أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 17/01/2009

مجموعات قصصية / الكاتبة: د. هيفاء بيطار

يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش

إلى صفحة الكاتبة

لقراءة المجموعة القصصية

 

 

المجموعة القصصية

 المتاهة

 البلهاء

زهرة الروح الأرجوانية

  يكفي قلب واحد لتعيش

التلفاز

 نعمة الغباء

 انتظار

 يوم النحس العالمي

آلام الرجل الطويل قليلا

لحظة تجل

تحقيق الذات

حوار مع حبة اللكزوميل

 سراب الحب

 لوحة مضيئة

رغيف خبز ووظيفة

نجم من نحاس

 

 

 

يكفــــي أن يحبك قلب واحد لتعيش

 

يكفي أن يحبك قلبٌ واحدٌ، هذا ماكانت تردده في غرف روحها العميقة جداً، لصغيرها الأبله ذي السنوات الأربع، وهي تحتضنه في عيادة طبيب الأسنان، وتمسح لعابه الذي يسيل من فمه المشتور. كانت لاتستطيع مواجهة نظرات الناس الوقحة والصريحة المحدقة إلى صغيرها المعتوه، الذي يثير الدهشة والسخرية والتعليقات الهامسة وأحياناً المسموعة. تتحولُ النظرات لطعنةٍ عميقة في قلبها المتضخم بحب هذا الصغير المسكين البريء من جنونه وتخلفه.

أفلت صغيرها من ذراعيها المتصالبين أمام صدره، واتجه بخطوات متعثرة، لكأن مفاصله متخلعة صوب طفل صغير يماثله في العمر، وقف أمامه وهمهم بصوتٍ اجتهد أن يجعله كلمات لكنه كان أشبه بالجعير، أجفل الطفل السوي والتجأ إلى حضن أمه صارخاً بجزع: ماما، ماما أبعدي هذا الطفل البشع عني.

طمأنت أم الطفل السوي صغيرها قائلة وهي تربت على كتفه: لاتخف، لاتخف، لن يؤذيك.

قامت الأم ذات القلب المطعون بحربة منذ أربع سنوات، تعيد صغيرها المجنون إلى أسر ذراعيها، تبتلع دموعاً تعوّدت طعمها المر وتتساءل في سرها: لماذا تأخر الطبيب؟ أما كان قد حدد لها موعداً تمام الساعة الخامسة والنصف؟

ركنَ المجنون الصغير بين ذراعي أمه، لكنه أخذ يصدر همهمات وحركات عشوائية لا إرادية من أطرافه، فيما أمه تدفن وجهها في شعره الأسود الكثيف هاربة من حصار النظرات.

لم يخطر لها يوماً أن تكون أماً لطفل مشوهٍ، متخلف ومجنون كما شخص له الأطباء. اللعنة على الأطباء. كم تكرههم، ما ابنها إلا ضحية لأخطائهم وللظروف، هذا ماتؤمن به. ولدته طبيعياً، سمعت صراخه الأليم وهم يفصلونه عنها، ضمته بحنان إلى صدرها وشعرت كيف تفجّر الحب فجأة من صدرها كانفجار خزان كبير.

لسوء حظه كان اليرقان الذي أصابه بعد أيام من ولادته شديداً صبغه بالبرتقالي الداكن، كان يجب نقله فوراً إلى الحاضنة، لكن الحاضنات الثلاث في المشفى كانت معطوبة. وقد رأتها بنفسها كيف تسرح فيها الصراصير الصغيرة، صرخت بقرف: صراصير في حاضنة للأطفال؟

ردت الممرضة بلا مبالاة: إنها معطلة منذ أكثر من عامين.

أخذ الصغير يختلج بقوة، رامياً ذارعيه خارج جسده، كأنه يتخلص من شيء ثقيل يرزح على صدره، وتدور عيناه في محجريهما إلى الوراء، لتتحولا إلى بياض تام. كان دماغه قد تأذى بشدة حين عثروا أخيراً على حاضنة في مدينة تبعد ساعتين ونصفاً عن مدينة الوليد.

انهارت الأم حين أكد لها طبيب الأعصاب أن دماغ ابنها قد تأذى أذية كبيرة لعدم إدخاله الحاضنة... صرخت ملتاعة وهي تتلوى ألماً كدجاجة مذبوحة: والله نحن نعيش على كف عفريت، نعيش في هذه الحياة الحقيرة بقدرة قادر.

لم يخطر لها في يوم من الأيام أن تكون أماً لمعتوه، المجانين الذين كانت تصادفهم في الشارع لم تكن تعيرهم أي اهتمام، لكأنهم ليسوا بشراً، إلا إذا أجبرها المجنون أن تلتفت إليه بسبب تصرفاته المضحكة والخرقاء، فكيف وقد تحولت إلى أم لمجنون صغير، لمعتوه برئ من علته.

الأسرة كلها تمنّت للصغير الموت، وهو لم يتجاوز الشهر من عمره، زوجها الذي كانت تحكي لصديقاتها عن أن أروع صفة لديه: الحنان، كان يصرخ متألماً: لاأريد ولداً مشوهاً. ليته يموت، ليته يموت. كانت تخاطبه هامسة كأنها تحدث نفسها: لكنك والده! فيرمقه بألم وغيظ ويقول: لكن انظري إليه، أهذا طفل!

فتضمه بحنان شديد إلى صدرها، كأنها تتمنى لو تعيده إلى رحمها، وتسكب على يديه دموعاً غزيرة وهي تبوح له وحده بأنها تحبه بجنون، وبأنها لاتستطيع أن تتمنى موته أبداً.

طوال شهور نسيت أخاه الأكبر -صار الصغير المشوه هاجسها، لم يمش حتى السنتين والنصف، ولم يتعلم النطق. الأب تعايش مع الجرح بأنجح وسيلة: تجاهَلَهُ، أهمله ونفاه إلى الضواحي القصية من حياته، صاباً كل اهتمامه على ولده السليم.

وحدها الأم كانت تشتري للمعتوه ثياب العيد، ولا تمل من غسل ملابسه التي يلوثها عامداً مذعناً لشياطين تتلبس روحه، تأمره أن يعفّر نفسه في التراب وأن يسكب محتويات صحنه على ثيابه ورأسه. كانت تضرب ابنها السليم حين يضرب أخاه المجنون، وتهدده بحرمانه من حلوياتها التي كانت تحضرها خصيصاً للمجنون الصغير.

أجهدت نفسها في تعليمه الكلام، رغم أن كل الأطباء نصحوها أن لافائدة في جعله ينطق، لكنها توصلت مع الأيام إلى جعله يهمهم، وكانت وحدها قادرة على ترجمة تلك الهمهمة. كان زوجها يتضايق من شدة اهتمامها بالصغير المتخلف، ويشاجرها لإهمالها أسرتها، مؤكداً لها أن الرحمة الحقيقية للجميع أن يموت هذا المسخ.

لم تكن تستطيع تخيل خلو حياتها منه، إنها تحبه بجنون، تحسه قطعة منها، هذا المعتوه الصغير، الذي يفاجئها في لحظات خاطفة كيف يرنو إليها بعينين تفيضان وجداً. ما أجمل عينيه قبل أن يغفو، ماكان ينام إلا وهو يطيل التحديق إلى وجهها، فتحس بالتحوّل البطيء والتدريجي لملامح وجهها، تحس بالحنان يرفرف حولها كفراشاتٍ من نور.

ذات يوم سالت دموعه من شدة تحديقه إلى وجهها، وحين كانت تبتعد كان يُصدر أصواتاً متألمة تضطرها للعودة إليه. وحدها كانت دنياه، دنياه الغنية بالحب والتي لم يستطع ذوو العقول المحدودة المتباهون بصحتهم العقلية أن يدركوا كنه حب المجانين للعالم.

لم يصدقها أحد من أفراد أسرتها حين كانت تصف لهم حساسية الصغير العالية ورقته وذكاءه الخاص.. ذات يوم حين كسر المزهرية من الكريستال، ضربه والده بقسوة وهو يهزه من كتفيه النحيلتين قائلاً: الله يلعن الساعة التي شرّفت بها إلى الدنيا، والله لقد جعلت حياتنا جحيماً، لكني لا ألومك، بل ألوم التي تفوقك جنوناً : أمك.

يومها التجأ بخطواته المتعثرة، ومشيته المخلّعة إلى حضن أمه، رمى نفسه في حضنها وهو يرتعش خوفاً كجرو صغير أفلت لتوه من انقضاض وحش مفترس عليه.

كان يبكي ويهمهم بأصوات مخنوقة مبهمة أشبه بالخوار، واللعاب يسيل بغزارة من فمه، ضمته إلى صدرها، رشفت دموعه بشفتيها، مسحت لعابه بكم فستانها، هدهدته حتى غفا.. كانت تتجاهل نظرات زوجها الغاضبة، وحين لم يعد يطيق صبراً هزّها من كتفها قائلاً: ماعادت عيشتنا عيشة، أفكر أن ألحقه بمدرسة للمتخلفين عقلياً.

صرخت: لا، لن أسمح بذلك مادمت موجودة.

-لكنه خرّب نصف أغراض المنزل، وهو لم يكمل الرابعة من عمره بعد.

قالت باكية: لا، أرجوك، يستحيل أن يعيش في مصحٍ للمعوقين.

صرخ: لماذا؟

لم تستطع أن تجيب في الحال، لكنها تمكنت بعد لحظات من جمع شتات نفسها، قالت وهي تحس أنها تسيل حباً كماءٍ مقطر يغسل الصغير: لأنني أحبه أكثر من أي شيء في الدنيا. انطفأ الرجل، وهلة. شعر أن كلماتها خدّرته كالبخور. كان يشعر بالخدر كلما استنشق بعمق رائحة البخور. هل كانت كلمات زوجته متشكلة من بخار روحها المتألمة؟

صارت فائقة الرقة مع مجانين الشوارع، تتساءل بشفقة: ماذنبهم؟

كانت تفكر طويلاً بمنطق جدتها في تفسير وجوه البشر المشوهين والمتخلفين: لكي يتمجد اسم الله. لم تكن تقبل هذا المنطق أبداً، ترد بسخطٍ على جدتها: لكن الله لايحتاج كي يتمجد اسمه أن يخلق بشراً غير أسوياء يتعذبون ويعذبون أسرهم معهم. لكن الجدة تصر على تفسيرها، وتستشهد بآيات من الإنجيل، حين سأل أحدهم يسوع المسيح: أي ذنب اقترفه هذا المسكين المسكون بالشياطين، حتى يكون مجنوناً؟

قال المسيح: لا لذنب اقترفه، بل ليتمجد اسم الله.

انفتح باب غرفة الانتظار فجأة، أطلَّ الطبيب، نظر في ساعته معتذراً لها قائلاً: أنا آسف، لم أتوقع أن حالة السيدة معقدة هكذا.

كانت سيدة مفرطة الأناقة، تخرج من غرفة الفحص، تضغط قطعة من القطن بين فكيها، وحين لمحت الطفل شهقت ورسمت بآلية علامة الصليب على صدرها. تحفزت الأم وصفعتها بقوة بخيالها، لكنها حملت الصغير ولحقت بالطبيب إلى غرفة المعاينة.

كان يدير لها ظهره، يغسل أدواته، ويقذفها في صينية معدنية بجانب المغسلة قال لها: خير، هل عاد الضرس نفسه يؤلمك؟

قالت: أقصدك هذه المرة لأجل الصغير.

تعوّدت على نصال الألم تنهالُ بلا رحمة مخترقة قلبها، كلهم يذهلون حين تعتني بابنها المعتوه، كانت تصرخ أحياناً، لكنه روح، روح.

كانت لهجته تعني تحديداً: هل يستأهل هذا المسخ عنايتك؟

لم يسمح المعتوه الصغير للطبيب بفحصه، إلا وهو في أحضان أمه، أخذ وجه الطبيب يزداد قتامة وهو يمعن في جوف فم الصغير، قال للأم بعد أن انتهى من فحصه: تشوه شديد في الفكين والأسنان، الحالة صعبة جداً، ومكلفة للغاية أرى أنه من الجنون التفكير بتصحيح تشوه فظيع كهذا..

سألت وكأنها لم تسمع كلامه: ما الكلفة يادكتور؟

حدّق الطبيب إلى وجه المتيمة حباً وقال: الكلفة كبيرة، لو أردتِ أحسبها لك. لم يكمل لأن بقايا وجدان ذكرته أنها أمْ.

قالت: المال لايهم، سأتدبر الأمر.

رفع الطبيب كتفيه لامبالياً وقال: كما تشائين، لكن من واجبي أن أقول لك حرام هدر المال.

خرجت من عيادة الطبيب تحمل ابنها، كانت ذراعه اليسرى تحيط بعنقها وتعبث بشعرها، وذراعه اليمنى نصف المشلولة تنسدل مرتخية على صدرها. كان حاجز صدره النحيل ينقل إلى صدرها إيقاع دقات قلبه، تناغم إيقاع القلبين مع إيقاع خطواتها وعَتْ بعمق كيف يتوحد قدرهما بالحب، الحب صليب، صليب جميل. انتظم إيقاع القلبين وطغى على ضجيج الشارع وصوت المذياع الملعلع. تحوّل الإيقاع  إلى كلمات مبهمة أخذت تزداد وضوحاً مع تسارع خطواتها. كان قلبها يغني بسرور باكٍ: يكفي أن يحبك قلب واحد كي تعيش. ياصغيري البريء، ياطفلي الرائع.

توقفت عند إشارة المرور. تنبهت إلى أنه أغفى على كتفها، قبّلت وجنته المنداة بلعابه، أحست أنها ترشف عسلاً. دمعت عيناها وهي تتمنى له أحلاماً سعيدة.

 

 

زهـــرة الـــروح الأروجوانيـــة

 

 

ما الذي يوقظها من عزِّ النوم سوى هذا الإحساس الأصم الثقيل المؤكد: اليأس؟! أجل اليأس. حاولت أن تغّش نفسها وتبحث عن تعبير أخف وطأة، لكنها أدركت في تلك الليلة حين أفاقت في الرابعة فجراً، واليأس متربصٌ بها كاشفٌ عن وجهه العريض بعينين رماديتين مطفأتين دون بياض، وأنف عريض كالجدار، وفم عبارة عن شق دون شفاه، أدركت أنه لامجال للالتباس، فهذا وجه اليأس. تذكرت نصائح الطبيب النفساني الذي لجأت إليه في الشهرين الأخيرين.

منذ سنوات وهي تفكر باستشارة طبيب نفساني، لكنها كانت تخشى من نظرة الناس، سيقولون عنها مجنونة، في سرها كانت تصرخ بهم: النفس تتعب كالجسد، بل أكثر منه وتحتاج لمن يريحُها، حسمت أمرها أخيراً باستشارة طبيب نفساني لسبب وحيد كون عيادة هذا الطبيب العائد حديثاً من ألمانيا تقع في مبنى ضخم كل طابق فيه يزيد عن عشرة مكاتب، وكما يقولون (الطاسة ضايعة) تعبير عاميّ تحبه، يعني أن لا أحد يعرف أي مكتب تقصد. ما طمأنها كون محل مزين شعر للسيدات في طابق عيادة الدكتور النفساني، وكانت تتعمد أن يكون شعرها مُسَّرحاً بعناية حين تقصد الطبيب ولا تنسى أن تضع في حقيبتها بخاخ تثبيت الشعر الذي يذيع أنها كانت لدى مزين الشعر، فيما لو صادفت أحداً من أقاربها أو أصحابها. كانت بعد كل جلسة لدى الطبيب النفساني تتعمد أن تدخل الحمّام، تبخ بكثافة رذاذ مثبت الشعر على رأسها، ثم تخرج من عيادته بثقة.

الرابعة فجراً، سكون الخلق الأول، لم تبدأ بعد العمليات اللامجدية للبشر، عالم الضجيج لم يستأنف دوامته، أعدت القهوة، وهي تتذكر أن وصية الطبيب النفساني الأول أن تمتنع عن القهوة كلياً، وكل أنواع المنبهات، سمح لها بعد إلحاح منها أن تشرب فنجان قهوة وحيد في الصباح، ووصف لها دواءً للقلق، تبتلع منه حبة كل مساء. ولكن ولعها بالقهوة جعلها تتمرد على نصائح الطبيب. قالت له:

- القهوة صديقة قديمة.

ضحك متسائلاً: صديقة؟

قالت: طبعاً، أليست القهوة مشروب الأحزان، ومحطات السفر، ولقاء الأصدقاء إنها صديقة الانتظار.

أعجبه تعبيرها الأخير "القهوة صديقة الانتظار" حكى لها أنه حين كان يدرس في برلين، أحبَّ امرأة تسكن في ضاحية بعيدة، وكان يشرب عدة فناجين من القهوة وهو ينتظرها.

أقنعها أن أهم خطة لنجاح علاج أرقها المزمن هو الامتناع عن المنبهات، وحاول تعزيتها بأن تشرب نوعاً مستورداً من القهوة بدون كافئين، لكنها لم تستسغه، قالت له في الجلسة التالية: القهوة لاتقبل الغش، مانصحتني به هو سراب القهوة.

ابتسم قائلاً: سنتعاون معاً لمحاربة أرقك المزمن، والشديد في الواقع، لا أريدك أن تسقطي ضحية إدمان المنومات، يجب أن تلتزمي بخطة للعلاج، أساسها ركيزتان أساسيتان: العلاج الرؤيوي، والامتناع عن المُنبهات، الموضوع الأول مهمتي، والثاني مهمتك، أريد منكِ وعداً بالانقطاع عن المنبهات ، وعدته هي شاربة القهوة والضجر بامتياز حكت له أن صلب وظيفتها يعتمد على شرب القهوة، ذُهل حين قالت له إن عدد فناجين القهوة يتجاوز السبعة في ساعات الصباح الأولى.

سألها: أهذا معقول؟

 

قالت: يادكتور كيف سنقضي ثماني ساعات عمل دون قهوة، خاصة أن عملنا الفعلي لايتجاوز النصف ساعة.

أحرجته، لم يجب. قال طاوياً النقاش: المهم استبدلي بالقهوة عصيراً طازجاً أو زهورات أو نعناعاً.

جلست ترشف القهوة وهي تتخيّل نظرة العتب في عيني الطبيب الجميلتين، فكّرت: إنه شاب جميل حقاً، وممتلئ حماسة، لكن حزناً عميقاً ينفلتُ من عينيه مباغتاً لكليهما وهو يتحدث إليها، ترى ماسرُّ حزن العينين الجميلتين؟ فكّرت وهي ترشف قهوتها أنه ألهاها حقاً عن المشكلة ولم يحّلها لها. أكثر من عشر جلسات، تستغرق كل جلسة نصف ساعة، يحدثها عن العلاج الرؤيوي. بهرها حقاً في الجلسات الأولى، لدرجة أنها ظلت أياماً تحس بنشوة لاتعرف مصدرها. ترّجع صدى صوته في ذهنها: المهم أن نغيّر نظرتنا للواقع، فالراتب الحقير لن يزيد إذا اكتأبنا، والضجيج اللعين المنطلق من المذياع والتلفاز، وزئير السيارات وآلات النجار والحداد، والباعة المتجولين الذين طوّروا طريقتهم في البيع باستخدام مُكبرات الصوت، كل هذا الجعير كما تسميه والذي يدّمر الأعصاب ببطء مامن سبيل للخلاص منه سوى بتعويد أنفسنا ألا نعتبره كارثة.

حتى الضجر نفسه الذي يدفعها للبكاء، من شدة وطأته، والذي تغذيه تفاهة الناس، وانعدام النشاطات الثقافية في المدينة، وموت السينما والمسرح يمكن التحايل عليه بخلق أهداف جديدة، تغير نظرتنا إلى الواقع.

نشوة الجلسات الأولى وحماستها لطاعة الطبيب تلاشت، بدأت بذرة شك تنبتُ في روحها، إنه يُلهيها ولا يُعالجها، هذا ماتحسه، منذ سنوات وهي تعاني من أرق ينهك أعصابها، تحس بنعاس شديد، تنام ساعتين، لتستيقظ، كأن أحداً لكزها في كتفها وأمرها أن تقوم من فراشها، تنصاع للصحو، وتجلس في وحدة الليل وقد تماهت مع وحدتها تصغي للصمت الذي تفتنها موسيقاه أكثر من كل موسيقى، تقلّب حياتها أمامها سنة بعد سنة، ياللمرارة! يا للحقيقة القاسية، تنبسط أمامها سنوات حياتها طويلة تدرك كم أن الألم طاغ، ويترك وشماً بحجم الذاكرة، أما الفرح فليس سوى رشّات صغيرة من غبار رائحته ذكية، لكنه سرعان مايطير دون أن يترك أثراً سوى صور باهتة في الذاكرة.

تذكّرت كم عانت مع والدها الذي أصابه الشلل بعد حادث سيارة، سبع سنوات وهي تصحو على وجه أحبّ إنسان إلى قلبها وقد كوّمه العجز، كتلة من العذاب المتواصل، كان يناديها لتهش ذبابة حطّت على وجهه لأنه عاجز عن هذا الفعل، أنهكتها السنوات السبع، شلل والدها جعل روحها تنشّل تماماً، فقدت قدرة توليد أي أمل، انصبّت على دراستها لتتفوق في الجامعة، وتغدو مهندسة بامتياز، لكن الوظيفة براتبها الشحيح والبطالة غير المقنعة جعلتها تهوي في هوّة يأس له طعم مختلف عن طعم يأسها بعد شلل والدها. ابتسمت وهي تتذكر قصة حبها لشقيق صديقتها. هل أحبته فعلاً أم أمرت نفسها أن تحبه متعمّدة خلق شعور جميل في حياتها؟ تعاهدا على الزواج، سافر إلى السعودية ليعمل على أمل أن تلحقه، لكنه سرعان ما سقط في الإغواء، وتزوج أرملة ثرية.

كانت ترفض الاستسلام لمطبات اليأس، قوة الشباب وحدها كانت تجعل كفة الأمل ترجح، انتهت مرحلة الآلام الأولى، توفي الأب وطوت صفحة الحبيب الخائن وتعوّدت ذل الوظيفة، بدأت عهداً جديداً. تزوجت شاباً مناسباً يملك شقة ودخله يضمن لها ألا يجوعا يوماً، لكنها لم تستطع الاستمرار معه، لأنه كان موهوباً بعجن الساعات بالنَكَد، لايكف لحظة عن انتقادها، نبهها إلى أن أفظع وسيلة لتعذيب إنسان لإنسان هي الكلام. لو كان طبخها مالحاً قليلاً لايكف عن انتقادها أسبوعاً يريدها أن تحب مايحبه، وتكره مايكرهه، يفهم المرأة كظلّ لزوجها، يدهشه أن للزوجة رأياً خاصاً، إنها يجب أن تكون السجادة التي تطؤها الأسرة: الزوج والأولاد والأهل.

 

 

طلقته غير آسفة، وبعدها ابتدأ الأرق، كانت تحسد الناس الذين يغفون بسرعة، لديها صديقة تشرب عدة فناجين من القهوة، ثم تغفو، لكم تغبطها، كانت لا تزال راغبة بشرب فنجان آخر من القهوة، وهي تنصت لصمت الليل، نظرت إلى ساعتها. الرابعة والنصف صباحاً، قامت تحضّر القهوة مبتسمة بسخرية من صورة الطبيب، المسكين، لم ينجح في علاجه الرؤيوي معي، هذا ماقالته لنفسها وهي تلحق فكرة: أي سخف أن يقنعني أن أغيّر نظرتي للراتب الحقير، إنه حقير لأنه يذلني ويشعرني أنني مسخة، فأي وهم هذا العلاج الرؤيوي، قررت أنها ستعترف له بسخف نظريته وبأنه يستحيل علاج المشكلة إن لم تستأصل من جذورها، إن لم يتغير الواقع جذرياً، أما أن يطلب من فقير تعيس أن يغدو سعيداً وهو منقوع في فقره، فهذا دجل ووهم.

أجل ستكون جلستها الأخيرة معه، لكنها تعترف في الواقع أنها ارتاحت له، وبأنها كانت تنتظر موعد الجلسات معه بشغف، لعلها بحاجة لصديق ينقذها من صقيع العلاقات البشرية. كانت ترشف القهوة بتلذذ وعيناها ثابتتان دون تركيز على نبتة في زاوية الصالون، تتدلى أغصانها الخضراء من الأصيص حتى تلامس الأرض. أغصان جميلة مفصصة عبارة عن أوراق متلاصقة، في تدليها غنج ودلال، وفي نهاية الأوراق تتفتّح زهور أرجوانية، شعرت أنها تبصر هذه النبتة للمرة الأولى، انتبهت: إن الرؤية تعني الإدراك، منذ سنوات وأمها تعتني بالنباتات وهي لاتبالي بوجودها، بل كانت تسخر من أمها قائلة: النباتات ليست جميلة إلا وسط الطبيعة.

لكن إحساسها بهذه النبتة مختلف تماماً في هذه اللحظة، بينهما لغة خاصة، انحناء الأغصان يذكرها بانحنائها تجاه زمنها الظالم، كلاهما ينحني ويرزح تحت ذلّ المعاناة، لكن النبتة تتفتّح على زهور أرجوانية ساحرة، إنها رغم ذلّ الزمان تبدع زهرات متفائلة.

ارتعش قلبها للحقيقة التي شعّت من روحها، مذيبة وجه اليأس الرمادي الكئيب بومضة، إنها هي كالنبتة محنية ومذلولة أمام زمن عاهر، لكنها تملك جمالها الخاص وزهور روحها تفوق زهور النبتة جمالاً، أمكنها أن تسمع في صمت الليل الجليل صوت الطبيب يقول لها: برافو، أهنئك، هذا هو  العلاج الرؤيوي، أن ننظر بعمق إلى حقيقة نفوسنا، وأن نكتشف الكنز فيها، ولا نترك لصدأ الأيام أن يتراكم فوقه، وألا ننكسر للظروف المحيطة مهما كانت قاسية.

دمعت عيناها تأثراً، قالت وهي ترمق صورته المرتسمة بوضوح في خيالها بامتنان وحنان، وترشف آخر قطرة من قهوتها: لكن القهوة يادكتور، أليست صديقة الانتظار؟ كان اللون الأرجواني للزهور يشع دفئاً، يغزو قلبها مباشرة فكّرت: إن نبتة صامتة ومُهملة منذ سنوات يمكن أن تكون صديقتها في معركة الحياة الصامتة المستمرة.

 

 

 

البلهـــــــاء

 

بعــــد يومين من زفاف وحيدها، وُجدت تيريزا البلهاء ميتة تحت شجرة السنديان الهرمة الوحيدة في الحديقة الصغيرة قرب بيتها، تحديداً الغرفة الحقيرة التي عاشت فيها ربع قرن مع ابنها.

اختلفت الآراء حول وفاة تيريزا البلهاء، منهم من رجّح أنها انتحرت، مستحضرين فرويد إلى أذهانهم الذي سيعتبر -كما يحلو لهم أن يفسروا- زواج ابنها نهاية لحياتها من جهة، وتكثيفاً شديداً للحادثة التي صبغت مستقبلها إلى الأبد، حين حملت بابنها وهي في الرابعة عشرة، وتنصّل الأب من الاعتراف بأبوته للجنين، واعتقد بعضهم أن تيريزا البلهاء توفيت بسرطان الثدي الذي تعاني منه منذ سنوات، وترفض العلاج. أما ابنها الذي بكاها بدموع من نار، فكان يهذي وسط دموعه بأنها توفيت من الحزن، وبأن الحزن حين يزيد عن

حد معين يصبح قاتلاً.

لم يشيّع تيريزا البلهاء إلى مثواها الأخير سوى نفر قليل من الناس، أختاها الوحيدتان دون زوجيهما، اللذين كانا متبرئان من تيريزا الساقطة، ابنها وزوجته، ومالكة الغرفة التي استأجرتها تيريزا لتعيش فيها مع ابنها.

التصقت بتيريزا صفة البلهاء مذ كانت في الرابعة عشرة. كانت كبرى إخوتها، ومسؤولة عن العناية بهم لأن أمها مضطرة للعمل من الصباح وحتى المساء خادمة في البيوت لتعيلهم، فيما والدها هائمٌ منذ سنوات في مصحٍ للأمراض العقلية.

كثيراً ماحلمت تيريزا بزيارة والدها، لكن أمها كانت تزجرها كل مرة، تنهاها عن ذكره، فما كان من هذا النهي القاسي إلا أن يزيد اضطرام أشواقها وأفكارها نحو والدها، كان غيابه يجعل حبها له شفافاً ونقياً لاتشوبه كلمات البشر الفظة القاسية، ولا تصرفاتهم الخالية من الرحمة، وكثيراً ماكانت ترنو إلى البعيد وتتخيل أنها تركض مسافات ومسافات لتلقي بجسدها في حضنه، فيضمها بقوة إلى صدره وتمتزج دموعهما، وهو يعدها أنه لن يتركها أبداً... كانت صديقاتها يسخرن منها حين يضبطنها تبتسم وتبرطم بكلمات وحدها، فيقلن لها: المجانين فقط يتحدثون مع أنفسهم، لكنها كانت تبتسم ولا تُعلّق بكلمة. فهي تحب صديقاتها من كل قلبها حتى لو سخرن منها وتهامسن بأنها بلهاء. ماكانت تفهم فن الكذب، ولا فلسفة الغش، إنها تُعبّر عن كل ماتحسه بالقول والفعل وعلى الملأ. ماكانت تفهم لماذا يداري الناس سلوكهم، ولماذا يكونون بعدّة أقنعة! ذات يوم حين زارتهم جارتهم، أدهشها ترحيب أمها الحار بالمرأة، فانبرت تيريزا تقول بسذاجة: أمي، أليست هذه جارتنا التي تقولين عنها بخيلة وثرثارة ولا يهمها سوى اصطياد زوج ثري لابنتها.

انقطعت العلاقة بين المرأتين بسبب تيريزا البلهاء، ورغم العتب القاسي الذي تعرّضت له تيريزا من أمها، فإنها لم تفهم لماذا اعْتبرت مذنبة؟! بقيت على تساؤلاتها الساذجة لماذا لايقول الناس كل شيء أمام بعضهم، لماذا يكذبون؟ ومامعنى الكذب؟

فرحت بجسدها اللدن الرشيق، الذي أخذ يتكوّر، ويشع حرارة جديدة، أشبه بتيارات مائية ساخنة تدغدغ جلدها وأحشاءها، كانت تضحك لصورتها في المرآة، وهي تكتشف تلك المشاعر اللذيذة، وتتساءل: لماذا لم تشعر بها من قبل؟ كانت تقضي ساعات تتأمل نهديها الشامخين، وتمرر يديها على وركيها وبطنها وفخذيها، منتشية بالتحوّل الجميل والمدهش في جسدها، كانت مزهوة بتفتّح أزهارها، بالثمار اليانعة الشهية التي ترغب أن يتحلّب الناس ليتذوقوها، وكانت تبكي بدموع سخية وهي تسمع أغاني عبد الحليم حافظ الذي احتل أحلام يقظتها التي لاتنقطع إلا عند الضرورة.

في الثالثة عشرة سقطت تيريزا في شرك الحب، كل الحارة شهدت حبها للشاب الجميل الذي يقود سيارته الفخمة البيضاء، ودون أن تتلفت خائفة وأمام العيون المتلصصة من الشقوق والثقوب، كانت تيريزا تركض إلى حبيبها، وتجلس بجانبه في السيارة ليأخذها إلى الشقة التي استأجرها لغرامياته.

دُهشت تيريزا حين انفضّت عنها صديقاتها، وصرن يرمقنها باحتقار ويتهامسن حين تمر بجانبهن، كانت تتساءل بدهشة وحزن: لماذا تغيّرت نظراتهن؟! ماكان لها أن تفهم أبداً نظرة الاحتقار، فهي لم تختبر هذا الشعور، ومادة روحها النقية غير مؤهبة للإحساس به.

أخذ بطن تيريزا يتكوّر، ويزداد حجماً، أدهشها أنها غدت بدينة، مع أنها لاتأكل زيادة عن عادتها! وبأن تنورتها الوحيدة ماعادت تحيط بخصرها. حتى الشهر الخامس لم تلحظ الأم حمل ابنتها، في الواقع لم تكن تراها، لأنها تعود إلى البيت حطام امرأة. متهالكة من التعب، تمسح أولادها بنظرة، وتغطّ في النوم، تاركة صغارها  يكبرون برعاية تيريزا البلهاء والعناية الإلهية، وصدقات الجيران.

ذات يوم تحلّقت صديقات تيريزا حولها وسألنها: تيريزا، ألا تلاحظين أن بطنك يكبر؟ ويتغامزن وينفجرن ضاحكات.

فتلمس تيريزا بطنها متعجبة وتقول: أجل إنه يكبر.

فيسألنها: تيريزا من والد طفلك؟!

تحملق تيريزا في وجوههن وتتساءل بدهشة طفولية: طفل، أي طفل!.

تقول إحدى صديقاتها: من تعاشر رجلاً تحمل بطفل.

كانت تيريزا تفسّر كبر بطنها، بسبب انقطاع الطمث، فالدم يتجمّع في الداخل، ويجعل بطنها يكبر، كانت مقتنعة كلياً بهذا التحليل الدقيق لكبر بطنها، ولم تكن تقلق، فذات يوم سيتدفق كل هذا الدم إلى الخارج ويعود بطنها إلى حجمه الطبيعي.

ضربتها أمها بوحشية وهي تسألها: منذ متى تعاشرين هذا الكلب؟ وكانت تيريزا تبكي وترتعش ولا تتفوه بكلمة، استدعت الجلاّدة القابلة لتكشف على ابنتها، وبعد الفحص رفعت القابلة عينين زائغتين بالدهشة وأدلت بتقريرها: الفتاة حامل في شهرها الخامس، لكنها لاتزال عذراء!!

اقتحمت أم تيريزا منزل الشاب الثري وواجهت أسرته بحمل ابنتها، طُردت الأم واختفى الشاب عن الأنظار، استدانت الأم المنحوسة -كما غدا اسمها في الحارة- المال، وأقامت دعوى على الشاب لتضطره للزواج من تيريزا والاعتراف بابنه، لكن الشاب نفى أبوته للطفل، وقال في المحكمة بأن تيريزا عاهرة وتعرف الكثير من الرجال غيره، وذكر أسماء خمسة من أصدقائه وأصدقاء والده على أنهم عشّاق لتيريزا، وأصرَّ على استدعاء هؤلاء العشّاق وسماع شهاداتهم بتيريزا، عارفاً أنهم سيذكرون جميعاً الوحمة البنفسجية فوق عانة تيريزا بقليل!

وحين واجه محامي تيريزا المحكمة بتقرير طبي يثبت أن تيريزا لاتزال عذراء، وبشهود من الجيران، يؤكدون أن الفتاة لم تخرج سوى مع الشاب الثري، استمر الأب في نكرانه، وانتهت الدعوى بأن دفع الشاب مبلغاً كبيراً لصاحب السيادة كي يُبرأ من أبوة الطفل الذي تحمله البلهاء في بطنها.

كان على تيريزا أن تعرف دفعة واحدة معنى الألم والتخلي ونبذ الناس لها واحتقارها، الذي أحسته يؤلمها كوخز الإبر، كان عليها أن تعرف دفعة واحدة معنى الوحدة وموت المشاعر البكر الطاهرة التي كانت تدفعها لتأمل جسدها بافتتان وللارتماء في أحضان الحبيب مكتشفة جسدها في جسده، وسعيدة بأن يكتشف جسده في جسدها.

انقضت كل تلك المشاعر الوحشية القاسية على تيريزا، وأحاطتها كدائرة من نار وهي تتمخّض معانية آلاماً لاتطاق، بينما لاتسمع كلمة واحدة تؤاسيها من أمها، أو القابلة، فمن يؤاسي فتاة حملت سفاحاً؟ لكن تيريزا البلهاء غدت أماً بطرفة عين، ولدت إنسانة جديدة في اللحظة التي قذف رحمها ابنها.

خلال أشهر شاخت الصبية ذات الأربعة عشر عاماً، ماتت شهوتها للرجل وتحوّلت إلى جرح سيظل مفتوح الشفتين مدى الحياة، وضاع ذلك الشعور البهي المتوهج الذي لاتعرف أن اسمه الشهوة في غياهب الإهمال، أعطت روحها وكيانها لوحيدها، صار دنياها وعالمها. كانت ترتعد من قسوة النظرات ووحشيتها فتهرب إلى دنيا صغيرها، إنه الكائن الوحيد الذي يُحبها ويقبّلها، ويقبلها كماهي، وحده لايصدّق أنها زانية.

كبر الصغير وكان صورة طبق الأصل عن والده، حاول البعض ممن يحتفظون ببقايا رحمة في قلوبهم أن يصحبوا طفل الزانية إلى والده، ليفحموه بالشبه بينهما، لكن الأب استمر في النكران، وتزوج من فتاة من سويته المالية، وأنجب منها ثلاث بنات، لكن حرقة الصبي ظلت تلاحقه، فكان يقول في سره، أيُعقل أن أنجب ثلاث بنات في الحلال، فيما الصبي لا أنجبه إلا في الحرام.

استطاعت تيريزا البلهاء أن تنتزع شفقة الناس بعد سنوات وليس احترامهم، فالكل يشهد كم أحبت طفلها، ظلت تحمله حتى العاشرة من عمره، كانت تقضي ساعات بجانبه تتأمله وهو نائم، تغني له أغاني عبد الحليم بصوتها الهامس العذب، وتمسح دموعها الخرساء. ماعادت تتذكر أنها أنثى. انحفر الرجل في ذاكرتها مدية تطعنها في الخلف، كانت دروس الحياة المبكرة والقاسية قد جعلتها تفقد أدنى رغبة في المقاومة. كان الاستسلام التام لكل ماجرى معها هو الحل الأكثر رحمة وتحملاً بالنسبة لها، وقد قاومت بضراوة محاولة العديد من الشبان جعلها عشيقة، حتى أن أحدهم قال لها غير مصدق إنها لاتنوي معاشرة أي رجل: إلى متى ستتظاهرين بأنك شريفة، وقد تعوّدت أن تباعدي بين ساقيك مذ كنتِ في الثالثة عشرة؟

تعوّدت تيريزا على ابتلاع الإهانات، واستمرت تقبر الأيام، يوماً بعد يوم، لا يعنيها سوى ابنها، وتمكنت بواسطة جارتهم الوحيدة التي تشفق عليها من الحصول على عمل في مؤسسة لبيع الخضار، وفي أوقات فراغها المستفيضة كانت تيريزا تُبدع كنزات صوفية رائعة تبيعها وتساعد نفسها على العيش.

الصغير غدا كبيراً حين عاين جرح أمه، باحت له وهي ترتعد من شعورها بالعار من يكون والده، سربلهما صمتٌ طويل لم تجرحه كلمات لأيام، كانت تعاني آلاماً لاتطاق، وتخشى أن تفقد احترام الرجل الوحيد في حياتها، لكنه بعد أيام دفن رأسه في صدرها قائلاً: أنتِ أروع أم في الدنيا. لكم أحبك ياتيريزا الرائعة، أماهو فأكرهه، أنا لاأب لي.

كم كانت صادقة حين قالت له: لا تكرهه يابني، لاتجعل الكره يعّكر روحك.

كانت تيريزا تعاني من اشمئزاز شديد حين ترى رجلاً وامرأة يتغازلان على شاشة التلفاز، ظلت أسيرة مشاعر الإثم طوال حياتها، وساعد موقف اخواتها من رسوخ هذه المشاعر، فبعد زواجهن انقطعن كلياً عن زيارتها، فهمت من غير أن تسأل أن أزواجهن يمنعونهن من زيارة الأخت الآثمة التي أنجبت من غير زواج.

حين بلغ ابن تيريزا السادسة عشرة، فوجئت بعناية زائفة من أمها وجارتهم، ليقنعوها بالزواج من أرمل يعيش في الأردن، أكدتا لها أن هذا الزواج هو الوحيد القادر على إعادة الاعتبار ونفض الغبار عن كرامة تيريزا المعفّرة في وحل الإثم منذ سنوات، فالرجل سيسجل ابن الحرام على اسمه، رفضت تيريزا بقوة وقالت بأنها لاتطيق الرجال ولا تستطيع أن تقرِّب رجلاً. لكن الأم والجارة أقنعتاها بأن زواجها سيحّول ابنها من ابن حرام إلى ابن شرعي وبأنها يجب أن تضحي في سبيل ابنها.

قبلت تيريزا الزواج من الكهل، سافرت معه إلى عالمه الغريب، منتظرة اللحظة التي سيسجل فيها ابنها على اسمه، لكنه أخذ يتملص، بدا لها واضحاً منذ البداية أنه يريدها خادمة، بل عاهرة، كان يجبرها على لبس ثياب داخلية خليعة، ويطلب إليها أن تقوم بحركات معينة، ويضربها كي تشاهد كل يوم العديد من الأفلام الجنسية الخليعة لتتعلم فن ممارسة الجنس، لم تستطع تيريزا الاحتمال، هربت منه بعد أن قال لها بأنه يستحيل أن يسجّل ابن الزانية على اسمه، وبعد أن صرخ في إحدى فورات غضبه: ياقحبة كنتُ أظنك تعرفين فنون إرضاء الرجال، فإذا أنت تيريزا البلهاء حقاً.

عادت تيريزا إلى غرفتها الضيقة تنشر أحزانها على الجدران، واستأنفت حلمها الشاق الوحيد بأن يدخل ابنها كلية الهندسة. وأخيراً ابتسمت، هي التي نسيت الابتسام، حين حصل ابنها على لقب مهندس، وخطب زميلة له في الجامعة، وترك أمه تعيش وحيدة مع ذاكرة شوّهتها الآلام.

تحوّلت تيريزا إلى إنسانة شبه خرساء، كانت تقضي أياماً لاتنفتح شفتاها عن كلمة، الجملة الأخيرة التي تفوّهت بها قبل وفاتها بيومين لجارتها: أحس أن حياتي سراب.

القلة الذين شاهدوا جثة تيريزا تحت شجرة السنديان الهرمة، انتابهم إحساس واحد بأنها كانت تحلم، ثمة ابتسامة ترفرف على وجهها، وسرب أحلام يطوف حول عينيها ترى بماذا كانت تحلم تيريزا البلهاء قبل أن تسلم الروح؟‍!

 

 

الـمــتاهــــــة

 

كــــــره أحدهما الآخر حتى أصابت كليهما أمراض جسدية، فقد استعمرت الشقيقة رأسها ولم تتركها منذ كرهته، كانت تبقى ثلاثة أيام طريحة الفراش، لاتقدر أن ترى نوراً أو تسمع ضجة، غثيان مستمر وإقياءات وصداع فظيع لايهدأ بأقوى المسكنات. هو السبب هذا ماتؤمن به. ولم يستطع الأطباء الجزم أو النفي بشأن السبب الحقيقي لصداعها العنيد، لكنها كانت تصر وتؤكد لهم أنها لم تتناول حبة مسكنة واحدة قبل أن تتعرف إليه.

أما هو فقد أصابته نوبٌ حادة من خناق الصدر مذ عرفها، وكثيراً ماكان يستيقظ في الليل وهو يختنق ويسارع أطباء القلب لنجدته، ولطالما سألوه عن السوابق العائلية لأمراض القلب في أسرته، وعن عاداته من تدخين وسهر وشرب، طبيعة طعامه، كان يجيب فاقد الصبر ويقول لهم: صدقوني هي السبب، فقد كنتُ شاباً رياضياً، وحققتُ بطولات في كرة القدم حتى تعرّفت إليها. وتزوجنا، تلك المرأة النحس، التي اختنق قلبي في سمومها وحقدها. ورغم انفصالهما فإن أحقادهما ظلت تغلي، وظل كل منهما يشعر أنه مغبون، ولم يثأر لكرامته المطعونة، ولم يُعْد اعتباره أمام نفسه على الأقل، ولأن المثقفين يرفضون -بدافع الغرور ربما- اتباع الأساليب الرخيصة في الانتقام كالضرب والثرثرة وتشويه السمعة، فقد قصدا الطرق العلمية الحديثة لتحررهما من أحقادهما، لكن الطب النفسي وقف عاجزاً عن تفتيت صخور الحقد المتينة في أعماقهما.

وأخيراً توصلا بعد بحث مضنٍ -كل بدوره- ودون أن يدري أحدهما بتحركات شريكه في الكره، توصلا إلى طبيب صيني كان يجري أبحاثاً على أدمغة القرود. وعلى مركز الذاكرة بالذات، وقد تمكن من اختراع دواء يؤثر في مركز الذاكرة ويجعل القرد ينسى حوادث معينة إلى الأبد. وماأن سمعا بهذا الاختراع المذهل حتى اقتحما -كل بدوره- صومعة الطبيب الصيني ورجواه أن يقتل -بدوائه الرائع- من ذاكرتيهما ذلك الجزء الذي يحتله الآخر، كانت هي السبّاقة، ورجت المخترع أن يقتل تلك الخلايا في دماغها التي تسجّل ذاكرتها معه، وأن يمحو صورته وصوته وحركاته، وحاول الطبيب أن يُفهمها أنه لم يتأكد بعد من نتائج دوائه، وأن آثاراً جانبية خطيرة قد تنجم عن استعماله، وأنه يجرّب على قرود وليس على بشر، وأن أي دواء يجب أن يخضع لتجارب سنوات طويلة قبل أن يطبّق على الإنسان، لكنها بكت بحرقة وأسهبت في شرح مأساتها، وأكدت للطبيب أن مصيرها الانتحار فيما لو لم تتحرر منه، وذعر المخترع من منظرها ونصحها باستشارة أطباء نفسانيين. ضحكت وهي تجيب: لقد استشرت أشهر الأطباء النفسيين وعجزوا عن إطفاء أحقادي على هذا الشيطان المُتنكر بهيئة رجل، لقد دمرّني صدقني، إنه سبب استقالتي من عملي، فقد بلغتُ بسببه حداً من الإرهاق جعلني عاجزة عن التركيز في أبسط الأمور.

طلب إليها الطبيب مهلة يومين ليفكر، وليحضر دواءه للاستعمال الإنساني قال إنه سيجري بعض التعديلات على الدواء كي لايسمم جسمها، وحين احتجت قائلة: ولِمَ الانتظار يومين؟

أجابها الطبيب فاقد الصبر: لأنك إنسانة ولست قردة.

وفي مساء اليوم ذاته الذي غادرت فيه المعذّبة صومعة الطبيب، اقتحم عزلته شاب منهك يكاد يختنق من الزلة التنفسية، وزرقة شديدة تصبغ شفتيه وأظافره، قال له: انقذني أرجوك. سمعتُ أنك تقتل أجزاء من الذاكرة، حررني من تلك الساحرة المجرمة، وحين همّ الطبيب أن يطلب الإسعاف، أسرع الشاب يقول له: لاتطلب الإسعاف، لقد عجز الأطباء عن مداواتي فمرضي سببه تلك المجرمة. وتجمّد الطبيب يتأمله برعب وهو يشهق طالباً الهواء، والهواء لايبلغ قصباته المتشنجة بالحقد، وأعطاه إبرة مهدئة وأسرع يبحث في صومعته عن أسطوانة أكسجين. لكن الاسطوانة كانت فارغة للأسف، وبعد ساعة ارتاح الرجل، وقد أخذ يشرح للطبيب مأساة مرضه الذي عجز الطب العادي والنفسي عن شفائه منه، وفجأة انتفض الطبيب وسأل الشاب: هي -المجرمة- هل تشكو من مرض ما؟

ردّ الشاب: المجرمة تدّعي أني سببتُ لها الشقيقة.

وخفق قلب الطبيب وارتجف فزعاً وقال: وماسبب أحقادكما، انفصلا وابدأا حياة جديدة.

ردّ الشاب: نحن منفصلان منذ سنوات، لكن الحقد ينهشنا دون رحمة، لقد دمرّتني وشوّهت صورتي أمام الناس، كانت السبب في طردي من نادي كرة القدم، وتململ الشاب فاقداً الصبر، ولماذا نخوض في الأسباب، وماذا يفيد أن أحكي لك كل خلافاتنا.

ستعاودني النوبة صدقني. مايهمني الآن -وانهمرت دموعه- أن أقتلها، أقصد أن أنساها، أرجوك أن تقتل خلايا ذاكرتي التي تخصّها، أرجوك.

 

منظر رجل يبكي بحرقة يؤثر بشدة، وعده الطبيب أن يعمل جهده وأن يراجعه بعد ثلاثة أيام.

حارَ الطبيب الصيني كيف يتصرف، لكن حب المغامرة ومغريات تطبيق اكتشافه جعله يجد مئات الحجج ليبرر لنفسه تطبيق الاختراع الجديد على ضحايا حقد لايشفى إلا بقتل خلايا معينة في الذاكرة، فليجّرب، ووجد نفسه يضحك حتى دمعت عيناه وهو يتساءل: ماذا لو التقيا عندي.

بعد يومين حضرت الشابة مبكرة ساعتين عن موعدها، كانت ضحية نوبة شقيقة قاسية، قالت للطبيب: آه، أتمنى لو تنفك دروز جمجمتي ويطير دماغي من خلالها. وارتمت على سرير الاختبار منهكة وقد أغمضت عينيها هرباً من النور رغم أن الضوء كان خافتاً.

ومن منظرها اليائس عرف الطبيب أن كل محاولاته ستبوء بالفشل في إقناعها بالعدول عن تجريب الدواء قال لها: حسناً سأسألك بعض الأسئلة، فأجيبيني عنها قدر الإمكان وبلا انفعال.

قالت: أرجوك، أعطني الدواء، وأرحني من عذابات لاتطاق.

رد مؤكداً: اطمئني سأعطيك الدواء، لكني أحتاج بعض المعلومات البسيطة.

سألها: منذ متى تعرّفت إليه؟

ردت وهي مغمضة العينين: منذ سبع سنوات، كنتُ أحضر مباراة كرة قدم، مع صديقة لي، ذهبت معها مجاملة فأنا لا أطيق الرياضة، ومن بين آلاف المتفرجين التقت عيوننا، التقط نظرتي، والتقطت نظرته، وتوّهمنا أنه الحب.

سألها الطبيب: هل كان لاعباً؟

-أجل، كان لاعباً مشهوراً.

سأل الطبيب بصوتٍ رخيم: ألم يكن حباً إذاً؟

ردت بعصبية والشقيقة تجلدها كل لحظة: لا، كان كُرهاً.

-وما الذي جذبك نحوه؟

ضحكت بسخرية: عيناه السوداوان اللامعتان، لقد احتواني بنظرته، وأشعرني أنه لايرى سواي من بين آلاف المتفرجين، لم أكن أعلم أن عينيه هما عينا الشيطان وأن ذلك اللمعان فيهما هو لمعان الشر.

-حسناً إهدئي، لاتنفعلي أرجوك.

-أرجوك يادكتور، الغثيان يشتد، أكاد أتمزق من الألم.

 

-حسناً، حسناً، أدخلي رأسك الآن في هذا الجهاز. تأملتْ جهازاً ضخماً بحجم تلفزيون كبير فيه فجوة تتسع لرأس كبير، تساءلت بدهشة: ماهذا؟

شرحَ لها الطبيب أن هذا الجهاز يبين له أجزاء الدماغ بالتفصيل ومكبّرة مئات المرات وأنه تمكن من التوصل إلى مناطق الذاكرة وتحديد خلاياها، وقتل بعضها، وبذلك يمحو ذكريات معينة إلى الأبد.

أدخلت رأسها في الجهاز، ورغم أن ذعراً كان يضاف لصداعها، وبعد أقل من ربع ساعة طلب إليها الطبيب أن تُخرج رأسها من الجهاز، فأخرجته، ولم تتمالك نفسها أن صرخت من الفرح:

-دكتور لقد اختفى الصداع!

سألها الطبيب بقلق: ولاعب كرة القدم، هل يزعجك، هل..

تحوّل وجهها إلى علامة تعجب وهي تقاطعه قائلة: عمن تتحدث يادكتور؟

ضحك الطبيب وهو يحس بنشوة اختراعه وقال لها: حسناً، لقد شُفيت من الشقيقة ومن أحقادك، لاتنسي أن تزوريني كل شهر مرة لأطمئن على صحتك، ولأراقب آثار الدواء عليك. ولا داعٍ لأذكرّك بأن تحتفظي بسرية الموضوع.

ردت بسرور: بالتأكيد يا أعظم مخترع في الدنيا.

محته نهائياً من ذاكرتها، وعادت تمارس حياتها منطلقة ناجحة، اختفى الصداع، وانهزمت الشقيقة.

وفي اليوم التالي جاء دور الشاب، تمدد على سرير الاختبار ذاته، كان مزرقاً يطلب الهواء. وصرخ مستنجداً: أرجوك يادكتور أسرع، ماذا تنتظر!

ردَّ الطبيب بهدوء: حسناً لاتتسرع، ستشفى، عليك أن تجيب بدقة عن بعض أسئلتي.

قال وهو يجاهد في استنشاق الهواء: وماهي؟

-منذ متى تعرّفت بها، وكيف؟

ردّ: منذ سبع سنوات، كنتُ أشهر لاعب كرة قدم، ولأن القدر الغادر شاء أن ألتفت لأراها، تصوّر، أحسستُ أنني أرى ملاكاً، كانت بيضاء رقيقة، عيناها خضراوان ساحرتان، شعرها أشقر ناعم طويل، هكذا كنتُ أتخيّل الملائكة، لم أكن أعرف أن الشيطان يتنكر بهيئة امرأة جميلة، ولكن ارجع لكل الأديان يا دكتور، ترى كيف كان الشيطان يتخذ شكل امرأة فاتنة، لقد دمّرتني، كانت السبب في طردي من الفريق، وفي إدماني الكحول... أرجوك يادكتور أشفني. أحس أني أختنق.

طلب إليه الطبيب أن يدخل رأسه في الجهاز وشرح له آلية التأثير كما شرح البارحة لشريكته في الحقد، وبعد أقل من ربع ساعة أخرج الشاب رأسه من الجهاز، كانت شفتاه ورديتين، وصدره يتنفس بانتظام وهدوء، وكانت كل علامات السعادة واضحة على محياه.

سأله الطبيب: كيف تشعر؟

ردَّ: لقد شفيت من خناق الصدر، أحس أنني ممتاز

سأل الطبيب بقلق: وتلك المرأة الأشبه بالملاك، صاحبة العينين الخضراوين والشعر الأشقر. حملق الشاب إلى الطبيب وسأل دهشاً: أية امرأة يادكتور؟

أطرق الطبيب مدارياً ابتسامة النصر، ودّع الشاب، وهو يذكره بضرورة زيارته كل شهر، ويذكره بأهمية الاحتفاظ بسرية الاختراع.

تتابعت الأشهر بسلاسة وصفاء، كسماء صافية لاتشوبها غيمة، انساب الزمن منبسطاً سهلاً، ربيع أبدي عاشه كل منهما، قتلته وقتلها بطريقة حضارية، وتحررا من سرطان الحقد.

بعد سنوات عاد نجمه يتألق كأشهر لاعب كرة قدم. ورجعت هي إلى عملها نائبة للمدير العام في أضخم شركة لتصنيع أغذية الأطفال.

وذات يوم دعاها المدير لحضور المباراة الأولى التي سيشترك بها ابنه البكر، خجلت من أن تقول له إنها لاتطيق الرياضة، كان عليها أن تُجامل المدير.

وجلست في الصفوف الأمامية إلى جانب المدير وزوجته، ومن بين آلاف الحضور، التقت عينان خضراوان كعيني ملاك، بعينين سوداوين تشعان بريقاً آسراً وانطلقت شرارة تحوَّلت إلى ابتسامة وشبه وعد!!

 

 

التلفـــــــــاز

 

إن غزو الفضاء لايضاهي عنده أهمية اختراع التلفاز، هذا الجهاز العجيب الرائع الذي يجعله ينسى مشاكل الدنيا كلها، بل يجعله ينسى نفسه أيضاً، فهذه الشاشة الصغيرة التي يجلس مقابلها ساعات وعيناه منشدتان إليها كأنهما متمغنطتان، فيها سحر عجيب ولطالما تساءل: كيف سيمضي المساء لولا شاشة التلفاز، فيشكر العلم والحضارة اللذين أنجزا هذا الاختراع الرائع. صحيح أن هناك اختراعات أعقد وأعظم ولكن ليس من اختراع يحل أزمة حياته سوى هذه الشاشة الصغيرة. فليبدأ بالتحدث عن مسائه قبل صباحه. كل مساء يجلس مسترخياً أمام الشاشة الصغيرة، تستقطب سمعه ونظره وحواسه كلها، يحس بشوق للدعايات التي حفظها، وللمذيعين الذين تآلف معهم، كأن صداقة تربطه بهم، وقد تمرس في مراقبتهم بدقة، حتى أصبح يحزر أن المذيعة الفلانية متعكرة المزاج هذا المساء، ولكنها تكابر، أو أن المذيع الفلاني شارد أو متوتر أو منشرح أو متخاصم مع زوجته. هل كان المتفرجون يلاحظون مثله؟ بالتأكيد لا، لأنهم ليسوا مغرمين -حتى الوله- بالتلفاز، حتى المذيعون أو مقدموا البرامج الذين كان يكرههم أو يحس ظلهم ثقيلاً، ماكان يستطيع أن يحوّل انتباهه عنهم، فهو مشدود إلى هذه الشاشة سواء سلباً أو إيجاباً.

كان يشعر أحياناً بسعادة طفولية فيقول لنفسه: والله ياسليم الله يحبك، لقد صرت مثقفاً واسع الاطلاع، تعرّفت على معالم باريس ولندن، دخلتَ أدغال إفريقيا ووصلت إلى القطب الشمالي والجنوبي، وتنّقلت في الصين واليابان. تعرّفت بالعرق الأصفر. والهنود الحمر، والزنوج، ووصلت إلى أمريكا، فكم وفّر عليك التلفاز كلفة الأسفار ومتاعبها؟! وهل أنت قادر على السفر، والله لو جمعت رواتبك كلها أكثر من خمسة أعوام فلست قادراً على شراء بطاقة طيارة إلى أي من المدن التي عرفتها عبر الشاشة الصغيرة، هل تستطيع أن تنسى كم أحببت الدار البيضاء في تونس، وكيف عششت هذه المدينة في ذهنك أكثر من غيرها.

ويحدّث نفسه باغتباط أكثر، "أنا لم أشاهد العالم فقط، بل أصبحت مثقفاً، صرت ألمِّ بالجغرافيا، بالمحيطات والأنهار والقارات، وعرفت أنواع الحيوانات التي لم تخطر ببالي أبداً، وتعرّفت على أشكال النباتات الغريبة التي أثارت دهشتي".

وسمعتَ أشعاراً وحوارات ثقافية، ومشاحنات كلامية بين كبار على مستوى عال، أما المسلسل اليومي الذي تنتظره كل يوم، وساعة بعد ساعة فهو جرعة المنّوم الضرورية كل ليلة، وسواء أكان المسلسل تافهاً أم عميقاً، منفراً أم جذاباً، فإنه يظل مشدوداً إلى أبطاله، يتابعهم، تنمو بينه وبينهم صداقة أو عداوة، يشتاق إلى بعض الوجوه، بل يعتب عليها أنها غابت فترة، وهل ينسى يوم صفّق فرحاً حين سمع المذيعة تقول إنها ستجري مقابلة مع ممثلته المفضلة، قال لنفسه: والله بعد زمان يا معالي، أية غيبة طويلة هذه ياحلوتي.

وسهر حتى ساعة متأخرة من الليل ليصغي للمقابلة، وتملّى ملامح الممثلة بشوق وأُلفة وتمنى لو تجمعه بها المصادفات ويصادقها، ولِمَ لا يطلبها للزواج: إنه يُحبها فعلاً ويفكر بها دوماً. هو وحداني وهي عازبة، آه ماهذه الأفكار المضحكة، فهل تقبلُ بك ممثلة لها شهرتها الواسعة وشعبيتها الكبيرة، أيمكن أن تقبل بمجرد موظف تعيس؟ لكن ليتها تعرف كم يحبها، وأنه على استعداد ليغفر لها كل ماضيها وغرامياتها. ضحك من نفسه وتساءل بخجل: ماذا لو كان كل المشاهدين يشعرون مثله؟ لكن هل هو حالة نادرة حقاً؟ ألا يجلس معظم الناس كل مساء متسمرين أمام الشاشة الصغيرة، عيونهم محملقة وآذانهم منصتة باستنفار، وبعضهم لايغفون إلا على الصوت والصورة، تخدّرهم، حتى إذا توقف الإرسال استيقظوا مجفلين، وجرّوا أنفسهم إلى السرير، إلا أنه ليس شاذاً أبداً، كل مافي الموضوع أنه يحس أكثر، وينفعل بكل أحاسيسه مع هذه الشاشة الصغيرة التي يطلّ منها على العالم أو يهرب من خلالها من العالم.

وبماذا عساه يفكر كل مساء، وأي جدوى من التفكير؟ هل سيحل مشاكل العالم بأفكاره؟ ضحك بسخرية وهو يحدّث نفسه: والله أنا لست قادراً أن أحلّ مشاكلي الخاصة، الصغيرة فكم حاول أن يخلق أسلوباً للتعامل مع رئيسه في العمل، سيده الفظ المستبد.. لكن عبثاً، ظلَّ الأخير يضطهده، ويحتقره دون أن يعرف سبباً لهذه المعاملة اللاإنسانية. وتذكّر كل الأساليب التي اتبعها معه من فرط الاحترام -الزائف طبعاً- إلى السكوت والتظاهر باللامبالاة، إلى رشوته، آه، إنه يذكر يوم وقع بعجز مادي إثر الهدية التي قدمها لرئيسه، القداحة الفضية الأنيقة، يومها سأله المدير بسخرية: مامناسبة هذه الهدية؟

أجاب بصوتٍ تعود الانكسار: والله لقد أعجبتني هذه القداحة، وأحببتُ أن أقدّمها لك، لأنك مثلي الأعلى.

لماذا يضطر دوماً إلى أن يقول عكس مايشعر ويفكر، ماأبشع الذل والقهر، ورغم ذلك فلم تتغير معاملة مديره له، قبل بالأمر مُجبراً، لأنه بحاجة لهذه الأوراق النقدية الذابلة الضئيلة التي يتسلمها آخر كل شهر، آه، لولا الشاشة الصغيرة كان سيفكر بهذا الحيوان  كل مساء، ففي منزله الصغير، وفي صقيع وحدته الأليف، كان اسم مديره الحيوان!

في قمة أزمته النفسية مع مديره، وقبل أن يتعوّد الانكسار والذل اليومي، عرضت الشاشة الصغيرة مسلسلاً موضوعه موظف مضطهد، يذّله مديره، دقّ قلبه تشوقاً وانفعالاً، أمل أن يجد الحل في هذا المسلسل، وأخذ ينتظر كل يوم وبفارغ الصبر الحلقة الجديدة، وبدا له الممثل بانفعالاته وقلقه وآلامه يجسّد حالته بالذات، وأبدى إعجابه بعمق المسلسل وتطابقه مع الواقع، وآمن بأنه سيجد حلاً بنهاية المسلسل.

واستبشر خيراً، لكن أمله خاب بشدة، لأن المُخرج جعل النهاية مدهشة وغير مقبولة، إذ تحوّل الموظف المضطَهد، إلى مدير مضطهد، والمدير الجبّار صار موظفاً ذليلاً، كيف تمت هذه القفزة في الحلقة الأخيرة، لايذكر تماماً، لكن هذه النهاية خيّبت أمله في إيجاد حل لمشكلته.

واقتنع أخيراً بأن قدره أن يتحمل مديره المريض، أو هذا الحيوان -كما كان يسميه في سره-

كم حفلة غنائية حضرت ياسليم على الشاشة الصغيرة! هل كنتَ تحلم بأن تحضر حفلة لمطربين متكاثرين كبذور البقلة، يقبضون بالدولار! والحاضرون المترفون! إنك تطل عليهم من شاشتك الصغيرة فتحس أنهم من كوكب آخر، النساء المترفات المتنافسات في الأناقة، والبذخ والتفاهة، فكم وفّرت عليك الشاشة الصغيرة ياسليم؟

في العمل يضحكون عليه حين يسمي التلفاز "بصديقي المفضّل"، غمزه أحدهم وقال له: سمّه "صديقتي المفضّلة"، خجل سليم وعرف مايرمي إليه صديقه، لكنكَ لاترى سبباً لضحكهم ياسليم فالتلفاز حقاً صديقك المفضّل، لولاه ماكانت الحياة محتملة، ألا تلقاه كل يوم من الخامسة بعد الظهر وحتى منتصف الليل حين يرفرف العلم، ويتوقف الإرسال، عندها تقوم إلى سريرك وتنام بعمق، وتستيقظ على شعور الكآبة اللطيف الذي اعتدت عليه، وتحضّر قهوتك وذهنك يراجع أحداث حلقة المسلسل اليومي، وفي العمل تتساير مع زملائك عن البرامج التي حضرتموها، وتستمع إلى الآراء، والمناقشات التي تمتد إلى حد الشجار.

وفي آخر النهار وأنت خارج من عملك، وروحك تنطلق من سجنها بعد جرعة الذّل اليومي. وتحملّك للمدير الذي لايُطاق. تدندن رغماً عنك أغاني التلفاز الذي يبثها دوماً، أو الدعايات التي تحبها أو تكرهها -لافرق- لكأن هناك تلفازاً صغيراً يستمر بثّه داخل دماغك -ورغماً عنك، وأحياناً تغضب فتحاول جاهداً إسكات هذه الموسيقى، وطرد تلك الصور، لكن عبثاً..

فكيف يضحكون عليك ياسليم حين تصف التلفاز بأنه أعظم اختراع، وأفضل صديق فأية صداقة أعظم من أن يعيش صديقك بين تلافيف دماغك.

 

 

 

نعمــــة الغــــباء

 

كـــان الوالدان يشعران بالانكماش والخجل من غباء ابنتهما ابتسام، بل ربما تخلّفها العقلي، فنادراً ماتجد إنساناً غبياً في كل شيء كابتسام، فمنذ طفولتها المبكرة كان نشاطها ضعيفاً، إذ تأخرت في الكلام والمشي، حتى ارتكاساتها الطبيعية كالخوف والاندهاش والفرح كانت ضعيفة، واحتار والدها في غبائها، فكل إخوتها وأخواتها أذكياء، سريعو البديهة ناجحون، فمن أين ولد الغباء في هذه الأسرة، غباء مدهش أقرب إلى البلادة الذهنية والبلاهة.

في المدرسة لفتَ غباء ابتسام معلمتها، فاقترحت على أهلها أن تبقى ابنتهم في الصف الأول عاماً آخر، كي تستوعب المعلومات والدروس، لكن ابتسام لم تجن فائدة تذكر من إعادتها للصف الأول، ومع الأيام صارت ابتسام في صف أخيها رجب الذي يصغرها بعامين، وكان يساعدها في دروسها ويقوم بدلاً منها بكتابة وظائفها، خاصة في الرياضيات ثم سبقها في الدراسة إذ رسبت ابتسام في الصف الخامس وفشلت كل محاولات المعلّمة لترفيعها إلى الصف السادس. وتشاورت المعلّمة مع الإدارة وبيّنت أن ابتسام طالبة متخلفة، وأنها تشعر كأن ثمة حاجزاً من الاسمنت في دماغها، فهي لاتفهم، وأبسط العمليات الحسابية تصفن فيها طويلاً، وبلا جدوى، فكيف يمكن للمعلمة أن تساعدها، وأن تعطيها علامات لاتستحقها، وبعد تفكير، استدعت المديرة والد ابتسام، وبمنتهى اللباقة أوضحت له أن ابنته لاتميل إلى العلم ومن الأفضل لها أن تترك الدراسة، وتكسب الوقت عساها تتعلم صنعة ما. وأطرق الوالد خجلاً واعترف لنفسه بأن كل كلمة قالتها المديرة صحيحة وأنه ما من فائدة في خضّ الماء، وفي جعل ابتسام تتابع تعليمها.

رجع إلى البيت منكسر النفس قال لزوجته وهو يكتم غيظه:

-لا أعلم من أين ورثت هذه الفتاة كل هذا الغباء؟ إنها مصيبة حقاً.

بكت الأم وقالت: إنها ابنتك، فلا تقل عنها إنها مصيبة.

وكأن دموع الأم فجّرت غضبه، إذ قال:

-ماذا سنفعل معها إذاً، لقد حاولوا جهودهم ترفيعها إلى الصف السادس لكن مامن فائدة ترجى، وكل جهودنا وجهود إخوتها في تدريسها باءت بالفشل، إنها متخلفة عقلياً حقاً.

-أرجوك لا أحب أن أسمع هذا الكلام عن ابنتي.

-وماذا تريدينني أن أقول، فهذه هي الحقيقة.

-لعلها تنجح في مجالات أخرى.

-أية مجالات؟

-لقد فكرت فعلاً في أن تترك ابتسام المدرسة وتلتحق بدورة لتعلم الخياطة، فما رأيك؟

-ومن قال إنها ستفلح بالخياطة؟

-لنجرّب، قلبي يحدثني بأنها ستفلح.

أجاب الأب بسخرية: إذا تحدّث قلب الأم فآمنوا بما قال.

التحقت ابتسام وهي في الثالثة عشرة من عمرها بدورة الخياطة، لكنها فُصلت بعد ستة أشهر لأنها عجزت عن أدراك أبسط القواعد في التفصيل.

عادت إلى البيت ثانية، سؤالاً مؤلماً مطروحاً على أهلها وأخوتها الذين لم يكونوا بحاجة لمداراة مشاعرها، لأنها أصلاً غير متألمة ولا منزعجة، ولا تحس بأن هناك مشكلة أساساً، فغباؤها يتركها في حالة من الراحة والسعادة الدائمتين، فهي لاتعاني أزمات إخوتها المتفوقين ومنافستهم لرفاقهم، وتوترهم قبل الامتحانات، وقلقهم من نتائج الامتحان. إن ذهنها صاف، لاتعكّره أفكار ولا أحلام أو طموحات، إنه أشبه بسطح بحيرة راكدة نسيتها الرياح.

اقترح أخوها رجب بعد أشهر من تركها للخياطة أن تتعلم فن الحلاقة النسائية، عند أخت صديقه المشهورة في تصفيف شعر السيدات، ولكن ابتسام لم تستطع الاحتمال سوى أيام، أعلنت بعدها باكية أنها لاتقدر على الوقوف طويلاً لتتعلم كيف يُقصُ شعر السيدات ويُصفف، وأن صوت آلة تجفيف الشعر يسبب لها الصداع.

لم يستطع الأب كبح يأسه وغضبه وقال لها:

-لن تخرجي بعد الآن من هذا البيت، ابقي ساعدي أمك.

فرحت ابتسام بقرار والدها، هكذا ستلوذ بالبيت وترتاح من تعلّم أي شيء، ولطالما تساءلت بينها وبين نفسها: لماذا يتعب الإنسان نفسه ويُرهق ذهنه وجسده؟ وفي سبيل ماذا؟ ثم تتنهد وتقول: آه ماأصعب العلم، لماذا علي أن أحفظ أرقاماً ومعادلات؟ لماذا علي أن أعرف ماذا يجري في البلدان المجاورة وغير المجاورة؟ أنا سعيدة هكذا، ولا علاقة لي بغيري، أما كلمة رياضيات فتجعلها تجفل، فهي تبصر كوابيس وهي نائمة فتقوم مجفلة وقلبها يطرق بسرعة وأنفاسها تتلاحق، وهي تتذكر مدّرسة الرياضيات تطلب إليها أن تحل مسألة، خاصة تلك المسائل التي ينطلق فيها قطاران كل من مدينة ويلتقيان في مسافة ماعلى الطريق، وعليها أن تحسب الزمن والمسافة، أوف ماذا يفيد هذا التعقيد، فهي إن سافرت لن يهمها سوى قطارها الذي ستركبه، فما علاقتها بباقي القطارات؟!

كانت ابتسام تقضي ساعات طويلة شاردة لاتتحرك، كأنها جماد، وحين كانت والدتها تغضب منها وتقول لها: بالله عليك قولي لي، بماذا تفكرين؟

تحلف وتقول لأمها: والله يا أمي لا أفكر بشيء.

-وهل يُعقل ألا تفكري بشيء يا ابنتي؟

-أقسم لك أني لا أفكر بشيء، بل أحب هكذا أن أجلس وأرتاح.

-ترتاحين من ماذا؟ وهل تبذلين جهداً حتى ترتاحي، يا إلهي أنتِ لم تنجحي حتى في عمل المطبخ!

-أوه يا أمي، الطبخ صعب.

فتقنع الأم بأن استمرار الحوار مع ابتسام لايجدي، فقدرها أن يكون أحد أولادها على درجة كبيرة من الغباء، فلتقبل بإرادة الله وتقنع.

كانت ابتسام هي الهمّ الوحيد لوالديها، وكانا يتساءلان دوماً كيف سيؤمنان مستقبلها، فهما يعيلان أولادهما بجهد ويقومان بواجبيهما في تدريسهم، وفي المستقبل سيشق كل منهم طريقاً لنفسه وسيعمل، وابتسام مامصيرها؟ لمن يرتكانها؟ ومن سيتقدم للزواج منها وهي على هذا الغباء؟ صحيح أنها جميلة، لكن أية قيمة لجمال دون رصيد من المعرفة والذكاء؟

هي يصح أن يقال عن الجمال إنه غبي أيضاً؟ ربما، فوجهها مستدير، وبشرتها بيضاء ناعمة كبشرة الأطفال، وعيناها واسعتان إنما لاتعبّران عن أي شيء، لاتلتمعان ذكاء ولا عاطفة، لاقلقاً ولا حزناً، نظرة مطفأة شاردة، لعل أجمل مافيها أنفها، أنف صغير شامخ، كانت أختها تحسدها عليه، كانت طويلة ممشوقة، تبدو كشبح أحياناً، وهي تمشي ببطء بقامتها الطويلة وعينيها الشاردتين، لم يتقدم أحد لخطبتها رغم أنها بلغت العشرين، وبدأ والداها يقلقان على مستقبلها، ويفكران بطريقة لايتركانها فيها عالة على إخوتها، وماأدراهما بغدر الزمن. فقد يتهرب منها إخوتها  ويتركونها وحيدة لامعيل لها، وكل الأقرباء والمعارف لايرضونها زوجة لأحد أولادهم، فما حاجتهم لزوجة تحمل هذا القدر المخيف من الغباء.

هل كانت ابتسام متعلّقة بشيء؟ إطلاقاً، فلا القراءة ولا الموسيقى، ولا الثرثرة ولا الزيارات كانت تثيرها، لعلها كانت متعلقة بالنوم فقط، فهي تعشق النوم، تظل نائمة إلى أن توقظها أمها، وقد تضطر أمها إلى الصراخ قرب سريرها أو قرصها حتى تستيقظ، وتظل ابتسام مستسلمة لعالم النوم أكثر من ساعتين، حتى تصحو تماماً بعد أن ترشف ثلاثة فناجين من القهوة، وتجلس كعادتها ساهمة في اللاشيء.

ذلك أن والدتها آثرت أن تعمل وحدها في المطبخ دون مساعدة ابتسام، وكم حدّثت الأم المسكينة نفسها وقالت: يا إلهي أي ذنب ارتكبته حتى أنجب بنتاً بلهاء كابتسام.

ولكن من يدري ماذا تخبئ الأيام؟ وكيف يصير الغباء حظاً؟ بل ربما نعمة من السماء! فيوم دُعيت ابتسام وعائلتها لحضور حفل زفاف ابن عمتها المليونير في أفخم فندق في المدينة، ذهبت ابتسام لحضور الحفل كما ذهبت ساندريلا إلى الحفلة التي أقامها الأمير في قصره.

كان العرس حلبة منافسة قوية بين أجمل الفتيات وأكثرهن غنى وثقافة، وشهادات ومركزاً اجتماعياً، وحين دخل الدكتور عز الدين القاعة الكبيرة التي تتسع لخمسمئة شخص تعلّقت به العيون، وخفقت قلوب العذارى، فهو الرجل الحُلم، الذي لايُقاوم جمالاً وعلماً ومالاً ومركزاً اجتماعياً، لقد تخصص في العلوم الاقتصادية في أميركا، ودرس بعدها المحاماة، وهو ابن أكبر أثرياء المدينة، ووحيد أهله، وقد رجع من أمريكا بناء على إلحاحهم الشديد، واشترى له والده أفخم مكتب محاماة، ليصير الدكتور عز الدين من ألمع المحامين في المدينة، كان يمثل العريس الحلم لكل فتاة عازبة، حتى المتزوجات شعرن بالخيبة وهن يقارن أزواجهن بالدكتور عز الدين.

تبارت الآنسات في لفت نظر الدكتور عز الدين، وفي الرقص بجانبه وعرض مفاتنهن بسخاء، وحانت التفاتة من رجل العلم والثقافة في القاعة الكبيرة لتلتقي عينيه عَرَضاً بعيني ابتسام الشاردة أبداً، فانخلع فؤاده أمام هاتين العينين السارحتين في المطلق كما قال لنفسه، وحاول أن يسبر أعماق هاتين العينين الواسعتين، وهو اللّماح والبارع في قراءة لغة العيون، لكنه عجز عن فهم التعبير المميز في هاتين العينين.

وماكانت ابتسام تعرف أن هناك من يغرق في شرود نظرتها، وفي تأمل صفحة وجهها النقي الخالي من أي خط يدل على أنها فكّرت ذات يوم.

أغمضت ابتسام عينيها وهي تشعر بالنعاس من تأثير الموسيقى الهادئة، فتسارعت دقات قلب الدكتور عز الدين، وتمنى لو يقوم ويخطفها إلى حلبة الرقص، ويلف خصرها النحيل، ويرقص معها رقصة السعادة، تأمل أنفها الصغير الشامخ وخديها الورديين النضرين، وعنقها الأبيض العاجي، آمن أنها هي فتاته التي تستيقظ صورتها من أعماق روحه ووجدانه لتقول له: أنا هي.

لم يتمالك نفسه، فسأل والديه عن تلك الفتاة الشاردة التي تلبس فستاناً خمرياً يزيدها فتنة، فلم يعرفها الأب، ولا عرف عائلتها، لكن أمه أبدت سرورها البالغ كونه أعجب بفتاة ما أخيراً، وعند الفجر، وبعد انتهاء حفلة الزفاف همس الدكتور عز الدين في أذن العريس متسائلاً عن تلك الفتاة الرائعة ذات النظرة الشاردة، فضحك العريس طويلاً وقال: إنها ابتسام ابنة خالي.

لم تفارق صورة ابتسام خيال الدكتور عز الدين، حتى وهو في قمة مشاغله، كانت صورتها تطارده حتى وهو يتحدث إلى زبائنه، وصار يراها في صفحات الكتب، وحين أتته أمه بالمعلومات المفصّلة عنها وهي تحس بالخيبة والعار من تلك البلهاء التي أثارت إعجاب ابنها الخارق، لم يتراجع عن قراره بالارتباط بها.

جن جنون أهله، قالت أمه: أكاد أصدق أن عيناً أصابتك، فهذه الفتاة تركت المدرسة في المرحلة الابتدائية، ولم تنجح في شيء، عدا عن كونها غير ثرية وليست على هذا القدر الكبير من الجمال، فكيف سترتبط بها؟!

أصر الدكتور عز الدين على موقفه، وقال حاسماً النقاش: إنها الوحيدة التي شدتني.

تقدم لخطبتها مع والديه اللذين لم يستطيعا سوى الإذعان لرغبة وحيدهما.

وازداد تعلّق الدكتور عز الدين بابتسام بعد تعرفه إليها، وعشق شرودها، وأحب بشرتها الملساء، وعقلها المسطح، وجسدها الممشوق، وإطلالتها الشبحية، وخابت توقعات الجميع أن يفسخ الدكتور عز الدين خطوبته بعد اكتشافه غباء ابتسام، وانتظر أهله لحظة عودة وعيه، وظل أهل ابتسام مصعوقين وخائفين من فسخ الخطوبة. لكن الدكتور عز الدين نَسَفَ توقعات الجميع، إذ أعلن أنه لن يستطيع الانتظار كثيراً. وأنه قرر عقد قرانه على ابتسام بعد أسبوعين.

كان حفل الزفاف أسطورياً، في أفخم فندق في المدينة، وحجز الدكتور عز الدين ستة وثلاثين مقعداً في الطائرة لأصدقائه الأميركان الذين سيحضرون حفل زفافه، وحجز لهم في الفندق نفسه الذي سيتم فيه حفل الزفاف، كان البذخ مبالغاً فيه، الفاكهة الأفريقية بأنواعها، كانت مبذولة بسخاء، وأفخر أنواع المشروبات الروحية، وقالب الحلوى الذي رفع رقاب كل المدعوين ليبلغوا نهايته.

تألّقت ابتسام في الفستان الأبيض الطويل المرصع باللؤلؤ، والمطرز بخيوط فضية جلست إلى جانب عريسها كما لو كانت جالسة على الأريكة في بيت والدها شاردة في اللاشيء كعادتها، وهي ترمي الناس من علوها بنظرتها الهائمة، أهل ابتسام وحدهم كاد يُغمى عليهم من الفرح، ورغم أن أختيها شعرتا بالغيرة القاتلة، لكن الغيرة اضّمحلت أمام الذهول والدهشة، فكيف تصدقان أن ابتسام البلهاء تقترن بالدكتور عز الدين، وأي منطق سيقبل هذه الحقيقة!

تألق الدكتور عز الدين وبدا في قمة سعادته وهو يتأمل عروسه ويراقصها ويمازحها. وأعيدت صياغة طفولة ابتسام، أو طفولة مدام عز الدين، حسدوها على غبائها الغريب وعلى شرودها ولا مبالاتها، وتمنين في أعماقهن لو كن مثلها، فهذا الغباء المتميز هو الذي أوقع عريساً رائعاً كالدكتور عز الدين في حبائلها، ونظرتها الميتة التي لاتتمخض عن شيء غلبت كل نظرات الإغراء والإعجاب وكل الإشعاعات المنطلقة من العيون.

صارت أم ابتسام تحكي بفخر واعتزاز أن ابنتها لم تطق المدرسة، ولم تحب الخياطة، ولا عمل المطبخ، فهي أميرة متنكرة، لا تُحب أن تتعب نفسها، بل عاشت بانتظار الرجل الذي يقدّر النُبل والرفعة في شخصها، فهي ماخُلقت لتتعب وترهق ذهنها بل أدركت بحدسها العميق أن هدف كل حياتها انتظار تلك اللحظة، لحظة يقترن بها أكثر الرجال ذكاءً وثراء وجمالاً! فأي حظ كبير خبأته لك الأيام يا ابتسام! وأية نعمة لا تَضاهى هي نعمة الغباء؟ كوني واثقة من أن مئات الفتيات سيحاولن تقليد نظرتك الشاردة البلهاء، وحبك الكبير للنوم، وعدم اهتمامك بأي شيء، كوني واثقة من أن مئات الأدمغة الذكية ستعصر نفسها لتقلدك، وستتحسر ألماً وغيرة وقهراً لأنها ليست مسطحة مثل دماغك وستقول: آه لو كان دماغنا أملس لايتسع لشيء كدماغ ابتسام.

 

 

انتظــــــــار

 

أشــــعل فيها صوت أم كلثوم حريقاً، وفجَّر في روحها حنيناً لم يسعه صدرها، طفحت عيناها بدموع الوجد، وانسكبت كأنها تطوف من إناء طافح، لم تمسحها، بل أخذت شهيقاً عميقاً وهي تتساءل بوجع: هل الحب والشوق دوماً يضيعان سدى؟

أزاحت الستارة عن النافذة، فارتسم وجهها على الزجاج مُشبعاً بألم سرمدي، ورغم أنها في الحالة القصوى من الوجد والألم، لكن لم يُفتها ملاحظة جمال وجهها البهي. ابتسمت رغماً عنها وهي تتذكر المرة الأولى التي التقت فيها أعينهما، أحسته كيف غدا أسير وجهها.

افتتن بالعينين النجلاوين، وأعلن لها أنه أحبها وسيحبها حتى آخر يوم في عمره، وهي بدورها أحست كيف غمرها الزخم الأولي المصطخب لمشاعرهما. نما الحب سريعاً دون أن يحتاج أن يضرب جذوره ويمد أغصانه وتفرعاته، لم يكونا بحاجة إلى انتظار أزهار الحب وثماره لأن البرق الذي ولد بينهما، ولَّد الحب مكتملاً ناضجاً بطرفة عين، أخرجه من مخبئه كما تخرج الرعود الفطور من الأرض.

كان صوت أم كلثوم يساعدها في التطهّر من المرارة، إنها تبكي تراكم الخيبات، تذكرت كم كانت صادقة حين وعدته بأنها ستعرف كيف تنتظره. قال لها متخوفاً: اثنا عشر شهراً ليست بالأمر السهل. قد تنسينني خاصة... لم تتركه يكمل وضعت راحة يدها على فمه قائلة:

-لاتتفوه بأية كلمة، كانت تعرف ماسيقوله. كان خائفاً من فرق السن بينهما، فهو يكبرها بخمسة عشر عاماً، وحين اكتشفا متعة اللقاء الأولي قال لها: الشباب هو الإلهام.

كانت منتشية بافتتانه، بشبابها وطراوتها وتألقها.

سافر إلى باريس في مهمة علمية، كانا يعرفان أن الاتصال مكلف، وعليهما أن يقتصدا منه، صبّت كل أشواقها في الرسائل، كتبت له في الأشهر الأولى قرابة مئة رسالة، ثم أخذت رسائلها تتباعد ليس لبرود مشاعرها بل لأنها ماعادت تعرف ماذا تكتب؟ فقد استنفدت طاقتها الإبداعية في الحب، كانت تحكي له تفاصيل يومها وكيف تتذكره في الدقائق والثواني، وكيف تُسلي نفسها بحساب كم مرة ستستحم ريثما يعود، وكم تهتاج أشواقها إليه وهي تجفف شعرها الذي يحب تنشقه، وكيف أنها أقسمت ألا تنزع العقد الفيروزي الذي أهداها إياه حتى يعود. كانت تقرأ برجه وتكتبه له ولم تبالِ بأنها غالباً ماكانت تزّور الكلمات لصالحهما، وكانت تقص له قصاصات من الجرائد والمجلات لكتّاب أو شعراء يحبهم، في البداية نجحت في كظم غيظها من ندرة رسائله لكنها أخذت تشكو بعد ستة أشهر من رحيله بأنها لم تتلقَ منه سوى أربع رسائل، وبأنها متألمة لإهماله لها، وبأن سلوكه يدفعها لتشكَّ بحبه. كان ينجح دوماً في إعادتها إلى حظيرة الأمان بكلماته القليلة المضمخة بالحب والشوق، ورجاءاته الكثيرة بأن تعذره لأن مشاغله تفوق تخيلها.

أحست أن روحها تكاد تنفق حين دخلت الشهر الأخير لانتظارها له، كانت قد أجّلت عمداً قص شعرها ونزع أشعار رجليها، ووضع الماسك المغذي على وجهها قبل مجيئه بأيام، وحين قامت بكل تلك العمليات المعجونة بالحب والانتظار، وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها بعينيه هو، اخترقها سهم الشهوة كشرارة برق شطرتها نصفين، ياه كم افتقدته، هل مرَّ عام حقاً ولم تره؟ لم تلمسه؟ تذكرت وصالهما الأخير كم كان متأججاً، كم كررا فعل الحب حتى أوشكا على الإغماء.. هاجت كل الذكريات دفعة واحدة قبل موعد وصوله بيومين كانت منهمكة في تحضير العديد من المفاجآت له، منها أنها طلبت من رسام مشهور أن يرسم صورته، كما غامرت وسحبت قرضاً من المصرف لتشتري المكتبة البيضاء التي أبدى إعجابه بها حين زارا معرض المفروشات يتفرجان على أثاث منزلهما الذي يطمحان إلى تأسيسه حين سيطلق زوجته اليونانية التي هجرها منذ ست سنوات، ويضمن مستقبل ولديه الذين يعيشان مع أمهما في أثينا.

انهارت معنوياتها العالية حين اتصل بها قبل يومين من موعد رجوعه، ليخبرها بأنه سيمدّد إقامته في باريس أربعة أشهر إضافية لضرورات البحث العلمي، أدهشها أنها تلّقت الخبر ببرود شديد ولم تعلّق بكلمة، وكان صوتها أكثر هدوءاً من المعتاد وأكثر رقة ولطفاً وهي تقول حسناً.

ليس هناك شعور أكثر لطفاً من اليأس، أكثر استسلاماً وخنوعاً منه، مرّت أيامها رتيبة، إنما بدا وجهها كأنه فقدَ القدرة على الابتسام إلى الأبد، لم تفتح أي حوار مع روحها ومع أشواقها، ولا معه أيضاً.. شيء في روحها كان متقداً، وانطفئ فجأة. لا، لم ينطفئ من تلقاء نفسه، إنما أطفأه الانتظار.

بدت لها الأيام الطويلة الباردة والحارة والفاترة، والرمادية، أشبه بسراب طويلٍ معذّب، وهي ذاهبة كل يوم إلى البريد تلصق الطوابع بصمغ الحب وتودع الظرف في شق علبة البريد بعد أن تضمخه بأشواقها. إنها تحتاج لاستراحة من عواطفها، من كل أنواع العواطف الجياشة المتوثبة، المهتاجة، الحنونة، الكئيبة، تحتاج للغياب والنسيان، وربما الضياع، لكنها لم تشكّ لحظة واحدة في أنها تحبه بجنون، وستتحمل بصبر الأمهات اللامحدود مرور الشهور الأربعة حتى تلقاه، لكن الإنسان من يفهمه؟ كيف حصل ماحصل؟ ألا يعني ماحصل أنها خانته؟ كيف ارتضت أن يقبّلها آخر ويداعبها وهي تحب رجلاً آخر، وبينهما وعد! ماذا يعني ذلك سوى الخيانة؟ هل تعترف له بأنها كانت جالسة في مقهى رصيف تكتب رسالة له، وتغالب دموعها ألماً من انتظار أربعة أشهر أخرى، حين دخل صديق تعرفه منذ سنوات، وتحس بإعجابه القديم بها، لاتُنكر أنها فرحت حين استأذنها بالجلوس معها، دفع حساب القهوة ودعاها لنزهة في سيارته، لم تمانع، بل لم تفكر أبداً هل تقبل أم ترفض، كان اليأس قد تركها في حالة استسلام كلي. طلب إليها أن تختار الكاسيت الذي تفضّله اختارت أن تسمع أم كلثوم، وما أن ضغطت زر المسجلة حتى انطلق الصوت الشامخ يقول: بعيد عنك حياتي عذاب.

ابتلعت دموعها وهي تتخيله في غربته، انعصر قلبها شوقاً، لم تنتبه ليد الرجل بجانبها دافئة ومتلهّفة تلتقط أطراف أصابعها وتعصرها وهو يقول: ياه، أم كلثوم تبوح بحالي، فعلاً بعيد عنك حياتي عذاب. لم تسحب يدها، تخيّلتْ أن الحبيب البعيد يُمسك يدها ويقول هذا الكلام هو البعيد البعيد، الذي اشتاق جلدها للمسة يده. سألها بصوتٍ لايخفى ولهه: هل نتغدى معاً. وباستسلام اليائس قالت: أجل.

لم يخطر ببالها أنها تخونه، كانت بحاجة لأي شيء كي تخفف أشواقها الطافحة للحبيب البعيد، قادها إلى مطعم ساحر مطلّ على البحر، قشّر لها الخيار، وقطّع الجزر، وملأ صحنها بقطع الشوندر ورقائق البطاطا المقلية، صبّ لها البيرة وشربا نخبها مراراً. سربلها بسعادته الغامرة بوجودها معه. كانت تتجاذب معه أطراف الحديث وهي مدركة كيف أن روحها هناك، مع الرجل الذي تعبده، والذي شواها انتظارها له.

في طريق العودة استأذنته أن تغمض عينيها، لأن ملاحقتها الدائمة لحركة الموج جعلها تُصاب بما يشبه الدوار، وحين أوقف سيارته عند مدخل مكتبه ورجاها أن يشربا القهوة لم تمانع، كانت تحس بتهور سلوكها ولاتقاومه. أفقدها الانتظار المديد عزم المقاومة، أكانت تبحث عن وسائل تخفيفية لحدة أشواقها للرجل الذي أضناها انتظارها له؟

 

كيف أخذها بين ذراعيه، وغمرها بقبلاته، وأشعلَ الحريق في جلدها بلمساته؟ أدهشها أن جلدها انتعش كأنه تربة مشققة تتلقى قطرات الغيث الأولى فتتهلل بهجة، لكنها تريد غيثه هو، قبلاته هو، أين هو؟ ياه كم طال الانتظار!

لملمت نفسها متحاشية أن تلتقي عيناها بعيني الغريب، سألها: ألا تقبلين بي زوجاً؟

قالت: لا

أدهشه جوابها، في عينيه سؤال لايمكنها تحاشيه: لماذا سمحتِ لي إذاً أن ألمسك؟ قالت برجاء: أرجوكَ، أنس ماحصل بيننا، اعتبره من اختلاطات البيرة.

قال منهزماً بصوتٍ أحسته من خشب يتشقق: لكنكِ، كنتِ سعيدة بين ذراعي وتجاوبتِ معي.

فكرت: إنه صادق ومحق، فهي فعلاً انتشت بقبلاته، عجباً، أتراها مصابة بانفصام في الشخصية، أم أن بذور فسق مخبأة في روحها؟ ودّت لو تقول له إنها تمنّت لو تكون بين ذراعي الآخر، لكن حدث التباس، شيء غامض مُلتبس، مُرتبك ليس خيانة، ولا يأساً، ولا حباً، لعله تعب، تعب مديد لانتظار رجل تاق جلدها حتى التشقق لعناقه، وتبخّرت روحها من حرارة اشتياقها له.

 

وحده صوت أم كلثوم قادر على أن يصالحها مع نفسها، أن يبرأها من الإدانات والمحاكمات. انسكبت دموعها وهي تردد مع الصوت الساحر:

بعيد عنك حياتي عذاب.

  

 

 

يـــوم النحــــس العالمـي

 

 

أجمعَ الأطباء على أن سبب الصداع العنيف الذي تعانيه الطفلة سمر ذات السنوات العشر يعود إلى سوء إطباق فكيها، وأن حل مشكلتها يكون عند طبيب اختصاصي بتقويم الأسنان.

اكتأب الأب المسكين وهو يسمع من زملائه في العمل الأجور الخيالية لتقويم الأسنان وراتبه لايكفي لسد رمق أولاده الخمسة وزوجته. حنق في سره على طفلته وشتم صداعها ولحظة ولادتها، وأوصله استرساله في غضبه إلى لعن ساعة زواجه، بل لحظة ولدته أمه في دنيا الشقاء....

لكن والدة الطفلة أصرت على أن تعرض ابنتها على طبيب اختصاصي في تقويم الأسنان، ليس لشفائها من صداعها الذي يدفعها للبكاء، بل لسبب خفي لم تعلن عنه، هو أن تشوّه أسنان ابنتها وسوء إطباق فكيها قد يخفضا من أسهمها كزوجة، وهي على بُعد خطوات من مرحلة التفريخ.

ألّحت الزوجة على أن صداع الطفلة لاينتظر أي تأجيل، وأنها يجب أن تُعرض على طبيب اختصاصي بتقويم الأسنان، وأن زوجها مسؤول عن تدبير المبلغ، حتى لو اضطر إلى رهن، التلبيسات الذهبية الثلاث لأضراسه.

صرخ بها: والله عال، أتريدينني أن أقلع أضراسي الملبّسة بالذهب من أجل تجميل أسنان ابنتك!

-ولمَ لا، لا تنسَ أنها فتاة، وجمال الفتاة أهم شيء لديها، إنه يحدد مستوى عريسها مستقبلاً.

-لكني أترك أضراسي الذهبية ليوم الحاجة يا امرأة.

-لن تكون هناك حاجة أكثر أهمية من تقويم أسنان ابنتنا، ثم ألا ترى كيف أن إطباق فكيها مشوه، ويسبب للمسكينة الصداع الشديد.

امتدت اليد الطفولية الناحلة تمسك يد الأب المعروقة الخشنة، وسار الاثنان بصمت إلى عيادة طبيب مشهور في تقويم أسنان الأطفال.

العيادة مبرّدة أنيقة، تمتلئ جدرانها بصور أطفال يضحكون، كاشفين عن أسنان منضدة، مضيئة كحبات اللؤلؤ.

أطالت سمر النظر إلى صور الأطفال، أحست بعدوى ابتسامتهم تُصيبها، ابتسمت والتفتت إلى والدها تسأله إن كانت أسنانها ستصير بعد المعالجة مثل أسنان هؤلاء الأطفال، لكن التعبير الجَهم الغارق في الكآبة لوجهه خنق السؤال في حلقها.

بعد انتظار يقارب الساعة، حان موعد دخول سمر إلى غرفة الطبيب، استقبلها الطبيب بلطف ممزوج بالشفقة وهو يموّه تعبير الدهشة من ثوبها العتيق الفضفاض. فحص فكيها وأسنانها بدقة، وقام إلى مكتبه ليكتب بانكليزية أنيقة حالة سمر، لم تفارق أنظار الأب وجه الطبيب طوال الوقت، كان يحاول أن يحزر المبلغ الذي سيطلبه ثمن شفاء الطفلة من صداعها وتقويم فكيها وأسنانها، لم يستطع أن يصبر أكثر سأل:

-خير يادكتور؟

رفع إليه الطبيب نظره وقال: الحالة صعبة، وتحتاج لعلاج قد يستغرق ثلاث سنوات. ردّ الأب بآلية: ثلاث سنوات!

تابع الطبيب كأنه لم يسمعه الخطوة الأولى ستكون في تقويم الفكين، حالة سمر تندرج تحت سوء الإطباق الشديد، وأعتقد أن لديها خلع في مفصلها الفكي الصدغي، التفتَ إلى الطفلة وسألها:

-ألا يصدف ياسمر وأنت تقضمين تفاحة أن بقي فمك مفتوحاً تعجزين عن إعادة إطباقه إلا بعد عدة محاولات؟

أجابت الصغيرة بسذاجة: لكني لا أقضم تفاحاً.

شتمها الأب حانقاً وقال وهو يلحظ ابتسامة الطبيب التي رفرفت فوق وجهه: إنها تكره التفاح يادكتور.

قال الطبيب: حسناً المرحلة الأولى ستكون تقويم الفكين، والمرحلة التالية تقويم الأسنان.

سأل الأب متلهفاً وكأنه ينتظر الحكم النهائي للمحكمة: وما الكلفة يادكتور؟

لوى الطبيب فمه وخربش بقلمه على قصاصة ورق جانبية وقال: الحد الأدنى تسعين ألفاً، هذا غير الأدوية، والصور الشعاعية التي ستحتاجها.

شهق الأب قائلاً: ماذا تسعون ألفاً؟!!

قال الطبيب بامتعاض: يمكنك أن تقصد غيري من الأطباء، وسترى أنهم سيطلبون أكثر من هذا المبلغ.

قال الأب: لكن يادكتور...

لم يسمح له الدكتور بالشكوى قال: ادرس الموضوع وراجعني.

اختنقت الآه في صدر العامل المسكين، أراد لو يشكو، طافت فكرة مضحكة بذهنه، ماذا لو طلب من الطبيب أن ينزع من فمه التلبيسات الذهبية الثلاث. ترى كم تساوي، وهل تكفي كدفعة أولى لعلاج ابنته؟

لكن من أين سيأتي بالمبلغ الباقي، وهو فوق طاقة موظف بائس!

كانت أنظار سمر معلقة بصورة طفلة تضحك حتى غابت عيناها وبانت أسنانها ناصعة رائعة، تذكرت أنها تخجل من أن تضحك ملء فمها، لأن صديقاتها يسخرن من تشوه أسنانها...

تنبهت لصوت الطبيب يقول لوالدها: أول خطوة في علاجها هي إجراء صورة بانورامية للفكين.

-مامعنى صورة بانورامية يادكتور؟

-صورة تُظهر كل الأسنان.

-أشكرك.

دفع الموظف المعاينة فبقي في جيبه عشرين ليرة ثمن ربطة الخبز التي يجب أن يعود بها كل مساء.

في الواقع كانت سمر تقوده من يده، لأن عينيه كانتا تحلقان فوقه لتلتقطا صورة بانورامية شديدة الوضوح لحياته كلها، صورة لم يميز فيها بخياله المتعب سوى ستة أفواه مفتوحة تحيطه كدائرة، عليه أن يطعمها كل يوم وقد التمعت ثلاث تلبيسات مذهبة فوق جوف أحد الأفواه.

قال ساخراً: إنها لوقت الحاجة، ضحك بمرارة وهو يضغط يد صغيرته التي كانت تكظم صداعها الذي تضاعف بعد أن استعادت بخيالها الطفولي صور الأطفال الضاحكين في عيادة الطبيب.

ما أن أطلَّ على الزقاق الذي يسكن فيه، حتى استقبلته زوجته مولولة: مصيبة يارجل، ومدّت له ورقة حكم المحكمة الذي حصل عليه صاحب البيت لزيادة الأجرة الشهرية ثمانمئة ليرة.

ضرب رأسه بيده، وانفلتت شتائمه مصطدمة بالجدران العارية، والأثاث الهزيل ورؤوس أطفاله، كان يقول وسط سيل شتائمه: من أين؟ من أين سأدفع زيادة ثمانمئة ليرة كل شهر!

انفلتت جملة من زوجته: ارهن أسنانك الذهبية يارجل.

صرخ بها صرخة جعلت أطفاله يتقصفون ذعراً: اخرسي، والله أحس أن هذا هو يوم النحس العالمي.

رمى ربطة الخبز أرضاً، وفرَّ من الغرفة قاطعاً الزقاق بخطى واسعة هائجة غير منتبه لخيط دموع كان ينهمر من عيني سمر لأن صداعها ماعاد مُحتملاً.

  

 

 

آلام الرجل الطويل قليلاً

 

فشــــلت كل الطرق العلمية والوصفات الشعبية في تسكين آلامه المتنقلة في جسده، حتى حجاب أم نديم الشهير، وذو المفعول العجيب في شفاء الأمراض، عجز عن شفائه من آلامه. وطالما سخر من الأحجبة، ومن الذين يلجأون لهذه الطرق المضللة، ولكن آلامه الملّحة والعنيدة جعلته يفقد منطقه ومحاكمته، ودفعته يائساً بلا وعي إلى بيت أم نديم لتحضر له حجابها الشهير في شفاء الأمراض.

عاد إليها بعد أسبوعين يغلي من الغضب، وتطايرت شتائمه من فمه حمماً في كل اتجاه، مُغرقة أم نديم بجثتها الهائلة وأثاث بيتها المتراص والفخم، وقصاصات الأوراق والأعشاب والبخور والروائح الغريبة التي تملأ بيتها، وتمكنت أم نديم أخيراً من الصراخ بصوتٍ طغى على صوته قائلة بانفعال:

-طوّل بالك، أنتَ قصدتني ورجوتني أن أصنع لك حجاباً لتسكين آلامك، وأنا لستُ كاملة -استغفر الله- وقد يخيب مفعول الحجاب مرّة من المرات، فهل أجرمتُ بحقك؟

صرخ: لكنك قبضت مبلغاً كبيراً يانصّابة.

قاطعته غاضبة: اسكت، لن أسمح لك بإهانتي، والله لو لم تكن في بيتي لكنتُ طردتك، ألم تدفع للأطباء أضعافَ مادفعتَ لي، فماذا قدّموا لك؟ هل شفوك من آلامك؟ هل سكّنوا أوجاعك؟ ألم تخبرني بنفسك أنك سافرتَ من مدينة إلى مدينة قاصداً أشهر الأطباء، ولم تستفد، فلماذا تصب غضبك علي، ألأنني إمرأة بسيطة غير متعلمة؟

همدت نيران غضبه فجأة، كأن كيساً كبيراً من الرمل قد انسكبَ فوق ناره المستعرة وغمره شعور عميق باليأس، وتحوّل يأسه إلى صحراء لانهائية.

ويبدو أن أم نديم تأثرت كثيراً من كلامه، فقالت بلهجة جافة مضطربة: تفضّل سأعيد لك مالك، ولكن إياك أن تقصدني بعد الآن.

هزّه موقفها. تعجّب أن تكون إمرأة مثلها تعيش من الدجل تتحسس لكرامتها بهذه الطريقة. وجد نفسه يقول: لا، لا أريد شيئاً، وهمَّ بالانصراف.

 

لكنها ألحّت، وأحس صوتها يشده من كمه ويجبره على التوقف.

قالت: لا، انتظر. مدت يدها إلى أعلى صدرها، وسحبت كيساً أزرقَ منتفخاً، وفتحته لتسحب منه الخمسمئة ليرة وتعيدها إليه، وهي تقول بلهجة متعالية: تفضّل.

أخذ ورقة النقود، وهو يحس أن أم نديم تتفوق عليه، تذكّر كيف نعتها منذ لحظات بالنصابة، وتمنى لو يعتذر لها، لكنه لم يستطع، ربما لأن إحساسه بعدم احترامها منعه، أو أنه اضطرب وارتبك، وخاف أن يجر الاعتذار لكلام وكلام هو بغنى عنه، وأقرَّ لنفسه وهو يسير تائهاً أن الاعتذار بطولة حقيقية. ابتدأت الآلام في قدميه تذله، وتعلن انتصارها عليه، انتقل الألم إلى أسفل ظهره، فكاد يتأوه، لكنه كبحَ نفسه، وتساءل بيأس متمنياً لو يتصالح مع آلامه، أو يصل معها لهدنة مؤقتة إلى متى؟ وكيف لم تشفَ هذه الآلام رغم أنه راجع عيادات أشهر الأطباء، وخضع لفحوص دقيقة، وصور وتحاليل، بل أحس أن جسده يُفك قطعة قطعة، وتفحص كل قطعة وحدها ثم يُعاد تركيبه من جديد، لكن الآلام المبهمة لم تشفَ. عجز الأطباء، وعجز السحر، آه أيتها الآلام لماذا تسحقينني بهذه الطريقة وتفقدينني شيئاً فشيئاً إنسانيتي؟ ماكاد ينهي تساؤلاته حتى فاجأته صعقة ألم في رقبته أجبرت الآه أن تنطلق من أعماق روحه.

وصل إلى بيته أخيراً، ودخل محني الظهر منطوياً من الألم، تهالك فوق سريره ببذلته وحذائه، أغمض عينيه على دموع القهر، وأخذت آلامه تتوارى. غريبة هذه الآلام، إنها تخفّ بالاستلقاء ويحرّضها المشي، ترى ماسرّها؟

اقترب منه صغيره ذو الأعوام الأربعة وسأله: بابا متى عدت؟

فتح عينيه الدامعتين ومدَّ له يده، فقفز الصغير فوق السرير، وجلس على ظهره ثم تمدّد بقامته الصغيرة فوقه وقبلّه، أحس بسعادة تلفح روحه كنسمة ربيعية تهب في يوم جهنمي، كادت آلامه تختفي، لولا دخول زوجته تطلب منه أن يستبدل جرّة الغاز القديمة الفارغة بأخرى ممتلئة لتكمل الطبخ.

سألته: ماذا فعلتَ مع أم نديم؟

ردّ باقتضاب غير راغب في إخبارها إنها أعادت له نقوده، وأنه اكتشف أنها امرأة ذات كرامة: -لاشيء.

قالت: لقد قبضت هذه الدجالة خمسمئة ليرة.

قال ببرود: الأطباء قبضوا أكثر بكثير.

-لكنهم أطباء.

قال ساخراً: لكنهم لم يشفوني.

-أتدري لقد سمعت عن رجل قدراته خارقة، عاش سنوات في الهند واليابان ثم سافر إلى المكسيك وأميركا الجنوبية، ويقال إنه درس طويلاً أسباب الآلام، وله طرق حديثة في علاجها، فلمَ لاتقصده؟ إن شهرته عالمية، والناس يقصدونه من كل البلاد و...

قاطع زوجته فلم يكن راغباً بالحديث، نظرَ إليها ببرود، وبعد أن انتهى من تركيب جرّة الغاز، سألها: متى يكون الغداء جاهزاً؟.

قالت: بعد ربع ساعة.

عاد إلى سريره، تمدّد وأغمض عينيه، وأحس أنه ينتظر حكم القدر في آلامه، استعادت أذناه حديث زوجته، وأكَّد لنفسه أن للنساء قابلية غريبة في تصديق كل الخرافات، ألم تقنعه زوجته بزيارة أم نديم، وشرحت له كيف حملت صديقتها من حجاب أم نديم، بعد أن فشل الأطباء في معالجة عقمها، وكيف شفى حجاب أم نديم زوج صديقتها من آلام الشقيقة. دفن رأسه في الوسادة وهو يقول: آه من أم نديم ومن الأطباء. يبدو أنه غرق في النوم، لأنه تنبه لصغيره يهزّه من كتفه ويقول: باب، الغداء جاهز. وجد نفسه يسأل زوجته على الغداء: أين يسكن ذلك الرجل الذي عاش في الشرق الأقصى، ودار العالم، واكتشف طرقاً لمعالجة الآلام المعندة؟

ردت زوجته بحماسة: لقد سمعتُ أنه استقر في المكسيك، لكنه يتجول في بلاد العالم كلها، وبأنه سيزور بلادنا بعد أيام، وأن هناك لجنة لتنظيم المقابلات معه.

سيطر عليه حدس قوي أنه سيجد حلاً لآلامه عند هذا الرجل، وعزم أن يلقاه ولو اضطر إلى أن يلحقه إلى المكسيك. أهو اليأس الشديد يجعله يخلق آمالاً زائفة واحداً بعد الآخر؟

لم يتمكن من تأمين موعد مع الرجل الشهير بالبساطة التي تخيلها، فقد أخبروه أن المواعيد كلها محجوزة منذ شهر، لكنه بعد أن دفع مبلغاً كبيراً للجنة المنظمة للمقابلات مع الرجل الخارق، حددوا له موعداً، ودفع مبلغاً إضافياً ليكون موعده قريباً.

في يوم الموعد أحس كيانه كله مضطرباً، وأحس أنه ينتظر نتيجة امتحان عسير، واشتدت عليه آلامه، لكنه كان راضياً، لأن الرجل العبقري سيعاين آلامه عن كثب، وقد يعفيه من وصفها. أخذ قلبه يخفق متسارعاً كلما اقترب موعده، وآمن أن هذه الزيارة ستكون منعطفاً في حياته، وأنها إن لم تشفه من آلامه، فستقدم له حلاً للغزها. تذكّر أنه لم يحس بهذا الشعور أبداً قبل زيارته لأشهر الأطباء.

أعلن المسؤول عن تنظيم المقابلات عن اسمه، قام تتقدمه آلامه، واجتاز البهو الكبير وهو يحس أنه يتأبط ذراع آلامه. وصل إلى الباب الكبير الذي يفصله عن الرجل العبقري. تركه المسؤول عن المقابلات لحظة، ثم عاد إليه بعد دقائق وقال: السيد بانتظارك، تفضّل.

وقع نظره على الرجل العبقري قاهر الآلام، خاب أمله إذ رآه قصيراً نحيلاً، يلبس قميصاً أزرقَ وبنطالاً بنياً، لحيته مشذبة خفيفة، وتدلّ التجاعيد حول عينيه على أنه تجاوز الخمسين، لكنه اعترف أن عينيه غريبتان، لاتشبهان عيني البشر ترى ماسر عينيه؟ وإلى جانبه جلس المترجم، سأله عن اسمه وعمره وعمله وإن كان متزوجاً، ولديه أولاد، أجاب بدقة، تكلم الرجل العبقري بصوت منخفض، فحدثه المترجم إن عليه أن ينزع ثيابه ويبقى بسرواله فقط. نزع ملابسه، فنظر إليه الرجل ذو العينين المتوقدتين بالمعرفة بتمعّن، وأخذ يتكلم بصوته الخفيض، ووجد المترجم يسرع خارجاً من باب جانبي لم يلحظه ويعود بعد ثوانٍ حاملاً علبة كبيرة معدنية قدّمها للرجل الشهير. فتح الرجل العبقري العلبة بيديه النحيلتين، وأخرج منها جهازاً مستطيل الشكل تملأ سطحه الأزرار، وطلب إليه أن يتمدد، ووضع الجهاز الغريب قربه، وأخذ يفقس الأزرار زراً بعد زر.

بدا على الرجل المبدع الاهتمام البالغ، وأخذ يتكلم، أخبره الترجمان أن الرجل شخّص آلامه وعرف سببها، اختلج قلبه بالانفعال، اعترفَ أن حدسه لايخيب أبداً.

 

أخذ الرجل الخارق يتكلم وهو يراقب ولايفهم، لكنه انتبه أن الترجمان أخذ يبحلق في الرجل مذهولاً، ويفغر فاه وهو يقول هامساً: غير معقول.

أخذ يرتجف كعصفور يرتعش من البرد، تعلّقت عيناه بوجه الترجمان الذي أحسه سيغمى عليه، ولم يتمالك أن سأله فاقد الصبر: خير، ماذا قال؟

وبعد أن استعاد الترجمان هدوءه قال له:

-الأستاذ يقول إن مرضك غريب، لكنه ليس نادراً، وأنه شخّص عدة حالات حتى الآن من هذا المرض الغريب والآخذ بالازدياد، وأنه يتوقع أن يزداد هذا المرض كثيراً في هذا العصر.

قاطعه متلهفاً ليعرف اسم المرض، ما مرضي الذي شخصّه؟

ردَّ المترجم بتؤدة محاولاً تبسيط المعلومات قدر الإمكان:

-السيد صاحب نظرية جديدة تقول إن الضغوط النفسية قد تتحول لأثقال أحياناً، أي يصير لها وزن. تخيّل مثلاً أن ضغوطك النفسية تتحول لأثقال حديد مثلاً بالمعنى الحرفي للكلمة. وأن هذه الضغوط تكون دوماً عمودية، يقول السيد إنها تشبه الضغط الجوي. آه كيف سأشرح لك، ببساطة أقول لكَ إن وزن ضغوطك النفسية هو سبب آلامك. وأن هذا الجهاز الذي استغرق اختراعه سنوات يقيس وزن هذه الضغوط النفسية والمساحة التي تتوزع عليها من جسمك. وقد وجد الرجل العبقري بعد دراسة مستفيضة أن هذه الضغوط تتوزع على مساحة هي مسقط الجسم على الأرض، وكلما كان المسقط صغيراً، كانت الضغوط كثيفة متركزة في مساحة المسقط الصغير، وكلما اتسع المسقط -كما يحدث لو كنت مستلقياً- توزعت الهموم، أقصد أوزان الهموم على مساحة المسقط الكبير، أوه لعن الله الترجمة، والله لا أعرف لماذا تتعدد اللغات في العالم؟. لا أعرف إذا كنتَ فهمتَ شيئاً. لذا ينصحك الرجل الخارق ألا تمشي على رجلين لأن مسقطك على الأرض يكون أصغر مايمكن، وبالتالي ثقل همومك أعظمياً، وهذا يسبب لك الآلام الشديدة. بل يرى -وابتلع المترجم ريقه الجاف- أن تمشي على أربع حتى يكون مسقطك على الأرض واسعاً، وتتوزع أوزان همومك على سطح واسع، فتخف آلامك كثيراً.

بدا المترجم مُضحكاً وهو يقول في النهاية: أنا آسف.

سأله وهو يحس بشعور عابث يعربد في نفسه: هل الرجل العبقري قال: أنا آسف، أم أنتَ تقولها؟

ابتسم المترجم وهو يقول: لا، لم يقل إنه أسف، بل أنا من يتأسف لأني لايمكن أن أتخيّل أن يسير إنسان على أربع.

نظرَ الرجل مطولاً إلى الجهاز المستطيل المغطى بالأزرار كالدمامل، ونقل نظره إلى الرجل العبقري، فوجده يبتسم له وعيناه بئران من المعرفة والسر، لا قرار لهما. قام من مكانه، ولبس ثيابه، ووجد نفسه يركع ويحبو على أربع كطفل لم يتعلم المشي بعد. وللحال شعر كيف أخذت آلامه تتضاءل. ذعر الناس وهم يرونه يدب وتساءلوا: ماذا فعل له الرجل العبقري!

أما هو فكان سعيداً، لأنه تخلص من معظم آلامه، وتخيّل أنه من الأفضل لو يرّكب سرجاً فوق ظهره لحمايته، وتخيّل البقال واللحّام والخبّاز، يضعون الأغراض في أكياس سرجه. ضحك من قلبه وهو يتخيل صغيره يقفز على ظهره، آه سيتمكن من حمله أخيراً وهو يدب، بعد أن عجز عن حمل وحيده وهو منتصبٌ!

  

 

 

لحظـــــة تجلٍّ 

 

ســــبحَ في عينيها يأس هائل وهي تصغي إلى كلام الطبيب الذي تشربت ملامح وجهه المتحوّلة باتجاه اليأس، وتباطأت كلماته حتى تلاشت، وبدا وكأنه فقد القدرة على الكلام بعد أن أخبرها بالحقيقة كاملة، بأن نتائج الفحوصات التي أجراها للكتلة في ثديها الأيمن هي سرطان منتشر.

لم يخطر ببالها يوماً أنها ستدخل خانة المصابين بالسرطان، هؤلاء المنكوبين الذين يثيرون شفقتها، فتحسهم من جنس آخر، وتشعر أنها مقربة ومحبوبة من قبل الله أكثر منهم لأنها بصحة جيدة. لكن لم يبدُ عليها أي ارتكاس لكلام الطبيب، لكأنه لايعنيها. ربما من شدة الصدمة تتصلب المشاعر. كان ذهنها صفحة رمادية لتلقي الصور، تذكّرت عملية الإجهاض التي أجرتها منذ سنوات بعيدة، حين كانت حاملاً في الشهر الثالث، وقد حاول زوجها والطبيب أن يثنياها عن قتل الجنين، ترّجع صوت الطبيب في ذاكرتها: دعي تلك الكتلة الحية تنمو وتصير طفلاً. لكنها صرخت: أحس هذه الكتلة في رحمي سرطاناً يجب استئصاله.

يومها أحست أنها تمارس حريتها إلى أقصى حدود، وهل من حرية أكبر من أن تجهض المرأة نفسها؟ أحست بوحشية موقفها الآن، وهي تعي حقيقة أنها مصابة بالسرطان، اشتعل الألم في صدرها كنار تحرقها وتُبقي على الكتلة السرطانية فقط. اعترفت لنفسها بأن هذه الكتلة الحية كانت ستغدو طفلاً عمره خمسة عشر عاماً اليوم، فيما لو لم تجهض نفسها. سألت الطبيب بعينيها: أي ضلال نعيشه؟ أية مفاهيم خاطئة نلصقها بحياتنا وبمفهومنا عن الحرية؟

اعتقد الطبيب أنه بصمته يعطيها فسحة من الوقت لاستيعاب الصدمة، وحين استأنف كلامه، كان يعتقد أنها تمثلت جيداً كونها مصابة بالسرطان. قال بصوتٍ أكثر هدوءاً ولطفاً. لكنه أثار سخريتها العميقة: لاداعي لليأس، فالطب حقق إنجازات عظيمة تحديداً في علاج سرطان الثدي. الجراحة ثم الأشعة، وبعد جرعات من الأدوية، وبعدها يمكنك أن تمارسي حياتك بشكل طبيعي.

ضحكت من كلمته طبيعي، لم تعرف الجانب المضحك في الكلمة، لكن تكشّفت لها دفعة واحدة الأخطاء المدمّرة في حياتها، والتي كانت تدافع عنها بحماسة شرسة تحت عنوان طبيعي وعادي، وهكذا يجب أن يكون.. قذفت ذاكرتها بصور حياتها كأنها تريد أن تفرّغ مخزونها القديم استعداداً لتخزين صور جديدة، ستبدأ بتدشين مرحلة جديدة من حياتها بعد اكتشاف السرطان. سمتّها للحال المرحلة السرطانية.

تناثرت الصور العشوائية التي قذفتها ذاكرتها في حضنها، غمرت قماش تنورتها الرمادية، وجدت نفسها تصرخ مطالبة بالإجهاض والطلاق معاً حين اكتشفت علاقة زوجها مع مطلّقة تكبرها بعشر سنوات، دميمة وشبه أميّة، بينما هي الفاتنة التي تحضّر للدكتوراة في الفلسفة وتمارس هوايتها في الرسم على الزجاج مبدعة رسوماً رائعة، ولاتترك نشاطاً فنياً أو ثقافياً إلا وتسارع لحضوره، فكيف يخونها زوجها مع امرأة دونها بكثير! أمكنها الآن أن تفهم كلامه: أحتاج للحنان، للمشاركة، لإمرأة تُهديني جزءاً من وقتها. لا أحس أنني أعيش مع امرأة بل مع عالمة، تقضي وقتها كله مع كتبها ولوحاتها، تهتم بأصدقائها أكثر مني. يومها لم يسمح لها غرورها الغبي أن تفهم. أقامت الدنيا ولم تقعدها، أصرت على الطلاق، أجهضت نفسها منتفخة كبرياءً كالطاووس ولسان حالها يقول: هكذا تتصرف المرأة الحرة صاحبة الكرامة.

أغمضت عينيها إعياءً، وأخذت نفساً عميقاً ملأ صدرها، أحسته يدفع الكتلة السرطانية في صدرها إلى الخارج ويطردها. وحين فتحت عينيها انتشرت في الفضاء أمامها صورة أرعبتها كانت ذاكرتها قد قذفتها أيضاً، صورتها مع زوج أعز صديقة لها، عاريين فوق فراش الخيانة، الذي سمتّه وقتها مزود الحب الكبير. ابتسمت بمرارة من المفارقات، فهي التي طلّقت زوجها لأنه خانها، تخطف بعد أقل من عام زوج أعز صديقة لها، وتهدد استقرار أسرته تحت شعار الحب الكبير!

كان يشكو لها ضيقه وتعاسته وبأن زوجته مجرد أم، لاتوليه أي اهتمام، ولا تواكب طموحاته الثقافية والعلمية، سرت بينهما شرارة الانجذاب، واشتعل حبها يتغذى من أقوى عامل لتأجيج العواطف: التحدي، تحدّت الجميع بعلاقتها معه، وبعد عامين من العلاقة اللاشرعية تزوجا، لتتحطم أحلامها بعد أشهر قليلة من الزواج، مكتشفة أن هذا الحبيب الرائع أسير ندم لايطاق لتخليه عن أولاده وزوجته، مُدمراً بشعور الذنب، لم تقبل كرامتها أن تستمر في زواجها، طلقته ليعود إلى حظيرة زواجه الأول.

الغريب أنها استخلصت حكمة من زيجتها بأن كل الرجال خونة، لم يخطر ببالها -ولو برهة- أن تحاكم نفسها. كان يمكن أن تستمر في رعونة كبريائها لولا الكتلة السرطانية التي جعلتها تضعف أمام الحقيقة. أجل هذا ماتشعر به بالضبط: إنها ضعيفة تجاه الحقيقة. السرطان يضطرها إلى المواجهة النزيهة، تحس أن نهاية المسرحية اقتربت، وبأن الموت لم يعد فكرة مجردة بعيدة كأنها لن تتحقق في الواقع، إنها تشعر بأنها لو مدّت ذراعيها إلى أقصاهما فستلامس هلاماً أسود شفافاً هو الموت. "صار الموت بمتناولي" هذا ماقالته. لكن مهلاً إنها بحاجة لفهم ماعاشته، لإعادة تقييمه. لإنصاف من ظلمتهم، لتشذيب الأفكار الخاطئة في ذهنها، إنها تدرك بكل ذرة في كيانها حاجتها العميقة للحقيقة، ترى هل هي حاجة غريزية؟

إنها تحس بثورة خفية في جسدها، تستشعرها على نحو غامض، أشبه بنَملٍ خفيف لعله مسير الخلايا السرطانية، أو الأفكار الجديدة الكاشفة، إنها تشعر بتوالد أفكار كبيرة ثورية ورائعة، لم تتبلور بعد في كلمات، تتوالد في نفسها في بدء المرحلة السرطانية، تذكّرت أختها وصراعها الضاري معها، أختها التي قاطعتها عشر سنوات والتي صرخت في وجهها مراراً: أنتِ انتهازية وطماعة وحقيرة، ارتجفت من وقع الكلمة الأخيرة وهي تستعيدها في ذاكرتها.

كيف تتهم أختها بهذه الصفات الرهيبة، تلك المسكينة التي تبعت صوت قلبها فتزوجت من رجل أحبته وأهدته عمرها، أهملت دراستها وتفرّغت للعناية بأولادها الخمسة، لكن الرجل المسكين توفي بحادث سيارة، فحاولت الأخت المنكوبة إقناع أهلها أن تكون حصتها في الإرث أكبر من حصة أختها لتتمكن من إعالة أطفالها.

لم تترك صفة قبيحة إلا وألصقتها بأختها، لم تكتفِ بذلك، بل لجأت إلى القضاء لحصر الإرث بعد وفاة والديها. فكّرت بأولاد أختها الخمسة الذين غيبّهم حقدها وغرورها، من حياتها، أمكنها أن تفكر بهم الآن واحداً واحداً، وتعتذر منهم واحداً واحداً. وهي تدخل بتواضع مرحلتها السرطانية. دمعت عيناها وهي تتذكر لور، كانت في الثالثة من عمرها تشهد بعينيها الطفوليتين الشجار المدمّر بين الأختين -أمها وخالتها- تذكرت الآن كيف قفزت عن الأريكة، واختبأت خلف الباب وأخذت تبكي.

عجباً كيف لم يحرّك بها هذا المشهد أي إحساس؟ إلى هذا الحد كانت ممتلئة غروراً حاقداً حتى تغيّب كل الناس، حتى طفلة متألمة هي ابنة أختها!

تنبّهت للطبيب يربت على كتفها قائلاً: امرأة بمثل وعيك وثقافتك لا يجب أن تستسلم لليأس.

رفعت إليه عينيها، واجتهدت كي تلم حروفها الجديدة التي عادت بها من رحلة خاطفة عبر حياتها الماضية، لغة جديدة تلتصق حروفها بصمغ الحب الذي تفجّر حارقاً من روحها، قالت بصوتً جديد: أنا لاأبكي الآتي، مايؤلمني كون السرطان وحده اضطرني لإدراك ماأفسدته بكبريائي الحاقدة.

لم يبدُ على الطبيب أنه فهم، لكنه استغرب إشراق نور رائع من سواد العينين الغارقتين في الأسى والأمل معاً.

  

 

 

تحقــــيق الـــذات

 

لــم يكن وجيه يطيق قراءة كتب الفلسفة وعلم النفس، حتى المقالات في المجلات والجرائد التي يشم فيها رائحة علم النفس كان يتجنبها بعد أن يمطرها بسيل من الشتائم. كان يعتبر الفلاسفة وأتباعهم أشخاصاً معقدين، كلامهم طلاسم. وكان يؤمن أن الفلسفة لم تقدم شيئاً للبشرية سوى الكآبة. وإلا ما سر الانقباض والتجهم الذي ينتابه كلما قرأ بضعة أسطر من مقال فلسفي؟!

لكنه حين خرج ذلك الصباح من غرفة المدير وهو يشعر أنه مدمر النفس ومسحوق كحشرة، وجلس إلى مكتبه شاعراً أنه فقد الرؤية حقاً وإن كل ما حوله ظلام، وأنه لم يعد يملك القدرة على امتصاص الإهانات من المدير الذي يصغره بعشرين عاماً، والذي لا يفقه شيئاً من الإدارة سوى أنه يريد تسخير كل شيء لمنفعته، أحس بضيق نفس حقيقي وشتائم المدير تطن في أذنه، وبصعوبة تمكن بأصابع مرتعشة من فك زر القميص محرراً رقبته من أسر ربطة عنق عمرها ثلاثون عاماً. دمعت عيناه من القهر، ومضت سنوات خدمته في المؤسسة متوجة بالشتائم في السنوات الأخيرة بعد أن عينوا المدير الأحمق، إنه على بعد سنوات من التقاعد، يحس قلبه سميكاً، وروحه ثقيلة، ماذا جنى من نزاهته وتفانيه في العمل؟!

لم يستطع أن يطهرّ روحه من سموم كلام المدير كما كان يفعل كل مرة، أحس الإهانات تترسب في روحه طبقة سميكة أحسها كالقطران، كان لا يزال يحس الظلام يسربله حين سطع فجأة عنوان كتاب ملقى بإهمال على طاولة زميله في العمل "تأكيد الذات" كلمتان مكتوبتان باللون الأحمر والخط العريض وأحس أن روحه المشتتة بالقهر تتجمع حول عنوان الكتاب كما تتجمع الدبابيس وتلتصق بقطعة المغناطيس. ترى ما الذي يغريه في هذا العنوان ويدفعه لالتقاط الكتاب رغم رائحة الفلسفة وعلم النفس الفواحتين منه؟

كان الكتاب قديماً، صفحاته مصفرة، لكن وجيه أحس أنه محموم من شدة الاضطراب ما أن قرأ السطر الأول: لسنا معتادين على الانتباه لما يجري في داخلنا".

فجأة أحس أن الظلام حوله يتبدد، وأن كل شيء في رأسه يضيء، أخذ يمتص كلمات الفصل الأول عن "الأنا المشوهة" كما تمتص الأرض المشققة من العطش قطرات المطر، لم ينتبه لتحديقه المفتون بالكتاب إلا حين دخل زميله في العمل. انفجر ضاحكاً وهو يقول: لا أصدق ما أرى، وجيه يقرأ كتاباً في علم النفس؟ بصعوبة رفع وجيه عينيه عن الكتاب وقال: أود أن أستعير هذا الكتاب منك.

فرك صديقه عينيه وقال: لا أصدق ما أرى، منذ متى تقرأ كتباً في علم النفس؟

تململ وجيه وقال: لا أعرف، لكن هذا الكتاب يبدو مختلفاً، أقصد هاماً..

قال صديقه: إنه كبقية كتب علم النفس والفلسفة التي تكرهها.

لم يكن وجيه راغباً بالحوار، عاد يغرق في الكلمات التي أججت قلبه وعقله معاً، أحس أن لهذه الكلمات مفعول المخلص، وأنها قادرة بضربة سحر أن تخلق من أعماق يأسه قوة مجهولة يتحدى بها كل مظاهر القهر واللاإنسانية حوله.

لم يستسلم للقيلولة كعادته بعد الغداء، كان يقرأ الفصل الأخير من الكتاب الذي عنوانه "تأكيد الذات" والذي يبين فيه المؤلف كيف أن أهم واجبات الإنسان تجاه نفسه هي تأكيد ذاته، أي التعبير عن حقيقة أفكاره ومشاعره دون خوف، والإصرار على نيل حقوقه. والوقوف في وجه الشخصيات السادية والمستغلة التي لا تهدف إلا لتحطيم الكرامة الشخصية للإنسان، وأخيراً يطلب الكاتب بكل رقة ولطف من القارئ أن يبعث نفسه من جديد ويثق بإمكاناته الشخصية، ويتصرف ويتكلم بشجاعة يمليها عليه ضميره، وألا يخاف من المواجهة، فما قيمة الحياة إن خلت من المواجهة؟!

ويستشهد المؤلف بأمثلة لأشخاص عاشوا شطراً كبيراً من حياتهم مسحوقين مهانين، ثم انتفضوا بعد أن رفضوا حياة الذل، مؤكدين ذواتهم، مستمتعين بكرامتهم، وسعداء بولادتهم الجديدة.

يا للنبض الحار الذي يتركه هذا الكتاب في عروق وجيه، أحس أنه يخلع جلده القديم منتشياً بجلده الجديد المعافى، والذي لم يمتص كلمات الذل. عاهد نفسه وهو يضع الكتاب على صدره مصالباً يديه فوقه إنه لن يسمح لمخلوق بإهانته، وبأنه سيسعى لتأكيد ذاته متبعاً النصائح التي قدّمها المؤلف.

المواجهة الأولى كانت مع زوجته التي اعتادت أن تسخر منه، وكان يمتص سخريتها على مضض دافناً انزعاجه منها، ومبرراً لها بأنه أسلوبها في الكلام. قالت له: ما هذه العجيبة! أنت تقرأ كتاباً في علم النفس وتحرم نفسك من قيلولتك المقدسة!

قال بحزم: اسمعي. أسلوبك الساخر يزعجني هل فهمت؟

رفعت إليه عينين مندهشتين وقالت: منذ متى تزعجك سخريتي يا سيدي؟

احتد قائلاً: حتى سيدي هذه فيها سخرية. انتبهي لألفاظك من الآن فصاعداً، أسلوبك الساخر فيه انتقاص من احترامك للآخر.

استمرت الزوجة في السخرية قائلة: يا سلام، أهي موعظة أخلاقية أم..

قاطعها شاعراً بمشاعر غبطة عارمة لأنه يحكي ما يحس به تماماً:

-كفى-لا تعملي من الحبة قبة، كلامي واضح.

أخرستها المفاجأة، أهذا وجيه الذي كان يمتص كلامها معلقاً بابتسامة، ما الذي جرى له؟ هل أثرّ به الكتاب؟ لكن منذ متى يقرأ كتباً في علم النفس؟

امتصت غضبها واعتبرت أن ما اعتراه ليس سوى حالة عابرة سببها حرمانه من القيلولة. لكنها حين ذكرته بعد ساعة بالسهرة في بيت أخيها، فوجئت برفضه الصريح قائلاً بوضوح سمَّرها في مكانها: لن أسهر. يجب أن أعترف لك أنني كنت ألتقي بأخيك مجاملة لك، لكني من الآن فصاعداً لن أجامل، سأكون صادقاً مع نفسي، هل فهمت؟

حملقت إليه غير مصدقة النفس الجديد في كلامه، سألته خير: هل أزعجك بشيء؟

قال: إطلاقاً، لكنني بصراحة لا أحترم رجلاً مثله، قهقه مستمتعاً بفيض تدفق أفكاره التي تولد في ذهنه وتنطلق رأساً إلى لسانه دون أن يلجمها كعادته، لا تندهشي يا زوجتي العزيزة، شخص مثل أخيك لم يحصل على الشهادة الإعدادية يصير مليونيراً! لا تقولي أن الله أعطاه. فهذه الجملة يختبئ خلفها كل اللصوص..

انفجرت قائلة: أتقصد أن أخي لص!

ضحك بصوت حر: لا أقول سوى الحق.

قالت: لا أصدق ما أسمع، منذ متى تتكلم هكذا؟ ما الذي جرى لك؟

قال منتشياً: لا شيء. أنا أؤكد ذاتي.

-ماذا! ما هذا الكلام غير المفهوم.

استمر بالضحك منتشياً، مكتشفاً متعة أن يعبر الإنسان عن ذاته.

لكنه لم يستطع أن يغفو طوال الليل، شاعراً أنه يحس بالجحيم والنعيم معاً مجتمعين في روحه.

ياه كم ارتكب أخطاءً بحق نفسه، بدت له حياته منذ طفولته وحتى خريف عمره سلسلة من الأخطاء يسيّجها الخوف ويبطنّها القمع، منذ طفولته حرم من التعبير عن آرائه ومشاعره بصدق وحرية، كان يخاف من أبيه المستبد، وتعود مع الزمن على ابتلاع الكلمات التي تعبّر عن عفويته، وعلى ابتلاع الإهانات أيضاً، ياه ماذا فعل لقلبه سوى أنه حوّله لحقل من الذل واليأس والكراهية للحياة.. إنه الآن يواجه نفسه في صمت هذا الليل وحيداً مع دقات قلبه الذي يعلن الثورة بنبض جديد يميّزه وحده. وجد نفسه بعين خياله مهزوماً ومُهمشاً. قرر أن يتجاوز الخوف، امتصت وسادته دموعه وهو يعي كم تأخر في إعلان ثورة الكرامة في حياته.

صباح اليوم التالي حين استدعاه المدير، مشى إليه منتصباً شاعراً أنه يملك كنزاً في قرارة نفسه، لعله إحساسه بالكرامة أو القوة، وحين قرع الباب وثنى مقبضه ليدخل أحس أنه يودّع آخر شعور بالذل، كان سعيداً أنه مُقدم على معركة سيؤكد فيها ذاته، أخذ نفساً عميقاً وهو يشعر أن مؤلف كتاب "تأكيد الذات" يشد على يده مشجعاً وهامساً له: ما قيمة حياة تخلو من المواجهة؟!

تذكر أنه في كل مرة كان يحي المدير بلهجة الطاعة، وبابتسامة فيها الكثير من المذلة والآخر لا يرد التحية، رفع إليه المدير عينين حاقدتين ومستطلعتين في آن. كأنه يسأله- أين تحية الصباح؟

أسعده أنه استقبل نظرة المدير بتحد ولا مبالاة. وضع يديه في جيبي بنطاله، وأثنى ركبته، لم يعد من مبرر لوقفة المُعاقب على ذنوب لم يرتكبها. تذكر أنه كان يقف محني القامة وقد تصالبت يداه خلف ظهره ونظره مسمّر على حذائه.

ابتدره المدير ساخراً: أرى أنك ابتلعت تحية الصباح، هل اختفى صوتك؟

قال بصوت لم يتعمد أن يبلله بالذل: أبداً، لكني في كل مرة كنت أحييك، لا أسمع ردك.

حدق إليه الشاب المتغطرس قائلاً: أتجرؤ على انتقادي.

قال: بل أجيب عن سؤالك.

قلب المدير الملف وقال: أرى أنك لم تجر التعديلات التي أمرتك بها.

خفق قلبه وهو يعي أنه مقدم على ساحة قتال بشجاعة لم يعرف مثلها طول حياته: ما أمرتني به مخالف للقانون.

هب المدير واقفاً وقال: ماذا أسمع!

أجاب باستخفاف: أنا لا أخالف القانون، المواصفات التي كتبتها غير متوفرة في المواد التي يجب أن أوافق على شرائها وستخسر الشركة ملايين إذا..

جن المدير من الغضب وقاطعه قائلاً: اخرس يا كلب، أتجرؤ على مخالفة أوامري، ستوقع يعني ستوقع.

كان منتشياً بتأكيد ذاته، ترك المدير يعوي مسعوراً، يشتمه ويتوعد وحين تهاوى على كرسيه، قاذفاً الملف بوجهه وهو يأمره أن يوقع وإلا سيندم.

قال بصوت واثق: لن أرد على رجل سفيه مثلك، لن أوقع، هل فهمت.

استدار ليمضي، لكن المدير انقض على كتفيه يهدده..

وجد نفسه يستدير ويقبض على عنق المدير بقبضة من حديد، طعنه بعينيه اللتين تقدحان شروراً وقال له: كفاك تطاولاً على الناس، الكل هنا يكرهك، ويعرفون ممارساتك الدنيئة، لا أحد تخفى عنه سرقاتك، فلا تتطاول على الناس الشرفاء.

لم يستطع المدير تحرير عنقه من القبضة الحديدية، إلا حين أراد وجيه إفلاته.

عاد إلى مكتبه منتشياً بسعادة تحقيق الذات، ووسط عيون الدهشة والذهول والخوف لزملائه، كان وحده يتذوق طعم سعادة جديدة عليه.

وحين استدعى للتحقيق بعد أيام، ذهب بقلب واثق، أدلى بأقواله وسلم المستندات التي تدين المدير وتفضح سرقاته، لم ينكر أنه اضطر للدفاع عن نفسه، كان منتشياً بولادته الجديدة، قلبه ينبض على إيقاع الكرامة، وجلده تفتحت مسامة التي انسدت لزمن طويل بعرق الخوف.

لكنه فوجئ بعد شهرين من مسار التحقيق بفصله من الوظيفة بتهمة اعتدائه على عنق المدير! تراقص عنوان الكتاب في ذهنه، سأل المؤلف بعينين دامعتين: لم تقل لنا مخاطر تأكيد الذات يا صديقي؟

أدهشه أن تكون آثار تحقيق الذات رهيبة إلى هذا الحد ومدمرة، ورغم إحساسه أن الواقع هزمه وأنه متكور داخل حزنه كحلزون منكمش في قوقعته، ورغم أن إحساسه بالغبن كان طاغياً، إلا أن ثمة شعوراً ابتدأ باهتاً في روحه، ثم أخذ يعربد معلناً عن نفسه مؤكداً له أنه حقق أعظم انتصارات حياته، وأنه توصل إلى تجاوز ذاته ليصير مثلاً ورمزاً للشجاعة، كان يحس بمتعة أنه ترك بصمته في ذاكرة أصدقائه وأعدائه إلى الأبد لن يتمكن أي منهم من نسيانه.

فليكن كبش فداء لا يهم، يكفي أنه لم يسمح للظروف الرديئة أن تجمده وتختزل إنسانيته، وما فداحة الظلم الذي أصابه سوى تأكيد على نزاهته وصدقه، لقد فهم متأخراً لماذا كان يكره الفلسفة، لأنها ستضطره أن يفهم ذاته ويناقش حياته، وهو لم يكن مستعداً لمواجهة نفسه.

ياه كم يشعر أن البطولة أرفع من أية سعادة، لم يعد يخشى شيئاً، شجاعة تأكيد الذات أعطته مناعة ضد التهديدات، فليخسر وظيفته المهم ألا يخسر نفسه.

وفي وحشة الليل، كان قلبه أعزل لكنه ليس خائفاً، لم يعد مضطراً لتضليل ذاته، إنه يقفز فوق الصعاب وحيداً وحراً يلحقه ظل كرامته، ورغم أن جسده كان ثقيلاً، إلا أن روحه كانت تسبح في أمواج النور.

أدخله التعب والنعاس فيما يشبه الغيبوبة، سمع همساً بعيداً يقول له مؤاسياً: لا تيأس، المهم تأكيد الذات.

  

 

 

حــوار مـــع حبة اللكــزوميل

 

جلس وحيداً في غرفته الضيقة، كعادته كل مساء، وقد تبعثرت نظراته فوق الأثاث الأبدي العتيق، وتحركت يمينه بآلية لتفتح درجاً صغيراً في مكتبه، ويخرج دون أن ينظر داخل الدرج ظرفاً فضياً أنيقاً لدواء حباته صفراء لماعة بحجم حبة العدس أو أكبر قليلاً.

تراخت يده داخل الدرج، تمنى لو يترك الظرف، ولا يتناول الحبة المعتادة، ولكن هل يقدر؟ وقد أدمن على تناولها خمس سنوات متتالية، حتى ما عاد قادراً على النوم إلا بواسطتها، وهبت عزيمة مباغتة في روحه ورمى الظرف، وحين هم بإغلاق الدرج، ذعر وهو يرى تمزق الظرف في منطقة صغيرة منه وخروج الحبة الصفراء اللماعة لتنتصب في الفراغ أمام عينيه وهي تصرخ به:

ما بك، هيا ابتلعني، ماذا تنتظر؟!

اقتربت من شفتيه ووقفت على شفته السفلى، فطردها باشمئزاز، كما يطرد ذبابة، فارتدت إلى الوراء، محتدة، وصرخ: لا، لا أريد أن أتناولك بعد اليوم، سأساعد نفسي على التحرر منك. ضحكت حبة اللكزوميل بسخرية وقالت: ماذا جرى لعقلك، هل جننت؟

رد بتصميم: لقد كنت مجنوناً حقاً حين لجأت إليك: وأدمنتك سنوات.

تابعت حبة اللكزوميل باللهجة الساخرة نفسها: أوه، هل نسيت أفضالي عليك، أما شفتيك من القلق والأرق والتفكير اللامجدي..

قاطعها محتداً: لقد عطلت تفكيري، حرمتني من السهر والتفكير والإبداع، لكن ثقي سأبذل جهوداً خارقة لأطردك من دمي، لأتخلص من تأثيرك.

رق صوت حبة اللكزوميل وقالت: أوه يا عزيزي، أيهون عليك أن تنهي صداقتنا بهذه القسوة، أكثر من خمس سنوات، لم نفترق خلالها يوماً واحداً، هل تنسى كيف كنت أرافقك في أسفارك وفي محنك وفي ظروفك الصعبة، أتذكر، ما كنت تقدر أن تتخلى عني يوماً، هل أذكرك يوم سافرت ونسيتني، ألم تقض الليل كله محملقاً إلى السقف تعذبك الأفكار وتنهشك الوساوس وتتقاذفك بقسوة كطفل يلهو بكرة ويرفسها، كم ناجيتني تلك الليلة، وتمنيت لو أنجدك، لكنك كنت قد نسيتني، ومن بعد هذه الليلة ما عدت تنساني أبداً.. أتذكر أفضالي عليك بهذه البساطة؟

رد بتصميم: قلت لك اعتباراً من الآن، لا أريدك، لأسهر الليل بكامله، سأتعذب أياماً، أسابيع، أشهراً، ثم أتحرر منك..

قالت الحبة الصفراء برقة زائدة: أوه يا عزيزي، كيف يصور لك خيالك، أني عدوتك، وأن عليك أن تتحرر مني..

قال ساخراً: بل أنت نِعمَ الصديقة.

ردت الحبة بتصميم: حقاً، فأنا وحدي أعرف خلجات نفسك، ألست أنا من تذوب في دمك، وتتسلل إلى خلايا دماغك ونسيج أعصابك، أهدئها وأريحها، فأنا أحفظ باطنك وخباياك، أكثر مما تعرفها أنت بكثير.

تابع بمزيد من السخرية: شكراً لك فلن أتعبك بعد الآن، وسأتخلى عن خدماتك.

-لكنك لن تقدر صدقني، ستعود إلي، فأنا ملاذك الوحيد.

ضحك مستغرباً: أأنت ملاذي الوحيد.

ردت حاسمة النقاش: حتماً.

حاول طردها من أمامه كما يطرد ذبابة، ففرت هاربة من يده، وحطت على ظهر الخزانة، نقطة صفراء لماعة، وقالت له بتحد: حسناً لن أعارضك، لكنك سترى، كم ستندم على كل كلمة قلتها بحقي قال مصمماً: فلأندم، لكني لن أتراجع عن موقفي أبداً.

تثاءبت حبة اللكزوميل وقالت: حسناً، تصبح على خير، فأنا سأستسلم لمفعولي المنوم والمضاد للقلق.

هنأ نفسه على زخم ارادته القوية التي بزغت فجأة من أعماقه متحدية سنوات طويلة من ادمان تناول اللكزوميل كل مساء، أحس بغبطة حادة، وتناول مجلة وأخذ يتصفحها محاولاً أن يسترخي وينام، قرأ عشر صفحات من دون شهية، رمى المجلة جانباً، وفجأة أحس باكتئاب مباغت وقاسٍ هاجمه فوراً باختلاق موجة من التفاؤل الاصطناعي، قال مخاطباً نفسه: هيا استحضر ماذا جرى معك من أحداث هذا اليوم، وسيتسلل النعاس حتماً إلى أجفانك وأنت تتذكر، وأول ما أفتكر الشجار الحاد مع بائع التفاح في سوق الخضار، آه كيف تطور الشجار واحتد حتى اضطر الناس للتدخل فيما بينهما، واستغرب كيف اتهم البائع بأنه لص ومستغل وأنه رفع التفاح ثلاثة أضعافه مستغلاً بدء شهر رمضان المبارك، وكيف رد عليه البائع بوقاحة: إن لم يعجبك السعر فلا تشتر.

أغمض عينيه هارباً من تذكر التفاصيل، نقل ذاكرته قسراً إلى عمله، وتذكر الصداع الذي فجر دماغه في منتصف النهار، وأجبره على أن يقطع صيامه ويتناول المسكنات، عسى صداعه يرحمه ويغادر رأسه، لكن صداعه لم يسكت حتى العصر، وبعد أن تناول أربع حبوب مسكنة أخرى، وافتكر مديره بحنق كيف طلب منه أن يحضر جرداً للمواد التالفة في مستودع مصنع تصنيع الغسالات، وأكد له أن هذا الجرد ضروري، وعليه أن ينهيه في نهاية الدوام.. وغرق في أوراق ومجلدات يعلوها الغبار، واحتد في نقاشه مع العديد من الموظفين، فلم يساعده أحد في مهمته، وكانوا يردون بلا مبالاة على أسئلته، وكل منهم يقول: لست أنا المسؤول عن هذه المعلومات.

وصرخ بعد كبت شديد: من المسؤول إذا، كيف ستحصر المسؤولية؟!

وطغت في ذهنه صورة موظفة تتثاءب بلا مبالاة فيما هو يصرخ من المسؤول. تململ في جلسته وقد أحس أن هذه الأحداث التفصيلية توتره أكثر مما تريحه، وحدث نفسه مقوياً عزيمته: أوه لا تبال، افتكر الخطوط العريضة، لا تغص في التفاصيل، افتكر مثلاً ماذا حدث معك الشهر الفائت، غص، وحلقة حديد تقبض حنجرته، وهو يفتكر أن صديقه الوحيد، وشقيق روحه قد تعرض لحادث وتوفي، دمعت عيناه، وهو يتذكر صديقه بقهر وشوق، وهرب إلى الشهر الذي قبل وفاة صديقه، وحاول مستميتاً ألا يغرق بالحزن، وأن يتابع عزيمته في محاربة اللكزوميل، لكنه ما كاد يتوقف عند ذلك الشهر، حتى انتفض هارباً كمن لسعته نار مفاجئة، فهو شهر الشؤم كما سماه، فهل ينسى كيف ضاعت حوافزه ومكافآته، ولم يقبض منها قرشاً واحداً، وكم كبت شكاوى، وكم احتد، وكم صرخ مطالباً بحقوقه وحوافزه، وكم حلم كيف سيقسم المبلغ المعتبر الذي انتظر طويلاً كي يقبضه، ليفصل بزة جديدة، وليدفع الدفعة الأولى لبراد جديد يلزمه بشكل ملح، وكم تخيل أنه سيرمي البراد القديم بمحركه الذي يصدر ضجة تصم أذنيه.. صرخ بنفسه أهرب، سنة إلى الوراء، ما بك بطيئاً تقفز شهراً شهرا..

وهرب عاماً إلى الخلف، فرأى نفسه في المستشفى وقد علقوا في وريد ساعده سيروما أثر إصابته بالتهاب الكبد، وقد رجّح الأطباء أن العدوى انتقلت إليه بابرة ملوثة بدم مصاب بالتهاب الكبد، وقد تكون إبرة الحفر الخاصة بطبيب الأسنان، أو لدى سحب دم، ليعاير السكرى كل شهر أو شهرين، آه كم قاسى في المستشفى، وكم أحس أنه مرمي بإهمال، يتمزق غيظاً من هذه البلية التي لم تخطر على باله، فهل يعقل أن يلتهب كبده، وما يجر هذا الالتهاب من اختلاطات، من مجرد اهمال أو خطأ، من ابرة ملوثة؟! وحين صرخ في المستشفى: أين كرامتي، كيف لا تهتمون بجدية بصحة المواطنين، ما هذا الاهمال؟ تململت ممرضة نزقة وقالت له باشمئزاز: كفى، كفى صراخاً، ففي أرقى بلاد العالم، تحدث هذه الهفوات.. هفوة، هفوة، كبدي المعطوب الملتهب، الذي أصابه القصور.. أسرع ينجد نفسه ويقفز سنتين إلى الوراء، ارتعد إذ افتكر كيف كان يجلس إلى جهاز أشعة لازر والطبيب يعالج شبكيته من نزوف غزيرة أحدثها داء السكري لديه، وكم كان يتعب ويقلق وهو يوصي على القطرات الموسعة للحدقة، وكم كره الحياة وهو شبه أعمى، يرى الدنيا حمراء من نزوف شبكيته، ثم يراها ضبابية، ثم غباشة رمادية لاحقته أشهراً طويلة، لكنه ثابر على جلسات الأشعة حتى شفي والإشعاع الأخضر المزرق يحرق شبكيته الهشة النازفة ويحرق، وهو يحتمل بصبر وجلد تلك الومضات القوية التي كانت تؤلمه وتبهره أحياناً.. حتى قال له الطبيب: الآن أحرقنا كامل شبكيتك الهشة ولن تنزف بعد الآن..

ورد بسره: لقد حرقت شبكيتي وقلبي يا دكتور.

فر هارباً من سنة العمى والنزوف، والمأساة التي كادت تدفعه للانتحار، لكنه عالجها بصبر يعجز عنه الحمار، ورجع سنة أخرى إلى الوراء، فطغت صورة دينا، آه يا دينا، كما أحببتك، أغمض عينيه وهو يرسم ملامحها مبتسمة مشرقة، لا يستطيع أن يتخيلها إلا والابتسامة تشع من وجهها النقي الأسمر، لكن لماذا تغيرت يا دينا، وصرت، تنفرين مني، وتوبخينني لأني أشرب الخمر أحياناً، طوال عمري أشرب قليلاً من الخمر يا دينا، حتى علاقتي بزميلاتي في العمل صارت تثير ظنونك، حرّمت علي أن أحدث زميلة أو أصافحها، وأقول لك يا دينا، أنهن مثل أخواتي فتصرخين، لا، لسن مثل أختك، فإذا اجتمع رجل وامرأة كان الشيطان ثالثهما.. لماذا يا دينا خنقت حبنا وحبسته في قفص حتى مات كمداً وحيداً تعسا.. لماذا نفيتني في عالم عجزت عن القبول به رغم عشقي اللامحدود لابتسامتك. شد صدغيه بيديه وقال لنفسه محاولاً التمسك بعزيمة بدأت تخونه، اقفز إلى الوراء، إلى الوراء، فستجد بالتأكيد ذكريات حلوة ستجعلك تسترخي وتنام، وتشجع وقفز سنتين وراء سنة دينا، فهب مرتعباً، وأسرع إلى ظهر الخزانة، وأوقظ حبة اللكزوميل من نومها الهانيء وقبل أن تتمطى وتسأله شامتة: ما بك، ألم تقرر الاستغناء عني؟ قال لها وحلقه قد جف تماماً: أنجديني، لا أستطيع تحمل ذكريات السجن.

17/2/1994

  

 

 

ســـــراب الحـــب

 

كــان صديق أختها الكبرى التي تزيدها بعشر سنوات، وحده من بين كل أصدقاء أختها في الجامعة. استقطب انتباهها، سمتّه في سّرها: الموسوعة، فكل الكتب القيمة من روايات ومسرح ودراسات في الفن، كانت أختها تستعيرها منه، وهي كانت تلتهم هذه الكتب وتحس بمتعة مزدوجة، وكأن الكتب مبطّنة بروحه.

ساورتها شكوك أن أختها تحبه، ثم اتسعت شكوكها لتشمل كل صديقات أختها المفتونات بعلي، علي المثقف، والموهوب في التمثيل، وعازف الأورغ والوسيم تلك الوسامة التي تجعل أية أنثى تدرك من اللحظة الأولى أنها لن تصمد أمام زخم رجولته.

تزوجت أختها الكبرى من زميل لها بعد قصة حب ليس فيها ما يدهش. ارتاحت في سرها كون أختها لم تتزوج علياً، لكن فرحتها لم تطل، إذ سمعت أنه تزوج.

لم تغرق طويلاً في الحزن، ربما لأنها كانت ترفض أن تعترف بينها وبين نفسها أنها تحبه، أو لأن حدسها دلّها بطريقة ما أن خيوط حياته لن تتشابك مع خيوط حياتها، انخرطت في الحياة الجامعية مستمتعة بفيض المعجبين، وسافر علي إلى فرنسا مع زوجته.

من وقت لآخر كان يداهمها إحساس بالفراغ العميق، يبدو لها كهوة واسعة وفي نهايتها يرتسم وجه علي فيشرخها الحنين لبرهة. ثم يلتحم هذا الشرخ كيفما اتفق لتستأنف دوامة الحياة. وفي لحظة مباغتة. وهي في قمة نشوتها في نظرات المعجبين، وعبارات الإطراء. كانت صورة علي تبزغ لتحرق كل شيء وهو يبتسم ابتسامته العذبة الساخرة بعض الشيء. كأنه يقول لها: أنت تحبينني وكلهم سراب.

لم تكن تقيم لتلك الومضات أهمية، بل لم تعرف كيف ستقيّمها. كانت تفسر اضطراب روحها كلما تذكرته، بأنه إعجاب بشخصه. لأنه الشاب الأكثر تميزاً من بين كل الشبان الذين التقتهم. وفي قمة حججها المنطقية كانت صورة علي ترتسم أمامها طالعة من أعماق روحها، لتهزمها وتجبرها على الاعتراف أن كل ما تدعيه كذبّ، وأن عاطفتها تجاهه تملك عليها كيانها كله.

بعد تخرجها من الجامعة، تزوجت الشاب الذي يتمتع بصفات الزوج. سامر لا يعيبه شيء. عريس لقطة كما يقولون من حيث الغنى والمستوى الاجتماعي والمهنة، اعتقدت أنها تحبه. لولا بعض أحلامها التي كانت تصفعها وهي تصورها بأوضاع عاطفية ولقطات احتضان رائعة مع علي. كانت تستيقظ مذعورة على مشاعر ذنب تبللها. وكانت تحاول دفن تلك المشاعر في أعماق نسيانها كوسيلة للتخلص منها، في حملها الأول وقبل شهر من موعد ولادتها التقته في المطار. كان زوجها قد خطط لها أن تلد في أمريكا عند أخته، كي يحمل ولي العهد الجنسية الأمريكية، ورغم تململها وخشيتها من السفر وهي حامل، إلا أن زوجها أقنعها أن من واجبهما أن يضمنا منذ الآن مستقبل ذلك الكائن الذي لم يرَ النور بعد. كانت تفكر بسخف هذه الضمانات.

بعد عشر سنوات من لقائها الأخير مع علي في عرس أختها، التقت علياً، هوى قلبها وهي تراه يحمل حقيبة السامسونايت بيد، ومعطفه باليد الأخرى، كان منهمكاً في الحديث مع أجانب، أحست بامتعاض شديد كونه سيراها بعد تلك السنوات حاملاً، وأدهشها أن يخفق قلبها بتلك القوة عندما رأته، مستخفاً بنبض ذلك الذي يعيش في أحشائها، اعترفت لنفسها أن الزمن لم يترك بصماته عليه، إنه لا يزال فاتناً بحيويته، وتلك الجاذبية الغامضة التي تسميها الرجولة، ترددت هل تكلمه أم تتجنبه؟ لكن الحنين هزمها، وقفت على بعد خطوات منه، للوهلة الأولى خرج صوتها مرتعشاً مشققاً وهي تلفظ اسمه، وكررت المحاولة ونادته بعد أن سخرت من مشاعر الإثم التي تذكرها أنها حامل من رجل يفترض أن يستعمر خلاياها العصبية، التفت ليتأملها بعينيه المتألقتين، قلبها بعفوية وهو يتأمل بطنها مبتسماً، من المصادفة أنهما سيسافران على الطائرة نفسها، وخلال دقائق كانا قد لخصا عشر سنوات فصلتهما، أخبرها أنه أب لطفلين، وأنه يعمل كوسيط تجاري للوحات الفنية وللتحف الأثرية.

قدمته لزوجها الذي لحقها بعد أن اطمأن على حقائبها وأوراق سفرها، قالت: علي، صديق أختي الهام، التفتت إلى علي وقالت: زوجي سامر، تصافح الرجلان بود صادق، علق علي: أنت محظوظ، التقطت جوهرة حقيقية.

جلسوا في كافتيريا المطار، كانت بين رجلين أحدهما يمثل الحلم، والآخر الحقيقة، واحد تعيش معه، تعلق مصيرها بمصيره، والآخر يمثل ذلك الانعتاق الحر، حيث لا توجد خطط للمستقبل، ولا حقوق ولا واجبات، ولا مسؤوليات، أحست أنها بائسة، وأن بطنها متورم بورم يضغط على روحها حتى يكاد يزهقها، كانت تنقل نظرتها بين وجهي الرجلين وتتساءل أيهما أكثر تواجداً في حياتها، الشخص الذي تعيش معه الدقائق والأيام، أم الرجل الذي تفكر به، ويطلع لها في أحلامها؟

لم تعرف أنها شردت إلا حين أعادها حديثهما إلى أرض الواقع، كانا يتواعدان على لقاءات في المستقبل القريب، ويخططان لمشاريع مشتركة، خفق قلبها، هل سيدخل علي حياتها مجدداً؟

ترى ألم يشعر بالشعلة الخفية في روحها يوم كانت في الخامسة عشرة وهو في الخامسة والعشرين؟ ألم يلاحظ أنها في عرس أختها لم ترفع عينها عنه بينما كل الأنظار متعلقة بالعروسين؟

قبلها زوجها وهو يتمنى لها رحلة موفقة، تركها برعاية علي، وحين مشت بخطواتها المتثاقلة بجانبه. تمنت بكل خلية في جسدها لو كانت زوجته، لدرجة آمنت أنها ستكون أسعد امرأة في العالم، لأول مرة تحس بدفق حنانه المختزن منذ سنوات، يخصها به، كانا وجودين كثيفين متكهربين بالجاذبية اتجاه بعضهما. وساعدهما الطيران فوق الغيم على التحرر من ثقل الأفكار الأرضية المفروضة سلفاً، فكرت أن لا شيء يحصن المرأة ضد الحب حين تمسها عصاه السحرية، لا زواج ولا حمل ولا مستقبل، أنها تعي الآن رغماً عنها، كيف يكهربها الحب، وتعرف لحسن الحظ أو لسوئه إنه يعاني مثلها، وأن كيانه اضطرب منذ التقيا في المطار.

كانت رحلة طويلة، تمنت لو تطول العمر كله، ونسيت أنها ستلد بعد أيام وستغدو أماً، وكانت تغمض عينيها لتحلم به يحتضنها برقة، وحين تفتح عينيها تجده يرنو إلى وجهها بشغف لا يعمل على إخفائه، كان حديثهما الهامس يغيبهما عن هدير الطائرة، سألها فجأة: أتحبين زوجك؟

قالت: إنه لطيف.

قال: لم تجيبي عن السؤال؟

قالت بخبث: بل أجبت.

سألته بدورها: وأنت، ألست سعيداً مع زوجتك؟

قال: لا، الزواج مؤسسة فاشلة مائة في المائة.

-لماذا تزوجت إذاً؟

-ظروف.

حطت الطائرة في مطار الواقع، لكن هذا اللقاء ترك شقوقاً في قناع الواقع، وأحدث شروخاً في حياتهما ليس من السهل ردمها.

زارها في المستشفى وقدم هدية لها وليس للمولود، زيارة قصيرة خاطفة، متعللاً بأشغال كثيرة، لكنها لاحظت كيف تحاشى أن تلتقي عيونهما. لم تبق الأمومة مكاناً لأحلام الحب، تحولت إلى ظل للصغير أو مكمل له، ولكنها لاحظت كيف صار هاتف زوجها اليومي مصدراً لكآبة عميقة تغرق روحها، حتى أن سؤالاً تفجر من أعماق كآبتها ذات يوم: من يكون هذا الرجل؟ فتردد لنفسها مراراً محاولة تجذير حقيقة لا مفر منها: إنه أبو طفلي.

استأنفت حياتها الأسرية مع زوجها وطفلها بسعادة متألقة ظاهرياً، كانت تعطي نفسها لأسرتها لدرجة تكاد تقتنع هي نفسها بأنها الإنسانة الأكثر انسجاماً مع ذاتها، كانت مقتنعة بأن كل شيء يسير على ما يرام. لكن ما أن يأتي الليل حتى ينقض عليها شعور قاس بالشك بكل لحظة عاشتها في النهار، إن روحها تحوم هناك حوله، تشتاق إليه شوقاً متعاظماً يفضحها ليلة بعد ليلة، حاولت أن تصادق نفسها وحدثت روحها بلطف بأن كل الزيجات تتعرض لمطبات عاطفية وبأن الإرادة والإحساس بالمسؤولية يتغلبان أخيراً على هذه العواطف التي لو ترك لها العنان لدمرت معظم الأسر.

توطدت الصداقة بين زوجها وعلي، صارت تلتقيه دوماً وتحدثه. وتمكنا بمساعدة مؤسسة الزواج التي يرزحان تحتها من لجم عواطفهما. وأدراج مشاعرهما الملتبسة في خانة الصداقة، استمعت بتعاطف شديد لزوجة علي تشكو زوجها وتغيبه الطويل عن البيت، وبأنها اكتشفت خياناته لها واضطرت للسكوت حفاظاً على استقرار أسرتها. أحست بالغيرة والغضب وهي تسمع عن مغامرات علي النسائية، لكنها سرعان ما أدركت أنها لا تملك الحق بالغيرة.

في حملها الثاني، حدث الطلاق بين علي وزوجته، بذلت جهوداً صادقة لإعادة شمل الأسرة الصديقة. توارت مشاعرها كعاشقة مزمنة، وتمنت صادقة لو يعود علي إلى زوجته، حدثته مراراً عن أطفاله والألم الذي يسببه انفصاله عن أمهم، كانت صادقة متحمسة لكنه حسم النقاش قائلاً بأنه لم يخلق للزواج وتفاهاته.

عاد الوله القديم يستيقظ، إنه الآن حر، كانت تغوص في ندم قاس بعد سلسلة أحلام يقظة تبدأ بوفاة زوجها إثر نوبة قلبية أو حادث سيارة لتنتهي بزواجها من علي، كانت تشعر أن شوقها إليه كرجل كبتت حبه سنوات طويلة، يفيض عنها ولا تملك تجاهه حيلة.

بعد أشهر من طلاقه صدمها خبر زواجه، جنت من الغضب والغيرة، وقنعت عواطفها بأنها متألمة من أجل أسرته، تمنت لو تطعنه وتقول: لماذا تزوجت ثانية؟ ألم تقل أنك لم تخلق لمؤسسة الزواج؟ وأنا كيف..؟ عندها تحس بطعنة تخترق قلبها وهي تردد. أنا، من أكون أنا، زوجة رجل آخر وأم لطفلين.

تعرفت بزوجته الجديدة، ممثلة ناشئة تبدو مبهورة بعلي وهو هل يحبها؟ لم تستطع الاستغراق في هذه التساؤلات، لأن حياتها تعرضت لهزة قوية يوم اكتشفت أن زوجها على علاقة مع سكرتيرته، وبأنه متزوج منها في السر، أقامت الدنيا ولم تقعدها، تشبثت بالطلاق، رغم أن زوجها سارع لتطليق السكرتيرة. حاول علي أن يثنيها عن إصرارها على الطلاق، لكن محاولاته فشلت، كان الألم يشرخها، وهي تستعيد سنوات الإخلاص للزوج وتفانيها في حب أولادها. لم يخطر لها أن تحاسب نفسها على أحلامها السرية مع علي، هل نحاكم الإنسان على أحلامه؟ هذا ما كانت تقوله. وهل الفكر خيانة إن لم يتوج بالفعل؟

لم تعد تجد لذة أو سعادة بالتفكير باحتمال أن يتفجر الحب بينها وبين علي. نسيت أنها تمنته طويلاً. وأن العائق زال بعد طلاقها. لم تعد ترغب أن يتحقق حلمها. إن الواقع هو الذي يجرح وليس الخيال. والرجل الذي عاشت معه يوماً بعد يوم. وأنجبت منه، وخططت معه للمستقبل هو الذي أهانها، وطعنها في صميم كبريائها حين تزوج سراً من امرأة أخرى.

أما الآخر الذي ظل شوقاً وحلماً أشبه بفكرة ترفرف حول رأسها، فمديته لا تجرح. لساعات طويلة حكت لعلي مدى ألمها وعمق جرحها، عجباً كيف صار صديقاً ترتاح بالجلوس إليه؟ أين ومضات الحب المكبوتة؟ وهو بدوره كان يحاول التخفيف عنها، مؤكداً لها أن زوجها يحبها، وأنه وقع في فخ امرأة لعوب تطمع بثروته.

بعد أشهر من طلاقها، طلق علي زوجته، ولم تسأله عن السبب، كانت تتوقع تلك النتيجة، فعلي لم يخلق للزواج، في حياته حب واحد: الفن.

بين طفلها وطفلتها وبدون زوج، فكرت به كحبيب، لم يعد هناك أي عائق يمنعها من إفلات مشاعرها المحبوسة. لكن ما بها مشاعرها لا تلتهب؟ لماذا لا تشعل فتيل الحب المكبوت؟ هي نفسها لا تعرف السبب. إنها تستطيع ببساطة أن تتصل به وتطلب إليه أن يصحبها في نزهة بسيارته. وأن تدس في المسجلة شريط الكاسيت الذي عمره أكثر من عشرين عاماً، والذي قدمه لها في عيد ميلادها، سيفهم من دون أن تضطر لقول أية كلمة، إنها تحتفظ بهذا الشريط، وستترك لليل مهمة الإفصاح عن مشاعرها. لم لا تفعل؟ السؤال يتحول لسلاح ذي حدين، لِمَ لا يفعل هو؟ ألا يرى أنها غدت حرة؟

عذبها السؤال ذو الحدين، تاه ذهنها في احتمالات كثيرة، بعد أيام تلقت منه مكالمة، طلب إليها أن يلتقيها لأمر هام، خفق قلبها، فكرت أنه سيصرح لها بحبه.. أحست أنها في فخ.. ترى ماذا ستقول؟ ألم تكن تنتظر تلك اللحظة وتحلم بها. ألم تحلم مراراً أن زوجها سيموت مفسحاً لها طريق الحب. ترى لماذا تتردد؟

وجدت نفسها تنتفض وتقول: لا، مرت أمامها سنوات حياتها، الأفضل أن يبقى علي بموقع الحلم، إنها لا تستطيع أن تكون له، ثمة مواقع لا تتبينها، ليست متعلقة تماماً بزوجها ولا طفليها، وليست متعلقة أيضاً بأطفاله.. فجأة انقشعت أمامها الحقيقة بسطوع لا يقبل الشك، إنها لا تريد خسارته كصديق، لقد كان صديقاً رائعاً قبل زواجها وبعده، كانت تتمنى لو تزوجته، لو بدأت حياتها معه، أما الآن فالوضع مختلف. لقد تحررت من خداع الحاجة إلى الحب. وجرحها لم يشف بعد، حياتها تقلقلت وأحست بافتقاد للرجل الذي عاشت معه سنوات، خططا معاً لمستقبلهما ومستقبل طفليهما، ستقول هذا الكلام لعلي بعزة نفس وسترجوه أن يقدر موقفها وألا يزعل منها، وستتمنى له السعادة التي يستحقها.

في موعدها معه كان الحزن يعتصر أحشاءها، وجدت نفسها تفكر بزوجته بحنان. إنها امرأة ممتازة ومكابرة، قررت أن تفاتحه بأمر رجوعه إلى زوجته من أجل أولاده على الأقل.

استقبلها بود شديد كعادته، جلست مقابله مستعدة لصد كلمات الحب، قال لها بعد أن أخذ شهيقاً عميقاً: من دون لف ودوران زوجك يحبك ويحتاجك، يجب أن تعيدي النظر..

انفجرت ضاحكة، لم يتوقع أن تضحك هكذا، وأمام نظرة الدهشة في عينيه التي تطالب بتفسير لضحكتها قالت أخيراً وسط دموعها:

-ياه كم أنت صديق رائع. وكم تحتاج الصداقة إلى صيانة.

رشفا القهوة دون أن يتبادلا الكلام، إنما شعرا معاً أن القلب يتحدث إلى القلب، والروح تتحدث للروح، كانا يفكران معاً ودون أن يعرف أي منهما أن الآخر يماثله في فكرته العميقة. بأن الحنان العميق بينهما يفوق تلك النشوة المحتملة التي ستتولد فيما لو تزوجا.

  

 

 

لوحــــة مضـــيئة

 

 

زال اكتئابه فجأة إذ رأى الشمس دافئة مشرقة حين فتح عينيه، تبتسم له من نافذته الضيقة، ورد على ابتسامتها بابتسامة حقيقية، وقام من فراشه مغتبطاً للمرة الأولى في حياته، أو منذ بعيد بعيد، لا يذكر أنه ابتسم قبله، أو لعل مرارة أيامه أنسته طعم الابتسام، وكان يرى بعين عقله كيف استرخت عضلات وجهه سعيدة، وحين فتح النافذة وصار وجها لوجه أمام الدفء، وقرص الشمس يداعبه بأشعته الدافئة كأنه يشرق له وحده، أحس أن السعادة حلوة وحقيقية، ولها قدرة على صبغ كل شيء بلونها المشرق الدافيء الذي تخيله وردياً أو أزرق ضاوياً، أو حتى أحمر، بل أحس أن كل الألوان تومض بالدفء، واللون يصير حياة، اتسعت ابتسامته حتى تحولت إلى ضحكة وهو يراقب أصص جاره المتراصة المهترئة، وقد تكسرت أطرافها، لكن نباتاتها تورق وتزهر دوماً، وحدث نفسه مغتبطاً: رائع أن ترى أزهاراً وخضاراً كل صباح، وضحك فجأة ضحكة مسموعة وهو يتذكر غضبه وانتقاده مراراً لجاره، وقلة ذوقه في وضع هذه الأصص البشعة العتيقة على سطحه المطل مباشرة على نافذته، حتى أنه يرى سطحه كاملاً وهو مستلق في سريره، وكان يشعل سيجارته ويقول لأصدقائه في مقهى الرصيف: تصوروا، كرهني الحارة أبو ديب، يريد أن ينقل قريته إلى المدينة، كل يوم أستيقظ على صوت حيواناته، إمّا كلبه أو ديكه أو خروفه، ويسحب نفساً عميقاً من سيجارته ويحكي لهم كيف خطر لجاره أن يربي نحلاً ذات يوم، لكنه اعترض عليه بشدة وهدده بأن يقدم شكوى ضده، فأذعن الجار الكهل وهو يقول مغتماً: يا بني صادق الطبيعة والحيوانات، إنها نعمة حقيقية، ويضحك وهو يقول لرفاقه: تصوروا أبو ديب الذي لا يفك الحرف يعظني!!

لقد وصف لهم بدقة تلك الأصص -بعضها علب تنك صدئة، وبعضها خواب فخارية متشظية، كيف يزرعها بنباتات مختلفة ويعتني بها كأولاده بعد أن تركوه، فعاش وحيداً مع أصصه ونباتاته وحيواناته، تسليته الوحيدة التدخين، حتى اصفر شاربه الأبيض، كذلك اصبعاه الحاملان للسيكارة أبداً. كان صديقاً لأهل الحارة ما عداه هو -المثقف الكئيب- فكيف سيتفاهم مع رجل أمي بسيط يربي حيوانات على سطحه؟!

 

تأمل بدهشة شعوره الجديد نحو جاره الكهل، لأول مرة يشعر تجاهه بود، بل يغبطة على حياته الهادئة المستقرة، وكم مرة وصفه بأنه يعيش على الهامش، يدخن ويأكل، يطعم حيواناته ويسقي نباتاته، يزوره الجيران ليثرثر معهم.. كيف غير رأيه بهذه البساطة، هل لأن الشمس الدافئة سطعت بهية كملكة لم تعلن عن حضورها وغمرته بدفء غريب، أهي الشمس التي تتصدر كبد السماء، أم شمسه هو التي أشرقت في أعماقه بعد أن حجبتها طويلاً غيوم الكآبة الرمادية؟!

وهب صوت في داخله يستغيث: ارجوك لا تتذكر الكآبة، ولا تعدد لي أسبابها، ولا تحللها وتبحث في جذورها، أرجوك دعني أعش جمال اللحظة ودفأها، اتركني أتعمد بالشمس وأتمتع بخضار نباتات أبي ديب المغسولة بالمطر والمتعمدة بأشعة الشمس، والمضيئة بفرح لا يخفى.. واستجاب لرجاء النداء في روحه، وأغمض عينيه وهو يحس أن مسامه كلها تتفتح مستقبلة الشمس، وتحول دفء الشمس لملايين الشعاعات الرقيقة الذهبية، كل شعاع يدخل مساماً في جسمه ويتغلغل عميقاً، وسرت قشعريرة خفيفة في جسده وهو يرى الرطوبة العفنة تنكمش وتتلاشى في أعماقه السحيقة، قال ودموع صافية مختزنة في بئر كآبته تنسكب من أطراف عينيه: طهريني أيتها الشمس، أدفئيني، فقد مللت، رطوبة الكآبة؟ آه إنه يعرف كيف سيأتيه الجواب من عقله، سيعرف كيف سيتكلم المثقف الكئيب القابع في أعماقه، سيحكي له عن أزمات العصر المحلية والعالمية والكونية. سيصول ويجول بذكائه الغبي في الماضي والحاضر والمستقبل، وسيناقش أمامه مشاكل الإنسان المتشعبة كسرطان، أو سيحكي له عن شخصيات عظيمة وخائنة، وسيستعرض عضلاته العقلية في عرض ما يختزنه من معلومات وقراءات وتحليلات وكذبات تاريخية، وسيتركه بعد أن يشبعه كلاماً أسير كآبته الرمادية.. وتذكر أحاديثه التي لا تنتهي مع شلة أصدقائه في مقهى الرصيف، وتخيل أن الأحاديث تتحول كل يوم إلى بخار يتكاثف ويتصاعد غيماً رمادياً يظلل أيامه ووجوده.. أوه كفى، سمع الصوت الجديد يرجوه أن يتركه يعيش جمال اللحظة، جمال إشراق شمسه أو شمس الخارج، وأحس أن لا فرق بين الشمسين، وتساءل بجدية: ترى هل من علاقة بين الشمس في الخارج، وشمسه هو المحتبسة طويلاً في نفسه تحجبها الغيوم الرمادية..

حين فتح عينيه ومسح دموعه بكم بيجامته ليحتضن المشهد بعينين جديدتين، أو ليرجو المشهد الرائع أن يقبله فيه ابنا باراً، رأى أبا ديب يشعل سيجارة وقد جلس بين أصصه مستمتعاً بالشمس إلى يمينه خروفه، وعلى يساره كيس حبوب يرشها بين فينة وأخرى لدجاجاته التي تتراكض لالتقاطها..

وجد نفسه يصيح بصوت بدا له عالياً جداً: صباح الخير يا أبو ديب..

وأجفل أبو ديب من جاره الذي لم يصبح عليه يوماً، وانتفض متثاقلاً بقامته النحيلة المحنية ليتطلع إليه، وقبل أن يرد عليه ابتدره وقال: هل ترغب في أن أشرب القهوة عندك؟

وأتاه صوت ابو ديب الحنون مرتجفاً، وتذكر كم مرة سمعه يغني السكابا والميجانا وقال: أهلاً وسهلاً بك يا بني، ولكن أمهلني ربع ساعة لأرتب البيت..

ورد بسرعة: أتمنى لو نشرب القهوة على السطح يا عمي بين الدجاجات والخروف، والأصص الحلوة، ترك أبو ديب مذهولاً، وأسرع ينزع بيجامته ويلبس ثيابه وقد هبت عزيمة جبارة في داخله ترغمه على أن يقاوم الكآبة المزمنة في نفسه بكل السبل، وتدله على الطريق الصريح الذي أعمته كآبته المفزلكة عن رؤيته طوال سنين، ونزل الدرج متفائلاً، مرتفع المزاج، وقبل أن يقطع الشارع ليصل إلى بيت جاره الكهل، توقف لحظة وافتكر مؤكداً لنفسه أن جلوس أبو ديب وسيجارته بين أصبعيه المصطبغين والدجاجات حوله، والخروف المربوط إلى جانبه، والأصص المهترئة الصدئة التي تحتضن أجمل الورود والأزهار، والمشهد كله متعمداً بنور الشمس، لهو أجمل لوحة رآها بين آلاف اللوحات التي حضرها في أشهر وأفخم معارض الرسم والمتاحف العالمية.

2/3/1994

  

 

 

رغيــف خـــبز ووظيــفة

 

تتحولُ إلى وظيفة ورغيف خبز..

وتنطفئُ رغباتك وشهواتك لكل شيء، كل شيء..

أوليست الغاية المثلى للحياة هي انتصار الإنسان على أهوائه ورغباته، مصدر الشرور، تصيرُ موظفاً، فتشعر أنك فاقد الرغبة، فاقد الشهية. لا تشتهي إلا رغيف الخبز، دماغك يصبح شبيهاً بقرص عجين، أصم، مسطحاً، رخوا، خالياً من التلافيف، ومصاعب الحياة ترققه وتعامله وتسطحه، كما تعامل يدا الفران قرص العجين..

ويصير وجهك كالرغيف بكل تحولاته، وجهاً يتوهج كالرغيف الخارج من النار، بماذا يتوهج؟ آه يتوهج ألماً وحنقاً وسخطاً، وإشراقَ لحظات نادرة، لحظات إبداع سرعان ما تنطفئ. ويصير وجهك كالرغيف البارد الطري، يشبه ملايين الأرغفة، أو ملايين الوجوه، وتحكي كل يوم مع رفاقك الذين يشبهونك، الحديث نفسه وأنت مغمض العينين، مغمض القلب، مغمض العقل.

وتعود إلى بيتك المتصدع ظهراً، تمشي على قدميك، لا تعنيك الدكاكين بأنواعها، فلا لغة حوار بينك وبين الفاكهة أو اللحوم أو الألبسة، أو حتى الموسيقى، مضى زمن طويل لم تشتر فيه شريط موسيقى، اكتفيت بما عندك، بل ما عدت تصغي للذي عندك، كل ما يمكن أن تحمله وأنت راجع إلى بيتك، بواسطة نقلك الأبدية -قدميك- أرغفة خبز وأحياناً تنتظر طويلاً كي تحصل على الرغيف، وتتجنب اشتباكات ومشاحنات من أجل الرغيف، فأنت لا تحب الشجار، ولا الكلام، فقدت الحوار حتى مع ذاتك، ماتت رغباتك حتى أنك ما عدت تخاطب نفسك، وبماذا ستتحاور مع ذاتك وأنت لا تحلم ولا تأمل ولا تفكر، وكيف تفكر ودماغك قرص عجين تعامله الحياة بضربات قاسية قوية، وتقلبه كما تقلب يدا الفران قرص العجين، ثم تلقيه في النار..

آه، الوظيفة ورغيف الخبز، ووجوه الزملاء التي تشبه الأرغفة، صرت تضحك في سرك وتحس أن وجوههم هي الأرغفة ذاتها، حتى أنك تمعن في وجوههم وتقول، هذا وجهه كرغيف يابس، وذاك كرغيف محترق، وهذا وجهه رغيف أسمر، وهذا وجهه ككسرة من رغيف!

ويحلو لك كل يوم أن تحسب الزمن يمر على وجهك كما يمر على الرغيف، وهالَكَ أنك بدأت تلاحظ بذور عفن نابتة على سطح وجهك وتصيح: يا إلهي ما هذا! هل سأصير رغيفاً متعفناً؟ ومن أين أتت بذور العفن؟ وأنا لا ينمو أي شيء بفكري، فقد ماتت كل رغباتي وأهوائي، وحررتني الوظيفة من كل الشهوات واللذات والمتع التي لا تعد ولا تحصى، فلماذا تختارني فوق ذلك بذور العفن لتنمو فوق وجهي. لكنك تدرك أنها لم تأتك من الخارج -بل من الداخل، داخلك الذي أخذ يتعفن من الرطوبة، من قلة الشمس، من نقص التغذية، أذناك اللتان أصابهما الطنين من تكرار الأحاديث ذاتها، تشتاقان لأغنية حلوة تفجر مشاعرك الرقيقة التي ترسبت عميقاً في نفسك، كما تترسب الحصى في قاع النهر..

تشتاق عيناك لمعانقة أشياء كثيرة، لمحاورتها، لامتلاكها، تشتاق لمقاهي الرصيف، ومقاهي البحر، تشتاق للجبل والأشجار، تشتاق لرحلة مع الأولاد، تشوون اللحم، ثم تأكلون الفاكهة، كل أنواع الفاكهة.

يشتاق جلدك لبزة جديدة، بدل بذلة التحنيط هذه، البذلة الأبدية التي ستدفن فيها بالتأكيد، فهي ستقاوم الزمن أكثر من جسدك البالي بالتأكيد، آه بزة جديدة ستشعرك أنك إنسان جديد، بأن جلدك يتجدد، ستدخل بهجة إلى نفسك، وستغمر السعادة روحك إن استطعت أن تدخل دكاناً أنيقاً وتشتري بزة، آه، عدنا إلى الاشتهاء والنفوس الضعيفة، وتستيقظ رغباتك رغم أن الوظيفة بذلت جهوداً خارقة لتخليصك من كل المتع الدنيوية الزائلة، ولكن يبدو أن لا فائدة ترجى منك، ففي أوقات تزداد تباعدا، تعود رغباتك للاستيقاظ وحواسك للتنبّه، وتتمنى لو تمتلك العالم، وتحس بمئة أمنية صغيرة تتفجر في شراينك في دقيقة واحدة، وتنتفخ روحك بالأحلام كما ينتفخ قرص العجين في النار ويتوهج، وينشطر إلى قطعة سفلية وقطعة علوية وبينهما الأحلام والحياة.. وتحس بدفء الحياة، ومتعتها، وتحس برغبة عميقة في أن تعيش، كما يجب أن تعيش كإنسان.

ولكن هذا التوهج لا يدوم، لأن يد الفران تمتد لسحب الرغيف المتوهج المنتفخ آمالاً وتلقيه خارجاً ليبرد وينطفئ، فتعود كما أنت، وتتحول الحياة إلى ثنائية لا تنفصم، رغيف خبز ووظيفة، أو وظيفة ورغيف خبز. هذه الثنائية التي تتعشق بعضها، فلا يستغني أحدها عن الآخر، كعاشقين أقسما أن يتحابا إلى الأبد، فلا يفصلهما سوى الموت، وما أدراك كيف ستموت، فقد يتحول جسدك إلى كسر خبز يابسة تأكلها الأبقار وتتغذى بها لتزداد اكتنازاً وجمالاً ولحماً.

  

 

الــيأس الــمـــبارك

 

ابتدرتني قائلة بلهجة موبخة: والله أنت امرأة غير طبيعية، سنوات طويلة مرت، وفي كل مرة أزور الوطن أقول لنفسي بالتأكيد سأجدك هذه المرة مع رجل، مع حبيب، أو زوج أو عشيق، لكني أجدك أبداً امرأة وحيدة، أنت محنطة حقاً، وعلا صوتها مستنكراً بشدة: عجباً كيف ترضين أن تضيع سنوات شبابك وأنتِ بلا رجل؟! كنت أتأملها في انفعالها، وأنا أتساءل دون أن يؤثر بي كلامها -لكأنه لا يخصني- ترى ألا يخطر ببالها كم كلامها قاسٍ وجارح؟ لكني ملت للحال للتبرير لأن صور صداقة طفولتنا وشبابنا كانت تحّفُ بنا مشكلةً حولنا سياجاً من الحنان يمتص كل المنغصات.

أحسستُ أن عليّ أن أجيب، صمتُ لحظة مكتشفة أن كل ما قالته منطقي وصحيح، وأنه من غير الإنساني أن تعيش إمراة وحيدة لسنوات لكن؟ أوه ماذا عساي أقول؟ وجدت نفسي أبداً بكلمة: في الحقيقة.. وتبددت الكلمات على شفتي، لم يكن شيء في أعماقي يتكون ويولّد كلاماً، كنت بحالة أقرب للتأمل، في حين كانت هي مصرة على الكلام بتعبير أدق على الشجار..

استأنفت حملتها الهجومية على قائلة: أنت شابة وجميلة ومثقفة هل يعقل أنك لم تجدي رجلاً يناسبك؟ ألم تقتلك الوحدة؟ ألا تتحسرين على السنوات التي تمر ببساطة من عمرك دون صديق يؤنس وحدتك، ويشعرك بأنوثتك؟ إيه ما بك صامتة كجبل من هم، عجباً، كيف ترضين أن تعيشي هكذا؟ والله لو كنت معي في أمريكا، لألفوا عنك كتباً في التعقيد و..

وجدتني انتفض وأقاطعها، وقد نقلتني كلمتها الأخيرة للحال لخانة الانفعال: مهلاً، مهلاً، لا تكملي، لا أظنني معقدة أبداً، أوافقك على أن الوحدة شيء قاس وصعب، لكني لا أستطيع ملأها بأي رجل.

حملقت إليّ وكأنها تنتظر توضيحاً عاجلاً: أي رجل؟ ماذا تقصدين؟

-أقصد أنني لو وجدتُ الرجل المناسب، لما كنت وحيدة أبداً.

-الرجل المناسب! هذا كلام المتخلفات، الرجل مغامرة، تكتشفينه بالعشرة، يكفي أن يكون هناك انجذاب أولي، قبول مبدئي بينك وبينه، ثم تأتي العلاقة والتعود.

لم أفهم كلماتها رغم بساطة مفرداتها ووضوحها، لكن ماذا تعني بقولها الرجل مغامرة، تكتشفينه بالعشرة؟ أية أبعاد كارثية لهذه الكلمات، هل تدعوني لإلقاء نفسي بأحضان أي رجل يُوليني اهتمامه، وأعتقد أنني أميل إليه، دون أن أمهل نفسي لأتعرف إليه، ويتعرف إلي.

سألتها: لم أفهم كلامك؟

قالت: يا صديقتي الغالية، يجب أن تكوني مع رجل، أتفهمين، وكزّت على أسنانها مؤكدة جملتها الأخيرة: يجب أن تكوني مع رجل.

أطرقتُ منزعجة -لأنني ما كنت أطيق لهجة الأمر، ترجّع، صدى كلامها في ذهني، يجب أن أعيش مع رجل وتخيلت نفسي أركض في الشوارع بكل الاتجاهات، دون مراعات لإشارات المرور، لاهثة، مشعثة أبحث عن رجل، وانفلتت مني ضحكة قصيرة لأن خيالي صوّرني بشكل هزلي..

سألتني: ما بك تضحكين؟

قلت لها مدارية شعوراً طاغياً بالسخرية من كلامها: يبدو أن الغربة تغير الإنسان حقاً.

قالت: تقصدين أنني تغيرت لأنني أعيش في أمريكا.. صدقيني لو سافرتِ مثلي لفكرتِ كما أفكر..

فكرت بكلامها وقلت، لا أظن.

يبدو أنها أحست أنها قست علي وجرحتني بانفعالها الهجومي، سألتني وصوتها يرق: ألا تؤلمك الوحدة؟ تمليت وجهها وابتسمت: هذا الوجه أعرفه منذ ثلاثين عاماً، كم هو أليف ومحفور عميقاً في روحي، قلت لها وقد فاجأني جوابي الذي بدا وكأنه ساقط علي من علو ما: -أفضل الجوع على تناول طعام مسموم.

ورسم وجهها علامة عدم الفهم، في حين وجدتني أهنئ نفسي على تلك الجملة التي بدت لي رائعة..

وجدتني أنقاد بالحديث أمامها وكأنني أحاور ذاتي: في الحقيقة كنت أرتعب من كلمة الوحدة، صدقيني لا أبالغ أبداً باستعمالي كلمة رعب، وكان رعبي من الوحدة، يوترني للغاية، يكهربني، ويجرني لمواقف لا أرضاها في أعماقي، لكني كنت أعتقد أنه من واجبي أن أحارب الوحدة بأية وسيلة وأي شكل، وكنت في النتيجة لا أجني سوى الخيبة أو الهزيمة.

بدا عليها الاهتمام وسألت: كيف؟

تنهدت بعمق وأنا أتذكر تجربة أليمة وقلت: بإرادتي الذاتية غرقت في الظلمة الكثيفة، أحببت رجلاً، أو ارتميت بأحضانه هرباً من الوحدة، رغم أن شعوراً صادقاً في نفسي نبهني لخطأ سلوكي، إلا أنني لم أتورع عن خنقه بلا رحمة، والمضي بخطاً حثيثة في علاقتي مع هذا الرجل معتقدة أنني أقضي على وحدتي، آه، كيف سأشرح لك؟ الخطأ ماكر وخبيث حتى أننا في أغلب الأحيان لا نلاحظ حضوره في جميع أفعالنا، التي تبدو لنا حسنة، لكني من وقت لآخر كنت أشعر بنار آكلة في أحشائي تحرقني، وشعور يتفجر كالبركان، وبلا انذار في داخلي يشعرني أنني بلا كرامة، ليس ضرورياً أن أغوص في التفاصيل إنه رجل غير مناسب أبداً، وقد استمررت معه ما يقارب السنة، وفي كل مرة كنت أود قطع علاقتي به. كنت أنهزم خوفاً من الوحدة.

باختصار ، لم اشعر بأنني ذات كرامة معه، وكنت أحاول تشويه حقيقة الأمور لمجرد استمراري معه، استمراري المبطن بالخوف من الوحدة، إلى أن انفجرت ذات يوم وقطعت علاقتي معه، وهيأت نفسي لأمواه من الحزن تُغرقني، وحضرت الحبوب المهدئة والمضادة للاكتئاب، لكن ما حدث معي أدهشني، وجدتني بعد أيام قليلة من عذاب فقدانه أصاب بانشراح غير مفسر.. كانت حالة من اليأس المبارك تتلبسني. قاطعتني بدهشة: اليأس تابعت: أجل، يأس مبارك، كنت وحيدة مع أشيائي وذاتي، تصالحت مع نفسي، عادت طبيعتي الأصلية تتشكل من جديد، بعد أن هشمتُها بعلاقتي معه، عادت لي قناعاتي وأفكاري وأحاسيسي بعد نفي قسري من قبلي، لمجرد أن استمر معه، صرت بحالة انتباه واعٍ لحياتي، لنفسي  وأدركت بعد أن امتلأت أياماً بدونه، أن علاقتي معه كانت مأساوية فعلاً، كانت تعني تحديداً خوفاً مرضياً وغير مبرر من الوحدة، وها هي الوحدة بعد أن خبرتها، إنها أليفة، حنون، متسامحة، غير مؤذية، مسالمة تجلس إلى جوارك صامتة، كانت علاقتي معه ضياعاً تاماً، مملوءاً ألماً، بصراحة كنت أحيا بطريقة مذلة.

فجأة امتلأت عينا صديقتي بالدموع وتعكرت صفحة وجهها وتمتمت: علاقة مذلة، كنت أبحث عن هذه الكلمة منذ زمن.

أحسست بالذنب، ترى هل جرحتها دون قصدٍ مني سألتها: ما بها! لكن دموعها أخذت تنهمر بغزارة ، وأتاني صوتها واهناً ضائعاً: في الحقيقة لا أحد مرتاح في هذه الحياة، لا أظن أن هناك سعادة.. واختنق صوتها انكشف لي ألمها الحاد والحقيقي في تلك اللحظات، يا إلهي كم كانت تثير الشفقة وهي تبكي مرتجفة تمسح دموعها وتتمخط..

ربتُ على يدها وقلت لها: ما بك؟ ما الذي فجرّ حزنك هكذا؟ هل قلت شيئاً أزعجك، أرجوك انسي كل ما قلته.

قاطعتني بصوت غارق في الدموع: لا، كل ما قلته، دقيق، رائع، صحيح قلت لها:

أرجوك تكلمي، ما الذي يضايقك؟

أخذت نفساً عميقاً ورشفت ما تبقى في فنجان قهوتها، ثم قالت وهي تتحاشى النظر في عيني، بل تزوغ بنظرتها في كل مكان:

-عشر سنوات وأنا أعيش معه، لا يرضى أن نتزوج و لا أن يمنحني طفلاً..

صمَت، لم أعلق بكلمة، لأنني كنت أنتظر أن تسترسل بالكلام، لكنها لم تزد كلمة. حل صمت ثقيل كالجدار بيننا، وتردد صدى جملتها مراراً في أذني ربما سمعت تساؤلي من خلال الصمت المطبق: ولماذا تستمرين معه؟! سمعت جوابها يعبر جدار الصمت بيننا: أستمر معه خوفاً من الوحدة.

واشتبكت عيوننا لحظة بنظرة خاطفة أضاءت أعماقنا كومضة برق حادة، اكتشفت كل منا مدى الخيبة العميقة في أعماق صديقتها، وجدتني أسألها: هل تحبينه؟

وأتاني جوابها سريعاً، لا إرادياً: بل أكرهه.

جمدتني هذه الكلمة، لم أتوقع سماعها، قالت مؤكدة: أجل أكرهه، في البداية، أحببته عشنا معاً كأي عاشقين، ساعدتنا الغربة لنتعلق أحدنا بالآخر، كيف سأصف لك الوحدة في أمريكا، لا أحد يدق بابك، يمكن أن تموتي ولا يشعر بك أحد حتى تتعفني، بدأت أكتشف كم نحن مختلفان، ومع ذلك استمررنا.

قاطعتها ولماذا لم تتركيه وتبحثي عن غيره؟ أقصد عن رجل يحبك ويقدرك...

تململت قائلة:

-لا أعرف كيف سأشرح لك، الأمر معقد فعلاً، أحس أنني تورطت معه، خيوط حياتي تشابكت مع خيوط حياته.

قاطعتها: لكنك وصلت إلى حد الكره، وهذا شيء مرعب.

قالت: أجل، أحياناً أحس أنني حالما سأتركه سيتزوج فتاة تصغره بعشرين عاماً، تختارها له أمه، وأحياناً أشعر أنني أريد أن أستمر معه لأحرجه ونتزوج، وأنجب طفلاً، ثم إنك لا تعرفين كم هو صعب تأمين البديل. من جهة لم أعد صغيرة، والمدينة التي نعيش فيها صغيرة، والكل يعرف أنني صاحبة فلان، كما أنني لا أعرف كيف سيكون هذا البديل؟.

قلت محاولة تلطيف الجو المكفهر بيننا: تقصدين الذي نعرفه خير من الذي لا نعرفه.

قالت: ربما: ألم أقل لك وضعي صعب ومعقد..

وجدتني أقول لها: ليتك تركته منذ البداية.

تنهدت قائلة من أعماق روحها: يا ليت...

ابتسمت لها مواسية، قلت لها: لا بأس.

لم أجد كلاماً يمكن أن أعزيها به، تذكرت كيف ابتدأنا حوارنا، وكيف انتهينا، وددت لوأملك الجرأة وأسألها ما مبرر حماسها العظيم، لأعيش مع رجل، أي رجل! وهي تعاني كل هذه الخيبات والمرارت.

لكنها فاجأتني وهي تخرج مفكرة صغيرة من حقيبتها، وتكتب بقلم الكحل الذي لم تجد سواه ، اليأس المبارك، قائلة: أعجبتني فعلاً هذه الجملة. ضحكنا، ضحكة صافية أِشبه بضحكتنا يوم كنا طفلتين نمشي متلاصقتين في باحة المدرسة.

  

 

 

نجــــم مـــن نحـــاس

 

كــان نجم صالونات أدبية في عقده السادس، أنيقاً، سخياً على كل جديد في عالم الأدب والفكر والفن، يبحث عن اللوحات القيمة ليقتنيها، يشتري كتباً ومراجع نادرة. كان فخوراً بمكتبته وقد جلّد كل كتبه تجليداً فنياً أنيقاً وبلون موحد، البني  الداكن....

كان كالقبطان الماهر، يدير الحديث مع أشخاص متناقضين متنافرين، فيقيم توازناً بين تنافرهم ويبدو كأنه يصالحهم، وكان دائم الحديث عن مواهبه الأصلية والمخزونة في أعماقه كالدرر النادرة.

لا أنكر أنه استوقفني واحتل مساحة واسعة من تفكيري، وأثار تساؤلات عديدة في نفسي. لم يكن مفهوماً تماماً، شيء ما في حياته لم يكن يقنعني، ترى ما هو؟! لم أكن أعرف سبب إحساسي، ورغم كونه شديد اللباقة معي، يهتم بكل كلمة أكتبها، ينقدها، ويوجهني، ويقول دوماً: سأُطلقك في عالم الأدب، سأكون وراء نجاحك، ورغم أن كلامه هذا لم يكن يرضي غروري فقط، بل يتخمه ويشبعه لوقت طويل، إلا أنني كنت متشككة، وكنت أخجل من شكي وألوم نفسي على مشاعر الخيانة تلك...

كان مرسوماً بدقة لا أستطيع أن آخذ عليه أي مأخذ، في ثقافته وتعامله مع الناس ولباقته وشغفه بالقراءة، ونقده وتحليلاته التي تنم عن ذكاء وسعة اطلاع، لكني كنت أحسه كالممثل الناجح الذي يتقن دوره بدقة، ويبدع في الأداء، ولكن كيف هي الشخصية الحقيقية، لمؤدي الدور -للممثل-؟ لا أعرف تماماً لماذا هذا الإحساس الخائن تجاهه، ما كان ينهزم أمام توبيخي المستمر له بل كان يزداد إصراراً وتمرداً على صحة آرائه....

بعد انقضاء فترة الألفة بيننا، وكنت أعتبره أخاً وصديقاً، وموجهاً لي بحكم سنه وثقافته الواسعة والكتب القيمة التي كان يرفدني  بها، صرت أتجرأ وأسأله لماذا لا يكتب؟ ولا ينشر ، مع أنه ذكر لي أنه في بداية شبابه كانت له محاولات رائعة في الكتابة، وأن اسمه كان يكتب بجوار أسماء كتاب صاروا مشهورين الآن، وحصدوا جوائز... وكنت ألّح مندهشة وأسأله: لماذا لم تكمل وكل السبل مفتوحة أمامك؟ ألا يكفي أنك لا تعاني أية أزمات مادية، وأسرية، فزوجتك امرأة عاقلة متفهمة، وأولادك ناجحون، وأنت تتحدث عن الجواهر المخزونة في أعماقك، فلم لا تخرجها إلى السطح، وكان يتململ في بزته الأنيقة ناثراً عطره الفخم في الجو حوله ويقول مؤكداً:

- أوه مستوى ما أكتبه مختلف، أرفع من كل ما يكتب حالياً.

فأصر على تأكيدي: إذاً يجب أن تكتب، لنقرأ الأفضل والأمثل، لنتتلمذ على يديك.

فيبتسم كما يبتسم والد من تصرف أحمق لابنه الصغير ويقول: ولكن كتاباتي جريئة جداً، ناقدة إنها كالضوء الساطع تبهر العيون.

فأقول وأنا مصممة على أن أصل إلى قناعة راسخة: إذاً هل تخشى الرقابة؟!

فيرد وهو ينفث دخان غليونه: نعم، إلى حد ما.

وأقول: ولكن ألا تلاحظ أن هناك كثيراً من القصص والمقالات التي تنتقد واقعنا بجرأة وتسعى لتطويره نحو الأفضل.

- أجل، لكن كتاباتي تفوقها كثيراً، كثيراً جداً.

- ولكن حرام أن تدفن جواهر ثمينة في أعماقك، ولا تظهرها للناس، ألا يمكنك أن تصوغها بأسلوب ألطف مثلاً، على نحو يمكن أن ترضى عنه الرقابة.

فيرد من عليائه: ولكنك لا تستطيعين تخيل مستوى كتاباتي، إنها لا تشبه أية كتابة، إنها نسيج وحدها، كما أن جملي عميقة كثيفة، ستحتاجين وقتاً طويلاً لفهمها وللغوص في أعماقها السحيقة، وأحب أن أنوه لك بأنني كثيراً ما ألجأ للرمز، فهذا يضيف سحراً على الكتابة، كما أنه يوصل أهدافي وغاياتي للناس بتأثير أكبر.

وأقول وأنا مصممة على أن أصل معه لنتيجة تقنعني، بعد أن آمنت بحقيقة جواهره التي صرت أتحسر عليها أكثر منه: لكن حرام، يجب أن تتواصل مع الناس، غير معقول أن تدفن جواهرك هكذا.

كان يبتسم ويقول لي: لا يهم يكفي أن أكتب لنفسي.

وأؤكد بحماسة الشباب وأقول: لا، الكتابة رسالة، وقضية، والكاتب يجب أن يعبر عن هموم الناس ومشاكلهم، ويدلهم على الطريق بكتابته.

وبعد إلحاحي اللجوج، قرر أن يعطيني بعض درره، صفحات قليلة مكتوبة بخط يده الجميل المنمق وأحسست بغبطة عارمة، أخيراً سأقرأ فكراً مميزاً وأدباً لا مثيل له، سأطلع على جواهره الثمينة المخزونة.

أعطاني ثلاث صفحات، ووجدتني أقفل الباب، وأجلس لأقرأها بقدسية، وحواسي كلها متحفزة ومتنبهة، ووبخت نفسي لأنني لم أفهم شيئاً، وقد أنهيت الصفحة الأولى كلها، وتساءلت بذهول ما هذا الذي أقرؤه، عناكب، وسحالي، وأفاع وعقارب، وصراصير، وجرذان وفئران، كلمات غريبة نهش وافتراس وابتلاع واقتناص، أين أنا؟ هل أقرأ في علم الحيوان وبالذات قسم زواحف الصحراء، وتذكرت كلامه أن كتابته رمزية، قلت حسناً: اعصري مخك يا فتاة وركزي، أين أنت من رجل مثله واسع الاطلاع، لم يترك كتاباً إلا قرأه، وناقش به، لأقرأ مجدداً صفحاته وبتركيز أكبر، وقرأت الصفحة الأولى دون أن أحقق فهماً أكثر، وقرأت الصفحة الثانية التي توالدت فيها العناكب والأفاعي، وزحفت الصراصير أسراباً، وطلع سرب الجراد ليلتهم البساتين الخضراء، وخرجت الأفاعي من أوكارها لتلتهم الأرانب والدجاج والصيصان.

وما كدت أصل إلى نهاية الصفحة الثالثة حتى أحسست برعشة قوية تهز جسدي رعباً من الزواحف، حتى خطر لي أن علي أن أسرع إلى المستشفى ليعطوني لقاحاً مضاداً لسم العقارب والأفاعي، وأخذت أجيل النظر بحذر في زوايا الغرفة عساني أجد عقرباً أو صرصاراً، أهب لقتله قبل أن يتكاثر ويصير ألف صرصار أو ألف عقرب تهم بافتراسي، ورميت الصفحات جانباً وضغطت على صدغي بيدي وأنا أغمض عيني بشدة وأتساءل بخيبة: أهذه هي الجواهر المخزونة، والرموز المبدعة؟ هل أنا تائهة في صحراء مرعبة، أم أقرأ أدباً مميزاً؟!

وأعدت طي صفحاته الأنيقة، وأعدتها إلى ظرفها، وأنا أرجو لها الراحة الأبدية فيه، وحمدت الله على أن صاحبها لا يجدها أهلاً للنشر لأنها فوق مستوى القراء بكثير!!.

28/2/1994

 

هذا الكتاب

قصص تتحسس قهر الحياة الاجتماعية، ووطأة الظروف اللاإنسانية التي تعتصر القيم وتشلها في كثير من وجوه الحياة وصروفها، ولا سيما الفساد الاجتماعي وفقدان التوافق العاطفي وسوء التفاهم.

ولعل أهم سمة تتواجد بقوة في القصص تتمثل في البعد النفسي الذي يكاد يكون مفقوداً في غالبية القصص العربية.

وهذا ما وفر للقصص نجاحاً يضاف إلى حضور السرد والموضوعات المؤرقة اللطيفة بحياة الناس.

 

أضيفت في 14/06/2008/ خاص القصة السورية

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية