|

بقلم
الكاتب الكبير: توفيق الحكيم

مسرحية شمس النهار
مقدمة
هذه مسرحية تعليمية . . . والأعمال التعليمية في الأدب والفن ، من " كليلة
ودمنة " إلى " حكايات لافونتين " إلى مسرحيات " بريخت " وغيرها من آثار هذا
النوع ، إنما تهدف إلى توجيه السلوك الفردي أو الاجتماعي . . وهي في أحيان
كثيرة لا تخفي مقاصدها . . وتتخير من العبارات ما يصل توا إلى النفوس ويرسخه في
الأذهان . . وتنتقي من وسائل التعبير أوضحها وأبسطها . . وتتخذ أحيانا من وضع
الحكمة والمغزى في صورة مباشرة سلاحا من أسلحتها . . وهي على خلاف الفن الآخر
الذي يخفي وجهه ويدعك تكتشف ما خلفه، تكشف هي القناع وتقول لك:
" نعم أريد أن أعظك فاستمع إليّ ! "
وإزاء هذه الصراحة منها نصغي إليها راضين . . وهكذا أصغينا ولا نزال نصغي إلى
حكم " كليلة ودمنة " وعظات " لافونتين " ومسرحية " بادن " التعليمية لبريخت . .
دون أن نضجر مما نسمع . . ذلك أن الوعظ في ذاته فن ، ما دام قد قدم إلينا في
شكل جميل. كل ما أرجو إذن لهذه المسرحية ؛ هو أن يكون مضمونها قد قدم في شكل
غير ثقيل على النفس ، وأن تحقق ، ولو بقدر ضئيل ، ما تهدف إليه من مقاصد.
-------------------------
   
الفصل الأول
المنظر الأول
القاعة الكبرى في قصر سلطان نعمان . . وهو يحادث وزيره . .
السلطان : قلت دبرني ياوزيري ! . .
الوزير : التدابير لله يا مولانا السلطان ! . .
السلطان : سمعتها منك عشرين مرة ! طبعا التدابير لله ! . . لكنك أنت وزيري . .
وهذه وظيفتك : تفكر معي وتدبر لي . . هل تريد أن تقبض أنت المرتب ، وتترك العمل
يتولاه عنك الله ! . .
الوزير : وهل سبق لي أن تخليت عن عملي ! . .
السلطان : كثيرا . . العمل السهل تقوم به . . والعمل الصعب تتخلى عنه لله تعالى
! . .
الوزير : أي بأس أن أسأل الله المعونة ؟. .
السلطان : ولماذا لا أسأله مباشرة ، وأوفر المرتب ؟ . .
الوزير : مرتبي على كل حال ليس بالمبلغ الباهظ !
السلطان : أعرف ذلك . . ولكني لا أتكلم عن المرتب الرسمي ! . .
الوزير : لست أنا وحدي يا مولاي . .
السلطان : أعرف ذلك أيضا . . الجميع . .
الوزير : المملكة كلها . . من كبار وصغار . . وأنت يا مولاي أردت ذلك . .
السلطان : أردت ماذا ؟ . .
الوزير : قلت: هذه هي المرتبات الرسمية . . وبعد ذلك كل واحد وشطارته . .
السلطان : كل واحد وشطارته ليس معناها . . ومع ذلك الشطارة زادت كثيرا ! . .
الوزير : الكل اليوم يريد الحياة الممتعة .
السلطان: حقا . . إلا ابنتي المغفلة ! . . وأنت يا وزيري لا تريد أن تفكر في حل
هذه المشكلة ! . .
الوزير : أنت تعرف يا مولاي طباع الأميرة . . ما من شيء يقف ضد إرادتها . .
السلطان : وهل من الصواب أن نلبي لها مثل هذه الإرادة الغريبة ؟ . .
الوزير : وماذا في يدنا يا مولاي ؟ . . لقد تمسكنا بموقفنا فازدادت هي تمسكا
بموقفها ! . .
السلطان: في أي ليلة نحس ولدت هذه البنت ؟ . . الأعوام تمر وهي لا تريد أن
تتزوج . . لقد تزوجت أختاها كما تتزوج بنات الملوك . . من خيرة الأمراء وأغنى
السلاطين . . إلا هي . . لا يغريها مال ولا جاه . . ولست أدري ما الذي يغريها
إذن في الحياة ؟ . .
الوزير : منذ الصغر والأميرة شمس النهار هكذا يا مولاي ! . . عجيبة فريدة من
نوعها . . برعت في ركوب الخيل واللعب بالسيف وقراءة الكتب وإطالة التأمل والزهد
فيما يعجب ويبهر . .
السلطان : كل هذا محتمل إلا إرادتها تلك. إلا ذلك الشرط الذي وضعته للزواج . .
الوزير : عندي فكرة يا مولاي ! . .
السلطان : أخيرا ! . . قل وأسرع ! . .
الوزير : نقبل الشرط . .
السلطان : أهذه هي الفكرة ! . .
الوزير : نقبل الشرط مع التعديل . .
السلطان : أي تعديل؟ إن الشرط هو أن يمر الناس كلهم تحت شباكها وهي تختار من
بينهم بدون تمييز ! . .
الوزير : نلبي ذلك . . مع تحفظ بسيط : هو أن تسمح لنا بإجراء فرز مبدئي . .
وبذلك نستعبد كل من ليس جديرا بها .
السلطان : أصبت . . نعم . . وربما استطعنا التحايل ، فدسسنا بعض الأمراء ،
وحصرنا الاختيار فيهم . .
الوزير : هذا هو غرضي . .
السلطان : لا بأس بالفكرة . . فلنستدع إذن شمس النهار ونقنعها بهذا التحفظ
البسيط . .
الوزير : البسيط جداً . .
( يتجه الوزير نحو الباب ويسر كلاما لإحدى الوصيفات، ثم يعود إلى السلطان )
الوزير : الأميرة آتية .. لكن .. هل يحسن بي أن أبقي ؟..
السلطان : بالطبع . . إن الفكرة فكرتك . . وعليك أنت أن تتولى عرضها. .
الوزير : أنا ؟ . . إني . .
السلطان : أتريد أن تتخلى عن عملك مرة أخرى . . إن فكرتك لن يكون لها قيمة إلا
إذا اقتنعت هي بها . .
الوزير : أمرك يا مولاي ! . .
السلطان : ها هي ذي شمس النهار وقد أقبلت . .
شمس : ( ظاهرة من الباب ) طلبتني يا أبي ؟ . .
السلطان : نعم . . . هل أنت مصرة على شرطك ؟ . .
شمس : بالطبع مصرة . .
السلطان : ونحن قد قبلنا الشرط . . لكن . .
شمس : لكن ؟ . .
السلطان : لا .. لا شيء يذكر . . . إنما مجرد إجراء بسيط اقترحه الوزير . .
تكلم يا وزيري ! . .
الوزير : ( يتنحنح ) الفكرة . . الموضوع . . هو مجرد . . إجراء بسيط . . بسيط .
.
شمس : بسيط جدا؟ . .
الوزير : جدا . . مجرد شكليات . .
شمس : المهم تنفيذ الشرط . . . وبكل دقة . .
الوزير : سينفذ . . . سينفذ . . . وبكل دقة . . فقط . . مسألة دعوة جميع
الأهالى . .
شمس : هذا لابد منه . .
الوزير : طبعا . . طبعا . . هذا لابد منه . . فقط . . منعا من مجيء كل من هب
ودب . .
شمس : ما هذا الذي نقول أيها الوزير . . إني أريد بالفعل مجيء كل من هب ودب . .
الوزير : مفهوم . . مفهوم . . فقط تجنبنا للزحام تحت الشباك . .
شمس : وما الذي يضايقك أنت من الزحام ؟ . .
الوزير : لا . . لا شيء يضايقني أنا بالذات . . فقط . .
شمس : فقط ماذا ؟ ! . . ما الذي تريد أن تصل إليه بالضبط ؟ . .
الوزير : لا . . لا الإخلال بالشرط . . فقط . .
شمس : ما دام هذا هو القصد فلا داعي إلى الكلام إذن . .
الوزير : طبعا لا داعي مطلقا . . فقط . .
شمس : كفاية كلمة فقط . . في الموضوع، أرجوك ! . . إذا كان عندك كلام . .
السلطان : لها حق . .
الوزير : الموضوع باختصار ، أيتها الأميرة ، هو : إنه . . لابد من عملية تنظيم
. .
شمس : تنظيم ؟ . . لماذا . .
الوزير : تنظيم للاختبار . . مجرد تنظيم . .
شمس : وكيف يكون هذا التنظيم ؟ . .
الوزير : الأمر بسيط جدا : نحدد المتقدمين بعدد معين وصفات معينة . .
شمس : ومن الذي يحدد ذلك ؟ . . أنت ؟ . . .
الوزير : إذا سمحت وفوضتني . . .
شمس : أفوضك؟ . . إذن أنت الذي سيختار لي الزوج! . .
الوزير : أنت صاحبة الاختيار في النهاية . . .
شمس : بعد أن تكون أنت قد حددت لي صفات زوجي! . .
الوزير : لا يا أميرتي . . . الصفات تحددينها حسب رغبتك . . وما علينا نحن إلا
التنفيذ . .
شمس: ومن قال إني أستطيع تحديد هذه الصفات ؟ . . .
الوزير : لا تستطيعين تحديدها ؟ . .
شمس : لا أستطيع تحديدها مقدما . . . لأني لا أعرفها . . .
الوزير : لا تعرفين الصفات التي تريدينها في زوجك ؟ . .
شمس : لا . . . كل ما أعرف هي الصفات التي لا أريدها فيه . . .
الوزير : وما هي الصفات التي لا تريدينها فيه ؟ . .
شمس : لا أريده من الأمراء الكسالى الأغبياء . .
السلطان : حاذري يا شمس النهار أن يكون في كلامك تلميح مقصود! . . .
شمس : لا أقصد بكلامي أي تلميح . . ما دامت شقيقتاي راضيتين سعيدتين فلا شأن
لأحد بهما . . إنما أنا أتكلم عن نفسي . .
الوزير : مغزى الكلام إذن أنك تريدين زوجا من الفقراء ؟ . .
شمس : قلت لك إني لم أحدد الصفات بعد . .
الوزير : وكيف ستختارين إذن ؟ . .
شمس : إني لم أختار إلا بعد أن أكتشف . .
الوزير : تكتشفين ؟ . .
شمس : ولهذا صممت وأصمم على أن يفتح الباب لجميع الناس على السواء . . سأقابل
كل من يتقدم ليطلب يدي . . وأحاول أن أكتشف معدنه . . .
السلطان : وتقابلين كل الناس ؟ . .
شمس : نعم . . . وهنا في هذه القاعة . . . بحضورك يا أبي . . . وحضور الوزير .
.
الوزير : المسألة أعقد مما كنا نظن . .
السلطان : حقا . . . كان الظن أنها ستنظر من خلف الشباك، وتختار من يعجبها من
بين المارين . .
شمس : أختار من خلف الشباك ؟ . . أختار ماذا ؟ . . أختار أجساما ؟ . .
السلطان : إذن تريدين أن توجهي وتحادثي كل الناس ؟ . .
شمس : كل من يتقدم لطلبي . . .
السلطان : كل الناس سيتقدمون لطلبك . . . ما دام الباب مفتوحا على مصراعيه . .
.
شمس : يجب أن تتاح الفرصة لكل الناس . . .
الوزير : ولكن هذا عمل مرهق لك أيتها الأميرة ! . . . تصوري أهل البلد كلهم . .
السلطان : الجاد منهم والهازل ! . .
شمس : لي شرط واحد صغير . . .
الوزير : وهو ؟ . . .
شمس : كل من يتقدم ويفشل يجلد ثلاث جلدات . . .
الوزير : شرط معقول لصد سبيل العابثين . . .
شمس : ولكي لا يتقدم إلا الواثق من نفسه . .
الوزير : هذا نوع من التأمين ضروري . . .
شمس : اتفقنا إذن . . .
الوزير : أمرك أيتها الأميرة . . .
السلطان : أمرها ؟ . . . إذن أنت معترف بفشلك أيها الوزير ! . .
الوزير : الواقع أني يا مولاي . . .
السلطان : الواقع أنك لم تستطع إقناعها . . . هذا ما كنت أتوقعه . . . من أول
كلمة نطقت بها . . . لقد أضعنا الوقت سدى . . . والنتيجة هي النتيجة منذ شهور
طوال . . اسمعي يا بنتي . . سأنزل على إرادتك . . . وأمري إلى الله . . كل ما
قصدت إليه هو خيرك . . ، مصلحتك كلها أريدها وأنشدها . . . لكن . . ما دمت
تصرين على رأيك فأنت وشأنك . . واعلمي أنك منذ الآن المسئولة وحدك عن مصيرك . .
شمس : وهذا هو كل ما أريد يا أبي . . أن أكون أنا وحدي الصانعة لمصيري . . .
السلطان : أصارحك . . أني غير مطمئن . .
شمس : أعرف ذلك . . .
السلطان : كنت تريد لك حياة رغدة مضمونة الرخاء والنعمة . . .
شمس : نعم . . . كذلك الحياة التي صنعتها لشقيقتي . . .
السلطان : سنرى ماذا ستصنعين أنت لنفسك ! . .
شمس : يكفي أن أصنعها بنفسي . . .
السلطان : نفذ لها طلبها أيها الوزير! . . .
الوزير : فورا . . . سأطلق المنادين في البلد ينادون : كل من يتقدم لطلب يدي
الأميرة شمس النهار ويفشل يجلد ثلاث جلدات ! . . .
شمس : بل يجب أن ينادوا قبل ذلك : إن أهل البلد جميعا بغير تمييز لهم الحق أن
يتقدموا ويطبلوا يد شمس النهار ! . . .
(ستار)
   
المنظر الثاني
عين القاعة الكبرى في قصر السلطان نعمان . . . ولكن بها جنودا مصطفين والسلطان
جالس في مقعده ، وعلى مقربة منه شمس النهار . بينما الوزير ينظر من شباك . . .
.
الوزير : لا أحد . .
السلطان : في الأيام الأخيرة بدأ العدد فعلا يتناقص . . .
الوزير : اليوم لا أحد على الإطلاق . . . ما من ظل لأحد المارة يقترب من القصر
. . .
السلطان : أين ذلك مما حدث في الأسبوع الأول . . عندما احتشد أهل البلد . . .
كل يسابق الآخر . . .
الوزير : الآن الكل يهرب . . .
السلطان : نعم . . خوفا من الجلد . . .
الوزير : ( عائد من الشباك ) لا فائدة . . . لن يتقدم أحد اليوم . . .
السلطان : لا اليوم ولا غدا . . . ما دام أكثر رجال البلد قد جلدوا . .
الوزير : سقطوا في الامتحان ! . .
السلطان : كان من بينهم مع ذلك رجال لا بأس بهم ! . . .
الوزير : في نظرة الأميرة استحقوا صفرا . .
السلطان : إنك تتشددين يا شمس النهار ! . . .
شمس : أليست مسألة مصير ؟ . . .
السلطان : نعم . . . ولكن . . . خيل إلى أحيانا أنك لست جادة في الاختبار..
الوزير : يبدو أن هذا أيضا شعور الناس . . فقد بلغني أنهم أخذوا يتهامسون بأن
الأميرة شمس النهار لا تنوي حقا الزواج . . وإنما هي تريد العبث بالرجال وجلدهم
. .
السلطان : إذا كان هذا حقا هو غرضك فيحسن أن تصارحينا . . .
شمس : أهذا ظنك بي يا أبي ؟ . . . أتعرف عني شيئا غير الصراحة ؟ . .
السلطان : فعلا . . أنت صريحة . .
شمس : ثق أني لا أعبث ولا أتعنت ولا أخاتل ولا أماطل . . إنما أنا أبحث وأكتشف
. .
السلطان : ولكنك لم تكتشفي شيئا بعد . .
شمس : هذا ليس في يدي . . .
السلطان : يظهر أن الأمر سيطول ! . . .
شمس : وسيحتاج إلى صبر . .
السلطان : صبري نفذ . .
( أحد الجنود يدخل ويسر كلاما في أذن الوزير )
الوزير : رجل بالباب يريد التقدم . .
السلطان : يتفضل طبعا . .
الوزير : ( للجندي ) أدخله ! . .
السلطان : ( لشمس النهار ) لعل وعسى ! . .
شمس : سنرى ! . .
الرجل : ( يدخل ) السلام عليكم يا مولانا السلطان ، ويا مولاتي الأميرة . .
السلطان : وعليك السلام . . .
الرجل : جئت من بلاد بعيدة ساعيا إلى المطلب الأسمى ، وهو يد الأميرة شمس
النهار . .
السلطان : وهل تعرف ما ينتظرك ؟ . .
الرجل : أعرف . . . وأنا على استعداد . . .
السلطان : أواثق إلى هذا الحد من نفسك ؟ . .
الرجل : جدا . . .
السلطان : أمرك بين يدي الأميرة . .
الرجل : إني رهن إشارتها . . .
شمس : أريد منك شيئا واحدا : أن تخبرني ماذا أنت صانع بي إذا صرت زوجتك ؟ . . .
الرجل : سأجعلك سعيدة . . سألبي لك كل طلب . . ولو كان ما تطلبين في كبد طير
الرخ لاقتنصته لك . . .
السلطان : أو تستطيع ؟ . .
الرجل : أستطيع . . وستعرفون أني أملك الكثير . . .
شمس : وماذا غير طير الرخ . . .
الرجل : سأعبدك . . . سأشيد لك قصرا . . . على سبعة أعمدة من المرجان . . . في
جزيرة واق الواق . . .
شمس : واق الواق ؟ . . . أيضا ؟ . .
الرجل : إنها جزيرة أملكها بهذا الاسم . . فيها من الفاكهة ما تشتهيه الشفة
وللسان ! . .
السلطان : هذا عظيم . . .
الوزير : عظيم جدا . .
شمس : وماذا أعمل في يومي ؟ . .
الرجل : تأمرين ونحن نطيع، وتطلبين ونحن نلبي . .
السلطان : ما شاء الله ! . .
الوزير : ما شاء الله! . .
شمس : فعلا ما شاء الله ! . . هذا جميل جدا ! . . . آمر فأطاع وأطلب فيلبي طلبي
. . .
الرجل : مهما يكن الطلب . . . ذهبي كثير . . . وسيفرش كله تحت قدميك . . وسأجعل
السعادة كالوسادة تحت رأسك . . والنعيم يهف عليك كمروحة من ريش النعام . .
شمس : يا سلام ! . . .
السلطان : حقا . . هذا رائع . . .
الوزير : رائع جدا . .
السلطان : والآن . . . ماذا هو قرارك ؟ . . .
شمس : اجلدوه ! . .
السلطان : ماذا تقولين ؟ . .
شمس : قلت اجلدوه ! . . .
الوزير : لا حول ولا قوة إلا بالله ! . .
السلطان : راجعي نفسك قليلا يا شمس النهار ! . . .
شمس : لا حاجة إلى ذلك . . . نفذ أيها الوزير ! . .
الوزير : ( ناظرا إلى السلطان ) تنفيذ ؟ . .
السلطان : أمرنا إلى الله ! . .
الوزير : ( للرجل ) تفضل . . . مع الأسف ! . .
الرجل : أقلت شيئا أستحق عليه الجلد ؟ . .
الوزير : أتسألني أنا ؟ . .
الرجل : لكن . . .
الوزير : أمتثل للحكم أرجوك . . . كان هذا هو الشرط . . . ( يسلمه إلى أحد
الجنود فيخرج به. ويعود الوزير إلى قرب السلطان . . ).
السلطان : ( لابنته ) وآخرتها يا شمس النهار ؟ . .
شمس : وما ذنبي يا أبي ؟ . . أيعجبك هذا الطراز من الرجال ؟ . .
السلطان : ما هو عيبه ؟ . . رجل يعبدك ويريد أن يوفر لك السعادة . . . ويلبي لك
كل طلب ! . .
شمس : أتريد أن أعيش في جزيرة واق الواق ؟ . .
السلطان : مادام سيبني لك فيها قصرا على أعمدة من المرجان ! . . .
شمس : أرجوك يا أبي . . لا تضحكني ! . .
السلطان : أهذا شيء يضحك ؟ . . هذا شيء يدعو إلى الفرح والفخر أن يتقدم إليك من
يحيطك بكل هذا الترف والنعيم . .
شمس : ما من أحد يريد أن يفهمني . . .
السلطان : حقا . . . إني معترف بعجزي عن فهمك ! . .
شمس : إذن دعوني وشأني! . . .
السلطان : هذا ما وعدتك به . . . وأنا عند وعدي دائما . . . إنما هي بعض
ملاحظات . . . أعرف أنها لن تقدم ولن تؤخر ! . .
الوزير : بماذا تأمر مولاتي الأميرة ؟ . . نحن لم نظفر بأي نتيجة . . . هل
نستمر ؟ . . .
شمس : بالطبع نستمر . . مادام هناك من يتقدم ، فلا بد من استقباله. . . الباب
مفتوح دائما . .
السلطان : أي باب ؟
شمس : باب الاجتهاد . . .
الوزير : وباب الجلد . .
شمس : ماذا تقول ؟ . . .
الوزير : أقول باب الاجتهاد . . . يجب أن يستمر مفتوحا أمام كل من . . .
السلطان : من يجازف . . .
( أحد الجنود يدخل ويسر كلاما في أذن الوزير . . . . . )
الوزير : مجازف آخر . .
السلطان : طبعا يدخل . . هو حظه ! . .
الوزير : ( للجندي ) أدخله ! . . .
السلطان : لعل . .
الوزير : وعسى . . .
الرجل الثاني : يدخل السلام على السلطان نعمان ، وعلى الأميرة شمس النهار . . .
