أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى

التعديل الأخير: 07/08/2009

مجموعات قصصية / الكاتب: طلعت سقيرق

احتمالات

إلى صفحة الكاتب

لقراءة المجموعة القصصية

 

 

المجموعة القصصية

أبو الريش.. وحالة ضياع

احتمالات

القبو

 زهرة حب لنهار جديد

انتظار في الشارع الخلفي غزل من نوع خاص رجل بلا ملامح الـــذي

الآخر

أمام الباب

الجراد

 

احتمالات

قصص قصيرة

من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

 

الإهداء

إلى أربعة أقمار من الحب

في حياتي .. أخوتي:

رجاء  عصمت  رأفت  أمل

أهدي

طلعت

 

 

زهرة حب لنهار جديد...

 

البحر يمتد بزرقة لانهاية لها..... الشمس تسعى نحو الغروب... ... الناس يتجولون هنا وهناك جماعات وفرادى... . نفض ما علق على جسمه من ماء بحركات متتابعة... نسمات لطيفة لامست خلايا جسده، فشعر بقشعريرة... . رمقه أحد الأطفال بنظرة صافية متأملة، فابتسم له... . الشاطئ المسكون بالحركة والسحر والجمال، يمتد... الوجوه هادئة كأنها ذاهبة في عالم من حلم .‏

توقف قليلاً... مسح شعره بيد مرتعشة.. تابع خطواته... الرمل الناعم يلتصق بقدميه ثم ينزلق تاركاً بقية لا تريد أن تغادر.. شعر في لحظة ما أنه يسقط عن كتفيه تعب سنين طويلة.. عندها تمنى أن يعيش ماتبقى له من عمر إلى جانب هذا الأزرق الساحر... كان يعرف أن البحر رائع بكل ما فيه... .‏

اقترب من الكرسي.. نفض عنه بعض الرمال بحركة آلية ساهمة.... جلس بهدوء... غرز قدميه في الرمل الرطب... . أغمض عينيه... جاءه صوت الموج مثل موسيقى تثير الأحلام وتحرك مراكب الحنين والشوق... بين تناوب المد والجزر، بحركات بطيئة هادئة، كانت قصيدة الوجود الساحر تحفر ظلالها في كل كرية من كرياته... أذناه تسكنان النغم، تأخذانه، تذهبان معه... أحس أنهما معلقتان على طرف موجة تفرد جناحيها وتطير كعصفور في الفضاء الرحب الواسع.. انبعثت في داخله صرخة مأخوذ " يا ألله كم أنت رائع أيها الكون "... ثم قال بصوت دافئ:‏

- ليتها أتت معي... الوجود أجمل من أن نشوهه بأشيائنا الصغيرة... !!‏

كان صوت الموج يسكنه تماماً.. العالم من حوله استرخى.. قفز وجهها الجميل إلى مخيلته، وأخذ يرسم صور الأيام الماضية... انبعث صوت الداخل: " الحياة تستحق أن نعيشها... كل شي فيها جميل " نام على ذراع موجة وأخذ يحلم بأشياء جميلة .‏

***‏

من غرفة إلى غرفة أخذت تنتقل... خطواتها هامسة... تداعبُ الأشياء وتحدثها في بعض الأحيان... ما أن تجلس، حتى تتذكر شيئاً ما كانت قد نسيت أن تفعله.. تذهب إلى غرفة أخرى... تضع الوسادة على السرير... . ترتب الأغطية.. تذهب إلى المطبخ، تأخذ في تلميع الصحون بخرقة بيضاء جافة... ودون أن تهدأ تذهب إلى الشرفة، تسقي النباتات واحدة، واحدة... تدور وتدور.. يداهم الألم ظهرها، فتقف جامدة وترفع يديها إلى الأعلى وتنزلهما عدة مرات... .‏

هناك في الغرفة التي أحبتها دائماً، تجلس على الكرسي، تمد قدميها على البلاط النظيف... تقع عيناها على جهاز الهاتف.. تتمنى أن ينبعث الرنين.. تتخيل حديثه العذب.. تندفع في أذنيها موسيقى الحروف وهي تخرج من فمه.. تقول بهمس :‏

- ليته بقي هنا... لماذا ذهب ؟؟؟‏

كانت تتمنى أن يتصل من هناك.. أن يقول أي شيء... اقترب وجهه من مساحة نبضها... شعرت بأن آلاف الأوتار تعزف لحنها المحبب.. في فسحة الحلم تحولت إلى عصفور أخذ يحلق في الفضاء الرحب.. ارتسمت على شفتيها ابتسامة لا حدود لها. وحلّقت في فرح...‏

***‏

في الإناء الزجاجي الصغير، كانت السمكة تدور باحثة عن مخرج... كان الطفل مأخوذاً بحركاتها وألوانها الغريبة إلى حد ما... قال :‏

- اصطدتها من البحر ياعم.. الحقيقة أبي اصطادها لي...‏

نظر في عيني الطفل البريئتين وقال :‏

- لكنها صغيرة يا بني... ماذا ستفعل بها ؟‏

أجاب الطفل :‏

- سآخذها إلى البيت عندما نعود.. ربما سيصطاد أبي واحدة أخرى...‏

- لا تحرمها من البحر يابني.. أعدها ..‏

قبل أن يكمل ابتعد الولد فرحاً بسمكته.. ارتسمت الضحكة على شفتيه، ثم رفرفت في الفضاء القريب.. عندما كان صغيراً، ربما بعمر هذا الولد، كان يصطاد الأسماك بشبكة معدنية صغيرة.. يحدق في حركاتها قليلاً... ثم يعيدها إلى البحر.. يتذكر كيف كان والده يضحك ويهز رأسه باستغراب ربما !! أمه كانت تقول:" هذا الولد مليء بالحنان... لا يحب أن يعذب أي مخلوق".‏

ذهبت عيناه في البعيد.. قفزت الصورة إلى ذهنه صافية لامعة.. كانت زوجته هدى إلى جانبه... معاً أخذا يستمتعان بجمال البحر وسحره.. ذات مرة، أمسكا شبكة معدنية صغيرة، أنزلاها بهدوء، رفعاها، خمس سمكات أخذت ترف.. أعادها بحركة آلية إلى البحر.. ضحكت هدى... قالت:‏

- لماذا اصطدتها مادمت ستعيدها إلى البحر؟؟‏

قال: - سبحان الله ما أجملها.. لكن من الصعب أن نحرمها من بحرها...‏

أخذ يحكي لها عن طفولته.. عن عشقه للبحر.. عن حبه للحرية... قال:‏

أتدرين ياهدى لاشيء مثل البحر يعبّر عن الحرية.. البحر هو الحرية.." عندما عادا في القطار.. أخذت تحدثه عن طفولتها.. قالت :‏

أتدري لم أعرف البحر من قبل.. عندما ذهبت معك أول مرة كنت في غاية الخوف.. أتذكر؟؟‏

أرسل ضحكة صافية.. رنت ضحكته مثل شلال.. التفت بعض الركاب، نظروا إليه، وانتقلت إليهم صورة الابتسامة...‏

عاد الطفل فرحاً بعد أن اصطاد أبوه سمكة أخرى... السمكتان تدوران في الإناء الضيق.. نظر إليهما وشعر بالحزن.. ابتعد الطفل.. بقيت دوائر الحزن معلقة في عينيه.. أخذ ينقل خطواته على الشاطئ الفسيح.. اقترب من الماء المالح.. ألقى جسده وأخذ يسبح.. استلقى على ظهره... . أغمض عينيه.. ترك جسده لحركة المد والجزر... كان البحر أمَّاً لا تعرف إلا الحنان... أخذت المسافات تتراقص بهدوء وجمال..‏

زوجته هدى إنسانة رائعة.. تذكرها بعمق... قال:‏

- لماذا أصرت أن تبقى وحيدة في البيت ؟؟‏

ما أن يغضب الإنسان حتى تتطور الأمور.. هز رأسه بأسف... شعر أنه يسرق أشياء كثيرة من حياتها بابتعاده عنها.. فتح عينيه.. وقف على قدميه.. وأخذ يمشي بهدوء نحو الشاطئ...‏

***‏

الجارة أم ربيع قالت :‏

- الله يعيده لك بالسلامة ..‏

أخذت تحكي عن حب الجيران له..... هزت هدى رأسها موافقة... كانت تعرف مدى حب الناس لزوجها عبد العزيز..." ولماذا لا يحبه الجميع "؟؟ رجل بكل معنى الكلمة... مسكون بالحب... يساعد الجميع.. ابتسامته لا تعرف الانطفاء.. تركتها أم ربيع لشرودها وذهبت... في العام الأول من زواجهما، وبعد مرور عدة أشهر كانت الصدمة، قالت الطبيبة يومها:‏

- التحليلات تثبت أنك غير قادرة على الحمل ياسيدة هدى....‏

لاتدري كيف استطاعت أن تبتلع الصدمة... عندما وصلت إلى البيت، وقفت أمامه حائرة ضائعة، تائهة.. بارتعاش قالت:‏

- اسمع يا عبد العزيز... بإمكانك أن تتزوج من أخرى... لن أحرمك من الأولاد.. أعرف كم تحب الأطفال...‏

بعدها أخذت تحكي عن أشياء كثيرة... من خلال دموعها تفجر حزن العالم كله...‏

وضع يده بحنان على كتفها وقال:‏

- اسمعي يا هدى... كل شيء بيد الله.. أنت عندي أهم من الأولاد.. لا تقلقي...‏

رجته أن يتزوج... كانت تتمزق.. ترجوه وتنزف ألماً وانكساراً... أرادت أن يكون سعيداً في حياته.. لكنه بإصرار أبى، كان حبه لها أكبر من كل شيء..... ضمها إلى صدره......‏

مسح دموعها بقلبه وضلوعه.. ومضت السنوات.. السنوات الطويلة.. دون أن يشعرها في يوم من الأيام بأنه حزين.. أحياناً كثيرة كانت تشعر أنها ظلمته.. لكن ماذا كان عليها أن تفعل؟؟ هو لا يريد سواها... وهي في داخلها سعيدة بقراره هذا.. مرة قالت له :‏

- لماذا لانتبنى ولدا‍ً يا عبد العزيز ؟؟‏

قال:‏

- لا يا هدى ..تعودت على الحياة هكذا.. اطمئني...‏

وقتها، ورغم سعادتها، شعرت بغصة في القلب... لكنها آثرت الصمت... .‏

في بعض الأحيان كان يثور.. لابد من حدوث بعض المنغصات... كلمات.. عتاب... يتطور الأمر ويكبر.. ثم تعود المياه إلى مجاريها صافية هادئة.. لكنها المرة الأولى التي يتطور فيها الأمر إلى هذا الحد.. فجأة، وبعد ثورة من ثوراته، قرر أن يذهب إلى البحر... قال" بإمكانك أن تأتي" لكنه كان يريد أن يذهب وحيداً.. قرأت كل شيء في عينيه الثائرتين.. ما تعودت أن تبقى هكذا وحيدة.. كانت تشعر أنه الهواء الذي تتنفسه.. فكيف مضى هكذا... وتركها..... ملأت الدموع عينيها، وأخذت تبكي بحرقة .‏

***‏

شعر أنها تناديه.. سمع صوتها رغم طول المسافات.. لا أحد يستطيع أن يصدق أنه سمع صوتها.. لكن كثيرين من الأهل والأقارب آمنوا أنهما يستطيعان التخاطر عن بعد.. سنوات طويلة من الحب والتفاهم والقرب، جعلتهما متوافقين إلى حد غريب.. انبعث صوتها حاداً وكأنها تطلب النجدة.. بقلق وضع ملابسه في الحقيبة .‏

***‏

أخذت ترتب البيت.. عرفت أنه سيعود.. نظفت للمرة العاشرة الكرسي الذي تعود الجلوس عليه... مسحت الكتب.. صفّتها بالطريقة التي تعجبه... جهزت الطعام الذي يحب... وقفت أمام المرآة وأخذت تمشط شعرها، وتحاول أن تخفي الشعرات البيضاء.. ارتدت أجمل ملابسها.. وضعت في المزهرية عدة وردات.. جلست على الكرسي الذي تحبه.. كانت تشتعل بأروع انتظار...‏

***‏

صعدأول درجة.. تركتْ الكرسي.. الثانية.. خطتْ خطوتين... الثالثة.. الرابعة.. الخامسة.. السادسة.. كان باب البيت أمامها.. أخرج المفتاح من جيب بنطاله... وضعت يدها على مقبض الباب... وضع المفتاح.. أداره... أدارته.. انفتح الباب.. وارتسمت على الوجهين ابتسامتان بحجم العالم... عندها كانت الزهور التي في المزهرية، وتلك التي في الشرفة، ترسل عطرها وتحاول بكل ما لديها من فرح، أن تضحك لنهار جديد... .....‏     

 

 

القبو

 

السماء تمطر.. الزجاج الأمامي يغطيه الغبش.. ترسم المسّاحة وهي تتحرك جيئة وذهاباً جزءاً كبيراً من دائرة... السائق يرفع زجاج الشباك إلى الأعلى... يصفّر.. ينحني قليلاً محدقاً في الطريق... أضواء الشوارع تحاول أن تزيح عتمة المساء.. أغصان الأشجار العارية تحدق في الفراغ... وجوه المارة تقبض على حالة هلامية.. تقطع السيارة المسافات ببطء..‏

وحده العجوز كان يضحك.. يهز رأسه مثل بندول الساعة ويضحك...‏

قلت بملل: كأنَّ هذا الدرج لا نهاية له .‏

قالت: ستجد في القبو كل ما تريد... أتعرف؟ كان جدي رحمه الله مولعاً بهذا القبو.. أذكر أنه كان يمضي فيه ساعات طويلة... قلت: أشعر أن النزول لا يتوقف... غريب أمر هذا الدرج...‏

تأمَّل العجوز الدرج ..من جديد هزَّ رأسه وأخذ يضحك...‏

أذكر أن رأسي كان على الوسادة.. عيناي مفتوحتان تحدقان في الخطوط المرسومة على الجدار.. ربما كانت غير ماهي عليه الآن قبل حلول الظلمة وانعكاس هذا الضوء الباهت عليها.. أخذت الخطوط تتلوى.. أعرف أنه الوهم.. كنت مدركاً لهذا تماماً.. رغم ذلك خفت.. اضطربت أنفاسي.. الهواء أخذ يقل.. مجرد شعور.. لكن متى كان حدوث الأشياء ينفصل عن الشعور...‏

أدار العجوز ظهره وآثر الصمت.. أخذ يمر بعينيه على الأشياء.. فرقعت ضحكته دون مقدمات ..السائق أنزل زجاج الشباك قليلاً.. دخل الهواء محملاً برائحة المطر.. مالت السيارة قليلاً عند المنحنى.. الفتاة الجالسة إلى جانبي التصقت بي.. عيناها تغرقان في المسافات البعيدة... شعرت أنها تحاول أن تبعد الجزء الملتصق بي... أحد الركاب نظر إليّ بارتياب.. انكمشت قليلاً مع أنني كنت مرتاحاً لالتصاقها بي...‏

حاول العجوز إطباق شفتيه دون جدوى...‏

يومها قال أبي: أنت لا تريد أن تفهم... الحياة ليست هكذا يابني ..‏

قلت: لكنني أحبها .‏

قال: تحب، وماذا ستطعمها؟ أريد جواباً محدداً.. هل ستطعمها حباً؟ حاول أن تتخلص من هذه الأحلام الوردية.. افهم الحياة أكثر يابني ..‏

كنت أظن أنني الوحيد الذي يفهم.. الوحيد الذي يستطيع أن يرسم أبعاد الحياة...‏

كان العجوز وقتها متكئاً على طرف الأشياء.. عيناه تشعان بحكايات كثيرة.. تمنيت أن يتحدث.. أن يترك ضحكاته ويقول أي شيء ..‏

قالت: أمرك غريب.. أريد ولداً واحداً فقط.. من حقي أن أشعر بالأمومة ..‏

قلت: ولماذا تذكرت الولد الآن؟ لاأريد.. ألف مرة قلت لك لا أريد..‏

- لكن أسبابك غير مقنعة .‏

- أنا مقتنع... هذا يكفي بالنسبة لي على الأقل ..‏

العجوز أمسك يد الولد وأخذا يركضان ويضحكان....‏

تركت الخطوط وأخذت أنقّل طرفي في الغرفة.. الزوجة تنام بهدوء.. صوت أنفاسها يرتفع.. الأولاد يتوزعون هنا وهناك.. لا أدري لماذا توقفت نظراتي عند الولد الأصغر.. كانت ابتسامته تنقط عسلاً وتتلون بخيوط سحرية يعكسها النور الخافت.. العجوز أعجبه المنظر فشارك الطفل ابتسامته..‏

قال أبي: عندما كنت في عمرك.. كنت رجلاً حقيقياً.. أنتم غريبون يا ولدي ..‏

قلت: لكنكم تركتم كل شيء ورحلتم.. كان عليكم أن تبقوا هناك.. إنها جريمة ..‍‍‏

لأول مرة أرى في عينيه ألق الدموع.. ندمت... . حاولت صياغة الكلمات من جديد... كان الوقت قد فات.. أعرف تماماً أنه يحب البيت الذي تركه أكثر من أي شيء في الدنيا.. حدثني عنه من قبل طويلاً.. كان عاشقاً حقيقياً لهذا البيت.. ضحكة العجوز تزيد الوضع تأزماً...‏

أخرج السائق من صندوق صغير خرقة أخذ يمسح بها زجاج السيارة الأمامي، بصعوبة استطاعت أن تبعد الجزء الملتصق من جسمها.. أحد الركاب نظر إلى ساعة يده.. كانت دون عقارب.. تنهد.. السائق أدار رأسه إلى الخلف، ثم عاد إلى مقوده والطريق المبتل.. كان عليه أن يخفف السرعة.. عدة مرات أفهمنا أن أيّ خطأ يمكن أن يودي بنا.. كأنّ المطر صورة من صور الخيال وهو ينزلق ببطء مختلطاً بالأنوار الباهتة... أخذ الصمت يتسع.. الأنفاس تزداد انضغاطاً.. فتح العجوز مظلته داخل السيارة وأخذ يضحك لحالة الاضطراب التي سادت...‏

قلت: صدقيني تعبت.. الدرج لا نهاية له.. لماذا لا نعود أدراجنا.؟؟‏

قالت: العودة تعني صعود الدرجات التي نزلناها.. تصور !!...‏

قلت: لكن متابعة النزول أمر مستحيل...‏

قالت: يا عبد الرحمن درجات قليلة ونصل إلى القبو....‏

استرخيت وجلست على الدرجة ..حاولت أن أفرد النصف الأعلى من قامتي.. قلت محدثاً نفسي:" عبد الرحمن.. من عبد الرحمن هذا "؟؟ نظرت في وجهها.. لم تكن هي.. الدرجات معلقة في الهواء.. القبو مازال بعيداً.." لكن من هو عبد الرحمن هذا "؟؟ العجوز ضرب كفاً بكف وأخذ يضحك...‏

السيارة تنزلق بهدوء.. حبات المطر تتجمع أمام الأضواء وترسم حالات لا نهائية من الأشكال.. عاد جسدها إلى الالتصاق بي.. نظر إلى ساعة يده.. هزّ يده عدة مرات.. سألني" كم الساعة "... عادت إلى المحاولة من جديد، أخذت تبعد الجزء الملتصق من جسمها بهدوء.. كان الأمر مثيراً.. كرر بإلحاح" كم الساعة " ؟؟ السائق رفع زجاج الشباك مرة أخرى... أخذ يصفر من جديد... " كم الساعة "؟؟ رفعت يدي.. نظرت.. زجاج مطر.. وجوه هلامية.. العجوز يضحك..‏

- أتدري يا ولد الأمر لم يكن كذلك ..‏

- ماذا تقصد يا أبي ..‏

- نحن لم نترك شيئاً.. أجبرونا على ذلك ..‏

- أعرف ..‏

- أنت لا تعرف شئياً وهنا المصيبة ..‍‍‍‍‍‍‍!!‏

خرج العجوز من الغرفة ونظر في المرآة، كانت ابتسامته عميقة إلى حد ما... الوسادة تنزلق... أعيدها.. أرفع رأسي.. أترك السرير.. أمد يدي.. أمشي ببطء.. أصل إلى الصالون الصغير.. أدخل إلى المطبخ.. أقترب من الصنبور.. أفتحه .. ظمأ شديد يغتالني.. أنحني.. أفتح فمي لأشرب.. لاشيء.. أصرخ برعب.. الماء ينزل من الصنبور ولا يصل منه شيء إلى فمي.. أغلق الصنبور.. يتوقف تدفق الماء.. أفتحه، يندفع الماء.. أضع فمي من جديد .. لكن دون جدوى.. لا يصل شيء من الماء.. تضيق أنفاسي.. يخفق قلبي بشدة.. يجف حلقي أكثر... تغيم الأشياء.. تتراقص الصور... يمدّ العجوز رأسه ويضحك... .‏

الدرجات المتبقية كثيرة.. القبو بعيد... حاول السائق أن يزيد السرعة.. مالت السيارة قليلاً.. قال أبي:" الأمور لا تفهم هكذا ".. الوسادة تزرع رأسي في الخطوط.. يضحك الولد الأصغر.. قلت" لا أريد... الأولاد، جحيم في هذا الوقت" المطر يطرق زجاج السيارة.. تحاول أن تسحب جسدها فتزداد التصاقاً بي... صاح بنزق" قلت لك كم الساعة ".. أخذ يشرح لنا مخاطر السرعة في هذا الجو... فتح المذياع.. حرك المؤشر.. خرج العجوز من بين المحطات وأخذ يضحك.. قال أبي:" افعلوا شيئاً قبل أن تقولوا أشياء كثيرة" قلت:" الأولاد.. كفى... لا أريد ".. أحد الركاب حاول النزول.. مدَّ قدمه فلم يجد الأرض.. أعادها برعب ..كان القبو بعيداً.. قالت" وماذا تريد يا عبد الرحمن "؟ قلت: صدقيني لا أدري.. لكن أريد أن أعرف... من هو عبد الرحمن هذا ؟؟‏

 

 

احتمالات

 

في الفترة الأخيرة، لم تكن أحوال مصطفى المسعد السعداوي تبشر بالخير.. والعارفون بالأمر يقولون: مصطفى المسعد السعداوي كان مسكونا بالهم حتى العظم.. المسكين خرج من الخمارة وهو لا يرى ولا يسمع.. في البداية جلس قرب حاوية القمامة الكبيرة، وأخذ يغني أغنية حزينة كادت تبكي القطط التي أوقفت البحث عن طعامها إلى حين ..‏

بعدها، وقف مصطفى المسعد السعداوي بصعوبة، ثم مضى ساحباً جسده إلى الفندق الذي كان يعرف فيه من بنات الهوى الكثيرات... خطوات مشى.. ثم استدعى الجدار بإشارة آمرة من اصبعه، وأخذ يسير إلى جانبه سيراً غريباً مدهشاً، حيث وضع بطنه وصدره ويديه على الجدار، وأخذ يحرك قدميه بالعرض.. وقتها ظن، أن فندق" الشرفة" أصبح أبعد من ذي قبل بآلاف المرات.. وحين وصل لاهثاً ممزقاً مبعثراً، جلس على الرصيف، أمام الفندق تماماً، محاولاً أن يلتقط شيئاً من أنفاسه الهاربة..‏

عندما مدّ، أو حاول أن يمدّ قامته مرة بعد مرة، وأبت أن تتجاوب مع محاولاته، زحف نحو الفندق معلنا استسلامه الأخير أمام قامته اللعينة.. ولأنه دخل الفندق على هذه الحال المزرية، فقد لفت الأنظار وأرسل القهقهات، قهقهات النزلاء طبعاً... ثم حين ألقى خطبة عصماء لا بداية لها ولا نهاية، عن إفلاسه بعد أن ضيع آخر قرش كان معه في خمارة" السعادة" رمي رمياً خارج الفندق...‏

العارفون بالأمر قالوا: على الرصيف الذي تلقفه مثل الأم الرؤوم، أخذ مصطفى المسعد السعداوي يبكي، بعدها - هكذا دون مقدّمات - انفجر في ضحك ملعون لم يتوقف.. كان يضحك ويضحك.. يقف.. يتمايل مثل شرّابة الخرج ثم يضحك.. يقع على الأرض ثم يرفع نصف قامته، ويضحك.. ثم لا أحد يعرف ماذا حدث...‏

***‏

نشر الخبر في سطرين.. واحدة من الصحف التي تهتم بالفضائح نشرته.. لكن مالف الموضوع من غياب تام في المعلومات، جعل الخبر منزوياً لا يؤبه له ..كل ما جاء في الخبر يقول: على الرصيف الواقع قرب أحد الفنادق المشبوهة في المدينة، وجدت جثة رجل مجهول الهوية... يظن أن في الأمر جريمة" بعدها وعدت الصحيفة قراءها أن تنشر كل جديد يمكن التوصل إليه... ولاشيء آخر...‏

***‏

المعلومات المتوفرة لدى الضابط المناوب في المخفر اعتبرت سرية للغاية، وقد أوصى الرقيب وشدد على ضرورة حفظ السر، لاحاجة لتسريب أي خبر.. وكان الرقيب أحمد الرعشان يقرأ باستغراب ودهشة بعد ذهاب الضابط المناوب إلى بيته لينام هناك؟؟‏

كان المسكين الرعشان يحاول أن يجد معلومة واحدة مفيدة يمكن أن تشكل سراً.. ولأنه كان معروفاً بالغباء من قبل عناصر المخفر، والمخافر الأخرى في المدينة، وبشكل جعله يقتنع ويسلم بأنه غبي، فقد قام إلى المغسلة الوحيدة في المخفر وفتح الصنبور، ووضع رأسه الكبير تحت الماء المندلق ليغسل الغباء، أو ليصحو على أقل تقدير، لعله يفهم شيئاً من المكتوب في السطور، أو خلفها كما يقولون...‏

بعدها، عاد الرقيب أحمد الرعشان وأخذ يقرأ تاركاً للماء حرية الانزلاق بهدوء فوق الصفحة.. وكل ما فهمه، وهو ما كان مكتوباً على كل حال، إن الجثة وجدت على الرصيف قريباً من فندق" الشرفة" وإن معاينة الجثة لم تصل إلى تحديد سبب الوفاة، وإن صاحب الجثة غير معروف الهوية. وقد قام أحد عناصر المخفر، وهو الشرطي نايف أسعد الشمندوري، بتفتيش جيوب المتوفى، ولم يجد أي شيء... وقد نقلت الجثة، لتحفظ في براد من برادات أحد المشافي، إلى حين الوصول إلى معرفة هوية المتوفى، ومكان إقامته، لإبلاغ أهله.. وقام الرقيب أحمد الرعشان مرة أخرى، بالذهاب إلى الصنبور، ووضع رأسه تحت الماء المندلق..‏

***‏

حين هبط الليل، أو حسب رأي أم عدنان صاحبة البيت: عندما بدأ الناس يستريحون من ضجيج الأولاد العفاريت.. كان الشعور الذي سيطر عليها غريباً، إذ ما تعودت أن يغيب مصطفى المسعد السعداوي كل هذا الوقت.. الرجل كما تعرف، مقطوع من شجرة، وليس له أحد في هذه الدنيا . وهو مثلها تماماً، لا يخالط أحداً، ولا يخالطه أحد... أم عدنان هذه، وهي في الخمسين من عمرها كما تدعي، كانت تسرّ إلى حد كبير، حين تكتشف أن مصطفى المسعد السعداوي كان يراقب كل حركاتها وسكناتها من ثقب الباب في غرفته... وكانت تتقصد، ربما دون سوء نية، القيام بحركات تجعله يشتعل وراء بابه المغلق.. وكانت في سرها تضحك، وتشفق على هذا المسكين الذي يعيش - مثلها تماماً - في وحدة قاتلة..‏

أم عدنان التي شغلها غياب مصطفى المسعد السعداوي، فكرت أن تذهب إلى المخفر، كانت قد خططت ورسمت في ذهنها أن تقول: ان مصطفى المسعد السعداوي الذي أستأجر غرفة في بيتها منذ خمس سنوات، إلى جانب مستأجرين آخرين في الغرف الأخرى طبعاً، كان يدفع الأجرة الشهرية بانتظام، لكنه في المدة الأخيرة، لم يعد كما كان، حيث أخذت أحواله المادية تتغير.. هذا التغير ظهر جلياً واضحاً في أمور كثيرة...‏

من هذه الأمور، على سبيل المثال لا الحصر، أن مصطفى المسعد السعداوي، لم يعد يحمل لها أكياس الفاكهة كما كان يفعل من قبل.. كما أنه لم يعد يدفع الأجرة بانتظام.. ولأن أحواله المادية قد أثرت على تصرفاته، فقد بدا شاردا واجماً غريباً ... كان يأتي ويذهب ورأسه في الأرض... أحياناً كانت تلمح بعض الدموع في عينيه.. وللحقيقة فقد ساءها أنه لم يعد ينظر إلى حركاتها وسكناتها من خلف الباب- هذا الشيء طبعاً لن تذكره في المخفر -.‏

الشيء الوحيد الذي بقي على حاله ولم يتغير، هو حضوره عند الساعة الثانية بعد الظهر تماماً، كأنه ساعة لا تقدم ولا تؤخر.. "هذا شيء مقدس" تقول أم عدنان....صحيح أنه يخرج كثيراً إلى أماكن لم تكن تعرفها، ليعود مخموراً - هنا تذكرت، أنه حاول الاعتداء عليها عدة مرات وأنها كانت تصده متمنية أن يتمادى لكنه كان يتركها وهو يصفر لحناً لا بداية له ولا نهاية - لكن عودته عند الثانية بعد الظهر لم تتغير ولم تتبدل.. هذا ما فكرت أم عدنان أن تقوله في المخفر، لكنها بعد أخذ ورد، وطول تفكير، آثرت السلامة وبقيت في البيت تنتظر عودة مصطفى المسعد السعداوي، متمنية من كل قلبها أن يقتحم غرفتها ضاحكاً هازئاً من كل أفكارها السوداء...‏

***‏

وحدها سلمى بنت سطام التيناوي المعروف بالأشرم، كانت مصرة على التواصل مع زمن مضى وانقضى.. سنوات لا تعد ولا تحصى مرت وهي تنتظر، أهل القرية أصروا على أنها مجنونة، إذ لا أحد يمكن أن يصدق أنها ما تزال منتظرة عودة مصطفى المسعد السعداوي بعد كل هذه السنوات.. ومن هو مصطفى المسعد السعداوي هذا حتى تنتظره.. الكل يعرفون أنّ مصطفى المسعد السعداوي الرجل القصير البدين الأجرب الذي باع أرضه ومضى تاركاً كل شيء بعد موت والدته، لا يساوي شيئاً بين الرجال .‏

صحيح أن مصطفى المسعد السعداوي كان يحب سلمى بنت سطام التيناوي المعروف بالأشرم، وصحيح أيضاً أنه وعدها وعداً قاطعاً بالزواج بعد عودته من المدينة سالماً غانماً...‏

لكن هذا لا يعني أن تنتظر كل هذه السنوات.. فهذا أمر يخرج عن المنطق، لذلك فقد كان الظن قوياً، بأن مصطفى المسعد السعداوي، لم يغادر القرية، إلا بعد أن فعل فعلته مع البنت سلمى بنت سطام التيناوي المعروف بالأشرم.. لذلك فهي تنتظر.. وماذا عليها أن تفعل غير ذلك.. مثل هذا الأمر شاع مدة في القرية، وشاع غيره، لكن شيئاً فشيئاً، نسي أهل القرية مصطفى المسعد السعداوي، وبقيت قصة سلمى بنت سطام التيناوي المعروف بالأشرم تحكى هكذا دون تحديد، وكأنها واحدة من حكايات الجدات في الليالي الجميلة.. وكانت سلمى بنت سطام التيناوي المعروف بالأشرم تنتظر، وتقسم أن مصطفى المسعد السعداوي لابد أن يعود...‏

***‏

روى صاحب خمارة" السعادة" أبو جورج المشتاوي هامساً هادئاً عن غياب مصطفى المسعد السعداوي الكثير، ومما قاله بكثير من الحزن والأسى أن غياب مصطفى المسعد السعداوي يشغل القلب والبال. فالرجل كان في آخر ليلة، غريباً إلى حد بعيد، حتى أنه أخذ يغني ويرقص، ويبكي ويضحك بشكل جعل كل السكارى في حيرة من أمرهم... وحين حاول أحدهم أن يقنعه بالجلوس ثار وهاج وماج، وأخذ يبكي بحرقة.. وقتها - قال أبو جورج المشتاوي - حدث مصطفى المسعد السعداوي كل المتواجدين في الخمارة، عن قرية بعيدة مازالت تسكن في الخاطر، وعن بنت اسمها سلمى... بنت تشبه القمر في تمامه.. كما تحدث مطولاً عن عمله الذي طرد منه دون وجه حق بعد أن بقي خادماً مطيعاً لصاحب الشركة - مثل الخاتم في الاصبع - سنوات وسنوات.. لكن صاحب شركة الاستيراد والتصدير، وهو رجل حقير سافل منحط، كما روى مصطفى المسعد السعداوي، استغنى عن خدماته وطرده دون أسباب تدعو إلى ذلك.. وعلى الأرجح، هذا ما أوضحه مصطفى المسعد السعداوي، أن صاحب الشركة قامت قيامته، حين رآه السعداوي يمد يده إلى المناطق المحرمة عند السكرتيرة التي انسحبت غاضبة بعد أن حاصرتها نظرات السعداوي.. لذلك كان لا بد من الاستغناء عن خدماته، والاحتفاظ بغنج السكرتيرة ودلالها..‏

يومها - تابع أبو جورج المشتاوي هامساً - تعاطف رواد" السعادة" مع طيب الذكر مصطفى المسعد السعداوي وتحلقوا حوله وأخذوا يخففون عنه، ووصل الأمر بواحد منهم إلى حد إخراج رزمة من النقود وضعها تحت تصرف السعداوي الذي رفض أخذها باباء يحسد عليه، وهذا ما جعله يكبر كثيراً في عيون الرفاق السكارى ..‏

وروى أبو جورج المشتاوي - بصوت مرتفع هذه المرة - أن الأيام جعلت مصطفى المسعد السعداوي مسكوناً بالحزن والهم.. لذلك لعن أبو جورج المشتاوي - صاحب خمارة " السعادة " - هذه الأيام.. وتمنى أن يكون مصطفى المسعد السعداوي بخير.. وطلب من رواد" السعادة" أن يسألوا عن صاحبهم الغائب وأن يستفسروا عن أحواله في كل مكان... . وختم أبو جورج حديثه بشرب نخب مصطفى المسعد السعداوي، وهو ماشارك فيه كل السكارى...‏

***‏

بواب فندق" الشرفة" أبو الرشيد، وهو في السبعين من العمر، قال محدثاً واحداً من النزلاء: ان مصطفى المسعد السعداوي كان عاشقاً لواحدة من بنات الهوى في الفندق اسمها لبنى.. لكن مدير الفندق لم يعجبه مصطفى المسعد السعداوي في شيء، وكان يكره الأرض التي يمشي عليها، لأنه - كما كان يقول - كريه، ثقيل الظل، تشم رائحة عرقه المقرفة من بعيد.. وادعى صاحب الفندق أن لبنى أخبرته بذلك.. كما أخبرته، أنها كانت تحاول التملص والتخلص منه في كل مرة يأتي فيها إلى الفندق لكنها كانت ترضخ أمام إلحاحه وإصراره على مقابلتها، والمهم أنه كان يدفع أكثر من الآخرين.. ومن ادعاءات مدير الفندق، كما روى البواب أبو رشيد، أن السعداوي كان لصاً لا يجد غير السرقة مهنة يمتهنها... وإلا كيف كان له أن يصرف كل هذه النقود على لبنى...‏

البواب أبو الرشيد قال ان مصطفى المسعد السعداوي كان رجلاً حقيقياً، وإنساناً ذا قلب من ذهب. وفي إحدى المرات- قال أبو الرشيد- عندما وجدني مصطفى المسعد السعداوي حزيناً مهموماً، سألني بلطف حتى بحت له بكل ما في قلبي من هم، عندها ناولني كل ما كان في جيبه وطلب مني أن أشتري الدواء لحفيدي المريض.. يومها -أقسم على ذلك -رأيت الدموع في عينيه. ولأنه أعطاني كل شيء، فقد انصرف دون أن يقابل محبوبته لبنى.. ذهب وهو يصفر ويهز رأسه.. في المرة الأخيرة -قال أبو الرشيد- ألقوه مثل الكلب خارج الفندق.. مسكين كم كان منظره محزناً يومها.. تمنيت أن أمنعهم، لكن ماذا باستطاعتي أن أفعل.. كلمة واحدة مني ستجعل مدير الفندق يقطع رزقي ويطردني من عملي، عندها ماذا سأفعل بابنتي وأولادها.. مات زوجها وتركها لي، الله يرحمه.. وتنهد أبوالرشيد ظاناً أن الرجل، الذي أخذ يشخر منذ فترة، كان يسمعه..‏

***‏

صاحب شركة "النهار" للاستيراد والتصدير تحدث في اجتماع ضم رؤساء الأقسام وسكرتيرته التي تشبه قطعة الزبدة، عن مصطفى المسعد السعداوي الذي سرح من عمله، قال: الرجل لا عيب فيه يشهد الله، لكنه في الفترة الأخيرة أصبح كثير النسيان والشرود، وكما تعلمون، عملنا لا يحتمل النسيان والشرود.. وتحدث مطولاً عن تقديره واحترامه لمصطفى المسعد السعداوي، لكن التقدير شيء، والعمل شيء آخر تماماً..‏

وقبل أن ينتقل صاحب شركة " النهار" لمناقشة الموضوعات التي تهم الشركة، قال ان التعويض الكبير الذي صرفه لمصطفى المسعد السعداوي يمكن أن يساعده في فتح مشروع لابأس به. وقال انه نصح السعداوي أن يبحث عن" كشك" في مكان ما ليستأجره ويبيع بعض الأشياء البسيطة... وقد وعده مصطفى المسعد السعداوي أن يفعل.. لكن الرجل غاب منذ فترة وماعدنا نعرف عنه أي شيء.. أرجو أن يكون قد وفق في حياته الجديدة.. بعدها انتقل صاحب شركة" النهار" لمناقشة الموضوعات التي تخص الاستيراد والتصدير..‏

 

 

 

أبو الريش.. وحالة ضياع

 

حمد حمدان الطاوي أبو الريش.. في الثلاثين من العمر كان... طويل القامة إلى حد يلفت الأنظار.. أصلع الرأس.. محمر الوجه دائماً.. يمشي، فتظن أنه يسحب نفسه سحباً. كثيرون استمعوا إلى كلماته اللاهبة عن الاستعمار والفقر وطبقة الأوزون... وكثيرون ضحكوا أو تضاحكوا.. وكان على الدوام، ينسحب لاعناً شاتماً هذا الزمان الرديء، زمان الجيل الذي لا يهمه إلا الرقص والخلاعة، وسقط الكلام.. الله يرحم الأيام الماضية، هذه الأيام التي كانت رائعة وجميلة ومموسقة حسب ما يريد الواحد منا ويشتهي...‏

حين يتذكر أبو الريش، يبصق، ويلعن.. وعندما يشتد به الأسى ويزداد، يغمض عينيه وكأنه لا يريد أن يرى ما يحيط به من مناظر مؤذية... . وحسب اعتقاده الراسخ، فقد أصبح الناس، دون تفريق لا يساوون شيئاً... في هذا الوقت، وهو وقت سابق على ما تبع من أحداث، لم يكن حمد حمدان الطاوي أبو الريش قد وصل بعد إلى الحالة التي جعلت الناس يصفونه بالجنون.. لابد هنا، والحق يقال، من التأكيد، على أنه كان أقرب إلى الهدوء.. صحيح إن بعض الثورات كانت تأخذ به كل مأخذ، لكنه لم يصل في مرة من المرات، إلى عرض مواهبه في ضرب الجدران برأسه.. ولم يصل في مرة من المرات - وهذه حسنة من حسناته الماضية - إلى حد التحرش بالبنات والسيدات علناً، مسقطا كلّ ضوابط الأخلاق... فالرجل والله يشهد ، كان غريباً.. ربما كان أغرب من غريب.. لكن حتى مثل هذه الأحداث، لا تستطيع أن تقدم حالة شبه نهائية عن أحوال حمد حمدان الطاوي أبو الريش...‏

فجأة وفي منتصف الشارع المزدحم بالمارة والسيارات والعربات والبائعين، وقف المدعو حمد حمدان الطاوي أبو الريش، وأعلن بصوت مرتفع أن الساعة قد "أزفتْ "... ولما كان الجميع دون استثناء، لايعرفون شيئاً عن طيبة أو سيئة الذكر " أزفتْ " هذه، فقد وقفوا صامتين حائرين مأخوذين، ينظرون إلى الطاوي، المحمر الوجه، الطويل العود، وهو يشرح ويطنب ويمد ويمتد في معنى "أزفت".. متناسياً أو ناسياً في كثير من الأحيان ما أراد أن يقول... المهم بالنسبة له، أن الجمع الطيب أخذ يستمع، والأهم أن الرؤوس كانت تهتز مأخوذة مدهوشة، أو ربما متناغمة مع حركة رأس حمد حمدان الطاوي أبو الريش..‏

ولأن حمد حمدان الطاوي أبو الريش أطال وشدّ الأعصاب حتى آخرها، فقد ضاق الصدر، وتلاحقت الأنفاس، وتساقط الريش ريشة ريشة... ووصل الأمر حتى صارت فيه الكلمات تختنق وتسقط صريعة في أكثر الأحيان .وللحقيقة، وهي حقيقة لم ينتبه لها أبو الريش، فإن أكثر الكلمات لم تعد مفهومة.. عندها انفرط عقد الناس وانحل.. وبقي أبو الريش وحيداً دون ريش.. وهناك من روى أن المدعو حمد حمدان أبو الريش، هز رأسه وأعلن أن هؤلاء الذين ذهبوا مجرد رعاع لايريدون أن يفهموا.. وحسب ظنه أن الرعاع لايمكن أن يخرجوا عن منطق الرعاع ولو حشوت رؤوسهم بكل الكتب التي في العالم.. يومها مضى حمد حمدان الطاوي أبو الريش في الشوارع والحارات والأزقة يحدث نفسه، وكان يلوح بيديه مع كل خطوة، ويهز رأسه بعنف، وأحياناً يتوقف للحظات ليبصق ويلعن هذا الزمان وكل رعاع الأرض........‏

وحين أكد الناس، بعد واقعة" أزفت" المشهورة أنه مجنون وأن جنونه من النوع الخطير المؤذي.. لم يكن حمد حمدان الطاوي أبو الريش مجنوناً ولا يحزنون. لكن مشكلته التي لا يستطيع أحد إنكارها، تتعلق - حتى ذلك الحين - في كونه كثير الشرود والنسيان.. يتكلم، وفجأة ينسى الموضوع الذي يتحدث حوله، فيضيع كلامه ويصير كلمات متقاطعة لا تعبر عن شيء.. وإذا ذهب إلى مكان ما، فإنه ينسى تماماً المكان الذي يريد أن يصل إليه، لذلك تتوه خطواته، ويتجول في الشوارع دون هدف. هل كان كل هذا نوعاً من الجنون؟ حتى ذلك الحين، كان الأمر مجرد تخمين.. ولم يكن أبو الريش مجنوناً... في تطور لاحق للأحداث، وهو تطور مهم في قضية المذكور.. أعلنت الزوجة الطيبة سلافة النهري، أن زوجها المدعو حمد حمدان الطاوي أبو الريش ما عاد يطيق فراش الزوجية... وأنه أصبح يتهمها - والله يشهد أنها تعشق النظافة - بالتعفن، ويقسم أنها تحمل رائحة جثة متحركة... لذلك، وبناء عليه، ما عاد بمقدوره - والكلام على لسان المدعو حمد حمدان الطاوي أبو الريش - أن ينام معها.. وآثر أن يتمدد على فرشة يفردها على الأرض في غرفة أخرى...‏

سلافة النهري هذه، وهي امرأة عشقها كثيرون من رجال وشبان الحي لجمالها ودلالها ورقتها، أعلنت أيضاً أن رجلها حمد حمدان الطاوي أبو الريش ، أصبح يحدث الجدران والأبواب والشبابيك... يقول أشياء غريبة عجيبة... وحين تحاول في بعض الأحيان أن تتقرب منه ملاطفة، يدفعها وكأنها جرباء... وقالت والدموع تملأ عينيها، أنها ستطلب الطلاق... فالرجل ما عاد يطاق... حتى أولاده، كما تقول سلافة النهري الحسناء المغناج .. ما عاد يطيق الجلوس معهم، يرمق الواحد منهم، ويهز رأسه، ثم يأخذ في بكاء طويل مرير....‏

وحين تسأله عن السبب يقول:" لم نترك لهم شيئاً يفرحون به ".. وتحاول أن تفهم، فيأخذ في ضرب رأسه بالجدار ويبكي.. عندها كانت سلافة النهري تصر أنه مجنون ..‏

هل وصلت قضية حمد حمدان الطاوي أبو الريش إلى حالة ماعاد ينفع معها حديث أو دواء ..‏

وهل وضعت زوجته سلافة النهري النقاط على الحروف بشكل نهائي؟؟ ربما يمكن القول ان هناك بقية من حديث علينا أن نتابعها... إذ يفترض أن قضية حمد حمدان الطاوي أبو الريش قضية شغلت الرأي العام في الحي الذي يقع فيه، وفي الأحياء المجاورة، ولايمكن أن تطوى أوراقها هكذا ببساطة...‏

صحيح أن الجدار، أو الجدران، قد اهتزت من ضربات رأسه، وصحيح أن الجيران قد ضجوا من بكائه ونواحه ووقوفه على الأطلال دون أن يشاهدوا أطلالا أو ما يشبه الأطلال.. وصحيح أن زوجته ملت الحياة دون رجل يداعبها ويناغشها ويضمها إلى صدره، وهو حلالها على كل حال... كل هذا صحيح.. لكن علينا أن نعترف حتى هذا الوقت أن حمد حمدان الطاوي أبو الريش لم يكن مجنوناً... لم يكن على الإطلاق كما يظنون... كان البكاء أعلى من قدرتهم على الاستيعاب والفهم، فظنوا ما ظنوا... . وبقي هوكما هو.. أو هكذا بدت الأمور حتى ذلك الحين... .‏

يمكن هنا أن نتحدث عن تطور آخر في قضية أبو الريش، حيث كان رئيسه المباشر في العمل جالساً خلف مكتبه العريض الطويل يمسد كرشه بيد غليظة منتفخة، وينفث الدخان من فتحتي أنفه الكبيرتين. وللحقيقة، فقد كان - أي رئيسه المباشر - يشعر بسعادة حقيقية بعد أن استطاع إقناع الموظفة الجديدة، التي اعتبرها في غاية الجمال، أن تذهب معه بعد الدوام مباشرة لتناول الغداء في أحد المطاعم. كان السرور يسيطر عليه.. إلى هنا والأمور تبدو في أحسن صورة.. لكن ما حدث وقلب كل شيء، تعلق بصاحبنا الذي نبحث في جوانب قضيته.. فماذا حدث؟؟‏

لا أحد يعرف من أين نبت حمد حمدان الطاوي أبو الريش وأمسك برئيسه ورفعه من خلف مكتبه وانهال عليه بالضرب الذي لايرحم ولا يعرف حدا... الأمور حدثت بسرعة غريبة لا تصدق... !!‏

الموظفون الذين التموا، وقفوا مأخوذين، كأنّ على رؤوسهم الطير، لا أحد يتنفس، لا أحد يستطيع أن يتحرك، المفاجأة شلتهم تماماً. وحين تعالت صرخات رئيسهم في العمل بدأوا يتحركون ببطء... ثم بسرعة، وقع حمد حمدان الطاوي أبو الريش بين أيديهم. ولم يتركوه إلا بعد أن قطع النفس أو كاد. ولأن الرجل الذي كان منتفخاً وراء مكتبه قد وقع له ما وقع، فقد ألقوا بحمد حمدان الطاوي أبو الريش خارج الشركة، ونفضوا أيديهم .‏

كان كل واحد منهم يؤكد أنه أول من ضرب، وأول من خنق وأول من أبعد أبو الريش عن سيادة رئيسهم المباشر المحترم... ولأن رئيسهم المباشر كان يلعن ويشتم، ويهز كرشه بغضب، فقد آثروا أن يصمتوا، وأن يجلسوا في أماكنهم، وراء مكاتبهم بهدوء...‏

مسكين حمد حمدان الطاوي أبو الريش فقد صار حديث الناس في كل مكان وزمان... يحكون ولا يصمتون.. يحكّون رؤوسهم ويذهبون في الحديث كل مذهب.. يؤلفون القصص والروايات عنه ويستفيضون.. ووصل الأمر بهم إلى أن أعادوه ثلاث مرات إلى مشفى الأمراض العقلية... يهرب لأيام أو ساعات.. ثم يعاد... وهناك يتعرض لكل أنواع التعذيب والتجارب التي تجرى عليه بأسماء مختلفة.. ومرة أخرى يخطط من أجل الهرب.. رغم زيادة المراقبة والحصار..‏

جنون حمد حمدان الطاوي أبو الريش، حسب التقارير المضروبة على الآلة الكاتبة، تقول انه قد وصل إلى حالة يصعب معها الشفاء... الرجل ضيع آخر ذرة عقل.. وما عاد له في الدنيا أحد بعد أن استطاعت الزوجة أن تحصل على الطلاق والأولاد.. كان الرجل حزيناً... يشرح للمحيطين به عن الساعة التي " أزفت".. عن الزمن الرديء.. عن الجيل الذي لا يحب إلاّ الخلاعة والرقص.. عن الجثث التي تتحرك ليل نهار في ثياب الأحياء..‏               

 

 

الـــذي...

 

قال :" والآن ماذا تقول يا عبد الرحيم "؟؟..‏

نظر عبد الرحيم بعينين ضعيفتين تائهتين.. لم يقل أي شيء.. كانت الجراح تضرب ضربات متوالية لا ترحم.. قال محدثاً نفسه:" ماذا فعلت حتى تقوم القيامة.. ضرب... إهانات.. تعذيب.. ما فعلته.. ما قمت به... يتعلق بي شخصاً.... الأمر لا يمس أحداً سواي .."!!‏

المحقق رشدان كان يريد أن ينتهي من هذه الورطة التي وضعوه فيها - وهي ورطة تحمل ما تحمل من غرابة وخروج عن القاعدة - لأول مرة في حياته يشعر بكل هذا الاحباط واليأس.. كان على يقين أن عبد الرحيم هذا مجرد رجل مجنون.. لكن الرتب الأعلى منه، اعتبرته رجلاً مدسوساً، وطلبت منه أن يعرف كل شيء عن هذا العبد الرحيم، وأن يخرج كل الحقائق من أعماق أعماقه.. أن يغوص - هكذا جاءت الأوامر - حتى يصل إلى نقطة السر عند هذا العبد الرحيم ليكشف كل شيء.. ضرب بقبضة يده على الطاولة وصاح:" ماذا وراء هذا الرجل.. ماذا وراء هذا المجنون "؟؟..‏

عبد الرحيم الذي كان شاردا، ظن أنه يتحدث عن سواه، إذ أوحى السؤال أن هناك شخصاً آخر غيرهما في الغرفة.. لذلك أدار بصره الضعيف وأخذ يبحث.. لكنه لم يجد غير الجدران والطاولة والكرسي وشخصه الكريم.. عندها عرف أنه المقصود ..‏

هز رأسه وقال محدثاً نفسه:" أنا رجل مسكين.. مجرد رجل مسكين.. لكن لا أحد يريد أن يصدق ".. تمنى أن يتخلص بأي طريقة من العذاب والقهر والضرب.. أرادوا أن يكون مدسوساً فقال: أنا مدسوس.. قالوا انه خطير ومتواطئ ..فأقر بعد الضرب والتعذيب أنه خطير ومتآمر.. لكنهم لم يتركوه.. لم يعطوه جرعة الموت المريح.. أصروا بعد تداول وتشاور واجتماعات مطولة، على ضرورة متابعة التحقيق.. علا صوت رشدان فجأة :" يا ابن الكلب.. يا ابن.. أريد أن أفهم.. ماذا جرى حتى تعلن عن استعدادك لبيع أذنيك في مزاد علني ..؟ لماذا قمت بجمع الناس وخلقت كل هذه البلبلة التي أثرت على أمن وأحاسيس ومشاعر خلق الله دون وجه حق... لماذا يا حمار تريد أن تبيع أذنيك ".. تابع صراخه:" لا أستطيع أن أفهم شيئاً يا حمار.. يبيع الإنسان أشياء كثيرة.. لكن لم أسمع عن حمار مثلك يريد أن يبيع أذنيه.. وفي مزاد علني يابغل .."‍‍‍..!!‏

شعر عبد الرحيم أن هناك نارا تأكل كلَّ جزء من جسده.. تمنى - وكان يعرف أنها مجرد أمنية خيالية ليس إلا - أن يغرقوه في بحر من الثلج لتهدأ ضربات هذه الجراح اللعينة... حتى عظامه كانت تئن.. حاول أن يهرب من جو الغرفة مفكراً بالكثير من الأشياء.. لكن دون جدوى.. بقي محاصراً بجو الغرفة الخانق، وشتائم المحقق الذي يعتبره على ما يبدو مسؤولاً عن كل الهزائم النفسية وغير النفسية في الزمن الراهن... .!!‏

في البداية، عندما شرح له رؤساؤه أبعاد القضية، ظن أن هناك نكتة في صلب هذه الحكاية التي تبدو ملفقة إلى أبعد حد.. قال - محاولاً التملص من هذه القضية-:" الأفضل أن يرسل إلى مشفى الأمراض العقلية ".. لكن المسؤولين كانوا يصرون على أن عبد الرحيم هذا مدسوس من قبل جهة معادية ..‏

كل واحد - من الرتب الأعلى- كان يريد من رشدان بطولة استثنائية في الحصول على سر هذا الرجل الغريب العجيب عبد الرحيم.. شرحوا له أن الأمر في غاية الصعوبة، وأنه خلق للمهام الصعبة.. أقنعوه - أو هكذا ظنوا - أن عبد الرحيم هذا تدرب على ما يبدو تدريباً يفوق التصور.. لذلك وأشاروا هنا إلى ذكاء رشدان وثقتهم الكبيرة بقدراته الاستثنائية -عليه أن يكون أقوى وأقدر منه، وأن يعرف الجهة التي أرسلته، والمهمة التي كلف بها، ومن هم أعوانه الذين سيقلبون الدنيا في كل مكان دون شك.. هناك - هذا ما شرحوه له - زحف استعماري ربما يكون عبد الرحيم رأس الحربة فيه !!‏

تعب عبد الرحيم من الوقوف... . أوجاعه كانت أكبر من الاحتمال.. أراد أن يجلس على الأرض.. لكن نظرات واشارات المحقق أبقته على حاله.. شعر بانهيار يجتاح كل شيء فيه... لكن ليس باليد حيلة.. عليه أن يبقى هكذا.. فكر: ربما يكون الوضع الحالي أسهل من الضرب والتعذيب بكثير... ..........‏

خطيبة الشاب رشدان، ملت الانتظار. قالت عندما حدثها عن عبد الرحيم وورطة التحقيق معه:" يلعن الساعة التي ولد فيها هذا المنحوس... . ما كان ينقصنا غير عبد الرحيم... من أين جاءنا عبد الرحيم الزفت هذا"؟؟ وكان رشدان المسكين يبلع ريقه مرة بعد الأخرى، ويؤكد لها بصريح العبارة أن المسألة لن تحتاج إلى وقت طويل... الأمر كله سيحل خلال ساعات.. أو إذا طالت الأمور عدة أيام.. لكن هاهي الأيام تمر وتكر.. وعبد الرحيم يقول كل شيء إلا ما يريد سماعه.. كان في الحقيقة قد وصل إلى آخر درجة من درجات الغيظ والإحباط.. فجأة ضرب بحذائه الثقيل على الطاولة وصاح:" يا ابن الكلب لماذا لا تجيب.. من حرضك على ذلك.. نريد أن نعرف.. كل شيء سنقتلعه منك اقتلاعاً... حتى الآن، ورغم كل ما لقيته من ضرب، مازلنا نستعمل معك الرأفة.. اسمع سأجعلهم يشوونك كالدجاجة إذا لم تعترف... اسأل عني.. يا ابن الكلب أنت مدسوس وهذا أمر مفروغ منه.. قل من أرسلك.. فقط اسم الجهة المعادية... أعطنا قائمة مفصلة بأسماء الذين يتعاونون معك.. عندها.. وهذا وعد شرف.. سأحاول مساعدتك قدر استطاعتي -... سأقول انهم غرروا بك"...‏

عبد الرحيم كان عاشقاً للموسيقي والشعر والمذياع... سنوات طويلة وهو ينتظر الفرج... .يا ألله كم طال الانتظار.. يسمع ويسمع.. يفرك يديه بانشراح ويصفق عند سماع كل خبر جديد.. يحدث الزوجة والأولاد والأصحاب عن الأخبار الجديدة التي سمعها، وعن أبعاد هذه الأخبار ومعانيها الحافلة بالكثير.. بعدها يأخذ في دندنة بعض الألحان، وأحياناً يطيب له أن يلقي بعض القصائد التي تلهب المشاعر.. كان إنسانا مسكونا بالاستماع... كل من عرفه كان يقول إنّ أهم شيء عند عبد الرحيم يتحدد في أذنيه.. وكان يؤكد ذلك...‏

فلسفته الخاصة كانت تقول:" إن الإنسان جهاز استقبال سمعي.. من حق الإنسان أن يسمع... تركيبة الأذنين تعطيه الحق في أن يستفيد إلى بعد حد من هذين الجهازين الخطيرين.. الإنسان في أبسط تعريف حيوان يسمع ".. وكان يسمع.. يسمع كل شيء... يطير فرحاً بالذي يسمعه.. وكان ينظر إلى المستقبل بتفاؤل ما بعده تفاؤل...‏

رشدان، الذي كان يضع قدميه على الطاولة باسترخاء، أخذ يفكر بخطيبته ميساء.. كان يشعر أنها تشبه قطعة الزبدة.. من حقها أن تشعر بالاستقرار معه... كانت ابتسامتها بوسع العالم.. قال بتثاؤب" عبد الرحيم حرام عليك ".. وعاد إلى التفكير بميساء ..!!‏

لا أحد يدري ماذا جرى لعبد الرحيم" الرادار" كما كانوا يقولون ..فجأة شعر الرجل بالغثيان.. صارت الكلمات بالنسبة له صفراء غريبة.. حتى أغاني عبد الحليم وأم كلثوم وفريد الأطرش ما عاد يسمعها... صارت الكلمات ملعونة.. شاهدها بأم أذنه وهي تصفر وتذبل وتسقط.. حاصره اليأس بشكل ما عرفه طوال سنواته الماضية.. في البدء تحول إلى رجل لا يسمع ولا يتكلم.. رجل غريب يسير في الشوارع تائهاً شارداً، دامع العينين.. يسألونه فلا يجيب.. كان عبد الرحيم موقناً أن الكلام ماعاد يفيد... في فترة لاحقة، تغيرت أحوال عبد الرحيم وازدادت سوءاً.. ابتعد عن تناول الطعام...‏

أطلق العنان لشعر ذقنه فنما واستطال.. ترك الأوساخ تأكل جسده وثيابه.. رائحته صارت مقرفة.. أصبح شيئاً غير مرغوب فيه كما قال كثيرون من هؤلاء الذين أحبوه من قبل.. وحدث في ذلك اليوم الأخير ما حدث.. خرج إلى الشارع ونادى بأعلى صوته... اجتمع الناس وتزاحموا فرحين بعودته إلى الكلام بعد طول صمت.. وقف على حجر كبير وصرخ :" أنا عبد الرحيم الذي تعرفون.. أعلن على الملأ أنني أريد أن أبيع أذني في مزاد علني... من يدفع أقل سيأخذهما " عندها اعترف الجميع أن عبد الرحيم جن وفقد آخر ذرة من عقله.. صاح:" صدقوني ليس هناك أي تلاعب بالألفاظ... من حقي أن أبيع أذني.. إنهما ملكي الخاص.. وأنا أريد أن أبيعهما" ازداد الناس استغراباً وشفقة على عبد الرحيم.. بعضهم طير الضحكات في الفضاء، فانتقلت العدوى، وأخذ الجميع يضحكون.. اقتربوا من عبد الرحيم وأخذوا يتحسسون أذنيه.. امتلأ الشارع وغص بالناس ..كان الخبر قد شاع وامتد ووصل إلى كل مكان.." رجل مجنون يريد أن يبيع أذنيه.. رجل فقد عقله ويريد أن يفقد أذنيه "..تمادى البعض وأخذ يمط هذه الأذن، ويضغط على الأخرى، وكأنه يريد أن يمتحن ما يريد شراءه.. وعبد الرحيم صامت.. كان يشعر أن المزاد قد انعقد، وأن على الحاضرين أن يفحصوا البضاعة المعروضة للبيع كما يريدون.. لكن المشهد لم يدم طويلاً.. إذ أخذوه في سيارة مغلقة...‏

قال رشدان الذي شعر بالمرارة تأكل حلقه:" ياحمار ألا تريد أن تعترف... فقط أذكر لنا أسماء المحرضين.. سأعقد صفقة معك.. صدقني سأتركك ترحل... تصور.. عندما تعطيني قائمة بأسماء هؤلاء الأنذال سأتركك ترحل.. سترى جمال الحياة من جديد..... ستسمع الموسيقى وزقزقة العصافير.. لا تخف سنؤمن لك الحماية.. كم دفعوا لك لتفعل ما فعلت.. المسألة كما ترى بسيطة جداً... . فقط اعترف... "..‏

في رحلة الغثيان كان يشعر أن الكلمات تسقط وتسقط.. لم يجد وعاء مناسباً يضعها فيه... قال لزوجته بألم" اللعنة على كل شيء لا أريد أن أسمع" قالت الزوجة" سلامة عقلك ياعبد الرحيم.. مابك ياسندي "؟؟ ولم تعجبه سندي هذه.. قال:" عندما يكبر الأولاد ماذا سأقول لهم..؟؟ أنا خائف من هؤلاء الذين سيكبرون ذات يوم ويكشفون الزيف والكذب والنفاق ".. لم تستطع الزوجة أن تفهم كيف يمكن للأب أن يخاف من أولاده.. أخذت تبكي بحرقة.. وأخذ يبكي بألم حتى ضعف بصره...‏

صاح رشدان:" اسمع إنني أحذرك" / كانت الجراح تزحف بأوجاعها /" عليك أن تحدد الجهة والأسماء ".. / هل يذكر أسماء أولاده /؟؟.." لابد من ذكر العناوين بالتفصيل" / وأسماء أولاد الحارة /..." وإلا سلخت جلدك/ وأسماء كل الأولاد في المدينة /؟؟ "لن تفيدك المراوغة" / واسم الحاضر الغريب الكئيب /؟؟‏

" سنعرف كل هؤلاء الذين حرضوك "... / واسم المستقبل /؟؟ .." سنجعلك عبرة لمن يعتبر "... / الجراح تمتد ألسنة من نار /... " لا يبدو أنك تعرف مصلحتك "..../ وأسماء الأولاد الذين سيأتون... والأشجار.. والأنهار.. والفضاء... . واللغة... /" لابد أنك من الأعداء "... رفع ذراعيه، قبض على أذنيه.. أخذ يشد.. خرجت الأذن الأولى بيده اليمنى.. الثانية بيده اليسرى... تدفق الدم.. لم يعد يسمع أي شيء.. تمدد على الأرض وأخذ يتخبط بدمه وهو يضحك.. بينما كان رشدان يفتح فمه ويغلقه بانفعال شديد...‏

 

 

 

رجل بلا ملامح

 

الحزن يشرش في قلبي ويذهب حتى آخر قطرة في دمي، وأنت لا تريدين أن تصدقي.. يا امرأة ألف مرة قلت لك: لستُ الرجل الذي تريدين.. زوجك مات.. ماذنبي إن كنت تائها لا أعرف من أنا.. لماذا تصرين على تعذيبي... ربما يكون هذا البيت بيتي.. لكن أن أكون زوجك الذي تعرفين، فهذا مستحيل.. زوجك مات... وأنت تعرفين حق المعرفة أن الموتى لا يعودون... وها أنا للمرة الألف أعيد ما رويت.. فلماذا تصرين على تعذيبي ..؟؟..‏

كنت - ولا أنكر ذلك - الرجل الذي تعرفين.. صباحاً أستيقظ.. تأخذني رائحة الياسمين.. أنتظر فنجان القهوة... أسعل بافتعال.. أذهب إلى الحمام.. أغسل وجهي ويدي بعد إفراغ الأمعاء والمثانة.. أنظر في المرآة... . أصفر اللحن الذي أحب.. أخرج.. أجلس قربك وآخذ في قراءة جريدة الصباح.. أطويها بتلذذ.. أقوم إلى ملابسي.. بعدها أتناول فطوري.. ثم أبسمل وأفتح الباب... أمام باب المصعد أنتظر... . وإذا طال الانتظار، أطوي الدرجات الخمسين وصولاً إلى مدخل العمارة... السيارة تقترب.. ينزل السائق.. ينحني قليلاً.. يفتح الباب الخلفي.. أدخل.. أنظر مباشرة في المرآة الأمامية، أصحح وضع ربطة العنق.. أمرر يدي على شعري.. ينطلق السائق.. يتطلع المارة، فأشعر بأهمية الرجل الذي هو أنا وترتسم ابتسامتي في المرآة .‏

هكذا كانت حياتي مليئة بنبض السعادة.. الفرح.. كنت موضع حسد الجميع.. فأنا مدير عام في شركة كبيرة.. زوجتي جميلة.. أولادي أذكياء إلى حد ما... أموري المادية في تحسن مستمر.. أملك بيتاً واسعاً في عمارة فاخرة.. ماذا ينقصني إذا؟؟.. ماذا حدث لتنقلب الدنيا على هذا الشكل ؟؟...‏

كنت أصفر.. أمط اللحن وأصفر.. وجوه الأطفال تركض، تضحك.. كانت شاشة التلفاز قريبة.. الوجوه قريبة.. الحركات قريبة... الأطفال يركضون.. فجأة أخذ الأطفال يخرجون رؤوسهم من شاشة التلفاز ويستغيثون... لم يكن هناك أي وهم... كانت الحقيقة عارية بشكل لا يصدق.. رؤوس الأطفال خارج الشاشة.. أجسادهم في منطقة الضوء..... أخذ قلبي يعوي.. لأول مرة أعرف أن القلب يعوي.. أردت أن أمد يدي.. أن أنقذ أي واحد منهم.. أخذ الرصاص يلعلع. طار الدخان وعلا... انقلب الأفق واسود.. قلبي انكمش وأخذ يعض اللحم والعظم والدم... ارتفع لهاثي.. الصورة لم تدم طويلاً، لأن الرجل ذا الملامح الدموية جاء وأخرج من جيبه ممحاة كبيرة.. أخذ يحركها ببطء.. سقطت وجوه الأطفال وغابت.. أذكر أن أجسادهم غطاها نزيف الممحاة وغيبها... حاولت أن أغمض عيني، لكن دموعهم كلها اجتمعت في رأسي وأخذت تنز ..كان المشهد ضاغطاً.. علت بعدها ضحكات الرجل ذي الملامح الدموية، وأخرج من جيبه راقصة مليئة بالشبق والإغراء وفردها على الشاشة.. كانت ترقص على موسيقى ضحكاته... وحدها صرخات الأطفال ودموعهم كانت في رأسي.. في قلبي.. وحين ذهبت إلى الفراش.. لم أعرف كيف يكون النوم.. صدقيني لم يكن كابوساً.. كان حقيقة.. حقيقة جارحة حتى العظم.. امتد الليل طويلاً... عيناي معلقتان في سقف الغرفة.. قلبي يعصره النشيج.. بعدها لم يكن هناك صباح... صباح كالذي تعرفين...‏

قربت القهوة من شفتي، رشفت، كانت مرّةً.. لم أستطع شربها.. تركت الفنجان وذهبت إلى الحمام.. بخطوات بطيئة ذهبت.. كأنني كنت أمشي وراء نعشي... دخلت.. أفرغت المثانة والأمعاء.. انتشرت في الجو رائحة عفن.. كأنني كنت أحمل جثة لاكها التفسخ... .‏

لا أدري جثة من... لكنها كانت جثة لشخص ما... وعندما تحركت.. اقتربت من الصنبور... . فتحته.. وأخذ الماء يسيل.. ملأت كفي.. رشقت وجهي.. ثلاث مرات رشقت وجهي... وحين نظرت في المرآة لم أصدق.. وجدت وجها آخر غير وجهي.. هناك في المرآة لم أكن أنا... الجبهة.. العينان.. الأنف.. الشفتان.. الشعر.. كل ذلك لم يكن لي... هذا الوجه الذي في المرآة ليس وجهي.. هذه الملامح ليست ملامحي.. العينان اللتان أنظر بهما إلى هذا الوجه الغريب لا أعرفهما.. في البداية ظننت أنني أحلم.. وكما يفعل العقلاء في هذه الظروف الاستثنائية، قرصت يدي، قدمي، بطني، وشعرت بالألم.. رفعت يدي وقرصت خد الوجه الذي أحمل، لم أشعر بشيء.. ركضت إلى الغرفة.. أحضرت دبوساً.. عدت إلى المرآة، في لحم الرقبة دفعته، لم أشعر بشيء.. وقتها عرفت تماماً أنني لست أنا.. وفي مثل هذه الحالة لايمكن أن أكون الرجل الذي تعرفين... زوجك مات.. مات وانتهى أمره.. والمشكلة ياسيدتي ليست هنا.. المشكلة بالتحديد هي أنني أريد أن أعرف من أنا...‏

هذه الملامح التي أحملها لمن تكون؟؟ هل أعيد القصة من البداية.. لابأس ياسيدتي اسمعي...‏

أعرف أن المفردات التي أختارها قد لا تعبر تماماً عما أريد.. فأنا ياسيدتي رجل مشروخ.. أشعر أن هناك جزءاً مني يعود إلى الماضي.. أقصد الماضي الذي تتحدثين عنه.. لكن وجهي.. ملامحي.. تضاريس أو خارطة رأسي، فلا صلة لها بما كان.. حين كانت عيناي الحقيقيتان تنظران إلى شاشة التلفاز، شعرت بدوار.. الأطفال كانوا يركضون.. حاولوا أن يختبئوا تحت جلدي.. بين سرتي والقلب.. لكن الدوار كان أقوى مني.. سقطت.. سقط كل شيء.. حين فتحت عيني بعد حين لم يكن هناك أطفال..وحده الحاوي كان يراقب شاشة التلفاز.. حاولت أن أنام ..من ثقوب الباب أخذ النشيج يتسلل إلى أذني.. لم أشرب قهوة الصباح.. وحين نظرت في المرآة لم أجد وجهي ..‏

في النشرة السابعة بعد الألف قال المذيع" وجد قتيلا ".. عرفت أنه زوجك.. لا أدري أين وجدوه.. لكنه كان يحمل الوجه الذي تعرفين.. الملامح التي تبحثين عنها.. العينين.. الأنف.. الأذنين.. الشفتين.. والمشكلة ياسيدتي ليست هنا... فأنا أريد أن أعرف شيئاً عن هويتي.. أريد أن أعرف إلى أين أذهب.. هذه الملامح التي أحملها عن أي شيء تعبر... وكيف لي أن أتصالح مع هذا الوجه مادام الرجل الذي تعرفين قد مات.. ياسيدتي كفى.. لا تقتربي كثيراً من هذا الوجه.. صدقيني لست أنا من تبحثين عنه.. لست الرجل الذي تريدين.. حاولي أن تفهمي... . القصة قد تطول.. هل أعيد من البداية.. اسمعي...‏            

واشتعل الرأس جنوناً... !!

 

لا أدري بالتحديد من أين أبدأ... . أحياناً تصبح الأشياء والأمور غائمة إلى حد مرعب.. ياسيدي أنا المدعو سحبان التائه أبو الندى... . لا يهم على ما أعتقد، أن أشرح كيف ركب هذا الاسم، وكيف جاء على هذا الشكل الغريب العجيب.. هكذا شرفت إلى الدنيا... .وهكذا طاب للأهل رحمة الله عليهم، أن يلصقوا بي هذا الاسم، ليكون عنواني الشخصي الذي بقي معي طوال سنوات العمر.. أعرف أن الأمر بهذا الخصوص لا يعنيك.. لذلك سأترك هذه النقطة معلقة.. وعليّ حسب رأي سيادتك، أن أشرح وأحلل الوقائع التي جرت، قبل مثولي بين يديكم.. والفاصلة الأهم في كل ذلك، أنك تعتبرني غير مجنون... وهنا المصيبة.. الجنون شرف أدعيه، وأنت، أقصد سيادتك، ترفض أن تمنحني الحق في اكتساب هذا الشرف... ‍‍‍!!..‏

خمسة أطباء من خيرة أطباء المدينة، قالوا وأعلنوا أنني مجنون.. لماذا تكذّبُ كل هؤلاء، وتصر على وجود مساحة كبيرة من العقل في رأسي ؟؟.. وعلى هذا الأساس، وهو أساس متين متماسك بالنسبة لك، تصر على تعذيبي، لتجعلني عبرة لمن يعتبر.. وأنا في الحقيقة، أختلف معك حول هذه النقطة بالتحديد ؟، نقطة من" يعتبر" !!.. إذ أن الجميع على حد علمي، ودون أي استثناءات تذكر، يعتبرون ويسيرون على الصراط المستقيم... فما الداعي، وما الدافع، لأن أكون عبرة... . صدقني أنا لست أكثر من إنسان مسكين، مجنون... .‏

ولا تجوز على أمثالي، إلا الشفقة.. لأن الشفقة على المجانين حسنة !!.. كل هذا لن يغير رأيك.. لابأس...‏

ياسيدي، سأدخل في لبّ الموضوع كما يقولون.. وأقول لك بالمختصر المفيد، انني كنت أنا سحبان التائه أبو الندى، مثل الكثيرين من خلق الله، لا أعرف إلا الحب والجمال والروعة... ابتسامتي ابتسامة حقيقية، تنبع من الداخل.. سعادتي سعادة متوقدة تعبر عن صدق إحساسي بجمال الأشياء.. وهي لا تشبه أي سعادة معلبة تظهر على الوجوه دون مرتكزات حقيقية.. هكذا كنت، فتصور جمال الحياة، حين تكون هكذا ؟؟..‏

كانت زوجتي جميلة.. أجمل مما تتصور.. رائعة، أروع من أي وصف.. وقد تهمك مثل هذه الأمور التي تتعلق بجمال النساء . هذا هم مشترك على ما يبدو عند الرجال.. صفاء هذه، أقصد زوجتي، كانت أجمل الجميلات.. ربما تريد أن تسألني عنها ؟؟؟... وحتى أختصر أقول لك، زوجتي هذه ماتت قهراً.. لذلك لا يهم أن أصفها لك كما يحلو لي.. أتدري ما معنى أن يموت الإنسان قهرا؟؟ قد تسأل عن الأسباب التي جعلتها تفطس قهراً؟؟ وسأجيب أيضاً باختصار: كل شيء حولها كان يدعو إلى القهر.. ماتت رحمها الله، وتركت لي كمّاً من المشاكل، ما كنت أعرف عنه أي شيء.. كانت المسكينة تحمل هموم الدنيا وحدها.. وما كنت أنا المدعو سحبان التائه أبو الندى، إلا الرجل الذي يعطي الأوامر، والمصروف الهزيل المتهالك، ويمضي شاعراً بنشوة الرجولة والذكورة.. المسكينة ماتت ..!! وبعدها حدث ما حدث...‏

كان علي، ودون مقدمات، أن أرعى تسعة أولاد.. هل تظن ياسيدي أن المسألة سهلة.. لا تحدثني عن تحديد النسل، لأن الأولاد موجودن، لا أستطيع أن أعيدهم من حيث أتوا... . أيضاً الأمر لا يعنيك، لكنه يعنيني.. تصور، تسعة أولاد... كان علي أن أعمل طوال النهار مثل الحمار، لتأمين لقمة العيش لهم.. إضافة إلى ذلك، علي أن أطبخ، وأغسل، وأكوي، وأنظف.. والأهم من كل ذلك، وهو المثير في الموضوع " أن أبتسم "... كيف تأتي الابتسامة، وبأي شكل من الأشكال يمكن أن ترسمها على شفتيك؟؟ لايهم.. عليك أن تبتسم، وإذا لم تبتسم، كما قال لي أحد الأطباء المحترمين، ستتشكل عند كل واحد منهم عقدة نفسية.. يالطيف الطف.. تصور عقدة نفسية... ولأن البلاد تحتاج، كما قيل لي بالتفصيل الممل، إلى جيل ممتلئ بالصحة النفسية.. فقد كان عليّ أن أبتسم.. و جربت ..!!‏

بعد مدة، لا أدري طولها أو عرضها بالتحديد، شعرت بأنني أشيخ.. الهرم دخل قاموس حياتي قبل الأوان.. أنا الذي كنت ممتلئاً بالصحة والشباب والعافية.. صرت انساناً هرماً.. اسحب خطواتي سحبا.. داخلي يبكي.. يصرخ، يتمزق.. وأنا أبتسم ..رفعت شعاراً لا أحيد عنه" ابتسم رغم كل شيء"... . شعار جميل كما ترى.. لكن الصغير المدعو أحمد، وهو أصغر من سعيد بثلاث سنوات على ما أذكر، لاحظ أنني أبتسم ببلاهة وهبل، وبرود.. عندها - أبعد الله عنك كل مكروه - تشكلت عنده عقدة نفسية.. الجيران الذين لا يعرفون إلا الابتسام، علموا.. وقامت القيامة.. عقدوا مجلساً تأديبياً، لمحاكمة المتهم سحبان التائه أبو الندى.. وصدر القرار، وهو قرار حكيم منصف لا أعترض عليه، بأن أبتسم بإشراق وود وصفاء.. هل أخبرتك أن زوجتي المسكينة كان اسمها صفاء ..؟؟ وأنني سأوضع تحت الرقابة لمدة محددة.. المهم في الموضوع أنني أخذت ابتسم بشكل جديد.. كان علي أن أنفّذ.. الأولاد كما تعلم، أولاد الوطن.. وأنا أعبد الوطن بعد الله.. صحيح أنني لا أملك شيئاً من حطام الدنيا، لكنّ حبي للوطن لا تشوبه شائبة... أرجوك ياسيدي دعني أتابع... لا يمكن أن تفهم قصتي دون سرد كل هذه الأحداث.. كما تشاء، سأنتقل إلى المهم.. كل هذه الأشياء التي ذكرتها غير مهمة... . تسعة أولاد ليذهبوا إلى الجحيم.. !!‏

كما قلت لك، كنت ومازلت - وإن كنت مجنوناً - مسكوناً بحب الوطن. لاتظن أنني تغيرت.. حب الوطن لا يتغير ولا يتبدل.. لكن - عليك أن تنتبه جيداً إلى لكن هذه - الحالة التي وصل إليها الوطن العربي أربكتني.. شغلتني عن التفكير بالأولاد، وهم تسعة كما أخبرتك.. صرت عن سابق إصرار وترصد، أتابع الأخبار.. وأي أخبار.. تصور هكذا أنا المدعو سحبان التائه أبو الندى، صرت مشغوفاً بمتابعة الأخبار.. وليتني لم أفعل... كل شيء كان يبعث على الأسى والاشمئزاز.. مرات عديدة بعد سماع الأخبار كنت أتقيأ.. أدخل إلى المرحاض - وهو ضيق إلى حد الاختناق - وأتقيأ.. الأولاد كلهم أصبحوا معقدين... . قلتُ:" الأخبار أهم "... . رصاص.. حرائق.. انتهاكات.. دمار.. جوع.. تخمة.. صراعات وقتال بين الأخوة.. صحت:" لماذا يحدث كل هذا "؟؟.. جاء الجواب سريعاً: " عليك أن تبتسم "...‏

هنا يا سيدي، قامت قيامتي، رفضت أن أبتسم، رفضت أن أرضخ لأوامر الابتسام العجيبة هذه... . عدة مرات حوكمت.. وكادت قضيتي، لأهميتها القصوى كما قيل لي، أن تنتقل لمجلس الأمن... مجلس الأمن يحكم كثيراً بمثل هذه الأمور الفردية.. ورغم ذلك - ومع خوفي وارتعاشي من تدخل قوات مجلس الأمن - بقيت كئيباً... هل أبتسم والحال وصلت إلى ما وصلت إليه؟؟.. عندها قر قرار الجميع على ضرورة تحويلي لمصح.. وجاءت التقارير لتؤكد أنني " مجنون ".. قلت جاء الفرج.. المهم: لا أريد أن أبتسم.. أتدري من حسنات الجنون، أنه يتيح لك أن تقول وأن تفعل ما تريد.. مثلاً تستطيع أن تقول ببساطة: كيف يجوز لشمعون بيريز - وكان رئيساً لوزراء العدو كما تعلم - أن يتجول في عواصم عربية كثيرة بكل حرية، وكأنه من أبناء جلدتنا أو أعز؟؟ وكيف يجوز للوفود الاسرائيلية أن تسرح وتمرح في الكثير من الأماكن العربية؟؟ وفي ذات الوقت تقصف القوات الاسرائيلية جنوب لبنان، وتقتل وتذبح أهل هذا الجنوب الصامد؟؟ ثم كيف وعلى أي أساس يصير" السلام" مع القاتل قطعة حلوى يتناولها كل واحد وهو يرقص ويهلل، وكأنه حقق نصراً مبيناً؟؟ والأنكى من كل ذلك، أن يتسابق المسؤولون، لفتح أبواب بلادهم أمام هؤلاء القتلة ..ياسيدي دم الشهداء لم يجف بعد.. هذا حرام... .‏

" إشارة عاجلة للمؤلف: نظرا للتطور الهائل في الاختراعات والتقنيات، وبما أنه صار بإمكاننا أن نطلع على أوراق الكاتب أثناء الكتابة، لذلك يطلب من المؤلف المدعو طلعت محمود سقيرق، وحفاظاً على شعور وأحاسيس بعض الاخوة العرب، حذف الجمل والعبارات التي تمس مشاعر سعادتهم.. يرجى التنفيذ الفوري "..‏

... " جواب عاجل جداً: إلى هؤلاء الواقفين على ريشة القلم، لا أستطيع ياسادتي أن أفرض على الشخصية القصصية تغيير مجرى الأحداث.. أنتم تعرفون يا كرام أن الفن فن... وحرية الفن !!..."...!!‏

.. إشارة عاجلة: يطلب من المدعو طلعت محمود سقيرق الاحتفاظ بقصته في الدرج بعد الانتهاء من كتابتها، مادام مصرا على زعزعة الثقة المتبادلة بين الأخوة العرب ".." جواب غير عاجل: إلى هؤلاء الواقفين على السطور.. سأفعل ما تريدون.. سأخفي القصة بعد الانتهاء من كتابتها.. رجاء ترك المجال للشخصية حتى تكمل سيرتها.. ولكم كل الشكر والتقدير والاحترام "...‏

..." إشارة: تابع "..‏

أين كنا ياسيدي.. أما قلت لك ان الأشياء تصبح في بعض الأحيان غائمة إلى حد مرعب.. تصور أنا المدعو سحبان التائه أبو الندى، المجنون المسكين، يريدون شطب كلامي... لماذا ..؟؟؟ وما الداعي إلى ذلك، ما دام كلامي كلام مجانين ؟؟...‏

لا بأس.. لابأس.. سأعود إلى الموضوع، أعرف أنك تغضب بسرعة، وأن غضبك يقيم الدنيا ولا يقعدها ..لكنني في الحقيقة ضعت.. ما عدت أعرف من أين أبدأ أو أتابع.. تصور خمسة أطباء قالوا انني مجنون وأنت لا تريد أن تصدق.. أظن أنني كنت أتحدث عن أطفال فلسطين.. لا.. لا.. ربما عن المجازر.. مجزرة الحرم.. مجزرة قانا... لا.. لا.. أظن أنني كنت أتحدث عن أشياء أخرى.. أي نظام شرق أوسطي جديد هذا الذي يريدون أن يقيموه ؟؟؟ هل قلت لك ان نصف الأولاد تشردوا في الشوارع.. ليس نصفهم تماماً.. أربعة أولاد فقط.. الكذب غير جائز... والمثير في الأمر أنهم أصبحوا أفضل بكثير من ذي قبل.. تصور أن يكون التشرد والتسكع عنوان صحة وعافية.. يأكلون.. يشربون... . ويدخنون أفضل أنواع السجائر المستوردة.. ينامون على الأرصفة.. يصرفون على بقية اخوتهم.. هل هناك أروع من هذا الأسلوب الحضاري.. المتشرد يصرف على بقية القوم... . سأعترف لك الآن بشيء هام.. أحد هؤلاء المتشردين، وهو ابني سامر، طلب مني أن أتزوج، وقال انه سيتكفل بكل المصاريف.. لا أعرف بالتحديد من أين يأتي بكل هذا المال.. أنت تريد أن أبتعد عن موضوع السياسة.. فماذا أقول لك؟؟ بقية الأولاد بصحة جيدة والحمد لله.. كل عقدهم النفسية حلت.. أنا الوحيد الذي بقيت معقداً في العائلة.. ووصلت إلى هذا الحد من الجنون الذي لاتريد أن تعترف به... !!‏

أعرف أن جملي أصبحت مفككة.. أظن وهذا أمر في غاية الأهمية، أن الكاتب أصبح خائفاً بعد الإشارات التي وردت دون سابق إنذار.. تصور أن يكتب المؤلف وهو يرتعش.. كيف تريد لكلماته أن تكون مترابطة .؟؟ حقاً لقد تطور العلم بشكل مذهل.. كنت أشعر أحياناً أنهم يراقبونني وأنا أمارس الجنس مع زوجتي.. قلت لك زوجتي صفاء كانت في غاية الجمال ..ربما وصلوا إلى أشياء جعلتها تموت قهراً.. المسكينة ذوت وذبلت مثل الوردة.. يتمتني ويتمت الأولاد.. العلم تطور بشكل مثير ياسيدي.. تصور أن تتحرك وأنت تشعر أن فوق كتفيك رقيباً عتيداً من البشر ..؟؟ كيف لك عندها أن تدوزن خطواتك.. المسألة طبعاً تحتاج إلى وقت حتى تتعود على هذا التطور العلمي الرائع.. أقمار صناعية في كل مكان.. كأنهم زرعوا هذه الأقمار الملعونة في رؤوسنا.. بيريز راح، نتنياهو جاء.. نتنياهو راح بيريز جاء.. وجه واحد صدقني.. حتى الايدز حاولوا أن يهربوه إلى البلاد العربية..‏

ماذا ؟؟.. ماذا تقول" كل كلامي كلام مجانين "... أصبحت تعتقد الآن أنني مجنون ..؟؟ يالسعادتي.. صدقني هذا من دواعي سروري وغبطتي.. هذا يعني أنني غير مطالب بالابتسام.. أنا المدعو سحبان التائه أبو الندى غير مطالب بالابتسام... . هذا أروع خبر أسمعه في هذا الزمان... ياسبحان الله كم أنت ودود وكريم.. أعرف أن حركاتي وسكناتي ستكون تحت رقابة تقنيات العلم الحديث.. لا يهم.. كل شيء سيكون تحت عنوان الجنون.. أرجوك، لا داعي لإرسال أحد معي.. أعرف الطريق جيداً. أتدري هناك في مشفى الأمراض العقلية كلهم مثلي... ما أجمل أن أعيش بينهم.. أرجوك ابتسم.. إياك أن تنسى الابتسام ..المكان عندنا غص بالقادمين، وما عاد يتسع... لذلك ابتسم أرجوك.. حافظ على ابتسامتك حتى لا نضطر لتوسيع المكان عندنا.. !! ارجوك ..!! ابتسم!!..‏

" نداء من المؤلف المدعو طلعت محمود سقيرق: الرجاء نشر هذه القصة في مكان لم يصب بالايدز الاسرائيلي.. ولكم الشكر والاحترام "..‏    

  

 

غزل من نوع خاص

 

لم يخطر في بال الرجل الذي تجاوز الخمسين بسبع سنوات ونصف السنة أنه سيقع هكذا دون مقدمات، أسير حب طاغ لا يعرف الرحمة أو الشفقة.. ها هو يسلم ويستسلم من النظرة الأولى.. يقف حائراً مأخوذاً وكأنه يقرأ الفاتحة على روح الهدوء والاستقرار...‏

بكل زهو العشرين ربيعاً تقف.. ملساء، ميساء، أخاذة بالألباب.. عيناها يا سبحان الله، تزفان العسل بإغراء لا يمكن أن يشبهه أي إغراء.. شفتاها.. كفاها.. شعرها؟؟ لا يستطيع أن يصفها كما يجب .صورتها - هذا ما يبدو له - أحلى من أي وصف أو تعبير..‏

حتى أبرع الشعراء، لايستطيع - حسب ظنه - إيفاءها حقها مهما أوتي من مقدرة على الوصف ..‏

قبل أن يراها ..كان كل شيء يسير كما كان من قبل.. يخرج من البيت.. يودع الزوجة بقبلة صارت مع مرور الزمن باردة لا تمثل أي معنى.. تمد رأسها، ويمد رأسه ؟، تلامس شفتاه وجنتيها.. أو جبهتها، أو ماتيسر من خدها.. يطبع قبلة كيفما اتفق، ويمضي.. أحياناً تتبعه الزوجة حتى الباب.. يودعها بتلويحة من يده.. يضحك بافتعال ممجوج.. تضحك بآلية.. وبعد أن تغلق الباب وراءه، تذهب - كما يعرف تمام المعرفة - إلى المطبخ لتبدأ دورة يوم جديد.. تجلي.. تمسح.. تغسل.. تطبخ.. وفي بعض الأيام الاستثنائية ربما، تمشط شعرها، وتضع بعض الزينة.. لكنها في كل الأحوال، تصل إلى آخر النهار منهكة متعبة، لترمي جسدها مثل الخرقة القديمة على الفراش ..‏

يضع خطواته على الرصيف.. يلتقي الوجوه التي أصبح يعرفها حق المعرفة، يتخيل أحياناً أنها وجوه آلية، ذات ملامح جامدة... يلقي التحية.. يهز رأسه وكأن رقبته متصلة بنابض كهربائي.. نظراته تستطيع أن تقول الأشياء قبل الوصول إليها.. تستطيع - وهذا ليس سراً وطنياً أو قومياً على كل حال - أن تصف كل صغيرة أو كبيرة، بعد أن طال التحديق في كل شيء، حتى صار آلياً مع الزمن ..‏

لايدري كم من السنوات مرت وهو يسير في هذه الشوارع والحارات ..كم من السنوات انقضت، وهو يلقي التحيات التي لا تتغير.. المفردات هي هي، بموسيقاها، بنبرة الصوت، بصورة الحروف... صحيح أن كثيرين من الذين يعرفهم قد تغيروا، وتبدلوا، من شباب إلى شيوخ، ومن أطفال إلى شباب.. وهناك من ترك هذه الفانية، ورحل.. لكن حين يدقق في المعنى الحقيقي للأشياء، يرى أن الزمن حبيس لحظة واحدة، تعيد الصور وتكررها إلى ما لا نهاية.. يخرج من جيب السترة علبة السجائر.. يسحب واحدة.. حتى نوع سجائره لم يتغير، ولم يتبدل.. يشعلها.. يأخذ نفساً طويلاً.. يشعر بانضغاط صدره.. يرمي سحبا متواصلة من سعال يكاد يقتله.. يأخذ نفساً آخر.. ويسعل مرة أخرى.. في المرة الأخيرة، قال له الطبيب ضاحكاً:" أنت أقدر الناس على الانتحار.. أهنئك" واصلَ التدخين والضحك والسخرية من الحياة.. يذكر كيف نظر يومها في عيني الطبيب... هز رأسه المعلق على رقبة متصلة بنابض كهربائي.. ومضى.. يومها قرر أن يترك التردد على هذا الطبيب.. وفعل.. لماذا يذهب لطبيب كهذا.. وماالفائدة؟؟ حضرة الطبيب يكتب له اسم الدواء، وحضرته لا يشتري الدواء ولا يحزنون.. فقط كان يشعر أن عليه أن يذهب إلى العيادة.. يجلس في غرفة الانتظار مع المرضى.. يراقب نظراتهم وحركاتهم القلقة... يضحك في داخله.. وحين يأتي دوره يدخل إلى غرفة الطبيب بآلية ونوع من المحايدة" هل يسعى حقاً للانتحار وإنهاء حياته المملة "؟... سؤال يضرب في رأسه، ولا يجد له أي جواب...؟‏؟؟...

يصل إلى الشركة التي يعمل فيها، يدخل بقرف.. المكاتب لم تتغير منذ سنوات عديدة.. ربما كما يطيب له أن يتصور من مئات الأعوام... ... يدخل غرفته، يلقي التحية.. يرد بقية الموظفين بفتور وتثاؤب.. كأنّ اليوم هو البارحة.. الأيام متشابهة، متطابقة.. يجلس على الكرسي خلف مكتبه.. يسحب الدرج الكبير ..يخرج بعض المعاملات المؤجلة من اليوم السابق.. يضع توقيعه الكريم على هذه الورقة أو تلك، دون أن يقرأ أي شيء.. لا يهم حسب اعتقاده، لأن كل المعاملات متشابهة... يغلق المصنف.. يرمي المعاملة لتحط بأوراقها على المكتب المجاور.. تتناولها الموظفة.. توقع.. ترميها إلى مكتب آخر.. وهكذا.. الساعات تتثاءب.. الجدران باردة.. قهوة الرجل العجوز الذي يعرفه منذ ألف عام كما يقول، باردة.. كل شيء بادر.. جاف... لايحمل أي معنى ..‏

عندما ينتهي الشهر ..يقف بانضباط ونظام في صف طويل.. الموظفون المحترمون تعودوا الوقوف في مثل هذا الصف الشهري.. يوقعون ويأخذون رواتبهم.. عندها تبدأ دورة الشهر الجديد، لتكون مثل دورة الشهر الذي سبق.. يأخذ بيد ليعطي باليد الأخرى..... كأنه مربوط بسلسلة تدور به إلى ما لانهاية.. يستطيع في كثير من الأحيان، أن يتأخر عند الذهاب إلى العمل.. أن يتسكع في الشوارع إذا شاء.. لكنه - والحق يقال - يفضل أن يدخل الشركة في الثامنة تماماً.. لأن ذلك يشعره بأهمية الروتين والنظام ..‏

في مرة من المرات، وهي مرة يتيمة على كل حال، استدعاه المدير العام إلى غرفته وسأله دون مقدمات أو تمهيد :" الا تشعر بالملل ياسعيد" ؟؟.. يومها كان سعيد سعيداً بحق ..لأنه وللمرة الأولى منذ ألف عام كما يحب أن يدعي، يجلس هكذا وجها لوجه مع سيادة المدير العام.... والمدير العام شيء كبير، تحتاج مقابلته إلى مواعيد وواسطات أحياناً، هذا إلى جانب الموافقة المبدئية من قبل السكرتيرة.. أما أن يحدث اللقاء هكذا.. ودون مقدمات. فهو والله يوم السعد عند سعيد.. رن السؤال في البدء رنيناً غريباً جراء الانفعال الذي كان يشعر به سعيد.. أعاده في ذهنه ولاكه" ألا تشعر بالملل يا سعيد "؟؟ ونزل الوحي أو هبط.. أشرقت الأفكار في رأس سعيد الموظف الذي عليه أن يثبت أنه موظف كفء، قال:" وكيف يشعر بالملل من يتاح له أن يقابل سيادتكم"؟؟‏

ولما أعجبته كلمة" يتاح" خاصة، تابع القول:" ثم كيف يشعر بالملل من يتاح له أن يجلس أمام أحد العظماء ".. كان ينتقي الكلمات بدقة متناهية.. ولايدري لماذا كان المدير العام يتثاءب، وهو يبحث عن هذه الدرر والجواهر. وفاجأه سيادته بأن أشار آمراً بخروجه.. عندها - يستطيع الآن أن يتذكر ذلك بوضوح - خرج سعيد الذي كان سعيداً قبل دقائق قليلة، مهموماً لا يكاد يرى طريقه..‏

بعد مرور أيام على المقابلة المذكورة، وهو أمر لم يكن سعيد أفندي يعرف عنه أي شيء، أحيل سيادة المدير العام للتقاعد.. في هذه الأثناء - ويجب التوقف عند هذه الأثناء كثيراً - قفزت الأفكار وأخذت تنقر رأس سعيد.. عرف الآن، وبعد أن جرى ما جرى، أن سؤال المدير العام - وهو رأي يتحمل مسؤوليته سعيد أفندي شخصياً - كان يشعر عند إلقاء السؤال، أنّ دورانه حول الساقية سوف يتوقف.. لذلك - ومن باب التنفيس عن ضيق ما - كان يسأل الآخرين بقلق وتوتر وخشية، أو أنه كان يريد أن يبرر لنفسه أن العمل الوظيفي ممل - وأن إحالته للتقاعد شيء آخر.. لكن ..ومن هذه النقطة المهمة جداً - كما يدعي - تكونت فلسفة خاصة عند سعيد تقول:" الحياة مملة حقاً، لكن الممل أكثر، هو التوقف عن ممارسة ما تعودنا عليه من شعور بالملل" فلسفة - وهو رأي شخصي خاص بسعيد أفندي - تساوي ثقل الجبال ذهباً.. وتمنى أن يسعد بتسجيل هذه الفلسفة باسمه الشخصي في باب الابتكارات أو العبقريات والاختراعات... لكن الأمر يحتاج إلى من يقدر.. وأين هؤلاء الذين يقدرون ؟؟..‏

هذا ما يحدث في الشركة.. وحادثة مقابلة المدير العام، حادثة عابرة لا تغير مجرى الأحداث الممل.. ومن هذه الأحداث التي تذكر في قائمة الأشياء المملة، الخروج عند انتهاء الدوام في تمام الساعة الثانية بعد الظهر.. عندها يعود الموظف سعيد أفندي إلى البيت.. وهناك - في البيت طبعاً - وكما يحدث كل يوم، يخلع سعيد حذاءه، وجوربيه - يستطيع أن يلاحظ أن أحدهما مثقوب -. ثم يطيب له أن يتابع جدول النظام العام، فيخلع ملابسه التي ما تغيرت منذ سنوات.. ويرتدي على مهل، - إذ لا شيء يدعو إلى العجلة- ملابس الجلوس المريحة، والمكونة من بنطال وكنزة صوف وقميص شتاءً، مع الاستغناء عن الكنزة صيفاً.. ثم يغسل يديه ووجهه، وقدميه إذا اقتضت ظروف الرائحة المنبعثة منهما.. ويكون له فسحة من الزمن المريح، لتناول الغداء مع الزوجة المطيعة الطيبة.. بعدها ينزرع، أو على الأصح يصلب أمام شاشة التلفاز متابعاً ما هب ودب.. و ان اقتضى، فهو يصرخ صرخات آلية، طالباً من الأولاد الهدوء والسكينة.. وكثيراً ما ينام على طرف السرير الضيق مرسلاً شخيراً متصلاً، متناغماً إلى حد بعيد ..‏

غريب أن يفكر بكل هذه الأشياء الآن، غريب حقاً أن تنفلت الصور رغم رتابتها هكذا دفعة واحدة.. هل كان عليه أن ينظر بكل هذا التحديق المخيف إلى سنواته التي مضت؟؟ بصراحة - وهذا ما يستغربه الآن - كان يرى كل شيء مناسباً، أو على أقل تقدير، كانت الأمور مريحة.. ما كان عليه أن يفكر، مجرد تفكير، بما يحدث.. كانت الأيام، الشهور، السنوات تمر... كل شيء يمر.. الأولاد يكبرون.. الزوجة تقف أمام الباب وتلوح بيد باردة.. ودائماً، يمضي برتابة.. يضع خطواته على الأرصفة.. الشوارع.. الحارات... كل شيء كان ثابتاً، هادئاً ، محايداً.. وقد تعود.. فلماذا تغير كل شيء الآن؟؟‏

صحيح أنه سمع منذ فترة برنامجاً إذاعياً، تحدثوا فيه طويلاً عن الزمن الآلي في حياة إنسان هذا العصر.. عن الأشياء التي تصبح ذات وقع محدد.. عن الأنفاس التي تتردد برتابة ونظام... وقتها، شعر بالاختناق، انقبض صدره.. ضاقت شرايينه.. حاول أن يسحب نفساً طويلاً، فما استطاع .كأن الهواء عندها لم يكن كما كان دائماً.. لكن الأزمة كانت عابرة.. مر كل شيء وانقضى لتعود الحياة إلي سيرتها الأولى...‏

وهاهو الآن يقف عند مفترق طرق.. ما تعود أن يكون هكذا.. هل غيرت الحياة سيرتها فجأة؟؟ في العشرين كانت.. جميلة مثل حلم.. رائعة مثل خيال جامح.. البدر يغار منها.. فجأة أخرجته من رتابة الأيام، وأصرت على الانزراع في دقات قلبه.. .. صفعت كل شيء وقلبته... . انسحبت كل الأشياء القديمة وسقطت مثل أوراق صفراء من ذاكرته... كان قد تجاوز الخمسين بسبع سنوات ونصف السنة ..كانت في العشرين.. مثل طيف أو خيال، أو سحر مرت.. أسرعت، فأسرع .. ثلج السنوات يذوب.. الشمس تسطع على الحقول الخضراء وتطلق العنان لكل خيالات وصور الجمال.. شعرها مثل شلال.. موسيقى.. التفتت... نظرت في عينينه، وضحكت.. عندها قهقهت سنوات العمر فرحاً، وانفلت دولاب الزمن راجعاً إلى الوراء.....‏

شعر أنه في العشرين.. أو الثلاثين ..نظر بعض المارة إليه، فما اهتم.. كان كل ما لديه من شوق وحب وجوع، يعود إلى أيام مضت.. قلبه ينبض بالحياة والحيوية والشباب... لا شيء يشبه أي شيء.. عيناها تنقطان عسلاً ودفءاً، شفتاها تطلقان أصفى ضحكة في هذا الوجود.. صرخ صوت في داخله: " الحياة رائعة.. لماذا نصر على أن ننظر إليها بكل هذا الملل والقرف ؟؟"‏

تابع الصراخ الداخلي:" مجرمون.. كلنا مجرمون... نطلق الرصاص على أعمارنا قبل النهاية بكثير.. ونسير في الشوارع داخل جثث.. كأننا معلبون... هذا حرام..."..‏

كانت في العشرين... اقترب.. الخطوات تطرق الشارع على خط واحد.. قال:" ما اسمك "؟؟ رن السؤال واستطال مثل موسيقى مشاغبة.. كانت في العشرين، ووقفت.. كان في أجمل ساعات العمر، ووقف ..وقف العالم كله.. السيارات..... الإشارات.. الوجوه.. الخطوات.. وحدها كانت أميرة الزمان والمكان.. في عينيه تماماً نظرت.. احمرت وجنتاه... لأول مرة منذ فترة طويلة، طويلة، تحمر وجنتاه... قلبه المتعب، أو الذي كان متعباً من قبل، أخذ يرقص رقصة صاخبة لا مثيل لها... بلع ريقه كأنه طفل في ساعة امتحان... . قال:" ما اسمك بالله عليك .."؟؟ نظرت إليه وفي عينيها كل الزهور والورود وربيع البساتين، وقالت" لماذا تريد أن تعرف اسمي "؟؟ صوتها عزف ساحر، ساحر.. قال:" انك رائعة جميلة إلى حد أخاذ.. اسمك لاغير.. اسمك"؟؟ ضحكت، فامتد العمر شواطئ حب لا نهاية لها.. قالت وهي ترسم ينبوع ألق:" أمل اسمي أمل" وانسحبت ..مضت.. لا يدري متى عاد إلى الشارع وإشارات المرور والسيارات والوجوه... كانت قد اختفت.. لكن العبق الساحر بقي في كل مكان.. شعر أن الحياة تنبض ..أن القلب يضحك.. عندها سار في الشوارع والحارات وهو يغني ويصفر ويضحك.. وكانت ابتسامته ترتسم على الشفتين وردة لا تعرف الانطفاء...‏          

 

 

انتظار في الشارع الخلفي

 

كنتُ معلقاً على الجدار.. بين عقربي الساعة تماماً حشرت.. أمد أصابعي، تمتد.. ينفلت ظلها فتذهب إلى مالا نهاية في المسافات والمساحات.. اقبض على طرف خيط عنكبوت.. اسحبه.. يطول.. حول رقبتي تماماً يلتف.. اصرخ.. أخرج قليلاً من إطار جلدي.. أتجول في الشارع الخلفي.. أحد الجرذان يصطادني بعينين ناريتين.. أختبئ.. لهاثي يطرق سمعي، فأغيب.. أسبح في بركة صغيرة من عرقي ..ابحث عن تفاصيل وجهي.. أقع على طرف السرير.. وتضيع المرآة في الزحام... .‏

كان الوقت في الزمن البعيد، أو القريب على ما أظن.. كنت وقتها أنا عبد الموجود موجوداً.. جاء صوته آمراً.. رنت كلماته في أذني وهو يقول بشهوة:" اسمع الانتظار فضيلة.. عليك أن تنتظر ".. من حقه في مثل هذه الظروف أن يلقي الأوامر.. وقفت في البدء مثل إشارة استفهام، وحين لوى وجهه الذي ينقط استنكاراً، وقفت مثل نقطة ثابتة، وأخذت انتظر... عندها طاب له أن يضحك، أن يصخب، وراحت كركرات ضحكه تطرق باب عمري، لتزرع الطاعة التي لا مثيل لها...‏

في ذلك الزمن، كانت زوجتي عاقرا، وكنت على الأرجح خارج سور الرجولة.. حتى اللغة كانت بعيدة في عمق مفرداتها عن فهمي.. عقارب الساعة التي أخذت تدور خارج زمني، سلخت جلدي... في هذا الوقت.. ربما قبله بوقت لا يطول ..كنت أقف في الشارع الخلفي... ..بدأ صوته عندها يتسرب من كل الثقوب.. يدق قلبي بمطرقة الريح ويعجنه.. أتذكر الآن الصورة بكل وضوح ..تأتي ضاغطة، ثقيلة..كان بودي في ذلك الوقت البعيد أن أتنفس بحرية.. لكن - من حقي أن أتذكر هذا الآن - عندما كنت أهم أن أفكر - مجرد تفكير - بفتح رئتي للتنفس بحرية، كانت ضحكته تمتد وتعصرني... . تلوح صورة الغراب أمام عيني وأسمع نعيبه.. أستلقي على الفراش.. ارتمي... اصرخ.. أبكي ..يمر عام، فأسلخ جلدي وأرميه... يأتي العام الآخر، والصوت، فأضع قامتي أمام الجدار، واتركها في حالة انحناء...‏

عندما صدمني هواء الشارع اجتاحتني نوبة من السعال الحاد... وضع السماعة الطبية... رفعها ولم يقل شيئاً.. انسحبت مسرعاً إلى غرفتي.. تحت الغطاء السميك اندلقت... أخذت أرتجف.. أرتعش... تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني... . صورة الغراب في عيني، ونعيبه في أذني...‏

جاء صوته بهدوء وثقة" لا يجوز.. هذا غير جائز.. إذا انشقت الأرض وابتلعتك فماذا أفعل بعدك؟؟ لا تكن أنانياً.. أنت زهرتي وقنديل فرحي .." بقي صوته الدافئ معلقاً مثل سحابة ناعمة... كنت أسبح في حالة غريبة من النوسان بين الصحو والغياب... كنت في ذلك الزمن أنا عبد الموجود موجوداً.. كنت رقيق القلب، لطيفاً مثل نسمة... و لأنني لا أحب الأذية لأحد، وخاصة لمشاعر صاحبي الرائع الودود، فقد طلبت من الأرض الطيبة، أن تؤجل موضوع ابتلاعي إلى وقتٍ آخر... وقتها اتسعت ابتسامته وبدت بجلاء أسنانه المنخورة... وما أن لاحظ انزعاجي البسيط المؤدب من شكل أسنانه، حتى بادر بكل طيبة قلب، ودون أي إلحاح من قبلي، فذهب إلى طبيب الأسنان، وأجرى كل الترتيبات اللازمة من أجل تركيب أسنان اصطناعية براقة، لامعة، تناسب رقة مشاعري.. لا أستطيع أن أصف كم كنت سعيداً وقتها... شعرت لأول مرة في حياتي ربما، بأهمية شخصي الكريم.. هذا الشخص الذي هو أنا.. لذلك ما عاد يهمني أن يطول الانتظار في الشارع الخلفي.. وقتها، وأذكر ذلك جيداً، كنت أنا عبد الموجود موجوداً، وأخذت أنتظر ..‏

في وقت من الأوقات اللاحقة، جاءتنا الأنباء نحن سكان الشارع الخلفي، الشارع القابع في العتمة، أن هناك تغيرات كثيرة تجري في الشارع الأمامي.. ذلك الشارع اتسع.. تغير تماماً.. حملت جسدي النحيل وذهبت لأراقب الوضع عن قرب... شاهدت العجب.. أخذت السيارات والأنوار والأبواق تدهس قلبي... حملت جراحي واختبأت.. كنت ذابلاً أمام ما أرى وأسمع.. وقتها كان صاحبي الرائع الودود يتجول بانشراح في الشارع الأمامي... يأكل ويشرب ويسهر حتى الصباح.. مرة واحدة بدا الانزعاج على محياه من أحد سكان الشارع الأمامي... عندها وبكل وضوح دعاني لأداء مهمة في غاية السرية.. شرح لي الأبعاد والمفاهيم وأشياء كثيرة ..طلب مني أن أدافع عن كرامته التي كادت تهدر، عن نمرة حذائه - وقتها لم أعرف أبعاد قضية نمرة حذائه هذه - ولأنني مطيع، فقد اندفعت مثل فيل... . لم تطل المعركة - يصعب أن ندعوها معركة - بعدها كنت مثل جثة لا روح فيها ولا حياة.. ارتميت ممزقاً مشتتا... ولا أدري - إلى الآن يصعب تفسير الحالات النفسية والأمراض التي كان يعاني منها - لماذا أخذ يضحك حتى استلقى على ظهره.. عندها حملت جراحي ودمي واختبأت خلفي تماماً ..عندها صاح:" لا تخف ياعبد الموجود... الفرج قادم... ".. للوهلة الأولى حملقت باندهاش... برعب... أي فرج؟؟ لكنني بعد وقت قصير، صدقت ..كنت وقتها ولا أنكر ذلك أسير الكلمات الكبيرة ..كان مسروراً.. وكان علي أنا عبد الموجود أن أمتلئ بالسرور.. وفعلتها.. أخذت أشرب قهوة الصباح بانشراح.. أضع رجلاً على رجل وأقهقه.. كانت القهقهات تدغدغ حبات قلبي فينفرط العقد وأضحك...‏

في ساعة لا أدري موعدها بالتحديد.. صارت قهوة الصباح مرة.. انقلبت الألوان وتغيرت.. أضحك، فتأخذ الضحكة شكل نشيج.. عرف وشعر واستطاع أن يصل إلى نخاعي.. قال:" يا عبد الموجود ستأتي أيام لا مثيل لها.. أيام ستحسد عليها ..".. صورة الغراب في عيني ..‏

على الرصيف في الشارع الخلفي أجلس.. يطلع الجرذ وينظر في عيني ببلاهة.. بتركيز ويمضي ... . الشارع الخلفي دافئ... جلدي يبصق العرق... . المسافات تغيب.. الملح يجتاح حلقي، فأبصق...‏

رسمت وقتها على الجدار المائل سلحفاة.. السلحفاة.. استدارت ونزلت عن الجدار.. وقتها كنت أنا عبد الموجود موجوداً وساقطاً في شبكة عنكبوت... الخيوط اللزجة تسحبني ببطء.. أضحك... تكر الضحكة وتنسحب مثل خيط طويل لا نهاية له... السلحفاة تنقر جلدي برأسها وتذهب.. مددت يدي فامتدت وقبضت على السلحفاة.. رمقتني باستهزاء.. تركتها.. قلت:" لن تذهب بعيداً"... كنت وقتها واقعاً في شبكة عنكبوت.. العنكبوت يتلقى أوامره من الجرذ.. يغزل الخيوط ويمدها.. الخيوط تلتف حول خاصرتي فأضحك.. أصيح" أكاد أموت من شدة الضحك ".. يقول صاحبي الودود - الذي يقول دائماً :"يا عبد الموجود هذا أول الغيث.. كل شيء سيكون وردياً" صورة الغراب في عيني.. العنكبوت يمد خيوطه، ويمد..‏

أحاول قدر المستطاع التقاط أنفاسي.. وقتها كنت أنا عبد الموجود، مسكوناً بالفرح.. لا أدري، الدافع أو الداعي لأن أفرح.. قال :" عليك أن تفرح ".. فرحت... أشار بيده الضخمة فانحنيت.. صعد على كتفيّ.. سرت وكان على كتفيّ.. مشيت في الطرقات وكان.. لهاثي ملأ الدنيا وكان.. رقبتي كانت لزجة.. وكان.. شعرت وقتها بالتعب والغثيان.. طلبت منه بأدب جم أن ينزل، فثار وشتم ولعن... شرح الظروف التي اقتضت أن يكون عبد الموجود مركوبا.. سرت وكان شخصه الكريم على كتفي.. وعدني بالكثير.. استمر الحال.. وحين رأى تخاذلاً مني أنا عبد الموجود نهرني فتماسكت.. بعدها أخذ يتحدث عن فضائله في جعلي متماسكاً ثابتاً.. نسيت تماماً أمر كتفي.. صورة الغراب في عيني.. بنى على كتفي ما أراد.. كنت وقتها أنا عبد الموجود موجوداً و معلقاً على جدار ..‏

كنت أسيل دون ملامح فوق صفحة لا لون لها.. تغيم عيناي ببكاء مكتوم.. الدموع تطرق جدار الوردة فيهتز جدار القلب.. قال" اسمع" وما كان يهمه أن أسمع، أو أن أغلق أذني ..كان واقعاً في عشق كتفي.. وقتها كنت أنا عبد الموجود موجوداً وزائغ العينين.. أطوي رأسي ارتعاشاً وخوفاً.. كانت شعرات شاربي تذبل وتذوي وتسقط.. كان يضحك ويفرك يديه.. كنت انتظر.. أخاف أن يرى الأولاد الصغار في الشارع الخلفي بكاء قلبي وصورة الغراب في عيني ..وقتها لم يعد عبد الموجود موجودا.. وكان علي أن انتظر.. رغم كل شيء كان علي أن انتظر.. حتى حين كنت غير موجود كان علي أن انتظر... وقتها كانت الدروب تبكي.. والعنكبوت يمد الخيوط.. كنت أنا عبد الموجود معلقاً على جدار.. أمد أصابعي.. أبكي.. أسقط بين عقارب الساعة الصدئة.. طعم القهوة المرة في حلقي.. أجلس في الشارع الخلفي وأنتظر ..يمد الجرذ رأسه ويضحك.. يضحك الشارع الخلفي.. تضحك خيوط العنكبوت.. يضحك الجدار.. وكنت خارج عقارب الساعة تماماً... أنتظر...‏

  

 

الجراد

 

حزيناً كان.. يوسف يقظان الراوي كان حزيناً.. والمساء الذي دخل من الشباك المفتوح كان حزيناً أيضاً.. في البدء شعر أن الجدران تقترب من بعضها، والمسافات تضيق.. ثمّ اعتراه إحساس غريب بالاختناق، حين وجد الجدار المواجه مليئاً بالشقوق والتعرجات والانحناءات إلى جانب شرخ طويل يمتدّ إلى ما لا نهاية، جاءه الهاتف الغريب منذراً أن الشرخ سيأكل كل شيء. . وارتسمت أمام عينيه بوضوح صارخ حالة الدمار التي ستحل.. أخذ يبكي ويشهق مثل طفل. حاول أن يغلق الشباك، أن يوقف زحف العتمة، لم يستطع.. كل شيء بقي على حاله، وازداد اضطراب يوسف يقظان الراوي، وفيضان أحزانه...‏

أيام مرت وهو على هذه الحال. أشواكه تطول وتجرح الروح والقلب ..الاكتشافات التي وصل إليها كانت مذهلة، حيث أكد بصريح العبارة أنه يستطيع أن يؤلف حولها مجلدات، وأوّل ما وقف عنده، استطاع أن يضفي عليه رأياً وتعريفاً خاصين، يتعلق بموضوعة الحياة التي اعتبرها" عاهرة" تعطي أكثر لمن يدفع أكثر ‍‍!!ومن جهة ثانية، فقد رأى - والأمر يتعلق بالشرخ الذي يستشعر خطورته - أنّ الدنيا أصبحت لا تساوي قشرة بصلة، لأن ناسها تغيروا وتبدّلوا وتحولوا، وفقدوا الشعور والإحساس، ولم يعودوا كما كان الناس الأسوياء في الأزمان الماضية!! عندها ازداد فيضان الحزن واشتدّ...‏

وكانت الأيام تقلّب أوراقها الشاحبة وتمضي. حتى المطر الذي يظنّ أنه يمكن أن يغسل كلّ شيء، توقف عن الهطول ..!! كانت السحب تمرّ ولا تخصب.. ضاقت الأنفاس واضطربت دقات القلب.. غامت الرؤية، وضاعت المساحات.. الشرخ يمتدّ ويطال الأجساد والأرواح والنفوس.. الشوارع سكنت وأخذت تنذر بالويل.. وبقي الشباك مفتوحاً على المساء الحزين الكئيب، والجدران تقترب من بعضها، والمسافات تضيق، وتضيق ..!!‏

ذات مساء حزين، وكلّ المساءات كانت حزينة، اكتشف المدعو يوسف يقظان الراوي اكتشافه الذي يعادل ويساوي اكتشاف نيوتن لقانون الجاذبية، فقد رأى وهو في مواجهة الجدار المشروخ، أن هناك زحفاً منظماً للجراد، هذا الجراد الذي أخذ شكل وهيئة الناس العاديين - وهنا المصيبة - لأنه - أي الجراد - أخذ يقضي على كلّ شيء دون أن ينتبه أحد، إلى أنّ هذه الوجوه الآدمية - في مظهرها - إنما هي في الحقيقة وجوه جراد يريد أن يقضي على الأخضر واليابس. لذلك كان الشرخ يمتدّ..والحزن يمتدّ... والعتمة تمتدّ ..!!‏

في هذا الاتجاه، رأى يوسف يقظان الراوي، ضرورة العمل بكل الوسائل والطرق، من أجل القضاء على الجراد.. عندها انتقل من حيّز الصمت والمراقبة والتحديق ،إلى حيز التصريح والتعبير.. ترك الجدران الضيقة، والشباك الحزين المفتوح، وخرج إلى الناس معلناً مصرّحاً صارخاً ..فتح الناس في البداية أفواههم مدهوشين مأخوذين!! ثم ودون مقدمات أو مبررات حسب رأيه، انهالوا عليه بالشتائم واللعنات، ووصفوه بقلة العقل. عندها رأى- وإن إلى وقت حتى تهدأ العاصفة كما قال - الانسحاب إلى الظل - معلناً دون أن يخرج إعلانه هذا إلى حيز التصريح - أن الجمهور العريض من الرعاع والدهماء، لم يتهيأ بعد لرؤية الأمور كما يجب !!وظن - وهو ظن يتحمل يوسف يقظان الراوي ما يترتب عليه من مسؤوليات معنوية وقانونية - أنّ الجدار يفهم أكثر من قطيع الرعاع والدهماء هذا !!‏

قصة الجراد الآدمي هذه والتي رواها يوسف، لم تخرج عن نطاق الطرفة في أذهان الناس ‍‍!!‏

ولم يقل أحد - حتى ذلك الحين - من أهل الشارع والشوارع المجاورة، أنّ أفكار الرجل يمكن أن تشكل خطراً على الأمن العام أو الخاص. لكنهم - وهذه مسألة لابدّ من ذكرها - نصحوا زوجته وأولاده أن يعرضوه على طبيب مختص بالأمراض النفسية وذكروا - في معرض النصيحة ليس إلا - أنّ الرجل يمكن أن يقلع بعد حين عن رواية أفكاره الغريبة العجيبة هذه !! إذا أعطي الدواء والعلاج المناسبين .‏

لكنّ الزوجة والأولاد - وخوفاً من المصاريف الكثيرة على الأرجح - رفضوا الفكرة من أساسها، وأكدوا أن يوسفهم الطيب بألف خير !! ولا داعي - قالوا ذلك بكثير من العتب والتأنيب وهزّ الرؤوس ومصمصة الشفاه - لتحميل الأمور أكثر مما تحتمل. وفي الحقيقة - وهذا شيء يجب أن يبقى طي الكتمان - فقد كان الأولاد والزوجة قبلهم، مؤمنين إلى أبعد حد، بأن يوسفهم بحاجة إلى أكثر من طبيب، لأنهم كانوا الأقرب إلى سماع آرائه واكتشافاته الغريبة، خاصة ما تعلق منها بقصة الجراد الآدمي.. وقد تمنوا أن يحملوه إلى أقرب طبيب. لكن ماذا يفعلون، وهم يبحثون عن اللقمة، ولا يصلون إليها إلا بشق الأنفس. فمن أين سيأتون بمصاريف كثيرة لمداواة وعلاج يوسفهم الحبيب، من مرض لا يعرفون أوله من آخره !!‏

/ في هذا المجال، ذكرت الزوجة درية المنسي، في بوح ذاتي لم تصرح به، أن يوسفها، لم يقرب فراشها منذ زمن طويل. وأنه صرح أكثر من مرة صارخاً في بعض الأحيان، أنها - أي درية المنسي - تشعره بالقرف من كلّ شيء. وقد ذرفت الدموع طويلاً وهي تتقلب يائسة حائرة في فراشها.../‏

الجراد الآدمي المرعب كان يزداد زحفاً وقضاء على كلّ شيء.. وأصبحت العيون مليئة بالشرّ والكراهية والحقد !! والكروش تدلت حتى لامست أسفل الفخذين، وإلى جانب ذلك، وهو أمر طبيعي، كانت مساحة الحزن والقلق تمتدّ وتكبر وتتسع.. وكانت القامات تنحني. وحده كان يوسف يقظان الراوي يرى ولا يستطيع أن يفعل أي شيء. سكنه الهم والحزن على المساحات التي تضيع وتسقط. كان الشباك مفتوحاً على المساء الحزين.. والجدران تخنق المسافات وتضغطها، وتمدّ الشروخ.. كان الألم يعصر آخر زهور الحياة ويلقيها صريعة على أرصفة الجنون !!‏

أوراق الأيام تنزف.. الصور تغطيها العتمة.. ما عاد بإمكان يوسف يقظان الراوي السكوت. لذلك - وكما أعلن - لابدّ من شنّ الحرب ضدّ الجراد الآدمي، وليس مهماً مايحدث له مادامت الغاية شريفة!!‏

في نقلة نوعية، عمد يوسف يقظان الراوي، إلى توسيع دائرة نشاطاته لمكافحة الجراد!! ولأن مثل هذه النشاطات، تطلبت ترك الجدران المشروخة والشباك الذي يدخل المساء الحزين، والانتقال إلى التجوّل في الشوارع والحارات والأزقة، فقد أصبح الأمر خارجاً عن نطاق السيطرة - كما صرحت عائلة يوسف - وما عاد ينفع عرضه على ألف طبيب !! إذ أصبح الرجل، لا يهدأ ولايستقر في مكان. كان دأبه التنقل والصراخ والإعلان المدوّي عن القرف من كل شيء، وأن الأمور أصبحت مثل الزفت !!‏

ولأن الناس كانوا يضحكون ولا يفعلون أي شيء، فقد أعلن يوسف يقظان الراوي في فورة غضب وثورة، أن هؤلاء الرعاع الدهماء أصبحوا عملة مزيفة لا فائدة منها. وأقسم - وهو يرغي ويزبد - أنّ الوجوه - كل الوجوه - تختفي خلف أقنعة مطاطية غريبة، وقد ازداد ألمه واشتدّ، حين رأى أنّ التفريق بين الناس والجراد، أصبح شبه مستحيل، لشدّة التشابه في الحركات والسكنات والتصرفات والشراهة. فكيف يمكن، والحال على ما هي عليه، الخلاص من أزمة الجراد الآدمي ؟؟!!‏

في هذا الوقت - وكما قال يوسف يقظان الراوي - صار الجراد يسرح ويمرح دون حاجة لتمويه ملامحه. إذ أن التشابه والتطابق، بين الجراد والناس، شكَّلَ حماية طبيعية للجراد، ولأن يوسف يقظان الراوي، الوحيد الذي يعرف قصة هذا الجراد الآدمي، فقد أصبح مطارداً ملاحقاً في كلّ زمان ومكان !!‏

رغم ذلك، وبعد أن اشتدت الحرب وامتدّت نار الحزن، لم يعلن يوسف يقظان الراوي استسلامه أو هزيمته أمام هذا الهجوم المضاد المنظم من قبل الجراد الذي أخذ يضيّق عليه الخناق، ويطارده حتى في أحلامه على شكل كوابيس تكتم أنفاسسه. لذلك كان القرار الخطير الذي اتخذه الراوي وغير مجرى حياته، حيث أعلن أن النوم يعني إتاحة الفرصة للجراد كي يحاصره، وبناء على ذلك عليه أن يبقى مفتوح العينين، يقظاً إلى ما شاء الله. واعتبر هذا الموقف " الوطني" ضربة قاسية يوجهها إلى الجراد المنتشر في كلّ مكان !!‏

هذه الحكاية، حكاية يوسف يقظان الراوي والجراد الآدمي، أصبحت حديث المدينة بطولها وعرضها، والكل، صغاراً وكباراً، أخذوا يتحدثون عن هذا الرجل الذي يدور في الشوارع دون كلل أو ملل، داعياً إلى محاربة الجراد!! حتى أن بعض الأطفال، أصبحوا يسيرون خلفه، وهمّ يهللون ويصفقون ويغنون أغنيات خاصة عن الراوي والجراد... .‏

لكنّ الراوي، في مسألة الأطفال خاصة، لم يشعر بأي انزعاج، لأنه اعتبرهم عدّة المستقبل في محاربة الجراد!! لذلك حاول أن يبني علاقة خاصة معهم، فأخذ يوزع عليهم السكاكر والورد و كلمات التحبب والمديح... وقد أكّد كثيرون من أهل المدينة، أنّ بعض الأطفال - وإن كانوا قلة - أصبحوا يميلون إلى الرجل ويحبونه.. وماعادوا يشاركون في التطبيل والتزمير والتصفيق. بل اكتفوا في أكثر الأحيان، بترديد الأغنيات الداعية إلى محاربة الجراد، لأنها أغنيات تسرّ يوسفهم وترضيه...‏

من التطورات التي تذكر في هذا المجال، كونها شكلت المنعطف الحاسم في الأحداث بعد ذلك، إصرار يوسف يقظان الراوي وإلحاحه، على ضرورة البحث عن الحلقة المفقودة !! ثم حديثه الدائم - وهو الشيء الذي لم يكن مفهوماً عند الناس - عن رقصة الموت، رقصة الدم، هذه الرقصة التي تغسل الجسد والروح والقلب، وتكشف الوجوه وتعرّيها.. عندها - حسب اعتقاد يوسف - يمكن معرفة الجراد الآدمي ببساطة ثم القضاء عليه. وقد أقسم أنّ الناس بحاجة إلى هذه الرقصة، وأنّ الزمن بحاجة إلى هذه الرقصة، ومستقبل الأطفال والشمس والزهور البيضاء بحاجة إلى هذه الرقصة !!‏

في تصريح لاحق ليوسف يقظان الراوي، أعلن أنّ الجراد الآدمي، أصبح يلاحقه بكوابيس يقظة، بعد أن أقلع عن النوم منذ مدة. ومثل هذه الكوابيس - كما قال الراوي شخصياً - لم تستطع كسر شوكته، لأنه قرر أن يكون صامداً حتى آخر نفس... ورأى أن الناس المساكين بحاجة إلى الحب فيما بينهم، لمواجهة خطر الجراد الآدمي. وحكى عن قلوب وقعت في مصيدة الحزن والآلام، وتاهت في دموع العذاب، كما رأى أنّ هذا الزمان المرعب، لم يترك أي قطرة حب حتى في حليب الأمهات. كما أعلن أنّ كل شيء كافر في هذا الزمان الذي شاخ ووصل إلى نهاياته.. وأنّ الجراد الذي عرف إصراره على فتح عينيه، وإقلاعة عن النوم، لن يتركه.. لذلك، من واجب الناس أن يقفوا إلى جانبه، لأنّ الحب سيعطيه السلاح الأمضى في خوض المعركة الحاسمة...‏

أصبح منظر يوسف، بعد أن طال سهره وتجواله وفتح عينيه على اتساعهما، ورفضه لتناول الطعام خوفاً من دسّ السم فيه، مثيراً للرعب والخوف والقلق. وقد أشار كثيرون إلى أنه أصبح يشكل خطراً ما بعده خطر، خاصة بعد أن تسلّح بسيف أطول من قامته، أخذ يلوّح به أمام الوجوه، معلناً أنه سيقضي على كلّ الجراد الآدميّ... لذلك، أجمع أهل المدينة، على ضرورة التخلص منه بأي طريقة، قبل أن يؤذي الناس، خاصة الأطفال الذين يتبعونه من مكان إلى مكان، مثل ظله!!‏

حسب رأي الأكثرية، كان الأنسب والأجدى، أن يسلموه إلى مشفى الأمراض العقلية، ولأنهم اتفقوا على ذلك وأقروه، فقد أحيط يوسف يقظان الراوي بالجراد الآدمي فجأة، وأُخذ في سيارة كانت تزعق مسرعة، معلنة عن انتصار الجراد!! ولأن الحزن صار جزءاً لا يتجزأ من شخصية الرجل، فقد تحوّل فجأة إلى مارد، استطاع أن يقفز من السيارة المسرعة، وسط ذهول المحيطين به. ولأنه مسكون بالإصرار والتحدي، فقد اختفى عن العيون تماماً !! كان الراوي - وهنا لا أحد يستطيع أن يعطي رأياً قاطعاً - قد اختبأ منتظراً اللحظة المناسبة للهجوم، مما زرع الرعب والهلع في القلوب، خاصة عند أهل شارعه، الذين توقعوا أن ينبت لهم في أي وقت، حاملاً سيفه وجنونه وانتقامه !!‏

وحده المساء الحزين الباهت، كان يرقب ما يجري بعيون مفتوحة على وسعها.. في البدء صعد يوسف درجات العمارة بهدوء وتعب وإعياء.. وعندما وصل السطح، مدّدَ السيف واستطاع أن يجعله ثابتاً على الحافة المطلة على الشارع ..كان النصل موجهاً إلى الأعلى، وكأنه يستدعي كلّ الأمطار التي طال غيابها... خلع الراوي ملابسه وحذاءه وجوربيه. شعر لأول مرة، منذ فترة طويلة بالانتشاء.. كانت المدينة هادئة.. وكان السكون يكتب على صفحات المساء الحزين قصة غريبة ..!!‏

قبل أن يبدأ يوسف رقصته، ربما بدقائق قليلة، جاءه الوالد تاركاً الصورة التي كانت معلقة منذ سنوات طويلة على الجدار في صدر الغرفة الكبيرة.. هزّ يوسف رأسه غير مصدق، فالوالد مات منذ زمن طويل... ولايمكن أن يترك صورته المذهبة الإطار، لينبت هكذا في هذا المساء الحزين... لكن ابتسامة الوالد، أكدت له أنّ الأمر حقيقة لا شك فيها .‏

بإشارة من يده طلب الوالدُ منه أن يبتعد عن السيف وحافة السطح.‏

انفتحت كل جراح يوسف، قال :" لا أحد يريد أن يفهم يا أبي.. يريدون أن أدخل لعبتهم المجنونة لأكون واحداً منهم "..!!‏

حاول الوالد أن يخفف من نشيج يوسف ..‏

لكنّ يوسف الملسوع والضائع قال :" الصدأ يا أبي التهم كلّ شيء.. الذئاب احتلّت المنصة.. الناس بدّلوا الوجوه والجلود والقلوب.. ما عاد هناك مكان للإنسان الحقيقي يا أبي... صدقني ما عاد هناك مكان "..‏

عينا الأب امتلأتا بالدموع...‏

قال :" لا أريد أن تبكي يا أبي.. هذا الزمان لا يستحق حتى البكاء"....‏

تابع وهو يبدأ رقصته الغريبة" يا أبي صرخت حتى ملأت الدنيا صراخاً.. طلبت الحب.. طالبت بالانتباه إلى زحف الجراد الآدمي.. أردت العون، لكن الناس تركوني وتوزعوا شوارع المدينة وهم يضحكون.. تصور يضحكون وهم في أبأس حال "!!‏

دخل يوسف يقظان الراوي كلّ مساحات رقصته... !! وكان السيف تحت قدميه يستقبل كلّ سخونة الدم !!‏ عندها كان الوالد الذي أخذ يبتعد، يبكي.. والمساء الحزين يبكي.. والنداءات التي حملها الصدى نحو كل المسافات والمساحات، تبكي.. والمدينة تغط في نوم طويل.. طويل !!‏      

 

 

أمام الباب

 

أمام الباب وقفت.. شيء من العتمة والغبش.. ارتسمت معالم وجهها في العين والقلب.. تخيلت كيف ستأخذني بكل الحب والشوق إلى صدرها... دموعها ستسقط مثل مطر لا يعرف الهدوء.. اشتقت للمسة دفء وحنان من كفها.. اشتقت لمحاولاتها إرضائي بكل الطرق.. كم أتعبتها.. آخر النهار تقف، ترفع يديها إلى السماء ، وترجو من الله أن يحفظني لها.. تبتسم حين أحدثها عن شيء من مغامراتي... تفرح لأن الولد أحمد اقترب من عالم الرجولة... رغم ذلك، رغم كل تعلقها وخوفها وقلقها، حملتُ أمتعتي وسافرت.. انتقلت من مكان إلى آخر.. غبت لمدة سنتين.. انقطعت أخباري.. وأخبارها.. لم أرسل أي عنوان.. تركتها لأخوتي يرعونها... .‏

مازال الباب كعهدي به.. لم يتغير أي شيء.. قبل سنتين، كنت أدفعه بقدمي فينفتح... كانت أمي تطلب بإلحاح أن اقرع الجرس... لكن دون جدوى.. أدفعه بقدمي فيذهب قسمه الأيمن إلى الأمام وهو يئن، ثم يصطدم بالجدار... . ألف مرة قالت" يا أحمد حرام عليك..... ارحم هذا الباب وارحمنا" ولم ارحم.. كأن بيني وبين خشب الباب نوعاً من الثأر. ضحكت.. أخذت أحدق في الشقوق.. أبحث.. في الماضي كنت أحفر أشياء كثيرة بمسمار أوسكين.. ذكرى... كلمات.. وهكذا.. حمل الباب جزءاً من تاريخ حياتي.. رغم كل شيء كنت أحبه.. وكم ثرت حين فكر أخوتي ذات يوم بتغييره.. استغربوا.. ركبتهم الدهشة.. أداروا رؤوسهم ومصمصوا الشفاه.. ثم رضخوا لرأيي بعد أن انحازت والدتي ووقفت إلى جانبي....‏

آه أيها الباب.. الآن ستكون في الداخل.. أو ستكون عند واحد من أخوتي.. لن أتحمل البيت ورائحته دون وجودها... .... اشتقت لحركاتها وحنانها.. لرائحة الياسمين الذي تضعه دائماً في صدرها... الآن أشعر كم هي رائعة ..سأحكي لها الكثير عن تشردي وتسكعي في العالم.. كم توسلتْ أن أبقى إلى جانبها.. كنت أحمل رأساً مثل الصخر.. أردت أن أرحل.. ورحلت.. تركتها لدموعها ورحلت...‏

أمام هذا الباب كانت تنتظر... أتأخر ليلاً، فيشتعل القلق في قلبها.. ولاتجد طريقة غير الانتظار أمام الباب.. تفتحه.. وترسل نظراتها في الشارع العريض... . مع كل خطوة تطيل النظر.. ثم تتراجع.. تتثاءب بتوتر.. أحياناً ترتدي ثياب الخروج وتذهب من بيت إلى آخر.. تسأل الأصدقاء.. الأقارب.. تضرب كفا بكف.. تسأل عن الولد أحمد الذي أطال السهر... وحين أعود، تضمني إلى صدرها وتبكي... أما سيادتي، فكنت أضحك مسروراً.. أشعر بأهميتي.. كانت تهز رأسها وتذهب إلى فراشها منهكة متعبة مرهقة.. وعلى الطاولة في المطبخ، أجد العشاء جاهزاً...‏

ضحكت... الآن سأدفع الباب بقدمي كما كنت أفعل.. سأدخل بسرعة إلى غرفتها ..ستطير فرحاً.. ستضمني وأضمها.. سأحملها وادخلها في كريات دمي.. سأعتذر عن ذنوبي.. سأقسم أنني لن أرحل أبداً.. سأجعلها أسعد أم في الدنيا... . لن أدفع الباب بقدمي... سأقرع الجرس.. لم أحمل مفتاحاً من قبل.. هكذا كنت دائماً.. سأنتظر أمام الباب حتى تصل وتفتحه.. أعرف وقع خطواتها.. سأنتظر العمر كله.. اقتربت.. رفعت يدي اليمنى... ضغطت على الجرس ..انبعث الصوت حاداً.. ملأ الرنين أذني.. تحول إلى طنين حين نظرت إلى الجهة الأخرى... على يسار الباب ورقة نعوة... رغم العتمة والغبش كان الاسم واضحاً.. المرحومة.. الباب.. أنا.. وضعت يدي اليسرى على الورقة... أغمضت عيني ..وأخذ الطنين والدوار يأكلان شيئاً من القلب والحياة والروح...

 

  

 

 

الآخر

 

الخطوات على الرصيف باردة.. انتابني شعور غريب بالخوف.. كان خلفي تماماً.. أنفاسه تكاد تحطّ على رقبتي.. أسرع، فيسرع... أتباطأ، فيتباطأ.. دار السؤال في رأسي واستقر" ماذا يريد مني.. ومن يكون "؟؟ كأنما استقرّ سؤالي في أذنيه، فأطلق ضحكة جعلتني أجفل وأرتعش.. التصق اللسان في مكان ما من الفم. جفّ الريق أو كاد.. تساءلت: أيمكن أن أكون جباناً إلى هذا الحد.. أيمكن ؟؟‏

ودوّت ضحكته من جديد.‏

تواطأ صمت الليل معه.. تواطأت الأرصفة التي خلت من المارة.. كنت مثل رجل آلي يتحرك كما يريد له الآخرون.. خطواتي أصبحت مثل النشيج، ودقات قلبي لا تعرف الهدوء.. فجأة خطر لي أن أتوقف.. فتوقفت.. استدرت.. نظرت في عينيه.. كان وجهه قريباً من وجهي... أنفاسه تتداخل مع أنفاسي.. شفتاه الغليظتان تقولان أشياء غريبة دون كلمات.. بارتعاش قلت :" ماذا تريد" بقي ساكناً صامتاً.. قلت مرة أخرى" أريد أن أعرف من أنت؟؟" رسم ابتسامة عريضة على شفتيه.. مدّ لسانه ..ولم يجب.. فمسحت العرق البارد عن جبيني وتابعت المسير ..‏

صوت خطواته يطرق أذني.. أخذ يصفر لحناً أحببته دائماً.. تمنيتُ أن يغني لأسمع صوته.. ولكنه آثر أن يمدّ اللحن دون غناء.. أخذت أتذكر الوجوه القريبة والبعيدة.. حاولت أن أجد وجهه بين الوجوه.. لكن دون فائدة.. الملامح غريبة.. النظرات المخيفة الساخرة لم أعرفها من قبل.. ترى من أين أتى وماذا يريد.. لا أستطيع أن أخمن.. أخذت أتذكر أفعالي وأعمالي منذ سنوات.. لا شيء يدفع الآخرين لترصّد حركاتي ..‏

فجأة برز شخص من أحد الشوارع.. قلت :" جاء الفرج " وصحت" أنقذني.. هذا الرجل يريد أن يقتلني ".. اقترب هذا من ذاك.. تصافحا... ضمّ أحدهما الآخر وأخذا يدوران ويضحكان.. تمنيت أن يقول أحدهما للآخر شيئاً.. كان الحوار صامتاً.. وانتظرت.. أليس غريباً أن أنتظر. تصافحا.. تعانقا.. وسار الذي كان يتبعني وأشار بيده طالباً مني متابعة المسير.. ففعلت وسرت أمامه.. وصلت إلى نتيجة نهائية تقول: إنني ما عدت أستطيع أن أحرك ساكناً، وعليّ أن أطيع.. ولماذا أرفض ما دمت لا أملك مقومات القدرة على الرفض ؟؟؟‏

اقتربت من الشارع الذي أسكن فيه.. قلت في نفسي" الآن سيتركني.. لايمكن أن يتابع أكثر" ضحك بصوت مرتفع.. دخلت الشارع.. ظلّ ورائي.. باب البيت قريب.. خطوات وأصبحت أمامه.. أخرجت المفتاح من جيبي.. نظرت إليه، هزّ رأسه مشجعاً.. أدخلت المفتاح بالثقب وأدرته.. انفتح الباب .دخلت.. فدخل معي... أخذ يتجول في البيت وكأنه يعرفه منذ ألف عام ..تناول الطعام.. دخل الحمام.. تمدد على السرير.. وكنت أجلس فاغر الفم متقوقعاً على نفسي لا أعرف ماذا أفعل أو ماذا أقول...‏

طلب بإشارة من يده أن أصبّ الشاي، ففعلت... تناول الكوب وأخذ يرتشف منه متلذذا.. رفعت كوبي فارتعشت يدي واندلق الشاي على ثيابي... ضحك واندلقت ضحكاته تملأ فضاء الغرفة.. بعد قليل أخذ يشخر.. فكرت أن أقترب من رقبته وأضغط عليها حتى يلفظ أنفاسه.. فتح عينيه ونظر إلي بتأنيب، فانكمشت وبقيت مصلوباً على الكرسي دون أي حركة" وكان الوقت يمر.. طويلاً.. طويلاً.. طويلاً..‏

 

أضيفت في 07/08/2009/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية