|

بطاقة تعريف
الكاتب:
إسكندر نعمة

ولد في دمشق 1936.
يحمل إجازة في اللغة العربية- جامعة دمشق 1964.
عمل في التدريس.
عضو جمعية القصة والرواية.
مؤلفاته:
1-عطاء السنابل- قصص قصيرة للناشئة- وزارة الثقافة 1978.
2-لن يموت الحب- قصص قصيرة للناشئة- وزارة الثقافة 1981.
3-انتظار للفرح القادم- قصص قصيرة- دار الشيخ 1985.
4-أجمل ما في الحياة- قصص قصيرة للناشئة- دار الأهالي 1989.
5-عيون تعشق المطر- قصص قصيرة- اتحاد الكتاب العرب 1991.
6- متى يزهر الياسمين - قصص قصيرة - دار الأهالي للدراسات والنشر - دمشق 1997
7- رحلة إلى مرافئ النجوم- قصص قصيرة- اتحاد الكتاب العرب- دمشق - 1997
حصل على عدة جوائز أدبية:
1- الجائزة الأولى لمسابقة قصة الأطفال - بيروت - النادي العربي 1976.
2- الجائزة الثالثة لمسابقة القصة القصيرة - الطائف - منتدى الطائف الأدبي -
1990
3- الجائزة الأولى لمسابقة القصة القصيرة - دمشق- اتحاد الكتاب العرب - 1993.
4- الجائزة الثالثة لمسابقة القصة القصيرة - دمشق- اتحاد الكتاب العرب - فرع
دمشق 1994.
5- الجائزة التقديرية لمسابقة القصة القصيرة - دمشق - المستشارية الثقافية
الايرانية- 1996.
كتب عن أعماله دراسات نقدية عدة.
 


نماذج من أعماله

حدّثني
جدّي
طرقتُ الباب بأدب جمّ... هكذا كان والدي قد علمني، متشدّداً عليَّ
بآداب السلوك، وبشكل خاص عندما أدخل إلى غرفة جدي... تنحنح جدّي من الداخل،
فهمتُ منه أنّ ذلك إذنٌ لي بولوج الغرفة، دخلتُ مبتسماً كعادتي، أغلقتُ الباب،
ورحتُ أمسح المكان بعينين ترغبان في شيء ما.
كان جدي متلفعاً بعباءَته الصوفية الخشنة، يجلس متكوراً على ذاته في
الزاوية المعهودة قرب الموقد... في جوف الموقد عدّة حطبات مشتعلة ترسلُ لهباً
أحمرَ، وسحابةً من دخان أزرق تنتشر في فضاء الغرفة. وبضعُ جمرات كبيرة متوهّجة
تتراكم في صدر قاعه.
عرف جدّي ما أريد، أشار إليَّ بيديه. كنت أريدأن أقبع في حضنه،
أتلذّذ بدفء النار والعباءة الصوفية. فتح لي ذراعيه وشعّت في عينيه ابتسامة
طيبة رائعة. ضمني إلى صدره، وشدَّ عليَّ بذراعيه وطرفي عباءَته الدافئة، وراح
وجهي يغوص في كثافة شعر صدره و لحيته الكثّة البيضاء، متلذّذاً بحنانه الغامر
ورائحة الدخان المنتشرة من ثيابه... بعد فترة قليلة من المداعبة التي كنتُ
أتمنّى لها ألاّ تنتهي، رفع جدي عنّي طرفي عباءَته، ودفع وجهي إلى الأعلى بباطن
راحته، وقال بصوته الجهوري الخشن:
-..إيه ياولد قل لي ماذا تعلّمتَ من دروس البارحة؟؟
أيقنت أن فترة الدفء والمداعبة قد انتهت، وأن جدّي قد باشر مرحلة
الحصار... انفلتُّ بهدوءٍ من حضنه. جلستُ قبالته في الزاوية الأخرى، نظرتُ
إليه، فإذا به يبتسمُ بعمق، حنيتُ رأسي. قلت له:
-.... البارحة... في درس التاريخ حدثنا الأستاذ عن فترة من الزمن
أسماها "السفر برلك"...هكذا أسماها، لم يكن هذا الاسم موجوداً في الكتاب... قال
لنا أشياء كثيرة عن " السفر برلك"... الجوع-السرقة- الاعتداء- الحروب- التشرد-
الموت...
سكتُّ فجأة لأنني شعرتُ أنَّ جدي بدأ يتململ في زاويته ويُصلح من
جلسته. نظرتُ إلى وجهه، فإذا عيناه تلتمعان ببريق وهّاج، وقد أخذ يداعب لحيته
بأطراف أصابعه، سألني باهتمام:
-... وماذا أيضاً؟؟
قلتُ:
-لا... أذكرُ أكثر من ذلك...
هزّني جدي بهدوء من كتفي... قال:
-... وماذا يعرف أستاذُك عن السفر برلك!!... إنه لا يعرف إلاّ
القليل.
سألتهُ:
-...وهل هنالك أكثر؟؟
تلمّظ جدي. حكّ أطراف لحيته البيضاء الأنيقة. قال:
-... هناك أشياء كثيرة.
قلتُ باندفاع طفولي:
- حدّثني عنها.
ابتسم جدي. احتواني بنظراته. قال:
-... اسمع يابنيَّ هذه القصة. فهي تلخّص كل السفر برلك. لم يخبرني
عنها أحد، بل عرفتها وعايشتها.
نظرتُ إلى جدي بعينين متلهفتين. ردَّ على كتفيه طرفي عباءَته...
غاضت ابتسامته الطيبة...قال:
-.....في مدينتنا هذه، وفي غمرة أيام السفر برلك. كان يعيش بيننا
لصٌّ مشهور جداً اسمه "سليمان الازميرلي". كان قوياً، بطّاشاً، يزرع الخوف
والهلع في قلوب كل أبناء مدينتنا. إلا أن "سليمان الأزميرلي" هذا، لم يكن يسرق
البيوت ولا المحالَّ التجاريَّة، ولا يتعرض للأفراد في طريقهم، بل كان يسلب
الجنازات... كان الموت منتشراً بكثرة في تلك الأيام، وكلما مرّت جنازة في
طريقها من المسجد إلى المقبرة، كان يعترضها "سليمان الازميرلي".. يقف أمام
النعش والمشيّعين، يصرخ بأعلى صوته، فيضع الرجالُ النعش على الأرض، ولا يسمحُ
لهم بمتابعة طريقهم إلى المقبرة قبل أن يتقاضى منهم مبلغاً محدّداً يفرضه عليهم
يتناسب مع مقام المتوفّى وأهله وذويه....وهكذا..
قاطعت جدي متوثّباً:
-... ألم تشكوه للحاكم آنذاك؟؟
ضحك جدي بعمق كبير حتى أذهلني، لاحَ برأسه، ثم تابع:
-.....وجاءَ يوم توفّي فيه "أمين الخزانة" في مدينتنا، وكان شيخاً
جليلاً وقوراً، وكانت خزانته مترعة بالسبائك والأموال الطائلة... يومها، ذهب
بعض الوجهاء إلى دار الولاية، وقابلوا الوالي فيها، وقالوا له:
-..... ياسيدنا الوالي، لقد مات الشيخ أمين خزائننا. فمن تعيّن لنا
بديلاً عنه؟؟
أجاب الوالي بلا تردّد:
-..... لقد أصبح "سليمان الأزميرلي" أميناً للخزنة.
صُعق بعضهم، وابتسم آخرون، وانتهت المقابلة.
غادر الوفد دار الولاية، وأتّوا بيت "سليمان الأزميرلي" وأبلغوه
قرار الوالي... قالوا له:
-..... لقد أصبحت أحد شيوخنا الكبار، وأمين خزائننا، قمْ معنا نصلِّ
العشاء، وتهيّأ لاستلام مهمّتك منذ صباح الغد.
أطرق "سليمان الأزميرلي" برأسه، فكر قليلاً، قال لهم:
-.. لا.. ليس الآن. لن أستلم عملي في الصباح. سأرجئ ذلك لبعد غدٍ...
انصرف الجميع من بيته، وقد ساورهم اعتقاد أنه يريد غداً سلبَ
الجنازة، وبعد غد يستلم أمانة الخزانة.
تلمّظ جدي من جديد. داعب بعض جمرات ماتزال تشعُّ في كبد الموقد
الطينيّ. اتسعت ابتسامته في وجهي، وتابع:
-... في اليوم التالي، سار المشيّعون في جنازة الشيخ أمين الخزانة
المتوفّى.
في منتصف الطريق بين المسجد والمقبرة، برز لهم "سليمان الأزميرلي"
صرخ بهم، أذعن الجميع، وبدأت أيديهم تلوب في جيوبهم بحثاً عن المال لدفعه إليه.
لكنّه رفع يده وقال:
-... أولاً... اكشفوا الغطاء عن الميت.
ففعلوا... قرّب فمه من أذن الميت المسجى في نعشه، وقال له كلمات
قليلة، لم يسمعها ولم يفهمها أحد... وأمرهم أن يغطّوه ويحملوه ثانية ويتابعوا
طريقهم.
كان الشوق لمعرفة النهاية يأكلني من الداخل، فصرخت بعبث طفولي:
-... ألم يأخذ منهم مالاً؟؟
ضحك جدي.. هزَّ رأسه، وأجاب:
-..لا.. لم يأخذ شيئاً، لقد سألوه: ألا تريد مالاً ياشيخنا...قال:لا..
لا أريد مالاً أبداً.. تبادلوا فيما بينهم نظرات حائرة..
قالوا له:
-.. لن نتابع سيرنا حتى تخبرنا ماذا قلت للشيخ الراحل.. أجابهم:
-.. قلت له.. يا أخي.. إنك راحلٌ من هذه الدار الفانية إلى الدار
الباقية، إلى دار الخلود... هناك ستلتقي الأبرار والصدّيقين.
قل لهم.."في تلك الدار الفانية أصبح "سليمان الأزميرلي" أميناً
لخزانة الأموال...
سكت جدي وأطرق برأسه، وقد تلاشت كل ملامح الابتسامة والرضا من
وجهه... ودون رغبة مني وجدتني أقف سريعاً وأقترب منه وأنا أحدّق فيه، سألته:
- ...وماذا بعد؟؟!!
ضحك جدي ضحكة شاحبة... وقال:
-.. ألا يكفي يابنيّ؟!!
قلتُ له:
-.. سأحكي هذه القصة لأستاذنا فهو لا يعرفها.
صمت جدي قليلاً، احتواني بنظرات حنونة، وامتدت ذراعاه نحوي، وضمّني
من جديد إلى صدره الدافئ... وراحت أصابع كفّي تعبث بسرور وتتجوّل في ثنايا شعر
صدره ولحيته الكثّة...
   
الألوان
الرّماديّة
انقضت سنتان قاسيتان، وأنا أرتادُ ديوان الوزارة في كل أسبوع مرّة،
سائلاً بإلحاح حيناً، وبهدوء مصنوع أحياناً كثيرة، عن مصير طلب التعيين... منذ
أكثر من سنتين، أعلنت الوزارة في لوحة إعلاناتها الخاصة، وفي الصّحف والإذاعة
والتلفزيون، عن رغبتها الماسّة في تعيين موظفين متخصّصين من حملة الإجازة
الجامعية في الحقوق... كنتُ أقرأ في فصل من رواية مترجمة للكاتب الكبير أرنست
همنغواي، عندما طرقت مسامعي كلمات المذيع عبر الشاشة وهو يعلن عن حاجة الوزارة
إلى موظفين متخصّصين... ليلتها لم يعرف النوم إلى عينيَّ سبيلاً. طويتُ الكتاب
بأناقة، وغطستُ في بحر من التفكير...
منذ أكثر من سنة تخرّجتُ في الجامعة، أحمل في يدي شهادة الإجازة في
الحقوق، وفي قلبي حبّاً عميقاً متبادلاً مع مها زميلة الدراسة. كانت الفرحة
وقتئذٍ عميقة، ومرآة المستقبل تعكس لي آمالاً عريضة جداً، وطيف مها الجميلة
يرافقني أنّى حللت... ظلّت هذه الآمال تضيق مساحتُها حتى بدأت أبخرة الإحباط
تلسع أعصابي...
ليلتها، لم أنم... بقيت ساهراً مع أحلام ورديّة، وابتسامات مها
العذبة، تنقلني الأحلام عبر أروقة مضيئة، أتقلّب في فراشي وأنا أرسم خطّة
الغد...
أوراقي جاهزة. منذ شهور طويلة أعددتُ كل شيء. في الصباح تناولتُ
أوراقي ورحتُ أقصد مبنى الوزارة في ذلك الحي البعيد. قدّمتُ أوراقي للموظف
المسؤول، أخذتُ إشعاراً بذلك وخرجتُ من المبنى الضّخم. عندما لفظني الباب
الرئيسي للوزارة، تنفّستُ الصعداء بمزيج من الفرحة والأمل والحذر، ورحتُ أغذُّ
السيرَ نحو منزل مها أنقلُ لها فرحتي وآمالي العريضة.
سنتان طويلتان جداً، خلتهما دهراً عاصفاً وأنا أترددّ إلى ديوان
الوزارة أقابل الموظف المسؤول ذاته بكرشه الضخم وشاربيه المتهدلين. غدت إجابته
منقوشة على صفحة عقلي وأعصابي. في كل لحظة كانت إجابته تقرع مسامعي حتى اتّهمتُ
أذني بالصّمم..."لم يأتِ دورُك بعد، عندما يأتي دورك نعلنُ عن ذلك...". كان
يكرّر هذه العبارة بأسلوب مزيج من الجدّ والإشفاق والسخرية. وأنا أظلّ أمامه
ساهماً، أنظر إلى تكشيرته الفظّة التي تكشف عن لثتين تساقطت بعض أسنانهما
فأحدثت كهوفاً تدعو للتقزّز...
لمدة سنتين وأنا أنزع أوراق "الروزنامة" واحدة بعد الأخرى والإجابة
ذاتها تتكرّر "لم يأتِ دورك بعد" حتى كدت أقتنع بها،لولا معرفتي بأن زملاء
آخرين كثراً قد لُبّيت طلباتهم، وأصبحوا في عداد من يلجُ باب... الوزارة الشامخ
كل صباح.
بعد مرور زمن لا أدري مداه، أصبحتُ لا أقتنع بإجابة رئيس الديوان ذي
العينين الصغيرتين، والعنق الغليظ المتهدّل، هذا الموظف الذي يمارس أبشع أشكال
التعالي وهو يجلس خلف مكتبه. يعرف أكثر من غيره إلى أين أُبعِدَت معاملتي
المهملة، بل في أيّ كيس قماشيّ تختبئ. كان الانفعال يأكل أعصابي، وأنا أتصورّها
متروكة للغبار والقوارض. ولكن انفعالي هذا سرعان ما يتراجع عندما أرى عدداً من
المراجعين من أمثالي، فألوذ بالصبر وضبط الأعصاب، إذ أتذكّر أنني لستُ المواطنَ
الوحيدَ المهمل في مدينتنا الكبيرة. ومع ذلك لم يتسرّب اليأس إلى قلبي لأنّ مها
كانت في كل لقاء تغمرني بحبّها وتنعش في نفسي آمالاً كادت تذبل، وتأخذ بيدي
على طريق التماسك والكبرياء... ظللتُ أراجع الموظّف المنفوش خلف مكتبه كديك
روميّ. لاعناً في سرّي نكدي وتعاسة حظّي اللذين ربطا مصيري. بهمهمات مثل هذا
الموظف الخبيث...
مراجعتي الأخيرة له، كانت أشدَّ إيلاماً من سابقاتها. لقد أسقطتني
في مستنقع الخيبة وفقدان الأمل... لستُ أدري كيف وجدتُ نفسي وحيداً في غرفة
الديوان، لم يستوقفني البوّاب، ولم يكن رئيس الديوان مترهل الجسد وراء مكتبه.
تجوّلت بناظريَّ في أرجاء الغرفة الواسعة. كان مكتبه ينوء بالعديد من الأقلام
والمصنّفات والأوراق المبعثرة، وأسلاك الهواتف المتداخلة. وجدران الغرفة
الأربعة تستند إليها قامات شامخة من الخزائن المفتوحة... هالني المنظر واستلَّ
منّي كل قناعاتي وآمالي. كانت الخزنُ إياها تغصّ بالمعاملات المهملة المكدّسة
المتروكة لعبث الفئران والتآكل وتراكم الغبار... مزّقني المشهد ودفع بي إلى
التعجّل بالهروب قبل أن يأتي الموظف ذو الشّفتين الرقيقتين المطبقتين والأسنان
المخلّعة، وينعق في وجهي: "لم يأتِ دورك بعد".
خرجتُ أضرب في تيه الأزقّة والشوارع، ألعنُ في سرّي مالا أجرؤ على
الجهر به علانية... هتف بي صوت من الأعماق: "كيف لمنحوس مثلِكَ، لا ظهرَ له
ولا...... أن يُنظر في معاملته".
عدتُ إلى البيتِ متأخراً، كان أوّلُ ما استقبلني مرآةٌ صغيرة معلقة
في منعطف المدخل.وقفتُ أمامها طويلاً. داعبتْ أناملي شحوباً في الوجه وذبولاً
في العينين وجفافاً في الشّفتين. تحسّرتُ على شيءٍ من وسامةٍ كنتُ أعتزُّ بها،
وأملاً كان يترقرق في العينين، وقد لاحت لي بعضُ خصلات شعرٍ مشعّثةٍ بدأ البياض
يأكلها بصمت، وقتئذٍ تمنيّتُ صادقاً أن أداري مظهري عن مها فلا تراني.
دون أن أخلع حذائي وبعض ثيابي قذفتُ بجسدي إلى السرير، أنّت
مفاصلهُ، وصرّت تحت ضغط الجسد المتوتر... داهمتني فكرة الرحيل. هاجمتني
بعنف:"عليك أن تترك هذه الدنيا إلى دنيا أخرى... بلاد الله واسعة. ولكن..
الوطن... الوطن!!...وطن الإنسان حيث يجدُ نفسه... ومها؟!!... مها الجميلة،
هل... لا...لا... ولكن إلى أين سأرحل؟ إلى أيّ مكان... أيّ مكان... يقيناً، لن
تجد في أيّ مكان من يقول لك: لم يأتِ دورك بعد... لن تتعرّض لمثل هذا الإهمال.
لن تكون أنت في جانب، والموظف المترهّل والفئران والغبار، في جانب آخر.
رئيس الديوان ذو الوجه الرّمادي. المواقف الرمادية، وتلك المساحات
الرمادية التي لا حدود لها، والأرض الرمادية، والإنسان الرمادي، وأمور رماديّة
كثيرة، كنتُ أظنّها بيضاء مشرقة، تدفعني بشراسة نحو الرحيل... آهِ كم أمقت
الألوان الرمادية... ولكن. هل أستطيع الرحيل؟؟ هل الحصول على جواز سفر أمرٌ
ممكن لا تقف دونه معوّقات رمادية وشروط رمادية كثيرة؟؟؟!!!...
طحنتني تلك التداعيات. حاولتُ أن أستسلم لهدوء نسبيّ علّني أتخلّص
من آلامي الممزقّة. أغمضتُ عيني، ومن خلال غبش العينين لاح لي خيالُ مها...
سحبتُ أنفاساً متتالية عميقة ومددْتُ ذراعيّ، شعرتُ بشيء من الارتخاء يدغدغ
أعصابي، وسيطرتُ عليَّ حالةٌ بين النوم واليقظة. تذكّرتُ فجأةً... قفزَتْ إلى
ذاكرتي كلماتُ صديقي حازم، ذاك الذي كان يتعاطف مع نكدي وتعاستي. قال لي يوماً:
عليكَ أن تلجأ إلى إنسان كبير مسؤول، يجب أن تبحث عن إنسان ذي مركز اجتماعي
مرموق "إيده طايلة"... وحدَه يعرف كيف ينتشل معاملتك من مخدعها الأبدي...
عندما وصلتُ بخواطري المرّةِ إلى هذه النقطة، غمرني إحساس آخر
بالهدوء، على الرغم من أنني لا أرى الحلّ المناسب في البحث عن إنسان "إيده
طايلة". كما أنني لا أعرف إنساناً ما من هذا القبيل.
شيءُ ماشدّني بعنف عن السرير، انتصبتُ في وسط الغرفة، شددتُ ملابسي
المتهدلة، خطوتُ باتجاه باب شقّتي الصغيرة، اختلستُ نظرة عجلى إلى المرآة. لم
يرقِ لعينيَّ المنظر. خرجتُ وصفقتُ الباب خلفي بعنف، تمنيّتُ أن تأتي مها فلا
تجدُني.. ابتلعني جوف الشارع، قذفتني الأرصفة من واحد إلى آخر. عصفتُ بي
التداعيات من جديد: "عليك بإنسان مرموق، إيده طايلة... تبّاً لك ياحازم. من أين
لي بمثل هذا الكائن. أنت تعرفني جيداً. تعرف كم أنا بعيد عن مثل هؤلاء..."
فجأة، نبت في ذهني المكدود خاطرٌ محيّر. ماذا لو تراجعتُ قليلاً عن رؤاي
الثابتة؟! إنه هو. الجار الجديد الذي سكن منذ أشهر قليلة في أول حارتنا
الفرعيّة. إنه الإنسان ذو المركز المرموق. لا شك بأن "إيده طايلة". فهو دائماً
يحشر جسده في ملابس أنيقة، وفي كل يوم يؤمّ شقَّتَهُ رجالٌ كثرُ أنيقون مثله،
يأتون لزيارته. إن ملامحهم تنبئ بأنهم مسؤولون كبار، يقصدون رجلاً كبيراً،
مسؤولاً خطيراً... كلمةٌ منه كافية، لا يحتاج لأخرى. إشارةٌ منه "تفكُّ مشنوق".
أنا أريد منه فقط أن يفكَّ لي معاملتي من رباطها.
وجدتُ نفسي ابتسمُ كالأبله... من أين لي أن أصلَ إليه وهو على ماهو.
تبّاً لك ياحازم كم تدفع بي إلى المواقف الصعبة. ترى أليس هناك حلٌّ آخر؟؟
تبلَّدَ ذهني عن الإجابة. وجدتني أبتسم من جديد، وبسذاجة أعمق. توقفتُ فجأة عن
المسير الطائش عبر الأرصفة. شيءٌ ما في داخلي أمرني بالعودة إلى البيت. استدرتُ
تلقائياً. ورحتُ أنهب الخطواتِ نحو البيت. كانت الابتسامات الساذجة تتسّعُ
وتتسّع حتى غمرتْ كل ملامحي. في البيت كنتُ عاجزاً تماماً عن التفكير. شعرتُ
بالشّلل التام. امتطيتُ ظهر السرير. وبدأت أحسُّ بأن الهالوك والطحالب والأشواك
تعشّش في جسدي وأعصابي وذهني، وأنا أحلّق بجناحين طويلين جداً صوب جارنا الجديد
الأنيق الذي يطرق بابَه كلَّ يومٍ عشرات الرجال الأنيقين، ترى هل سيتعاطف معي،
أم أنه سيرفض إصراري ومواقفي الحادّة وملابسي غير الأنيقة.
في تلك الليّلة لم يزرني النوم إلا مع مطلع الفجر. كان نومي قلقاً
يدور في دوّامة من الكوابيس المتصلة المتلاحقة. حطّمتني تلك الكوابيس، أسلمني
الواحد للآخر. نسيتُها إلاّ واحداً منها أفقتُ على إثره صارخاً بخوف كبير،
وجسدي المتوتّر يسبحُ في رذاذٍ من التعرّق الحار... رأيتُ الغرفة التي أنام
فيها واسعة جداً، وقد غادرتني مها منذ لحظات قليلة... بدأت الغرفة تضيق من
حولي، سقفها ينخفض فوق رأسي، جدرانها تقتربُ، تقتربُ أكثر. في كل زاوية منها
بدا وحشٌ مفترسٌ يزداد تكشيراً عن أنياب حادة، كلما ازدادت الجدران اقتراباً...
أفاعٍ تتلوّى من حولي. الفحيح يملأ جوَّ الغرفة...اقتربتِ الجدران أكثر. أصبحتُ
محاصَراً بإحكام. اختلط العواء بالفحيح وأصبحتُ في متناول المخالب والأنياب...
قفزتُ عن السرير وصوتُ صراخي يمزّق حنجرتي. هرعتُ بخطواتٍ سريعة نحو الباب،
أعدو بشدة والباب يبتعد. أمدُّ يديَّ لأمسكَ شيئاً ما.. أفقتُ مذعوراً وقد
تكوّر جسدي في منتصف السرير، وكفّاي تضغطان عنقي بعنف شديد...
لملمتُ لهاثي وتعرّقي وجسدي المنهك، وغادرتُ شقّتي البائسة، وذهبتُ
لا ألوي على شيء، أسوّي ملابسي المثنيّة، وأمشّطُ شعري، بأصابعي، وأعيد إلى
ملامحي بعضَ صحوتها.. لحظتئذٍ قرّرتُ بشكل قاطع أن ألجأ إلى جارنا الجديد،
المسؤول الكبير. عادت الابتسامة تغطّي جانباً من وجهي. "سأدخل إلى عالمه قبل أن
أطرح عليه موضوعي المعقّد، يجب أن أستميله إليّ"... لم أجد صعوبة أبداً في
إقامة الصلة معه. انتظرته مراراً في مدخل البناية. ألقيتُ عليه تحية رزينة.
أعاد لي التحيّة بأحسن منها. "غريبٌ أمرُه، كنتُ أتصوّره متعالياً صعب المراس،
بل يجب أن يكون كذلك.". دعوتُه مرّة لتناول فنجاون قهوة في مقهى مجاور أنيق،
لبّى الدعوة بسرور. "ما أغرب ذلك!!". تبادلنا أحاديث عامة مقتضبة، كان لبقاً
ورائعاً. آهٍ.. ما أجملَ وأسهلَ الاقتراب من عالم الكبار.كان يرفض منّي أن
أمدحَهُ وأتملّقهُ. ازداد سروري.
"شكراً لك يا حازم، ما أشدَّ سذاجتي لأنني لم أطرق هذا الباب منذ
زمن بعيد".
طلبتُ منه أن أزورهُ في بيته. رحب بسرور بالغ، اعتصرتني قشعريرة من
الدهشة والاستغراب. "لاشك أنه مسؤول خطير من نوع آخر". اجتاحتني أمواج من
الكبرياء والزهو وأنا أسير إلى جانب المسؤول الكبير خارجين من المقهى.
صافحني بمودّة، وأكّد لي ضرورة زيارتي له غداً في شقته.. بدأت أشعر
بنظرات الحسد تخترق جسدي، يوجّهها لي الكثيرون من أبناء الحي، وملامح
الزهووالاعتزاز تتعمّق في داخلي، لقد استطعتُ أن أصل أخيراً إلى مسؤول كبير "إيده
طايلة". ستخرج معاملتي المهملة من سجنها، وسيعتذر منّي رئيسُ الديوان الفظّ عن
تصرّفاته الحمقاء.
بتُّ أعدُّ الساعات الفاصلة بيني وبين زيارتي لجاري العظيم. حان
الموعد. لبستُ أجمل ثيابي. رتبّتُ شعري. قذفتُ وجهي وجسدي برذاذٍ من عطرٍ ثمين
أختزنه لوقت الحاجة، وذهبت أبتسم لكل من أشاهدُه.
استقبلني ببشاشة واحترام كبيرين.."آهٍ لقد اقتربت ساعة الفرج".
جلسنا وبيننا فنجانان من قهوة ساخنةٍ لذيذة. كان يحدّثني عن الوضع
الاقتصادي والتفجّر السكاني، والتطورات الاجتماعية المتلاحقة. لم يكن هذا
الحديث يروق لي، وبدأتِ الخواطر تتنازعني بعنفٍ من الداخل. حزمتُ أمري وقرّرتُ
أن ألجَ إلى قضيّتي بشيء من المهارة واللبّاقة.. سألتُه بهدوء واحترام".
- ..سيدي.. أما وقد أصبحنا صديقين متقاربين. هل لي أن أسألك عن
العمل الذي تمارسه؟؟
ابتسم برقّةٍ، وقادني إلى غرفةٍ أخرى وأشار بيده قائلاً:
-.. أنا أعمل في الترجمة. الترجمة المحلفّة. أترجمُ الوثائق والقيود
الرسميّة.
وقفنا متقابلين، سيطر علينا معاً صمت جليدي، وبين الشكِّ واليقين،
اعتقدتُ أنه يراوغ، وأنه لا يريدُ أن يكشف لي أوراقه دفعة واحدة..."كلّهم
هكذا".. وتأكّد لي أن عمله الرسميّ يقتضي السريّة لأنه رجل مهمٌّ وخطير
جداً...بادرته بسؤال، وابتسامةٌ ماكرة ترتسم على عينيَّ وشفتيّ:
-... سيدي.. أيعقل ذلك؟؟!! وعشراتُ الرجال الأنيقين يطرقون بابكَ كل
يوم.. أليسوا من المسؤولين الكبار أصحاب المناصب الرفيعة؟!...
ضحكَ بصوتٍ عالٍ مستغرباً ماسمع. ربتَ على كتفي، أجابني بهدوء:
-..لا.. ليسوا كما تتصور، فأنا لا أملك صداقات مع مثل هؤلاء...
الذين تراهم يطرقون بابي، أناس عاديّون يأتون بالوثائق لأترجمها لهم، ويعودون
لأخذها.. ثم أضاف وهو يبتسم: "أنا لا أملك مكتباً أمارس فيه عملي، فالبيت
مكتبي.
أصابني ذهول مدمّر، وسكون مطبق... لاح لي وجه مها شامخاً عنيداً
جميلاً أكثر من أيّة فترة مضت.. أطبقتُ ناظريّ على تلك الملامح، وصافحتُ صديقي
مودّعاً.
عندما خرجتُ من بيت جاري الذي لم تكن "إيده طايلة"، تمنيّتُ أن تأتي
إليّ مها، فتعيد لي توازني وتنقذني من ضياعي وكآبتي..
سرتُ في الطريق وحيداً أردّدُ في سرّي:"تبّاً لك يا حازم".
   
الخروج من طقوس الحلم
كيف حصل ماحصل، لا يذكر أبداً، كلُّ ما يعرفه أنه وجد نفسه في
دوّامة من الانفجارات ودويّ القنابل الرعناء.
ستُّ سنوات دفنها نعيم في جوف الغربة، في العاصمة البريطانية. عاد
بعدها يطرق أبواب القدس مُثقلاً بالبرامج والهموم، يحمل في حقيبته شهادة مهندس
ميكانيكي. لعل المهندس المُحدث كان يحدسُ بأن شهادته ستبقى طيَّ الحقيبة، يدفعه
إلى ذلك التخمين يقين راسخ.. هكذا قالت لي خواطرُه، وأنذرته مشاعرُه.
طوت رياحُ الحياة أشرعةَ الغربة، وعاد نعيم أدراجه نحو الوطن، إلى
القدس، المدينة التي أحبّها بلا حدود. الصورة ذاتها. لاجديد فيها. إنها ترتسم
في مخيّلته.. قال له والده:
-.. انتظرناك طويلاً ياولدي.. واختنق الكلام في حلقه..
وقالت له أمّه والدموع في عينيها:
-.. أنت الآن ربُّ الأسرة وعمادها. انظر. والدك العجوز. أخوتك
الصّغار. وتعثّرت كلماتها بالدموع المرّة.
وخزتْه نفسُه من الداخل. كان كل ماحوله يُنذر بالمأساة. غطّت
ملامحَه ابتسامةٌ شاحبة ساخرة. أشاح بوجهه. لقد تأزَّمت روحه بين صورتين: الوطن
المنكوب.. والشهادة المطويّة بإتقان في ثنايا المحفظة. تضعضع كيانُه بين
الصورتين. هدّه التناقض الأليم، هرب بنفسه من واقعه، وتاه في دروب مسدودة. أغمض
عينيه على صور نازفة متتابعة. توقّف شريط الصّور الصّامتة، ارتسمت في خبيئته
لوحات أليمة مُرعبة. لطمت عينيه حزمةٌ من ضياء. حاول أن يهرب منها، رفرف
بجفنيه، لم يجد ملاذاً.. في كل الاتجاهات كان يقرأ كلماتٍ من نور تملأ صفحات
الأفق. طمأنته تلك الكلمات، وساقته خواطرهُ المشحونة بالرضا والألم إلى شرفات
عالم هلامي متأرجح. التفت حوله بذهول مُريع، لم يجد أحداً. كان الجوُّ من حوله
يفرز ظلاماً مقيتاً. هالتهُ وحدتُهُ، استنجد بأمّه وأبيه، صرخ ملء صوته. ارتدَّ
إليه الصّدى. حاول أن يستمدَّ من الموقف شجاعة، خفَّف من حدّة أنفاسه
المتوتّرة. التفتَ إلى كل الاتجاهات..
تساءَل: "كيف سقطتُ في هذا الظلام الطائش؟؟" جمد كأنه تمثال من حجر
استسلم لسباتٍ موغل في الصّمت. حملته أحلامٌ لولبيّة رعناء قذفت به بعيداً.
تساءَل: "غريب!! ماذا يجري؟!" تلاشى الظلام دفعة واحدة. سيطر نورٌ
مبهر، غطّى عينيه براحتيه:"ماهذا؟!! أقصُّةٌ من قصص الأساطير؟ أحلمٌ؟!..
لا...لا.. أنا في يقظة تامة. أيّةٌ يقظة هذه!!.."
نظر إلى جسده، وجده عارياً، ليس كعري الأطفال.. امتدَّ أمامه بحرٌ
لا نهاية له، أخذ يتوغل عبر المياه الدافئة مُخلّفاً وراءَه شاطئاً رملياً واسع
الامتداد. على صفحة المياه الزرقاء ارتسمت أمامه شهادة المهندس تتيه بحروفها
الكبيرة اللامعة.. مدَّ يده إليها بحنان، فاجأته موجة صخّابة عاليه. سقط في جوف
الموجة. تصوّر أنّه قد تغلّب عليها. البحرُ كلّه انقلب إلى سلاسل من الأمواج
الشرسة، راح يتخبّط في طيّاتها. شهق، صرخ. تحشرج. تقيّأ... الأمواج تبتلعه
وتُسلمه الواحدة إلى الأخرى. غاب نعيم في أعماق الموج، أيقن أنه يتدحرج نحو
الموت سريعاً... قبل أن ينطفئ عود الثقاب، أومضت في ذهنه المكدود رُؤى متداخلة:
القدس، والده. إخوته. الوطن. المستقبل. شهادة المهندس. صفعهُ صوتُ والده
العجوز: "انتظرناك طويلاً ياولدي". مدّ يده نحو مصدر الصّوت، يريد أن يمسك يدَ
والده فيقبّلها. كانت يده تعبثُ في سياط الأمواج. استسلم للمصير الأسود. وراح
يدخل تدريجيّاً في طقوس موت فجائيّ. أطلقها ضحكة مُجلجلة..
"آهٍ. ما أجمل الانتصار. ماأحلى الغلبةَ. لقد قهرت الأمواج".
البحرُمن حوله ينبسط كما كان وديعاً هادئاً. أشعّة الشمس تمرّغُ
شفتيها على صفحته الساكنة. وهو يخطو خطواته الأخيرة نحو الشاطئ الرمليّ الذي
فردَ له جناحيه. راقه جداً أن يتغلب على الموت، وراح يبني أحلاماً في عالم
المستقبل الجميل. نظر إلى البحر باستخفاف. سخر من أمواجه المهزومة. إلاّ أنه
أحسّ أن الشاطئ الذي يستدفئ برماله يضيق من حوله. يضيق ويضيق. النور المبهر
يتراجع خلسة. سقط فيما يشبه العتمة. فرك عينيه بعنف ونظر إلى الأعلى. شاهد
جدراناً أربعة تنبت حوله يجلّلها سقف اسمنتيّ. ابتسم ببلاهة:
"عجيب!! كيف تبخّرت مياه البحر!! كيف حلّت محلّها هذه الغرفة
الأنيقة!!". في أحد زوايا الغرفة، كان يجثم مكتب ضخم عليه كثير من الكتب
والمخطّطات، وعلى ناصية المكتب قطعةُ خشب صقيلة، حُفر عليها بالعاج والصدف وبخط
واضح عريض: "المهندس الميكانيكي نعيم المقدسي.. ضحك ملء شدقيه. اعتمر قلبهُ
بفرح طفولي غامر. امتطى صهوة كرسيٍّ دوّار تقبع خلف المكتب. قذف ظهرَه إلى
الخلف. وأغمض عينيه. تاه في سراديب أحلام مستقبليّة مُشرقة، وحياة رافهة وأيام
سعيدة. صرخ هامساً: "أبشر يا أبتاه. سأنتشلك وأمّي وإخوتي من مستنقع الفقر
الآسن.".
***
استمرأ نعيم هذه السعادة الهابطة. غاب بعيداً. تذكّر أنه رهن طقوس
الموت منذ زمن بعيد. تساءَل بعذوبة: "أتحصل مثل هذه السعادة. في عالم الموت."..
أبداً لم يسمع نعيم أيّة طرقات على باب الغرفة. لم يستأذنه أحد. لم يعكّر عليه
خلوته وأحلامه أيّة أصوات ناشزة، لكنه استفاق متمهلاً على أصوات ضحكات هادئة
تقترب من أذنيه. إنّه مايزال يمتطي متن كرسيّه الدوّار. فتح عينيه ببطء. حلّت
ملامح الذهول والدهشة محلَّ بريق السعادة المتدليّة من حدقتيه. ياللغرابة..
ماذا أرى؟؟ صعق نعيم حين رأى فارساً مهيباً يمتطي صهوة حصانه الضخم، يقترب من
مكتبه الجميل، جأر نعيم بأعلى صوته: "من أنت؟؟ وكيف وصلت؟! كيف مرق حصانك من
الباب الصغير؟! ماذا!!
ترجل الفارس بهدوء. اقترب من نعيم باحترام كبير. ألقى التحية بكلمات
رجوليّة مقتضبة. قال:
-.. أنا سعيدٌ بقدومي إليك أيها المهندس الكبير.. أنا أبو محجن
الثقفي. وهذه الفرس البلقاء. وهذا سيف سعد.
سأل نعيم والحيرة تأكله:
-.. أبو محجن!! وما الذي جاء بك يا أبا محجن؟؟
ابتسم الفارس ابتسامة يشوبها الألم. قال:
-.. جئتُ من مفارق الزمن البعيد. طفتُ كثيراً في شرفات هذا الزمن
الحديث. شعرتُ بغربتي. خفتُ على كرامتي. آثرتُ العودة وحيداً حيث كنت. لم أجد
غيركَ إنساناً أأتمنه على سيفي وفرسي...
انحنى الفارس بأدب جم وأخذ ينسحب مع حزمة النور القادمة من النافذة
العريضة:
انقضَّ نعيم بعنف نحو النافذة. صاح بملء صوته.
-.. أبا محجن.. أبا محجن.. لا تتركني وتذهب. فأنا في أمسِّ الحاجة
إليك.
ارتدَّ إليه الصَّدى جافّاً. سقط في الخيبة. دار حول نفسه عدة
مرّات. كاد يسقط على الأرض، لولا أن يده التائهة وقعت على عرف البلقاء، فتماسك
واستند إليها.
***
جمحت البلقاء بعنف في مكانها. أطلقت صهيلاً هزَّ أرجاء القاعة. هبَّ
نعيم من رقدته كالمجنون. كان وحيداً في الغرفة. لقدخرج أبواه. وحيداً في غرفة
بائسة مع أحلامه وآلامه التي خرّبته من الداخل وإلىجانبه محفظة مُغلقة على
أسرار كبيرة تتوسّد حشية مهترئة مطروحة على الأرض.
بعصبيّة مُرعبة مسح نعيم أرجاء الغرفة البائسة. لم يجد فيها أحداً.
كاد يصرخ بهلع: "أبا محجن.. البلقاء".. خانته حنجرته الجافّة. خذلته اليقظة.
استسلم لواقعه. قرّر أن يتخلص من أحلامه وصداعه إلى الأبد، وأن ينتصر على
هواجسه القاتلة. هتف من أعماقه بصلابة:
"سأدخل طقوس الموت من جديد.. لبيّك يا أبا محجن.. لن أتخلّى عن
سيفكَ وفرسك".
وعندما استفاق نعيم من طقوس الموت المجّاني الحالم، وغادر بيته. كان
شارع السوق الرئيس في القدس يحمل على شفتيه ابتسامة طيّبة هادئة، تختزن في
ذاكرتها أزيز الرّصاص ودخان القنابل، لتستقبل كل الّذين هزّتهم الصحوة، وتخلّوا
عن أحلامهم المجانيّة...
   
آلام
كنتُ مُتكوِّراً على جسدي في زاوية البيت، أُتابع بذهول مرٍّ ما
تفرزه الشاشة الصغيرة من صور ومشاهد. شيءٌ ما هزّني من الأعماق، مسحتُ عينيَّ
لأبعد الغبش والخوف. تلفتُّ حولي.. زوجتي وأولادي من حولها يحملقون بعيون
متحسّرة موزّعة بيني وبين الشاشة. مشاهد مرعبة. عيون تهطل بالتحدّي والكبرياء،
عشرات الخيام، جبالٌ صلدة من الصخور والثلوج، وديانٌ سحيقة تحمل في ثناياها
الموت والعذاب. لم أستطع متابعة النظر إلى العيون العقابيّة اللاّهبة. في زاوية
الشاشة كلماتٌ باهتة خجلى: "الجنوب اللبنانيّ والمُبعدون الفلسطينيّون"..
مزّقني المنظر، أغمضتُ عينيَّ مُرغماً، تدحرجتُ بين أمواج الظلام الدّامس،
اجتاحتني خواطر لا حصرَ لها، انتصب أمامي شبحٌ يسدُّ فراغَ الأفق. مدَّ الشبح
إليّ يداً بيضاء. حدّثني بصوت هادئ خلته تراتيل صلاة العيد: "لا تخف يابنيّ.
لاشئ جديد... إليك بعض قصص التاريخ، اقرأها جيداً". اختفى الشبح فجأة.. صرخت
بأعلى صوتي، كان صراخي لا يتجاوز حلقي. ظللت أصرخ علّني أطرد من روحي تلك
الخواطر المفزعة. أخيراً امتثلتُ للأمر، تكوّرت من جديد في الزاوية، ورحتُ
أقرأُ بنهم شديد:
***
كان أمراً عادياً جداً لهاسميك، أن تنسى أشياء كثيرة. أن تنسى بعضَ
أناقة ملابسها. أن تنسى شيئاً يتعلّق بالطعام أو المواعيد الاجتماعية. إلا أنَّ
شيئاً ما في حياتها لن تنساه مطلقاً. إنّه راسخٌ في عمق ذاكرتها، ماثلٌ أبداً
أمام عينيها بكلِّ تفاصيله المفزعة الأليمة...
في يدها اليمنى أثرٌ ماديٌّ يذكّرها بكلِّ شيء.. في كلِّ عمل، في كل
حركة، في كل مصافحة.. فعلى معصمها أثرٌ عميق لضربة سكّين حادّة تلقّتها وهي في
الثانية عشرة من عمرها..
كانت هاسميك ابنة عائلة أرمنيّة كبيرة مؤلفة من الأب والأم وستّة
أبناء.. آزنيف، وسونيا، وهاسميك، وآغوب وآرتين، وأسطور... وتعود بها الذاكرة
إلى مطلع هذا القرن الذي أخذت شمسه بالأفول تدريجيّاً وراء الأفق. في مطلع هذا
القرن، كانت جلجلة الوحشيّة التركيّة تسدُّ منافذ الحياة والكون في هذا الشرق
الذبيح أبداً. وكانت مذابح الأرمن على يد الطّغاة الأتراك تمزجُ الدّمَ بالتراب
والدمع الحزين...
ذات صباح... استيقظ الأب مبكراً، واجمَ الملامح. أشار بيده، أنصتَ
الجميعُ إليه. الألم يتدلّى من عينيه. الخوفُ يلجمُ لسانَه. قال: بصوت متهدج:
-.. اتخذوا التدابير اللازمة. علينا أن نرحل بأسرع وقت ممكن. والتفت
إلى آغوب، وربت على كتفه:
-.. إنني أعوِّل عليك ياولدي. ثم غاصت كلماته في ملوحة الدموع
اللزجة.
في المساء، والليل ستارٌ كتيم. كانت عربةٌ محملة بأفراد العائلة
وبعض الأمتعة القليلة، تغادر منطقة أورفة في شمال سورية، متجهةً نحو الجنوب
الغربي، عبر جموع الراحلين وتنهداتهم المريرة. الأبُ يقود العربة في محاور
الطريق الوعرة المتشعّبة، قاصداً مدينة حلب، وما أكثر ما أيقظه تعثُّر العربة
وهو ساهم سادر. الأم والأبناء يجترّون حزناً عميقاً، وخوفاً لا حدود له. كانت
أنباءُ الدم والجثث والأشلاء تقرعُ ناقوسَ الفناء، فتزرعُ القلوبَ هلعاً يمزّق
الأعصاب.
في شطر من الطريق، اقترح الأب التوقف لأخذ قسط من الراحة. ترجّل
الجميع، وراحوا يوزّعون أبصارهم بين أورفة وحلب. مسافةٌ بعيدة بعيدة، وشقاء
مرٌّ، ورحلة إلى المجهول...
أيقظهم من شرودهم، وقع حوافر خيول متعدّدة. تجمّعت العائلة حول
ذاتها كخراف أفزعتها الذئاب. وقف آغوب في مقدمة العائلة، يحاول أن يردُّ الفزع
عنها، اتجه صوب الخيول القادمة. همس في صوت خفيض. تماسكوا. لا تجزعوا. خطا إلى
الأمام خطوةً واحدةً. كان حصان ضخم يتقدّم القادمين، يضرب الأرض بحوافره..
ارتفع صوت باللغة التركية.
-.. هيه... هيه.. أنتم أيها الأوباش. أيها الكفّار. إلىأين أنتم
ذاهبون.؟ كيف تعبرون أرضي دون إذن منّي.؟؟
رجلٌ تركي ضخم القامة يمتطي حصاناً صهيله يبدد السكون، مدجج
بالسلاح. عيناه لم تكونا مرئيتين جيداً. وعبر الظلام عرف آغوب أنه ضابط
تركي.بدا لهم شيئاً مخيفاً كالموت. بضع خيول كانت تحيط به عن قرب.
-.. هيه.. سؤالي لكم أيها الأوغاد. أيها الكفّار. أين وجهتكم؟؟...
فوجئ الجميع. أخرسهم الفزع المدمّر. ردّد بعضهم صلواتٍ خافتة. رسمت
الأم إشارة الصليب. رفعت
يديها إلى السماء. تضرّعت بصوت مسموع: نجّنا
يارب السماء والأرض.
تشجَّع آغوب. ردَّ عليه بصوت متقطّع:
-.. إلى الجنوب. إلى حلب. لزيارة أقربائنا هناك.
حملت الريح إلى آغوب رائحة خمرة سيئة النكهة. كان الضابط التركي
يبدو غليظاً ضارياً. ومن تحت شاربيه الكثين تدلت ابتسامة فاجرة.
اقتربت الخيول أكثر. أحاطت بالعائلة المرتجفة.. تلفّت الأبُ المضطرب
حوله. أسقطه المنظر الرهيب في أتون الفزع القاتل. تصور المصير الأسود نظر إلى
أولاده.. استمدَّ منهم شجاعة. اقترب من الضابط التركي. مدَّ آغوب ذراعيه في
الهواء مانعاً أباه من التقدم أكثر.
ترى ماذا يريد منّا هذا الوحش الضاري؟؟... بماذا يفكّر؟؟
سأل آغوب نفسه،وراح ينتظر مُحدِّقاً عبر الظلام..
خلال لحظاتٍ داكنه معتمه. مرَّت بذاكرة آغوب والعائلة الحزينة كلُّ
مذابح الأرمن في جنوب أرمينيا، والأناضول وجنوب تركيا، وتخيلوا جداول الأنهار
تفيض بدماء الأبرياء العزّل. استمدَّ آغوب من الموقف ومن الذكريات شجاعة فائقة.
سأمنع ذلك الوحش من تحقيق مآربه. وتابع يحدّق في الظلام بعيني صقرٍ معذّب.
جاءَه صوت من جوف الظلام...
-..أنا جاويد بك .. بن أوثمان بك.. ألا تعرفونني..أنا سيد هذه الأرض
الواسعة. هيّا.. اقتربوا جميعاً.. ارفعوا أيديكم..
تبعثرت في جوف الظلمة أصوات تائهة خافتة. ازدادت ضراعة الأم
وصلواتُها حرارةً. بكت آزنيف وسونيا وهاسميك بأصوات مختنقة.
تنحنح الضابط التركي وراح يُصدر سعالاً فظّاً.
اقترب الأب منه حتى كاد يمسك بلجام حصانه، حاول آغوب منعه، فأصرَّ
بعنادٍ وقال:
-.. جاويد بك.. أنا ميساك بتروسيان، وهؤلاء زوجتي وأولادي، أتوسل
إليك، أن تتركنا وشأننا، فنحن نقصدحلب، ولا نبغي شيئاً سوى الحياة الكريمة.
قهقه جاويد بك بصوت فاجر. عرف آغوب بحدسه الفتيّ أن جاويد بك يُضمرُ
لهم مكيدة مُدمِّرة.. تقدّم بعنف إلى الأمام، وشدَّ والده إليه. تسمَّرَ في
مكانه كجذع شجرة راسخة، حائراً لا يدري ماذا يفعل.
قبل أن يبادر آغوب لفعل أي شيء، التفت جاويد بك إلى العساكر
المحدقين بالعائلة، وأصدر أوامرَهُ الصارمة:"أبيدو هذه الحشرات"..
أطبق الجند على العائلة. وضيّقوا الخناق عليهم. خرق آغوب الحصار من
حوله، وانقض على جاويد بك يريد أن يمزّقه بيديه. ولكن طعنة حادة أتته من خلفه،
اخترقت أضلاعه، فتدحرج قرب حوافر الحصان، متكوّراً على جسده، عيناه جاحظتان من
الألم، تتابعان العائلة الماضية إلىمصيرها الأسود. بينما راح جاويد بك يدوس
جسده النازف بحوافر حصانه الضخم.
الجند يسوقون العائلة نحو حفرةٍ إلى جانب الوادي.بكاءٌ. صراخٌ.
نحيبٌ. عراكٌ، طعنٌ بالحراب والخناجر والسيوف. دمٌ يتفجَّر أضلاع تتكسَّر أحشاء
تتمزّق.. تكوّمت الأجساد النازفة فوق بعضها في قاع الحفرة، جسداً تلو جسد..
هاسميك تذكر أنها وقعت في الحفرة على رأسها، ووقعت فوقها أشياء أخرى. ثم فقدت
وعيها. وعندما عادت إليها الحياة، وجدت نفسها في بيتٍ طينيٍّ لعائلة فلاحيّة
تتكلم العربية، من قرية صغيرة تبعد كثيراً عن تلك الحفرة التي غدت قبراً لعائلة
بكاملها، تركت فيها هاسميك أغلى وأعز مافي الحياة...
عندما استيقظت هاسميك من غيبوبتها، كانت مغلفةً بالدماء الدّبقة،
وآلام شديدة تمزق أعصابها، وعلى معصمها الأيمن جرحان كبيران أحدثتهما سكين
حادة. وفي قاع ذاكرتها آلامٌ مريرة ومشاهد مُدمِّرة، وأحزان لا تستطيع
احتمالها.
عاشت هاسميك بين أبناء تلك العائلة الفلاحيّة حوالي عشر سنوات، حتى
غدت صبية يانعة ناضجة، ثم ارتحلت بعد ذلك إلى مدينة حلب، وقد تطبّعت بطباع
الفلاحين العرب، واختلطت لهجتُها الأرمنية باللهجة العربية الريفية، بكل مافيها
من طيبة وسذاجة وقسوة. إلا أن الألم مازال يحفر في قاع قلبها ووجدانها وذاكرتها
أخاديد عميقة، وثلمات لا يمحوها الدهرُ.
في حلب كانت هاسميك تروي قصة ذلك اليوم الأسود تنطلقُ الكلماتُ من
أعماق قلبها، ويتحوّل صوتها الرقيقُ في وهج حقدها المتأجج إلى سياطٍ حادةٍ تلسع
ناصية الظلم والإرهاب.
أمّا ابتسامتها الفلاحيّة الخجلى فقد كانت ترتسمُ عليها دوماً ظلالٌ
قاتمةٌ مريرة.
***
أنهيتُ قراءَة صحف التاريخ, قراءَة قصة هاسميك وأهلها حانت منّي
التفاتة نحو النافذة. كان الفجرُ قد بدأ يتسرّب بخيوطه البيض عبر الليل.
استسلمتُ لارتخاء جسديٍّ شديد، وأنا في أحضان تلك الزاوية. أغمضتُ عينيَّ.سرحتُ
بعيداً عبرَ آلام الشعوب. طافت في خاطري ذكرياتٌ مرّة أليمة. توحدت مع تلك
الذكريات. قفزت إلى ذاكرتي فجأة قصة من قصص النزيف البشري، كان قد رواها لي أحد
الأصدقاء.
أنَّ وحشاً بشرياً يشبه جاويد بك، بشاربين معقوفين، وكرشٍ ضخم..
تمرّدت عليه امرأةٌ. لم تستجب لرغباته الذئبية، فما كان منه إلا أن بقر بطنها
بخنجره الطويل، وتركها تتخبط بدمائها.. ثم ابتعد قليلاً، ووضع خنجره المدمى
جانباً، ثم انفجر في ضحكات مجلجلة عاهرة.
عندما وصل بي شريط الذكريات إلى هذا الحد، شعرتُ بالضعف، والهزيمة،
والضيّاع. هربتُ من الزاوية. توجّهتُ إلى فراشي قبل أن تداعبَ الشمسُ نوافذَ
البيوت، كان الأرقُ يحرق عينيَّ بقسوة. وفي نفسي ثلاث صور تتناوب تمزيقي بعنف
لا حدود له..
المبعدون الفلسطينيون والجنوب اللبناني...
الحفرةُ التي ارتوت بدماء عائلة هاسميك...
وصوت التاريخ...
   
|