أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 23/01/2009

مجموعات قصصية / الكاتبة: هدى فهد المعجل

بقعة حمراء

إلى صفحة الكاتبة

لقراءة المجموعة القصصية

 

 

المجموعة القصصية

لحظة الارتطام

مسحوق الزجاج

شرف طباعة الرواية

الرولز رايس 

مريول المدرسة المصعد بقعة حمراء كهل متصاب
الفهم المفرد غدا يأتي الله لنا بخير ممتاز مع مرتبة الشرف ذات الأربع أرجل

صديقتها الأثيرة

 

 

بقعة حمراء

إهداء

وحدكِ الأولى ببري ووفائي..

ووحدكِ الأولى بباكورة إنتاجي..

لأنكِ كنت وحدكِ الأصدق في ترقب هذا الإنتاج..

وسؤالك المستمر عنه..

إذاً.. فلكِ وحدك أهديه..

والدتي الحبيبة "حصة بنت عبد الله المعجل"

وليس لأحدٍ سواك.

 

ابنتك: هدى

الرولز رايس

 

تحاشيتها، ولكنها أصرّت عليك، أردت التنصل منها، فجذبتك نحوها بقوة، سحبت يدك اليمنى فجذبت الأخرى إلى صدرها بحنو، انتفضت، فتبسمتْ لك بخبث، كدت أن تضعف أمامها لكنك انتبهت فأطلقتَ ساقيك للريح… واسقط في يدها.

 

شارع ابن خلدون ألِفَ قدميك ساعة غدوك ورواحك لمدرستك التي تبعد بضعة أمتارٍ عن حي الاتصالات مقر سكنك..

 

أمامك أسابيع قليلة لتجتاز الثانوية العامة ، ورغم هذا لم تتأقلم مع الجو العام لمدرستك… عزاؤك الوحيد قربها من مسكنك أمام رفض والدك منحك سيارة ما لم تتخرج من الثانوية وتتأهل للجامعة.

*   *   *   *

وحدها مصدر إزعاجك كل صباح تقريباً… تبدو فارعة الطول… واثقة.. جريئة.. مندفعة.. متهورة.. كيف لا تكون كذلك وتحت إمرتها سيارة رولزرايس فارهة، وسائق وسيم.

أظنها حرصت على وسامته ليمثلها..!!

 

عروض مغرية قدمتها لك وحجتها راحتك، مرات عدة تجاهلت فيها دعوتها بأن توصلك لمدرستك بسيارتها.. فتظهر لك عنادها وإصرارها...

تقيدك بحبائلها وإغرائها فتحل قيودها بكبريائك، ولامبالاتك، وقتت زمن خروجها مع زمنك، دقائق معدودة تلك التي تمضيها في نصب شراكها، ولكنها لا تظفر بالفريسة.

*   *   *   *

-   تبدو ثرية، منعمة، فهل من المعقول أن ترتبط بوظيفة صباحية.. مثلها ترفض القيود، والأنظمة الصارمة، والقوانين.

" قلت لنفسك ".. كأنها تمكنت من الاستحواذ على ذهنك!!

-وما شأني بها.. لتكن كما تريد!

 

قررتَ تقديم زمن ذهابك لمدرستك، وتأخيره حتى لا تلتقي بك... مضت أيام كنت بمأمن من اللقاء بها.. لم تكن على ما يرام.. أصبحت تراقب الشارع، وتمعن النظر في كل سيارة عابرة ، تعاتب نفسك على عدم سؤالك لها عن مكان عملها.. وأنت الذي لم تولِها اهتماماً كلما نوت التحدث إليك!!

 

في يوم قررت افتراش ناصية الشارع بعد انتهائك من أداء صلاة الفجر مباشرة، ربما تعبر فتراك. عند السادسة والنصف تماماً لمحت شبح سيارتها... وقفت... اقتربت السيارة منك.. اقتربت أكثر.. لوّحت بيدك.. خفف السائق من سرعته... واصلت التلويح.. توقف بقربك... نظرت للداخل.. خلف السائق.. لم ترها.. السيارة ذاتها.. بلونها البرونزي.. ورقمها المميز.. إذاً!!

 

-   أين هي.. أليست موظفة كما توقعت.. أتراني أخطأت في حدسي.. يا لخيبتي وقد تغيبت عن المدرسة على أمل أن ألقاها..

انتبهت على صوت السائق يسألك عن مطلبك منه.. اعتذرت له.. وقبل أن يواصل مشواره لمحت على المرتبة المجاورة له ورقة كتب عليها:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مديرتي الفاضلة :

لدي مراجعات والتزامات قد تضطرني للتأخر لمدة ساعة ونصف تقريباً.. لذا أرجو التماس العذر لي... وشكراً.

 

ضمنت خطابها توقيع لم يفصح عن اسمها بجلاء.. عدت إلى منزلك تجر أذيال الخيبة.. ارتميت بجسدك على أول أريكة قابلتك، كنت منهكاً، أو شعرت بذلك لخيبة أملك، استرخيت قليلاً، واصلت استرخاءك مستسلماً للنوم، لا تدري كم من الوقت استغرقته في النوم، فقد أزعجك الهاتف برنينه.. تجاهلته.. و استمريت في استرخائك.. عاود الهاتف رنينه مرة أخرى.. أدنيت الكاشف منك.. بدا لك رقم المتوسطة الثـ.....  للبنات.. ( باسمة ) تدرس هناك..

خمنت أن المتصلة أختك ( باسمة ). بتثاقل رفعت السماعة، أدنيتها من أذنك.. أتاك صوتها متقطعاً.. تبدو منهكة..!!

-أحمد أنا متعبة، قل للسائق يأتي للذهاب بي إلى المنزل.

-ولكني لا أراه الآن!

-أين ذهب؟

-لا علم لدي.

-لا أستطيع الاستمرار في المدرسة، فأنا متعبة جداً..

-وما.......

قبل أن تتم عبارتك سمعت صدى صوت أنثوي يتحدث إلى أختك.. كأنها تأمرها بشيء!

-ألو .. ( باسمه )

-انتظر قليلاً.

-..............

-أحمد ستتكفل إحدى المعلمات بإيصالي.

-خيراً تفعل..

دقائق معدودة وجرس الباب يرن، سرت نحوه، فتحته، وجدت ( باسمة ) تترجل من سيارة الرولزرايس البرونزية اللون بداخلها فتاة فارعة الطول.

 

 

شرف طباعة الرواية

 

لم أتمنَّ منقذاً – يختم فصول الرواية – سواه، ويسدل الستار على آخر قطرة حبرٍ بللت ريق الورق المتجعد جفافاً بفعل الحيرة، بعد أن بلغت روحه الحلقوم، فأعادتها _ له _ مشيئة الله شبه معاق.

 

سريرٌ مبعثرٌ، يكاد يستوعب جسمي الهزيل، قصاصات صحفٍ، نتف ورق A4 مُزِقت بضراوة عن أحداثٍ، وشخوصٍ ما أن تحركت في أمعاء حيٍّ متهالكٍ حتى تساقطت نتفاً، نتفا .

 

قررت نهاية البطل، ثم تراجعت عن قراري، كان قد اعتلى قمة جبل ( ليس إفرست بالطبع ) ليلقي بنفسه بين مفترق جبلين ( ليسا أجا وسلمى.. ولا شك ) فوق الصخور.. وما أن هم بالانتحار حتى صرخت به:

" تراجع، تراجع "

ومزقت الورقة نتفاً، نتفاً.

" نهاية تقليدية لا أحبذها "

" دعني أنتحر "

" ومن ثم....؟ "

" لا أدري، فقط دعني أنتحر، ومن ثمّ قرر، أو اختلق حدثاً تراه مناسباً، ألم تسأم من كثرة اتصالات صاحب دار النشر "

"ولكنها نهاية ستغضب القارئ، وتجعله يقاطع رواياتي، لسخفها "

" القارئ، القارئ، من بيده تقرير مصيري سواك، أنت من زججت بي في روايتك، ووحدك تقرر مصيري، وعلى القارئ أن يسلّم، ويرضى "

*******

لزمت الصمت، ظللت لساعات أفكر، ذرعت الغرفة جيئة، وذهاباً، أخيراً استدنيت آخر ثلاث ورقات بدت لي بجانب مضجع " قطتي المدللة ".. لقد كانت في سباتٍ عميق، بحذر استدنيتها، حرّكتْ ذيلها ذو الفرو الغزير، تسمرتُ... هدأتْ... سَكَنَتْ.. واصلت سحب الوريقات..

شرعت في إنهاء الرواية من جديد.. شارفت المهلة المعطاة لي على الانتهاء.. وأنا مازلت في وضعي أراوح..

" لما أنت مُقعد ؟؟"

" أنت من فعل بي ذلك "

" ولكني تركتك معتلياً قمة الجبل تريد الانتحار "

" نعم .. وعندما مزّقتَ الورقة، وألقيتها، هويت على ركبتي فتمزقت الأربطة "

" ولكن لا أريد لك هذه النهاية، لنبحث عن علاج لمصيبتك "

" اتفقنا.. فقط أمهلني ساعة ريثما أرجع.."

وعدني بأن لا يتأخر... وأنا أنتظره... أخذتني سنة من نوم!!

قال: بأنه عندما آب، ورآني نائماً لم يشأ إزعاجي ففضل تأجيل نهايته ريثما أستيقظ..

وقالت القطة: بأنها استيقظت مريدة الفناء لقضاء حاجتها، ووجدت النافذة موصدة والباب كذلك، فاستدنت أوراق، ووضعتها تحتها حتى لا يتسرب البلل على المكتب...

منذ متى تقرأ القطط خربشات البشر على الورق.. ؟؟

لو كانت كذلك لما استدنت فصول الرواية لتتغوط عليها..

وصاحب دار النشر مازال مستمراً في طلبه للرواية ليحظى بسبق طباعتها!

 

 

مسحوق الزجاج

 

دفع بها أرضاً، ثم خرج وأغلق الباب خلفه، وغادر.. غادر إلى حيث المجهول، توسلت إليه، رجته أن لا يفعل، أقسمت عليه بذلك فلم يستجب لها.. تبعته.. تبعته حتى خارت قواها.. وتعثرت بعباءتها فسقطت.. سقطت.. وكأنما السماء انتفضت لسقوطها.. والأرض مادت، أو كادت أن تميد بها.

حاولت الوقوف، فلم تستطع، ولم تجد شيئاً تتشبث به لتصلب جسداً أنهكته السنون.

عن بعد لمحته يعدو مترنحاً.. بعد لأي صلبت طولها، واصلت السير باتجاهه.. صوتت له.. رجته.. توسلت إليه أن يتوقف..

بعيون دامعة، وقلب وجل رجته أن لا يفعل، توسلت إليه، فلم يرعو، لم يأبه بها، ولا بتوسلاتها.

قُدّ قلبه من حجر..

ورقّ قلبها له.. وانفطر..

*   *   *   *

شابٌ يقود سيارته بسرعة قاتلة.. اقترب منها.. حاول أن يتفاداها.. ولكن..

*   *   *   *

على السرير مسجاة.. وعيون ترقبها عن اليمين، وعن الشمال..

دفعت بكمام الأكسجين، أرادت القيام فشعرت بألم في ذراعها.. إبرة غرزت في وريدها اتصلت بكيس عُبئ بسائل.. ثم غابت عن الوعي!!

ظلت تهذي باسمه.. وتهذي.. وترجوه أن لا يفعل.

*   *   *   *

ثلاثة أيام أمضتها في المستشفى كانت كافية لاسترداد عافيتها، والتأكد من سلامتها، والاطمئنان على صحتها.. فأذن لها بالخروج.

-نحتاج حضور زوجك ليوقع تصريح الخروج.

-إنه متوفٍ.

-رحمة الله عليه.. إذاً أحد أبنائك.

-أغلق الباب دوني وغادر " قالتها بعينين زائغتين "... " ثم أردفت " توسلت إليه، أقسمت عليه بذلك ، تبعته.. تبعته.

وشردت بذهنها إلى ما قبل عام من الآن حينما دفعت باب غرفتها، على صوت بكائه، ونشيجه، وتلويه كالملدوغ... حاولت معرفة ما به فلم يجبها، رأته يتفصد عرقاً، وينهش ذراعيه بأسنانه..

توجهت نحو الهاتف لتطلب الإسعاف فدفعها بقوة.. وخرج يترنح.. تبعته.. لحقت به فرأته يغادر غرفتها جهة الشارع وشيء بيده لم تتمكن من رؤيته ملياً...

بعد ساعة تقريباً عاد إليها بأحسن حال.

استمرت الأزمة تعاوده لشهور متقطعة دون أن تدرك علّته، وقسمه عليها أن لا تجلب له طبيباً مهما تأزم وضعه و إلا سيهجرها للأبد، حتى أتى اليوم المشئوم فاشتد عليه الأمر، وأخذ في تحطيم كل شيء أمامه وهو يبكي، ويصرخ، ويتلوى كالملدوغ، ووالدته تحاول ضمه إلى صدرها، والتخفيف عنه، وترجوه أن تستدعي الإسعاف فيصر على الرفض، لتضعه أمام الأمر الواقع، وتطلب الإسعاف فلا قدرة لها على تحمل مأساته... بعنف سحب سماعة الهاتف من يدها.. ثم دفع بها أرضاً... وأغلق الباب خلفه وغادر.. غادر.. رجته أن لا يهجرها، وتبعته... تبعته.. تبعــ...

*   *   *   *

-خالة... يا خــالة

-هااااه.. نعم..

-هل لديك مانعاً في أن أوقع عن ابنك تصريح خروجك؟

-شكراً على إنسانيتك يا دكتور.

*   *   *   *

تغادر المستشفى قاصدة منزلها.. ويدخل ابنها من خلفها المستشفى ليودع في ثلاجة الموتى لإصابته بنزيف في الدماغ جراء استنشاقه مخدراً سحق بزجاج.

 

 

 

لحظة الارتطام

 

لا مناص من تهشيم النافذة طالما أن الضباب بالتصاقه الحميمي بها، لا يهيئ لي إمكانية رؤيته بوضوح.

 

كنت قد أعددت لذلك عدتي، مطرقة، ومسمارٌ، وكيس بلاستيكي لأجمع الشظايا المتناثرة فيه.

 

أعلم أن هناك خلافاً ما بين كيس البلاستيك، والشظايا، لدرجة أن الشظية إذا استشاط غضبها قد تمزق كيان الكيس، وتفر من أسره متساقطة أرضاً.. وأخشى لحظتها أن تدمي قدمي.

 

" لا يهم، فأنا مصرة على ما هيأت نفسي له:

 

استقبلت النافذة بوجهي، المطرقة بيدٍ، والمسمار باليد الأخرى.

" ترى من أين أبدأ ؟"

هكذا حدثت نفسي.

 

-من المنتصف، فأحدث فجوة تمكنني من رؤيته ملياً، أم من جانبيها فيتساقط جزءٌ منها، ويتشبث الجزء الآخر!

 

انتابتني حيرة شديدة لفترة من الزمن، وامتدت ساعات الحيرة حتى تعرق المسمار في يدي، فارتدت حلّة من الصدأ، وخضّب أطراف أناملي، وجزءاً من كفي اليمنى دون أن أنتبه، انبعثت رائحة الصدأ الكريهة في أرجاء الغرفة حتى زكمت أنفي فلم أجد بداً من مواربة النافذة قليلاً ريثما تفر رائحة النتانة خارجاً، فيتجدد هواء الغرفة، ويستعيد نقاءه.

مددت يدي اليمنى جهة مقبض النافذة مريدة فتحها، فاستعصت، كررت المحاولة، فأصرّت على العصيان، والمسمار مازال متعرقاً في يدي، ومتشبثاً صدأه بأطراف أناملي، ولا مجال لطرحه أرضاً خشية اتساخ السجاد فيترك بقعة تصعب إزالتها.

 

مددت يدي الثانية لتساعد أختها في فتح النافذة، وقد نسيت أني أمسك المطرقة بها.... فسقطت المطرقة على طرف قدمي _ العارية _ بقوة موجعة، فصرخت صرخة مدويّة، ارتطم على إثرها رأسي بالنافذة ارتطاماً أفزع ( البلبل الجميل ) الذي اعتاد أن يقف كل بزوغ شمسٍ على أغصان السدرة المقابلة لنافذة غرفتي، ففر هارباً قبل أن أتمكن من رؤيته ملياً من خلال النافذة.

 

 

 

مريول المدرسة

 

-يجب أن لا ترمي الزجاجة في سلّة المهملات هكذا.. وأنت واقفة!

-إذن..! كيف أرميها؟

-عليك أن تحني ظهرك قليلاً.. ومن ثم تقومين برميها.

-ولماذا أجهد نفسي حتى أتخلص منها.. والأمر سهل جداً؟

-لأنك يا " ماما " إذا رميتها في سلة المهملات وأنت واقفة قد تنكسر فتكون شظاياها خطرة علينا!

*   *   *   *

ابتسمت له بإعجاب.. غادر المكان حيث يكون إخوته ليواصل اللعب معهم.. وأخذت في تقليب الجريدة وأنا لا ألوي على شيء مما قرأت، فذهني مازال يسترجع الاكتشاف المثير الذي يظن ابني بأنه قد اكتشفه، وأراد إيصاله إلي بكل ثقة.

*   *   *   *

( فهد ) في السادسة من عمره، وفي هذا العام بالذات يشعر بأنه كبر، وأصبح رجلاً يعتمد عليه، ويستطيع أن يبتاع بنفسه لعباً وحلويات من الدكان القريب من منزلنا دون طلب ذلك من أخيه الأكبر.

 

كيف لا ينتابه هذا الشعور، وحقيبته المدرسية لا تغادر فراشه بما تحويه من دفاتر، ومقلمة بداخلها قلم رصاص، ومبراة، وممحاة، ومسطرة صغيرة.

 

-ماما.. الأستاذ طلب مني أن أحضر قلماً أزرق، وأحمر مثل أختي ( منى ).

-من أين لك برؤية الأستاذ والعام الدراسي لم يبدأ بعد، والمدارس مازالت مغلقة؟؟

 

طأطأ رأسه، وابتسم ابتسامة خجل بريئة، ثم انصرف..

*   *   *   *

يرى العلماء بأن الطفل لا يكذب.. ولكنه يعيش أحلاماً، وتخيلات، من خلالها يتحدث بما لم يقع، وكأنه واقع بالفعل.

 

كثيراً ما أتهم ( فهد ) من إخوته الأكبر منه بأنه كذاب، بسبب القصص المثيرة التي يرويها لهم ويكون فيها البطل الشجاع.

 

كنت أحاول إفهام إخوته بأنه لم يع مفهوم الكذب بعد، وكل ما في الأمر تخيلات وأحلام طفل، وقد مررتم أنتم في طفولتكم بما يمر به الآن.

 

عدت للتو من السوق بمعية أخته الكبرى بعد أن اشتريت لها مريولاً للمدرسة، ارتدت المريول لتتأكد من أن مقاسه مناسب عليها، أثنى الجميع عليها وأنا كذلك.

انتبهت ولم أر ( فهد ) بينهم..!

 

-أين فهد؟!

-الجميع: هااااه... لا نعلم.

وجدته في فناء المنزل، كان يبكي، اقتربت وإخوته منه .

-لماذا تبكي؟

لا إجابة، .. ضممته إلى صدري، أعدت سؤالي:

-لماذا تبكي؟

-لا أرغب في الذهاب إلى المدرسة..

-لماذا يا حبيبي..؟

-أخشى أن يضربني الأستاذ...

-يضربك ..!!

-نعم، لأنك لم تشتر لي ( مريولاً ) للمدرسة...!

وضج الجميع بالضحك..

 

 

المصعد

 

حصلت على الجائزة الأولى في مسابقة نادي أبها الأدبي لعام 1424هـ

 

كان علي أن أجتث رهبة الانتظار بمعول الصبر، ولكن قواي خارت فحررت المحفظة من براثن حقيبتي اليدوية، وأخرجت عملتين ورقيتين من فئة الريال، ودسستها في جوف مقهى الخدمة الذاتية، وطلبت قهوة اكسبريسو.

 

قهوتي سكر زيادة، بينما منحني المؤشر نفاد السكر من الجهاز، ولم ينتظر لكي ألغي الطلب، بل أخرج لي من جوفه فنجان اكسبريسو سادة، ووضعني أمام الأمر الواقع!!

 

وددت لو أنى بمنأى عن أعين الناس لحطمت الجهاز، وهربت.. لا يهم إن قال مكتشف فعلتي " أنثى مسترجلة " فماذا كسبنا من النعومة، والرقة، والتكسر، والغنج سوى سيلان لعاب الرجال... إلى أن سارعت " الدوائية " بتصنيع " سنافي " الفحولة...

 

سحبت فنجان القهوة من جوف الجهاز، ثم سكبت محتواه في أول سلة مهملات قابلتني، رميت بالفنجان أرضاً ودست عليه بحذائي، ثم ركلته بقدمي بخفة، وصعدت الدرج.

 

لم يكن المصعد معطلاً عندما استخدمت الدرج، ولكني أرفض الكسل، وأشجع الرياضة، ورياضة صعود الدرج بالذات لدورها الفاعل في إنقاص الوزن.. ألا يكفي أني أتقزز من كرشٍ توارى- خجلاً – خلف ثياب رجالنا، وبطون مترهلة ضاقت بها ملابس نسائنا..

 

المرأة منّا لا تجرؤ على الاستغناء عن الكبسة في وجبة الغداء، ولو فعلت ذلك لكان مصيرها منزل والديها، تتبعها ورقتها... والعزاء لمن قطعت من شجرة...أو لا عزاء لها، سيان....

*   *   *   *

برشاقة، ونشاطٍ، وخفة، صعدت الدرج، وعند كل محطة استراحة كنت أرثي لأفواج المنتظرين للمصعد..

 

أحدهم وجد في الازدحام فرصة ليسلب ما يستطيعه من حقائب النساء.

أما الآخر فقد أودع ورقة صفراء صغيرة في جيب حقيبة فتاة برفقة والدتها، ارتباكها دلالة على رضاها عن تصرفه..

" هل ألفت نظر والدتها؟.. وما شأني بما حدث.. لتتحمل هي تبعات جسارتها.."

 

واصلت الصعود.. كان الدور الخامس محطتي الأخيرة، لم أتمكن من اجتياز الممر لضيقه، وكثرة منتظري المصعد.. الوضع هنا أفضل، فجموع النساء المنتظرات بمعزلٍ عن جموع الرجال.

طلبت الإذن لي بالعبور، فأفسح الرجال، ولم تبال النساء بطلبي، فكررت الطلب..

 

رجل أظهر نخوته.. وتكرم باستئذان النساء ليفسحن لي، كأنه لامس كتفي ليجعلني أمر بيسر من خلالهن... أظنه تعمد ذلك، فانتفضت امرأة بينهن وصرخت بصوتٍ مبحوح أن ابتعد عنها، ربما زوجته، بل من المؤكد أنها كذلك.

 

اجتزت الممر صوب العيادة، جلست على حافة كرسي وثير أنتظر، دقائق معدودة وتنادي الممرضة على اسمي..

 

الابتزاز، ونفض الجيوب سمة المستشفيات الأهلية، ولكنها تبقى الأرحم في التعامل من الحكومية، والأكثر نظافة ولا شك..

 

المستشفيات الحكومية تمنحك فرصة قراءة جميع روايات " حنّا مينا " أثناء فترة انتظار واحدة فقط.

 أرأيتم كم هي حريصة على تثقيفنا!!

 

نادت الممرضة على اسمي.. قفزت من مكاني.. دخلت العيادة.. وجدت الطبيب بانتظاري بابتسامته المعهودة..

لا أدري هل يبتسم لي أم لمحفظتي، ربما لبطاقة الصراف الأنيقة؟!!

 

جلست للكشف علي.. أزحت الغطاء عن وجهي.. أمر الممرضة أن تجهز الأدوات حينما كان يرتدي القفازين..

 

جُهِزت غرفته بجهاز حاسب، وآلة طابعة، وجهاز تلفزيون ملون بحجم راحة يد رجل يافع، وممرضة غاية في الجمال، والأنوثة، والسحر.. لا تفارق الابتسامة شفتيها..

 

وضع جهازاً يدوياً مضاء - يشبه القمع – داخل أذني ونظر من خلاله، فعل الشيء نفسه مع الأذن الأخرى، أحضر عوداً خشبياً شبيه بأعواد الأيسكريم، فتحت فمي، أدخله.. ضغط على مؤخرة لساني، خشيت أن أتقيأ في وجهه..

 

شخّص حالتي بالتهابٍ حادٍ في الأذن الوسطى، وزيادة في التأكيد، والاطمئنان أمرني بعمل أشعة على الرأس، منطقة الأذن، ريثما يكشف على المريض اللاحق، على أن أعود إليه حالاً.

 

ملأ ورقة الأشعة بطلاسم ثم مهرها بتوقيعه ودفع بها نحوي، خرجت قاصدة غرفة الأشعة، أذكر أنها في الجهة الأخرى من الطابق نفسه، بحثت في الممرات، لا أثر لغرفة أشعة هنا، رجعت للدكتور أسأله عن غرفة الأشعة فأخبرني بأنها في الدور الأرضي، في آخر الممر المقابل للاستقبال..

 

شكرت الطبيب، وذهبت باتجاه المصعد، اجتزت جموع النساء والشتائم تصم أذني، دست على قدم إحداهن فدفعتني بقوة.. لأصطدم بأخرى فاحتضنتني بحنو كي لا أسقط، تقدمت أكثر، وقفت أمام باب المصعد أنتظره متى ينفتح! 

 

 

بقعة حمراء

 

لم أعد أوليها اهتماماً كما كنت فيما مضى...

 

سابقاً، كنت أهيئ نفسي، استجمع ذاكرتي، واقتطع جزءاً من مكتبتي اضمّنه ما أنا بصدد قراءته، والاستمتاع به في حضرتها.. وساعة مجيئها من دواوين شعرية، وكتباً ثقافية، وقصصاً وروايات مبهرة .

 

كنت رغم طولها.. أجدها قصيرة نسبياً، حيث لا تمكنني من إشباع نهم القراءة لدي.. كثيراً ما كنت انصاع مرغمة على السفر بمعية الأسرة مما يترتب على ذلك حرماني من متعة القراءة، والمطالعة الجادة في الدمام.

 

العام المنصرم.. وقبل مجيء الإجازة بأسابيع قليلة حاولت استدرار عطف والدي لعله يرجئ سفرنا لأعوام أخرى.. لكنه قال لي:-

-ومن باستطاعته – يا ابنتي – احتمال شدة حر الشرقية، ورداءة جوها.. كيف تريديننا أن نستمتع بإجازة نهاية العام في جوٍ خانقٍ لا يطاق..!

 

ظللت واجمة.. بيد أن هاجساً لم أعِ كنهه كان ينفرني من فكرة السفر.. ويحدث قشعريرة في بدني، ورعباً لا استوعبه.

 

صرخة ( هيام ) في وجهي لم تغادر سمعي:-

-ماذا تريدين أن يقلن عنّي صديقاتي في المدرسة عندما يعلمن بعدم سفرنا.. هل يرضيك منظرهن وهن يتضاحكن، ويتغامزن ضدي؟!

*   *   *   *

 

( هيام ) أختي الصغرى، كانت مولعة بالسفر، والشراء.. تولي مظهرها اهتماماً مبالغاً فيه.. حيث لا هم لها سوى السفر.. والشراء .. والسياحة.. والمتعة.

لطالما استهزأت بي كلما رأتني منكبة على الكتب.

 

-يااااااه.. ألم تملي من كتب المراجع، والمحاضرات، حتى تدفني نفسك بين حـبر "المتنبي ".. ووريقات " طه حسين ".. ورفات " العقاد "

 

استمر معي الهاجس الموجع دون أن أعي كنهه.

*   *   *   *  

تسوقت "هيام" من هنا.. وهناك.. وتنـزهنا، فالجو والطبيعة الخلابة ثنائي يبعثان في النفس النشوة، والتحليق بخفة، والتنقل بطلاقة..

وظل الهاجس نفسه ملازماً لي.. لا ينفك عني لحظة..

بقدر ما حاولت تجاهله، بقدر ما كان قابعاً في ذهني وبشدة حيث لم أستطع تحاشيه، أو طرحه جانباً.

 

اقترح والدي أن ننتقل من مدينتنا التي نحن بها لمدينة أخرى طلباً لفسحة أعم وأشمل فوافقنا..

 

-أرى أن يكون انتقالنا بالسيارة لنستمتع بالمناظر الخلابة، والجبال الشاهقة، والشلالات البديعة.

وافقناه في مشتهاه، كان الطريق خانقاً، مزدحماً بالشاحنات، ضيقاً للغاية، ورغم ذلك كنت استشف البهجة في وجوههم.. وضحكاتهم.. وتعليقاتهم.. ونكتهم.. فأشاركهم متعتهم محاولة تناسي الهاجس اللعين.

 

قالت ( هيام ):

-سأبدع في مادة [ التعبير ] العام القادم.. وسأفوز بالدرجة النهائية.. وأغيظ زميلاتي.

ضجّت السيارة بضحكاتنا، وشاركتنا هيام الضحك حتى تصببت الدموع من عينيها...

فجأة... ارتبكت يد السائق، فقد باغته منعطف خطر.. بجانب ازدحام الطريق الضيق، حاول السائق التحكم بمقود السيارة.. وحاول.. ولأن المنعطف كان خطراً فقد هوت السيارة في وادٍ سحيقٍ.. سحيق... شيء واحد لم أتمكن من نسيانه، منظر دماء المتوفين وقد شكّلت مع بقايا وقود السيارة بقعة حمراء كبيرة.

 

 

كهلٌ متصابٍ

 

جاء بي إلى هنا عنوة، فرضخت للأمر الواقع، ولم أجادل..!! ثم ما فائدة الجدال مع ديكتاتورٍ مثله، لا يقيم للأنثى وزناً؟؟!!

 

حينما اقتادوني إليه، كنت على مشارف العشرين، وبدا لي كهلٌ متصابٍ، يمتطي الجينـز الضيق، ويعاقر الديسكو بصفاقة مقززة..

 

على مضضٍ مني تقبلته، وأمضيت معه ليالٍ ألوك المرّ، وأزدرد العلقم، ولم يبالِ، أو يشعر بما أنا فيه، أو لأقل أن لا إحساس لديه جهة الأنثى، ولا رغبة تثيره نحوها، ورغم ذلك فقد اقترن بخمس نسوة – قبلي – أمضى معهن سنوات، ثم ما لبث أن طلقهن واحدة تلو الأخرى، ولم يفصح لي عن سبب طلاقه لهن، كما أني أجهل سر تمسكه بي إلى الآن، مع عدم شعوري برغبته فيّ..!

 

بمعيته طُعِنتُ في أنوثتي _ أو هكذا شعرت _ ولزمت الصمت منكفئة على نفسي، وخيبة أملي، فلا صدر يحتويني بعد غياب أمي، وجلطة ألمت بأبي أفقدته السمع، والنطق معاً.

*   *   *   *

ما زلت أجد دفء أنامله وهو يمررها على عنقي، ويعبث بخصلات شعري، فأسدل جفنيّ على قبلة حانية منه، وقلب متسارع النبضات، فإذا انتبهت... وجدتها أيام خطبة أسدل عليها الستار بمجرد أن أقترن بي!!! ولا أدري لماذا؟

 

وقتها كنت أحس بفورة رجولته، ومتاعب المقاومة عليه، لذا لم أشأ إطالة فترة الخطبة...

اكتفيت بالثانوية العامة، وغالبت رغبتي في إكمال الدراسة من أجله..

 

أنفاسه الحارة وهو يطبع قبلة على عينيّ تثير شيئاً ما، وأغالبه على مضض..

واليوم!!! خلته شخصاً آخر.

ساورني شك أنني بين يدي آخر ( مستنسخٍ )..

 

مضت عشر سنوات، وأعين أخوته تتلصص مترقبة تكور بطني، والأنثى بداخلي يمارس السجان في حقها الموت البطيء..

 

كلما غفوت على وجعٍ، أيقظتني يدٌ مرتجفةٌ تغمس أناملها برفق بين عنقي، وخصلات شعري المسترسل، فتنتفض الأنثى في جوفي، وأسكتها، لتتوسد الوجع من جديد..

*   *   *   *

ما أن يضيق بإخوته ذرعاً، حتى يجيء بي إلى هنا، فراراً منهم!!

عدا تلك الليلة حينما ضاق بهم، احتد في النقاش معهم.. سبهم.. شتموه... تفوه بكلمات نابية.. أهانوه.. تطاول عليهم... فعيروه بشيء ما..

 

عرفت فيما بعد أن نساءه الخمس فارقهن وهن مازلن أبكاراً!

 

 

ذات الأربع أرجل

 

لم أكن مدججاً بسلاح الوساطات، حينما قرر رئيسي المباشر فصلي عن العمل، لوشاية (أظن) أن لا ذنب لي فيها.

 

خرجتُ لا ألوي على شيءٍ، تاركاً خلفي ملفاً مكتظاً بإجازات اضطرارية، واستثنائية، تحتضن وريقات غيابٍ (بدون عذرٍ) هي المتسببة في التهام جزء من مرتبي الهزيل.

 

أما ما كنت أخشاه، إدراج اسمي ضمن (موسوعة غينيس) بعد ضجر الملف من لفت النظر المتكرر لمخالفـات، وتجــاوزات (أظنها) كيدية، ويرى رئيسي المباشر العكس!!

 

خرجتُ لا ألوي على شيءٍ، و ذهني منشغل بمكتبي الأثــير [أين أذهب به، وزوجتي لا تستسيغ المكاتب]

مسكينة هي.. .. فعقدة أميّتها ولّدت لديها كرهاً، ومقتاً دفيناً للأخشاب ذوات الأربع أرجلٍ.

-أبيعه إذاً...!!

-أين... أين... أييييين؟

-في الحراج....

-أمجنون أنت..أجرة نقله إلى الحراج لن يغطيها ثمنه!!

-إذاً.....!!

 

( أحمد ).... أجل.... أجل... ( أحمد ) فقد أفضى إلي يوماً برغبته في المكتب.. ولم أعره اهتماماً... ولكني لا أعرف لمنزله طريقاً..!!

 

-أتصل به......

أحمد عبد العزيز ...............05431

أحمد المطيري ........055243

أحـــــ ... هذا رقمه ... -----055439

 

( إن الرقم الذي طلبته غير صحيح، فضلاً تأكد من الرقم الصحيح، وشكراً )

 

-يا إلهي... ماذا أفعل!!!

أقدمه لزوجتي هدية... نعم أقدمه لزوجتي هدية بعد أن أقترح عليها بالانضمام لمدرسة محو الأمية.

*   *   *   *

-" عقب ما شاب، ودّوه الكتّاب "

-ولكن " طلب العلم من المهد إلى اللحد "

-إذاً لا مانع لديّ، طالما أنك تود ذلك.

-ومكتبك هديتي لك أحضره غداً مساءً.

*   *   *   *

عن بعد يراقب بوابة مقر عمله السابق.

الواحدة بعد الظهر.. الثانية إلا ربعاً.. الثانية وعشـــ..

ممتاز... ها هو يغادر المقر....

*   *   *   *

دلف من خلال البوابة....

-أشكرك زوجتي العزيزة... لن أنسى لك تفريجك لضائقتي.

 

مكتب استقبال يتثاءب...

دهليز طويل ممتد، ومتفرع....

صالة انتظار كئيبة...

مكتب السكرتير حذو مكتبه.

سكرتير المدير متجهاً صوب مكتب المدير... بالتأكيد ينوي إغلاقه...

ما باله يهرول _ بمجرد رؤيته لي _ كمن اتقدت النار في جزءٍ من جسده!!!

تبعته... أغلق مكتب المدير خلفه... تصرفه كان مريباً... شككت في أمره..

طرقت الباب مرة.. مرتين.. ثلاثاً

وقلت:-

-لما لا تفتح؟

لم يجب...

أدرت مقبض الباب.. كان عصياً.... شددته بقوّة... ثم دفعت الباب..

دخلت... دخلت

وهالني منظر مكتب المدير.... فقد استبدل بمكتبي!!

 

 

ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى

 

تلاشت آماله بانسكاب آخر قطرة ماء كان ينوي ارتشافها...!

غادر للتو بوابة الجامعة.. تدغدغ الفرحة عيونه، ويكاد يعانق كل من يمر به في طريقه. 

الطريق أمامه قد اخضر بآمال انتشت بعبق الزهور..

صدى صوتها يأتيه عبر أثير الفرحة:

-       رفضت يا بني محاولات أبيك المستميتة في أن يبني لنا فيلا جديدة، في حيٍ راقٍ.

*   *   *   *

رغبتها التي ما فتئت ترددها أمامه، وقوفها بجانبه، تذليل كافة المصاعب، نشوة استقبالها له كلما قام بزيارتهم، شريط حافل بسجل الذكريات يراه على صفحات كتبه فيضاعف من التهام المعلومات.

حتى لا يؤذي زميله المشارك له في غرفته، كان يكتفي بالاستذكار ليلاً تحت ضوء "الأباجورة"

*   *   *   *

 [لن أرضى بفيلا جديدة ما لم يكن قد خططها ابني المهندس " أحمد "، وأشرف على بنائها]

 

-       لله درك يا أمي، وهل أتأخر عن تحقيق طلبك؟!

 

[لا تأبه يا بني بشأن البعثة، فأمرها هين، فقط شرفنا بالامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، ودع الباقي لي]

هكذا كان عم أحمد يستنبت الآمال في نفسه:

[البعثة هديتي الثانية لك عند التخرج، أما هديتي الأولى ابنتي "عهد"]

 

-       أواه يا " عهد "، كم أنا مشتاق لك، ولبيتنا القديم الذي لطالما لمّ شمل طفولتنا، في باحته لهونا، رسمت " الشكة " فلعبنا سوياً، كنت في كل مرة تتفوقين عليّ...!

تلك النبتة التي غرستها بيديك، وسقيتها بيدي، هل ما زالت كسابق عهدنا بها؟؟!!

*   *   *   *

شريط حافل بسجل الذكريات دار أمام عينيه لحظة أن غادر بوابة الجامعة، وأثناء ركوبه السيارة..

جهز له حافظة من " الشاي المنعنع "، وأخرى بها ماء بارد، وقطع من البسكويت التي أحبها لحب " عهد " لها، جعلها زاده في سفره من المدينة إلى قريته، وعن يمينه حقيبة تحوي هدية خاصة لوالدته...

 

الطريق طويل، ويكاد يقطع طوله أصوات تأتيه عن بعد:

[لن أرضى بفيلا جديدة ما لم يكن قد خططها ابني المهندس " أحمد "، وأشرف على بنائها]

*   *   *   *

 [البعثة هديتي الثانية لك عند التخرج، أما هديتي الأولى ابنتي "عهد"]

 

 عن بعد رأى شجرة تكاد تخترق عنان السماء...

-       آه... ربما هي النبتة التي غرستها " عهد " وسقيتها بيدي، (ثم تناول كأساً من الماء)... حدّق فيها وغابت به الذكريات فلم يفق إلا على صوت شاحنة بينه وبينها بضعة أمتار...

 

قفز من خلال نافذة السيارة بجسده، وروحه طالباً النجاة، فكان أن استقبلته حافة صخرة حطمت جمجمته فحولتها أشلاء مبعثرة، وعن يمينه حقيبته وقد تحطمت، واتضحت من خلالها وثيقة تخرجه كتب عليها (ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى).....!

 

 

 

غداً يأتي الله لنا بخير

 

ولأن الأيام حبلى بالمواجع، آثرت الانزواء، والعزلة، على أن أزدرد مواجعها، وأتجرعها بألمٍ مضنٍ.

 

-" إلى متى وأنت منطوية على نفسك، أما آن لهذا الصمت أن يتحرر من براثن عزلتك، ويطلق لمداه العنان "

قالت أمي، ثم استدارت باتجاه المطبخ لتجهز العشاء ريثما يعود والدي من عمله..

 

لم يكتف والدي بعمله النهاري، بل اجتهد في سبيل حصوله على وظيفة أخرى براتب معقول!

كان يقول لنا:

-" لا يكاد راتبي المتواضع يلبي احتياجاتي الأسرية، أو حتى يجاري متطلبات المعيشة، ولست أرضى لكم بعيش الكفاف، بل أريدكم بمستوى يليق باسم العائلة، ويحفظ ماء وجوهكم "

 

هكذا كان والدي يبرر لأمي، ولنا سبب سعيه الحثيث نحو زيادة دخله، وغيابه المتكرر عن المنزل، مما يضطره للمبيت خارجه في أغلب الأحيان.

*   *   *   *

اقترن أبي بوالدتي مقابل حفنة من الريالات مهراً لها فانتقلت من بيت أب ثري، موسر، إلى عش زوج فقير، فقره مدقع، لكنها رضيت به، وقنعت بشظف العيش معه غير آسفة على تركها لدار والدها العامر.

عشت جزءاً من أيام فقرهم، وشظف عيشهم فأنا ابنتهم البكر.

كانت أمي في حضرة والدي، ونحن على سفرة الطعام تبطئ في مضغ الطعام، و أحياناً تتظاهر بالشبع، وما أن يسحب أبي يديه حامداً الله على نعمته، حتى تلتقط بقايا الأكل المتناثر منه، وتلقمنا إياه، أما هي فتكتفي بلعق أصابعها.

عندما دخلت المدرسة أذكر أن المعلمة لقنتنا يوماً ما فضل الأم، وضرورة برها والإحسان إليها... وروت لنا قصة الأم الفقيرة وابنتيها عندما طرقت منزل السيدة عائشة – رضي الله عنها – زوج الرسول صلى الله عليه وسلم تطلب طعاماً تسد به جوع ابنتيها، وجوعها، وتسكت بكاءهما، فلم تجد السيدة عائشة – رضي الله عنها – سوى ثلاث تمرات دفعت بها إلى الأم...أكلت البنتان تمرتيهما بسرعة، وما أن همّت الأم بنصيبها لتأكلها حتى انتبهت إلى ابنتيها وعينيهما باتجاه التمرة فقسمتها نصفين بينهما وظلت جائعة!!

*   *   *   *

كنت الوحيدة بين أخواتي البنات أرقب أمي عن بُعد، استشعر صبرها ، أتلمس معاناتها، وأستشف وجعها من ملامح وجهها، وتهالك حالها، بيد أنها لم تحاول في يوم إظهار تذمرها من سوء حال أبي في غيابه، أو حين تواجده بيننا.

 

بعد تخرجي من المرحلة الابتدائية بسنتين توفي جدي لأمي، فورثت عنه أمي مبلغاً لا بأس به.. دفعته إلى أبي لكي يستثمره، ويتاجر به، بعد لأي وافق على مضض مدعياً أن الرجل لا حق له في مال زوجته، مارس والدي ركضه في مضمار رجال الأعمال، كلما دخل المنزل أبدى تذمره من حال السوق، وتردي حركة البيع والشراء.

 

( هوّن عليك يا أبا "سمية "... غداً يأتي الله لنا بخير )

هكذا كانت والدتي تواسيه، وسمية هي أنا، فلم يرزق أبي سوى أربع بنات.

 

في يوم دخل علينا والدي شبه منهار، يداه ترتجفان، والعرق يتصبب منه!! حاولت أمي استكناه حاله، وما قد ألم به، بيد أنها لم تستطع لتردي وضعه، فتركته ريثما تهدأ نفسه، وتستقر حاله.

*   *   *   *

-خسرت تجارتي يا أم "سمية"، كل قرش وضعته، تلاشى في غمضة عين.

بشيء من الفزع قالت والدتي: كيف يا أبا سمية؟

-الباخرة المحملة بصفقة الأرزاق التجارية غرقت عن بكرة أبيها.

وقد علا صوتها قليلاً: قل شيئاً غير هذا يا رجل!!

-هو ما حصل يا أم "سمية"

-حسبنا الله ونعم الوكيل، لا حول ولا قوة إلا بالله، إن لله وأنا إليه راجعون.

وبعد فترة صمت طويلة قالت أمي: عوضنا على الله يا أبا "سمية".. غداً يأتي الله لنا بخير.

*   *   *   *

رغم ظروفنا العصيبة، وتراجع حالتنا المادية، وانكسار أبي في السوق، إلا أنني استطعت التغلب على الظروف فكافحت دراسياً، وثابرت، وسهرت، واجتهدت حتى نلت شهادة الدكتوراه في طب الأطفال.

 

كان والدي خلالها يحاول ترميم وضعه المادي، واسترداد اسمه في السوق، أو إعادة صقله من جديد، بينما شغلت نفسي بعملي.

 

اليوم أول أيامي في الوظيفة، بدأته بجد ونشاطٍ، استطعت أن أبدد متاعبي الأسرية وأنا أمارس وظيفتي، وأعالج عصافير الجنة متنقلة فيما بينهم.

حين دخولي عيادتي، أو خروجي منها ابتهج برؤية اسمي معلقاً يمين الباب:

[ عيادة الدكتورة سمية أنور سامي العدنان ]

*   *   *   *

-دكتورة، بالخارج امرأة تحمل طفلة مصابة بالتشنج!

-دعيها تدخل.

بصوت يملؤه الخوف والفزع، مساء الخير دكتورة.

-مساء النور، تفضلي، ضعيها هنا على السرير.

-هاه، ماذا بها، ما الذي أصابها ؟

-كانت تلعب مع أخيها الأصغر – في غفلة مني – وبينما هما يتراكضان سقطت على رأسها فأغشي عليها وأغمي إلى أن أصبحت كما ترين.

اتخذت الإجراء اللازم، والفحوصات الضرورية، عند وقوع مثل هذه الحالات..

-اطمئني، كل شيء على ما يرام، حالتها جيدة ولا خوف عليها، وستسترد وعيها بمجرد أخذها للإبرة، فقط تحتاج لعناية مركزة لساعات، بمرافقتك طبعاً، فهل لي باسمها حتى أحرر لها ورقة دخول...؟

-[ هاجر أنور سامي العدنان ]

بصوت مرتفع..: نعم...؟ ماذا قلتِ...؟

-[ هاجر أنور سامي العدنان ] 

 

 

 

الفهم المفرد

 

خرجت بصحبة صديقٍ لي في يومٍ ممطرٍ شاتٍ، وخلال تجاذبنا أطراف الحديث قاطعني بقوله:

-ماذا تقول..!؟ (يالرداءة خطك)!

-عفواً عزيزي.. ما بال سمعك.. هل تشظّى؟ قم بنقل نقطة الخاء وضعها فوق الطاء.. ثم أعد نطق الكلمة من جديد.

-أوه... عذراً فهدير سيارتي " السكراب " أصاب سمعي بالثقل.. ثم لماذا تصف حظي بالرداءة.. هل رأيته فكان دميماً.. أو لمسته فوجدته بالياً؟

-ألطف بي يا الله.. كيف يمكنني التخاطب معه..؟

-ماذا؟؟... [ وقد فغر فاه ] .. هل أنا امرأة حتى تخطبني يـ [ .... ]... هل جننت يا فتى؟

 

كدت أفقد صوابي بسببه، حتى ألهمني الله فكرة تغيير الموضوع.

-المهم هل أحضرت البطانية، فالبرد يبدو قارساً، أم ستضطرني إلى التحاف السماء..؟

-[ بصوتٍ مرتفع ] استغفر الله.. استغفر الله..!! اللهم لا تحاسبنا بما فعل السفهاء منّا.. اللهم لا تحاسبنا بما فعل السفهاء منّا..

-ما بالك يا رجل؟ مالي أراك تهذي..؟ هل أصبت بمس؟

-كيف تسمح لنفسك أن تتخذ السماء لحافاً، والله أعجز الإنسان عن إمكانية بلوغها، وملامستها بأطرافه..؟!

-أيها العقيم لغوياً.. أما بلغك أن اللغة عميقة.. وتحتمل عدة معاني.. وتـ....

-عميقة.. عميقة.. إذاً فاحذر من مغبة الوقوع في جوفها حتى لا يطمرك التراب..... رفع صوته مقهقهاً.

فما كان مني إلا أن أدرت مفتاح السيارة، ووليت هارباً لأحتفظ بما تبقى لدي من عقل..!

 

 

صديقتها الأثيرة

 

حصلت على الجائزة الأولى في مسابقة نادي الطائف الأدبي لعام 1424هـ

 

بشيٍ من الحذر أدرتَ مقبض الباب، وبحذرٍ مضاعف فتحته، ودلفت بجسدك الخائر، المترنح من السُكر، تدندن بصوتٍ خفيضٍ، خشية أن توقظ من بالبيت..

 

" هل... رأى.. الحبُ... سكارى.. سكارى.. مثلنا...آآآآآآه ه... مثلنا.."

" كم... بنينا... من... من.."

والترنح يكاد يسقطك أرضاً...

" من خيالٍ... حولنا..."

" ومشينا.... ومشينا..."

( بل قل ترنحنا )

" ومشينا... في.. طريقٍ... مظلمٍ "

( شديد الظلام )

" وعدونا، فسبقنا، ظلنا..."

لست أرى لظلك سابقاً، والصبح يوشك أن ينفلق..

 

على أطراف قدميك العاريتين مشيتَ، متأبطاً فردتي حذائك، اجتزت صالة الجلوس، سرتَ باتجاه المطبخ، بدت لك المسافة طويلة، وأنت تقطعها على أطراف قدمين عاريتين، متأبطاً فردتي الحذاء، تشعر بغثيان، وعطشٍ في آنٍ واحد، والمسافة طويلة لتصل إلى الثلاجة، أو هكذا بدا لك..!

بيدٍ خائرة فتحت الثلاجة، أخرجت قارورة ماءٍ باردةٍ، لثمت فمها البارد بشفتيك الولهة، أفرغت ما بداخلها في جوفك، مددتَ يدك نحو قارورة أخرى، امسكتها ، تمنعت، انتفضت بين أصابعك، فسقطت منك، كدت أن تقع، فقد تمكن منك السكر، تمسكت بمقبض الثلاجة..

 

أدرت ظهرك ناوياً الخروج، وجدت الباب مغلقاً، تعجبتَ، فلم تغلقه خلفك حينما دخلتَ، أو لست متيقناً من ذلك لشدة إعيائك، وسكرك... فتحته... فتحته... فتحته أكثر، كأنك لمحت خيال رجل شبه عارٍ، هبَّ واقفاً من فوق سرير اضطجعت عليه امرأة عارية تشبه خادمتكم " المصون "!

 

 

قبل أن تتحقق من وجهيهما، دفعك خيال الرجل بشدة، وفرّ هارباً باتجاه مدخل الخدمة للفيلا..

 

لم تأبه بما رأيت، وربما لم تستوعب ما حدث أمامك، وبأنك اقتحمت على الخادمة غرفتها الملحقة بالمطبخ الخارجي..

 

كأنك استوعبت، فخفت أن تلبسك تهمة.. سارعت بالخروج متجهاً صوب غرفتك في الدور العلوي، صعدت الدرج، أزعجك كونه حلزوني، دوار تملك رأسك، بشدة قبضت على الدرابزين، واجهتك غرفة أخيك الأكبر وصوت أنّاتٍ أنثوية تصدر منها امتزج بصوت طفلٍ رضيع بح من كثرة البكاء..

 

واصلت سيرك فمررت بغرفة أختك.. كثيراً ما استضافت بها صديقتها الأثيرة على نفسها، تراجعان المحاضرات معاً، أو تتجاذبان أطراف أحاديث شيقة، وكنت تتلصص عليهما مفتوناً بصوتها الأنثوي ، الرخيم، وتحاول اختلاس نظرة لها..

 

كم مرة ضبطتك والدتك في جرمك المشهود هذا، و أنبتك عليه، ولم تبال بتأنيبها!!

 

أختك الآن نائمة، ومستغرقة في نومها، ووالدتك كذلك..

اتخذت لك غرفة نوم متطرفة كي لا يتلصص عليك أحد حين توجهك لغرفتك، لذا بدا لك الطريق طويلاً أمام إعيائك الشديد، فقد أسرفت في الشراب.

 

لم تصدق أنك وصلت غرفتك، دخلتها، نسيت الباب موارباً، ألقيت بشماغك، وعقالك على الأريكة، سقطتْ فردتي الحذاء في مكان قريب من السرير، ارتميتَ بثقلك على سريرك، نسيت أن تشغل جهاز التكييف، جلت بنظرك باحثاً عن جهاز التشغيل، لم تجده ، تأففت، وأنت مستلق على ظهرك فتحت أزارير ثوبك، سحبت ثوبك للأعلى، بصعوبة خلعته، قذفت به يميناً، وانقلبت على بطنك، ثم لم تعد تذكر ما حدث بعده!

 

عند السابعة والنصف صباحاً، طرقت أختك الباب، حان موعد ذهابها للكلية، كررت الطرق، ولم تستجب لها.. لم تستيقظ..

 

حينما لم تجبها، دفعت باب غرفتك برفق – فقد نسيته موارباً -.. دخلت، دخلت، بدت الغرفة مبعثرة، شماغ هنا، وثوب هناك، اقتربت منك لتوقظك، اقتربت أكثر، تعثرت قدمها في فردة حذاء، بقدمها أزاحتها عن طريقها برفق، وهي تنظر للأسفل، فتفاجأ بأن ترى فردة حذاء واحدة لك بجانب فردة حذاء لصديقتها الأثيرة!

 

أضيفت في 22/01/2009/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتبة

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية