|

بطاقة
تعريف الكاتب: طلعت سقيرق
فلسطين

ولد في طرابلس لبنان يوم 18 آذار 1953،
نشأ
منذ الطفولة في دمشق وفيها تلقى علومه حتى نهاية الثانوية،
حيث
درس بعدها في جامعة دمشق وحاز على الإجازة في الأدب العربي عام 1979..
عمل في الصحافة/ ومازال/ منذ العام 1976..
وهو
المسئول الثقافي في مجلة ((صوت فلسطين)) منذ العام 1979
ومدير مكتب/ سورية ولبنان/ لجريدة ((شبابيك)) الأسبوعية التي تصدر في مالطا منذ
العام 1997م،
ومدير
دار (المقدسية) للطباعة والنشر والتوزيع في سورية.. صاحب ورئيس تحرير مجلة ((المسبار)).
مدير
رابطة المبدعين العرب.. توزعت كتاباته بين الشعر والقصة والرواية، والقصة
القصيرة جداً، والنقد الأدبي،
كما
كتب المسرحية ذات الفصل الواحد، وقد قدم بعضها على خشبات المسرح،
وكتب
الأغنية الشعبية التي غنتها فرق كثيرة وقدمت في الإذاعة والتلفزة في عدة دول
عربية..
كتب في الكثير من الصحف والمجلات العربية.. كما أذيعت بعض أعماله الشعرية
والنقدية في عدة إذاعات..
تناول
النقد أعماله الإبداعية في الكثير من الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزة
العربية..
أجريت معه حوارات كثيرة تناولت أدبه في التلفزة ولإذاعة والصحف والمجلات..
عضو اتحاد الكتاب العرب والصحفيين الفلسطينيين.. عضو اتحاد الصحفيين في سورية..
عضو اتحاد الكتاب العرب.. عضو رابطة الأدب الحديث/ مصر..
من أعماله:
1-لحن على أوتار الهوى شعر/ 1974..
2- في أجمل عام شعر 1975..
3-أحلى فصول العشق شعر/ 1976..
4-سفر قصيدة 1977..
5-شباح في ذاكرة غائمة رواية/ 1979..
6-لوحة أولى للحب شعر/ 1980..
7-أحاديث الولد مسعود رواية/ 1984..
8-هذا الفلسطيني فاشهد شعر/ 1986..
9-الخيمة قصص قصيرة جداً/ 1987..
10-السكين قصص قصيرة جداً/ 1987..
11-أنت الفلسطيني أنت شعر/ 1987..
12-الإسلام ومكارم الأخلاق دراسة/ 1990..
13-الإسلام دين العمل دراسة/ 1991..
14-أغنيات فلسطينية شعر محكي/ 1993..
15-قمر على قيثارتي شعر/ 1993..
16-الشعر الفلسطيني المقاوم في جيله الثاني اتحاد الكتاب العرب
دراسة/ 1993.
17-ومضات شعر/ بطاقات ديوان مفتوح زمنياً-
صدرت منه بطاقات متفرقة في الأعوام 1996، 1997، 1998، 1999، 2000-
18-عشرون قمراً للوطن دراسة/ دار النمير دمشق 1996..
19-الأشرعة قصص قصيرة/ اتحاد الكتاب العرب بدمشق/ 1996..
20-احتمالات قصص- اتحاد الكتاب العرب 1998..
21-طائر الليلك المستحيل شعر- دار الفرقد/ دمشق 1998..
22-دليل كتاب فلسطين دار الفرقد/ دمشق 1998..
23-القصيدة الصوفية شعر 1999..
24-زمن البوح الجميل نصوص/ مشترك مع ليلى مقدسي/ 1999..
الانتفاضة في شعر الوطن المحتل دراسة- دار الجليل/ 1999
 


نماذج من أعماله

زهرة حب لنهار جديد... .
البحر يمتد بزرقة لانهاية لها..... الشمس تسعى نحو الغروب... ...
الناس يتجولون هنا وهناك جماعات وفرادى... . نفض ما علق على جسمه من ماء بحركات
متتابعة... نسمات لطيفة لامست خلايا جسده، فشعر بقشعريرة... . رمقه أحد
الأطفال بنظرة صافية متأملة، فابتسم له... . الشاطئ المسكون بالحركة والسحر
والجمال، يمتد... الوجوه هادئة كأنها ذاهبة في عالم من حلم .
توقف قليلاً... مسح شعره بيد مرتعشة.. تابع خطواته... الرمل الناعم
يلتصق بقدميه ثم ينزلق تاركاً بقية لا تريد أن تغادر.. شعر في لحظة ما أنه يسقط
عن كتفيه تعب سنين طويلة.. عندها تمنى أن يعيش ماتبقى له من عمر إلى جانب هذا
الأزرق الساحر... كان يعرف أن البحر رائع بكل ما فيه... .
اقترب من الكرسي.. نفض عنه بعض الرمال بحركة آلية ساهمة.... جلس
بهدوء... غرز قدميه في الرمل الرطب... . أغمض عينيه... جاءه صوت الموج مثل
موسيقى تثير الأحلام وتحرك مراكب الحنين والشوق... بين تناوب المد والجزر،
بحركات بطيئة هادئة، كانت قصيدة الوجود الساحر تحفر ظلالها في كل كرية من
كرياته... أذناه تسكنان النغم، تأخذانه، تذهبان معه... أحس أنهما معلقتان على
طرف موجة تفرد جناحيها وتطير كعصفور في الفضاء الرحب الواسع.. انبعثت في داخله
صرخة مأخوذ " يا ألله كم أنت رائع أيها الكون "... ثم قال بصوت دافئ:
- ليتها أتت معي... الوجود أجمل من أن نشوهه بأشيائنا الصغيرة...
!!
كان صوت الموج يسكنه تماماً.. العالم من حوله استرخى.. قفز وجهها
الجميل إلى مخيلته، وأخذ يرسم صور الأيام الماضية... انبعث صوت الداخل: "
الحياة تستحق أن نعيشها... كل شي فيها جميل " نام على ذراع موجة وأخذ يحلم
بأشياء جميلة .
***
من غرفة إلى غرفة أخذت تنتقل... خطواتها هامسة... تداعبُ الأشياء
وتحدثها في بعض الأحيان... ما أن تجلس، حتى تتذكر شيئاً ما كانت قد نسيت أن
تفعله.. تذهب إلى غرفة أخرى... تضع الوسادة على السرير... . ترتب الأغطية..
تذهب إلى المطبخ، تأخذ في تلميع الصحون بخرقة بيضاء جافة... ودون أن تهدأ تذهب
إلى الشرفة، تسقي النباتات واحدة، واحدة... تدور وتدور.. يداهم الألم ظهرها،
فتقف جامدة وترفع يديها إلى الأعلى وتنزلهما عدة مرات... .
هناك في الغرفة التي أحبتها دائماً، تجلس على الكرسي، تمد قدميها
على البلاط النظيف... تقع عيناها على جهاز الهاتف.. تتمنى أن ينبعث الرنين..
تتخيل حديثه العذب.. تندفع في أذنيها موسيقى الحروف وهي تخرج من فمه.. تقول
بهمس :
- ليته بقي هنا... لماذا ذهب ؟؟؟
كانت تتمنى أن يتصل من هناك.. أن يقول أي شيء... اقترب وجهه من
مساحة نبضها... شعرت بأن آلاف الأوتار تعزف لحنها المحبب.. في فسحة الحلم
تحولت إلى عصفور أخذ يحلق في الفضاء الرحب.. ارتسمت على شفتيها ابتسامة لا حدود
لها. وحلّقت في فرح...
***
في الإناء الزجاجي الصغير، كانت السمكة تدور باحثة عن مخرج... كان
الطفل مأخوذاً بحركاتها وألوانها الغريبة إلى حد ما... قال :
- اصطدتها من البحر ياعم.. الحقيقة أبي اصطادها لي...
نظر في عيني الطفل البريئتين وقال :
- لكنها صغيرة يا بني... ماذا ستفعل بها ؟
أجاب الطفل :
- سآخذها إلى البيت عندما نعود.. ربما سيصطاد أبي واحدة أخرى...
- لا تحرمها من البحر يابني.. أعدها ..
قبل أن يكمل ابتعد الولد فرحاً بسمكته.. ارتسمت الضحكة على شفتيه،
ثم رفرفت في الفضاء القريب.. عندما كان صغيراً، ربما بعمر هذا الولد، كان يصطاد
الأسماك بشبكة معدنية صغيرة.. يحدق في حركاتها قليلاً... ثم يعيدها إلى
البحر.. يتذكر كيف كان والده يضحك ويهز رأسه باستغراب ربما !! أمه كانت تقول:”
هذا الولد مليء بالحنان... لا يحب أن يعذب أي مخلوق".
ذهبت عيناه في البعيد.. قفزت الصورة إلى ذهنه صافية لامعة.. كانت
زوجته هدى إلى جانبه... معاً أخذا يستمتعان بجمال البحر وسحره.. ذات مرة، أمسكا
شبكة معدنية صغيرة، أنزلاها بهدوء، رفعاها، خمس سمكات أخذت ترف.. أعادها بحركة
آلية إلى البحر.. ضحكت هدى... قالت:
- لماذا اصطدتها مادمت ستعيدها إلى البحر؟؟
قال: - سبحان الله ما أجملها.. لكن من الصعب أن نحرمها من بحرها...
أخذ يحكي لها عن طفولته.. عن عشقه للبحر.. عن حبه للحرية... قال:
أتدرين ياهدى لاشيء مثل البحر يعبّر عن الحرية.. البحر هو الحرية.."
عندما عادا في القطار.. أخذت تحدثه عن طفولتها.. قالت :
أتدري لم أعرف البحر من قبل.. عندما ذهبت معك أول مرة كنت في غاية
الخوف.. أتذكر؟؟
أرسل ضحكة صافية.. رنت ضحكته مثل شلال.. التفت بعض الركاب، نظروا
إليه، وانتقلت إليهم صورة الابتسامة...
عاد الطفل فرحاً بعد أن اصطاد أبوه سمكة أخرى... السمكتان تدوران في
الإناء الضيق.. نظر إليهما وشعر بالحزن.. ابتعد الطفل.. بقيت دوائر الحزن معلقة
في عينيه.. أخذ ينقل خطواته على الشاطئ الفسيح.. اقترب من الماء المالح.. ألقى
جسده وأخذ يسبح.. استلقى على ظهره... . أغمض عينيه.. ترك جسده لحركة المد
والجزر... كان البحر أمَّاً لا تعرف إلا الحنان... أخذت المسافات تتراقص
بهدوء وجمال..
زوجته هدى إنسانة رائعة.. تذكرها بعمق... قال:
- لماذا أصرت أن تبقى وحيدة في البيت ؟؟
ما أن يغضب الإنسان حتى تتطور الأمور.. هز رأسه بأسف... شعر أنه
يسرق أشياء كثيرة من حياتها بابتعاده عنها.. فتح عينيه.. وقف على قدميه.. وأخذ
يمشي بهدوء نحو الشاطئ...
***
الجارة أم ربيع قالت :
- الله يعيده لك بالسلامة ..
أخذت تحكي عن حب الجيران له..... هزت هدى رأسها موافقة... كانت
تعرف مدى حب الناس لزوجها عبد العزيز..." ولماذا لا يحبه الجميع "؟؟ رجل بكل
معنى الكلمة... مسكون بالحب... يساعد الجميع.. ابتسامته لا تعرف الانطفاء..
تركتها أم ربيع لشرودها وذهبت... في العام الأول من زواجهما، وبعد مرور عدة
أشهر كانت الصدمة، قالت الطبيبة يومها:
- التحليلات تثبت أنك غير قادرة على الحمل ياسيدة هدى....
لاتدري كيف استطاعت أن تبتلع الصدمة... عندما وصلت إلى البيت، وقفت
أمامه حائرة ضائعة، تائهة.. بارتعاش قالت:
- اسمع يا عبد العزيز... بإمكانك أن تتزوج من أخرى... لن أحرمك
من الأولاد.. أعرف كم تحب الأطفال...
بعدها أخذت تحكي عن أشياء كثيرة... من خلال دموعها تفجر حزن
العالم كله...
وضع يده بحنان على كتفها وقال:
- اسمعي يا هدى... كل شيء بيد الله.. أنت عندي أهم من الأولاد.. لا
تقلقي...
رجته أن يتزوج... كانت تتمزق.. ترجوه وتنزف ألماً وانكساراً...
أرادت أن يكون سعيداً في حياته.. لكنه بإصرار أبى، كان حبه لها أكبر من كل
شيء..... ضمها إلى صدره......
مسح دموعها بقلبه وضلوعه.. ومضت السنوات.. السنوات الطويلة.. دون أن
يشعرها في يوم من الأيام بأنه حزين.. أحياناً كثيرة كانت تشعر أنها ظلمته.. لكن
ماذا كان عليها أن تفعل؟؟ هو لا يريد سواها... وهي في داخلها سعيدة بقراره
هذا.. مرة قالت له :
- لماذا لانتبنى ولداً يا عبد العزيز ؟؟
قال:
- لا يا هدى ..تعودت على الحياة هكذا.. اطمئني...
وقتها، ورغم سعادتها، شعرت بغصة في القلب... لكنها آثرت الصمت... .
في بعض الأحيان كان يثور.. لابد من حدوث بعض المنغصات... كلمات..
عتاب... يتطور الأمر ويكبر.. ثم تعود المياه إلى مجاريها صافية هادئة.. لكنها
المرة الأولى التي يتطور فيها الأمر إلى هذا الحد.. فجأة، وبعد ثورة من ثوراته،
قرر أن يذهب إلى البحر... قال” بإمكانك أن تأتي" لكنه كان يريد أن يذهب
وحيداً.. قرأت كل شيء في عينيه الثائرتين.. ما تعودت أن تبقى هكذا وحيدة.. كانت
تشعر أنه الهواء الذي تتنفسه.. فكيف مضى هكذا... وتركها..... ملأت الدموع
عينيها، وأخذت تبكي بحرقة .
***
شعر أنها تناديه.. سمع صوتها رغم طول المسافات.. لا أحد يستطيع أن
يصدق أنه سمع صوتها.. لكن كثيرين من الأهل والأقارب آمنوا أنهما يستطيعان
التخاطر عن بعد.. سنوات طويلة من الحب والتفاهم والقرب، جعلتهما متوافقين إلى
حد غريب.. انبعث صوتها حاداً وكأنها تطلب النجدة.. بقلق وضع ملابسه في الحقيبة
.
***
أخذت ترتب البيت.. عرفت أنه سيعود.. نظفت للمرة العاشرة الكرسي الذي
تعود الجلوس عليه... مسحت الكتب.. صفّتها بالطريقة التي تعجبه... جهزت الطعام
الذي يحب... وقفت أمام المرآة وأخذت تمشط شعرها، وتحاول أن تخفي الشعرات
البيضاء.. ارتدت أجمل ملابسها.. وضعت في المزهرية عدة وردات.. جلست على الكرسي
الذي تحبه.. كانت تشتعل بأروع انتظار...
***
صعد أول درجة.. تركتْ الكرسي.. الثانية.. خطتْ خطوتين... الثالثة..
الرابعة.. الخامسة.. السادسة.. كان باب البيت أمامها.. أخرج المفتاح من جيب
بنطاله... وضعت يدها على مقبض الباب... وضع المفتاح.. أداره... أدارته..
انفتح الباب.. وارتسمت على الوجهين ابتسامتان بحجم العالم... عندها كانت
الزهور التي في المزهرية، وتلك التي في الشرفة، ترسل عطرها وتحاول بكل ما لديها
من فرح، أن تضحك لنهار جديد...
   
القبو
السماء تمطر.. الزجاج الأمامي يغطيه الغبش.. ترسم المسّاحة وهي
تتحرك جيئة وذهاباً جزءاً كبيراً من دائرة... السائق يرفع زجاج الشباك إلى
الأعلى... يصفّر.. ينحني قليلاً محدقاً في الطريق... أضواء الشوارع تحاول أن
تزيح عتمة المساء.. أغصان الأشجار العارية تحدق في الفراغ... وجوه المارة تقبض
على حالة هلامية.. تقطع السيارة المسافات ببطء..
وحده العجوز كان يضحك.. يهز رأسه مثل بندول الساعة ويضحك...
قلت بملل: كأنَّ هذا الدرج لا نهاية له .
قالت: ستجد في القبو كل ما تريد... أتعرف؟ كان جدي رحمه الله
مولعاً بهذا القبو.. أذكر أنه كان يمضي فيه ساعات طويلة... قلت: أشعر أن النزول
لا يتوقف... غريب أمر هذا الدرج...
تأمَّل العجوز الدرج ..من جديد هزَّ رأسه وأخذ يضحك...
أذكر أن رأسي كان على الوسادة.. عيناي مفتوحتان تحدقان في الخطوط
المرسومة على الجدار.. ربما كانت غير ماهي عليه الآن قبل حلول الظلمة وانعكاس
هذا الضوء الباهت عليها.. أخذت الخطوط تتلوى.. أعرف أنه الوهم.. كنت مدركاً
لهذا تماماً.. رغم ذلك خفت.. اضطربت أنفاسي.. الهواء أخذ يقل.. مجرد شعور.. لكن
متى كان حدوث الأشياء ينفصل عن الشعور...
أدار العجوز ظهره وآثر الصمت.. أخذ يمر بعينيه على الأشياء.. فرقعت
ضحكته دون مقدمات ..السائق أنزل زجاج الشباك قليلاً.. دخل الهواء محملاً برائحة
المطر.. مالت السيارة قليلاً عند المنحنى.. الفتاة الجالسة إلى جانبي التصقت
بي.. عيناها تغرقان في المسافات البعيدة... شعرت أنها تحاول أن تبعد الجزء
الملتصق بي... أحد الركاب نظر إليّ بارتياب.. انكمشت قليلاً مع أنني كنت
مرتاحاً لالتصاقها بي...
حاول العجوز إطباق شفتيه دون جدوى...
يومها قال أبي: أنت لا تريد أن تفهم... الحياة ليست هكذا يابني ..
قلت: لكنني أحبها .
قال: تحب، وماذا ستطعمها؟ أريد جواباً محدداً.. هل ستطعمها حباً؟
حاول أن تتخلص من هذه الأحلام الوردية.. افهم الحياة أكثر يابني ..
كنت أظن أنني الوحيد الذي يفهم.. الوحيد الذي يستطيع أن يرسم أبعاد
الحياة...
كان العجوز وقتها متكئاً على طرف الأشياء.. عيناه تشعان بحكايات
كثيرة.. تمنيت أن يتحدث.. أن يترك ضحكاته ويقول أي شيء ..
قالت: أمرك غريب.. أريد ولداً واحداً فقط.. من حقي أن أشعر
بالأمومة ..
قلت: ولماذا تذكرت الولد الآن؟ لاأريد.. ألف مرة قلت لك لا أريد..
- لكن أسبابك غير مقنعة .
- أنا مقتنع... هذا يكفي بالنسبة لي على الأقل ..
العجوز أمسك يد الولد وأخذا يركضان ويضحكان....
تركت الخطوط وأخذت أنقّل طرفي في الغرفة.. الزوجة تنام بهدوء.. صوت
أنفاسها يرتفع.. الأولاد يتوزعون هنا وهناك.. لا أدري لماذا توقفت نظراتي عند
الولد الأصغر.. كانت ابتسامته تنقط عسلاً وتتلون بخيوط سحرية يعكسها النور
الخافت.. العجوز أعجبه المنظر فشارك الطفل ابتسامته..
قال أبي: عندما كنت في عمرك.. كنت رجلاً حقيقياً.. أنتم غريبون يا
ولدي ..
قلت: لكنكم تركتم كل شيء ورحلتم.. كان عليكم أن تبقوا هناك.. إنها
جريمة ..
لأول مرة أرى في عينيه ألق الدموع.. ندمت... . حاولت صياغة الكلمات
من جديد... كان الوقت قد فات.. أعرف تماماً أنه يحب البيت الذي تركه أكثر من أي
شيء في الدنيا.. حدثني عنه من قبل طويلاً.. كان عاشقاً حقيقياً لهذا البيت..
ضحكة العجوز تزيد الوضع تأزماً...
أخرج السائق من صندوق صغير خرقة أخذ يمسح بها زجاج السيارة الأمامي،
بصعوبة استطاعت أن تبعد الجزء الملتصق من جسمها.. أحد الركاب نظر إلى ساعة
يده.. كانت دون عقارب.. تنهد.. السائق أدار رأسه إلى الخلف، ثم عاد إلى مقوده
والطريق المبتل.. كان عليه أن يخفف السرعة.. عدة مرات أفهمنا أن أيّ خطأ يمكن
أن يودي بنا.. كأنّ المطر صورة من صور الخيال وهو ينزلق ببطء مختلطاً بالأنوار
الباهتة... أخذ الصمت يتسع.. الأنفاس تزداد انضغاطاً.. فتح العجوز مظلته داخل
السيارة وأخذ يضحك لحالة الاضطراب التي سادت...
قلت: صدقيني تعبت.. الدرج لا نهاية له.. لماذا لا نعود أدراجنا.؟؟
قالت: العودة تعني صعود الدرجات التي نزلناها.. تصور !!...
قلت: لكن متابعة النزول أمر مستحيل...
قالت: يا عبد الرحمن درجات قليلة ونصل إلى القبو....
استرخيت وجلست على الدرجة ..حاولت أن أفرد النصف الأعلى من قامتي..
قلت محدثاً نفسي:” عبد الرحمن.. من عبد الرحمن هذا "؟؟ نظرت في وجهها.. لم تكن
هي.. الدرجات معلقة في الهواء.. القبو مازال بعيداً..” لكن من هو عبد الرحمن
هذا "؟؟ العجوز ضرب كفاً بكف وأخذ يضحك...
السيارة تنزلق بهدوء.. حبات المطر تتجمع أمام الأضواء وترسم حالات
لا نهائية من الأشكال.. عاد جسدها إلى الالتصاق بي.. نظر إلى ساعة يده.. هزّ
يده عدة مرات.. سألني" كم الساعة "... عادت إلى المحاولة من جديد، أخذت تبعد
الجزء الملتصق من جسمها بهدوء.. كان الأمر مثيراً.. كرر بإلحاح" كم الساعة " ؟؟
السائق رفع زجاج الشباك مرة أخرى... أخذ يصفر من جديد... " كم الساعة "؟؟ رفعت
يدي.. نظرت.. زجاج مطر.. وجوه هلامية.. العجوز يضحك..
- أتدري يا ولد الأمر لم يكن كذلك ..
- ماذا تقصد يا أبي ..
- نحن لم نترك شيئاً.. أجبرونا على ذلك ..
- أعرف ..
- أنت لا تعرف شئياً وهنا المصيبة ..!!
خرج العجوز من الغرفة ونظر في المرآة، كانت ابتسامته عميقة إلى حد
ما... الوسادة تنزلق... أعيدها.. أرفع رأسي.. أترك السرير.. أمد يدي.. أمشي
ببطء.. أصل إلى الصالون الصغير.. أدخل إلى المطبخ.. أقترب من الصنبور.. أفتحه
.. ظمأ شديد يغتالني.. أنحني.. أفتح فمي لأشرب.. لاشيء.. أصرخ برعب.. الماء
ينزل من الصنبور ولا يصل منه شيء إلى فمي.. أغلق الصنبور.. يتوقف تدفق الماء..
أفتحه، يندفع الماء.. أضع فمي من جديد .. لكن دون جدوى.. لا يصل شيء من الماء..
تضيق أنفاسي.. يخفق قلبي بشدة.. يجف حلقي أكثر... تغيم الأشياء.. تتراقص
الصور... يمدّ العجوز رأسه ويضحك... .
الدرجات المتبقية كثيرة.. القبو بعيد... حاول السائق أن يزيد
السرعة.. مالت السيارة قليلاً.. قال أبي:” الأمور لا تفهم هكذا ".. الوسادة
تزرع رأسي في الخطوط.. يضحك الولد الأصغر.. قلت" لا أريد... الأولاد، جحيم في
هذا الوقت" المطر يطرق زجاج السيارة.. تحاول أن تسحب جسدها فتزداد التصاقاً
بي... صاح بنزق" قلت لك كم الساعة ".. أخذ يشرح لنا مخاطر السرعة في هذا
الجو... فتح المذياع.. حرك المؤشر.. خرج العجوز من بين المحطات وأخذ يضحك..
قال أبي:" افعلوا شيئاً قبل أن تقولوا أشياء كثيرة" قلت:" الأولاد.. كفى... لا
أريد ".. أحد الركاب حاول النزول.. مدَّ قدمه فلم يجد الأرض.. أعادها برعب
..كان القبو بعيداً.. قالت” وماذا تريد يا عبد الرحمن "؟ قلت: صدقيني لا أدري..
لكن أريد أن أعرف... من هو عبد الرحمن هذا ؟؟
   
احتمالات
في الفترة الأخيرة، لم تكن أحوال مصطفى المسعد السعداوي تبشر
بالخير.. والعارفون بالأمر يقولون: مصطفى المسعد السعداوي كان مسكونا بالهم
حتى العظم.. المسكين خرج من الخمارة وهو لا يرى ولا يسمع.. في البداية جلس قرب
حاوية القمامة الكبيرة، وأخذ يغني أغنية حزينة كادت تبكي القطط التي أوقفت
البحث عن طعامها إلى حين ..
بعدها، وقف مصطفى المسعد السعداوي بصعوبة، ثم مضى ساحباً جسده إلى
الفندق الذي كان يعرف فيه من بنات الهوى الكثيرات... خطوات مشى.. ثم استدعى
الجدار بإشارة آمرة من اصبعه، وأخذ يسير إلى جانبه سيراً غريباً مدهشاً، حيث
وضع بطنه وصدره ويديه على الجدار، وأخذ يحرك قدميه بالعرض.. وقتها ظن، أن فندق”
الشرفة” أصبح أبعد من ذي قبل بآلاف المرات.. وحين وصل لاهثاً ممزقاً مبعثراً،
جلس على الرصيف، أمام الفندق تماماً، محاولاً أن يلتقط شيئاً من أنفاسه
الهاربة..
عندما مدّ، أو حاول أن يمدّ قامته مرة بعد مرة، وأبت أن تتجاوب مع
محاولاته، زحف نحو الفندق معلنا استسلامه الأخير أمام قامته اللعينة.. ولأنه
دخل الفندق على هذه الحال المزرية، فقد لفت الأنظار وأرسل القهقهات، قهقهات
النزلاء طبعاً... ثم حين ألقى خطبة عصماء لا بداية لها ولا نهاية، عن إفلاسه
بعد أن ضيع آخر قرش كان معه في خمارة” السعادة” رمي رمياً خارج الفندق...
العارفون بالأمر قالوا: على الرصيف الذي تلقفه مثل الأم الرؤوم، أخذ
مصطفى المسعد السعداوي يبكي، بعدها - هكذا دون مقدّمات - انفجر في ضحك ملعون لم
يتوقف.. كان يضحك ويضحك.. يقف.. يتمايل مثل شرّابة الخرج ثم يضحك.. يقع على
الأرض ثم يرفع نصف قامته، ويضحك.. ثم لا أحد يعرف ماذا حدث...
***
نشر الخبر في سطرين.. واحدة من الصحف التي تهتم بالفضائح نشرته..
لكن مالف الموضوع من غياب تام في المعلومات، جعل الخبر منزوياً لا يؤبه له ..كل
ما جاء في الخبر يقول: على الرصيف الواقع قرب أحد الفنادق المشبوهة في المدينة،
وجدت جثة رجل مجهول الهوية... يظن أن في الأمر جريمة” بعدها وعدت الصحيفة
قراءها أن تنشر كل جديد يمكن التوصل إليه... ولاشيء آخر...
***
المعلومات المتوفرة لدى الضابط المناوب في المخفر اعتبرت سرية
للغاية، وقد أوصى الرقيب وشدد على ضرورة حفظ السر، لاحاجة لتسريب أي خبر..
وكان الرقيب أحمد الرعشان يقرأ باستغراب ودهشة بعد ذهاب الضابط المناوب إلى
بيته لينام هناك؟؟
كان المسكين الرعشان يحاول أن يجد معلومة واحدة مفيدة يمكن أن تشكل
سراً.. ولأنه كان معروفاً بالغباء من قبل عناصر المخفر، والمخافر الأخرى في
المدينة، وبشكل جعله يقتنع ويسلم بأنه غبي، فقد قام إلى المغسلة الوحيدة في
المخفر وفتح الصنبور، ووضع رأسه الكبير تحت الماء المندلق ليغسل الغباء، أو
ليصحو على أقل تقدير، لعله يفهم شيئاً من المكتوب في السطور، أو خلفها كما
يقولون...
بعدها، عاد الرقيب أحمد الرعشان وأخذ يقرأ تاركاً للماء حرية
الانزلاق بهدوء فوق الصفحة.. وكل ما فهمه، وهو ما كان مكتوباً على كل حال، إن
الجثة وجدت على الرصيف قريباً من فندق” الشرفة” وإن معاينة الجثة لم تصل إلى
تحديد سبب الوفاة، وإن صاحب الجثة غير معروف الهوية. وقد قام أحد عناصر المخفر،
وهو الشرطي نايف أسعد الشمندوري، بتفتيش جيوب المتوفى، ولم يجد أي شيء... وقد
نقلت الجثة، لتحفظ في براد من برادات أحد المشافي، إلى حين الوصول إلى معرفة
هوية المتوفى، ومكان إقامته، لإبلاغ أهله.. وقام الرقيب أحمد الرعشان مرة أخرى،
بالذهاب إلى الصنبور، ووضع رأسه تحت الماء المندلق..
***
حين هبط الليل، أو حسب رأي أم عدنان صاحبة البيت: عندما بدأ الناس
يستريحون من ضجيج الأولاد العفاريت.. كان الشعور الذي سيطر عليها غريباً، إذ ما
تعودت أن يغيب مصطفى المسعد السعداوي كل هذا الوقت.. الرجل كما تعرف، مقطوع من
شجرة، وليس له أحد في هذه الدنيا . وهو مثلها تماماً، لا يخالط أحداً، ولا
يخالطه أحد... أم عدنان هذه، وهي في الخمسين من عمرها كما تدعي، كانت تسرّ إلى
حد كبير، حين تكتشف أن مصطفى المسعد السعداوي كان يراقب كل حركاتها وسكناتها من
ثقب الباب في غرفته... وكانت تتقصد، ربما دون سوء نية، القيام بحركات تجعله
يشتعل وراء بابه المغلق.. وكانت في سرها تضحك، وتشفق على هذا المسكين الذي
يعيش - مثلها تماماً - في وحدة قاتلة..
أم عدنان التي شغلها غياب مصطفى المسعد السعداوي، فكرت أن تذهب إلى
المخفر، كانت قد خططت ورسمت في ذهنها أن تقول: ان مصطفى المسعد السعداوي الذي
أستأجر غرفة في بيتها منذ خمس سنوات، إلى جانب مستأجرين آخرين في الغرف الأخرى
طبعاً، كان يدفع الأجرة الشهرية بانتظام، لكنه في المدة الأخيرة، لم يعد كما
كان، حيث أخذت أحواله المادية تتغير.. هذا التغير ظهر جلياً واضحاً في أمور
كثيرة...
من هذه الأمور، على سبيل المثال لا الحصر، أن مصطفى المسعد السعداوي،
لم يعد يحمل لها أكياس الفاكهة كما كان يفعل من قبل.. كما أنه لم يعد يدفع
الأجرة بانتظام.. ولأن أحواله المادية قد أثرت على تصرفاته، فقد بدا شاردا
واجماً غريباً ... كان يأتي ويذهب ورأسه في الأرض... أحياناً كانت تلمح بعض
الدموع في عينيه.. وللحقيقة فقد ساءها أنه لم يعد ينظر إلى حركاتها وسكناتها من
خلف الباب- هذا الشيء طبعاً لن تذكره في المخفر -.
الشيء الوحيد الذي بقي على حاله ولم يتغير، هو حضوره عند الساعة
الثانية بعد الظهر تماماً، كأنه ساعة لا تقدم ولا تؤخر.. "هذا شيء مقدس" تقول
أم عدنان....صحيح أنه يخرج كثيراً إلى أماكن لم تكن تعرفها، ليعود مخموراً -
هنا تذكرت، أنه حاول الاعتداء عليها عدة مرات وأنها كانت تصده متمنية أن يتمادى
لكنه كان يتركها وهو يصفر لحناً لا بداية له ولا نهاية - لكن عودته عند الثانية
بعد الظهر لم تتغير ولم تتبدل.. هذا ما فكرت أم عدنان أن تقوله في المخفر،
لكنها بعد أخذ ورد، وطول تفكير، آثرت السلامة وبقيت في البيت تنتظر عودة مصطفى
المسعد السعداوي، متمنية من كل قلبها أن يقتحم غرفتها ضاحكاً هازئاً من كل
أفكارها السوداء...
***
وحدها سلمى بنت سطام التيناوي المعروف بالأشرم، كانت مصرة على
التواصل مع زمن مضى وانقضى.. سنوات لا تعد ولا تحصى مرت وهي تنتظر، أهل القرية
أصروا على أنها مجنونة، إذ لا أحد يمكن أن يصدق أنها ما تزال منتظرة عودة مصطفى
المسعد السعداوي بعد كل هذه السنوات.. ومن هو مصطفى المسعد السعداوي هذا حتى
تنتظره.. الكل يعرفون أنّ مصطفى المسعد السعداوي الرجل القصير البدين الأجرب
الذي باع أرضه ومضى تاركاً كل شيء بعد موت والدته، لا يساوي شيئاً بين الرجال .
صحيح أن مصطفى المسعد السعداوي كان يحب سلمى بنت سطام التيناوي
المعروف بالأشرم، وصحيح أيضاً أنه وعدها وعداً قاطعاً بالزواج بعد عودته من
المدينة سالماً غانماً...
لكن هذا لا يعني أن تنتظر كل هذه السنوات.. فهذا أمر يخرج عن
المنطق، لذلك فقد كان الظن قوياً، بأن مصطفى المسعد السعداوي، لم يغادر القرية،
إلا بعد أن فعل فعلته مع البنت سلمى بنت سطام التيناوي المعروف بالأشرم.. لذلك
فهي تنتظر.. وماذا عليها أن تفعل غير ذلك.. مثل هذا الأمر شاع مدة في القرية،
وشاع غيره، لكن شيئاً فشيئاً، نسي أهل القرية مصطفى المسعد السعداوي، وبقيت قصة
سلمى بنت سطام التيناوي المعروف بالأشرم تحكى هكذا دون تحديد، وكأنها واحدة من
حكايات الجدات في الليالي الجميلة.. وكانت سلمى بنت سطام التيناوي المعروف
بالأشرم تنتظر، وتقسم أن مصطفى المسعد السعداوي لابد أن يعود...
***
روى صاحب خمارة” السعادة” أبو جورج المشتاوي هامساً هادئاً عن غياب
مصطفى المسعد السعداوي الكثير، ومما قاله بكثير من الحزن والأسى أن غياب مصطفى
المسعد السعداوي يشغل القلب والبال. فالرجل كان في آخر ليلة، غريباً إلى حد
بعيد، حتى أنه أخذ يغني ويرقص، ويبكي ويضحك بشكل جعل كل السكارى في حيرة من
أمرهم... وحين حاول أحدهم أن يقنعه بالجلوس ثار وهاج وماج، وأخذ يبكي بحرقة..
وقتها - قال أبو جورج المشتاوي - حدث مصطفى المسعد السعداوي كل المتواجدين في
الخمارة، عن قرية بعيدة مازالت تسكن في الخاطر، وعن بنت اسمها سلمى... بنت تشبه
القمر في تمامه.. كما تحدث مطولاً عن عمله الذي طرد منه دون وجه حق بعد أن بقي
خادماً مطيعاً لصاحب الشركة - مثل الخاتم في الاصبع - سنوات وسنوات.. لكن صاحب
شركة الاستيراد والتصدير، وهو رجل حقير سافل منحط، كما روى مصطفى المسعد
السعداوي، استغنى عن خدماته وطرده دون أسباب تدعو إلى ذلك.. وعلى الأرجح، هذا
ما أوضحه مصطفى المسعد السعداوي، أن صاحب الشركة قامت قيامته، حين رآه السعداوي
يمد يده إلى المناطق المحرمة عند السكرتيرة التي انسحبت غاضبة بعد أن حاصرتها
نظرات السعداوي.. لذلك كان لا بد من الاستغناء عن خدماته، والاحتفاظ بغنج
السكرتيرة ودلالها..
يومها - تابع أبو جورج المشتاوي هامساً - تعاطف رواد” السعادة” مع
طيب الذكر مصطفى المسعد السعداوي وتحلقوا حوله وأخذوا يخففون عنه، ووصل الأمر
بواحد منهم إلى حد إخراج رزمة من النقود وضعها تحت تصرف السعداوي الذي رفض
أخذها باباء يحسد عليه، وهذا ما جعله يكبر كثيراً في عيون الرفاق السكارى ..
وروى أبو جورج المشتاوي - بصوت مرتفع هذه المرة - أن الأيام جعلت
مصطفى المسعد السعداوي مسكوناً بالحزن والهم.. لذلك لعن أبو جورج المشتاوي -
صاحب خمارة " السعادة " - هذه الأيام.. وتمنى أن يكون مصطفى المسعد السعداوي
بخير.. وطلب من رواد” السعادة” أن يسألوا عن صاحبهم الغائب وأن يستفسروا عن
أحواله في كل مكان... . وختم أبو جورج حديثه بشرب نخب مصطفى المسعد السعداوي،
وهو ماشارك فيه كل السكارى...
***
بواب فندق” الشرفة” أبو الرشيد، وهو في السبعين من العمر، قال
محدثاً واحداً من النزلاء: ان مصطفى المسعد السعداوي كان عاشقاً لواحدة من بنات
الهوى في الفندق اسمها لبنى.. لكن مدير الفندق لم يعجبه مصطفى المسعد السعداوي
في شيء، وكان يكره الأرض التي يمشي عليها، لأنه - كما كان يقول - كريه، ثقيل
الظل، تشم رائحة عرقه المقرفة من بعيد.. وادعى صاحب الفندق أن لبنى أخبرته
بذلك.. كما أخبرته، أنها كانت تحاول التملص والتخلص منه في كل مرة يأتي فيها
إلى الفندق لكنها كانت ترضخ أمام إلحاحه وإصراره على مقابلتها، والمهم أنه كان
يدفع أكثر من الآخرين.. ومن ادعاءات مدير الفندق، كما روى البواب أبو رشيد، أن
السعداوي كان لصاً لا يجد غير السرقة مهنة يمتهنها... وإلا كيف كان له أن يصرف
كل هذه النقود على لبنى...
البواب أبو الرشيد قال ان مصطفى المسعد السعداوي كان رجلاً حقيقياً،
وإنساناً ذا قلب من ذهب. وفي إحدى المرات- قال أبو الرشيد- عندما وجدني مصطفى
المسعد السعداوي حزيناً مهموماً، سألني بلطف حتى بحت له بكل ما في قلبي من هم،
عندها ناولني كل ما كان في جيبه وطلب مني أن أشتري الدواء لحفيدي المريض..
يومها -أقسم على ذلك -رأيت الدموع في عينيه. ولأنه أعطاني كل شيء، فقد انصرف
دون أن يقابل محبوبته لبنى.. ذهب وهو يصفر ويهز رأسه.. في المرة الأخيرة -قال
أبو الرشيد- ألقوه مثل الكلب خارج الفندق.. مسكين كم كان منظره محزناً يومها..
تمنيت أن أمنعهم، لكن ماذا باستطاعتي أن أفعل.. كلمة واحدة مني ستجعل مدير
الفندق يقطع رزقي ويطردني من عملي، عندها ماذا سأفعل بابنتي وأولادها.. مات
زوجها وتركها لي، الله يرحمه.. وتنهد أبوالرشيد ظاناً أن الرجل، الذي أخذ يشخر
منذ فترة، كان يسمعه..
***
صاحب شركة "النهار" للاستيراد والتصدير تحدث في اجتماع ضم رؤساء
الأقسام وسكرتيرته التي تشبه قطعة الزبدة، عن مصطفى المسعد السعداوي الذي سرح
من عمله، قال: الرجل لا عيب فيه يشهد الله، لكنه في الفترة الأخيرة أصبح كثير
النسيان والشرود، وكما تعلمون، عملنا لا يحتمل النسيان والشرود.. وتحدث مطولاً
عن تقديره واحترامه لمصطفى المسعد السعداوي، لكن التقدير شيء، والعمل شيء آخر
تماماً..
وقبل أن ينتقل صاحب شركة " النهار" لمناقشة الموضوعات التي تهم
الشركة، قال ان التعويض الكبير الذي صرفه لمصطفى المسعد السعداوي يمكن أن
يساعده في فتح مشروع لابأس به. وقال انه نصح السعداوي أن يبحث عن” كشك” في مكان
ما ليستأجره ويبيع بعض الأشياء البسيطة... وقد وعده مصطفى المسعد السعداوي أن
يفعل.. لكن الرجل غاب منذ فترة وماعدنا نعرف عنه أي شيء.. أرجو أن يكون قد وفق
في حياته الجديدة.. بعدها انتقل صاحب شركة” النهار” لمناقشة الموضوعات التي تخص
الاستيراد والتصدير..
  
أبو الريش.. وحالة ضياع
حمد حمدان الطاوي أبو الريش.. في الثلاثين من العمر كان... طويل
القامة إلى حد يلفت الأنظار.. أصلع الرأس.. محمر الوجه دائماً.. يمشي، فتظن أنه
يسحب نفسه سحباً. كثيرون استمعوا إلى كلماته اللاهبة عن الاستعمار والفقر وطبقة
الأوزون... وكثيرون ضحكوا أو تضاحكوا.. وكان على الدوام، ينسحب لاعناً شاتماً
هذا الزمان الرديء، زمان الجيل الذي لا يهمه إلا الرقص والخلاعة، وسقط الكلام..
الله يرحم الأيام الماضية، هذه الأيام التي كانت رائعة وجميلة ومموسقة حسب ما
يريد الواحد منا ويشتهي...
حين يتذكر أبو الريش، يبصق، ويلعن.. وعندما يشتد به الأسى ويزداد،
يغمض عينيه وكأنه لا يريد أن يرى ما يحيط به من مناظر مؤذية... . وحسب اعتقاده
الراسخ، فقد أصبح الناس، دون تفريق لا يساوون شيئاً... في هذا الوقت، وهو وقت
سابق على ما تبع من أحداث، لم يكن حمد حمدان الطاوي أبو الريش قد وصل بعد إلى
الحالة التي جعلت الناس يصفونه بالجنون.. لابد هنا، والحق يقال، من التأكيد،
على أنه كان أقرب إلى الهدوء.. صحيح إن بعض الثورات كانت تأخذ به كل مأخذ، لكنه
لم يصل في مرة من المرات، إلى عرض مواهبه في ضرب الجدران برأسه.. ولم يصل في
مرة من المرات - وهذه حسنة من حسناته الماضية - إلى حد التحرش بالبنات
والسيدات علناً، مسقطا كلّ ضوابط الأخلاق... فالرجل والله يشهد ، كان غريباً..
ربما كان أغرب من غريب.. لكن حتى مثل هذه الأحداث، لا تستطيع أن تقدم حالة شبه
نهائية عن أحوال حمد حمدان الطاوي أبو الريش...
فجأة وفي منتصف الشارع المزدحم بالمارة والسيارات والعربات
والبائعين، وقف المدعو حمد حمدان الطاوي أبو الريش، وأعلن بصوت مرتفع أن الساعة
قد "أزفتْ "... ولما كان الجميع دون استثناء، لايعرفون شيئاً عن طيبة أو سيئة
الذكر " أزفتْ " هذه، فقد وقفوا صامتين حائرين مأخوذين، ينظرون إلى الطاوي،
المحمر الوجه، الطويل العود، وهو يشرح ويطنب ويمد ويمتد في معنى "أزفت"..
متناسياً أو ناسياً في كثير من الأحيان ما أراد أن يقول... المهم بالنسبة له،
أن الجمع الطيب أخذ يستمع، والأهم أن الرؤوس كانت تهتز مأخوذة مدهوشة، أو ربما
متناغمة مع حركة رأس حمد حمدان الطاوي أبو الريش..
ولأن حمد حمدان الطاوي أبو الريش أطال وشدّ الأعصاب حتى آخرها، فقد
ضاق الصدر، وتلاحقت الأنفاس، وتساقط الريش ريشة ريشة... ووصل الأمر حتى صارت
فيه الكلمات تختنق وتسقط صريعة في أكثر الأحيان .وللحقيقة، وهي حقيقة لم ينتبه
لها أبو الريش، فإن أكثر الكلمات لم تعد مفهومة.. عندها انفرط عقد الناس
وانحل.. وبقي أبو الريش وحيداً دون ريش.. وهناك من روى أن المدعو حمد حمدان أبو
الريش، هز رأسه وأعلن أن هؤلاء الذين ذهبوا مجرد رعاع لايريدون أن يفهموا..
وحسب ظنه أن الرعاع لايمكن أن يخرجوا عن منطق الرعاع ولو حشوت رؤوسهم بكل الكتب
التي في العالم.. يومها مضى حمد حمدان الطاوي أبو الريش في الشوارع والحارات
والأزقة يحدث نفسه، وكان يلوح بيديه مع كل خطوة، ويهز رأسه بعنف، وأحياناً
يتوقف للحظات ليبصق ويلعن هذا الزمان وكل رعاع الأرض........
وحين أكد الناس، بعد واقعة” أزفت” المشهورة أنه مجنون وأن جنونه من
النوع الخطير المؤذي.. لم يكن حمد حمدان الطاوي أبو الريش مجنوناً ولا يحزنون.
لكن مشكلته التي لا يستطيع أحد إنكارها، تتعلق - حتى ذلك الحين - في كونه كثير
الشرود والنسيان.. يتكلم، وفجأة ينسى الموضوع الذي يتحدث حوله، فيضيع كلامه
ويصير كلمات متقاطعة لا تعبر عن شيء.. وإذا ذهب إلى مكان ما، فإنه ينسى تماماً
المكان الذي يريد أن يصل إليه، لذلك تتوه خطواته، ويتجول في الشوارع دون هدف.
هل كان كل هذا نوعاً من الجنون؟ حتى ذلك الحين، كان الأمر مجرد تخمين.. ولم يكن
أبو الريش مجنوناً... في تطور لاحق للأحداث، وهو تطور مهم في قضية المذكور..
أعلنت الزوجة الطيبة سلافة النهري، أن زوجها المدعو حمد حمدان الطاوي أبو الريش
ما عاد يطيق فراش الزوجية... وأنه أصبح يتهمها - والله يشهد أنها تعشق النظافة
- بالتعفن، ويقسم أنها تحمل رائحة جثة متحركة... لذلك، وبناء عليه، ما عاد
بمقدوره - والكلام على لسان المدعو حمد حمدان الطاوي أبو الريش - أن ينام
معها.. وآثر أن يتمدد على فرشة يفردها على الأرض في غرفة أخرى...
سلافة النهري هذه، وهي امرأة عشقها كثيرون من رجال وشبان الحي
لجمالها ودلالها ورقتها، أعلنت أيضاً أن رجلها حمد حمدان الطاوي أبو الريش ،
أصبح يحدث الجدران والأبواب والشبابيك... يقول أشياء غريبة عجيبة... وحين
تحاول في بعض الأحيان أن تتقرب منه ملاطفة، يدفعها وكأنها جرباء... وقالت
والدموع تملأ عينيها، أنها ستطلب الطلاق... فالرجل ما عاد يطاق... حتى أولاده،
كما تقول سلافة النهري الحسناء المغناج .. ما عاد يطيق الجلوس معهم، يرمق
الواحد منهم، ويهز رأسه، ثم يأخذ في بكاء طويل مرير....
وحين تسأله عن السبب يقول:” لم نترك لهم شيئاً يفرحون به "..
وتحاول أن تفهم، فيأخذ في ضرب رأسه بالجدار ويبكي.. عندها كانت سلافة النهري
تصر أنه مجنون ..
هل وصلت قضية حمد حمدان الطاوي أبو الريش إلى حالة ماعاد ينفع معها
حديث أو دواء ..
وهل وضعت زوجته سلافة النهري النقاط على الحروف بشكل نهائي؟؟ ربما
يمكن القول ان هناك بقية من حديث علينا أن نتابعها... إذ يفترض أن قضية حمد
حمدان الطاوي أبو الريش قضية شغلت الرأي العام في الحي الذي يقع فيه، وفي
الأحياء المجاورة، ولايمكن أن تطوى أوراقها هكذا ببساطة...
صحيح أن الجدار، أو الجدران، قد اهتزت من ضربات رأسه، وصحيح أن
الجيران قد ضجوا من بكائه ونواحه ووقوفه على الأطلال دون أن يشاهدوا أطلالا أو
ما يشبه الأطلال.. وصحيح أن زوجته ملت الحياة دون رجل يداعبها ويناغشها ويضمها
إلى صدره، وهو حلالها على كل حال... كل هذا صحيح.. لكن علينا أن نعترف حتى هذا
الوقت أن حمد حمدان الطاوي أبو الريش لم يكن مجنوناً... لم يكن على الإطلاق
كما يظنون... كان البكاء أعلى من قدرتهم على الاستيعاب والفهم، فظنوا ما
ظنوا... . وبقي هوكما هو.. أو هكذا بدت الأمور حتى ذلك الحين... .
يمكن هنا أن نتحدث عن تطور آخر في قضية أبو الريش، حيث كان رئيسه
المباشر في العمل جالساً خلف مكتبه العريض الطويل يمسد كرشه بيد غليظة منتفخة،
وينفث الدخان من فتحتي أنفه الكبيرتين. وللحقيقة، فقد كان - أي رئيسه المباشر -
يشعر بسعادة حقيقية بعد أن استطاع إقناع الموظفة الجديدة، التي اعتبرها في غاية
الجمال، أن تذهب معه بعد الدوام مباشرة لتناول الغداء في أحد المطاعم. كان
السرور يسيطر عليه.. إلى هنا والأمور تبدو في أحسن صورة.. لكن ما حدث وقلب كل
شيء، تعلق بصاحبنا الذي نبحث في جوانب قضيته.. فماذا حدث؟؟
لا أحد يعرف من أين نبت حمد حمدان الطاوي أبو الريش وأمسك برئيسه
ورفعه من خلف مكتبه وانهال عليه بالضرب الذي لايرحم ولا يعرف حدا... الأمور
حدثت بسرعة غريبة لا تصدق... !!
الموظفون الذين التموا، وقفوا مأخوذين، كأنّ على رؤوسهم الطير، لا
أحد يتنفس، لا أحد يستطيع أن يتحرك، المفاجأة شلتهم تماماً. وحين تعالت صرخات
رئيسهم في العمل بدأوا يتحركون ببطء... ثم بسرعة، وقع حمد حمدان الطاوي أبو
الريش بين أيديهم. ولم يتركوه إلا بعد أن قطع النفس أو كاد. ولأن الرجل الذي
كان منتفخاً وراء مكتبه قد وقع له ما وقع، فقد ألقوا بحمد حمدان الطاوي أبو
الريش خارج الشركة، ونفضوا أيديهم .
كان كل واحد منهم يؤكد أنه أول من ضرب، وأول من خنق وأول من أبعد
أبو الريش عن سيادة رئيسهم المباشر المحترم... ولأن رئيسهم المباشر كان يلعن
ويشتم، ويهز كرشه بغضب، فقد آثروا أن يصمتوا، وأن يجلسوا في أماكنهم، وراء
مكاتبهم بهدوء...
مسكين حمد حمدان الطاوي أبو الريش فقد صار حديث الناس في كل مكان
وزمان... يحكون ولا يصمتون.. يحكّون رؤوسهم ويذهبون في الحديث كل مذهب..
يؤلفون القصص والروايات عنه ويستفيضون.. ووصل الأمر بهم إلى أن أعادوه ثلاث
مرات إلى مشفى الأمراض العقلية... يهرب لأيام أو ساعات.. ثم يعاد... وهناك
يتعرض لكل أنواع التعذيب والتجارب التي تجرى عليه بأسماء مختلفة.. ومرة أخرى
يخطط من أجل الهرب.. رغم زيادة المراقبة والحصار..
جنون حمد حمدان الطاوي أبو الريش، حسب التقارير المضروبة على الآلة
الكاتبة، تقول انه قد وصل إلى حالة يصعب معها الشفاء... الرجل ضيع آخر ذرة
عقل.. وما عاد له في الدنيا أحد بعد أن استطاعت الزوجة أن تحصل على الطلاق
والأولاد.. كان الرجل حزيناً... يشرح للمحيطين به عن الساعة التي " أزفت".. عن
الزمن الرديء.. عن الجيل الذي لا يحب إلاّ الخلاعة والرقص.. عن الجثث التي
تتحرك ليل نهار في ثياب الأحياء..
   
الـــذي... .
|