|

القصة القصيرة جدّاً
ً بقلم
الكاتب:
محمد قرانيا
ثمة اهتمامٌ عالمي بالرواية، وقد أولاها النقاد كثيراً من الدراسات،
لأنها سيدة الفنون الأدبية، ومع أن القصة القصيرة، لا تزال تجد لها أمكنةً على
الساحة الثقافية، وتؤكد تواصلها في الصحافة والمجموعات القصصية، إلاّ أن ثمة
اهتماماً زائداً ظهر –في الآونة الأخيرة- في الوطن العربي، باتجاه القصة
القصيرة جداً، وربما كان مردّ هذا الاهتمام عائداً إلى أسبابٍ متعددةٍ، لعل من
أهمها: العصر الذي يتسم بالسرعة، والذي أُطلق عليه في الغرب الثقافي عصر (الهمبرغر)
وقالوا عنه في الشرق، عصر حبوب (الفيتامينات) الأدبية، وعصر (المعلّبات)
الغذائية والثقافية، لأن كل شيءٍ في هذا الزمن الذي ندخل فيه القرن الحادي
والعشرين، بات (معلّباً) بتوجيهٍ غربي، لسيادةِ نمطٍ ثقافيٍ واحدٍ، أو أنموذج
مدروسٍ، تعبيراً عن قيمٍ إنسانيةٍ جديدة، عملت على إبرازها (الآلة) التي تطحن
الإنسان في كل لحظةٍ من لحظات عمره، وتنظّم الساعةُ الإليكترونية مواقف حياته،
في إنشاءات حضارية، وهو –في العالم الثالث، أو النامي، أو المتخلّف- يلمس
بحدّةٍ ما يقع عليه من أساليب القهر والإرهاب، والظلم والاستغلال، وقد حاول
الأقوياء الذين يفرضون (النموذج) المعبّر عن مصالحهم، أن يفلسفوا نظرياتهم
بمسوّغات (شيطانية) ويقيموا قاعدةً للمواءمة بين الظلم والمنطق، بين الحضارة
والقمع الوحشي، واستقبلنا –نحن في الشرق- في كتاباتنا ومؤسساتنا الثقافية
والإعلامية، تلك القيم الجديدة، بإيجاد التسهيلات عن طريق (تعليبها) وأخذنا
نفتح تلك المعلّبات في الحالات الاضطرارية والعادية، لئلا نسقط من الحزن، أو
خداع النفس، أو الألم، والهمّ، والقهر، وفقدان الأمن من خوفٍ وجوع، وخواء روحي
وخلقي لم يعهد له الشرق مثيلاً- باستثناء اجتياحات المغول والتتار، نتيجةً
لازدهار ظلم الأقوياء، وخفوت أنين الضعفاء وسكان الأقبية الرطبة، حيث أصبح
الظلم مبلوراً في صُورِ قوة السلاح، وقوة (الدولار) وقوة الثقافة، وقوة الخبث،
وقوة القهر (المازوشية) وقوة التحلّل الذي بدأنا نشاهده في بيوتنا مع أبنائنا
ونسائنا، وفي المنتجعات الخاصة والعامة، ثم عملنا على إدخاله إلى مخادع نومنا
سرّاً في البداية، ثم علناً بعد أن خلعنا –في كثيرٍ من البيوت- أردية الحياء
والخجل، وسال لعابنا أمام شهوة المغريات الرخيصة، والمثيرة وتبلّدت الأحاسيس
والمشاعر، وأُعطيت الأخلاق إجازةً مفتوحة.
في القصة القصيرة جداً، شيءٌ كثيرٌ من الغربة، على الرغم من قول
العرب "البلاغة في الإيجاز" وفيها تكثيفٌ وتكوينٌ وتشكيلٌ فنيّ يشبه تكثيف
الغابة المثيرة التي تترك الإنسان –بعد أن يملأ ناظريه وعقله منها- يمضي في
دروبها حائراً، يتلّمس لقدميه مواطئ، ويستهدي لباصرته نوراً هادئاً مريحاً "ومن
لم يجعل الله له نوراً فما له من نور"
قد تحمل القصة القصيرة جداً، والمكثفة، فكرةً مركّزة، لا تتطرق
بصورة مباشرة إلى إشاراتٍ واضحةٍ، وإنما تخفي في داخلها ما طبعته هذه الحياة في
الفكر، وفي الوجدان، من قيمٍ فكريةٍ وحضاريةٍ، في ومضاتٍ كتابية، قد تصل بفنها
إلى القصة، أو الخاطرة، أو اللقطة الحية، أو الترنيمة أو اللمسة الحريرية
الرقيقة التي تشبه تألّق الحلم.
وقد تلجأ القصة إلى فكرةٍ تُقدّمها إلى القارئ في صورةِ رمزٍ موحٍ،
ولغةٍ شعريةٍ، أو همسةٍ دافئةٍ، أو لوحةٍ واضحةٍ وضوح اللقطة الواقعية القريبة
من التسجيلية (الفوتوغرافية) وقد تمتزج هذه العناصر، اللغةُ والرمزُ والصورةُ
لتشكّل المعمار الفني الذي تشدّ به القارئ وتجذبه لتضعه في مجالها (المغناطيسي)
ويمكن أن نمثل لذلك بقصةٍ قصيرةٍ جداً عنوانها (رسالة) من مجموعة (أصداء) لنجيب
محفوظ، هذا نصها:
"وردةٌ جافةٌ مبعثرةُ الأوراق، عثرتُ عليها وراء صفٍ من الكتب، وأنا
أُعيد ترتيب مكتبتي ابتسمتُ انحسرتْ غيابات الماضي السحيق عن نورٍ عابرٍ وأُفلت
من قبضة الزمن حنينٌ عاش دقائق خمساً. وندّ عن الأوراق الجافة عبير الهمس،
وتذكرت قول الصديق الحكيم: قوة الذاكرة، تتجلّى في التذكر، كما تتجلّى في
النسيان".
وأسلوب القصّ، في القصص القصيرة جداً – على الرغم من أنها مزاج فنيّ
وشخصي- لا يبعد كثيراً عن أسلوب القصة القصيرة العادية، من حيث الفكرةُ،
والهدفُ والاهتمامُ، والعاطفة، ولكنها ربما تميّزت من شقيقتها الأطول، بما
تحمله من خصائص القصّ الراقية التي تعتمد على الإدهاش والإثارة، وانتهاء القفلة
بموقفٍ مؤثر غير متوقعٍ، أو المزج بين الحلم والواقع الذي ينوء الإنسان بثقله.
إن موضوع القصة القصيرة جداً، قد يكون مطروقاً أو معاداً، ولكن
الطريقة الجديدة في التكثيف- هي التي تضفي عليه ألوان الجدّة والإثارة
والإدهاش- وأحب أن أركّز على(الإثارة والدهشة) لأن القصة القصيرة جداً، تغدو
بهما (كائناً حياً) قوامه التصوير السريع والفنيّ، الذي يخاطب الذهن، ولا
يتسلّل إلى الوجدان فحسب، وإنما يخاطب العقل والفكر أيضاً، لأن من أوليات مهمات
هذا الكائن الحي أن يتحوّل في عصر الكمبيوتر والإنترنيت والفضائيات، إلى (شاشة)
تحطّ عليها الأنظار لتُجسّد المشاهد الكبيرة والصغيرة ، التي تبعث في القارئ-
المشاهد- لذّة الاستقبال والتلّقي، بتصويراتٍ عاطفيةٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ
وحضاريةٍ، عَبْرَ حبكةٍ محكمةٍ تلحّ في النهاية على القيمة الإنسانية لمخلوق
هذا العصر، الذي تحوّل فيه لدى كافكا إلى صرصورٍ، وتحوّل عند كولن ولسن إلى
صوفي غربي، وتحول عند البرتومورافيا إلى شبحٍ يتلوّى بفحيح الجنس، ثم آخر (الصرعات)
قد تحوّل إلى (صفر) عبر المنظور الأمريكي الذي روّج إلى نظامٍ دولي جديد،
وإغراق العالم في (عولمة) تعيد الإنسان إلى القرون الوسطى، وتسويغ فعلة نيرون
في إحراق روما.
في قصص المجموعة انفتاحٌ عريضٌ على العصر بكل غلواء أثريائه، وعهر
الطبقة الاجتماعية الأرستقراطية، الطافية على رؤوس الفقراء، وانسياق البسطاء
وراء النماذج الكرتونية الغربية، وتخلخل القيم في النفوس، وتحكّم سلاح الأقوياء
بالشعوب المستضعفة.. وفيها فوق كل ذلك، مرايا ترينا وجوهنا على حقيقتها مجردةً
بغير أصباغ، وتضع أصابعنا التي أحرقت أمام عيوننا مباشرةً، وترينا أنفسنا التي
فقدت كثيراً كثيراً من البراءة والحب والخير والجمال والحق..
والله من وراء القصد
محمد قرانيا-أريحا 20/9/1998
-------------------------------------------------------------------------
أضيفت في 02/04/2005 / خاص القصة السورية عن
مقدمة مجموعته زقزقة العصافير الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب
  

القصة القصيرة في سورية
ً
بقلم الكاتب:
محمد قرانيا
لعب جيل الروّاد الأوائل دوراً بارزاً في إرساء القواعد الرئيسة للفن القصصي.
ومن هؤلاء: محمد النجار 1902-1962 ويطلق عليه «أبو القصة السورية»
وفؤاد الشايب 1911-1970 ، وعلي خلقي 1911-1984 ، وجبرائيل سعادة، اليان ديراني،
علي مظفر سلطان، عبد الله يوركي حلاق، شكيب الجابري، ديب نحوي.. وغيرهم).
وبرزت بعد استقلال سورية أحداث كبرى جديدة، أسهمت في نضج
الصراعات الفكرية والأدبية.ومن هذه الأحداث، ظهور الروابط الأدبية، والتجمعات
الثقافية، وكانت القصة القصيرة سيدة الأجناس الأدبية، كما كان القاصون روّاداً
حملوا لواء العمال و الفقراء، ورفعوهم إلى مصاف الأبطال في قصصهم. وشنّوا من
أجل الالتزام بهم، معارك أدبية وفكرية، تستند إلى الأيديولوجيا اليسارية.
وساعدهم على ذلك ازدياد عدد الصحف والمجلات، وتعدد النوادي الفكرية والثقافية
والتجمعات الأدبية، إضافة إلى الإيمان بدور الأدب في عمليات التغيير الاجتماعي،
ورواج سوق النشر والتأليف والترجمة، وسيادة المناخ الديمقراطي، وتعدد
الانتماءات السياسية والفكرية في المجتمع، وبين الأدباء أنفسهم.
وتتباين الآراء حول دور القصة القصيرة. فهناك من يرى أنها حاجة
اجتماعية، قبل أن تكون حاجة فنية، وأن ّ التأكيد على المضامين الاجتماعية
والسياسية هي الأهم، وليس على الأساليب الفنية أو الفكرية، أي أنّ الدور
الاجتماعي للقصة يعتبر الأساس لكتابتها. وبرز رأي آخر مغاير لهذا الرأي، يؤكد
على أن القصة هي فن خالص لا يفترض مباشرة العلاقة مع المتلقي، كما في فنون
الاتصال الجماهيري أو الفنون الشعبية. وأنّ القصة تعتمد في فنيّتها على ما
تقوله أساساً.
ويؤكد الناقد المغربي «محمد برادة» أنه ومنذ البدايات القصصية
الأولى، وفي غمرة التقليد والترجمة، انصبّ اهتمام الدارسين على وضع التعريفات،
وقياس القصص بما تجيزه الموازين النقدية الأوروبية، مما جعل نقد القصة القصيرة
محصوراً في معيارية عاجزة عن التقاط ملامح التأصيل والتمثل، والتي كان بعض
القصّاصين الروّاد ينجزونها بترابط مع سلسلة التحولات الاجتماعية والسياسية
التي عرفتها المجتمعات العربية بإيقاع سريع منذ الثلاثينيات.
لقد كانت القصة القصيرة منذ بداياتها «طليعة منبّئة» عن إرهاصات
الأشكال الأدبية الجديدة الكبيرة التي لم يحن أوانها بعد، ولكنّها تضع نفسها في
نصوص قصصية متحررة من ا لسجع والبلاغة، ومتفتّحة على اللغة اليومية، وعلى
التقاط المستجد والطارئ في السلوكيات والعلائق والمشاعر، وبظهور نماذج فاضحة في
الخمسينيات عند «إدوار الخراط، وغائب طعمة فرمان، وفؤاد التكرلي، ويوسف
إدريس».
القصة مدخل متمرّد على سجن خطابات السلطة وبلاغاتها، ومعبر إلى
تشييد فضاء رحب، يستعيد المخيّلة الموؤدة، ويحتفل بنكهة اللغة الطازجة وطراوة
المعرفة الكاشفة.
تناول النقّاد الحوامل الفنيّة للقصة القصيرة، والعناصر التي
تنهض بوساطتها، كي تتحول إلى قصة لها شكل ومضمون،بعيداً عن الحكائية الصافية
والإنشائية والسرد المجّاني.
وركّز «رشاد رشدي» على فنّ القصة، باعتبار أنّ كلّ قصة قصيرة ما
هي إلاّ تجربة في التكنيك. ويتجلّى المعيار الأساسي في ناحيتين:
ـ البناء: ويشمل : «الحدث والشخصية والمعنى ولحظة التنوير».
ـ والنسيج : ويشمل: «اللغة والسرد والوصف والحوار».
وعلى هذا الأساس برز اتجاهان:
الأول: يعتمد على بناء القصة،
واحتواؤه لخبر أو مجموعة من الأخبار المترابطة، ينشأ منها حدث أو فعل يقوم به
شخص أو أكثر. ويفضّل أن تكون شخصية واحدة، ولا يجوز الفصل أو التفرقة بين
الشخصية والحدث، لأن الحدث هو الشخصية وهي تعمل.
والثاني: يهتم في نسيج القصة،
من لغة ووصف وسرد وحوار، وضرورة أن تتعاون هذه الأغراض مجتمعة على خدمة الحدث
وتصويره وتطويره.
وفي المقابل يحدّد الناقد «جميل سلطان» مجموعة من الشروط الفنية
للقصة، منها ما هو إيجابي كـ «البساطة، ووجود الحركة والحياة في القصة،
والتحليل النفسي أو الاجتماعي، وتجرّد القاص عن تعليقه الشخصي على الأحداث،
وألاّ تخلو القصة من دعابة أو تهكّم أو هزل أو نقد أو نكتة». ومنها ما هو سلبي،
بحيث ألاّ تكون القصة «حاملة على الضجر وضيق الصدر وتعب الفكر، وأكبر سلبية هو
إطالة القصة، واكتفاء الكاتب بأن يختار من الأحداث الفنية أميزها وأهمها».
ويتطرق الناقد «حسين القبّاني» من خلال نظرته الشمولية على جسد
وروح القصة. وكيف يتكامل بناء الجسد وينضج، ويتخلص من عشوائية الطفولة، إلى
جانب نموّ الروح والفكر وتطورهما تطوراً سليماً.
ويتناول القبّاني في مشروعه للمعمار الفني في بناء القصة:
أولاً: موضوع القصة «هيكل القصة»
الذي يقوم وينهض على ثلاث دعائم أساسية هي: «العقدة، الصراع
الناشئ عن العقدة، الخلل الناشئ عن الصراع».
ويقوم الصراع على ثلاثة أنواع:
«صراع ضد الظروف والأقدار
صراع بين الشخصيات
صراع داخل الشخصية».
ولا يغفل الناقد بجعل النهاية مفاجئة للقارئ، وألاّ تكون
«ذيلاً» سخيفاً.
ويتوقف عند مجموعة من الأسئلة:
هل سيفطن القارئ بعد الأسطر الأولى إلى ما سوف تنتهي إليه
القصة؟
هل ستكون النهاية في قوة البداية؟
ثانياً- عقدة القصة:
تكون عقدة القصة العادية التركيبية في منتصفها أو قبل نهايتها
لكي تحلّ. وتسير خطوط الحدث المتشابكة في القصة التحليلية في اتجاهات متوازية،
تلتقي عند الحل في النهاية دون أن تفقد عنصر التشويق فيها.
ثالثاً- الشخصية:
وهي المحور الذي تدور حوله القصة كلّها، وإن كاتب القصة العصرية
يلزم من الناحية الفنية،برسم شخصيات قصصه من الداخل، أي من خلال تفكيرها و
سلوكها، وإنّ الابتعاد أو الجوانب الثلاثة التي تتكوّن منها الشخصية بصفة عامة
هي:
ـ الجانب الخارجي «البرّاني»، ويشمل المظهر العام والسلوك
الظاهري للشخصية.
ـ الجانب الداخلي «الجوّاني»، ويشمل الأحوال النفسية والفكرية،
والسلوك الناتج عنها.
ـ الجانب الاجتماعي، ويشمل المركز الذي تشغله الشخصية في
المجتمع، وظروفها الاجتماعية.
رابعاً- الأسلوب..
يتصوّر القبّاني أنّ الأسلوب، هو من أهم العناصر التي تقوم عليه
القصة، و يتوقف نجاحها إلى حدّ كبير على الأسلوب. وأنّ الأسلوب الركيك الجاف
يفسد قوّتها وأصالتها. ويمنع القارئ من متابعة قراءتها. وينعكس الأسلوب
الاستعراضي المبني على البهرجة اللفظية سلباً، أما إذا كانت المحسّنات اللفظية
تخدم القصة، بهدف معين، فإنّها تضفي عليها مزيداً من الجمال والأصالة
والحيوية.
ويصل القبّاني إلى نتيجة مفادها، أنّ أسلوب القصة هو الرداء
الذي تبدو به أمام القارئ، والألفاظ هي النسيج الذي يصنع منه الرداء، ويقدّم
مجموعة من الملاحظات أو النصائح عند الكتابة، تتضمّن:
ـ وحدة الأسلوب.
ـ اللازمة التي لا تثير الملل.
ـ الحرص على عدم التقليد.
ـ الوضوح
ـ الإيجاز.
ـ الزهو والفخامة.
خامساً: الحوار..
إذا كان أهم غرض يؤديه الحوار في القصة المطوّلة هو التعبير عن
آراء المؤلف التي يضعها على ألسنة الشخصيات، فإنّ أهم غرض يؤديه في القصة
القصيرة، هو تطوير موضوعها للوصول بها إلى النهاية المنشودة.
إنّ الحوار يخفّف من رتابة السرد، ويريح القارئ، ويبعد عنه
الشعور بالملل، ويساعد على رسم شخصيات القصة، وتصوير موقف معيّن أو صراع عاطفي،
أو حالة نفسية، كالخوف أو الكبت أو الغيرة.
وتناول بعض النقاد عناصر أخرى بشيء من التفصيل، كالـ «الحبكة»،
باعتبارها تشكل المستوى الأعلى للقصة، فهي التي تحقق نجاح المبدع، لأنّ المبدع
القادر على بناء شبكة متداخلة من خيوط الحدث، ونسجه بأداة حديثة، يستطيع أن
يجعل الشخصية تؤدي دورها الكامل، وتقوم بالأعمال الموكلة إليها، وتتحرك بشكل
درامي، وهي التي تقوم بالعملية الاسترجاعية أو التنبؤية بين الماضي والمستقبل.
ومن هؤلاء النقاد الدكتور «محمد يوسف نجم» الذي يعرف الحبكة بأنها: سلسلة
الحوادث التي تجري فيها، مرتبطة عادة برباط السببية.
ويجب النظر أولاً إلى المواد الأولية التي تستمد منها، وإلى
قيمة هذه المواد عندما تعارض الحياة نفسها.. والحبكة في حقيقتها نوع من
الحكاية. ويمكن أن تقسم القصة من حيث تركيب الحبكة إلى نوعين متميزين هما:
ـ القصة ذات الحبكة المفككة
ـ القصة ذات الحبكة العضوية المتماسكة.
ففي الأولى، تبنى القصة على سلسلة من الحوادث أو المواقف
المنفصلة التي تكاد لا ترتبط برباط ما، ولا تعتمد وحدة العمل القصصي فيها على
تسلسل الحوادث، ولكن على البيئة التي تتحرك فيها القصة، أو على الشخصية الأولى
فيها، أو على النتيجة العامة التي تنظم الحوادث والشخصيات جميعاً. وعلى العكس
إنّ القصة ذات الحبكة المتماسكة، إذ تقوم على حوادث مترابطة، يأخذ بعضها برقاب
بعض، تسير في خط مستقيم حتى تبلغ مستقرها.
ومن المآخذ على القصة ذات الحبكة المتماسكة، أنها قد تنقلب
أحياناً إلى عمل آلي، حتى أنّ القارئ يشعر فيها بإحكام الصنعة، وقد تؤدي إلى
الافتعال والصدفة. وهناك شرطان أساسيان يجب أن يتوفرا في الحبكة القصصية
المتقنة وهما:
ـ أن تتحرك بطريقة طبيعية خالية من الصدفة والافتعال.
ـ أن تكون مركّبة بطريقة مقبولة مقنعة، لا نشعر فيها بآلية
العمل القصصي.
وتقسم الحبكة من حيث مضمونها إلى نوعين:
ـ
الحبكة البسيطة:
حيث تكون القصة مبنية على حكاية واحدة.
ـ
الحبكة المركّبة:
حيث تكون القصة مركبة من حكايتين أو أكثر.
والمسألة الأخيرة من وجهة نظر الدكتور محمد يوسف نجم، التي
تستحق النظر عند دراسة حبكة القصة، هي طريقة عرض الحوادث أو تطويرها. ومن هذه
الطرق:
1-طريقة السرد المباشر
2- طريقة الترجمة الذاتية
3- طريقة الوثائق أو الرسائل المتبادلة
4- طريقة تيار الوعي أو النموذج الداخلي.
ويمكننا أن نتوقف قليلاً عند «تودوروف» الذي حدد مستويين في
بنية العمل القصصي:
ـ
المستوى الأول:
هو مستوى القصة كـ «تاريخ» أو كوقائع تخص هذا الكون التخيّلي
لعالم القصة. ونتعرف إليها من خلاله. وعلى هذا المستوى يمكننا أن ننظر في
المنطق الذي يحكم الأفعال في نظام الحافز الذي يدفع حركة الفعل في الشخصيات،
وفي العلاقات فيما بينها.
ـ
المستوى الثاني:
هو مستوى القصة كـ «قول»، أي كلام واقعي له وجود مادي، يوجهه
الراوي للقارئ.
وعلى المستوى الثاني ننظر في زمن القص، الذي هو زمن تخيلي يختلف
عن زمن الوقائع ويفارقه. وزمن الوقائع هو زمن متعدد الأبعاد، يحمل في الوقت
الواحد أحداثاً عدة، أما زمن القص هو زمن أحادي ينمو بالكلام على التوالي. إنه
زمن انتظام الصياغة، وتكونها في جمل تتتالى وترتصف. وهكذا يحتضن زمن القص
المتخيل زمنين هما: الماضي والحاضر. وفي حركة الرجوع إلى الوراء في لعبة
الإيهام هذه، يبدو «الماضي» كأنه هو الواقعي، أي ا لموجود فعلاً.
وميّز تودوروف نموذجين للراوي:
ـ
الراوي الذي هو مجرد شاهد،
وهو راو ينقل الأحداث، ويحكي عن الشخصيات.
ـ
الراوي الذي يختفي خلف الشخصيات،
بحيث تتقدّم الأحداث، كمشهد يجري أمام أعيننا، وبحيث تنطق الشخصيات بلسانها.
ويركز الروائي اللبناني «إلياس خوري» على لغة القص، واللغة
برأيه المشكلة الأكثر إلحاحاً في البناء القصصي بأسره، لأن اللغة كما يرى هي
انعكاس لمشكلة المجتمع مع تطور لغته، ويتساءل: كيف تتحدد لغة القصة؟ تتحدد لغة
القصة من ثلاث زوايا متكاملة:
ـ
الزاوية الأولى:
هي الازدواج اللغوي المحكي والمكتوب.
ـ
الزاوية الثانية:
هي عناصر التجديد اللغوي التي اتخذت لنفسها أكثر من مقترب /المقترب الشعري أو
شبه الشعري، المقترب التراثي/
ـ الزاوية
الثالثة:
هي التركيب اللغوي.
إن القصة الحديثة تكثف الحدث، وتعتمد على عدد محدود من
الشخصيات، وتكتب بضمير المتكلم، ويفضل أن تكون القصة متداخلة الأحداث «عقدة
مركبة» ومتداخلة الأزمنة، مع إلغاء نهائي للمقدمات الكلاسيكية والسرد الإنشائي
والمباشرة والتعليمية،وذكر التفاصيل والجزئيات غير الضرورية.
ووصف «تشيخوف» القصة الجيدة، بأنها قصة محذوفة مقدمتها، أي
مواجهة الأحداث مباشرة، بلا مقدمات، قد تصرف القارئ عن متابعة قراءته.
بينما كان «إدغار آلان بو» يهتم ببداية القصة إلى درجة أنه قال:
«إنها هي التي تحدد نجاح القصة أو فشلها».
إن نجاح أية قصة هو في قوتها التمثيلية، أو في دقة رسم
الشخصيات، أو في سخريتها وفكاهيتها، وهذا ما يجعلها تحتل المكان الأول في الأدب
القصصي.
لقد حملت القصة الحديثة معها إلغاء النهايات التي يصفها القارئ
من خلال السياق العام للقص، فتبرد عاطفته، وتهبط درجة حماسته، لأنه قبل أن ينهي
قراءة القصة، يعرف نهايتها، من هنا كانت النهايات المغايرة التي تحرف خط سير
المتلقي أثناء قراءته (180) درجة، لها أهمية حداثية وعصرية، حيث تكون النهايات
مفتوحة دون أن تتحدد لحظة التنوير،مما يحرك ذهن المتلقي ويدفعه لمتابعة القصة،
فتترك عندئذ الأثر الكبير الذي يظل راسخاً في الذاكرة لفترة زمنية طويلة.
ولا تقل النهاية أهمية عن البداية، فهي ليست مجرد ختام لأحداث
القصة، بل هي التنوير النهائي الذي يحمل جوهر القصة وخلاصتها. إن النقد الحديث
ينظر إلى القصة القصيرة، كوحدة عضوية لا يجوز درس جزء منها معزولاً عن بقية
الأحداث. وكل عنصر من عناصرها يجب أن يسهم بقسطه كاملاً في سبيل الوصول إلى
التأثير النهائي.
ولم يكن غريباً أن تصبح القصة القصيرة نوعاً رئيساً، ومهيمناً
في الفترات الحداثية، وما بعد الحداثة من آداب العالم.
وكانت القصة أسبق من غيرها في استيعاب تبدل الوعي، وامتصاص
التيارات والأساليب التي غمرت الساحة الإبداعية والأدبية. وشهدت القصة انقسامات
وصراعات وتطورات.
لقد اعترف العديد من منظري ونقاد القصة القصيرة. بحيرتهم إزاء
تعريف القصة، وذلك لتطورها عن أشكال قصصية أبسط أولاً،
ولاختلاطها بأشكال قصصية أكثر تعقيداً خلال عمليات نموها
المتصلة ثانياً،
ولتداخلها بمجالات الأدب الشعبي الأرحب «الرموز والأساطير
والتخييل والتحفيز» أكثر من أجناس الأدب الأخرى ثالثاً.
واعتراف «شلوفسكي» وهو من أبرز منظري فن القصة أنه لم يعثر على
تعريف للقصة القصيرة، فهناك كما يقول: (القصة والقصة الوحيدة الحدث،والأقصوصة،
والقصة داخل القصة، والقص الخيالي والرمزي والشعري، والقصة القصيرة، والقصة
الحكاية).
ويصل «روبرت شولز» إلى التعريف التالي:
"القصة حكاية مختلفة".
ويعتبرها «سعيد حوارنية» رؤيا شعرية مكثفة للناس وللأشياء ضمن
حركتها وفعاليتها.
أما عادل أبو شنب فيعتقد أنه ليس على الفنان أن يكون له «مفهوم»
محدد ذو أطر لفنه، إن واجبه الرئيسي هو الإبداع. ومن خلال إنتاجه يقوم الدارسون
والنقاد مفهوماً خاصاً به
ويصفها «فؤاد الشايب» بالـ «ومضة» من الرؤى الشاعرية، تكتب بلغة
النثر وأسلوبه. فالخيال أبوها الأول، والحياة أمها، وبقدر ما يخصب الخيال هذه
الحياة، تستوفي القصة معانيها الجمالية.
وجاء في كتاب «الصوت المنفرد» لمؤلفه الإيرلندي «فرانك أوكوتو»:
«ليست القصة القصيرة، قصيرة لأنها صغيرة الحجم وإنما هي كذلك
لأنها عولجت علاجاً خاصاً، وهو أنها تناولت موضوعاً على أساس رأسي لا أفقي،
وفجّرت طاقات الموقف الواحد بالتركيز على نقاط التحول فيه. فالذي يقف على منحنى
الطريق يتاح له أن يرى الطريق كله».
وأخيراً
نستنتج مما تقدم أن القصة إبداع ، ليس من الضروري أن ندخله في
قفص التقسيمات والتنويع المحدد، وذلك أنه القصة نص نثري حر، وسيد الموقف فيها
هو أسلوب الكاتب الذي يحكم على قصته بالخلود أو السقوط، والخالد منها هو ما
يترك في نفس القارئ صدى طويلاً يتحرك في ذاكرته وفكره.
---------------------------------------------
منقول من مصادر
مختلفة/ *خاص القصة السورية
حرر في 08/11/2004
  

القصّة القصيرة في الثمانينات في سُوريّة
مَحاور البناء الفنّي وَآفاق التغير
ً
بقلم الكاتب:
أحمَد المعَلم
تستهوي الذروة الفعل القصصي، فينهد إليها عبر خطوط مستقيمة أو متعرجة، فتصير
غاية الإبداع، وربما تصبح السمة الأولى لتوجهه إلا أن الذروة ليست قصداً
لذاتها. إن مسألة الذروة لا تقل عن مسألة البداية أو محطة الانطلاق فتنشأ بين
الطرفين معادلة التواصل: في توازنها مع الفعل القصصي كشارة تحول حاصل، أو في
اضطرابها كعلامة على الانفصال غير المرغوب فيه.
ليست القصة القصيرة هي الخبر عينه، مع أنها تعنيه في أجزاء من تحولاتها. وليست
هي الموقف لذاته، مع أنها راصدة له بالضرورة. وليست هي الموضوع وحده، إذن، لا
نكشف أمرها، ولم تعد تستهوي رغبة المتلقي. وليست هي الصراع بين الناس أنفسهم،
أو بينهم وبين الأشياء، أو بينهم وبين الأوضاع، مع أن هذه المهمة تحضر فيها.
وليست القصة القصيرة منبراً للتحول الاجتماعي: في شروخه المستجدة على الساحة
الاجتماعية، أو في منجزاتها المستبدة بالفرد مصيراً إنسانياً. مع أنها ليست
بعيدة عن هذا الإنجاز أو الشرخ، لكنها هي التعبير عن الواقع من خلال أدواتها
الفنية(1).
هل الركام القصصي لأكثر من أربعين سنة خلت من تجربة انفصال القصة القصيرة في
سورية عن المقالة الموجهة لمسألة النهوض الاجتماعي، تمنحنا فرصة تشوف مستقبل
هذا الإبداع الأدبي في التسعينات؟ وهل يفي هذا الاختيار بالغرض؟. وما دامت
القصص المعروضة ـ منشورة في كتاب ـ مأخوذة من عقد الثمانينات، فهل يصح افتراض
مثل هذه القصص القصيرة منجزاً ذروياً للقصة القصيرة في سورية؟
ما من شك بأن هذه التساؤلات مشروعة، وتنطوي على جزء لا بأس به من السلبية حيال
الموضوع المطروح، لكننا ـ ونحن نقدم المسوغات ونسترشد بحكمة العقل ـ نقدر أن
بحثنا يريد التعرف إلى هذه القصص: في أحوالها المتنافرة أو المتعاضدة، بغية
تكوين فكر أولي حول المعطيات أولاً، ومن ثم يأتي الاستنتاج، أخيراً، متحملاً
وزر الاختيار بالدرجة الأولى، غير أن هذا التصور لا يمنع من أن نكون قد قدمنا
جزءاً من توجه القصة القصيرة، وفعلها وموقفها، وتعاملها مع المجتمع باعتبارها
ناجزة في إطاره.
إن عشر قصص مختارة، لعشرة من القاصين، منشورة في عشر مجموعات خلال الثمانينات،
نريد منها أن نقدم بانوراما للقصة القصيرة، مع ما يعترض هذا الاختيار من مخاطر،
ومع ما يعترض هذا التقدير لفترة الثمانيات من انزلاق في تقدير الموقف، هو الفعل
الذي نتقدم منه بحذر، راجين أن تكون هذه القصص مشكلة لأكثر من نموذج تعرفه
القصة القصيرة، وفي الوقت ذاته، أن تكون هذه القصص ممثلة للقصة القصيرة في
بنائها المقبول والجيد.
القصص المختارة:
الهزيمة: أحمد سنبل(2) موضوعها الإحباط ـ النظام هو النظام: إبراهيم خريط(3).
موضوعها الدواوينية ـ رقية: اعتدال رافع(4). موضوعها الإحباط ـ صندوق فرح: أديب
نحوي(5). موضوعها الشهادة ـ التمرير: دريد يحيى الخواجه(6). موضوعها التضليل
وموقف البسطاء منه ـ النغم الأبتر: مظفر سلطان(7). موضوعها الإخلاص في الحب ـ
شهريار المطعون: نادر السباعي(8). موضوعها الرغبة المكبوتة ـ قصة نوار: صالح
الرزوق(9). موضوعها حب الأرض أو حرب حزيران أو حرب تشرين أو الشهادة أو تأثير
الزمن ـ لاعب الكرة: وديع اسمندر(10). موضوعها فشل الخطة ـ قصة العم الطيب: حسن
صقر(11). موضعها الرتابة.
سوف نعمد إلى بث فكرة الترابط بين هذه القصص، سواء في البنيان أو التواصل، ولن
نهمل التأسيس لوحدة الفكر أو الشكل أو الفن لهذه القصة القصيرة أو تلك، مع
نظيرتها لكتاب آخرين، ما أمكن إلى ذلك سبيلاً، مبتعدين عن التشتيت، أو كل ما من
شأنه أن يبث التوزع في استنتاج المتلقي. وكذلك لن نتجاهل حقيقة استقلال كل قصة
قصيرة عن سواها. ولن نقوم بتلخيص القصة القصيرة، لأننا نعتقد أن التلخيص لا
يقدم كبير فائدة، ويتجاهل قيماً ومعايير فنية ورؤية تنسجها القصة القصيرة.
في الموضوع:
تلتقي قصص: أحمد سنبل واعتدال رافع ومظفر سلطان ووديع اسمندر في انصرافها إلى
تجسيد الفشل والخيبة والمرارة. وتلتقي قصة أديب نحوي وصالح الرزوق في تقديس
الشهادة. وتلتقي قصة إبراهيم خريط وحسن صقر في الحديث عن الرتابة لكن التباينات
في معالجة هذه القصص لموضوعها موجودة. وبقية القصص تفردت كل واحدة مي موضوعها
الخاص بها. لكننا نتحرز ونفصح بأننا لم نختر أياً من هذه القصص حباً لموضوعها.
هذا التقديم يعني أن مواضيع الفشل ستحظى بحضور أكبر في المستقبل، نظراً للظروف
والتحولات الاجتماعية، وتجسيد تقدير الشهادة سيستمر أيضاً، وكذلك فإن موضوع
الرتابة سيحظى بالتقدير.
في اللغة:
إن لكل قصة قصيرة لغتها الخاصة بها، ولكل كاتب مبدع لغته الخاصة كذلك. ونحن
نقيس اللغة بانسجامها مع موضوعها أولاً، وبوصولها إلى الغاية والهدف ثانياً.
وحين تتعدد طروحات الموضوع، ليصبح كل طرح مستقلاً عن الآخر، فإن اللغة عندئذ
تتوزع بين هذه التوجهات وتصبح غايتها تقديم هذه التعددية: قصة الرزوق هي عبارة
عن لوحات تشخيصية، تبني تعبيراً، يجمع اللحظة إلى أختها، ليكونا وحدة، تصب في
هذا التوجه أو ذاك، فهي لغة تنطلق من الجماعة، وترتد إليها، مضيعة على نفسها
أسس انطلاق التوجه الإنساني من الخاص إلى العام.
ما قصة اسمندر فقد استرشدت بهدي الموضوع، وقدمت إلينا من خلال الإطار العام، ثم
الخاص: (الفريق، التعلم، فن اللعب، إتقان الهزيمة، الخطة، الجناحان، الهجوم،
الاختراق، الخصم، الضغط، الجمهور، الرقص، الفرح، التمرير، المهارة، التجاوز،
الحارس، السهم، التنظيم، الضعف، المطاردة. إلى آخره).
أما النسق اللغوي فقد كفل إعطاء فكرة القصة وتوجهها الذاتي، الذي يقدم الخيبة
والفشل: (كانت صورة المباراة تطارده، تذكره بأعضاء فريقه، حاول إيجاد نقاط
الضعف فيهم. كانوا أحد عشر لاعباً، يعرفهم جيداً. كل منهم يشكل، على حدة، قوة
لا بأس بها) سيرة رجل ما ص49. وهو يوضح منحى التوجه الفردي وسيطرته على فهم
اللاعبين ووعيهم.
قصة رافع جاءت لغتها لتعبر عن الموضوع من زواياه الخلفية، فالموضوع سر لا بد من
كتمانه: (زنزانة، موسم برد، اختلاس، الجوف، السرقة، الرثاء، الهدر، الجفاف،
الرضوخ، الشح، الفوضى، السم، الشنق.. إلى آخره). وهذه اللغة تقدم ما هو
مستوطناً في الذات، ولا سبيل إلى التراجع عنه كالشح مثلاً، وتقدم ما هو قادر
على الإخفاء والتملص كالجوف والسرقة.
قصة سنبل وفية كثيراً لموضوعها، لكننا نحس أن هذه اللغة حرون. لا يستطيع الكابت
فرض حضوره عليها تماماً: (النزوح، الكدر، التكوير، المغلوب، سوط الجلاد، الظلم،
ضعف النفس، تهالك القوى، التبعثر، الهموم والمتاعب، كظم الغيظ، الافتراس،
التقوقع، الحظ العاثر، التغافل، الهروب، الكتمان، زراعة الشوك والأقدام
الحافية، الذبح، السلخ، الصمت والدموع.. إلى آخره). معظم هذه اللغة يصب في إطار
عام، ولا يملك خصوصية ذاتية، والنسق اللغوي يوضح هذه الفكرة، ويجسد الهزيمة
التي هي موضوع القصة، والتي هي هزيمة لجميع الأبطال: (إنها ترى شاة مذبوحة
مسلوخة، معلقة في سلسلة تتدلى من شاهق) وكان هذا النسق في محتواه وبنيانه معادل
موضوعي لما تؤول إليه حيوات الأبطال.
قصة سلطان وهي تصنع أجواءها الرومانسية الحالمة تلتقي مع قصة سنبل في تحرر
لغتها من سيطرة الكاتب، مع أنها تحتضن الحزن والخيبة من منظور ذاتي التوجه
تمماً: (الهدوء، التسلل الحزين، الألم، البطء، القتيل، الرعب، الضغط، الحشرجة،
الفشل، القدر، التمزق، البكاء، البغي، الحرمان، الفخ، الزمن، الضرام، التداعي،
السكين المثلومة، المومياء، المسدس، الدماء.. إلى آخره). واللغة هذه تنصاع
للأوامر ذاتها التي تنصاع إليها قصة رافع وتتآلف كثيراً مع لغة الرزوق حين
تتعرض للشؤون الاجتماعية.
أما لغة قصة خريط فإنها تحمل توجه لغة قصة اسمندر في تآلفهما مع مهمة تقديم
الواقع، وفي الوقت ذاته، لكن قصة خريط جادة في تقديم ملامح الخيبة والفشل عند
أي كاتب، دون خصوصية تذكر: (امتثال للأوامر ـ تلبية الطلب ـ صلة القربى ـ فرض
عقوبة ـ وظيفة وموظفون ـ العقاب.. إلى آخره). والنسق اللغوي مائل لتوضيح هذا
الاتجاه: (أن يخطئ المدير عشرات المرات أهون من أن يتراجع عن خطأ واحد) القافلة
والصحراء ص66.
لغة قصة نحوي تلتقي مع قصة الرزوق في اللوحة الأخيرة خصوصاً، إلا أن قصة نحوي
ماهرة في تقديم مفردات لغوية، تسترشد بهدي الاستشهاد، وتقدم عوناً للشهادة
لبلوغ غايتها، فتلقيها مسؤولية ناجزة: (النقاد) التابوت، المشكلة، الحل، الفرح
العرس، القتل، العسكر، الطفل، الأم، الخريف، تلبية الطلب، الشهيد... إلى آخره).
وهذه اللغة تحاول بكثير من الخبرة والروية أن توحد بين حال الفرح والحزن في
إطار الشهادة. و: (تلبية الطلب) تلتقي مع لغة خريط باعتبارات دواعي الإطار
العام وحده. وتنشد لغة النحوي إلى إرث البطولة التاريخي وإلى ترسيخ حس الشعور
الإنساني.
لغة قصة السباعي نختزلها في هذه التعابير: (ألمح في وجهها بقايا حزن رتيب) حبل
المساكين ص33 و: (تظل نظرة متحجرة من عينين ترثي فيهما أنوثة مهملة) حبل
المساكين ص24. والتعبيران يلتقيان مع توجه قصة رافع. و: (تدمع عيناها تلك
اللحظة) حبل المساكين ص24، تعبير ينادم حالات في قصة سنبل. و: (لم يحتوني صدرها
الدافئ، لم أتمرغ فيه منذ زمن) حبل المساكين ص26 كناية عن الانفصال ونشوء
الواحدية المستقلة لأي طرف. و: (سبب مريب وراء هذا العطاء!! أنى لها هذا المال)
حبل المساكين ص27 تعبير يحمل بذرة التفتح على الوعي والمسؤولية تجاه الآخر. و:
(أذكر تلك الليلة كيف كانت مثل دجاجة طيعة) حبل المساكين ص29 تعبير يحمل في
طياته شؤون المرأة الخاصة في علاقتها بالرجل. هذه اللغة كما عرضناها تنطوي على
الحزن والكآبة والمداراة والمداورة، والسبب هو اختفاء المكاشفة بين الابن والأم
أثناء غياب الزوج. فاللغة منغمسة في جسد الموضوع حتى الثمالة.
لغة قصة الخواجة تنمو على ضفتين: تتقابلان لدرجة العداء التام، وتتواصلان لغاية
الاختفاء والانطواء، أو الاندماج والتوحد. وفي حين يبدو الحياد على الكاتب
موضوعيات لبناء قصته، فإننا لا نلبث أن نراه مندغماً في الفعل على أرض الواقع
القصصي، وكذلك فإن الإحساس المتوقد عند البطل برغبة الانتقام يحفز هذه اللغة
لصياغة التهكم في المواقف والأفعال: (النفير، الأعزاء، التقاطر، الشمس،
الكهانة، اللغة، البرد، التغضين، الليل، السوط، الطحين الأسود، الزيت المغشوش،
العراء، إدانة، ألغام، الفض والسفك، أفلات، الرئة، الوجه الرجيم، الدمار،
السياحة، الملامح المجاري، الظروف، السخرية، التطويق، الحيوانات الضالة،
القمامة، الانتهاك، الأفق، الاستقبال، النصر، مدينة ((سر من رأى))، التلكؤ،
الهموم، القوى الشريرة، الدفن، الرمال... إلى آخره). تستفيد هذه اللغة من وعي
التفتح على الاستشهاد كما هو عند نحوي، وتحتوي لغة التعبير عن الواقع بموضوعية،
تغترف من معين الذاتية والخصوصية لتصب في الإطار العام. وهذه اللغة متنامية قرب
أبطالها، تعيش معهم في مختلف الأحوال والظروف، بينها وبينهم تناغم تام.
لغة قصة صقر كانت متابعة للسلوك الفردي عند إنسان طيب في كل أحواله، وللسلوك
الفردي عند إنسان آخر جاء ليكشف عن نقيض هذه الأحوال في المجتمع، المجتمع الذي
فرضت ظروفه على هذا الآخر أن يقاوم أحواله الاجتماعية بكل ما يملك، ويمكن قلب
الصورة التشكيلية بين البطلين تماماً. فلو حدث للعم الطيب ما حدث للنشال
لتبادلا المواقع. من خلال هذا الفهم فإننا نأخذ اللغة في أنساقها: (وكانت ولا
تزال إحدى علله القليلة التي جرت عليه وبالاً لا تزال آثاره هي ثقة بالناس
وسهولة التأثير عليه) احتفال تحت الثلج ص21. هذا النسق يوضح سيطرة الآخر على
سلوك البطل. أما النسق التالي، فإنه ينحني أمام الواقع الاجتماعي بحدة دعم
النظام الكوني، من دون أن يضع في الحسبان التحولات الاجتماعية ومتغيراتها: (عبد
الودود يفتك في نفسه عن طريق الإذعان للأختام متوهماً أنه بهذه الطريقة يتمكن
من الإسهام في دعم النظام الكوني، الذي تهدده عوامل الانهيار من كل جانب)
احتفال تحت الثلج ص67. هذا النسق يضع فاصلاً بين الكاتب وبطله، ومع ذلك، فإنه
يغوص في عمق توجه تفكيره. وإذا كانت الغاية هي الإفصاح والإيضاح، فهلا وجد
الكاتب طريقة أفضل للتعبير والتعامل؟
لقد رأينا طول الجملة لتقديم الدقائق الصغيرة في قصة الصقر، ومثل ذلك نجده في
قصة الخواجة: (وهو يتهجى دروس الانشقاق وذاريات الجداول يدخلون ممراً مضاء في
أوله بفانوس مدخن مرفوع بعصا على سطح كوخ مدخله فوهة دائرية عريضة تبدو في
النور الأقوى المسلط عليها كأنها على وشك الاحتراق) التمرير ص190. ولا أعتقد أن
طول الجملة حاصل لتوصيل إلى المكان وتعرفه عليه، بل أن الغاية هي وضع القارئ في
مخطط الأحوال، كي يأخذ موقفه منها. وقد يكون هذا الملمح الموجود عند صقر
والخواجة صورة لمستقبل القصة القصيرة في سورية، لأنه القادر على بث الوعي في
التلقي وكسب مشاركته لما يدور في الواقع القصصي. ولقد عرفنا مثل هذه الجمل
الطويلة عندما مارسيل بروست(12)، لكن تلك الجمل الطويلة كانت لتركيب لغة مشهدية
تخص الرواية، أما عند الخواجة وصقر فإننا نراها جملاً طويلة لتركيب لغة تعبيرية
لواقع يحصل، لا بد من مشاركة المتلقي في أحواله.
في الموقف:
إذا كانت قصة الرزوق تقدم مواقف متباينة حسب موقع البطل من هذا الحدث أو ذلك،
حيث أن الموضوع يأخذ عدة وجهات: حرب حزيران وحرب تشرين التحرير، حساب الزمن في
سلوك الأبطال ورمز نوار، فإن قصة السباء تقدم عدة أفعال، تفضي إلى تعرف موقف،
فيه يتجسد حنين المرأة إلى الرجل.
إن قصة سلطان، المدروسة خطتها بعناية، وقصة اسمندر المدروسة خطتها بعناية أقل،
تلتقيان في تقديم مواقف متصاعدة، حتى بلوغ الذروة. موقف التفاعل والمشاركة الذي
تقدمه قصة سلطان: (فضغطها كأنه يحميها..) رجع الصدى19. يجد أذناً صاغية من قصة
اسمندر حين ينقل المدرب الخطة إلى الجميع: (كان قد وضع كل لاعب في المكان الذي
يراه مناسباً، ووزع عليهم الأدوار، ودربهم على خطة العمل) سيرة رجل ما ص 45.
والموقف هذا يتفق مع موقف عطية الذي ينم عن المشاركة أيضاً، ويحتفظ به لأحبابه
من الناس بذاكرة لا تنسى: (كم يؤلمه الضيم الساكن في الوجوه المكدسة في تلك
الشاحنات الخانقة، تلك التي تحملهم إلى المعمل ومنه. علب سردين وسخة. بعضهم
يضطر إلى التمسك بالمصعد طويل الطريق البعيدة اللاهثة بدفء وشوق إلى ساعة حب لا
تمت إلى زمن عملهم. آخرون تظل أنصافهم طائرة مع الريح كثيراً ما تخون أحدهم
قواه المستهلكة دون رحمة وهو متشبث ضارع العينين ممهوراً بالحزن والقهر.
فيسقط مخلفاً صرخة أشبه باللعنة بيتلع بعضها صوت تحطم الرأس الصلب قبل أن تكتمل
الحروف) التمرير ص185. ونجد موقف المشاركة في قصة نحوي: (والقتلى يسقطون على
مدار ساعات النهار في كل مكان، نفدت من جوامع حارتنا، التوابيت، فخرجنا من حيث
كنا نتجمع في بيت المداراتي) مقصد العاصي 99.
والموقف المتخذ من الجماعة تجاه الفرد، واستسلامه له، أو وقوفه أمام ذاك الموقف
بلا حول ولا قوة في قصة اسمندر: (وأصوات الغضب والاستنكار تلاحهم من شتى أرجاء
المدرج) سيرة رجل ما ص47. نجد نظيراً له في قصة صقر: (وجوه الناس من الرجال
والنساء والأطفال الذين يقفون أمامه، وهم يبحثون عن أشياء معينة بذاتها. بعضهم
يسأل عن حياته، وبعضهم يسأل عن أبيه أو عن ماله. كل هذه الأشياء. كل هؤلاء
الناس. كلهم راحوا يتراكمون من فوقه. من أين له أن يخرج من بين هذا الركام)
احتفال تحت الثلج ص72. وهو الموقف الذي تومي إليه، وتستخلصه قصة رافع: (ياسين
في زنزانة. وأنا في زنزانة) امرأة من برج الحمل ص87. وهو الموقف ذاته الذي
تقدمه قصة الخواجة، ولكن بعد تبيان حالة مضنية من الحصار والإرهاق: (وجهي انتفخ
بدماء فاسدة، قدم غليظة هوت على قدمي. حصرت وأنا أحاول الإفلات) التمرير ص156.
أما موقف الخوف من الناس نتيجة أي فعل خاص تأتي عليه الشخصية، فتقدم قصة صقر:
(أكثر ما يخشاه هو أن يفتضح أمره فيقال على ألسنة الأشهاد أن عبد الودود
المسالكي رئيس عموم ديوان المحاكم وجد بين الثانية والثالثة مقتاداً بصحبة أحد
النشالين إلى المخفر) احتفال تحت الثلج ص44. والموقف ذاته تسلكه قصة رافع مع
إبداء للمراءاة، ومحاولة للتملص من جبروت الآخرين: (حاول ياسين أن يخبرهم بأنني
لست رقية التي يبحثون عنها.. ولم يصدقوه) امرأة من برج الحمل ص102. لكن هذه
القصة تتصيد مداً تاريخياً، يهبها الديمومة والانتشار.
موقف الخنوع تقدمه قصة سنبل: (وهو يأخذ طريقه إلى غرفته مهموماً متعباً)
الانفجار ص38. ومثله موقف الموظفين في قصة خريط: (ما قرره المدير لا بد منه)
القافلة والصحراء ص66. ومثله موقف الزوجة في قصة سنبل: (لقد كانت الفتاة
بالنسبة إليها خنجراً يدق حتى النصل) الانفجار ص40. ومثله موقف الحاج مصطفى في
قصة نحوي: (وعمنا الحاج مصطفى ينجر من ألواح الخشب نعشاً لرفيق ابنه أحمد، فإذا
بالشهيد ليس أحمد المداراتي بل ابنه حسين الرمضان) مقصد العاصي ص115. وهذه
طريقة لبث التبادل في مواقع النضال، وتنقله إلى أوسع مساحة ممكنة. وموقف ناديا
ينم عن الخنوع في قصة سنبل: (استقرت ناديا متقوقعة على أحد المقاعد وقد ارتسمت
على وجهها أمائر حزن) الانفجار ص39. ومثله في قصة رافع: (مسعود هو قدري. الله
وأمي اختاره لي) امرأة من برج الحمل ص98. ومثله مع إخفاء لنبرة التهكم والحقد
تقدمه قصة الخواجة: (كانوا قد أعادوا صياغتي من جديد) التمرير 160. ولا ننسى
هنا فعل القوة الضاغط الذي يسحق الإنسان البائس. نتذكر مثل هذه المواقف في قصة
محمد كامل الخطيب: جيران البحر (13).
موقف داخلي ذاتي تقدمه قصة رافع: يرى فيه الإنسان نفسه نهباً للآخرين: (لا
تصدقي الكبار الذين ينشفون بحرك، ويهددون مدنك المسحورة) امرأة من برج الحمل
ص93. ومثله موقف قصة سلطان، مع اختلاف التسمية لعالم التأثر على الفرد: (إن
القدر يغامر بكل عناده المجنون لتحطيمنا.. لقد أفلسنا.. أو بالأحرى لقد أفلست)
رجع الصدى ص20 لكننا نشير إلى أن هذا الموقف يختلف في توجهه مع الموقف السابق،
حيث يتوجه إلى تثبيت موقع الفردية.. ثم عدة مواقف متفرقة، فيها كل موقف يعرض
حالاً، متميزاً فيه عن الآخر:
موقف يستعيد شريط القهر ووسائل الضغط والإرهاب تقدمه قصة الخواجة: (الرجل على
الأكياس قرب الباب، تحول إلى ذاكرة تضيء بشيء مدمر. في رأسه ضغط ينطق
بالمشاركة) التمرير ص163.
موقف تقدمه قصة نحوي، تقدم فيه المفارقة جوهر التقدم نحو تبادل الفعل: (وقد
أخطأ الطالب الذي حضر إلى حارتنا وهو من طلاب مدرسة الصنائع، فظن أن الشهيد
الذي سقط برصاص الفرنسيين على أبواب الجامع الكبير هو أحمد المداراتي بينما لم
يكن سوى الذي أكب بحنان على جسد الشهيد) مقصد العاصي 115.
موقف الاندفاع الفردي لتعزيز فرصة موقف لم يحظ بالنجاح على أرض الواقع، هذا ما
تقدمه قصة اسمندر: (كل متفرج يود لو أنه هو الذي يلعب، ليصنع الأعاجيب) سيرة
رجل ما ص47.
موقف انعتاق الشخصية من الأسر تقدمه قصة سلطان: (ووثب من مجلسه كقنبلة وانطلق
يحوم في أرض الغرفة كنمر فتى سقط في فخ) رجع الصدى ص20. لكن هذا الموقف لم ينجز
سوى تدمير ذاته، عندما قتل البطل حبيبته، فأصبح رهناً للتشرد. وكأنني أرى ظلال
فكرة وليست ظلال امرأة. فهاهو ذا موقف للبطل ذاته يتطامن مع تصورنا: (لا تجبن..
فوثب الوحش الظامئ إلى دماغه) رجع الصدى ص24. وكأن القصة ما كانت إلا لتحسنا
بهذا الوحش الكامن فينا، ينقض على دماغنا، ليهدم هدوءه واتزانه.
في الفعل:
إن الفعل قد يأتيه البطل مخالفاً لوجهة الموضوع، وقد يكون موافقاً له، وعدة
أفعال يأتيها البطل، تشكل موقفاً من الحياة والوجود. فالفعل قد يكون محايداً
للموضوع أو الموقف. والذي يهمنا هو أن نعرف هذا الفعل وعلاقته بالموضوع أو
الموقف، أو طبيعة توجهه.
فعل الحيطة والحذر تقدمه قصة سلطان متهيبة، يكاد يكون عبئاً عليها: (فتحت الباب
بهدوء، وتسللت بجسدها الأنيق الرشيق، ووجهها الحزين يتقسمه برج الألم وومض
الأمل) رجع الصدى ص19. الفعل ذاته تقدمه قصة سنبل منسجماً مع موضعها: (عل الرغم
من أن حبه لكل يسيء إلي، ويجعلني أفترس نفسي، أقضم الأعصاب واللحم والعظم)
الانفجار ص39. مثل هذا الفعل تخصه بالذكر قصة نحوي مع تقدير للمفارقة، وبثها
الاستسلام لفعل كائن بالضرورة: (يكون الولد صباحاً في عمر الزهرة وهي تتفتح في
حضن أمها عطراً يشمه الخلق فيسبحون بقدرة الله، وإذا به ينقصف عند العصر ويهر
كما تهر في الخريف الأوراق اليابسة من أغصان الشجرة) مقصد العاصي ص110. لكن هذا
الفعل، مضمون توجهاته ينطبق على كل الأفعال السيئة التي يصادفها الإنسان مثل
المرض والموت وغيرهما. وتقدمه كذلك قصة السباعي: (قالت مرتبكة. أخذت تصلح
هندامها) حبل المساكين ص33. ويأتي موقف الحيطة والخوف من ذنب لم يرتكب، تقدمه
قصة صقر: (أنت المسؤول عن استدراج هذا الشاب المسكين ليدس يده في جيبك) احتفال
تحت الثلج ص37.
فعل يريد التوازن بين العالم الخارجي والعالم الداخلي، ويستأثر بقوة فعله: قصة
صقر تقول: (وحمدي أبو سماط يعمل متلهفاً على تهشيم النظام الكوني مدفوعاً بحالة
من الوهم إنه بهذه الطريقة يتمكن من الوصول إلى حالة من التوازن كان قد فقدها
نتيجة تصدع البناء الاجتماعي من حوله) احتفال تحت الثلج ص67 وقصة السباعي تقول:
(انبثق من عينيها شلال حنان يرمق قامتي المديدة.. فسارعت إليها بقلب يرمح
كعصفور!) حبل المساكين ص35. وقصة سلطان تفصح عن هذا الفعل في إطار الاندغام
والتوحيد: (فأخذته إليها كوحيد لها مفدى تعانقه وتفنيه فيها، وتفنى فيه) رجع
الصدى ص22. غير أن هذا الفعل يختلف عن سابقيه بمغايرته لوجهة الموضوع.
فعلى ذاتي ينشد الحرية في غير موقعها ولا أوانها، ويستفز إرادة الجماعة، تقول
قصة رافع: (ماذا يهم إذا كان العالم ضدك؟) امرأة من برج الحمل ص101. ومثله
بصورة مقلوبة تنقله إلينا قصة سلطان: (إنني مراقبة كما لو كنت سأرتكب كل عار
الأرض...) رجع الصد ص21 وهو فعل ينسجم مع توجه القصة. أما قصة سنبل فإنها تنقل
إلينا تحريض الذات على اتخاذ موقف، لكن البطل يبقى في إطار التحريض، ولا
يتجاوزه إلى الفعل: (إلى متى يعاني من ضعف النفس؟!) الانفجار ص37. لكن قصة
الخواجة تقدم الفعل من خلال أقدام البطل، وتصميمه على أن يفعل الفعل الذي لم
يقدم عليه من قبل، لأنه لم يبق له غير ذلك: (إلى أين أفر هذه المرة.. ما عاد لي
فرار وراء ضباب أو سراب. اليوم هتكت الوهم. سألعن الوهم) التمرير ص194.
وهذا التوجه ذاته تنقله قصة السباعي، متواكباً فعلها مع فعل قصة الخواجة:
(أمسكت بزجاجة فارغة كانت على الطاولة، وطرت بأجنحة طال زغبها، صوب الرجل
المذعور) حبل المساكين ص35.
فعل يحتضن عذاب الماضي المرهق، ويرى قوة الحاضر تمنعه من تحقيق وجوده، ومن
تمتعه بشرط إنسانية الإنسان، فيتغلغل في كيان هذا البطل فعل قد يبدد الظلام،
ويسعد الناس: (أثناء تواريه شيئاً فشيئاً، تتفرقع تحت قدميه أشواك يابسة وعظام
وأحجار. أحس بقيظ نظرات الشرطي تكوي ظهره. ثم رائحة دم فائر أخذت تنتشر حواليه،
وتزحم أنفه. عويل تنقله الرياح. بكاء أطفال يدور في المدى. الظلمة توحش قلبه
أكثر. أصداء من الخلف تود أن ترده إليها، هي من تباريحه..) التمرير ص180. فعل
قصة خريط يأخذ سمة من الفعل السابق، ويبديها: تسللوا من غرفة المدير بصمت،
وجوههم عابسة، جباههم مقطبة، رؤوسهم في الأرض، وعيونهم غطتها غشاوة..) القافلة
والصحراء ص67. وفعل قصة سنبل يأخذ جانب الرضوخ للأمر الواقع، محتلاً جانباً من
فعل قصة الخواجة أيضاً: (أهله ظلموه حين لم يوافقوه على الزواج من ناديا)
الانفجار ص36. أما فعل قصة سلطان فإنه يترصد أمراً، مثل ترصد فعل قصة الخواجة
لمثل هذا الأمر، ولكن ضمن الشرط الإنساني، أما فعل الإنسان لدى سلطان فإنه يأخذ
سمة الوحشية: (إن كياني بأسره ليستحيل إلى جريمة جائعة) رجع الصدى ص22. واضح من
هذا العرض أن فعل قصة الخواجة تحتوي كل هذه الأفعال، مع المخالفة في خط السير.
إن فعل الحب مهرب عند |