السلطان : وعليك السلام ! . .
الرجل الثاني : جئت إليك مادا يدي بالدعاء ، سائلا أن تعطيني يد شمس من كبد
السماء . . . وهو مطلب لو تعلمون عسير ! . .
السلطان : نعلم . .
الرجل الثاني : إني في انتظار ما تأمرون به . .
السلطان : الأميرة هي صاحبة الشأن . . .
الرجل الثاني : أمر الأميرة ؟ . . .
شمس : اسمع يا هذا . تريدني زوجة لك ؟
الرجل الثاني : هذا حلم العمر ومنية الفؤاد . .
شمس : أفرض إني صرت لك زوجة ، ماذا أنت صانع بي ؟ . .
الرجل الثاني : أضعك في عيني وأحميك بالرموش ! . .
شمس : أتظن عينك تتسع لي ، وتصلح لي مسكنا ؟ . . أنظر جيدا إلى . . إني لست حبة
رمل أو تراب يمكن أن تستقر في عينيك ! . . .
الرجل الثاني : إنما أقصد . .
شمس : كلمني كلاما محددا . . . ماذا ستكون حياتي معك ؟ . .
الرجل الثاني : الحب . . سعادة الحب . . في عش جميل مريح . . لا هو بالباذخ ولا
هو بالصغير . . لدينا ما يكفي لرغد العيش وأكثر . . . حقل واسع وحديقة غناء
وجداول ماء . . . وبعض الخدم حولك موكلون بخدمتك وراحتك . . وستنجبين مني
الشاطر حسن ، شعرة منه ذهب . . وست الحسن والجمال ، إذا ضحكت طلعت الشمس ، وإذا
بكت هطل المطر . . .
السلطان : جميل ! . . .
الرجل الثاني : نعم يا مولاي . . حفيدك مني سيكون الشاطر حسن ، وحفيدتك ست
الحسن والجمال! . .
السلطان : سامعة يا ابنتي ؟ . . .
شمس : هذا جميل جدا ! . . .
السلطان : أليس كذلك ؟ . . . هذا خير ما يتمناه جد! . .
شمس : ولكن . . كيف يمكن التأكد من ذلك ؟ . . .
الرجل الثاني : إن هذا مؤكد . . .
شمس : كيف تحكم من الآن ؟ ! . .
الرجل الثاني : رأيت ذلك في المنام . . . وأحلامي لا تخيب . .
شمس : سنرى . . .
السلطان : تصوروا أني سأكون جدا للشاطر حسن وست الحسن والجمال . . أليس هذا
رائعا ؟
الوزير : منتهى الروعة يا مولاي ! . . .
الوزير : إذا ضحكت صفا الجو ، وإذا بكت غام وأمطر ! . . .
السلطان : نعم . . . نعم . . . يا لسعادتي بذلك ! . . . أنا الجد ! .
الوزير : وسعادة الأميرة الأم أيضا ! . .
السلطان : بدون شك . . . بدون شك ! . . . الآن يا ابنتي قرارك ؟ . .
شمس : اجلدوه ! . . .
السلطان : ماذا قلت ؟ . . .
الوزير : لم أسمع جيدا . .
شمس : قلت اجلدوه ! . سمعت الآن ؟ . . .
السلطان : لا فائدة . . . لا فائدة . . .
الوزير : نعم . . لا فائدة . . .
السلطان : قرارك هذا نهائي طبعا . . .
شمس : طبعا . . .
الوزير : ( للرجل الثاني ) تفضل ! . . .
الرجل الثاني : سأجلد ؟ ! . .
الوزير : ألم تسمع بأذنيك ؟ . .
الرجل الثاني : ( مستنجدا ) يا مولاي السلطان . . يا جد أولادي ! . .
الوزير : كيف رأيت في المنام أنك ستنجب ولم تر أنك ستجلد ؟ . .
شمس : قل له ! . .
الوزير : هيا بنا . . . لا تضيع وقتك وتقبل حظك ! . . . كان الله في عونك ،
وعون أمثالك ، السابقين واللاحقين ! ( يسلمه لجندي يخرج به . . )
السلطان : حتى هذا الرجل مرفوض . . .
شمس : نعم . . .
السلطان : إنك تبالغين يا ابنتي أكثر من اللازم . . . حتى الأمومة لا تغريك ؟ .
. . شمس : قبل أن أكون أما يجب أن أكون شيئا . . .
السلطان : هذا كلام لا أستطيع فهمه . . .
|