضى زولا في طريقه، ثابت الخطوة يمشي في شوارع باريس، وكأنما هو
ملك، بلله القطر، وكان كلما مضى إلى الأمام يبدو أكبر. كانت البيوت
والعمارات على جانبي الطريق تبدو صغيرةً مقارنة به. مضى زولا في طريقه غير
عابئ بما طاله من مطر، وغير نادم على أنه لم يجلب مظلته معه. ابتلَّ من
أعلى رأسه حتى أسفل قدميه، ابتدأت الأمواه تتدفق من قدميه مثل نبع وجد
طريقه للتدفق. في تلك اللحظة فقط، وفقط في تلك اللحظة، أحسَّ أنه امتلك
صداقة تلك الدجاجة واستولى على اهتمامها، فأحس بها تقأقئ في أنحاء مختلفة
من جسده، وتطل برأسها الملون الجميل من أنحاء جسمه كلها.
في تلك اللحظة ابتسم وهو يقطر مطرًا، وأدرك أنه يقف على مشارف تحقيق
حلمه، في مصادقة تلك الملوَّنة الجميلة، وانطلق حين وقف قريبا، قريبا جدًا،
من سياج الحظيرة يقأقئ. هنا في اللحظة للتو، انطلقت دجاجته الملونة من
مخبئها العصي، وراحت تقأقئ، وراح الاثنان يقأقئان معا، مدركين أن ما أراده
كل منهما بطريقته الخاصة قد حصل، وأن لحظة اللقاء الأبدي الفريد قد بدأت.
-----------------------------------------------------------
*
إميل زولا كاتب فرنسي بارز. كان يذهب إلى السوق يوما أو يومين في الأسبوع
لشراء الدجاج كمادة غذائية أساسية له. وله العديد من المؤلفات الروائية
منها: تيريز راكان، الأرض، والفريسة.
  
|