الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 22/04/2008

القصص

 

المتاهة

البلهاء

زهرة الروح الأرجوانية

يكفي أن يحبك قلب واحد

جانحة

التسوق الأخير

الموت لا يقبل الرشوة

موت البجعة

 

بطاقة تعريف الكاتبة: د. هيفاء بيطار 

 

طبيبة اختصاصية بأمراض العين وجراحتها،

 عضو جمعية القصة والرواية.    

مؤلفاتها:

1- ورود لن تموت - قصص - دار المنارة. 

2- قصص مهاجرة - قصص- الأهالي.

3-  يوميات مطلقة - رواية - الأهالي.

4-  قبو العباسيين - رواية- الأهالي.

5-خواطر في مقهى رصيف - قصص- اتحاد الكتاب العرب - دمشق 1995.

6- أفراخ صغيرة ، أفراخ أخيرة: رواية- الأهالي.

7- نسر بجناح وحيد- رواية - الحصاد.

8- موت البجعة، اتحاد الكتاب العرب.

9- ظل أسود حي- وزارة الثقافة.

10- امرأة من طابقين- رواية قيد الطبع.

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

 

  نماذج من أعمالها

 

 

يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش

 

يكفي أن يحبك قلبٌ واحدٌ، هذا ماكانت تردده في غرف روحها العميقة جداً، لصغيرها الأبله ذي السنوات الأربع، وهي تحتضنه في عيادة طبيب الأسنان، وتمسح لعابه الذي يسيل من فمه المشتور. كانت لاتستطيع مواجهة نظرات الناس الوقحة والصريحة المحدقة إلى صغيرها المعتوه، الذي يثير الدهشة والسخرية والتعليقات الهامسة وأحياناً المسموعة. تتحولُ النظرات لطعنةٍ عميقة في قلبها المتضخم بحب هذا الصغير المسكين البريء من جنونه وتخلفه.

أفلت صغيرها من ذراعيها المتصالبين أمام صدره، واتجه بخطوات متعثرة، لكأن مفاصله متخلعة صوب طفل صغير يماثله في العمر، وقف أمامه وهمهم بصوتٍ اجتهد أن يجعله كلمات لكنه كان أشبه بالجعير، أجفل الطفل السوي والتجأ إلى حضن أمه صارخاً بجزع: ماما، ماما أبعدي هذا الطفل البشع عني.

طمأنت أم الطفل السوي صغيرها قائلة وهي تربت على كتفه: لاتخف، لاتخف، لن يؤذيك.

قامت الأم ذات القلب المطعون بحربة منذ أربع سنوات، تعيد صغيرها المجنون إلى أسر ذراعيها، تبتلع دموعاً تعوّدت طعمها المر وتتساءل في سرها: لماذا تأخر الطبيب؟ أما كان قد حدد لها موعداً تمام الساعة الخامسة والنصف؟

ركنَ المجنون الصغير بين ذراعي أمه، لكنه أخذ يصدر همهمات وحركات عشوائية لا إرادية من أطرافه، فيما أمه تدفن وجهها في شعره الأسود الكثيف هاربة من حصار النظرات.

لم يخطر لها يوماً أن تكون أماً لطفل مشوهٍ، متخلف ومجنون كما شخص له الأطباء. اللعنة على الأطباء. كم تكرههم، ما ابنها إلا ضحية لأخطائهم وللظروف، هذا ماتؤمن به. ولدته طبيعياً، سمعت صراخه الأليم وهم يفصلونه عنها، ضمته بحنان إلى صدرها وشعرت كيف تفجّر الحب فجأة من صدرها كانفجار خزان كبير.

لسوء حظه كان اليرقان الذي أصابه بعد أيام من ولادته شديداً صبغه بالبرتقالي الداكن، كان يجب نقله فوراً إلى الحاضنة، لكن الحاضنات الثلاث في المشفى كانت معطوبة. وقد رأتها بنفسها كيف تسرح فيها الصراصير الصغيرة، صرخت بقرف: صراصير في حاضنة للأطفال؟

ردت الممرضة بلا مبالاة: إنها معطلة منذ أكثر من عامين.

أخذ الصغير يختلج بقوة، رامياً ذارعيه خارج جسده، كأنه يتخلص من شيء ثقيل يرزح على صدره، وتدور عيناه في محجريهما إلى الوراء، لتتحولا إلى بياض تام. كان دماغه قد تأذى بشدة حين عثروا أخيراً على حاضنة في مدينة تبعد ساعتين ونصفاً عن مدينة الوليد.

انهارت الأم حين أكد لها طبيب الأعصاب أن دماغ ابنها قد تأذى أذية كبيرة لعدم إدخاله الحاضنة... صرخت ملتاعة وهي تتلوى ألماً كدجاجة مذبوحة: والله نحن نعيش على كف عفريت، نعيش في هذه الحياة الحقيرة بقدرة قادر.

لم يخطر لها في يوم من الأيام أن تكون أماً لمعتوه، المجانين الذين كانت تصادفهم في الشارع لم تكن تعيرهم أي اهتمام، لكأنهم ليسوا بشراً، إلا إذا أجبرها المجنون أن تلتفت إليه بسبب تصرفاته المضحكة والخرقاء، فكيف وقد تحولت إلى أم لمجنون صغير، لمعتوه برئ من علته.

 

الأسرة كلها تمنّت للصغير الموت، وهو لم يتجاوز الشهر من عمره، زوجها الذي كانت تحكي لصديقاتها عن أن أروع صفة لديه: الحنان، كان يصرخ متألماً: لاأريد ولداً مشوهاً. ليته يموت، ليته يموت. كانت تخاطبه هامسة كأنها تحدث نفسها: لكنك والده! فيرمقه بألم وغيظ ويقول: لكن انظري إليه، أهذا طفل!

فتضمه بحنان شديد إلى صدرها، كأنها تتمنى لو تعيده إلى رحمها، وتسكب على يديه دموعاً غزيرة وهي تبوح له وحده بأنها تحبه بجنون، وبأنها لاتستطيع أن تتمنى موته أبداً.

طوال شهور نسيت أخاه الأكبر -صار الصغير المشوه هاجسها، لم يمش حتى السنتين والنصف، ولم يتعلم النطق. الأب تعايش مع الجرح بأنجح وسيلة: تجاهَلَهُ، أهمله ونفاه إلى الضواحي القصية من حياته، صاباً كل اهتمامه على ولده السليم.

وحدها الأم كانت تشتري للمعتوه ثياب العيد، ولا تمل من غسل ملابسه التي يلوثها عامداً مذعناً لشياطين تتلبس روحه، تأمره أن يعفّر نفسه في التراب وأن يسكب محتويات صحنه على ثيابه ورأسه. كانت تضرب ابنها السليم حين يضرب أخاه المجنون، وتهدده بحرمانه من حلوياتها التي كانت تحضرها خصيصاً للمجنون الصغير.

أجهدت نفسها في تعليمه الكلام، رغم أن كل الأطباء نصحوها أن لافائدة في جعله ينطق، لكنها توصلت مع الأيام إلى جعله يهمهم، وكانت وحدها قادرة على ترجمة تلك الهمهمة. كان زوجها يتضايق من شدة اهتمامها بالصغير المتخلف، ويشاجرها لإهمالها أسرتها، مؤكداً لها أن الرحمة الحقيقية للجميع أن يموت هذا المسخ.

لم تكن تستطيع تخيل خلو حياتها منه، إنها تحبه بجنون، تحسه قطعة منها، هذا المعتوه الصغير، الذي يفاجئها في لحظات خاطفة كيف يرنو إليها بعينين تفيضان وجداً. ما أجمل عينيه قبل أن يغفو، ماكان ينام إلا وهو يطيل التحديق إلى وجهها، فتحس بالتحوّل البطيء والتدريجي لملامح وجهها، تحس بالحنان يرفرف حولها كفراشاتٍ من نور.

ذات يوم سالت دموعه من شدة تحديقه إلى وجهها، وحين كانت تبتعد كان يُصدر أصواتاً متألمة تضطرها للعودة إليه. وحدها كانت دنياه، دنياه الغنية بالحب والتي لم يستطع ذوو العقول المحدودة المتباهون بصحتهم العقلية أن يدركوا كنه حب المجانين للعالم.

لم يصدقها أحد من أفراد أسرتها حين كانت تصف لهم حساسية الصغير العالية ورقته وذكاءه الخاص.. ذات يوم حين كسر المزهرية من الكريستال، ضربه والده بقسوة وهو يهزه من كتفيه النحيلتين قائلاً: الله يلعن الساعة التي شرّفت بها إلى الدنيا، والله لقد جعلت حياتنا جحيماً، لكني لا ألومك، بل ألوم التي تفوقك جنوناً : أمك.

يومها التجأ بخطواته المتعثرة، ومشيته المخلّعة إلى حضن أمه، رمى نفسه في حضنها وهو يرتعش خوفاً كجرو صغير أفلت لتوه من انقضاض وحش مفترس عليه.

كان يبكي ويهمهم بأصوات مخنوقة مبهمة أشبه بالخوار، واللعاب يسيل بغزارة من فمه، ضمته إلى صدرها، رشفت دموعه بشفتيها، مسحت لعابه بكم فستانها، هدهدته حتى غفا.. كانت تتجاهل نظرات زوجها الغاضبة، وحين لم يعد يطيق صبراً هزّها من كتفها قائلاً: ماعادت عيشتنا عيشة، أفكر أن ألحقه بمدرسة للمتخلفين عقلياً.

صرخت: لا، لن أسمح بذلك مادمت موجودة.

-لكنه خرّب نصف أغراض المنزل، وهو لم يكمل الرابعة من عمره بعد.

قالت باكية: لا، أرجوك، يستحيل أن يعيش في مصحٍ للمعوقين.

صرخ: لماذا؟

لم تستطع أن تجيب في الحال، لكنها تمكنت بعد لحظات من جمع شتات نفسها، قالت وهي تحس أنها تسيل حباً كماءٍ مقطر يغسل الصغير: لأنني أحبه أكثر من أي شيء في الدنيا. انطفأ الرجل، وهلة. شعر أن كلماتها خدّرته كالبخور. كان يشعر بالخدر كلما استنشق بعمق رائحة البخور. هل كانت كلمات زوجته متشكلة من بخار روحها المتألمة؟

صارت فائقة الرقة مع مجانين الشوارع، تتساءل بشفقة: ماذنبهم؟

كانت تفكر طويلاً بمنطق جدتها في تفسير وجوه البشر المشوهين والمتخلفين: لكي يتمجد اسم الله. لم تكن تقبل هذا المنطق أبداً، ترد بسخطٍ على جدتها: لكن الله لايحتاج كي يتمجد اسمه أن يخلق بشراً غير أسوياء يتعذبون ويعذبون أسرهم معهم. لكن الجدة تصر على تفسيرها، وتستشهد بآيات من الإنجيل، حين سأل أحدهم يسوع المسيح: أي ذنب اقترفه هذا المسكين المسكون بالشياطين، حتى يكون مجنوناً؟

قال المسيح: لا لذنب اقترفه، بل ليتمجد اسم الله.

انفتح باب غرفة الانتظار فجأة، أطلَّ الطبيب، نظر في ساعته معتذراً لها قائلاً: أنا آسف، لم أتوقع أن حالة السيدة معقدة هكذا.

كانت سيدة مفرطة الأناقة، تخرج من غرفة الفحص، تضغط قطعة من القطن بين فكيها، وحين لمحت الطفل شهقت ورسمت بآلية علامة الصليب على صدرها. تحفزت الأم وصفعتها بقوة بخيالها، لكنها حملت الصغير ولحقت بالطبيب إلى غرفة المعاينة.

كان يدير لها ظهره، يغسل أدواته، ويقذفها في صينية معدنية بجانب المغسلة قال لها: خير، هل عاد الضرس نفسه يؤلمك؟

قالت: أقصدك هذه المرة لأجل الصغير.

تعوّدت على نصال الألم تنهالُ بلا رحمة مخترقة قلبها، كلهم يذهلون حين تعتني بابنها المعتوه، كانت تصرخ أحياناً، لكنه روح، روح.

كانت لهجته تعني تحديداً: هل يستأهل هذا المسخ عنايتك؟

لم يسمح المعتوه الصغير للطبيب بفحصه، إلا وهو في أحضان أمه، أخذ وجه الطبيب يزداد قتامة وهو يمعن في جوف فم الصغير، قال للأم بعد أن انتهى من فحصه: تشوه شديد في الفكين والأسنان، الحالة صعبة جداً، ومكلفة للغاية أرى أنه من الجنون التفكير بتصحيح تشوه فظيع كهذا..

 

سألت وكأنها لم تسمع كلامه: ما الكلفة يادكتور؟

حدّق الطبيب إلى وجه المتيمة حباً وقال: الكلفة كبيرة، لو أردتِ أحسبها لك. لم يكمل لأن بقايا وجدان ذكرته أنها أمْ.

قالت: المال لايهم، سأتدبر الأمر.

رفع الطبيب كتفيه لامبالياً وقال: كما تشائين، لكن من واجبي أن أقول لك حرام هدر المال.

خرجت من عيادة الطبيب تحمل ابنها، كانت ذراعه اليسرى تحيط بعنقها وتعبث بشعرها، وذراعه اليمنى نصف المشلولة تنسدل مرتخية على صدرها. كان حاجز صدره النحيل ينقل إلى صدرها إيقاع دقات قلبه، تناغم إيقاع القلبين مع إيقاع خطواتها وعَتْ بعمق كيف يتوحد قدرهما بالحب، الحب صليب، صليب جميل. انتظم إيقاع القلبين وطغى على ضجيج الشارع وصوت المذياع الملعلع. تحوّل الإيقاع  إلى كلمات مبهمة أخذت تزداد وضوحاً مع تسارع خطواتها. كان قلبها يغني بسرور باكٍ: يكفي أن يحبك قلب واحد كي تعيش. ياصغيري البريء، ياطفلي الرائع.

توقفت عند إشارة المرور. تنبهت إلى أنه أغفى على كتفها، قبّلت وجنته المنداة بلعابه، أحست أنها ترشف عسلاً. دمعت عيناها وهي تتمنى له أحلاماً سعيدة.

 

 

زهرة الروح الأروجوانية

 

 

ما الذي يوقظها من عزِّ النوم سوى هذا الإحساس الأصم الثقيل المؤكد: اليأس؟! أجل اليأس. حاولت أن تغّش نفسها وتبحث عن تعبير أخف وطأة، لكنها أدركت في تلك الليلة حين أفاقت في الرابعة فجراً، واليأس متربصٌ بها كاشفٌ عن وجهه العريض بعينين رماديتين مطفأتين دون بياض، وأنف عريض كالجدار، وفم عبارة عن شق دون شفاه، أدركت أنه لامجال للالتباس، فهذا وجه اليأس. تذكرت نصائح الطبيب النفساني الذي لجأت إليه في الشهرين الأخيرين.

منذ سنوات وهي تفكر باستشارة طبيب نفساني، لكنها كانت تخشى من نظرة الناس، سيقولون عنها مجنونة، في سرها كانت تصرخ بهم: النفس تتعب كالجسد، بل أكثر منه وتحتاج لمن يريحُها، حسمت أمرها أخيراً باستشارة طبيب نفساني لسبب وحيد كون عيادة هذا الطبيب العائد حديثاً من ألمانيا تقع في مبنى ضخم كل طابق فيه يزيد عن عشرة مكاتب، وكما يقولون (الطاسة ضايعة) تعبير عاميّ تحبه، يعني أن لا أحد يعرف أي مكتب تقصد. ما طمأنها كون محل مزين شعر للسيدات في طابق عيادة الدكتور النفساني، وكانت تتعمد أن يكون شعرها مُسَّرحاً بعناية حين تقصد الطبيب ولا تنسى أن تضع في حقيبتها بخاخ تثبيت الشعر الذي يذيع أنها كانت لدى مزين الشعر، فيما لو صادفت أحداً من أقاربها أو أصحابها. كانت بعد كل جلسة لدى الطبيب النفساني تتعمد أن تدخل الحمّام، تبخ بكثافة رذاذ مثبت الشعر على رأسها، ثم تخرج من عيادته بثقة.

الرابعة فجراً، سكون الخلق الأول، لم تبدأ بعد العمليات اللامجدية للبشر، عالم الضجيج لم يستأنف دوامته، أعدت القهوة، وهي تتذكر أن وصية الطبيب النفساني الأول أن تمتنع عن القهوة كلياً، وكل أنواع المنبهات، سمح لها بعد إلحاح منها أن تشرب فنجان قهوة وحيد في الصباح، ووصف لها دواءً للقلق، تبتلع منه حبة كل مساء. ولكن ولعها بالقهوة جعلها تتمرد على نصائح الطبيب. قالت له:

- القهوة صديقة قديمة.

ضحك متسائلاً: صديقة؟

قالت: طبعاً، أليست القهوة مشروب الأحزان، ومحطات السفر، ولقاء الأصدقاء إنها صديقة الانتظار.

أعجبه تعبيرها الأخير "القهوة صديقة الانتظار" حكى لها أنه حين كان يدرس في برلين، أحبَّ امرأة تسكن في ضاحية بعيدة، وكان يشرب عدة فناجين من القهوة وهو ينتظرها.

أقنعها أن أهم خطة لنجاح علاج أرقها المزمن هو الامتناع عن المنبهات، وحاول تعزيتها بأن تشرب نوعاً مستورداً من القهوة بدون كافئين، لكنها لم تستسغه، قالت له في الجلسة التالية: القهوة لاتقبل الغش، مانصحتني به هو سراب القهوة.

ابتسم قائلاً: سنتعاون معاً لمحاربة أرقك المزمن، والشديد في الواقع، لا أريدك أن تسقطي ضحية إدمان المنومات، يجب أن تلتزمي بخطة للعلاج، أساسها ركيزتان أساسيتان: العلاج الرؤيوي، والامتناع عن المُنبهات، الموضوع الأول مهمتي، والثاني مهمتك، أريد منكِ وعداً بالانقطاع عن المنبهات ، وعدته هي شاربة القهوة والضجر بامتياز حكت له أن صلب وظيفتها يعتمد على شرب القهوة، ذُهل حين قالت له إن عدد فناجين القهوة يتجاوز السبعة في ساعات الصباح الأولى.

سألها: أهذا معقول؟

 

قالت: يادكتور كيف سنقضي ثماني ساعات عمل دون قهوة، خاصة أن عملنا الفعلي لايتجاوز النصف ساعة.

أحرجته، لم يجب. قال طاوياً النقاش: المهم استبدلي بالقهوة عصيراً طازجاً أو زهورات أو نعناعاً.

جلست ترشف القهوة وهي تتخيّل نظرة العتب في عيني الطبيب الجميلتين، فكّرت: إنه شاب جميل حقاً، وممتلئ حماسة، لكن حزناً عميقاً ينفلتُ من عينيه مباغتاً لكليهما وهو يتحدث إليها، ترى ماسرُّ حزن العينين الجميلتين؟ فكّرت وهي ترشف قهوتها أنه ألهاها حقاً عن المشكلة ولم يحّلها لها. أكثر من عشر جلسات، تستغرق كل جلسة نصف ساعة، يحدثها عن العلاج الرؤيوي. بهرها حقاً في الجلسات الأولى، لدرجة أنها ظلت أياماً تحس بنشوة لاتعرف مصدرها. ترّجع صدى صوته في ذهنها: المهم أن نغيّر نظرتنا للواقع، فالراتب الحقير لن يزيد إذا اكتأبنا، والضجيج اللعين المنطلق من المذياع والتلفاز، وزئير السيارات وآلات النجار والحداد، والباعة المتجولين الذين طوّروا طريقتهم في البيع باستخدام مُكبرات الصوت، كل هذا الجعير كما تسميه والذي يدّمر الأعصاب ببطء مامن سبيل للخلاص منه سوى بتعويد أنفسنا ألا نعتبره كارثة.

حتى الضجر نفسه الذي يدفعها للبكاء، من شدة وطأته، والذي تغذيه تفاهة الناس، وانعدام النشاطات الثقافية في المدينة، وموت السينما والمسرح يمكن التحايل عليه بخلق أهداف جديدة، تغير نظرتنا إلى الواقع.

نشوة الجلسات الأولى وحماستها لطاعة الطبيب تلاشت، بدأت بذرة شك تنبتُ في روحها، إنه يُلهيها ولا يُعالجها، هذا ماتحسه، منذ سنوات وهي تعاني من أرق ينهك أعصابها، تحس بنعاس شديد، تنام ساعتين، لتستيقظ، كأن أحداً لكزها في كتفها وأمرها أن تقوم من فراشها، تنصاع للصحو، وتجلس في وحدة الليل وقد تماهت مع وحدتها تصغي للصمت الذي تفتنها موسيقاه أكثر من كل موسيقى، تقلّب حياتها أمامها سنة بعد سنة، ياللمرارة! يا للحقيقة القاسية، تنبسط أمامها سنوات حياتها طويلة تدرك كم أن الألم طاغ، ويترك وشماً بحجم الذاكرة، أما الفرح فليس سوى رشّات صغيرة من غبار رائحته ذكية، لكنه سرعان مايطير دون أن يترك أثراً سوى صور باهتة في الذاكرة.

تذكّرت كم عانت مع والدها الذي أصابه الشلل بعد حادث سيارة، سبع سنوات وهي تصحو على وجه أحبّ إنسان إلى قلبها وقد كوّمه العجز، كتلة من العذاب المتواصل، كان يناديها لتهش ذبابة حطّت على وجهه لأنه عاجز عن هذا الفعل، أنهكتها السنوات السبع، شلل والدها جعل روحها تنشّل تماماً، فقدت قدرة توليد أي أمل، انصبّت على دراستها لتتفوق في الجامعة، وتغدو مهندسة بامتياز، لكن الوظيفة براتبها الشحيح والبطالة غير المقنعة جعلتها تهوي في هوّة يأس له طعم مختلف عن طعم يأسها بعد شلل والدها. ابتسمت وهي تتذكر قصة حبها لشقيق صديقتها. هل أحبته فعلاً أم أمرت نفسها أن تحبه متعمّدة خلق شعور جميل في حياتها؟ تعاهدا على الزواج، سافر إلى السعودية ليعمل على أمل أن تلحقه، لكنه سرعان ما سقط في الإغواء، وتزوج أرملة ثرية.

كانت ترفض الاستسلام لمطبات اليأس، قوة الشباب وحدها كانت تجعل كفة الأمل ترجح، انتهت مرحلة الآلام الأولى، توفي الأب وطوت صفحة الحبيب الخائن وتعوّدت ذل الوظيفة، بدأت عهداً جديداً. تزوجت شاباً مناسباً يملك شقة ودخله يضمن لها ألا يجوعا يوماً، لكنها لم تستطع الاستمرار معه، لأنه كان موهوباً بعجن الساعات بالنَكَد، لايكف لحظة عن انتقادها، نبهها إلى أن أفظع وسيلة لتعذيب إنسان لإنسان هي الكلام. لو كان طبخها مالحاً قليلاً لايكف عن انتقادها أسبوعاً يريدها أن تحب مايحبه، وتكره مايكرهه، يفهم المرأة كظلّ لزوجها، يدهشه أن للزوجة رأياً خاصاً، إنها يجب أن تكون السجادة التي تطؤها الأسرة: الزوج والأولاد والأهل.

 

طلقته غير آسفة، وبعدها ابتدأ الأرق، كانت تحسد الناس الذين يغفون بسرعة، لديها صديقة تشرب عدة فناجين من القهوة، ثم تغفو، لكم تغبطها، كانت لا تزال راغبة بشرب فنجان آخر من القهوة، وهي تنصت لصمت الليل، نظرت إلى ساعتها. الرابعة والنصف صباحاً، قامت تحضّر القهوة مبتسمة بسخرية من صورة الطبيب، المسكين، لم ينجح في علاجه الرؤيوي معي، هذا ماقالته لنفسها وهي تلحق فكرة: أي سخف أن يقنعني أن أغيّر نظرتي للراتب الحقير، إنه حقير لأنه يذلني ويشعرني أنني مسخة، فأي وهم هذا العلاج الرؤيوي، قررت أنها ستعترف له بسخف نظريته وبأنه يستحيل علاج المشكلة إن لم تستأصل من جذورها، إن لم يتغير الواقع جذرياً، أما أن يطلب من فقير تعيس أن يغدو سعيداً وهو منقوع في فقره، فهذا دجل ووهم.

أجل ستكون جلستها الأخيرة معه، لكنها تعترف في الواقع أنها ارتاحت له، وبأنها كانت تنتظر موعد الجلسات معه بشغف، لعلها بحاجة لصديق ينقذها من صقيع العلاقات البشرية. كانت ترشف القهوة بتلذذ وعيناها ثابتتان دون تركيز على نبتة في زاوية الصالون، تتدلى أغصانها الخضراء من الأصيص حتى تلامس الأرض. أغصان جميلة مفصصة عبارة عن أوراق متلاصقة، في تدليها غنج ودلال، وفي نهاية الأوراق تتفتّح زهور أرجوانية، شعرت أنها تبصر هذه النبتة للمرة الأولى، انتبهت: إن الرؤية تعني الإدراك، منذ سنوات وأمها تعتني بالنباتات وهي لاتبالي بوجودها، بل كانت تسخر من أمها قائلة: النباتات ليست جميلة إلا وسط الطبيعة.

لكن إحساسها بهذه النبتة مختلف تماماً في هذه اللحظة، بينهما لغة خاصة، انحناء الأغصان يذكرها بانحنائها تجاه زمنها الظالم، كلاهما ينحني ويرزح تحت ذلّ المعاناة، لكن النبتة تتفتّح على زهور أرجوانية ساحرة، إنها رغم ذلّ الزمان تبدع زهرات متفائلة.

ارتعش قلبها للحقيقة التي شعّت من روحها، مذيبة وجه اليأس الرمادي الكئيب بومضة، إنها هي كالنبتة محنية ومذلولة أمام زمن عاهر، لكنها تملك جمالها الخاص وزهور روحها تفوق زهور النبتة جمالاً، أمكنها أن تسمع في صمت الليل الجليل صوت الطبيب يقول لها: برافو، أهنئك، هذا هو  العلاج الرؤيوي، أن ننظر بعمق إلى حقيقة نفوسنا، وأن نكتشف الكنز فيها، ولا نترك لصدأ الأيام أن يتراكم فوقه، وألا ننكسر للظروف المحيطة مهما كانت قاسية.

دمعت عيناها تأثراً، قالت وهي ترمق صورته المرتسمة بوضوح في خيالها بامتنان وحنان، وترشف آخر قطرة من قهوتها: لكن القهوة يادكتور، أليست صديقة الانتظار؟ كان اللون الأرجواني للزهور يشع دفئاً، يغزو قلبها مباشرة فكّرت: إن نبتة صامتة ومُهملة منذ سنوات يمكن أن تكون صديقتها في معركة الحياة الصامتة المستمرة.

 

 

 

البلهاء

 

بعــــد يومين من زفاف وحيدها، وُجدت تيريزا البلهاء ميتة تحت شجرة السنديان الهرمة الوحيدة في الحديقة الصغيرة قرب بيتها، تحديداً الغرفة الحقيرة التي عاشت فيها ربع قرن مع ابنها.

اختلفت الآراء حول وفاة تيريزا البلهاء، منهم من رجّح أنها انتحرت، مستحضرين فرويد إلى أذهانهم الذي سيعتبر -كما يحلو لهم أن يفسروا- زواج ابنها نهاية لحياتها من جهة، وتكثيفاً شديداً للحادثة التي صبغت مستقبلها إلى الأبد، حين حملت بابنها وهي في الرابعة عشرة، وتنصّل الأب من الاعتراف بأبوته للجنين، واعتقد بعضهم أن تيريزا البلهاء توفيت بسرطان الثدي الذي تعاني منه منذ سنوات، وترفض العلاج. أما ابنها الذي بكاها بدموع من نار، فكان يهذي وسط دموعه بأنها توفيت من الحزن، وبأن الحزن حين يزيد عن

حد معين يصبح قاتلاً.

لم يشيّع تيريزا البلهاء إلى مثواها الأخير سوى نفر قليل من الناس، أختاها الوحيدتان دون زوجيهما، اللذين كانا متبرئان من تيريزا الساقطة، ابنها وزوجته، ومالكة الغرفة التي استأجرتها تيريزا لتعيش فيها مع ابنها.

التصقت بتيريزا صفة البلهاء مذ كانت في الرابعة عشرة. كانت كبرى إخوتها، ومسؤولة عن العناية بهم لأن أمها مضطرة للعمل من الصباح وحتى المساء خادمة في البيوت لتعيلهم، فيما والدها هائمٌ منذ سنوات في مصحٍ للأمراض العقلية.

كثيراً ماحلمت تيريزا بزيارة والدها، لكن أمها كانت تزجرها كل مرة، تنهاها عن ذكره، فما كان من هذا النهي القاسي إلا أن يزيد اضطرام أشواقها وأفكارها نحو والدها، كان غيابه يجعل حبها له شفافاً ونقياً لاتشوبه كلمات البشر الفظة القاسية، ولا تصرفاتهم الخالية من الرحمة، وكثيراً ماكانت ترنو إلى البعيد وتتخيل أنها تركض مسافات ومسافات لتلقي بجسدها في حضنه، فيضمها بقوة إلى صدره وتمتزج دموعهما، وهو يعدها أنه لن يتركها أبداً... كانت صديقاتها يسخرن منها حين يضبطنها تبتسم وتبرطم بكلمات وحدها، فيقلن لها: المجانين فقط يتحدثون مع أنفسهم، لكنها كانت تبتسم ولا تُعلّق بكلمة. فهي تحب صديقاتها من كل قلبها حتى لو سخرن منها وتهامسن بأنها بلهاء. ماكانت تفهم فن الكذب، ولا فلسفة الغش، إنها تُعبّر عن كل ماتحسه بالقول والفعل وعلى الملأ. ماكانت تفهم لماذا يداري الناس سلوكهم، ولماذا يكونون بعدّة أقنعة! ذات يوم حين زارتهم جارتهم، أدهشها ترحيب أمها الحار بالمرأة، فانبرت تيريزا تقول بسذاجة: أمي، أليست هذه جارتنا التي تقولين عنها بخيلة وثرثارة ولا يهمها سوى اصطياد زوج ثري لابنتها.

انقطعت العلاقة بين المرأتين بسبب تيريزا البلهاء، ورغم العتب القاسي الذي تعرّضت له تيريزا من أمها، فإنها لم تفهم لماذا اعْتبرت مذنبة؟! بقيت على تساؤلاتها الساذجة لماذا لايقول الناس كل شيء أمام بعضهم، لماذا يكذبون؟ ومامعنى الكذب؟

فرحت بجسدها اللدن الرشيق، الذي أخذ يتكوّر، ويشع حرارة جديدة، أشبه بتيارات مائية ساخنة تدغدغ جلدها وأحشاءها، كانت تضحك لصورتها في المرآة، وهي تكتشف تلك المشاعر اللذيذة، وتتساءل: لماذا لم تشعر بها من قبل؟ كانت تقضي ساعات تتأمل نهديها الشامخين، وتمرر يديها على وركيها وبطنها وفخذيها، منتشية بالتحوّل الجميل والمدهش في جسدها، كانت مزهوة بتفتّح أزهارها، بالثمار اليانعة الشهية التي ترغب أن يتحلّب الناس ليتذوقوها، وكانت تبكي بدموع سخية وهي تسمع أغاني عبد الحليم حافظ الذي احتل أحلام يقظتها التي لاتنقطع إلا عند الضرورة.

في الثالثة عشرة سقطت تيريزا في شرك الحب، كل الحارة شهدت حبها للشاب الجميل الذي يقود سيارته الفخمة البيضاء، ودون أن تتلفت خائفة وأمام العيون المتلصصة من الشقوق والثقوب، كانت تيريزا تركض إلى حبيبها، وتجلس بجانبه في السيارة ليأخذها إلى الشقة التي استأجرها لغرامياته.

دُهشت تيريزا حين انفضّت عنها صديقاتها، وصرن يرمقنها باحتقار ويتهامسن حين تمر بجانبهن، كانت تتساءل بدهشة وحزن: لماذا تغيّرت نظراتهن؟! ماكان لها أن تفهم أبداً نظرة الاحتقار، فهي لم تختبر هذا الشعور، ومادة روحها النقية غير مؤهبة للإحساس به.

أخذ بطن تيريزا يتكوّر، ويزداد حجماً، أدهشها أنها غدت بدينة، مع أنها لاتأكل زيادة عن عادتها! وبأن تنورتها الوحيدة ماعادت تحيط بخصرها. حتى الشهر الخامس لم تلحظ الأم حمل ابنتها، في الواقع لم تكن تراها، لأنها تعود إلى البيت حطام امرأة. متهالكة من التعب، تمسح أولادها بنظرة، وتغطّ في النوم، تاركة صغارها  يكبرون برعاية تيريزا البلهاء والعناية الإلهية، وصدقات الجيران.

ذات يوم تحلّقت صديقات تيريزا حولها وسألنها: تيريزا، ألا تلاحظين أن بطنك يكبر؟ ويتغامزن وينفجرن ضاحكات.

فتلمس تيريزا بطنها متعجبة وتقول: أجل إنه يكبر.

فيسألنها: تيريزا من والد طفلك؟!

تحملق تيريزا في وجوههن وتتساءل بدهشة طفولية: طفل، أي طفل!.

تقول إحدى صديقاتها: من تعاشر رجلاً تحمل بطفل.

كانت تيريزا تفسّر كبر بطنها، بسبب انقطاع الطمث، فالدم يتجمّع في الداخل، ويجعل بطنها يكبر، كانت مقتنعة كلياً بهذا التحليل الدقيق لكبر بطنها، ولم تكن تقلق، فذات يوم سيتدفق كل هذا الدم إلى الخارج ويعود بطنها إلى حجمه الطبيعي.

ضربتها أمها بوحشية وهي تسألها: منذ متى تعاشرين هذا الكلب؟ وكانت تيريزا تبكي وترتعش ولا تتفوه بكلمة، استدعت الجلاّدة القابلة لتكشف على ابنتها، وبعد الفحص رفعت القابلة عينين زائغتين بالدهشة وأدلت بتقريرها: الفتاة حامل في شهرها الخامس، لكنها لاتزال عذراء!!

اقتحمت أم تيريزا منزل الشاب الثري وواجهت أسرته بحمل ابنتها، طُردت الأم واختفى الشاب عن الأنظار، استدانت الأم المنحوسة -كما غدا اسمها في الحارة- المال، وأقامت دعوى على الشاب لتضطره للزواج من تيريزا والاعتراف بابنه، لكن الشاب نفى أبوته للطفل، وقال في المحكمة بأن تيريزا عاهرة وتعرف الكثير من الرجال غيره، وذكر أسماء خمسة من أصدقائه وأصدقاء والده على أنهم عشّاق لتيريزا، وأصرَّ على استدعاء هؤلاء العشّاق وسماع شهاداتهم بتيريزا، عارفاً أنهم سيذكرون جميعاً الوحمة البنفسجية فوق عانة تيريزا بقليل!

وحين واجه محامي تيريزا المحكمة بتقرير طبي يثبت أن تيريزا لاتزال عذراء، وبشهود من الجيران، يؤكدون أن الفتاة لم تخرج سوى مع الشاب الثري، استمر الأب في نكرانه، وانتهت الدعوى بأن دفع الشاب مبلغاً كبيراً لصاحب السيادة كي يُبرأ من أبوة الطفل الذي تحمله البلهاء في بطنها.

كان على تيريزا أن تعرف دفعة واحدة معنى الألم والتخلي ونبذ الناس لها واحتقارها، الذي أحسته يؤلمها كوخز الإبر، كان عليها أن تعرف دفعة واحدة معنى الوحدة وموت المشاعر البكر الطاهرة التي كانت تدفعها لتأمل جسدها بافتتان وللارتماء في أحضان الحبيب مكتشفة جسدها في جسده، وسعيدة بأن يكتشف جسده في جسدها.

انقضت كل تلك المشاعر الوحشية القاسية على تيريزا، وأحاطتها كدائرة من نار وهي تتمخّض معانية آلاماً لاتطاق، بينما لاتسمع كلمة واحدة تؤاسيها من أمها، أو القابلة، فمن يؤاسي فتاة حملت سفاحاً؟ لكن تيريزا البلهاء غدت أماً بطرفة عين، ولدت إنسانة جديدة في اللحظة التي قذف رحمها ابنها.

خلال أشهر شاخت الصبية ذات الأربعة عشر عاماً، ماتت شهوتها للرجل وتحوّلت إلى جرح سيظل مفتوح الشفتين مدى الحياة، وضاع ذلك الشعور البهي المتوهج الذي لاتعرف أن اسمه الشهوة في غياهب الإهمال، أعطت روحها وكيانها لوحيدها، صار دنياها وعالمها. كانت ترتعد من قسوة النظرات ووحشيتها فتهرب إلى دنيا صغيرها، إنه الكائن الوحيد الذي يُحبها ويقبّلها، ويقبلها كماهي، وحده لايصدّق أنها زانية.

كبر الصغير وكان صورة طبق الأصل عن والده، حاول البعض ممن يحتفظون ببقايا رحمة في قلوبهم أن يصحبوا طفل الزانية إلى والده، ليفحموه بالشبه بينهما، لكن الأب استمر في النكران، وتزوج من فتاة من سويته المالية، وأنجب منها ثلاث بنات، لكن حرقة الصبي ظلت تلاحقه، فكان يقول في سره، أيُعقل أن أنجب ثلاث بنات في الحلال، فيما الصبي لا أنجبه إلا في الحرام.

استطاعت تيريزا البلهاء أن تنتزع شفقة الناس بعد سنوات وليس احترامهم، فالكل يشهد كم أحبت طفلها، ظلت تحمله حتى العاشرة من عمره، كانت تقضي ساعات بجانبه تتأمله وهو نائم، تغني له أغاني عبد الحليم بصوتها الهامس العذب، وتمسح دموعها الخرساء. ماعادت تتذكر أنها أنثى. انحفر الرجل في ذاكرتها مدية تطعنها في الخلف، كانت دروس الحياة المبكرة والقاسية قد جعلتها تفقد أدنى رغبة في المقاومة. كان الاستسلام التام لكل ماجرى معها هو الحل الأكثر رحمة وتحملاً بالنسبة لها، وقد قاومت بضراوة محاولة العديد من الشبان جعلها عشيقة، حتى أن أحدهم قال لها غير مصدق إنها لاتنوي معاشرة أي رجل: إلى متى ستتظاهرين بأنك شريفة، وقد تعوّدت أن تباعدي بين ساقيك مذ كنتِ في الثالثة عشرة؟

تعوّدت تيريزا على ابتلاع الإهانات، واستمرت تقبر الأيام، يوماً بعد يوم، لا يعنيها سوى ابنها، وتمكنت بواسطة جارتهم الوحيدة التي تشفق عليها من الحصول على عمل في مؤسسة لبيع الخضار، وفي أوقات فراغها المستفيضة كانت تيريزا تُبدع كنزات صوفية رائعة تبيعها وتساعد نفسها على العيش.

الصغير غدا كبيراً حين عاين جرح أمه، باحت له وهي ترتعد من شعورها بالعار من يكون والده، سربلهما صمتٌ طويل لم تجرحه كلمات لأيام، كانت تعاني آلاماً لاتطاق، وتخشى أن تفقد احترام الرجل الوحيد في حياتها، لكنه بعد أيام دفن رأسه في صدرها قائلاً: أنتِ أروع أم في الدنيا. لكم أحبك ياتيريزا الرائعة، أماهو فأكرهه، أنا لاأب لي.

كم كانت صادقة حين قالت له: لا تكرهه يابني، لاتجعل الكره يعّكر روحك.

كانت تيريزا تعاني من اشمئزاز شديد حين ترى رجلاً وامرأة يتغازلان على شاشة التلفاز، ظلت أسيرة مشاعر الإثم طوال حياتها، وساعد موقف اخواتها من رسوخ هذه المشاعر، فبعد زواجهن انقطعن كلياً عن زيارتها، فهمت من غير أن تسأل أن أزواجهن يمنعونهن من زيارة الأخت الآثمة التي أنجبت من غير زواج.

حين بلغ ابن تيريزا السادسة عشرة، فوجئت بعناية زائفة من أمها وجارتهم، ليقنعوها بالزواج من أرمل يعيش في الأردن، أكدتا لها أن هذا الزواج هو الوحيد القادر على إعادة الاعتبار ونفض الغبار عن كرامة تيريزا المعفّرة في وحل الإثم منذ سنوات، فالرجل سيسجل ابن الحرام على اسمه، رفضت تيريزا بقوة وقالت بأنها لاتطيق الرجال ولا تستطيع أن تقرِّب رجلاً. لكن الأم والجارة أقنعتاها بأن زواجها سيحّول ابنها من ابن حرام إلى ابن شرعي وبأنها يجب أن تضحي في سبيل ابنها.

قبلت تيريزا الزواج من الكهل، سافرت معه إلى عالمه الغريب، منتظرة اللحظة التي سيسجل فيها ابنها على اسمه، لكنه أخذ يتملص، بدا لها واضحاً منذ البداية أنه يريدها خادمة، بل عاهرة، كان يجبرها على لبس ثياب داخلية خليعة، ويطلب إليها أن تقوم بحركات معينة، ويضربها كي تشاهد كل يوم العديد من الأفلام الجنسية الخليعة لتتعلم فن ممارسة الجنس، لم تستطع تيريزا الاحتمال، هربت منه بعد أن قال لها بأنه يستحيل أن يسجّل ابن الزانية على اسمه، وبعد أن صرخ في إحدى فورات غضبه: ياقحبة كنتُ أظنك تعرفين فنون إرضاء الرجال، فإذا أنت تيريزا البلهاء حقاً.

عادت تيريزا إلى غرفتها الضيقة تنشر أحزانها على الجدران، واستأنفت حلمها الشاق الوحيد بأن يدخل ابنها كلية الهندسة. وأخيراً ابتسمت، هي التي نسيت الابتسام، حين حصل ابنها على لقب مهندس، وخطب زميلة له في الجامعة، وترك أمه تعيش وحيدة مع ذاكرة شوّهتها الآلام.

تحوّلت تيريزا إلى إنسانة شبه خرساء، كانت تقضي أياماً لاتنفتح شفتاها عن كلمة، الجملة الأخيرة التي تفوّهت بها قبل وفاتها بيومين لجارتها: أحس أن حياتي سراب.

القلة الذين شاهدوا جثة تيريزا تحت شجرة السنديان الهرمة، انتابهم إحساس واحد بأنها كانت تحلم، ثمة ابتسامة ترفرف على وجهها، وسرب أحلام يطوف حول عينيها ترى بماذا كانت تحلم تيريزا البلهاء قبل أن تسلم الروح؟‍!

 

 

 

المتاهة

 

كره أحدهما الآخر حتى أصابت كليهما أمراض جسدية، فقد استعمرت الشقيقة رأسها ولم تتركها منذ كرهته، كانت تبقى ثلاثة أيام طريحة الفراش، لاتقدر أن ترى نوراً أو تسمع ضجة، غثيان مستمر وإقياءات وصداع فظيع لايهدأ بأقوى المسكنات. هو السبب هذا ماتؤمن به. ولم يستطع الأطباء الجزم أو النفي بشأن السبب الحقيقي لصداعها العنيد، لكنها كانت تصر وتؤكد لهم أنها لم تتناول حبة مسكنة واحدة قبل أن تتعرف إليه.

أما هو فقد أصابته نوبٌ حادة من خناق الصدر مذ عرفها، وكثيراً ماكان يستيقظ في الليل وهو يختنق ويسارع أطباء القلب لنجدته، ولطالما سألوه عن السوابق العائلية لأمراض القلب في أسرته، وعن عاداته من تدخين وسهر وشرب، طبيعة طعامه، كان يجيب فاقد الصبر ويقول لهم: صدقوني هي السبب، فقد كنتُ شاباً رياضياً، وحققتُ بطولات في كرة القدم حتى تعرّفت إليها. وتزوجنا، تلك المرأة النحس، التي اختنق قلبي في سمومها وحقدها. ورغم انفصالهما فإن أحقادهما ظلت تغلي، وظل كل منهما يشعر أنه مغبون، ولم يثأر لكرامته المطعونة، ولم يُعْد اعتباره أمام نفسه على الأقل، ولأن المثقفين يرفضون -بدافع الغرور ربما- اتباع الأساليب الرخيصة في الانتقام كالضرب والثرثرة وتشويه السمعة، فقد قصدا الطرق العلمية الحديثة لتحررهما من أحقادهما، لكن الطب النفسي وقف عاجزاً عن تفتيت صخور الحقد المتينة في أعماقهما.

وأخيراً توصلا بعد بحث مضنٍ -كل بدوره- ودون أن يدري أحدهما بتحركات شريكه في الكره، توصلا إلى طبيب صيني كان يجري أبحاثاً على أدمغة القرود. وعلى مركز الذاكرة بالذات، وقد تمكن من اختراع دواء يؤثر في مركز الذاكرة ويجعل القرد ينسى حوادث معينة إلى الأبد. وماأن سمعا بهذا الاختراع المذهل حتى اقتحما -كل بدوره- صومعة الطبيب الصيني ورجواه أن يقتل -بدوائه الرائع- من ذاكرتيهما ذلك الجزء الذي يحتله الآخر، كانت هي السبّاقة، ورجت المخترع أن يقتل تلك الخلايا في دماغها التي تسجّل ذاكرتها معه، وأن يمحو صورته وصوته وحركاته، وحاول الطبيب أن يُفهمها أنه لم يتأكد بعد من نتائج دوائه، وأن آثاراً جانبية خطيرة قد تنجم عن استعماله، وأنه يجرّب على قرود وليس على بشر، وأن أي دواء يجب أن يخضع لتجارب سنوات طويلة قبل أن يطبّق على الإنسان، لكنها بكت بحرقة وأسهبت في شرح مأساتها، وأكدت للطبيب أن مصيرها الانتحار فيما لو لم تتحرر منه، وذعر المخترع من منظرها ونصحها باستشارة أطباء نفسانيين. ضحكت وهي تجيب: لقد استشرت أشهر الأطباء النفسيين وعجزوا عن إطفاء أحقادي على هذا الشيطان المُتنكر بهيئة رجل، لقد دمرّني صدقني، إنه سبب استقالتي من عملي، فقد بلغتُ بسببه حداً من الإرهاق جعلني عاجزة عن التركيز في أبسط الأمور.

طلب إليها الطبيب مهلة يومين ليفكر، وليحضر دواءه للاستعمال الإنساني قال إنه سيجري بعض التعديلات على الدواء كي لايسمم جسمها، وحين احتجت قائلة: ولِمَ الانتظار يومين؟

أجابها الطبيب فاقد الصبر: لأنك إنسانة ولست قردة.

وفي مساء اليوم ذاته الذي غادرت فيه المعذّبة صومعة الطبيب، اقتحم عزلته شاب منهك يكاد يختنق من الزلة التنفسية، وزرقة شديدة تصبغ شفتيه وأظافره، قال له: انقذني أرجوك. سمعتُ أنك تقتل أجزاء من الذاكرة، حررني من تلك الساحرة المجرمة، وحين همّ الطبيب أن يطلب الإسعاف، أسرع الشاب يقول له: لاتطلب الإسعاف، لقد عجز الأطباء عن مداواتي فمرضي سببه تلك المجرمة. وتجمّد الطبيب يتأمله برعب وهو يشهق طالباً الهواء، والهواء لايبلغ قصباته المتشنجة بالحقد، وأعطاه إبرة مهدئة وأسرع يبحث في صومعته عن أسطوانة أكسجين. لكن الاسطوانة كانت فارغة للأسف، وبعد ساعة ارتاح الرجل، وقد أخذ يشرح للطبيب مأساة مرضه الذي عجز الطب العادي والنفسي عن شفائه منه، وفجأة انتفض الطبيب وسأل الشاب: هي -المجرمة- هل تشكو من مرض ما؟

ردّ الشاب: المجرمة تدّعي أني سببتُ لها الشقيقة.

وخفق قلب الطبيب وارتجف فزعاً وقال: وماسبب أحقادكما، انفصلا وابدأا حياة جديدة.

ردّ الشاب: نحن منفصلان منذ سنوات، لكن الحقد ينهشنا دون رحمة، لقد دمرّتني وشوّهت صورتي أمام الناس، كانت السبب في طردي من نادي كرة القدم، وتململ الشاب فاقداً الصبر، ولماذا نخوض في الأسباب، وماذا يفيد أن أحكي لك كل خلافاتنا.

ستعاودني النوبة صدقني. مايهمني الآن -وانهمرت دموعه- أن أقتلها، أقصد أن أنساها، أرجوك أن تقتل خلايا ذاكرتي التي تخصّها، أرجوك.

 

منظر رجل يبكي بحرقة يؤثر بشدة، وعده الطبيب أن يعمل جهده وأن يراجعه بعد ثلاثة أيام.

حارَ الطبيب الصيني كيف يتصرف، لكن حب المغامرة ومغريات تطبيق اكتشافه جعله يجد مئات الحجج ليبرر لنفسه تطبيق الاختراع الجديد على ضحايا حقد لايشفى إلا بقتل خلايا معينة في الذاكرة، فليجّرب، ووجد نفسه يضحك حتى دمعت عيناه وهو يتساءل: ماذا لو التقيا عندي.

بعد يومين حضرت الشابة مبكرة ساعتين عن موعدها، كانت ضحية نوبة شقيقة قاسية، قالت للطبيب: آه، أتمنى لو تنفك دروز جمجمتي ويطير دماغي من خلالها. وارتمت على سرير الاختبار منهكة وقد أغمضت عينيها هرباً من النور رغم أن الضوء كان خافتاً.

ومن منظرها اليائس عرف الطبيب أن كل محاولاته ستبوء بالفشل في إقناعها بالعدول عن تجريب الدواء قال لها: حسناً سأسألك بعض الأسئلة، فأجيبيني عنها قدر الإمكان وبلا انفعال.

قالت: أرجوك، أعطني الدواء، وأرحني من عذابات لاتطاق.

رد مؤكداً: اطمئني سأعطيك الدواء، لكني أحتاج بعض المعلومات البسيطة.

سألها: منذ متى تعرّفت إليه؟

ردت وهي مغمضة العينين: منذ سبع سنوات، كنتُ أحضر مباراة كرة قدم، مع صديقة لي، ذهبت معها مجاملة فأنا لا أطيق الرياضة، ومن بين آلاف المتفرجين التقت عيوننا، التقط نظرتي، والتقطت نظرته، وتوّهمنا أنه الحب.

سألها الطبيب: هل كان لاعباً؟

-أجل، كان لاعباً مشهوراً.

سأل الطبيب بصوتٍ رخيم: ألم يكن حباً إذاً؟

ردت بعصبية والشقيقة تجلدها كل لحظة: لا، كان كُرهاً.

-وما الذي جذبك نحوه؟

ضحكت بسخرية: عيناه السوداوان اللامعتان، لقد احتواني بنظرته، وأشعرني أنه لايرى سواي من بين آلاف المتفرجين، لم أكن أعلم أن عينيه هما عينا الشيطان وأن ذلك اللمعان فيهما هو لمعان الشر.

-حسناً إهدئي، لاتنفعلي أرجوك.

-أرجوك يادكتور، الغثيان يشتد، أكاد أتمزق من الألم.

 

-حسناً، حسناً، أدخلي رأسك الآن في هذا الجهاز. تأملتْ جهازاً ضخماً بحجم تلفزيون كبير فيه فجوة تتسع لرأس كبير، تساءلت بدهشة: ماهذا؟

شرحَ لها الطبيب أن هذا الجهاز يبين له أجزاء الدماغ بالتفصيل ومكبّرة مئات المرات وأنه تمكن من التوصل إلى مناطق الذاكرة وتحديد خلاياها، وقتل بعضها، وبذلك يمحو ذكريات معينة إلى الأبد.

أدخلت رأسها في الجهاز، ورغم أن ذعراً كان يضاف لصداعها، وبعد أقل من ربع ساعة طلب إليها الطبيب أن تُخرج رأسها من الجهاز، فأخرجته، ولم تتمالك نفسها أن صرخت من الفرح:

-دكتور لقد اختفى الصداع!

سألها الطبيب بقلق: ولاعب كرة القدم، هل يزعجك، هل..

تحوّل وجهها إلى علامة تعجب وهي تقاطعه قائلة: عمن تتحدث يادكتور؟

ضحك الطبيب وهو يحس بنشوة اختراعه وقال لها: حسناً، لقد شُفيت من الشقيقة ومن أحقادك، لاتنسي أن تزوريني كل شهر مرة لأطمئن على صحتك، ولأراقب آثار الدواء عليك. ولا داعٍ لأذكرّك بأن تحتفظي بسرية الموضوع.

ردت بسرور: بالتأكيد يا أعظم مخترع في الدنيا.

محته نهائياً من ذاكرتها، وعادت تمارس حياتها منطلقة ناجحة، اختفى الصداع، وانهزمت الشقيقة.

وفي اليوم التالي جاء دور الشاب، تمدد على سرير الاختبار ذاته، كان مزرقاً يطلب الهواء. وصرخ مستنجداً: أرجوك يادكتور أسرع، ماذا تنتظر!

ردَّ الطبيب بهدوء: حسناً لاتتسرع، ستشفى، عليك أن تجيب بدقة عن بعض أسئلتي.

قال وهو يجاهد في استنشاق الهواء: وماهي؟

-منذ متى تعرّفت بها، وكيف؟

ردّ: منذ سبع سنوات، كنتُ أشهر لاعب كرة قدم، ولأن القدر الغادر شاء أن ألتفت لأراها، تصوّر، أحسستُ أنني أرى ملاكاً، كانت بيضاء رقيقة، عيناها خضراوان ساحرتان، شعرها أشقر ناعم طويل، هكذا كنتُ أتخيّل الملائكة، لم أكن أعرف أن الشيطان يتنكر بهيئة امرأة جميلة، ولكن ارجع لكل الأديان يا دكتور، ترى كيف كان الشيطان يتخذ شكل امرأة فاتنة، لقد دمّرتني، كانت السبب في طردي من الفريق، وفي إدماني الكحول... أرجوك يادكتور أشفني. أحس أني أختنق.

طلب إليه الطبيب أن يدخل رأسه في الجهاز وشرح له آلية التأثير كما شرح البارحة لشريكته في الحقد، وبعد أقل من ربع ساعة أخرج الشاب رأسه من الجهاز، كانت شفتاه ورديتين، وصدره يتنفس بانتظام وهدوء، وكانت كل علامات السعادة واضحة على محياه.

سأله الطبيب: كيف تشعر؟

ردَّ: لقد شفيت من خناق الصدر، أحس أنني ممتاز

سأل الطبيب بقلق: وتلك المرأة الأشبه بالملاك، صاحبة العينين الخضراوين والشعر الأشقر. حملق الشاب إلى الطبيب وسأل دهشاً: أية امرأة يادكتور؟

أطرق الطبيب مدارياً ابتسامة النصر، ودّع الشاب، وهو يذكره بضرورة زيارته كل شهر، ويذكره بأهمية الاحتفاظ بسرية الاختراع.

تتابعت الأشهر بسلاسة وصفاء، كسماء صافية لاتشوبها غيمة، انساب الزمن منبسطاً سهلاً، ربيع أبدي عاشه كل منهما، قتلته وقتلها بطريقة حضارية، وتحررا من سرطان الحقد.

بعد سنوات عاد نجمه يتألق كأشهر لاعب كرة قدم. ورجعت هي إلى عملها نائبة للمدير العام في أضخم شركة لتصنيع أغذية الأطفال.

وذات يوم دعاها المدير لحضور المباراة الأولى التي سيشترك بها ابنه البكر، خجلت من أن تقول له إنها لاتطيق الرياضة، كان عليها أن تُجامل المدير.

وجلست في الصفوف الأمامية إلى جانب المدير وزوجته، ومن بين آلاف الحضور، التقت عينان خضراوان كعيني ملاك، بعينين سوداوين تشعان بريقاً آسراً وانطلقت شرارة تحوَّلت إلى ابتسامة وشبه وعد!!

-------------------------------------------------------------------------------

أضيفت في 30/03/2005/ خاص القصة السورية من مجموعتها يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب

 

 

 

 

جـــانحــة

 

حولتها الشرطة الجنائية إلى قسم مكافحة الفتيات الجانحات، لافتة كبيرة مكتوبة بالأحمر تعطي الإحساس بالفضيحة.

قدروا أن عمرها خمسة عشر عاماً، فهي لا تحمل هوية، كُتب في أوراقها وهي تدخل بناء مكافحة الفتيات الجانحات: مشرّدة، ضُبطت بجرم السرقة من بقالية، سلّمها صاحب الدكان إلى الشرطة، لم تنكر حادثة السرقة، ردّت على المحقق بجملة دامعة: لا أستطيع تحمل الجوع، أريد أن آكل.

وحده الجوع كان حيوياً في وجودها، هو ملهمها للنبش في القمامة، والتسول والسرقة ولمساومات مختلفة كانت تجهل كنهها حتى وقت قريب.

اسمها عذاب حمدو، اسم على مسمى كما قال الشرطي ضاحكاً وهو يسلمها للمسؤولة في قسم رعاية الجانحات، من باب الفضول كنت أزور هذا القسم، وحدها اللافتة الكبيرة الصارخة بالأحمر، شدّتني، المشرفة كانت شرطية فُرزت للاهتمام بالجانحات، قالت لي إنها تسلّمت عملها منذ شهرين، وإنها تسعى للانتقال إلى مكان آخر، لأنها تحس بكآبة خانقة. أطلت عذاب حمدو من الباب وقالت للمشرفة: ضرسي يؤلمني...

صرخت المشرفة: كفى، ما عدت احتملك، كل يوم يؤلمك شيء، مرة بطنك، ومرة رأسك أجرجرك من طبيب إلى طبيب...

جمدني تعبير وجه الشابة، في وجهها شيء صارخ غير عادي، لكأن الحياة نقشت على وجهها النضر حقداً دفيناً، أخذ يلوح من مسامها ليغمر المكان، في عينيها نظرة قلق ويأس، ولمعان زائغ يوحي بالجنون. واضح أنها ترزح تحت وطأة ضغط وكبت شديدين، رغم أنها نطقت بجملة واحدة: ضرسي يؤلمني، فإن الحزن العميق كان يتستر خلف كلماتها. تفرست في الوجه النضر الذي ترسم خطوطه همّ صاحبته القاسي، لا أعرف لماذا رغبت بالاختلاء بتلك الصبية، أحسستُ أنني معنية بأمرها، كلنا معنيون، طلبت من المشرفة أن تسمح لي بالاختلاء معها، قالت وهي تتنهد: يا ليت على الأقل أرتاح قليلاً من شكاويها المستمرة.

قدّرتُ أنها جائعة، ترددت! هل أطلب طعاماً أم أعطيها نقوداً، رجحت الفكرة الثانية، وجدتني أنقدها بلا تردد خمسمئة ليرة، خطفتها للحال، وركعت لتقبل قدمي، انتفضتُ واقفة وأنا أمسكها بحنان من كتفيها وأقول لها إياك أن تركعي لأحد يا عذاب، تعالي اجلسي إلى جانبي أريد أن أحدثك.

دست ورقة النقود في جيب بنطالها الأسود الخلفية. واضح أن البنطال لم يُشترَ لها لأنها اضطرت أن تحزم خصرها بحزام عريض أبيض مشقق كي تحكم لصقه بجسمها، كانت تلبس سترة حمراء ضيقة تكشف عن عنق أبيض فتي، لم أمنع نفسي من إطراء جمالها، وجهها المستدير النضر، وبياضها الوردي عيناها القلقتان الواسعتان، وفمها الممتلئ الذي يفتر عن ابتسامة قادرة على رسمها في قسم مكافحة الفتيات الجانحات.

أخذت تفقد تحفظها أمامي، شيئاً فشيئاً، بزفرات طويلة متلاحقة تعبر عن ضيقها.

سألتها: منذ متى أنت هنا يا عذاب؟

قالت بآلية: منذ خمسة شهور.