|
القصة القصيرة في سورية قص التسعينيات
مقدمة
تمثل تجربة القصّ السورية، ممّا سبق صدور أول مجموعة قصصية توفر لنفسها
خصائص القصّ بمعناه الفني: "ربيع وخريف" (1931) لعلي خلقي إلى الآن، علامة
مميزة في تجربة القص العربية: لاستجاباتها الدائمة للحراك الفني / الجمالي
للجنس القصصي ولإنجازات النقد وتحولات النظرية الأدبية من جهة، ولمحاولات
مبدعيها الدائبة التأصيل لكتابة قصصية يكاد يكون لـها ملامحها الخاصة بها
من جهة ثانية.
ويُعدّ عقد التسعينيات أبرز عقود تلك التجربة على غير مستوى: مجموع النتاج
القصصي الذي صدر خلاله، والذي يكاد يساوي مجموع ما صدر من نتاج خلال ستة
عقود، أي من بداية الثلاثينيات إلى نهاية الثمانينيات، ثم متابعة عدد غير
قليل من الأصوات التي تمثل علامات فارقة في مسار القصّ السوري في الكتابة
والنشر في العقد نفسه، أمثال:
عبد السلام العجيلي، وزكريا تامر، وسعيد حورانية،
وبديع
حقي...
فظهور أصوات جديدة تمكّن عدد منها من حيازة مكانة بارزة في المشهد القصصي
العربي عامة.
تحاول هذه الدراسة / الدراسات استجلاء منجز القصّ السوري في التسعينيات،
لسببين رئيسيين: لتميز ذلك المنجز من مثيله في العقود السابقة لـه على
المستويات المشار إليها آنفا أولاً، ولتوقف معظم الدراسات التي عنيت بتجربة
القصّ في سورية عند نهاية الثمانينيات ثانياً.
ولئن كان من الزعم تماماً القول إن التجربة تمتلك ما يميزها من غيرها في
الجغرافية العربية، فإن هذه الدراسة / الدراسات لا تعدو كونها مساءلة لما
يشكل جزءاً من كل، ولا يمكن الادعاء أن هذا الجزء يشكل كلاً مستقلاً بنفسه
ومميزاً من غيره من الأجزاء الأخرى. فالمشهد الثقافي في سورية ليس جزيرة
معزولة عن غيره من "المشاهد الثقافية" في الوطن العربي، بل هو جزء من تلك
"المشاهد" التي تشكل مجتمعة المشهد الثقافي العربي، وتقدم يوماً بعد آخر
قرائن دالة على خصوبة هذا المشهد وتطوره ومواكبته لتحولات الواقع،
ومثيراته، وكفاءته في استيعاب الإنجازات الجمالية المعاصرة لـه. وهي في
الحالات جميعاً محاولة لتقدير جهود مبدعين ينتمون إلى جزء بعينه من
الجغرافية العربية ويصدرون في إبداعاتهم عنه، قد يطوي الإهمال والإنكار
والعقوق بعضهم، وقد تغيب الأهواء والأوهام بعضهم الآخر.
تتوزع الدراسات بين مدخل وأربعة فصول. تناولتُ، في المدخل، الحدود التي
تتحرك الدراسات في مجالها ومن خلالها، فالسمات العامة المميزة لمنجز
التسعينيات.
وقاربت في الفصل الأول
الظواهر الأكثر بروزاً في المشهد القصصي السوري آنذاك، والتي ميزته من
العقود السابقة لـه: القص النسوي، والتجارب القصصية المشتركة، والقصة
القصيرة جداً، والجوائز الأدبية.
أما الفصل الثاني،
فقد تناولت فيه شواغل قصّ التسعينيات وأسئلته، وقد وفرت لي مصادر الدراسة،
في هذا المجال، شاغلين مركزين: اجتماعي / اقتصادي، ووطني / قومي. تتبّعت في
الأول الأسئلة الأكثر إلحاحاً لنتاج التسعينيات حول القضايا الاجتماعية في
سورية، وفي الثاني مثيلها حول القضايا الوطنية والقومية.
وفي الفصل الثالث
تناولت ثلاثة ممّا ميز جماليات القص: تقنيات القص، وفعاليات التبئير، ولغة القص.
وأجريت في الرابع
مقاربات نقدية خاصة بعشر مجموعات ممّا صدر خلال التسعينيات. وألحقت ذلك كله
بثبت بالمجموعات القصصية السورية التي صدرت بين عامي 1990 و 1999، ثم بثبت
بالمراجع.
وحرصت، في ذلك كله، شأن ما أنجزت من قبلُ في حقل النقد، على مقاربة مصادري
انطلاقاً من تلك المصادر نفسها، لا من نتائج أو أحكام سابقة، وانطلاقاً
أيضاً من ثقتي بصواب ما نبّه إليه معظم النقاد طوال تاريخ الأدب، أي ما
اختزلـه محمد يوسف نجم بقوله إن "الموضوع ليس كل شيء في القصة، إذ إن
الموضوعات ملقاة على قارعة الطريق، يلتقطها الكاتب المبتدئ والكاتب الذي
استحصدت ملكته، وإنما المهم هو طريقة الكاتب في علاج موضوعه وتجليته"،
وانطلاقاً ثالثاً من أطروحة محيي الدين عربي القائلة إن "كلّ فنّ لا يفيد
علماً لا يعوّل عليه".
لقد شكلت المنطلقات الثلاثة السالفة المرجعيات الأساس لمقاربتي لتلك
المصادر، تعزيزاً لقناعتي بأن الممارسة النقدية التي لا تنطلق من النص
الإبداعي الذي تشتغل عليه، ولا تعود إليه بآن، لا تستتبع نفسها لسواها
فحسب، بل تُخضع النص نفسه لسرير ما هو خارج نصّي أيضاً، من جهة، وبأن ما
يميز الكاتب من المبدع كفاءة الثاني في تحويل الحياة إلى فن، من جهة ثانية،
ثم بأن الفن الذي يكتفي بتحقيق نغمة المتعة وحدها، أي بمنأى عن توأمها:
المعرفة، ليس فناً، من جهة ثالثة.
ولعله من المهم الإشارة، هنا والآن، إلى أنه على الرغم من متابعتي الدائبة
للإصدارات القصصية، العربية عامة، لا السورية وحدها، طوال ما يزيد على
عقدين ونصف، وعبر وسائل الاتصال المختلفة، بما فيها شبكة "الإنترنت"، فإنني
لا أدّعي إحاطتي الجامعة المانعة بمجمل نتاج التسعينيات. فثمة عدد، ربما
غير قليل، من المجموعات التي صدرت على نفقة كتّابها خارج إطار دور النشر،
أو عبر دور نشر هي مطابع أكثر منها دور نشر، ولم يقيّض لـها الخروج من
دائرة الجغرافية التي صدرت فيها، ولاسيما تلك التي تمت طباعتها بوساطة "الريزو"
الذي شاع العمل به في سنوات التسعينيات خاصة، والذي مكّن كثيراً من الكتّاب
من نشر نتاجهم مهماً كان مستواه الفني أو صلته بالجنس القصصي. كما ثمة عدد
من كتّاب القصة الذين يقيمون خارج وطنهم الأم سورية، ربما كان عدد منهم
أصدر مجموعة أو أكثر في بلد إقامته أو خارجه، ولم يقيّض لـها، كمثيلاتها
ممّا صدر على نفقة كتّابه خارج إطار دور النشر، تجاوز الجغرافية التي صدرت
فيها.
وبعدُ، فإن اختياري لمصادر الدراسة كان محكوماً بثلاثة حدود: توفر النصوص
على قدر كاف من الإبداع، أي امتلاك كتّابها لأدوات القصّ وتقنياته، وتعبير
تلك المصادر عن الأغلب الأعم من سنوات التسعينيات، وانتماء القاصين إلى
الأغلب الأعم أيضاً من الجغرافية السورية.
وبعدُ، أيضاً، فإنني آمل أن أكون رددتُ لوطني الصغير سورية بعض ما يستحقه
من وفاء، وأسهمت، مع من سبقني من أبنائه، فيما يُبرز واحداً من أكثر جوانبه
الحضارية إشراقاً، أي مشهده الثقافي، حصننا الأول والأخير في مواجهة ما
تثيره التحولات العالمية من تدمير، وسلب، وانتهاك للذاكرة، والتاريخ
والهوية، مخلصاً في ذلك كله للحقيقة وحدها، التي لا أزعم امتلاكي لـها وحدي
أيضاً.
   
مدخل إلى قص التسعينيات
حدود البحث
تعاين هذه الدراسات، على نحو محدد ودقيق، المجموعات القصصية فحسب، ولكتاب
من أبناء سورية فحسب أيضاً، من غير أن يعني ذلك استغراقاً في القطرية التي
لا تمتلك ما يعللها على نحو كاف في حقل الإبداع، بقدر ما يعني ضبطاً للمجال
الجغرافي/ السياسي الذي ارتضته الدراسات لنفسها.
ولتحديد مصادري بالمجموعات القصصية فحسب سببان: يتصل الأول بما يتسم به
النتاج المنشور في الصحف والمجلات من قابليات للتعديل والتحوير والحذف
والإضافة، وربما الإلغاء عندما يعدّه كاتبه لنشره في مجموعة قصصية، وهو
بهذا المعنى نتاج غير منجز تماماً، ولا يحقق شروط مقاربته نقدياً، ويتحدد
الثاني بتضييق مجال الدراسة التي جوبهت بما يزيد على خمسمئة وتسع وعشرين
مجموعة قصصية.
وعلى الرغم من أن الدراسات تحدد تلك المصادر بما أنجزه أبناء سورية، فإنها
في الوقت نفسه تقر بأن ثمة أصواتاً إبداعية عاش أصحابها ردحاً من حياتهم،
وربما ولدوا، في سورية، وكتبوا كثيراً من نتاجهم القصصي فيها، وشاركوا في
فعالياتها الثقافية، وكان لـهم حضورهم، ولا يزال، في مشهدها القصصي، وحققت
تجاربهم، أو تجارب بعضهم على الأقل، مكانة لافتة للنظر في التجربة القصصية
العربية عامة. والدراسات، إذ تقصي من مجالها تلك الأصوات وغيرها. فإنها لا
تهمّش أو تغيّب عن سابق تصميم، كما قد يتقوّلن أحد، ما يمتلكه بعض أصحابها
من قامة إبداعية فارعة، بقدر ما تطمح إلى ضبط حدودها على نحو علمي صحيح.
ويمكن الإشارة، في هذا المجال، إلى نتاج أبناء فلسطين خاصة. أمثال: محمود
شاهين، وجمال جنيد، وحسن حميد، ومحمود موعد، ويوسف جاد الحق، وأنور رجا،
وبسام رجا، ونعمة خالد، ويوسف حطيني، والياس أنيس خوري، وطلعت سقيرق، وسلوى الرفاعي، ومي جليلي، وصالح موسى، وعوض سعود عوض. ومن قبل: رشاد أبو شاور، ويحيى يخلف، اللذان أقاما لفترة
في سورية وكتبا وأصدرا بعض نتاجهما القصصي فيها أو خارجها.
وكما تحدّد الدراسات مصادرها في مجال جغرافي/ سياسي ضيق هو سورية تحدّده في
مجال إبداعي / سردي ضيق أيضاً هو القص بمعناه الفني / الجمالي، أي أنها لا
تعنى بـ، كما لا توثق لـ، المجموعات التي تنتمي إلى قصص الخيال العلمي،
والقصص الموجهة للفتيان، وتلك المأخوذة من ملفات القضاء، والقصص التاريخي.
   
السمات العامة لقص التسعينيات
يمثّل عقد التسعينيات ذروة ما وصل إليه الخط البياني المحدد لمسار التجربة
القصصية السورية، فقد صدر فيما بين عامي 1990 و 1999 ما يزيد على خمسمئة
وتسع وعشرين مجموعة قصصية، لنحو مئتين وخمسين قاصاً وقاصة، أي بمعدل ثلاث
وخمسين مجموعة كل سنة، ومجموعة كل سبعة أيام!! وقد بلغت هذه الذروة حدها
الأعلى في السنة الأخيرة من التسعينيات، التي شهدت وحدها صدور نحو ست
وسبعين مجموعة، أي مجموعة كل أربعة أيام تقريباً!!
ومن أبرز عوامل تلك الوفرة التي كان من العسير معها أحياناً، للمختصين
أنفسهم، اللحاق بجديد المشهد القصصي في سورية وحدها، ما يلي:
1 ـ تناسل دور النشر الخاصة التي بلغت في نهاية التسعينيات نحو
(385) دار نشر، والتي مكنت معظم، إن لم يكن مجمل، كتاب القصة من نشر
نتاجهم، والتي لم يعد معها ما يحول بين أي تجربة مهما كان مستواها الفني
وصدورها في مجموعة أو أكثر.
2 ـ متابعة وزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب النشر للأصوات التي أكدت
حضورها في المشهد القصصي السوري قبل التسعينيات ولعدد من الأصوات الجديدة
التي بدأ أصحابها الكتابة والنشر في التسعينيات.
3 ـ المسابقات الأدبية، المحلية والعربية، التي عرّفت القراء والنقاد إلى
الأصوات الجديدة خاصة، كجائزة أصدقاء الثقافة في دمشق، وجائزة المزرعة في
السويداء، وجائزة د. سعاد الصباح للإبداع الفكري بين الشباب العربي، وجائزة
الشارقة للإصدار الأول، وسواها.
4 ـ سعة الهامش الاجتماعي والتعليمي الذي مكّن المرأة من تأكيد وجودها على
غير مستوى، والذي أضاف إلى رصيد التجربة القصصية أصواتاً نسوية تجاوزت في
التسعينيات ضعفيّ ما قدمته تجربة القص السورية طوال ستة عقود من تاريخها.
5 ـ استسهال عدد كبير من الكتاب فعالية الإبداع، ودفعهم بكل ما تفتق عنه
خيالهم إلى النشر من غير تقدير للذات أو للقارئ، أو وعي بمعنى الإبداع
ووظائفه.
6 ـ انحسار الخطاب النقدي الصادر عن كفاءة معرفية بالجنس القصصي وبإنجازات
النقد، وغلبة المراجعات الصحفية التي لا صلة لـها البتة بأبجديات الممارسة
النقدية.
7 ـ تواضع الإمكانات المعرفية بالقص والنقد لعدد من أعضاء لجان القراءة في
وزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب، التي أوهمت الكثير ممّن صدر لـهم
"مجموعات" عن هاتين المؤسستين بأنهم "مبدعون"، فتابعوا الكتابة والنشر ظناً
منهم أن تبني المؤسستين، إحداهما أو كلتاهما، لنتاجهم جواز مرور لا يأتيه
الباطل إلى المشهد القصصي السوري أولاً وإلى العربي ثانياً‑.
8 ـ حمّى الـ"ق.ق.ج" التي استعرت في النصف الثاني من التسعينيات على نحو
خاص ولافت للنظر بآن، والتي أنتجت كتابات كثيرة تبدو على قطيعة جمالية تامة
مع الإبداع عامة لا مع الجنس القصصي وحده.
وبتتبّع نتاج التسعينيات، فإن وزارة الثقافة تبدو الأبرز في عدد الإصدارات
القصصية آنذاك، إذ أصدرت خلال التسعينيات (163) مئة وثلاثاً وستين مجموعة،
يليها اتحاد الكتاب العرب الذي أصدر (90) تسعين مجموعة.
ومهما يكن صحيحاً أن دور النشر الخاصة قدّمت ما هو تجاري على ما هو تنويري،
فخلطت الحابل بالنابل، فإنه من الإنصاف القول إن عدداً منها أسهم في
التعريف بأصوات قصصية جديدة لم يكن من الممكن لـها الظهور عبر وزارة
الثقافة واتحاد الكتاب العرب لأسباب مختلفة أشرتُ إلى بعض تجلياتها آنفاً،
بالإضافة إلى إصداره مجموعات لعدد غير قليل من الكتاب الذين كانوا أثبتوا
حضورهم في المشهد القصصي قبل التسعينيات.
وتعد دار الأهالي (دمشق) الأبرز في هذا المجال، إذ أصدرت نحو ستاً وعشرين
مجموعة، ثم دار الحوار (اللاذقية) التي أصدرت نحو سبع عشرة مجموعة، فدار
الينابيع (دمشق) التي أصدرت نحو ثلاث عشرة مجموعة، ثم دار أرواد (طرطوس)
التي صدر عنها نحو اثنتي عشرة مجموعة، وما تبقّى من نتاج صدر عن دور نشر
أخرى. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأغلب الأعم ممّا صدر عن دور النشر الخاصة
صدر على نفقة كتابه.
ومن تجليات غلبة الكمّ على النوع في نتاج التسعينيات نحول المخزون المعرفيّ
لعدد من كتاب ذلك العقد بالمنجز القصصي السوري خاصة والعربي عامة، فثمة عدد
من المجموعات يتخذ لنفسه العلامة اللغوية نفسها لمجموعات سابقة لـه، ومن
أمثلة ذلك: مجموعة غزالة درويش: "الاحتراق" الصادرة بالعلامة / العنوان
نفسه لمجموعة
غسان كامل ونوس: "الاحتراق"، ثم مجموعة
إبراهيم خريط
"الحصار" فمجموعة
اسكندر
نعمة:
"الحصار" ومجموعة نزار غانم: "السيرك"، فمجموعة نجلا أحمد علي: "السيرك"،
وسوى ذلك(2).
وعلى الرغم من صعوبة تحقيب القصة القصيرة في سورية وتجييل كتابها، فإن من
السمات العامة المميزة لنتاج التسعينيات انتماء كتّابه إلى أجيال أدبية
متعددة، بالمعنى المجازي لكلمة أجيال، وعلى نحو يمثل، أو يكاد، تاريخ
التجربة القصصية السورية خلال سبعة عقود تقريباً.
فمن بين كتاب الخمسينيات والتسعينيات تبرز أسماء:
عبد السلام العجيلي،
وكوليت خوري، ووليد إخلاصي، وحسيب كيالي،
وبديع حقي، وآخرين. ومن جيل
السبعينيات تبرز أسماء: وليد معماري، وحسن. م.يوسف، وإبراهيم الخليل، وخليل
جاسم الحميدي، وناديا خوست، واعتدال رافع، ونيروز مالك، وضياء قصبجي،
وسواهم. ومن جيل الثمانينيات تبرز أسماء:
نجم الدين سمان، وسمير عامودي،
وخطيب بدلة، وبسام الحافظ، وصبحي دسوقي، وسواهم. وتؤكد متابعة الأجيال
السابقة الكتابة والنشر في ذلك العقد أصالة الموهبة لدى الكثير من أصحابها،
وتمسكهم بالإبداع والاكتواء بجمره رغم المعوقات الكثيرة التي تسلب الكتابة
مكانتها الجديرة بها في زحمة ما تنتجه تقنيات الإعلام المعاصرة من تهميش
وتدمير للثقافة المقروءة وصرف للأنظار عنها.
وبتتبّع حركة الإصدارات القصصية في ذلك العقد، فإن
هيفاء بيطار
وإسماعيل
مروة يمثلان أكثر كتاب التسعينيات غزارة في هذا المجال، إذ صدر لكل منهما
ست مجموعات، يليهما
غسان كامل ونوس
الذي صدر لـه خمس مجموعات، فأربع
مجموعات لكل من:
محسن يوسف، واسكندر نعمة، وأنيسة عبود، ونزار عابدين،
وطلال شاهين، وابتسام شاكوش، ووهيب سراي الدين، وإبراهيم خريط، ومحمد أبو
خضور. وبلغ عدد الذين صدر لكل منهم ثلاث مجموعات نحو اثنين وعشرين قاصاً
وقاصة، وعدد الذين صدر لكل منهم مجموعتان نحو ثمانية وخمسين، وتجاوز عدد
الذين صدر لكل منهم مجموعة واحدة أكثر من مئة قاص وقاصة.
وقد يكون مهماً الإشارة إلى استعجال عدد من قصّاصي التسعينيات الكتابة
والنشر، فثمة غير قاص صدر لـه غير مجموعة في عام واحد، على نحو معلل
أحياناً وغير معلل أحياناً أكثر. أمثال: أحمد نزار صالح الذي صدرت لـه ثلاث
مجموعات عم 1990، واسكندر نعمة
الذي صدرت لـه مجموعتان عام 1990، وإبراهيم صموئيل الذي صدرت لـه مجموعتان
أيضاً في العام نفسه، فإبراهيم خريط
الذي
صدرت لـه مجموعتان عام 1994، وسوى ذلك.
ومن السمات اللافتة للنظر في مشهد التسعينيات تعدّد الاشتغالات الإبداعية
للأصوات القصصية الجديدة التي ظهرت خلاله، فثمة عدد من تلك الأصوات يمارس
الكتابة في غير جنس أدبي، ولا سيما القصة والرواية، أمثال:
غسان كامل ونوس،
وباسم عبدو، ومحمد عبد الرحمن يونس، ومحمد الحاج صالح، وعلي عبد الله سعيد،
ونبيه اسكندر الحسن، وإبراهيم العلوش، وسمير عامودي، وهزوان الوز......
وإذا كان عدد من أولئك، وسواهم، قد قدم في الحقل القصصي ما يبدو بعض منه
جديراً بانتمائه إلى فن القصة، فإن انتقال آخرين إلى الكتابة الروائية جاء
من دون زاد جمالي أو إنجاز فني في الحقل القصصي أولاً، فبدا نتاجهم الروائي
تمرينات في الرواية أكثر منه فناً روائياً. ومهما يكن صحيحاً ـ كما يرى
بعضهم ـ أن المادة الحكائية تختار لبوسها الفني، أو جنسها الأدبي، بنفسها
ولذلك فهم يكتبون القصة، والرواية، والمسرحية، والشعر، من دون أن يتم
اختيار الجنس الأدبي على نحو سابق للكتابة، فإن الأكثر صحة هو أن يوفر
الكاتب لنصه، مهما كان جنسه، ما يؤهله حقاً للانتماء إلى هذا الجنس لا إلى
سواه من الأجناس الأخرى.
لقد توهم عدد من كتاب التسعينيات أن الكتابة القصصية نوع من التمرين اللازم
للكتابة الروائية، وأن الجنس القصصي يتطلب شروطاً جمالية أقل من تلك التي
يتطلبها الجنس الروائي، ولذلك فما إن دفع بعضهم بأول مجموعة قصصية لـه إلى
النشر حتى ألحقها بنص روائي أو أكثر، ظناً منه أنه قد امتلك جواز المرور
اللازم للكتابة في هذا الجنس الأدبي، ولذلك فقد ولدت التجارب "الروائية"
لأولئك ميتة، ولم يلتفت إليها أحد من المشتغلين بنقد الرواية، إلا من تمكن
منهم من تسويق نفسه ونصّه بوسائل وأساليب غير ثقافية.
ويبدو فواز حداد ومحمد أبو معتوق نسيج وحدهما في هذا المجال (3)، فهما
يتميزان من كتاب القصة السورية القصيرة في التسعينيات بأسبقية تجربتهما
الروائية وتقدمها على تجربتهما القصصية، كما يتميز نيروز مالك بسمة تبدو
وقفاً عليه أيضاً، فهو في مجموعته السابعة، التي تحمل عنواناً دالا هو
"المغامرة السابعة"، يبني النصوص الستة في تلك المجموعة على نتاج قصصي سابق
لكتاب آخرين. بمعنى أنه يقيم "تناصاً" من نوع خاص مع ما سبقه من نصوص قصصية
لـهؤلاء الكتاب الذين ينتمون إلى جنسيات مختلفة، محققاً بذلك ما تواضع عليه
النقد التقليدي المحدد لمصادر الأدب، حيث يكون مصدر الأدب هو الأدب نفسه.
وكما ينفرد حداد وأبو معتوق ومالك بخصيصة تميز تجربة كل منهم من تجارب
غيرهم، فإن ثمة قاصين ممن ينتمون إلى جيل التسعينيات يتميزون من سواهم بما
يبدو خاصاً بهم فحسب، أمثال أحمد جاسم الحسين الذي أخلص لشكل تعبيري جديد
في القص هو القصة القصيرة جداً، أو الـ "ق.ق.ج" بتعبيره وتعبير سواه ممن
عدوا أنفسهم، وعدهم آخرون، آباء روحيين لذلك الشكل من إشكال القصّ!!.
ولتجربة
يوسف
طبّاخ
في مجموعته: "عناصر المؤامرة" ما يميزها أيضاً من مجمل تجارب التسعينيات،
إذ تستحضر نصوصها إلى الذاكرة بواكير رصد الرواية العربية لصورة الغرب، بل
لعلاقة العربي بالآخر الأوروبي. غير أن تلك السمة فيها لا تعني امتيازاً،
لأن لـها ما يعللها على صعيد تجربة القاص نفسه، الذي يقيم في السويد منذ
أكثر من عقدين تقريباً، وهي تتقاطع، إلى حد ما، مع بعض نصوص مجموعة زياد
كمال حمامي: "سجن العصافير"، التي تقارب تلك العلاقة من موقع جغرافي آخر في
أوروبة.
وشهد عقد التسعينيات، بسبب عوامل عدة(4)، بروز المجموعات القصصية المشتركة،
ومن أمثلة ذلك: "الساخرون" التي أعدها خطيب بدلة، و"جنوب القصة السورية"،
التي تضمنت نتاج عدد من كتاب القصة الشباب في جزء محدد من الجغرافية
السورية، و"قصة التسعينات في سورية، نماذج وقراءات" التي أعدها أحمد جاسم
الحسين.
أما على المستوى الفني، فإن من السمات المميزة لمنجز التسعينيات خروج
الأغلب الأعم منه من عباءة ما سبقه، وإن بدا أن ثمة محاولات لم يكتف
أصحابها بتمثل الإرث الكبير الذي وجدوه أمامهم، بل تجاوزوا ذلك، بالإضافة
إلى التأسيس عليه، الإضافة لـه. وعلى الرغم من مرور غير عقد على البدايات
الأولى لعدد من الأصوات التي ظهرت في التسعينيات، فإن كثيراً من أولئك لما
يرسخوا أقدامهم بعدُ في المشهد الثقافي السوري، ولمّا تضفْ مجموعاتهم
اللاحقة لمجموعتهم الأولى أي رصيد جديد يؤكد صدور فعل الكتابة لديهم عن
موهبة حقيقة. وليس أدل على ذلك من أن كثيراً منهم غير معروف لدى المعنيين
أنفسهم بالمشهد القصصي السوري، مبدعين ونقاداً بآن.
ولعله من المهم أخيراً الإشارة هنا إلى أن عدداً من كتاب التسعينيات فارق
الحياة في وقت مبكر من حياته وإبداعه، وأن المشهد القصصي السوري خسر
برحيلهم أصواتاً إبداعية مميزة، أمثال:
جميل حتمل، وحسان المحمد، وأمية عبد
الدين.
هوامش وإحالات:
1 ـ والسمة نفسها، وللسبب نفسه، تتجلى في عدد غير قليل من
الأعمال "الروائية" و"الشعرية"، التي صدرت عن هاتين المؤستين، والتي لا
تنتسب إلى فن الرواية أو الشعر بصلة.
2 ـ للتوسع، انظر: الثبت في آخر الكتاب.
3 ـ لا يتضمن هذا التعبير أي حكم قيمة، بقدر ما يعني إشارة
إلى واحدة من السمات المميزة لتجربة الكاتبين في غير جنس أدبي.
4 ـ للتوسع، انظر: الفصل الموسوم بـ: "ظواهر في قص
التسعينيات".
   
الفصل الأول ظواهر في قص التسعينيات
القص النسوي
لا يمثل عقد التسعينيات ذروة الخط البياني لتجربة القص السورية على مستوى
عدد الإصدارات فحسب، بل ذروة ما بلغته هذه التجربة نفسها على مستوى حضور
الصوت النسوي أيضاً، فعلى حين لم يتجاوز عدد كاتبات القصة ممن صدرت لـهن
مجموعات حتى نهاية الثمانينات ستاً وعشرين قاصة، بلغ في عقد التسعينيات
وحده نحو اثنتين وخمسين قاصة، أصدرن ما يزيد على مئة مجموعة، أي نحو عشر
مجموعات كل سنة.
وباستثناء سبع ممن صدرت لـهن مجموعات قبل ذلك العقد وخلاله، فقد شهد عقد
التسعينيات ظهور نحو خمسة وأربعين صوتاً قصصياً نسوياً جديداً، أي نحو ضعفي
ما قدمته تجربة القص السورية طوال ستة عقود من تاريخها.
والسمة التي تميز الخط البياني لمنجز التسعينيات عامة، أي ترجحه بين
انحناءات مختلفة، تمتد لتشمل القص النسوي في ذلك العقد أيضاً، وعلى الرغم
من الدور الذي نهض به اتحاد الكتاب العرب الذي صدر عنه ثلاث وعشرون مجموعة،
ووزارة الثقافة التي صدر عنها ثماني مجموعات، في التعريف بالأصوات النسوية
الجديدة، فإن معظم قص التسعينيات النسوي صدر عن دور نشر خاصة، وصدرت ثلاث
مجموعات عن جهات ثقافية عربية مختلفة كانت قد فازت في جوائز أدبية (أندية
الفتيات في الشارقة، ودائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، ودار سعاد الصباح
في الكويت).
وتُعد
هيفاء بيطار
أكثر أصوات التسعينيات عامة غزارة في الكتابة والنشر،
فقد صدر لـها ست مجموعات، تليها
أنيسة عبود، وابتسام شاكوش
اللتان صدر لكل
منهما أربع مجموعات، فأميمة الخش، وإحسان شراباتي، وحنان درويش،
اللواتي صدر لكل منهن ثلاث مجموعات، فمجموعتان لكل من:
سعاد
القادري،
ووفاء خرما، ونجلا علي، وندى الدانا، وغزالة درويش، ووصال سمير، ونهلة السوسو،
وجمانة
طه،
وأمية عبد الدين، ووليدة عتو، وواحدة لنحو أربع وثلاثين قاصة.
ومن السمات العامة المميزة للأصوات النسوية الجديدة الكتابة في غير جنس
أدبي، ولا سيما القصة والرواية، أمثال:
هيفاء بيطار، وابتسام شاكوش، وأميمة
الخش، ووصال سمير، ومية الرحبي، ومنهل السراج، اللواتي سارعن جميعاً، على
عادة معظم كتاب القصة القصيرة في سورية، إلى حقل الكتابة الروائية بعد
مجموعة أو أكثر، فقدم عدد منهم ما هو جدير بانتمائه إلى فن الرواية، وبدا
نتاج معظمهن تمرينات في الجنس الروائي أكثر منه فناً روائياً.
يتتبع هذا الجزء من الدراسة منجز الأصوات النسوية الجديدة فحسب، أي تلك
التي ظهرت في التسعينيات، ويمثل لذلك بعشرين نصاً من تسع عشرة مجموعة لتسع
عشرة قاصة. وتجدر الإشارة إلى أن اختياري لتلك النصوص كان محكوماً بمرجعين
مركزيين: النص الذي تحمل المجموعة عنوانه، لإيثار القاصة علامته اللغوية
علامة للمجموعة، والنص الأول من المجموعة التي لا تكون علامتها اللغوية
علامة لإحدى نصوصها، لإيثار القاصة أيضاً تصديرها المجموعة به.
شواغل القص:
باستثناءات قليلة، فإن أبرز ما يوحد بين القص النسوي السوري في التسعينيات
إلحاحه على قضايا المرأة ومشكلاتها وهجاء الوعي البطريركي الذي يعوّق
تحررها ويغلها بأصفاد التبعية للذكر، أباً أو زوجاً أو أخاً، ثم تعبير ذلك
الوعي عن الواقع بتجلياته كافة، أي بوصفه صدى لذلك الواقع وجهرا بما يفتك
به على غير مستوى، فمحاولات الانعتاق من تلك الأصفاد وممارسة المرأة
لكينونتها على نحو دال على كونها جزءاً من الحياة وليست استكمالاً لـها.
وباستثناءات قليلة أيضاً، فإن المرأة في معظم ذلك القص تبدو خانعة للواقع،
ومنفعلة به، ورهينة إرادات الأعراف والتقاليد، وصريعة قيم سالبة لحقها في
حياة حرة وكريمة. ومن تلك الاستثناءات قصة
ماري رشو: "قوانين رهن
القناعات"(1) التي قدمت القاصة فيها نموذجاً للمرأة الفاعلة في الواقع
حولها وغير المنفعلة به أو المكتفية بدور المتلقي لإرادات سواها فيه، وقد
عبرت عن ذلك النموذج بوصفها لبطلتها المحامية بقولها: "كانت تحمل أفكاراً
جميلة تخص الإنسان بقضاياه المتعددة"، وبتصويرها لـها امرأة قادرة على صنع
مستقبلها على الرغم من الظروف القاسية التي عاشتها وأسرتها والتي لم تستطع
أن تنال من إصرارها على التفوق والنجاح شيئاً. حين كانت طفلة وجدت نفسها،
وأسرتها، طريدة البيت الذي كانوا يسكنونه والأرض التي كانت المورد الوحيد
لـهم، لأن المالك الجديد للبيت والأرض، الجشع الذي لا يرى غير مصالحه، تمكن
من الحصول على أمر بإخلائهم منهما، وعندما حان موعد الثأر لنفسها وأسرتها
من ذلك المالك الجشع لم تستجب لنداء العاطفة بل لنداء القانون والضمير.
ويختزل تساؤل الساردة في قصة
رباب هلال: "دوائر الماء والأسماء"(2): "هل
أنا موجودة حقا؟" جوهر التهميش والتغييب اللذين يضغطان المرأة العربية،
واللذين يدفعان الساردة نفسها إلى التساؤل أكثر مرارة: "من أنا؟"، لكأن
الواقع حولها لا يكتفي بسلبها حقها في الوجود فحسب بل يتجاوز ذلك إلى سلبها
إحساسها بمعنى الوجود أيضاً: "يدعونني (أمل) لكنني متأكدة من أن هذا ليس
اسمي. اسم (أمل) هو اسم الأوراق الرسمية والجامعية والوظيفية.. لكنه ليس
اسمي". لا لشيء إلا لأنها أنثى أرغمها الوعي الشائه حولها على "الإذعان
أبدا، وقبول كل المفروض والمطروح مسبقاً". ولعل أثمن ما في تلك القصة من
الأفكار التي تزخر بها تأكيدها أن ذلك الوعي ليس وقفاً على طبقة اجتماعية
من دون أخرى، بل هو سمة المجتمع عامة بمختلف الطبقات التي تكونه، فأمل التي
تنتمي إلى أسرة يملك الأب فيها أموالاً كثيرة وعقارات ضخمة واسماً لامعاً
في كل مكان، ليست أحسن حالاً من تلك الفتاة الناحلة التي رأتها في سجن
الأحداث والتي تنتمي إلى أسرة فقيرة: "جسد معروض، وثمن يذهب للتاجر، فلم
تكن أكثر من سلعة. فقر، وحرمان، وأسرة مفككة، كل شيء يباع ويشترى، حتى
الدم. وأنا أليست عائلتي هكذا؟ وما يغطي تفككها وعريها أوراق المال".
وتتميز قصة نجاح إبراهيم: "المجد في الكيس"(2) من الأغلب الأعم من القص
النسوي السوري في التسعينيات بتعريتها لجزء من سوءات الحياة الثقافية في
سورية، وربما في الوطن العربي. لفعاليات السطو على جهود الآخرين، التي يقوم
بها أدعياء الثقافة، وأشباههم، ونسبة تلك الجهود إلى أنفسهم من دون أي
إحساس بتأنيب للضمير أو سواه من الحدود الضابطة للقيم والأخلاق بآن.
ولا تكمن قيمة تلك القصة في إزاحتها قشرة الزيف عما يتسرطن في جزء من
الواقع الثقافي فحسب، بل في تعبيرها، على نحو غير مباشر، عن الوعي الناقص
الذي يفتك بالواقع عامة، لا الثقافي وحده، حيال المرأة التي تتجاوز في
القصة كونها فريسة لشذاذ الثقافة إلى كونها فريسة للوعي الذكوري الممعن في
انتهاكه لحق المرأة في أن تكون لـها كينونتها الخاصة بها والمميزة لـها من
الرجل.
ثمة في القصة كاتبة موهوبة كان يباغتها، بين وقت وآخر، نشر قصة لـها بغير
اسمها، بتوقيع دعي اسمه "مصطفى علوي". وعلى الرغم من محاولاتها المريرة
لإثبات أن ما يزعم مصطفى بأنه من إبداعه، فإنه ما من أحد، سوى زوجها، كان
يصدق ما تقول. وكاد ذلك يودي بها إلى الجنون لولا المصادفة التي كشفت لـها
طريق مصطفى إلى نتاجها، وتوقيع ذلك النتاج باسمه بعد استبداله بعض الكلمات
بأخرى، وبعض عناوين القصص بأخرى أيضاً. قال الرجل الذي كان يجمع القمامة في
الحي حيث تسكن: "في يوم، أخذت قمامتكم. وكعادتي... كنت أفتح الكيس فلربما
أجد ثوباً قديماً أو بنطالاً لأولادي أو عبوة فارغة أستفيد منها، وإذ بي
أجد رزمة من الأوراق.. وبما أني لا أعرف القراءة وضعتها تحت إبطي.. وعندما
وصلت إلى منزل الأستاذ مصطفى.. طلبت منه أن يتبين ماهيتها.. قرأها.. ورأيت
السعادة تنتشر وتسري في كيانه ثم نقدني قطعة ورقية ما حلمت بها وقال لي
إنها أوراق حسابية تفيد في دراساته.. ووعدني أنه سيعطيني نقوداً كلما أحضرت
لـه أوراقاً من قمامتكم".
وتصدّر جمانة طه
قصتها: "سندباد في رحلة مؤجلة"(4) بالمقبوس التالي الذي
يختزل، أو يكاد، جوهر المحكي القصصي وهذا المحكي نفسه ولكن من فضاء إنساني
آخر: "قالت الكونتيسة (داغولت) لصديقتها: لقد أحبني الموسيقار (ليست) حباً
عاصفاً، وفي أول لقاء لي معه طلب أن يوصلني في عربته. وبينما أنا جالسة إلى
جانبه سألني: إلى أين يا سيدتي؟ أجبته وأنا مأخوذة مذهولة: إلى الجنة.
فسألتها صديقتها: وهل أوصلك؟. قالت: للأسف لم يكن يعرف الطريق".
ومن أبرز ما تتسم به تلك القصة تعدد مقاصد القص فيها ومغازيه، التي تبدو
أشبه ما تكون بدوائر تنداح حول المركز الذي تنطلق منه وتعود إليه كلما
ابتعدت عنه، أي حول جوهر المحكي الذي يطمح إلى القول أن لا شيء يبدد عاطفة
الحب أو ينال منها: لا إرادات الآخرين، التي تسلب الطرفين حقهما في
الارتباط الدائم، ولا الزمن الذي يقال عادة إنه كفيل بترميم آلام الإنسان
وأحزانه، وبإخماد جذوة الحنين إلى الأحبة الذين يرغمه الواقع على النأي
عنهم.
فثمة، في القصة، سفير يجد نفسه، في إحدى محطات اغترابه عن الوطن، مشدوداً
إلى فتاة علل أهلها رفضهم لزواجه منها بالقول إنه شاب جيد ولكن مركبه صعب
ولن يمنح ابنتهم الاستقرار. وعلى الرغم من أن الزمن والمسافات باعدت بينما،
فإنهما ما لبثا أن التقيا من جديد. كانت المرأة قد فقدت زوجها الطيار في
حرب تشرين، وتضاعفت مأساتها بفقدها جنينها، ولم يكن هو، كما يبدو، قد تزوج.
وبعد أن تعددت اللقاءات، وأفاء التقارب المتجذر فيهما دفأه الوارف بتعبير
القاصة، سألها أن تتزوجه، فاعتذرت بقولها إنها لم تعد تفكر بالزواج الذي
ركبت قطاره مرة وأخفق في إيصالها إلى بر السعادة. وعلى الرغم من وعده لـها
بأنه سيعود إلى الوطن ليتفرغ لحياتهما معاً، فإنها لم تؤمله بتحقيق رغبته،
خوفاً من أن تستيقظ ذات يوم فتجد وعده أبعد منالاً من النجوم. وبعد أن
تتابعت رسائله إليها من دول عدة كان يحط رحاله فيها، سرعان ما عادت رسالته
الثالثة إليها ممهورة بخاتم: "تعاد إلى المصدر، المرسل إليه مجهول
العنوان".
وتستعيد الساردة في قصة
هيفاء بيطار: "خواطر في مقهى رصيف"(5) ذكرى
علاقاتها مع ثلاثة رجال توحد بينهم، على الرغم من اختلافهم وتناقضهم
وتنافرهم بتعبير الساردة، غريزة التملك، ولاسيما للمرأة: الأول "فرح"،
الشاب الثري والمتعلم غير المثقف، الذي أحبها وأرادها زوجة لـه، وأطلق
ثراؤه عنان أحلامها في السفر إلى بلاد مختلفة والعودة منها بهدايا ومجوهرات
وثياب فاخرة و...، لكنها آثرت الابتعاد عنه، معللة ذلك بقولها: "لا أحس
بذاتي تماماً معه"، وبقولها أيضاً: "لا وعيي لم يتناغم مع لا وعيه"، فتزوج
بعد أسبوعين من قرارها، وحين كانت تضيق بها حياتها المادية كان ثمة ندم
يغزوها. ثم "فضيل"، الفنان الذي كان مولعاً بالمستحيل والمخاطر، والسهر حتى
الفجر وهو يقرأ الكتب، والذي أحبّها "بجنون، ورسم لوحات كثيرة لوجهها"،
والذي لم تكلل علاقتها به بالزواج، معللة ذلك بلا واقعيته، وبخوفها من أن
تغرقهما خيالاته في لجج الفقر والحاجة. وأخيراً "مروان"، الشاب المتدين،
الذي كثيراً ما كان يقول لـها حين كان ينتابها إحساس قاس بأن المجتمع حولها
يؤطرها ويصر على أن يحددها ويخنقها في مفاهيم بالية بتعبير القاصة: "اتركي
كل شيء وتعالي معي نتجه إلى الجوهر، إلى الله"، وعلى الرغم من تلك العذوبة
التي كانت تفيض من روحه، وحين أزفت ساعة القرار، اختارت النأي عنه كما فعلت
مع سابقيه، قائلة لـه: "لا أشعر أنني أنا تماماً معك"، لينتهي النص إلى
تثمين الحرية: "تلك الكلمة السحرية التي يموت من أجلها البشر، والتي لا
معنى للحياة من دونها".
وتنأى قصة
أنيسة عبود: "في تلك المدينة"(6) عن سابقاتها في تصويرها
للمفارقة بين زمنين: ماض ممعن في نقائه وبساطته، وحاضر ملوث بالزائف من
المدنية. ولا تتحدد مقاصد القص بتلك المفارقة فحسب، بل تتجاوزها إلى إعادة
إنتاج ما مثل شاغلا مركزياً في معظم تجارب السبعينيات، أي إلى هجاء التضاد
الطبقي في المجتمع السوري من جهة، ونفوذ آغوات القرى في الانتخابات
النيابية من جهة ثانية.
يستعيد رامز، سارد القصة وبطلها، سيرة غير شخصية تنتمي إلى القاع الطبقي:
الحذاء "سلوم" الذي كان معروفاً في المدينة قبل أن تدهمها "دكاكين الفيديو
والهمبرغر"، والذي كان يضع الأحذية التي يقوم بإصلاحها في مواقع حسب مواقع
أصحابها الطبقية، ثم سيرة الأفندي الأعرج الذي كانت زوجته "حسنة" تعمل في
تنجيد اللحف والمساند لتطعمه، فسيرة السمان عباس الذي لم يكن ثمة ما يثنيه
عن بيع البيض المكسور، وأخيراً "هرموش" الحذاء الآخر في المدينة، الذي
كثيراً ما كان يقول: "لو تصلح عندي يا رامز.. كنت أرخص لك أكثر من سلوم".
وما تلبث حركة القص أن تتجه إلى الراهن، بعد أن صار رامز مهندساً، فتعرف
القارئ بمآل "هرموش" بفعل التغييرات التي طرأت على المدينة، أي باضطراره
إلى العمل على شاطئ البحر.
وتكاد قصة
ندى الدانا: "أوراق اللعب.... أوراق الأشجار"(7) تتميز من معظم
القص النسوي السوري الصادر في التسعينيات بانتمائها إلى القص الرمزي. ولا
تكمن قيمة تلك القصة في رمزيتها فحسب، بل في قدرتها على اختزال صفحات مما
يمكن أن تتصدى لـه دراسات وبحوث وندوات في غير حقل معرفي. فهي تعري، بوساطة
الفن، إرادات القوى الكبرى التي تصوغ العالم على هواها، والتي تمارس نفوذها
وسطوتها على دول العالم الثالث التي تتجلى في القصة، كما هي في الواقع،
كائنات متناهية في الضآلة تتقاذفها إرادات الكبار، وتعبث بها، وتنظر إليها
بوصفها دمى ليس غير، وعلى نحو يعزز الأطروحة النقدية القائلة إن من أولى
مهمات الفن الكشف عن ذلك النقص في تصميم الطبيعة، أو في هذا العالم الذي
يبدو أن الله قد هجره بتعبير "غولدمان".
ثمة في القصة راو يجد نفسه داخل قاعة كبيرة تتوسطها طاولة بيضوية رسمت
عليها خارطة العالم، وحول الطاولة توزع ناس بـ "وجوه بيضاء ووجوه سمراء،
عيون خضراء وعيون بنية، بعضهم يرتدون ثياباً سميكة ويرتجفون من البرد،
وبعضهم يرتدون قمصاناً رقيقة بأكمام قصيرة، ويسيل العرق على جباههم، نساء
من كل الأشكال والألوان". أشار أحدهم إليه، فامتدت أيد إلى عنقه، وبعد أن
فر إلى أقصى الغرفة انتشرت أوراق اللعب على الطاولة، وانقسم اللاعبون إلى
مجموعات. سقطت ورقة "الختيار" على الأرض، فتفرس فيها وهو يحس بدبيب
الاكتهال يغزو خلاياه، ولم يكد يعيدها حتى سقطت صورة البنت.
لم تكن تشبه أمه أو حبيبته. استرق النظر إلى صورة الصبي التي كانت بيد
أحدهم فهاله أنها صورته. وعندما دسّ جسده تحت الطاولة امتدت يد امرأة إليه
قائلة: "وجدت الورقة التي سقطت مني"، فهتف: "أنا ابن تلك المرأة التي في
آخر الطاولة"، كانت امرأة عجوز، وشاحبة الوجه، وتذكر أنها ماتت منذ زمن،
وفجأة وجد نفسه بين يدي والده، قال لـه إنه ابنه، فلم يسمعه، وسرعان ما أخذ
الآخرون يتقاذفونه، وحين أرهقهم اللعب وتوقفوا عنه ليعودوا إليه من جديد،
هرب من النافذة. كان ثمة شجرة باسقة إلى جانب النافذة تمطر أوراقها الصفراء
على الأرض، وبدا لـه أنه ورقة خضراء تعلو قمة الشجرة. أحس بقوة تسكنه،
حولته إلى طائر رشيق سرعان ما حلق بعيداً عن القاعة.
وتومئ العلامة اللغوية لقصة
سحر سليمان: "حرق الليل"(8) إلى أن ثمة محكياً
معنياً بالوحشة التي يكابدها المرء حين يكون الواقع حوله مثخناً بالقيم
السالبة لقيم الحق، والخير، والجمال، ويحتاج، بسببها، إلى من يبدد إحساسه
الغاشم بوطأتها، أو من يرمم لـه أخاديد الألم الذي يفترسه. وما تلبث تلك
الإيماءة أن تجهر بنفسها في استهلال الساردة: "حاجتي هي، وسيعة، سعة
الدنيا. حاجتي إليك، أو إليهم، لربما لآدم وذريته أجمعين"، ثم ما يلبث
المحكي نفسه أن يكشف عن مثالب الأعراف الاجتماعية الممعنة في تخلفها، والتي
تبدو المرأة فريستها المشتهاة دائماً.
تحكي ساردة القصة، والشخصية الرئيسية فيها، أشلاء مما كانت تعانيه في
طفولتها بسبب الطفح الجلدي الذي كان يسبب لـها آلاماً مبرحة في الليل،
والذي لم يكن أقل قسوة من انتهاء الحرب القديمة بين أبيها وأمها إلى الطلاق
بسبب إنجابها لـها، أي لكونها أنثى. وعلى الرغم من أن الأم ظلت، لفترة
طويلة، ترفض الخطاب الذين كانوا يتقدمون لطلب يدها، فإن القهر الكبير الذي
كانت تعانيه في بيت أهلها سرعان ما أرغمها على الزواج، وسرعان أيضاً ما
وجدت الفتاة نفسها مرغمة على العودة إلى بيت أبيها لتعيش معه ومع زوجته
الثانية التي لم يكد يمضي وقت على إقامة الفتاة معها، حتى وجدت في إضاعتها
لـ "الأسوارة" التي كانت أمها قد أهدتها لـها ذريعة في طردها من البيت: "لن
تدخلي هذا البيت إلا والأسوارة معك".
وعلى نحو غير مباشر. ودال على موهبة تومئ قصة
منهل السراج: "تخطي الجسر"(9)
إلى ما تعانيه المرأة في المجتمعات المفوتة حضارياً، الأب الذي ينهر بناته
قائلاً: "أريدكن رجالاً"، والرجل الذي يردد: "أريدك امرأة مطيعة"، وما يميز
هذه القصة من كثير من القص النسوي في التسعينيات كفاءتها في تنشيط مخيلة
القارئ، وبثها إشارات إلى قدرة المرأة على اختراق جدران القمع المرفوعة
حولها إذا ما أرادت ممارسة إنسانيتها على النحو اللائق بها.
وترثي قصة
حنان
درويش:
"بوح الزمن الأخير"(10) الإحساس بالوحدة لامرأة تتناهبها الأرصفة بعد أن
أهملها أبناؤها، أولئك الذين "أقسموا في حضرتها على الوفاء" ذات يوم، ولم
يبروا بقسمهم: "طاروا عندما نبتت بواكير ريشهم"، و"غدت أيمانهم أوراقاً
صفراء تتلاعب بها الريح". ولا تتحدد قيمة تلك القصة بتعريتها الفنية
العالية للفقر الروحي الذي أخذ يفتك بالأسرة العربية، والذي تبدو المرأة /
الأم أولى ضحاياه فحسب، بل بتأكيدها، على نحو غير مباشر، أن ذلك الفقر جزء
من دمار قيمي يفتك بالواقع كله أيضاً. كانت المرأة، وهي تمعن في اللهاث
وراء مأوى تبيت فيه ليلتها من رحمة الأرصفة، قد سمعت أحدهم يقول "وضعت
دائرة السجون إعلاناً يشير إلى أن أحد المحكومين بالإعدام حين سئل عن
الأمنية التي يرغب بتحقيقها قبل الموت أجاب بأنه يريد امرأة".
ولأنه لم يكن لديها ما يقيها غائلة البرد والمطر في تلك الليلة فقد حزمت
أمرها على تحقيق رغبة الرجل. وفي الزنزانة أخذ كل منهما، المرأة والسجين،
يبث الآخر أشجانه، ويحكي عن ظروفه، وأيامه، وحظه العاثر، وحين بدا لـها
صادقاً: "تكالبوا عليه مثل وحوش كاسرة. ألصقو به تهمة قتل متعمدة. تهمة كان
بريئاً منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، لتصبح بعد حين أرجلهم في الخلاء
ورقبته ضمن حبل المشنقة"، قالت لـه: "تعال نتجاوز كوابيس هذه اللعبة"،
وعندما سألها: "وماذا بالنسبة للغد؟ التمعت عيناها ببريق ليس لـه شكل أو
طبيعية أو ديمومة. شع البريق في أعماقه فيما يشبه الأمل، بينما صوت انهمار
المطر في الخارج يترافق مع صوت انهمار دموع السجان الذي كان يجلس قرب باب
الزنزانة".
وعلى الرغم من أن الأغلب الأعم من مؤرقات القص في النصوص الثمانية عشر
القصيرة التي تضمنتها مجموعة هيمى المفتي: "ومضات"(11) لا يغادر المتواتر
في القص النسوي العربي عامة، أي هجاء الوعي الذكوري الشائه الذي يمارس
نفوذه البطريركي ضد المرأة في المجتمعات العربية، ثم كوابح الواقع وأعرافه
وتقاليده الاجتماعية التي تصادر عليها حقها في ممارسة وجودها على النحو
الإنساني اللائق بها، فإن القاصة تقارب تلك المؤرقات على نحو فني مغاير
لمواضعات ذلك القص، ليس بسبب الشكل الجديد نسبياً الذي اختارته لبناء
معمارها القصصي فحسب، بل بسبب إثارتها مخيلة القارئ عبر ذلك الشكل لاستكناه
ظلال القص ولا القص نفسه أيضاً. وسأمثل لذلك بنصين: "السراب"، و"الأسيران"،
اللذين يمكن عدهما نموذجين متمايزين حكائياً متعاضدين دلالياً.
في النص الأول، "السراب"، ثمة شاب عائد من بلد أجنبي، يلتقي، مصادفة، بفتاة
كانت تعيش في انتظار رجل مثله يحمل شهادة عالية، وله مركزه الاجتماعي،
ويملك المال: "كانت واحدة من كثيرات، كل منهن ترمي شباكها حوله.. لم تكن
أجملهن، لكنها أول فتاة تسمح لـه بأن يتجاوز كل الحدود دون اعتراض. أخبرته
أنها متعلقة به، وأخبرها أنه يريد أن يعرفها جيداً. كانت تخرج معه وقتما
يشاء، تلبس ما يعجبه، وتأكل ما يشتهي، وتمنحه كلمات الحب بلا حساب". وحين
طلبت إليه أن يحدد موقفه من علاقتها به، بعد طول انتظار، لم يتردد في
القول: "أنت فتاة رائعة، وقد استمتعت بصحبتك فعلاً. لكنني لا أرغب في
الارتباط بك"، ثم علل إرادته تلك بقوله: "في الحقيقة بعد أن أمضيت سنوات
طويلة في الغرب، أصبحت أفضل الحياة مع فتاة شرقية الطباع".
وتتجلى كوابح الواقع وأعرافه وتقاليده السالبة للمرأة والرجل معاً في وجود
إنساني خال من ملوثات تلك الأعراف والتقاليد في نص "الأسيران" الذي تختزل
فيه القاصة، ببراعة لافتة للنظر، مظهراً من مظاهر انتهاك الموروث الاجتماعي
الشائه لعاطفة الحب. فثمة فتاة أرغمتها العادات على الارتباط بابن عمها،
وشاب أرغمته العادات نفسها على الارتباط بابنة عمه. وحين كانا يلتقيان، بعد
إذعانهما لتلك العادات، ويتبادلان نظرات الرغبة في التمرد عليها، كان ثمة
ما يحول بينهما: امرأة تنتظره هي ابنة عمه ورجل تحمل اسمه هو ابن عمها،
فيعود هو إلى سجنه، وتعود هي إلى كفنها.
وليس دقيقاً تماماً ما انتهى إليه "خطيب بدلة" في كلمة الغلاف الثاني
لمجموعة
ابتسام شاكوش: "بعض من تخيلنا"(12) من أن القاصة "لم تحصر نصها
القصصي في دائرة الأدب النسائي"، ليس لأن النص الذي تحمل المجموعة عنوانه
ينفي ذلك فحسب، بل لأن الأغلب الأعم من النصوص السبعة عشر المكونة للمجموعة
لا يتحرر من طغيان مشكلات المرأة وقضاياها، كما في معظم الكتابة النسوية
العربية، أيضاً.
تتابع قصة "بعض من تخيلنا" ما دأب عليه المنجز السردي النسوي العربي من
هجاء للتعارض الحاد بين الرجل والمرأة، الذي يفتك بأكثر العلاقات الزوجية
في المجتمعات العربية، فـ "بهية" امرأة بليدة، ومطيعة كبقرة حلوب، ما إن
تضع رأسها على الوسادة حتى تستغرق في شخير متصل، وحين ضاق بها ذلك الزوج
ذرعاً وجد في"ميسون"، الفتاة التي تشاركه غرفة مكتبه في العمل، ملاذاً لـه
مما كان يعانيه، وعلى الرغم من أن خيالاته كانت تطير به إلى بلد بعيد: "فيه
كل أسباب العيش الهنيء، لا يعرف فيه أحداً ولا يعرفه أحد، آخذا معه ميسون
ليعيش معها الحب بأروع صوره"، فإنه سرعان ما كان يرتطم بأرض الواقع، ولا
سيما حين كانت ميسون تناديه: "عمو أبو نظير"، وعندما سافرت زوجته أمل نفسه
بقضاء "قيلولة استثنائية قبل الخروج إلى الحديقة حيث تتنزه ميسون"، لكنه ما
إن دخل المنزل حتى دهمته الوحشة وسقط "حلمه بالحرية كلوح من الجليد
الرقيق.. أشاع البرودة في كل الزوايا الغارقة في الصمت"، وفي الحديقة التي
ذهب إلها مساء لانتظار ميسون بوغت بها مقبلة نحوه مع صديقات لـها وهي تطلق
قهقهات "في غاية الوقاحة، تتنزل على نفسه.. كمطارق حديد"، وما كاد يغادر
الحديقة جاراً وراءه "ذيول الخيبة والخذلان"، حتى حث خطاه "نحو شباك البرق،
وهناك خط برقية مستعجلة: أضعت لباسي يا بهية، أسرعي بالعودة إلى البيت".
وتقدم قصة وفاء خرما: "الأجنحة المتكسرة لـ س و ع" (13) إشارات عدة إلى
صواب ما انتهى إليه شوقي بغدادي في تقديمه لمجموعة القاصة، أي قوله: "ليس
لوفاء خرما أن تشكو من نقص في الموهبة أو التقنيات، فهي تملكها وتجيدها".
فعلى الرغم من دوران القصة في فلك الكتابة النسوية العربية المهمومة عادت
بمعوقات تحرر المرأة، فإنها، وبسبب عوامل عدة، تعيد إنتاج ذلك على نحو فني
جديد ودال بآن على موهبة جديرة بالتقدير حقاً. ولعل أبرز ما يميز تلك القصة
توزع مغزى القص فيها بين حقلين دلاليين: المرأة المطعونة في أحلامها بسبب
الوعي الذكوري الملوث بالتخلف، والتضاد بين النظرية والممارسة لدى المثقف
العربي عامة، بسبب توزع القص نفسه بين حكايتين: حكاية المرأة المريضة مع
زوجها، وحكاية الطبيب المعالج مع الواقع حوله.
تفتتح القاصة نصها وبطلتها ممددة على سرير ضيق في عيادة طبيب، وحين ينتهي
الأخير من تشخيصه لمرضها ويبدأ بكتابة الدواء اللازم سقطت عيناها على مكتبة
صغيرة تستقر في رفوفها كتب لافتة للنظر: (الأعمال الأدبية الكاملة
لتولستوي، والملهاة الإنسانية لبلزاك، ومدخل إلى فلسفة التاريخ لـهيغل، و..
ومجموعة من مجلة بعنوان: "الكفاح")، وعندما مدت يدها إلى كتاب ابن رشد:
"تهافت التهافت" وسألت: ابن رشد.؟ هز الطبيب رأسه قائلاً: "ابن رشد وغيره.
أتسلى بالقراءة".
ثم تنعطف حركة القص، عبر تقنية الاسترجاع، إلى جزئية مما عانته تلك المرأة
مع زوجها: "كان إذا رآني أقرأ في كتاب ينبر غاضباً: عيناك، ألا ترحمين
عينيك؟ ولم تكن عيناي ما يهمه. كان يخشى ارتقائي". وما تلبث تلك الحركة أن
تعود إلى الحكاية الأولى، لتهجو، عبر لسان الطبيب، جشع زميله في المهنة،
الجراح (ص) الذي قضى على يديه أربعة من مرضاه في عام واحد، ونجا من مطاردة
القانون لـه. وعبر التقنية نفسها ترتد الحركة إلى جزئية أخرى من معاناة
المرأة: "فجراً يدخل البيت بخطوات متعثرة.. ينهد بجسمه على السرير.. قال
لـها: أسهر كما أشاء وأنى أشاء.. أنا رجل لا يحب القيود"، ولم يكن ثمة خيار
أمامها سوى فك قيودها من حياته.
كانت تؤمل أن تجد لدى الطبيب شفاء لـها من مرضين: من علاقتها الماضية
بزوجها، ومن قلبها الذي أوهنته تلك العلاقة، لكنها ما إن دخلت العيادة، في
الموعد الذي كان الطبيب قد حدده لإجراء العمل الجراحي اللازم لـها، حتى
بوغتت بأن العيادة مغلقة، وأن أحدهم يتبرع بالقول: "استدعي فجأة لتوقيع عقد
في الخارج".
وتستعيد قصة أميمة الخش: "الرشيم"(14) بواكير القص السوري، بل العربي عامة،
الذي غالباً ما كان يتوسل بالسرد لإنتاج أفكار، ولتثبيت قيم ونفي نقيضها،
ولأداء رسالة تعليمية تتقدم وسائل بناء المعرفة فيها على وسائل بناء النص.
تعاين القصة التضاد المادي والروحي بين الذين يملكون والذين لا يملكون، على
الرغم من انتمائهم جميعاً إلى جذر واحد، ومن انتهائهم جميعاً أيضاً إلى
نهاية واحدة. وتطمح إلى القول كما تؤكد ذلك في نهايتها: "في القلب يكمن
المعنى، ومن يحيا من غير قلب يفتقد معنى الحياة. القلب هو الحجر الفلسفي
الذي يحول أخس المعادن إلى ذهب"، وبين المقدمة والنهاية يغص المتن بالأفكار
المتعارضة فيما بينها: أفكار الشاب الغريب الذي ينتمي إلى طبقة اجتماعية
نقيضة لسكان القصر وزواره الذين كانوا يشاركون في العزاء بصاحب القصر،
وأفكار أولئك السكان والزوار أنفسهم الذين بدا الشاب بالنسبة إليهم كما لو
أنه مخبول أو مدسوس عليهم. فبينما كان أحد أولئك يؤكد أن الحياة يجب أن
تعتصر حتى آخر قطرة منها، كما فعل الميت، صاحب القصر، الذي "عاش حياته كما
يجب أن تعاش" ونهل من ملذاته ومتعها ما جعل منه معلماً بالنسبة إلى أبناء
طبقته، انبرى الشاب للقول إن للحياة معنى آخر، وإنه لا يعقل أن يكون لوجود
أحد في الحياة معنى ولا معنى لوجود سواه، ثم إن "التطور الحقيقي للبشرية..
ثمرة جهود أناس شعروا، وهم في عصر الكهوف، بأن للحياة غايات أبعد من إشباع
حاجاتهم الآنية".
وتتميز قصة
سوزان خواتمي: "الحضن الكبير"(15) من القص النسوي في التسعينيات
بمقاربتها لموضوع لم يشغل سوى مساحة صغيرة من مؤرقات قص التسعينيات عامة،
ولا النسوي وحده، هو الحنين إلى الوطن، الذي يكابده المغتربون، ولا سيما
الذين وجدوا أنفسهم بين فكين بآن: الإدمان على الاغتراب، والشوق الفادح إلى
الوطن. والقصة أشبه ما تكون بقصيدة رثاء للذات المغتربة، بل قصيدة تفجع على
ذكريات لم يستطع النأي المديد عن مراتع الطفولة والشباب وعن الأهل والأحبة
أن ينال شيئاً من بهائها، أو أن يحفر الزمن ندوبه القاسية فيها.
تبتدئ حركة القص في "الحضن الكبير" بأغنية فيروز: "ردني إلى بلادي...."
التي تضع الساردة / الشخصية الرئيسة في القصة وجها لوجه أمام سيل هادر من
الحنين إلى الوطن لم يكن من بد للجمه سوى لجم الأغنية نفسها: "بذراع عصبية
المزاج أخرس جهاز التسجيل، وأطبق بكفي فوق دمعة كرجت على خدي"، ثم سرعان ما
تبدأ الذكريات بالانبثاق من غيابة الماضي موقدة جمر الحنين، وممعنة في
استنهاض ما اندثر أو كاد من وقائع الطفولة الأولى وأحلام الصبا التي تبدو
جميعاً كما لو أنها "قوارير مسكوبة يدوسها قطار العمر الماضي نحو أقداره
فلا يتسنى الوقت إلا لاشتمام بعض من روائحها". وسرعان أيضاً ما تنفتح
الذاكرة على الخصائص المميزة للمدينة الجذر / المدينة الوطن التي لم تقو
السنوات العشرون التي قضتها بعيداً عنها على تبديد فتنتها، أو إخماد وميضها
في خلايا الروح كلها: "كبر الصغار وصاروا لصيقين بموطئ أقدامهم الجديد،
يرطنون بالأجنبية مستصعبين نطق الضاد، مستسلمين عن المحاولة، رغم أن لـهجة
القاف المرققة (لهجتي المحلية) يطيش لـها صوابي فتبحث عيناي جذلة بالناطق،
متمنية لو أسأله عن الشمس المشرقة دون استحياء.. عن الفستق الحلبي ذاك الذي
يستسلم لشعاع القمر في تمامه، فتتفتح مسامه ويحلو مذاقه.. عن آذان
الجوامع.. عن صلاة العيد والناس تردد الدعاء في البيوت.. في المذياع.. في
التلفاز.. في عيون الصغار.. في قلوب الكبار". ولأن تلك الفتنة، وذلك
الوميض، كانا زادها في الغربة، بل خلاصها الوحيد من الأرق الجائر الذي كان
يطارد لياليها، ولا سيما في الأيام الأولى لغربتها، لم تجد، في خاتمة
القصة، جواباً للسؤال الذي تخيلت أن الوطن قد سأله لـها حين عادت إليه: "شو
اللي تغير فيك؟" سوى القول: "ما في شيء، بس كل يوم كنت عبحبك أكتر".
وتمعن غزالة درويش في قصتها: "زمن يحترق"(16) في تعرية قيم الاستبداد
الذكوري التي تهمّش المرأة وتسلبها وجودها الإنساني، وتجعلها نهبا للوحدة
والقهر. تسرد القاصة، على نحو فني، حكاية امرأة مطلقة طردت من بيت زوجها
لتمردها على إرادته، فأوت إلى غرفة أكثر "ضيقاً من قبر، في شقة تزدحم
بالغرباء مثلها"، وأمام وطأة إحساسها الدامي بحنينها إلى طفلتها، وإلى عالم
خال من ملوثات الذكورة، ومن لعنة "مطلقة" التي كانت تطاردها دائماً، تجد
نفسها مرغمة على الذهاب إلى طبيب نفسي عله يخلصها من قتام الكآبة التي كانت
تجثم على روحها، وتدفعها إلى الشوارع ليلاً كي تمتلئ بمعنى الوجود، وتتنسم
رائحة الحرية.
وتعنى
منال فياض
في قصتها: "سفر في وريد مقطوع"(17) برثاء الحب الذي تغتاله
يد الموت قبل أن يكتمل، وذاك الذي يسقط صريعاً بأنياب اللهاث وراء المال
قبل أن ينمو ويترعرع. ولعل أبرز ما يميز تلك القصة تعبيرها عن صورة الآخر
غير العربي على نحو مغاير لتجليات تلك الصورة في الأغلب الأعم من السرد
العربي، القصصي والروائي، فالطبيب الشاب الذي يتابع دراسته في دولة أجنبية،
والذي كان لـه موقفه المضاد من المرأة بسبب "عبير" التي آثرت الزواج من رجل
مدجج بالمال على الوفاء لـه، وعلى إكمالها لدراستها، يجد نفسه متعلقاً
بإحدى مريضات المستشفى الذي كان يتابع دراسته فيه، لكن يد المنية تعاجل تلك
المريضة فتفتك بروحه كما فتكت بجسدها. ولئن كانت القصة قد عرّت الوعي
الناقص لدى الفتاة الشرقية، كما تمثلها عبير التي لم تكن يوماً "تغيّر...
تسريحة شعرها ولا بنطالها الجينز الأزرق" بسبب فقرها، والتي سرعان ما أدارت
ظهرها إلى الشاب الذي أعطته "منديلها المغمس بالعطر والدموع" قبل أن تسافر
لإكمال دراستها، وسرعان أيضاً ما تزوجت من رجل ثري، فإنها، أي القصة، بآن،
قدمت صورة تكاد تكون جديدة للفتاة في الغرب، كما تمثلها المريضة التي أحبها
الطبيب / السارد، وسهر على رعايتها، إذ كانت، بالإضافة إلى كتابتها الشعر،
تفيض رقة، وتؤثر من تحب على نفسها حتى لو كان ذلك على حساب جسدها العليل.
وتكاد قصة بلسم محمد: "ريح الشمال"(18) تكون تنويعاً على قصة
سوزان
خواتمي:
"الحضن الكبير ولكن على نحو آخر، فإذا كانت قصة خواتمي قد صورت الحنين إلى
الوطن في بلاد الاغتراب، فإن "ريح الشمال" تتابع ذلك الحنين من داخل الوطن
نفسه، أي بعد رحلة الاغتراب عنه.
يتوزع محكي القصة بين فضاءين وزمنيين: فضاء الغربة، وفضاء الوطن. تستعيد
الساردة / الشخصية الرئيسية، عبر الأول، ذكرى اغترابها مع زوجها الذي كان
يتابع دراسة الطب في "موسكو"، وتتوقف عند رحلة فاتنة كانت قضتها بصحبته،
وآخرين، في "لينينغراد". وحين عادا إلى منزلهما، وبينما كانت تغادر
السيارة، لفحتها ريح باردة قادمة من الشمال كان لـها وقعها الخاص عليها:
"عندما نعود إلى بلدنا قد تنسيني الأيام كل شيء، إلا برودة ريح الشمال هذه
ورائحة الثلج الذي تحمله". وفي المنزل، وبعدما قال الزوج: "بالرغم من أننا
عائدان من أجمل الأيام والأماكن، فشوقنا إلى وطننا الصغير هذا يجعله
ممتلئاً بالأمان، فكيف إذا عدنا إلى وطن الأهل والأرض والأحبة؟"، أحست بأن
ثمة حنيناً جارفاً يشدها إلى وطنها، فرددت بينها وبين نفسها: "أريد أن
أعود... أريد أن أعود".
كانت تردد ذلك في الوطن وهي تغيب شيئاً فشيئاً عن الوعي في مستشفى الولادة
التي نقلت إليه لإنجاب طفلها الثاني، وبينما كانت تصحو من أثر المخدر الذي
حقنت به قبل البدء بالجراحة القيصرية، وحينما سألتها قريبة لـها عن الاسم
الذي ستختاره لطفلها "تمتمت بصعوبة بالغة: إنه المجد فعلاً.. إنه المجد"،
قاصدة بذلك الوطن، فتناهى إليها صوت الطبيبة يقول للممرضة: "سجلي اسم
الوليد في شهادة الميلاد: (مجد)".
وتعيد قصة
أمية الجاسم العبيد: "عسلها مر"(19) إنتاج ما يبدو مكوناً
مركزياً في مؤرقات القص النسوي العربي عامة، أي إخلاص المرأة وخيانة الرجل.
فثمة امرأة رفضت عروض الزواج التي انهمرت عليها بعد موت زوجها في بلد بعيد
عنها، وآثرت التفرغ لتربية أبنائها، والوفاء لعلاقة الحب التي كانت توحدهما
معاً. لكنها، وبينما كانت تعد نفسها للاحتفال بخطوبة ابنتها "سهير"، بوغتت
بامرأة تزورها مع ابنة شابة لـها في عمر سهير، ولم يكد يمضي وقت على بدء
الزيارة حتى أحست بأن ثمة دواراً يعصف بها. قالت المرأة مخاطبة سهير: "إنها
سميرة أختك يا سهير، وهذه شهادة ميلادها، وهذا صك زواجي من والدها المرحوم
سليم".
جماليات القص:
لئن كان من البديهي ألا يكون القص النسوي السوري في التسعينيات، شأن مجمل
تجارب القص السوري في عقود مختلفة من تاريخه، على سوية فنية واحدة، فإنه
لمن اللافت للنظر ترجحه، في هذا المجال، بين مستويين لا ثالث لـهما: أول
يحقق فعل القص لنفسه مسوغات انتمائه إلى الفن قبل انتمائه إلى الجنس
القصصي، وثان يتجلى هذا الفعل معه ومن خلاله حكاية فحسب تنأى عن الفن نأيها
عن القص بمعناه الفني بآن.
تنتمي قصة
ماري رشو: "قوانين رهن القناعات" إلى المستوى الأول، وتمتلك غير
إشارة إلى وعي القاصة بمعنى الفن، ولا سيما الغوص على أعماق الشخصية
واستجلاء ما يضطرم فيها من تردد بين خيارين ضاغطين أحلاهما مر. ويتجلى ذلك
الوعي من خلال بناء القصة لجملة سردية لاهثة وقصيرة وحارة وقادرة على تصوير
ذلك التردد والتعبير عنه وتحويله من كونه واقعاً نفسياً إلى كونه واقعاً
لفظياً تستجيب حركة القص معه لمختلف أشكال التوتر في الشخصية، ولعل المقبوس
التالي يكشف بعضاً من تلك السمة المميزة لذلك الوعي: "الزمن يكرر المواقف..
فكرت باقتضاب.. في ذاكرتها بحر يصخب وأمواج... وشوق إلى انفصال عن دائرة
الأفعى.. أو هروب من مشاعر الذنب والاتهام.. فعجلة الحياة تدور... تخلف
المتناقضات وتبقى النفس البشرية بضعفها وجبروتها مواقف اختيار..".
وتزخر قصة
رباب هلال: "دوائر الماء والأسماء" بما هو دال على موهبة قصصية
لافتة للنظر، ولا سيما مكون اللغة، الذي تبدي القاصة من خلاله مقدرة مميزة
في النفاذ إلى دواخل شخصيتها الحكائية، أمل، وفي تجلية تلك الدواخل عبر سرد
شاف، توحي الجملة القصصية فيه أكثر مما تقول، وتومئ أكثر مما تعكس. ولئن
كان من أبرز الأفكار التي زخرت تلك القصة بها القول إن الوعي الشائه سمة
الطبقات الاجتماعية المختلفة، فإن من أبرز ما يميز تعبير القاصة في هذا
المجال إضمارها، عبر رمز المطر، بأن ما يحرر الواقع من ذلك الوعي، إلحاح
المرأة نفسها على مساءلة كل شيء حولها، ودأبها نفسها أيضاً على تطهير
الواقع من الآثام الكبيرة التي تعوق تقدمه: "عندما كنت صغيرة كنت أتعمد
المشي البطيء تحت المطر.. إحساس بالعطش يلازمني... جفاف بداخلي يطالب دوماً
بالارتواء".
وتبدو قصة نجاح إبراهيم: "المجد في الكيس" نموذجاً دالاً على ما ذهب إليه
الشاعر مدحت عكاش في كلمته على الغلاف الثاني للمجموعة، أي قوله إن نجاح
إبراهيم "تضع قدمها في محراب فن القصة القصيرة واثقة من نفسها"، فالقصة،
التي تنتسب بشكل ما إلى ما يصطلح عليه بالقص البوليسي، توفر القاصة لـها
عناصر التشويق كافة، وترغم قارئها على متابعتها حتى نقطة النهاية منها. غير
أنها، في الوقت الذي تعري فيه جزءاً من مثالب الواقع الثقافي، لا تنجو من
مواجهة الوعي الذكوري الشائه بوعي نسوي مضاد، إذ يبدو مجمل المثقفين لديها
من الرجال ملوثاً بالنقائص: "القاص محمود ذو الكرش المتدلي" الذي كان ينظر
إلى القاصة المنهوبة "بخبث وشماتة"، والآخر الذي كان يؤكد أنها "أنانية"
و"لا تريد لغيرها أن يحلق"، و"عزيز الشاعر الذي ألف في تاريخه الغابر قصيدة
مهلهلة عندما هجم عليه شيطان الشعر فجأة وهو يعالج قضيباً من الحديد في
ورشة عمله"، والذي بادر إلى القول في الندوة الأدبية في المركز الثقافي:
"من رأيي أن تلزم أديبتنا الشابة بيتها"، ثم مدير المركز الذي افتتح كلامه
في الندوة بقوله: "كيف لمصطفى أن يسرق أقاصيصك؟ قد تكون مجرد توارد خواطر
أو تشابه في الأفكار".
وبهذا المعنى، فإن القاصة لا تشتغل على فضاء الرجل بوعي واختيار
واستراتيجية. بتعبير حسن نجمي(20)، بل تكتفي بهجاء ذلك الوعي، وتتصدى
لتعريته من موقف المرأة المضطهدة فحسب، لا من موقف المرأة المثقفة. ولئن
كان ثمة ما يسوغ لـها ذلك، فهو امتلاكها أدوات القص امتلاكاً يكاد يكون
تاماً من جهة، وإرهاص مجموعتها عامة بقاصة موهوبة حقاً من جهة ثانية.
وتتسم قصة
جمانة طه
: "سندباد في رحلة مؤجلة"، على المستوى البنائي، بوفرة
المتفاعلات النصية فيها، فبالإضافة إلى تصدير القاصة لنصها بحكاية "داغولت"
و"ليست" ثمة في المتن إشارات إلى أغنية فيروز: "كيفك أنت"، وجلجامش،
وسندباد، وعشتار، وأنكيدو، و.. تنهض جميعاً بأداء وظيفة تنويرية في مقاصد
القص، أي بالكشف عن لعنة الاغتراب التي رافقت الإنسان منذ فجر التاريخ،
فسلبته أحبته، وأسلمته لـهواجس الوحدة والحنين إليهم دائماً.
ومن أهم ما يميز تلك المتفاعلات انبثاقها من حركة القص نفسها، أي بوصفها
جزءاً من تلك الحركة وليست ملصقات فيها، ثم انتماؤها جميعاً إلى حقل دلالي
واحد هو تلك اللعنة التي أشرت إليها آنفاً. ومما يميز ضمير الخطاب الذي
لجأت القاصة إليه في صوغ محكيها، أي ضمير المتكلم بلسان الرجل، كفاءة
القاصة في تحرير ذلك الضمير من مرجعه الذكوري، حتى ليبدو، داخل القص، بوصفه
لسان حال الإنسان عامة، ولا الرجل وحده.
ولا تقدم قصة
هيفاء بيطار: "خواطر في مقهى رصيف" إشارات كافية إلى أداء فني
دال على تملك القاصة، معرفياً وجمالياً، لأدوات الجنس القصصي، وعلى تمكنها
من صوغ جملة قصصية محملة بالإيحاءات والظلال، فالنص أشبه ما يكون برواية تم
اختزالها إلى جنس القصة القصيرة، وهو يغص بفائض قصصي على مستويين: سردي
ودلالي، كما في إلحاح القاصة على إلحاق صفة "السوداني" بالفستق على الرغم
من عدم وجود نوع آخر لـه داخل النص، وصفة "الرصيف" بالمقهى على الرغم من أن
فعاليات الاسترجاع لا تتم في فضاء سواه أيضاً. ولا يمتلك ضمير الشخص
الثالث، "هي"، ما يعلله على نحو كاف، سوى إيهام القارئ بأن المحكي عنها
ليست القاصة نفسها، التي لم تبذل جهداً كافياً في تفحص "الرأرأة" التي
تعانيها لغة القص لديها، والتي تبلغ حد العامية أحياناً، كما في قولها: "لم
تفتكر الكلمات".
وتتسم قصة
أنيسة عبود: "في تلك المدينة" بتجذير القاصة لمحكيها في بيئتها
المحلّية، وبتقديم غير قرينة دالة على الفضاء الذي تتحرك فيه الأحداث
والشخصيات، ولا سيما أسماء القرى والشوارع سعياً من القاصة إلى تعزيز
واقعية القص، وصدوره عن خبرة مباشرة بذلك الفضاء. وعامة، فإن القصة لا
تغادر المتواتر في قص السبعينيات، بل إنها تعيد إنتاجه على غير مستوى، ولا
سيما على المستوى الفني، إذ تكتفي القاصة بسرد ما حدث لبطلها على نحو
مباشر، ولا تخلص ذلك الذي حدث من فوائض القص ونوافله، أي مما اصطلح "توماتشسفكي"
عليه بـ "الحوافز الحرة"(21)، كما في شخصيتي الأفندي الأعرج وزوجته حسنة،
اللتين لا تنهضان بأداء أي دور في القصة، واللتين يمكن الاستغناء عنهما من
دون أن يؤثر ذلك في جوهر القص. وعامة أيضاً، فإن اللغة تبدو مغلولة إلى
أصفاد ما هو إبلاغي فحسب، أي من غير ما استخدام خاص للغة العملية، الذي عده
"رامان سلدن" جوهر الأدبية في الأدب (22).
وتتسم الرموز في قصة
ندى الدانا: "أوراق اللعب.. أوراق الأشجار" بأنها تسلم
نفسها إلى القارئ من دون عناء، فالرجل ليس سوى العربي الذي صار إلى ورقة
لعب بيد القوى الكبرى، واللاعبون ليسوا سوى تلك القوى التي تحدد مصائر
الضعفاء كما تشتهي، ووالدة الرجل ليست سوى الأمة العربية التي انتهت إلى
الضعف والهزال ولم تعد تقوى على فعل شيء. أما بناء القصة فيرتهن إلى تقاليد
القص، التي تهيمن عليه التراتبية الخطية، والتي يبدو السارد فيها قادراً
على النفاذ إلى دواخل الشخصيات وعالماً بكل شيء، وينيب نفسه عنها في الكشف
عن أفعالها وردود أفعالها تجاه الواقع حولها، فالأحداث، في القصة، تتتابع
تتابعاً كرونولوجيا، والرجل / السارد المتماهي بمسروده يبئر ذلك المسرود من
خلال منطق "الحكاية ذات التبئير الداخلي"، أي التي يتم تبئيرها من خلال وعي
شخصية ما، والتي "تحصر الشخصية المركزية تماماً في موقعها البؤري وحده، ولا
تستنبط إلا منه"(23)، ولعل هذه السمة هي ما جعل استخدام القاصة لضمير
المتكلم غير ذي دلالة داخل حركة القص، إذ تمكن إعادة كتابة القصة بوساطة
ضمير خطاب آخر من غير "أن تتسبب هذه العلمية في أي تغيير للخطاب غير تبديل
ضمائر الشخص النحوية"(24). وخاتمة القص تبدو نتاج إرادة سابقة على الكتابة
أكثر منها نتاج إرادة القص نفسه، وعلى نحو يذكّر بصنيع كتاب "الواقعية
الاشتراكية"، ولا سيما الجدانوفية التي دعت إلى وجوب تزيين النص الأدبي
"بالرومانسية الثورية التي تفكر بالمستقبل المشرق"(25).
ولا تكتفي الآيتان الكريمتان: "والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس"، اللتان
تصدّر بهما سحر سليمان قصتها: "حرق الليل"، بمعاضدة الدلالة في عنوان القصة
فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى الإيحاء بالزمن الذي يحدد فضاء القص أيضاً، والذي
يتجلى داخل المتن القصصي بوصفه، أي: الليل، رمزاً لوطأة الواقع الذي يحدد
مصائر الأحداث والشخصيات بآن. والمتفاعلات النصية المبثوثة في القصة تتجاوز
الآيتين المشار إليهما آنفاً واللتين تنتميان إلى حقل "المناص" إلى ما
ينتمي إلى حقل "الميتانص" أيضاً، أي ما يأتي مندمجاً ضمن النص، ومما يصعب
على القارئ غير المكون تبينه(26)، كما في المقبوس التالي: "رائحة أمي،
وقهوة أمي، وضحكة أمي، ودموع أمي، التي تطهرني من كل مخاوفي". الذي يحيل
إلى قصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش المعروفة.
وليس حرق الليل، أو الطفح الجلدي، الذي كان يمعن في تعذيبه الفتاة سوى رمز
لأمراض الوعي الناقص وعلله المدمرة، فالآلام التي كانت الفتاة تعانيها في
الليل بسبب ذلك الطفح هي الوجه المادي للآلام النفسية التي كانت تفترسها
بسبب الحرب المستعرة دائماً بين والديها، والتي سرعان ما انتهت إلى الطلاق،
فإلى زواج الأب أولاً ثم الأم أخيراً. وقد نجحت القاصة، عبر اللغة اللافتة
للنظر برهافتها، في إحداث تواز بين الوجهين: المادي، والنفسي. غير أنها،
على الرغم من كفاءتها الواضحة في بنائها لشخصياتها، فإنها لا تقنع القارئ
في بنائها لشخصية الأب الذي طالما كان يردد على مسامع ابنته قوله: "ادرسي
يا ابنتي، كوني قلعة مسورة بحصن متين، فالدراسة حصنك الحامي"، والذي سرعان
ما وجد في إنجاب زوجته لـه مولوداً أنثى ذريعة ليتوج حربه القديمة معها
بالطلاق. كما لم تستطع تطهير نصها من خدوش الأخطاء اللغوية والطباعية بآن.
وإذا كان مما يميز قصة منهل السراج: "تخطي الجسر" من سواها من القص النسوي
في التسعينيات تجذير القاصة لمحكيها في البيئة التي تنتمي إليها، كما فعلت
أنيسة عبود في قصتها: "في تلك المدينة"، فإنها بآن تمتلك ما يجعل منها
علامة في ذلك القص بسبب السمة الاستعارية التي تحررها من وطأة ما هو واقعي،
والتي تتجلى من خلال ثلاثة رموز: القطة، والشجرة الصغيرة، والكوخ.
وتبدو لغة القص عند
حنان درويش، في "بوح الزمن الأخير"، وثيقة الصلة بلغة
الشعر: فياضة بالصور، وموقعة إيقاعاً داخلياً، ومعززة للأطروحة القائلة إن
القصة القصيرة "أقرب الأنواع الأدبية إلى الشعر"(27): "الليلة الشرهة تعوي
في عظامها. يودع البرد سياطه فوق صفحة وجهها. ثمة مطر غزير، وثمة عواصف
متخمة بالفجاجة تقتلع أوتاد خيمتها، وتصب في قلبها ذعراً لم تستطع مهادنته.
تنتفض. تختنق. يتبعثر حطام المرأة في داخلها". وما هو فني دال على قص مميز
عند حنان درويش لا يتحدد بمكون اللغة فحسب، بل يتجاوزه إلى المكونات الأخرى
لفعالية القص، ولا سيما مكون الوصف المعني بأعماق الشخصية وانفعالاتها، ثم
الاقتصاد الواضح في خطاب الأقوال الذي يعاضد الوصف في المجال نفسه أيضاً.
ولعله من المهم الإشارة إلى التعارض بين الفضاءين الأساسيين اللذين تتحرك
فيهما الأحداث والشخصيات في القصة: فضاء الشارع، وفضاء الزنزانة، اللذين
يكتسبان داخل القصة دلالة مفارقة لمرجعهما الواقعي، فعلى حين يبدو فضاء
الشارع المفتوح مثيراً للألم والعزلة، يبدو فضاء الزنزانة المغلق عابقاً
بالألفة والمودات.
وما يميز نصيّ هيمى المفتي معاً بل ما يميز نصوص مجموعتها كافة، قولهما
أكثر ما يمكن بأقل ما يمكن، وكفاءتهما، بل كفاءة القاصة على نحو أدق، في
اختزال مكونات القص إلى الجوهري منها تماماً، أي خلو تلك المكونات من
الحوافز الاعتباطية، ثم استثمار القاصة للجملة الفعلية على نحو فني مميز،
من أبرز تجلياته تلك المفارقة اللافتة للنظر بين استهلالات القص وخواتيمه
في معظم النصوص، ولا سيما في نص "السراب" الذي يضمر في علامته اللغوية
إيحاء بمآل علاقة الفتاة بالشاب إلى تلك النهاية الفاجعة. ومع أن القاصة لا
تعنى كثيراً بمكون الفضاء الذي تتحرك فيه شخصيات النصوص وأحداثها، فإن ثمة
ما يومئ إلى انتماء ذلك المكون إلى الفضاءات المغلقة دائماً، إمعاناً من
القاصة، وعلى نحو غير مباشر، في تعرية أسوار العزلة الفادحة التي تعانيها
تلك الشخصيات، وإحساسها الفادح أيضاً بقطيعتها مع الواقع حولها.
وثمة في قصة
ابتسام شاكوش: "بعض من تخيلنا" إشكالية في مقاصد القص،
فالقاصة، داخل المتن القصصي، لا تدخر جهداً في تأكيد أن حياة الرجل مع
امرأة من النوع الذي ترسمه لشخصية "بهية" أشبه ما تكون بالجحيم، وأن لا
ملاذ لذلك الرجل، وأمثاله، سوى امرأة ثانية يفيء إليها هرباً من هجير
الوحشة التي تفترسه، بينما تنتهي، في خاتمتها، إلى أن الرغبة في التحرر من
وطأة ذلك كله ليست سوى "بعض من تخيلنا"، وأن العيش مع امرأة مثل "بهية"
أجدر بالديمومة والبقاء من الأحلام. إن القاصة تطمح إلى تثمين العلاقة
الزوجية، لكنها لا توفر لفعالية التثمين تلك ما ينهض بها على نحو فني، كما
لا تحرر محكيها من عبء الحوافز الحرة، ومن تلك الحوافز خزانة بهية التي
ينتهي القارئ من القصة من دون أن يعرف دلالة إغلاق بهية لـها دائماً، أي ما
الذي كانت تخفيه في داخلها. وعلى النحو المميّز لمعظم القص النسوي السوري
في التسعينيات تنوء لغة القص تحت وطأة ما هو إبلاغي فحسب، وما تبقى المفردة
معه أسيرة جذرها المعجمي.
وتمتلك قصة وفاء خرما: "الأجنحة المتكسرة.." غير قرينة دالة على تمكن
القاصة من بناء نص أدبي يحقق لنفسه معظم مكونات أدبية الأدب، ومن تلك
القرائن التوازي والتقاطع بين الحكايتين، وتعدد ضمائر الخطاب، واستثمار ذلك
التعدد استثماراً فنياً لـه مسوغاته الكافية من داخل حركة القص، والاقتصاد
في المحكي القصصي الذي كان يكتفي بالجوهري فحسب من الأحداث وطبائع
الشخصيات، ثم إنتاج ذلك كله من خلال لغة تكتفي بقول ما يجب قوله من جهة،
وتعبر عن مشاعر المرأة المطعونة في أحلامها بكفاءة من جهة ثانية.
وتبدو "الرشيم" لأمية الخش درساً في معنى الحياة والوجود أكثر منها قصاً،
وباستثناء مكون اللغة الذي يوفر لنفسه بعض الخصائص المميزة، ولا سيما في
العرض، فإنها لا تعبر عن انتمائها إلى إنجازات التسعينيات، بسبب إلحاح
القاصة على الأفكار أكثر من إلحاحها على وسائل صوغها الفني لتلك الأفكار.
إن القصة أشبه ما تكون ببحث فلسفي وقد تقنع بالجنس القصصي، وهذا القناع
نفسه لم يستطع إقناع القارئ بصدوره عن صانع يمتلك أنامل مميزة من سواها لدى
الصناع الآخرين.
وتبدو قصة
سوازن خواتمي: "الحضن الكبير" أشبه ما تكون بقصيدة نثر، تسري
الرهافة في عروقها كافة، وتذكّر القارئ بقصائد الشعراء المهجريين المترعة بذوب إنساني خالب، وإذا كان مما ميز تلك القصة، أو كاد، من قص التسعينيات
عامة، مقاربتها لموضوع الحنين إلى الوطن، فإن بناءها الفني يقدم غير إشارة
دالة على ما يميزها أيضاً، وعلى ما يرهص، بآن، بصوت قصصي سوري جديد يملك ما
يؤهله ليكون نفسه ولا يكون سواه من جهة، وليشكل إضافة إلى تجربة القص
السورية من جهة ثانية. ومن أبرز تلك الإشارات الاقتصاد الواضح في مكونات
المحكي القصصي التي تتداخل فيما بينها بتناغم لافت للنظر، أعني: الشخصية،
والحدث، والفضاء، واللغة، وزاوية الرؤية، ثم حركة القص التي تنتجها لغة
رهيفة غالباً ما تجمع بين الماديات والمعنويات، فيتأنسن معها المجرد ويتجرد
المشخص، وغالباً أيضاً ما تبرع في الغوص على أعماق الشخصية الحكائية، وفي
استجلاء مكنوناتها الداخلية وعلاقتها بالواقع الخارجي حولها: "أتقلب فوق
مجامر الفرقة والوجع يسكن الصدر فأسهر حتى يملني الليل الطويل فيقذفني
ليتلقفني الصبح وقد أدميت أطرافه بأطياف الدار والخلان لأسلم روحي ورأسي
لإغفاءة البنفسج القصيرة قبل أن توقظني مهمات الصباح".
ومن أبرزها أيضاً فعاليات التقاطب المضمرة بين فضاء الوطن وفضاء الغربة،
التي تنبثق من تلك الحركة نفسها: (شروق الشمس في الغربة وسطوعها في الوطن،
رطانة الصغار بالضاد في الغربة وتفخيم القاف في الوطن، العيد في الغربة
والعيد في الوطن، رائحة البن المحمص في الوطن وبرودة طعم النسكافيه في
الغربة). وعلى الرغم من أن محكي القصة يبدو نثارات من السيرة الذاتية
للقاصة، فإن ما هو سيري، يندغم بما هو جمعي، ويتماهى معه وفيه حتى ليبدو
صوت القاصة/ الساردة، المثخن بالحنين إلى الوطن، صوت المغتربين جميعاً، ولا
سيما الذين لم تلوث حمى المال، والمال وحده، صلتهم بالجذر الذي ينتمون
إليه.
وعلى الرغم من كفاءة غزالة درويش في بناء جملة ذات إيقاع داخلي رهيف، في
قصتها: "زمن يحترق"، فإن ما يعكر صفو تلك اللغة الأخطاء النحوية التي تصدم
القارئ بين موقع وآخر من حركة القص، التي لا تخلو بدورها من "العناصر
الميتة"، أي تلك التي لا دور لـها في مقاصد القص ومغازيه. وقد أحسن شوقي
بغدادي في كلمة الغلاف الثاني للمجموعة حين وصف القاصة بأنها "ذات موهبة
أصيلة بالتأكيد، ولكن هذا لا يكفي لخلق الكاتبة المبدعة".
وتتميز قصة
منال فياض: "سفر في وريد مقطوع"، على المستوى البنائي، باتكائها
إلى ضميريّ خطاب، وباستثمارها لتيار الوعي في تشخيص المفارقة بين وعيين
متضادين، وبتحرر محكيها من زوائد القص، ثم بإنتاجها ذلك كله عبر لغة تحقق
وظيفتي التبليغ والتخييل بآن.
وتشكل عبارتا المرأة/ الساردة في قصة: "ريح الشمال" لبلسم محمد: "أريد أن
أعود.. أريد أن أعود" مفصلاً بين فضاءين وزمنين بأن في المحكي القصصي:
فضاء الغربة، وفضاء الوطن. يتجلى الأول بوصفه ماضياً تم وانتهى، والثاني
بوصفه راهناً. وقد أبدت القاصة نجاحاً في إضمار مغزى القص وصوغه على نحو
فني، كما أبدت نجاحاً في اختزال محكيها إلى ما يعزز ذلك المغزى فحسب. وعلى
الرغم من أن ثمة الكثير مما هو سيري في القصة، كما لدى
سوزان خواتمي
في "الحضن الكبير"، فإنه يذوب في تضاعيف القص مفسحاً المجال لبروز ما هو
جمعي.
وتبدو قصة
أمية الجاسم العبيد: "عسلها مر" منبتة الصلة تماماً بإنجازات
التسعينيات، بل بإنجازات العقود السابقة من تاريخ التجربة القصصية السورية،
فالمحكي القصصي لا يغادر مادته الخام، ويبقى أسير مرجعه في الواقع، ويبدو
مثخناً بالفائض على مقاصد القص ومغازيه. ولئن كان الأدب في أحد تعريفاته
"ينتمي إلى العالم الذي يشيده الإنسان، وليس إلى العالم الذي يراه"(28)،
فإن القصة تنتمي إلى الطرف الثاني من ذلك التعريف، إذ يظل فعل القص رهين ما
يرى، ولا يتضمن في داخله إلى ما يشير إلى كونه فناً. ولعل أكثر ما يثير
القارئ تلك الأورام التي تعانيها لغة القص على المستوى النحوي، والتي تمعن
في تعطيل فعالية القراءة، كما بقية مكونات القص الأخرى.
تركيب:
إذا سلم المرء بتمييز "فراي" بين العلوم والفنون، أي أن الأولى عقلية تبدأ
بالعالم كما هو قائم، وأن الثانية عاطفية تبدأ بالعالم الذي نريده أن
يكون(29)، فإن الأغلب الأعم من القص النسوي في التسعينيات يبدو ألصق
بالعلوم أكثر منه بالفنون، إذ يكتفي بتصوير الواقع على نحو آلي، كما لو أنه
مرآة جامدة لذلك الواقع. وهو، في الأغلب الأعم منه أيضاً، لم يستطع تجاوز
المتواتر في الكتابة النسوية العربية، وباستثناءات قليلة منه، فإنه لا يشير
إلى تطور في القص النسوي السوري. ومن اللافت للنظر أن معظم الأصوات القصصية
التي استطاعت أن تقدم قصاً مميزاً على المستوى الفني هي تلك التي لم تنل
حقها من اهتمام الخطاب النقدي، وأن معظم الأصوات النقيضة حظي بتصفيق مجاني،
أو بحضور إعلامي زائف، صنعتهما حفنة من المشعوذين لغايات منبتة الصلة بما
هو ثقافي حقاً.
هوامش وإحالات:
1 ـ رشو، ماري. "قوانين رهن القناعات". ط1. اتحاد الكتاب
العرب، دمشق 1991.
2 ـ هلال، رباب. "دوائر الماء والأسماء". ط 1. دار الشادي،
دمشق 1992.
3 ـ إبراهيم، نجاح. "المجد في الكيس". ط 1. دار الشادي،
دمشق 1992.
4 ـ طه، جمانة. "سندباد في رحلة مؤجلة". ط 1. دار الأهالي،
دمشق 1994.
5 ـ بيطار، د. هيفاء. "خواطر في مقهى رصيف". ط 1. اتحاد
الكتاب العرب، دمشق 1995.
6 ـ عبود. أنيسة. "غسق الآكاسيا". ط 1 اتحاد الكتاب العرب،
دمشق 1996. والقصة هي النص الأول من المجموعة.
7 ـ الدانا، ندى. "أوراق اللعب.. أوراق الأشجار". ط 1.
إصدار خاص، حلب 1996.
8 ـ سليمان، سحر. "حرق الليل". ط 1 اتحاد الكتاب العرب،
دمشق 1997.
9 ـ السراج، منهل. "تخطي الجسر". ط 1. دار الصداقة، حلب
1997.
10 ـ درويش، حنان. "بوح الزمن الأخير". ط 1. اتحاد الكتاب
العرب، دمشق 1997.
11 ـ المفتي، هيمى. "ومضات". ط1. دائرة الثقافة والإعلام،
الشارقة 1998. والمجموعة فازت بالجائزة الرابعة في مسابقة الشارقة للإبداع،
الإصدار الأول، لدورتها الأولى سنة 1997. وقد اخترت نصين منها، على النقيض
مما فعلت في بقية المصادر، لصلتهما معاً بمؤرق واحد.
12 ـ شاكوش، ابتسام. "بعض من تخيلنا". ط 1. إصدار خاص،
الحفة 1998.
13 ـ خرما، وفاء. "الأجنحة المتكسرة لـ س و ع". ط 1 دار
الحقائق، حمص 1999.
14 ـ الخش، أميمة. "الرشيم". ط1. دار مكتبة إيزيس، دمشق
1999.
15 ـ خواتمي، سوزان. "ذاكرة من ورق". ط 1. دار سعاد الصباح،
الكويت 1999. وتجدر الإشارة إلى أنني لم أستطع العثور على المجموعة، وقد
تفضلت القاصة باختيار هذه القصة من المجموعة وإرسالها إلي عبر البريد
الإلكتروني.
16 ـ درويش، غزالة. "زمن يحترق". ط 1. دار كنعان، دمشق
1999.
17 ـ فياض، منال. "سفر في وريد مقطوع". ط 1. اتحاد الكتاب
العرب، دمشق 1999.
18 ـ محمد، بلسم. "ريح الشمال". ط 1. إصدار خاص 1999.
19 ـ العبيد، أمية الجاسم. "عسلها مر". ط 1. إصدار خاص،
دمشق 1999.
20 ـ انظر: نجمي، حسن. "شعرية الفضاء..". ص (185).
21 ـ للتوسع، انظر: الحمداني، حميد. "بنية النص السردي..".
ص (22).
22 ـ انظر: سلدن، رامان. "النظرية الأدبية المعاصرة". ص
(25).
23 ـ جينيت، جيرار. "خطاب الحكاية، بحث في المنهج". ص
(204).
24 ـ المرجع السابق، الصفحة نفسها.
25 ـ بركات، د. وائل. "الواقعية الاشتراكية، المغامرة
والصدى". ص (75).
26 ـ انظر: يقطين، سعيد. "انفتاح النص الروائي: النص ـ
السياق". ص (115).
27 ـ الخراط، إدوار. "الكتابة عبر النوعية..". ص (12).
28 ـ فراي، نورثروب. "الخيال الأدبي". ص (17).
29 ـ المرجع السابق. ص (14)
   
التجارب المشتركة
على الرغم من أن الإبداع فعالية فردية، بمعنى صدوره عن ذات إبداعية واحدة،
فثمة، في تاريخ الأدب، فيض من التجارب: القصصية، والروائية، والشعرية،
والمسرحية، نتاج ذوات إبداعية عدة، ولا نتاج ذات واحدة، أي نتاج غير قاص،
أو روائي، أو شاعر، أو كتاب مسرحي، كما ثمة فيض من المجموعات يتضمن كل منها
نصوصاً لغير قاص أو شاعر أو كاتب مسرحي.
ولئن كان من عوامل إنتاج التجارب التي تنتمي إلى الشكل الأول، أي تعدد
الذوات المبدعة، محاولة تحرير فعالية الإبداع من تقاليدها المهيمنة عبر
عصور الأدب المختلفة، أي صدورها عن ذات إبداعية واحدة، وتجديد الإبداع
الشفاهي الذي تذوب معه هذه الذات فيما هو جمعي معبر عن وعي جمهور من
المبدعين ولا عن وعي فرد منه، ثم التجريب الذي يغني عمل المخيلة لدى المبدع
الواحد، فإن عوامل إنتاج التجارب التي تنتمي إلى الشكل الثاني، ولا سيما في
المجتمعات المعوقة حضارياً، تتجاوز هذه المحاولات، لتعبر، كلاً أو جزءاً،
عن آليات صناعة الثقافة، أو إنتاجها، وعن أنساق الوعي التي تضبط علاقة منتج
الثقافة بمستقبلها في هذه المجتمعات.
والمتتبع للمشهد الثقافي العربي، القصصي هنا، وفيما يعني التجارب التي
تنتمي إلى الشكل الأول، يخلص إلى أن ثمة إرادات مختلفة تقف وراء هذا الشكل
من أشكال الإبداع. من أكثرها شيوعاً إرادة قاصين أو أكثر في إنجاز نص
مشترك، كأن يبدأ أحدهم كتابة نص، ثم ينصرف عنه لأسباب مختلفة، من دون أن
ينجزه، فيحيله إلى قاص آخر، وربما أكثر، لينجزه، كما فعل كل من: عبلة
الخوري، ويحيى الشهابي، وعبد السلام العجيلي، الذين اشتركوا معاً في كتابة
قصة قصيرة واحدة بعنوان: "عيون ودمعة"، نشرت في مجلة "الدنيا" (1952)، وجاء
في تعريف المجلة بها أن السيدة عبلة الخوري بدأتها "فكتبت فصلها الأول،
وعهدت إلى الأستاذ يحيى الشهابي بتكملتها تاركة لـه الحرية في أن يكتب ما
يريد، فكتب الأستاذ الشهابي فصلها الثاني. ثم عهد الاثنان إلى الدكتور عبد
السلام العجيلي تتمة القصة فأتمها بأسلوبه وبالشكل الذي اختاره"(1).
ومن أكثرها شيوعاً أيضاً اتفاق قاصين أو أكثر على كتابة كل منهما، أو منهم،
نصاً تكون مادته الحكائية معروفة لديهما، أو لديهم. كما فعل القاصان: نجم
الدين سمان وخطيب بدلة، اللذان اتفقا، بعد سماعهما لحكاية ثور في إحدى قرى
إدلب، على كتابة كل منهما لنص يعيد إنتاج تلك الحكاية، فكتب سمان نصاً
بعنوان: "الأنفاس الأخيرة لعتريس"، وكتب بدلة نصاً بعنوان: "الجاموسة".
كما يقف هذا المتتبع على نماذج عدة للشكل الثاني، أي المجموعات، تتقاطع
فيما بينها وتتداخل أحياناً. من أبرزها:
1 ـ نموذج المجموعات المعبرة عن اتفاق قاصين أو أكثر على إصدار مجموعة
واحدة، ومن أمثلة ذلك: مجموعة "ثلاثة أصوات" (1972) للأردنيين خليل
السواحري وبدر عبد الحق وفخري قعوار، و"البرجوازية الصغيرة" (1992)
للسودانيين علي المك وصلاح أحمد إبراهيم، و"إيقاعات للزمن الآتي" (2000)
للقطرية كلثم جبر والسعودي خليل إبراهيم الفزيع.
2 ـ نموذج المجموعات المعبرة عن جماعة ثقافية محددة، كمجموعة: "درب إلى
القمة" (1952)، التي تضمنت ستة عشر نصاً لثمانية كتاب من أعضاء رابطة
الكتاب السوريين: مواهب الكيالي، وسعيد حوارنية، وليان ديراني، ومصطفى
الحلاج، وحنا مينة، وحسيب كيالي، ومراد السباعي، وصلاح دهني.
3 ـ نموذج المجموعات المكرسة لتجارب قصصية في جزء محدد من الجغرافية
السياسية العربية، كالمجموعة المشار إليها آنفاً، و"تصدع وقصص أخرى" (1973)
لعدد من كتاب القصة في السودان، و"قصص يمنية" (1988)، أو في جزء محدد من
قطر عربي، كمجموعة: "12 قصة من حلب" (1964).
4 ـ نموذج المجموعات المكرسة لنتاج المرأة، كمجموعة: "كل هذا الصوت الجميل"
(1994) لقاصات ينتمين إلى أقطار عربية مختلفة.
5 ـ نموذج المجموعات المكرسة لموضوع محدد، كالمجموعة القصصية السورية:
"الوسام" (1979)، التي تضمنت النصوص الفائزة في مسابقة "مؤسسة تشرين"، أي
النصوص التي عنيت بحرب تشرين.
6 ـ نموذج المجموعات المكرسة لتجربة جيل أدبي محدد، وفي جزء محدد من
الجغرافية السياسية العربية، كمجموعة: "مختارات القصة القصيرة في
السبعينات" (1982) في مصر، التي أعدها وقدم لـها إدوار الخراط، ومجموعة
"قصة التسعينات في سورية، نماذج وقراءات" (1999)، التي تضمنت، كما يفصح
عنوانها، نصوصاً لقاصين سوريين ينتمون إلى جيل التسعينيات.
7 ـ نموذج المجموعات المكرسة لشكل محدد من أشكال القص، كمجموعة "بروق"
(2001)، التي أعدها وقدم لـها د. يوسف حطيني، والتي تضمنت نصوصاً تنتمي إلى
"القصة القصيرة جداً"، لعشرين قاصاً وقاصة.
8 ـ نموذج المجموعات المكرسة للنصوص القصصية الفائزة في المسابقات الأدبية،
كمجموعة: "القصة العربية، أصوات ورؤى جديدة" (1998)، التي تضمنت النصوص
الفائزة في مسابقة مجلة "العربي" الكويتية.
9 ـ نموذج المجموعات الصادرة عن دوريات ثقافية، كسلسلة "القارئ" التي كانت
تصدرها مجلة "التربية" في مدينة حلب منتصف الخمسينيات، والتي كان يضم كل
عدد منها نصوصاً قصصية لعدد من القاصين(2)، وهو نموذج قلما احتذته الدوريات
الثقافية فيما بعد.
تجليات الظاهرة في المشهد القصصي السوري:
لعل مجموعة "درب إلى القمة"، المشار إليها آنفاً، أول مجموعة قصصية مشتركة
في سورية، ثم ما لبثت مثيلاتها بالتتابع حتى شكلت، أو كادت، تشكل ظاهرة في
المشهد القصصي السوري، ولا سيما في عقد التسعينيات الذي يمثل ذروة ما بلغته
التجربة القصصية السورية على المستوى الكمي. وباستثناء التجارب التي تنتمي
إلى النموذجين الثاني والرابع، أي المجموعات المكرسة لنتاج جماعة ثقافية
محددة، ولنتاج المرأة، فإن حراك الظاهرة يشير إلى حضور معظم النماذج في هذا
المشهد.
فمن أمثلة ما ينتمي إلى الأول مجموعتا: "الدائرة" (1981) لمحمد محيي الدين
مينو وأيمن الطويل، و"العودة ظافراً" (1998) لأيمن الحسن وانتصار بعلة.
ومما ينتمي إلى الثالث، الجزء الأول منه، مجموعة: "15 قصة من الإقليم
السوري" (1957)، و"موسوعة القصة الجديدة في سورية" (1998)، بجزئيها، التي
أعدها أحمد اسكندر سليمان، وبالإضافة إلى مجموعة: "12 قصة من حلب"، ومما
ينتمي إلى الجزء الثاني، مجموعة: "الدم ليس أحمر" (1984)، التي تضمنت
نصوصاً لعدد من كتاب القصة في الرقة، ومجموعة: "جنوب القصة السورية"
(1999)، التي تضمنت نصوصاً لعدد من كتاب القصة في مدينتي درعا والسويداء.
ومما ينتمي إلى النموذج الخامس، مجموعة: "من يذكر تلك الأيام" (1974)، لحنا
مينة ونجاح العطار، المكرسة نصوصها كافة لحرب تشرين، ومجموعة: "الوسام"
المشار إليها آنفاً، والمجموعة التي أعدها خطيب بدلة بعنوان: "الساخرون"
(1990)، التي تضمنت نصوصاً قصصية تنتمي إلى القص الساخر، لعدد من كتاب
القصة في سورية، ومجموعة: "رحيل اللقالق. أغنيات حب إلى آرارات" (1993)،
التي تضمنت النصوص التي كانت قد فازت بمسابقة "نادي الشبيبة السورية" والتي
كرست للحديث عن "العلاقة الحميمة بين الشعبين العربي والأرمني" كما جاء في
نص المسابقة. وثمة: "قصة التسعينات في سورية، نماذج وقراءات" مما ينتمي إلى
النموذج السادس، كما ثمة مجموعة: "بروق" مما ينتمي إلى النموذج السابع.
وإذا كان ثمة ما يعلل الظاهرة فيما يتصل بالتجارب التي تنتمي إلى النموذج
الأول، أي تقاليد النشر في المؤسسات الثقافية الرسمية، التي لا تمكن
الأصوات الجديدة، عادة، من أن يكون لـها حضورها في المشهد القصصي، ثم وطأة
العامل الاقتصادي الذي يعانيه كثير من الكتاب الشباب، والذي يعوق إصدار كل
منهم مجموعة تخصه، فإن التجارب التي تنتمي إلى النماذج الأخرى تبدو غير
معللة على نحو كاف، ولا تمتلك في داخلها ما يؤهلها للديمومة والاستمرار،
لسبب رئيسي هو صدورها، في الأكثر الأعم منها، عن جهود فردية وليست
مؤسساتية.
فعلى الرغم من القيمة التاريخية/ الجمالية لمجموعة رابطة الكتاب السوريين:
"درب إلى القمة"، أي تعبيرها عن الحراك الأيديولوجي في سورية خلال
الخمسينيات، بمستوييه الفكري والفني، فإنها لم تستطع التأسيس لتجارب
مماثلة، لاختزالها المشهد القصصي السوري، آنذاك، إلى اتجاه أيديولوجي محدد
من جهة، ولتضييقها الأصوات القصصية التي كانت تنتمي إلى ذلك الاتجاه في
ثمانية أصوات فقط من جهة ثانية، ولانفراط عقد الرابطة وتحولها إلى "اتحاد
الكتاب العرب" من جهة ثالثة، وقبل ذلك كله لضمور ذلك الحراك فيما بعد
الخمسينيات، ولخفوت الصوت الأيديولوجي، بآن.
ولئن كان من أبرز ما يميز التجارب التي تنتمي إلى الجزء الأول من النموذج
الثالث، أي المجموعات المشتركة المكرسة لجزء بعينه من الجغرافية السياسية
العربية، تثبيتها للنزوع القطري الذي يفتك بالجسد العربي، فإن من أبرز ما
يميز التجارب التي تنتمي إلى الجزء الثاني منه تجزئتها المشهد القصصي إلى
ما يمكن تسميته بالأقاليم القصصية التي ليس لـها ما يسوغها على المستويين
الجغرافي والإبداعي، فكما لا يمكن التسليم، علمياً، بأن ثمة قصة سورية،
وأخرى عراقية، وثالثة مصرية، إلا على مستوى الأصول التي ينحدر منها الكتاب،
وعلى مستوى الإجراء النقدي، فحسب، لا يمكن الادعاء أيضاً بأن ثمة قصة
حلبية، وأخرى رقية، وثالثة جنوبية، أو سوى ذلك.
والسمة نفسها تتجلى في التجارب التي تنتمي إلى النموذج الخامس، بل إلى جزء
محدد منه، أعني المجموعات المكرسة لموضوع محدد، والتي يغلب على نصوصها طابع
القصد السابق على الإبداع، إذ غالباً ما تكون هذه النصوص قد كتبت بدافع
المسابقة، وليس بدافع الإبداع أو مثيراته، والتي غالباً ما تتقدم الحرفة
فيها على الموهبة.
"قصة التسعينات في سورية، نماذج وقراءات"(3)
تضم مجموعة: "قصة التسعينات في سورية، نماذج وقراءات" تصديراً للقاصين
المشاركين في المجموعة بعنوان: "وشوشة"، وأربع دراسات: "هذا الموج
المتلاطم" للدكتور قاسم المقداد، و"ثيمات الانكسار والتوق الفني" للدكتور
يوسف حطيني، و"حداثية الفن ومأزومية الواقع" لسليمان حسين. و"صهيل
المرجعيات في ذاكرة القص" لمعد المجموعة والمشارك فيها أحمد جاسم الحسين،
ثم اثني عشر نصاً لاثني عشر قاصاً وقاصة، هم: إبراهيم العلوش، وأيمن الحسن،
وبشار البطرس، وتاج الدين الموسى، وجمانة طه، وشذا برغوث، وعلي صقر، وعماد
نداف، وماجد رشيد العويد، ومحمد أبو حمود، ومحمد منصور، وأحمد جاسم
الحسين.
وقبل البدء بمقاربة هذه التجربة، تجدر الإشارة إلى أن تعبير "التسعينات" في
المجموعة يبدو ضبابياً، وغائماً، ولا يحيل على تعريف محدد، أو تخوم يتحرك
في مجالها ومن خلالها. وتتجلى اختلاطات التعبير وضبابيته بوضوح تام من
الصفحات الأولى في المجموعة، أي في تقديم المشاركين لأنفسهم باسم "وشوشة"،
ولا سيما قولهم، بل قول المعد على نحو أدق: "ولا يخفى على متابع أن القاصين
المشاركين قد نشروا مجموعات وقصصاً في عقد التسعينات، رغم أن ثلة منهم تنشر
قبل التسعينات بزمان طويل"، وأن "الكتاب.. يقدم عينة محددة من القصص
المنجزة في عقد التسعينيات من المفروض أنها تشكل منمنمة قصصية تحمل نبض
التسعينات"، إذ لا ينتهي القارئ للمقبوسات السابقة إلى ضبط ما للتعبير. هل
يقصد به نماذج من النتاج الذي أنجزه كتاب القصة السورية، على اختلاف
أجيالهم الأدبية، في التسعينات؟ ما يشي بذلك القول: "رغم أن ثلة منهم تنشر
قبل التسعينيات بزمان طويل"، أم يقصد به نماذج من نتاج الأصوات الجديدة
التي بدأت الكتابة والنشر في التسعينيات؟ كما يشي بذلك القول: "القصص
المنجزة في عقد التسعينيات"، الذي يتضمن في داخله ما كتب خلال عقد
التسعينيات فقط.
والمجموعة لا تخاتل قارئها بوشوشتها تلك فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى متنها
أيضاً، فاثنان من الأصوات المشاركة فيها ينتميان إلى جيل الثمانينيات:
إبراهيم العلوش، وتاج الدين الموسى، والأصوات التي تنتمي إلى جيل
التسعينيات نفسه لا تمثل سوى جزء صغير من أرخبيل المشهد القصصي السوري في
التسعينيات، إذ لا يتجاوز عددها العشر مما يزيد على مئة وخمسين صوتاً ظهرت
في ذلك العقد، وممن يتقدم نتاج عدد منهم، على المستوى الفني، على نتاج عدد
من تلك الأصوات، أمثال: غسان كامل ونوس، وعبد الحميد يونس، وحسان يوسف
المحمد، وإبراهيم كبة، ولؤي خليل، وسهيل الشعار، ومحمد جاسم الحميدي، ومحمد
إبراهيم الحاج صالح، وحمدي البصيري، ومية الرحبي، ونجاح إبراهيم، وحنان
درويش، وماري رشو، وصفوان حنوف، ورباب هلال، ووفاء خرما، وزرياف المقداد،
ونجلا علي، وسعاد القادري، وهيمى المفتي، وكوليت بهنا، وسوزان خواتمي،
وابتسام شاكوش، وسواهم، وسواهن.
الدراسات الأربع في المجموعة:
على الرغم من أن مادة د. قاسم المقداد:" هذا الموج المتلاطم" لا تدعي
انتماءها إلى النقد، وتبدو أشبه ما تكون بالبوح الذي يطلق نشيج الروح في
أمداء مترامية تستعيد الطفولة الهاربة أحياناً، وترثي هزائم الذات في
محاولاتها لإصلاح النظام الاجتماعي وللاقتراح على النظام السياسي أحياناً
ثانية، وتبدي قلق هذه الذات أمام ما يتربص بها في المستقبل أحياناً ثالثة.
وعلى الرغم، أيضاً، من أن النتيجتين، الأولى والثانية، التي يخلص إليها
منتجها، في الخاتمة، أي قوله إن "المجموعة.. تبرز بشكل أو بآخر المتغيرات
الاجتماعية والفكرية، كما تبين.. هموم الكتاب وقلقهم مما يجري حولهم"، لا
يعنيان هذه النصوص وحدها، بل تمتد لتشمل مجمل تاريخ التجربة القصصية
السورية، ومجمل أشكال الإبداع عامة، فإنها، فيما تبقى من الخاتمة، وعلى نحو
شديد الكثافة، تقدم دلالة واضحة على بصيرة نقدية تستغور ما وراء النص
الإبداعي ولا النص نفسه.
وتثير قراءة د. يوسف حطيني، منذ عنوانها، عدداً من الأسئلة حول وعي منتجها
بمعنى الممارسة النقدية، وحول مرجعيات هذه الممارسة ومظانها. فهو يلح، في
مقدمة قراءته، على أن القراءات الأخرى، ولا قراءته وحده. "تنطلق من الحب
والذائقة وتعتمد على المعرفة النقدية"، وأن منتجيها حاولوا التسلح، (كذا)،
"بما تيسر (كذا أيضاً) من المعرفة النقدية، وبكثير من الحب". وغير خاف أن
الحب والذائقة، القليل منهما أو الكثير، لا ينتجان نقداً، وأن أية فعالية
تكون جديرة بانتمائها إلى هذا المجال من مجالات العلوم الإنسانية، أي
النقد، تتطلب زاداً معرفياً كافياً بإنجازاته، ولا بما "تيسر" من تلك
الإنجازات.
ومن اللافت للنظر استبداله بمفردة "موضوع" مفردة "ثيمة"، ليس في عنوان
مادته فحسب، بل في متن هذه المادة أيضاً، كما في قوله: "ثمة موضوعان رئيسان
يحاول معظم الكتاب سبر أغوارهما هما الموضوع السياسي والموضوع الاجتماعي،
حتى إن القصص التي تندرج تحت الثيمة السياسية"، على الرغم من أن كليهما
لديه يتضمن المعطى الدلالي نفسه، وهو ما يتجلى في الوصف اللاحق للنصوص التي
تنتمي إلى الموضوع الأول باسم "الثيمة" بدلاً من "الموضوع"، وهو ما لا يبدو
معللاً في القراءة، وعلى الرغم أيضاً من أن ثمة فروقاً بين المفهومين كما
تؤكد نظريات الأدب كافة.
ومن اللافت للنظر، أيضاً، امتداحه كتاب النصوص لتعاملهم مع موضوعاتهم بجرأة
يحسدون عليها، ممثلاً لذلك بقصة "وصولاً على الوقت" التي يكشف الراوي فيها
"مدى العسف الذي لحق بالشعب العربي في العراق على يد فرعون النظام العالمي
الجديد"، وبقصة "السادن" التي تمكن القارئ "من افتراض تصور سياسي يحرك
مخيلة القاص"، ثم بقصة "معركة القبعات الساطعة" التي "تحمل في مؤداها فكرة
ناصعة الوضوح تتمثل في ضرورة المحافظة على الشخصية العربية"، لا لأن النصوص
الثلاثة لا تنتهك المحرم السياسي فحسب، بل لأنه ما من الجرأة في شيء أيضاً
وصف أمريكا، أو رئيسها بـ "فرعون النظام العالمي الجديد"، أو الدعوة إلى
"المحافظة على الشخصية العربية".
وعلى الرغم من سعي الدارس إلى مقاربة النصوص من خلال معطيات النقد المعاصر،
ولا سيما "السرديات"، فإن هذا السعي لا يفلت من قبضة أحكام القيمة التي
تذكر بأهم ركائز النقد التقليدي، والتي تتجلى، داخل القراءة، على شكل
اقتراحات يقدمها الدارس لتخليص المتون الحكائية لبعض النصوص من نوافل القص،
أو مما سماه، مستعاراً من "توماتشفسكي" من غير ما إشارة إلى مصدره" "حوافز
حرة" أو "مكملات حكائية جزئية"، كقوله: "ولا علينا إلا اقتراح تغييرها"، ثم
على شكل نتائج غير معللة، كوصفه قصة "باتييه من جديد" بـ "نضجها الفني"،
وكوصفه قصة "أصوات" بحكايتها "المتماسكة بلغة جميلة تنأى عن الذهنية".
وإذا كان من أهم ما يميز هذه القراءة، أي قراءة د. خطيني، هو بحثها عن
القواسم المشتركة بين نصوص المجموعة، أو جمعها بين هذه النصوص في حقول
دلالية محددة، فإن من أهم ما يميز قراءة سليمان حسين: "حداثية الفن
ومأزومية الواقع" هو مقاربة منتجها لكل نص بمعزل عن غيره من النصوص الأخرى،
ثم إلحاقه عنوان كل منها بآخر فرعي يختزل النص إلى أبرز السمات المميزة لـه
على المستوى البنائي، وعلى نحو فائض أحياناً، كإلحاقه لعنوان قصة "شارع
عباس" بـ"الذاكرة النفسية"، لكأن ثمة "ذاكرات" غير نفسية، وسابق، قيمياً،
على متن القراءة أحياناً ثانية، كإلحاقه لعنوان قصة "وصولاً على الوقت" بـ"تقنيات
روائية لقصة ناجحة"، وكإلحاقه لقصة "أصوات" بـ"نداء الأبوة والحس النبيل في
بناء فني متقن". وباستثناء الإشارات النقدية لتقنيات القص في "وصولاً على
الوقت"، الصائبة، والدالة على وعي واضح بمنجزات النقد المعاصرة، فإن جل ما
يمكن العثور عليه في تفكيك حسين للنصوص الأخرى، في هذا المجال، يتحدد، في
الأغلب الأعم من فعاليات التفكيك تلك، باللغة، التي غالباً ما تطالها أحكام
القيمة أيضاً، كما في وصفه لـهذا المكون في قصة "باتييه من جديد" بقوله:
"أما عن لغة القصة فهي لغة جيدة نسبياً"، وكوصفه للمكون نفسه في قصة "معركة
القبعات الساطعة" بقوله: "اللغة السردية جيدة يمتلكها الكاتب ويحركها بشكل
حسن".
وعلى الرغم من أن أحمد جاسم الحسين، في القراءة الرابعة، يعد قارئه بمقاربة
القصص "بتأن"، فإنه لا يفي بذلك دائماً، إذ تتردد بين تضاعيف القراءة،
أحياناً، تعبيرات أقرب إلى لغة الصحافة منها إلى لغة النقد، من مثل وصفه
لقصة "وصولاً على الوقت" بأنها "موتيف حزين لأيمن الحسن"، ووصفه لقصة "باتييه
من جديد" بقوله: "والأمور.. محسوبة جيداً لدى القاص"، وتصديره لقراءته قصة
"صندوق الدنيا" بقوله: "الحكائية على أصولها".
ومن المثير للانتباه ولعه الواضح بالتنظير، وإيهامه القارئ بصدور نقده عن
ذات عالمة لديها القول الفصل في كل ما يتعلق بفن القص، ومن المثير أكثر
تعدد المترادفات في لغته، وعدم تفريقه بين ما ينتمي إلى التقنيات القصصية
وما ينتمي إلى المظاهر النصية. وتتجلى هذه السمة لديه في افتتاحيات الأجزاء
المكونة لقراءته، كما في استهلاله للجزء الموسوم بـ "في تقنيات القصص
وآليات بنائها وهمومها": "التقنيات المستعملة في القصة من الأمور التي
تحتاج لحسابات دقيقة، وتحتاج أيضاً للكثير من الشغل والمهارة والخبرة
والمعرفة والدقة، إذ كم قرأنا قصصاً استعملت تقنيات عديدة (أنسنة وعجائبية
وسيناريو وسخرية وفن تشكيلي و..) لكن..! المهم في التقنية القصصية ـ أية
تقنية قصصية ـ أن يحسن القاص توظيفها ويستعمل التقنية المناسبة للنص
المناسب، وإلا جاء التجديد والتقنيات عبئاً على النص القصصي وهذا ما نلمسه
في كثير مما نقرؤه". غير أن ذلك كله، وسواه، لا ينفي تمكن الحسين، أحياناً،
من النفاذ إلى دواخل النصوص، ومن استجلاء المضمر، والتقاطه للجوهري فيها
أيضاً.
وبعد، ومهما يكن من أمر القيمة النقدية التي تمتلكها تلك القراءات الأربع،
أو أجزاء منها على نحو أدق، ومن مدى صلتها، أو صلاتها، بالهدف الأساس لأي
قراءة، أي التجربة والفهم بتعبير "والاس مارتن"(4)، فإنها تصادر على القارئ
حقه في تأويل النصوص، وتفكيكها، وإعادة تركيبها من جديد، أي حقه في كتابة
ثانية لـها، بسبب تحديدها لمغازي القص ومقاصده في حقول دلالية بعينها من
جهة، وإطلاقها بعض أحكام القيمة من جهة ثانية.
في نصوص المجموعة:
إذا كان ثمة ما يوحد بين النصوص المشاركة في مجموعة "قصة التسعينات في
سورية"، هو انتماء كتابتها إلى جيلين أدبيين متتالين: الثمانينيات
والتسعينيات، ولا إلى جيل التسعينيات فحسب، فإن ثمة الكثير من أشكال التضاد
فيما بينها، ولا سيما الأداء الجمالي الذي يباعد بين نص وآخر. ويمكن
التمييز، في هذا المجال، بين ثلاثة مستويات: أول تتجلى بعض النصوص معه، ومن
خلاله، قصصاً بالمعنى الدقيق لمفهوم الجنس القصصي، وثان يبدو بعضها الآخر
معه أشبه ما يكون بتمرينات قصصية وليس قصصاً، وثالث يترجح معه عدد من
النصوص بين هذين المستويين.
ينتمي النص الأول "شارع عباس"، لإبراهيم العلوش، إلى المستوى الأول، ويعد
هذا النص من أكمل نصوص المجموعة على المستوى الفني، لسببين رئيسيين:
لإضماره ما هو كنائي من جهة، ولدفعه القارئ إلى البحث عما وراء المحكي لا
المحكي نفسه من جهة ثانية. وهو يمتلك إشارات عدة إلى وعي منتجه بالفن
القصصي، ولا سيما استخدامه لعدد من التقنيات، كضمير الخطاب، والاسترجاع،
وبناء الجملة القصصية، إذ ينهض ضمير المتكلم لديه، بوصفه جزءاً أساسياً من
المحكي، بمهمة تحريض القارئ على هجاء القمع والاستبداد واستلال الذاكرة،
الذي يعنى به النص، ثم التقاط الجوهري من ماضي شارع عباس، جغرافية وتاريخاً
وبشراً، عبر تقنية الاسترجاع، التي تمثل، في النص، حاملاً جمالياً مهماً في
فعالية الهجاء تلك، فالاتكاء إلى الجمل الفعلية القصيرة الدالة على الحركة.
وتجدر الإشارة إلى شعرية الفضاء في هذا النص، فعلى الرغم من أن شخوص القاص
تتحرك في فضاءات مفتوحة غالباً، فإنها، على المستوى النفسي، تبدو مستلبة
الإرادة، ومحاصرة، ومغلولة إلى فضاءات مغلقة: "مأساة أولاد شارع عباس أنهم
يعرفون الأشياء من غير مصادرها الحقيقية.. لم يأخذ أحد برأينا، ولم نفعل
شيئاً وفق إرادتنا. كنا دائماً نجد أنفسنا وسط شيء جديد لا نعرفه ولم نخطط
لـه، صنعه الآخرون، خططوا لـه أم لم يخططوا، فهم قد كفتوه على رؤوسنا لنقوم
به تماماً مثل ممثلين على مسرح تتغير أدوارهم بغير إرادتهم، وبشكل يصعب
عليهم فيه التقاط أنفاسهم والتفكير فيما يقومون به".
ويقدم نص أيمن الحسن: "وصولاً على الوقت"، كسابقه، غير إشارة إلى تمكن
منتجه من أدوات القص بمعناه الفني، ومن تلك الإشارات تقسيم المحكي إلى عدد
من الوحدات السردية، التي تتعاضد فيما بينها لتشكل وحدة حكائية متكاملة،
على نحو ينفي اعتباطية هذه الفعالية أو مجانيتها، ثم استثمار القاص لتقنية
المفارقة، التي تتبدى داخل النص على شكل ثنائيات ضدية، بين الواقع والحلم
أحياناً، وبين الأنا والآخر أحيانا ثانية، وبين الداخل والخارج أحياناً
ثالثة: بين واقع مثخن بالخراب وحلم تطارده الهزائم والانكسارات، وبين ذات
مهزومة وآخر غاشم، وبين داخل تفترسه الصغائر وخارج يزداد غطرسة لالتهام كل
شيء. والقاص يصوغ ذلك كله عبر لغة فائضة بالدلالات، تستعير من الموروث "مناصات"
عدة لتعمق غوصها على الواقع، ولكي تمعن في تعريته، وفي الكشف عن الانهيارات
القائمة فيه. كما في: "أصيح بالخليج يا خليج/ يا واهب البترول والردى".
وعلى الرغم من أن نص بشار عطا الله البطرس: "باتييه من جديد" يوهم، في
الأسطر الأولى منه، بانتمائه إلى أدب الخيال العلمي، فإنه سرعان ما يبت
صلته بهذا الأدب، وبسواه من أشكال الإبداع، لا لأنه لا ينتهي إلى شيء فحسب،
بل لأن القارئ لا يعثر، في أي جزء منه، على مغزى ما، أو مقصد ما، أيضاً. أي
أنه نص عار من الدلالة، وهو أحد نصوص المجموعة الدالة على أن كثيراً من هذه
النصوص لا تمثل منجز التسعينيات القصصي في سورية. ومن قرائن نفيه لنفسه
خارج حقل الفن صوغه لمحكيه بلغة لصيقة بلغة الإعلام، أي اللغة التي تطابق
المرجع الذي تصدر عنه، ثم اعتباطية المحفزات فيه، كما في إشارة الكاتب، في
مقدمة النص، إلى أن الطبيب "باتييه" سويسري من أصل فرنسي، التي لا تنهض بأي
دور فيما سيلي من النص. ومن تلك القرائن أيضاً خطية الزمن، التي تتابع
الأحداث من خلالها من غير ما تشكيل فني لـها، والاكتفاء بالسطوح الخارجية
لمكونات المحكي، وعدم تثمير محفزات هذا المحكي، وقبل ذلك كله نأي النص نفسه
عن الواقع الذي يمور باختلاطات عدة تبدو أكثر جدارة بمقاربتها جمالياً من
حكاية ذلك الطبيب، التي لا تقول، داخلها وفي نهايتها، أي شيء.
وبامتياز ظاهر ينضوي نص تاج الدين الموسى: "صندوق الدنيا" تحت عباءة السرد
الكيالي، أي السرد الذي اتسم به أدب حسيب كيالي عامة، القصصي والروائي،
والذي كثيراً ما تمت إعادة إنتاجه على أيدي عدد غير قليل من كتاب القصة في
محافظة "إدلب" التي ينتمي إليها كيالي نفسه، ولا سيما: خطيب بدلة ونجم
الدين سمان وتاج الدين الموسى ونجيب كيالي. وتتجلى سمة الانضواء تلك من
خلال مكونات عدة: أسلوبية القص، التي غالباً ما تكون محاكاة للواقع الذي
يصدر النص عنه، أي احتفاظ هذا الأخير بمرجعه الواقعي كما لو كان صورة
مطابقة لـهذا المرجع، ولا سيما المشاهد الحوارية بين الشخصيات، التي لا
تحررها محاولات تفصيح اللغة من أسها الشفاهي، ثم روح السخرية المبثوثة بين
مواقع مختلفة من النص، وتعدد الحكايات داخل الحكاية الواحدة (حكاية أبي
وحيد بيور مع أصدقائه من جهة ومع أبي محسن من جهة ثانية، وحكاية أبي محيسن
مع المارد وزوجته)، فتقنية الحلم التي تمثل حاملاً أساسياً من حوامل القص
في الحكايات الشعبية، وسوى ذلك.
وتكمن قيمة نص جمانة طه: "باب شقة عصرية" في كونه حكاية وفناً بآن، أي في
تمكن كاتبته من نقل هذه الحكاية من أرض الواقع إلى فضاء الفن، وعبر حامل
جمالي تتأنسن معه الجمادات، وتتشخصن، وتحرر الحكاية من واقعيتها. وعلى
الرغم من أنه، أي النص، يبدو إعادة إنتاج للموضوع الأثير في القص العربي
عامة، أي الحب الذي تطارده لعنة الحاجة إلى المال، فإن اللغة الرهيفة التي
صيغت بها الحكاية أطلقت الأخيرة من أغلال المتواتر والمستقر في ذلك القص،
ولعل المقبوس التالي الذي تصف القاصة فيه فارساً وهو يستقبل أروى يفصح عن
ذلك: "عندما انفرج الباب الخارجي عن قامة أروى، صار فارس طفلاً لا يعرف كيف
يهدأ ولا كيف يجعل أصابعه تستقر في راحة كفه. ناولته الكتاب وقدمت لـه باقة
نحيلة من ورود أرجوانية.. كاد يصرخ ملء الدار: أحبك، أحبك. خجله أسر الصوت
في حنجرته. أجلسها بعد إلحاح في غرفة الزوار، وأجلس جسده على مقعد قريب
منها. كانت روحه تحوم حولها، تلتقط ذرات تنفسها، وكانت عيناها تبتلع منظر
يديه المضطربتين وتشرب تفاصيل وجهه المضيء".
وإذا كانت قيمة النص السابق تكمن في كونه حكاية وفناً بآن، فإنه قيمة نص
شذا برغوث: "درسان" تكمن في استثماره لحقول معرفية منبتة الصلة بالفن وفي
جعلها فناً، بل حاملاً أساسياً من حوامل الحكاية والفن معاً. فمن خلال
معطيات علمي النحو والرياضيات تنتج القاصة نصاً دالاً على موهبة واضحة في
فن القص، وتعري، عبر تلك المعطيات، الوعي البطريركي الذي ما يزال يلقي
بظلاله الغاشمة على المثقف كما على القاع المعرفي في المجتمعات العربية:
"قالت لـه: وكيف تعرب عبارة (رجل وامرأة)؟ قال لـها: الرجل مخلوق، والمرأة
مخلوق لأجله. قالت لـه: وإذا تغير موقعهما في الجملة؟ قال لـها: تعرب بعدة
أشكال. فمثلاً الرجل متصرف. المرأة ممنوع من التصرف إلا بإذنه، وقد يعرب
الرجل فعلاً وفاعلاً، والمرأة مشبهاً بالفعل..".
ويترجح نص علي صقر: "شيء يشبه" بين مستويين فنيين: مستوى يتحقق من خلاله
مفهوم "الأدبية"، أي ما يجعل منه فناً، ولا سيما جذره الحكائي الذي ينطلق
منه، وآخر ينأى به عن ذلك المفهوم ويقربه من الحكاية بمعناها المبذول. وبين
هذين المستويين يتجلى فعل القص بوصفه تخييلاً أحياناً، وبوصفه مرآة لما هو
وقائعي أحياناً ثانية. وبينهما أيضاً، ومن خلالهما، يرهص النص موهبة واعدة
بصوت قصصي يمكن أن يكون لـه حضوره في مستقبل التجربة القصصية في سورية.
ولكن لا يظل هذا التفكيك النقدي للنص معلقاً في الفراغ، أكتفي بالإشارة إلى
استعارة القاص الدالة لكائنات متناهية في الضآلة، القمل، من أجل تعرية
كائنات متناهية في الغي، تجار ورجال دين، ومسؤولين، وإلى أن هذه الاستعارة
لم يتم استثمارها جمالياً على نحو كاف، لبقائها داخل أسوار الحكاية فحسب.
ويتضاد نص عماد نداف: "الرجل الذي أحرق الكتب" وسابقيه في توسله بما هو
واقعي لقول ما هو كنائي، وهو يقدم، في هذا المجال، إشارات عدة إلى وعي
منتجه بمعنى القص، بل بالإبداع وبوظيفته التنويرية عامة. الإبداع الذي لا
يعاين الأشياء بوصفها كذلك بل بوصفها استعارات يتم بوساطتها تقويض الواقع
وإعادة بنائه على نحو فني/ جمالي. ولعل أبرز ما يميز ذلك النص رمزيته من
جهة، وأداؤه لـهذه الرمزية على نحو غير مباشر من جهة ثانية. إذ ليست الأفعى
التي تفح من داخل الكتب سوى رمز للمعارف والأفكار التي تحرض قارئها على
محاولة تغيير الواقع، ودفعه إلى الوقوف على قدميه بدلاً من الوقوف على
رأسه.
ويتقاطع نص ماجد رشيد العويد: "السادن" وسابقه، "الرجل الذي أحرق الكتب"،
في أن كليهما يتوسل بما هو واقعي لقول ما هو كنائي، ويتميز منه في تثميره
هذا الكنائي، وفي إحالته إلى عدد غير منته من الرموز، ثم تأكيده أسلوبية
القص التي اتسم بها منجز العويد في مجموعتيه: "بصوت خفيض"، و"الغمام"، أي
إنتاجه نصوصاً قصصية مفتوحة تتمتع بقابليات عدة للقراءة والتأويل.
فالميدان، المقدس حسب تعبير السارد، الذي يتخلى عن كونه فضاء جغرافيا ليصبح
فضاء رمزياً، ينتج طيفاً واسعاً من الدلالات، تتعدد ألوانه بتعدد القراء من
جهة، وبالمخزون المعرفي لكل منهم من جهة ثانية. وهو. بالإضافة إلى ذلك،
يؤكد ولع القاص ببناء جملة قصصية تستمد نسغها من الموروث السردي العربي،
وتسعى إلى تأصيله وتجذيره بآن.
ويتسم نص محمد أبو حمود: "معركة القبعات الساطعة" بما اتسم به نصا: "الذي
أحرق الكتب" و"السادن"، أي بكنائيته، التي تعد، حسب تصنيف "بارت"، السمة
الأساسية التي تميز النموذج الأول من النماذج الكبرى للخطاب الأدبي(5)،
فتعدد القبعات يحيل إلى تعدد الثقافات الغازية، أو الاستتباعية، كما يحيل
إلى وهن الثقافة المغزوة أو المستتبعة، وإلى القابليات المرضية لـهذه
الثقافة واستجاباتها الدائمة لفعل الاستتباع. والنص، بهذه الكنائية وعبرها،
ولا سيما في خاتمته، التي تشير إلى مغادرة السارد للمكان الذي اقتيد إليه
من غير قبعة ومن غير رأس، لا يكتفي بإنتاجه فعالية تنوير تغني عن مدونات،
فحسب، بل يعبر أيضاً، عن كفاءة واضحة لدى القاص في بناء نص قصصي شديد
البساطة وشديد العمق بآن.
ويعبر نص محمد منصور: "غروب" عن قص يمسك صانعه بأدوات الفن القصصي على نحو
واضح، ولا سيما أدوات بناء جملة سردية ممتلئة بالإيحاءات، ودالة على حس عال
بجماليات السرد، وعلى وجود روائي مضمر بين المفردات والتراكيب التي تصوغ
هذه الجملة. ولئن كان من أهم ما يميز ذلك النص، على المستوى الحكائي، نفيه
للذات لصالح الآخر، فإن من أبرز ما يميزه، على المستوى الفني، بناء القاص
لأطروحته تلك بكثير من الرهافة التي تعنى بالغوص على جواهر الأشياء نفسها،
وبدواخل الشخصيات لا الشخصيات نفسها.
ويفصح نص أحمد جاسم الحسين: "أصوات" عن مرجعه السيري من الأسطر الأولى فيه،
والقاص لا يدخر، في هذا المجال، جهداً في بث الإشارات الكافية والدالة على
ذلك، ومن تلك الإشارات فضاء المكان الذي يقيم بطله فيه، وأسماء أصدقائه،
وأبوته الروحية، كما وصفه أحدهم يوماً، لما سمي القصة القصيرة جداً!!. وهو
لا يكتفي بذلك في مفتتح النص فحسب، بل يتجاوزه إلى تضاعيفه أيضاً، إذ يطل
ما هو سيري برأسه بين موقع وآخر فيه. وإذا
كانت قيمة الفن تكمن في "إسقاط الألفة عن الأشياء وتغريبها"(6)، فإن
هذا النص يمسك بكلتا قبضتيه بالمألوف، وبلغة مستقيمة الدلالة، تحيل على
متونها فحسب.
تركيب:
لا تكتفي مجموعة "قصة التسعينات في سورية، نماذج وقراءات" بتعبيرها عن
الاختلاطات الكثيرة التي تعانيها التجارب القصصية المشتركة في سورية فحسب،
بل بتعبيرها أيضاً عن الأوهام الكثيرة التي ترين بظلاها الجارحة على آليات
التفكير في المجتمعات غير الممؤسسة على نحو كاف، أعني ارتهان مجمل إنتاج
هذه المجتمعات، بتجلياته كافة: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية
والثقافية، إلى أفراد لا إلى مؤسسات.
وبمنأى عن فعالية المأسسة تلك، وعن الوعي المتحرر من فرديته، مهما تقنع هذا
الوعي بتعبيرات مخاتلة، كنماذج أو إشارات أو أمثلة أو سوى ذلك، فسيظل ما
يدعي انتماءه إلى المشترك من الفعاليات، وفي مختلف مجالات الحياة، أشلاء من
الحقيقة ولا الحقيقة، وتثميناً للفردي ولا للمؤسسي، وستتابع معوقات التقدم
الحضاري فتكها بالاقتصاد، والمجتمع، والسياسة، والثقافة.
هوامش وإحالات:
1 ـ تفضل الدكتور عبد السلام العجيلي بتقديم صورة عن هذه
القصة إلي كما هي منشورة في المجلة. وثمة، في مجموعة "من يذكر تلك الأيام"
نص بعنوان "السمكة الطائرة" كتبه، بالاشتراك، حنا مينة ونجاح العطار.
2 ـ تفضل بتقديم هذه المعلومة إلي الأستاذ محمد شويحنة، كما
تفضل بتزويدي ببعض أعداد السلسلة.
3 ـ ط1. إصدار خاص، دمشق 1999.
4 ـ انظر: مارتن، والاس. "نظريات السرد الحديثة". ص (145).
5 ـ انظر: بارت، رولان. "النقد البنيوي للحكاية". ص (95).
6 ـ سلدان، رامان. "النظرية الأدبية المعاصرة". ص (27).
   
الجوائز الأدبية
مثّلت المسابقات الأدبية، داخل سورية وخارجها، ولا سيّما في عقد
التسعينيات، ظاهرة بالمعنى الدقيق للكلمة، وقد أسهمت تلك المسابقات جميعاً
بدور مهمّ في التعريف بأصوات جديدة لم يقيّض لـها التعبير عن نفسها
وموهبتها عبر المؤسسات الثقافية الرسمية من جهة، كما أسهمت في إزاحة ستائر
التجاهل والتغييب عن كثير من الأصوات القديمة التي أهملها الخطاب النقدي من
جهة ثانية.
ترتدّ تجربة المسابقات الأدبية في سورية إلى بداية عقد الأربعينيات، ولعلّ
مسابقة مجلة "الصباح" الدمشقية، التي أعلنت عنها في عددها (652)/38 الصادر
في 31/8/1942، أوّل مسابقة أدبية في سورية في مجال القصّة القصيرة(1).
ولئن كان من أبرز ما ميز معظم المسابقات التي تلت ارتباط الأخيرة بمناسبات
بعينها، فإنّ من أبرز ما ميز معظمها أيضاً صدوره عن دوريات ومؤسسات رسمية
بآن، كمسابقة صحيفة "تشرين" لعام 1978 المكرسة لحرب تشرين(2)، وكمسابقتي
اتحاد الكتّاب العرب لعامي 1978 و1979(3)، وسوى ذلك.
وكما عرّفت المسابقات المحلية بأصوات جديدة، وأكدت أصالة موهبة القصّ لدى
الأصوات المعروفة، تميّز معظم المسابقات العربية بأدائه الدور الأول فحسب.
وعلى تعدّد مواقع تلك المسابقات واختلاف الجهات المنظمة لـها كان للسوريين
نصيب وافر ومراكز متقدّمة، ومن أمثلة ذلك في مسابقة د. سعاد الصباح للإبداع
الفكري، مجموعة تاج الدين الموسى: "مسائل تافهة"، ومجموعة محمد عبد الرحمن
يونس: "آخر تحليقة لنورس مهاجر"، ومجموعة حسان يوسف المحمد: "سوق
النخاسين"، ومجموعة حمدي عبد الرحمن البصيري: "البحث عن ليلى". ومن أمثلتها
في مسابقة الشارقة للإصدار الأول المجموعة المشتركة لانتصار بعلة وأيمن
الحسن: "العودة ظافراً"، ومجموعة هيمى المفتي: "ومضات"، ومجموعة صفوان
حنّوف: "زمن الحرائق".
ومهما يكن صحيحاً ما انتهى د. حسام الخطيب إليه من أنه ليس من إنسان ناضج
يأخذ المسابقات الأدبية مأخذ الجدّ، لغياب معيار ملموس وتعلق الحكم عامة
بطبيعة تشكيل اللجنة المحكمة، ثمّ لعكوف عدد كبير من الكتّاب الموهوبين عن
دخول المسابقات(4)، فإنّ عدداً غير قليل من المسابقات، ولا سيما العربية
ومما ظهر في عقد التسعينيات، كشف عن مواهب حقيقية يعد الكثير منها بإضافات
إلى تجربة القصّ السورية من جهة ثانية، ويشير الكثير منها أيضاً إلى طاقات
إبداعية جديرة بالحفاوة والاهتمام من جهة ثانية.
   
زمن الحرائق
على الرغم من تردّد اسم صفوان حنّوف في غير صحيفة ومجلة سورية قبل فوز
مجموعته: "زمن الحرائق"(5) بجائزة الشارقة للإبداع العربي/ الإصدار الأول
(الدورة الثانية)، فإنّ الجائزة هي التي عرّفت القرّاء والمتابعين لتجربة
القصّ السوري به، ولولاها لظلّ، أو لعله ظلّ، وقد حصل على الجائزة في سنّ
السابعة والأربعين، طيّ الصحف والمجلات والمنابر التي قدّم فيها، ومن
خلالها، بعضاً من نتاجه.
تضمّ مجموعة "زمن الحرائق" أحد عشر نصّاً قصصياً تترجّح جميعاً بين شاغلين
مركزيين: وطني، واجتماعي، على الرغم من تعدّد مؤرّقاتها التي يمكن تنضيدها
في أربع مجموعات: أولى تُعنى بما أبدته سنوات التسعينيات من محاولات محمومة
لافتراس الذاكرة الوطنية والقومية عبر ما سُمّي باتفاقات السلام، كما في:
"إضراب في الذاكرة"، و"السكين" وثانية تعرّي المفارقات الاقتصادية الغاشمة
التي تقسم المجتمع إلى طبقتين متمايزتين، والتي تسلب المكتوين بأوارها
أبجديات حقهم في حياة كريمة، كما في: "حبّ ومدينة"، و"للفرح وجه آخر"،
و"زمن الحرائق"، وثالثة تمجّد عاطفة الحبّ بوصفها الحصن الأوّل والأخير
الذي يحفظ للإنسان معنى لوجوده، كما في: "جدران الصمت"، و"هذا الجنون"،
و"زمن الحرائق"، ورابعة ترثي طغيان الاستلاب البيروقراطي والروحي الذي يفتك
بقيم الجماعة ومُثلها، كما في: "موعد خارج الزمن"، و"اللوحة الأخيرة"،
و"خيط الدم"، من غير أن يعني ذلك أنّ كلّ نصّ يحدّد محكيّه بمؤرّق بعينه،
ولا ينفتح على سواه من مؤرّقات النصوص الأخرى، فكما تعرّي قصّة "حبّ
ومدينة"، على سبيل المثال، تفكك القيم التي أنتجها اللهاث وراء ما هو خاصّ،
تُعنى بآن بتصوير وطأة الحاجة الاقتصادية التي تُرغم طبقة الموظفين على
العمل بعد الدوام.
وعلى الرغم من أنّ تلك المؤرّقات تمتدّ في الزمان والمكان معاً، بمعنى
أنّها لا ترتهن إلى مرحلة تاريخية محدّدة، ولا إلى جغرافية بعينها، بسبب
حفاوتها الواضحة بالكليات، أي بما يبدو جمعيّاً ومشتركاً بين غير عصر وغير
فضاء إنساني، فإنّها جميعاً تُعنى بالراهن الذي دفع إلى إنتاجها، وبما يبدو
خاصّاً بجزء بعينه من الجغرافية العربية، هو الجغرافية السورية.
ولئن كانت ثمّة نصوص ترتدّ إلى مراحل سابقة من هذا الراهن، وتمتدّ على
مستوى المكان، خارج ذلك الجزء، كما في: "حبّ ومدينة"، و"إضراب في الذاكرة"،
"السكين"، فإنّ من أهمّ مسوّغات هاتين السمتين: الارتداد، والامتداد، تعميق
إحساس المتلقي بقسوة المفارقة بين عالمين يُنتج كلّ منهما قطيعة تامة مع
الآخر.
ومع أنّ معظم النصوص، كما معظم نتاج التسعينيات، يتحرّك في فضاءات غائمة لا
تحيل إلى بيئة محدّدة، كما في: "خيط الدم"، و"زمن الحرائق"، فإنّ ذلك لا
ينفي ما تتضمّنه بعض النصوص من إحالات إلى الفضاء الجغرافي الذي ينتمي
القاصّ إليه، أي مدينته "حمص"، التي تحوز نصف الإهداء الذي يصدّر به
المجموعة: "إلى التي أسكن قلبها، حمص.."، كما في قصّة "حبّ ومدينة" التي
يتمّ التعبير فيها عن هذه السمة من خلال سؤال بطلها لأمّه عن دمه: "كيف حال
العاصي؟"، وكما في قصّة "هذا الجنون" التي يقول فيها السارد: "كانت المدينة
يومها مستلقية بثوب العيد على ضفة العاصي".
والنصوص عامّة تلحّ على الوقائعي اليومي، ولا تفلت من قبضته، كما تلحّ على
نماذج إنسانية مترفة بالطهر والنقاء، كما في: "موعد خارج الزمن"، و"زمن
الحرائق"، وعلى الرغم من توزعها بين غير مستوى فنّي، فإنها، عامّة أيضاً،
تحيل إلى مواضعات التجربة القصصية العربية التي دأبت عليها لفترة من
الزمن.
ثمّة، في المجموعة، نصوص توفر لنفسها ما يشير إلى تملك كاتبها لأدوات
القصّ، كما في: "حبّ ومدينة"، و"المرحوم"، و"هذا الجنون"، و"خيط الدم"،
و"زمن الحرائق"، وأخرى تعبّر عن قصّ يكاد يبدو لصيقاً بمنطق المرويّات
الشفوية، كما في: "إضراب في الذاكرة"، و"للفرح وجه آخر"، وثالثة تعبّر عن
ترجّح فعاليات القصّ بين السمتين المشار إليهما آنفاً، كما في: "جدران
الصمت"، و"اللوحة الأخيرة"، و"السكين"، و"موعد خارج هذا الزمن".
وفي الحالات الثلاث تبدي النصوص وفاء للمنطق التعاقبي في الزمن، إذ يبدأ
الحدث القصصي من نقطة محدّدة في حياة الشخصية وما يلبث أن يتتابع على نحو
خطي، قلما ينتج مفارقات سردية أو انتهاكات لذلك المنطق. وتمثّل تقنية
الاسترجاع أبرز التقنيات التي يلجأ القاصّ إليها في هذا المجال، فكثيراً ما
يرتد أبطاله إلى زمن ماض سابق على لحظة القصّ. ويمكن التمييز، في هذا
المجال، بين نوعين من الاسترجاعات: داخلية، تقع نقطة "المدى" فيها داخل
الحقل الزمني للحظة انقطاع السرد القصصي، كما في "هذا الجنون" التي يستعيد
فيها السارد ذكرى متابعته لمناقشة الفتاة التي أحبّها من طرفه لأطروحتها في
الماجستير. وخارجية، تقع فيها نقطة "المدى" خارج الحقل الزمني للحظة انقطاع
السرد القصصي. ومن أمثلة ذلك: "حبّ ومدينة" التي يرتدّ فيها بطل القصة
وساردها إلى سنوات طفولته الأولى. و"إضراب في الذاكرة" التي يسترجع فيها
بطل القصة وساردها أيضاً ذكرى تعود إلى ما قبل خمسة وثلاثين عاماً من لحظة
القصّ.
وباستعارة مصطلح "الروائي الضمني"، أو "الأنا الثانية للروائي" من السرديات،
ثمّة في النصوص ما يمكن تسميته بـ"القاص الضمني" الذي ينيبه القاصّ عنه في
سرد محكيّه القصصي، ويُنطقه بلسانه، فعلى الرغم من ترجّح فعاليات التبئير
بين ضميري خطاب رئيسيين: المتكلم، والغائب. فإنّ الثاني، المعبّر عن طغيان
للسارد العالم بكلّ شيء، والقادر على النفاذ إلى أعماق الشخصيات ودواخلها
النفسية، واختراق أستارها المغلقة على ما يعنيها فحسب، يستبدّ بمعظمها تلك
الفعاليات، باستثناء خطابات الأقوال التي تكشف عن كفاءة واضحة لدى القاصّ
في استثمار تلك التقنية إلى أقصى مدى ممكن، وعلى نحو خال من نوافل القصّ أو
فائض المحكيّ فيه.
ولعلّ أبرز ما يميز النصوص على مستوى الأداء اللغوي نأيها عمّا هو استعاريّ،
وما يمكن العثور عليه في هذا المجال، أي مما ينتمي إلى تلك السمة لا يتجاوز
ما تواضعت عليه البلاغة التقليدية، من مثل: "ليل.. يقهقه شامتاً"، و"أفواه
الشوارع والساحات العامّة تغصّ برجال المرور"، و"أقبّل خدّها الإسفلتي
الناعم" صورة بيانية تخون أطروحة النصّ التي تثمّن الأصالة.
   
البحث عن ليلى
لا تستمدّ مجموعة حمدي البصيري: "البحث عن ليلى"(6) مشروعية انتمائها إلى
الفنّ القصصي من فوزها بالجائزة الأولى في مسابقة القصّة القصيرة لعام 1999
من جوائز د. سعاد الصباح للإبداع الفكري والأدبي، بل من امتلاكها بنفسها
إشارات كثيرة إلى صدورها عن قاصّ بالمعنى الدقيق للكلمة، أي عن مبدع يعي
بأنه ينتج فنّاً ولا يحكي حكايات.
في المجموعة تسعة عشر نصّاً قصصياً، تتفاوت طولاً وتتنوّع قيمها الفنّية
لكنّها تتفق في امتلائها بالواقع وصلتها الوثيقة به، وعلى الرغم من إعادة
إنتاجها، على مستوى شواغل القصّ، للمنجز السردي العربي الحديث، فإنها تتميز
منه على المستوى الفنّي بمقاربتها لتلك المؤرقات على نحو يبدو خاصاً بها من
جهة، ومستوفياً بآن للأطروحة القائلة إنّ الفنّ "ليس.. تقليداً لعالم
الواقع.. وإنما هو رؤية.. تعيد خلق الواقع من جديد"(7) من جهة ثانية.
وباستثناء قصّة "السيرة الذاتية لخيانة جدّي" التي تستقلّ بنفسها بحقل
دلالي واحد، فإنّ الأغلب الأعمّ من النصوص يتوزّع بين أربعة شواغل مركزية:
التضاد بين قيم الماضي وقيم الحاضر، والقهر الاقتصادي الذي يفترس قطاعاً
بعينه من المجتمع هو قطاع المتعلمين خاصّة، والتقاليد الرثّة التي لم يستطع
الزمن محوها أو تعديلها، والقمع السياسي الذي يسلب الآخر حقه في الرأي
وحريّة التعبير.
في القصة الأولى، "أجيال"، المعنية بهجاء التضاد بين قيم ناصعة شديدة
النقاء وأخرى ممعنة في الخراب، تتوزّع حركة القصّ بين زمنين: ماض يمثّله
أبو ماجد ويعبّر عن البهيّ والناصع من القيم فيه، وحاضر يمثّله ماجد،
الابن، ويعبّر عن نقيض تلك القيم، ولا سيّما نزعة التملك التي تلتهم
الملّوّث بها كما تلتهم مَن تجده في طريقها.
ويتجلى القهر الاقتصادي في القصّة الثانية، "الخراف تقفز فوق السور"، الذي
يرغم بطل القصّة، "أسعد"، على بيع كليته، ليس من أجل الخلاص من جحيم الفقر
الذي يعانيه فحسب، بل من أجل أن يدفن ذلك الفقر إلى الأبد أيضاً.
وإذا كانت قصّة "أجيال" قد رثت موت الناصع من قيم الماضي، فإنّ قصّة "حبّ"
تهجو ثبات الشائه من تلك القيم واستمراره في الراهن، فالآخرون، الجحيم
بتعبير "دانتي"، الذين كانوا يقبعون خلف الأبواب ليصادروا قبلات العاشقيْن،
وليختموا شفاههما بالشمع الأحمر، لم يقوَ الزمن على تعديل وعيهم، فتابعوا
بذلك تلذذهم بانتهاك حقوق سواهم في ممارسة إنسانيتهم، لكأنّ كلّ شيء في
الحياة موبوء بالعطالة، ومثخن بحراب الثبات.
وتتابع قصّة "لمن تنضج الثمار" المؤرّق نفسه، ولكن من منظور آخر هو الأعراف
والتقاليد الاجتماعية التي تحاصر الفتاة في المجتمعات البطريركية، والتي
يتمّ التعبير عنها من خلال شخصية الأب الذي لم يكن ثمّة ما يثنيه عن وأد
شباب ابنته بين جدران البيت طوال ثمانية وعشرين عاماً: "سامحك الله يا أبي،
ثمان وعشرون سنة وأمامها بقية عمري قتلتها بأعراف وتقاليد بالية".
وتفارق قصة "باسمة" القصة السابقة في تقديمها نموذجاً مضاداً للمرأة، تبدو
الأخيرة من خلالها نتاج خياراتها ولا نتاج خيارات سواها، فعلى الرغم من طلب
ابن البيك الزواج من باسمة فإنها لم تذعن لإغراء أسرته "النبيلة"، ورفضته،
وعلى الرغم من محاولات السارد لنسج علاقة حبّ معها، فإنها قطعت خيوطه كلها
وألقت سنّارته في البحر.
وتمجّد قصّة "المغزل" الأمّ المكافحة التي إن غابت جسداً فتظلّ ذكرى كفاحها
حيّة لدى أبنائها. وتلتقي القصّة الحادية عشرة "عندما تموت الأمهات" مع هذه
القصّة في تقديمها نموذجاً فاعلاً للمرأة/ الأم التي لا يقوى الموت على
تغييبها أيضاً.
وتنفرد القصّة السابعة، "السيرة الذاتية لخيانة جدّي"، بالحديث عن خيانة
الأرض والوطن، فالجدّ يضحي بأرضه في يافا من أجل ساقي "شلوميت" اليهودية،
ويظلّ محموماً بمطاردة النساء، بينما سلالة "شلوميت" تتناسل في أرض فلسطين
كما الطاعون، وبينما الأرض نفسها تذوب من بين يدي أبنائها الشرعيين الذين
بدلاً من أن يختاروا جميعاً طريقاً مغايراً لما فعله الجدّ العابث/ الخائن
أمعن بعضهم في الخيانة حتى امتلأت الأرض بالمجازر والمذابح على أيدي حفدة "شلوميت".
وعبر محكّي لا يتجاوز نصف الصفحة من القطع المتوسط يرثي نصّ "أكل" الزمن
الذي يسيل من بين أصابع الإنسان كما الماء. وفي "شيء ما يحترق" ثمّة نموذج
ثالث للمرأة في المجتمعات الشرقية، التي لم تستطع شراء الرجل بسبب القهر
الاقتصادي الذي يفحّ سمومه المدمّرة في الواقع حوله.
ويجهر ذلك القهر بنفسه وعلى نحو شديد الضراوة في قصّة "الرأس والمدفأة(1)"
التي تبدو إعادة إنتاج للمفارقة التي مثّلت، أو كادت، مكوّناً في المنجَز
السردي العربيّ، أي بين مَن أخلص للعلم فلم يجن منه سوى الراتب الناحل الذي
ما إنْ يكاد يستقرّ في كفه حتى يطير منها، وذاك الذي هجر العلم فأصبح قوّة
اقتصادية لا تكتفي بالاعتداد بنفسها فحسب، بل تسخر أيضاً من أولئك الذين
بذلوا حياتهم من أجل المعرفة.
وتبدو قصّة "السادة الرجال" تنويعاً على قصّة "لمن تنضج الثمار"، فإذا كانت
الثانية قد عنيت بهجاء الوعي البطريركي الذي يرغم الفتاة على البقاء أسيرة
المنزل، فإنّ "السادة الرجال" تعنى بهجاء الوعي نفسه، الذي يتجاوز وأد
أحلام الفتاة في متابعة دراستها إلى إرغامها على الزواج ممن لا تحبّ.
ويفصح حقل التقاليد الرثة عن نفسه، وبكفاءة فنية عالية، في قصة "آخر
الزنابق" التي تعرّي عادة محو "العار" في المجتمعات المعلولة بقيم زائفة،
إذ لم يكتفِ شقيق (هـ.ن) الشابة بإبعادها عن أحمد الذي أحبّها وأحبّته، بل
طاردها حتّى حزّ بسكين المطبخ عنقها ليتخلص من "العار" الذي ألحقته بها
وبأسرتها بسبب تمرّدها على تلك القيم.
وتتابع قصّة "قطنة موسى"، بسخرية لاذعة وغير مباشرة، ما يُصطلح عليه بـ"البروليتاريا
الرثة"، أي العمّال القادمون من الأرياف لبيع قوة عملهم، وهي لا تكتفي بذلك
بل تتجاوزه إلى هجاء القطيعة مع الأرض أيضاً. فموسى، الشخصية الرئيسية في
القصة، الذي أغرته "أمّ الطربوش" ببيع أرضه، ودفعه ذلك من ثمّ إلى بيع قوّة
عمله وإلى الركض مثل أرنب فزع، وبينما كان أهل "الغافية"، قريته، يعدّونه
للدفن ويتحدثون عن مآثره "وقبل أن يوارى الثرى، قطعت أمّ العبد (زوجته)
القراءة المباركة بواحدة من مقام مختلف: ـ الله عليّ يا حبيبي حطوا لك قطنة!!".
وعبر قصّ زاخر بالإيحاءات، ومكثّف، تقدّم قصّة "نكوص" نموذجاً للآلية
الدفاعية، اللاشعورية، التي قد يلجأ الإنسان إليها حينما يعجز عن مواجهة
موقف ما، فيرتدّ إلى سلوك طفولي للتغلب عليه. فبينما كان الأب يلاعب أطفاله
"عسكر وحرامية"، وحين دوّى قصف مباغت وملأت أسماع الجميع انفجارات القذائف،
هُرع، على نحو لا إرادي، مذعوراً إلى حضن أمّه العجوز، ثمّ "ارتمى،
مرتعشاً، منتحباً، وفي تلافيف ذاكرته انبعثت صور مرعبة للموت".
وتنتمي قصّة "دعوة للجنون" إلى الحقل الدلالي المعني بهجاء القمع السياسي،
فبدلاً من أن تتيح السلطة السياسية لـ"لأستاذ" هامشاً للمشاركة في بناء
وطنه تتهمه بالخيانة والعمالة، ثمّ لا يثنيها شيء عن إثخان جسده بالرصاص.
وتستكمل قصّة "المدفأة والرأس"(2)" محكيّ القصّة "الرأس
والمدفأة(1)"، فتتحدّث، عبر ضمير المخاطب، عن "شاكر" الذي لم يكمل تعليمه
واختار العمل في إصلاح المدافئ، ولم ينسه ما جناه خلال حياته الخمسين ليرة
التي لم يقوَ السارد على دفعها لـه حين أصلح لـه مدفأته، فطارده بعد موته.
وعلى نحو دالّ على رغبة واضحة لدى القاصّ في تقديم نماذج نسوية مميّزة تفكك
قصّة "البحث عن ليلى" الغيرة العمياء التي تنتهي بالعاشقيْن إلى الفراق،
فليلى التي بلغت الغيرة بزوجها حدّ المرض تغادر البيت على الرغم من توسلات
الزوج للصفح عنه، ولعلّ "ليلى" في هذه القصة رمز لقيم الماضي المهدورة في
راهن مثخن بالزيف، والعاهرات، والتهريج.
وكما قدّمت قصّة "قطنة موسى" نموذجاً من البروليتاريا الرثة تقدّم قصّة
"كيف ضاع العمر" نموذجاً آخر، يضطره القهر الاقتصادي إلى مغادرة قريته ومن
ثمّ إلى إدمان السفر إلى "زحلة" ليعمل عتّالاً. كان ما إن يعود إلى قريته،
ويحتضن "فاطمة"، زوجته الصبور، حتى يرغمه حملها المفاجئ على الرحيل من
جديد. وعلى الرغم من أنّ "ناتاشا"، الخادمة، حيث كان يسكن، لم تكن تدخر
جهداً في دعوته إلى فراش سيديّها حال غيابهما عن المنزل، فإنه كان يعتصر
جسدها وثمة في ذاكرته فاطمة التي "لم تتغيّر. هي، هي، منذ خمس عشرة سنة،
نفس الرائحة ونفس الشعر، وإن بات نصفه أبيض".
والنصوص التسعة عشر جميعاً تحقق الأطروحة القائلة إنّ قيمة الإبداع الحقيقي
تكمن في مساءلته ما يحدث، وليست في محاولته الإجابة عمّا يحدث، لا لأنها
تتجنّب الوعظ والإرشاد فحسب، بل لأنها تساءل الواقع الذي تنطلق منه على نحو
فنّي مميّز أيضاً. وعامّة، فإنّ النصوص تنتمي إلى ما يصطلح منظرو المنهج
الاجتماعي عليه بـ"النصّ المفتوح"، أي النصّ الذي ينفتح على مرجع خارجي
عنه، فيحمل في داخله آراء مبدعه، وأفكاره، ومشاعره، وطبقته الاجتماعية،
ولكن على نحو مضمر، وخال من المباشرة.
ومهما يكن من أمر أنّ أجزاء من محكيات النصوص أجزاء من السيرة الذاتية
للقاصّ، أو مما خبره مباشرة، كما يفصح عن ذلك إلحاحه على تعيين الفضاء
الجغرافي الذي ينتمي إليه معظم الشخصيات الرئيسة في المجموعة، أي بلدة
"نوى"، فإنّ ما هو سيري في النصوص ينزاح عن مرجعه الواقعيّ، ليبدو لصيقاً
بالراهن في مجمل أجزاء الجغرافية السورية.
ولعلّ أبرز ما يميز تلك الشخصيات إحساسها الفادح بالعزلة التي تعانيها بفعل
الواقع الغاشم حولها، والتي تطبق عليها كما لو أنها قوّة قاهرة لا يمكن
الفكاك منها، الأمر الذي قد يعلل إلحاح القاصّ على مقاربة أبطاله عبر أمكنة
مسوّرة بالجدران دائماً، كما في "الخراف تقفز فوق السور" التي تتحرّك
الأحداث فيها في غرف مغلقة، وكما في "حبّ" التي يعرّي القاصّ فيها ثبات
القيم الشائهة عبر متابعته لما كان يترصد العاشقيْن خلف الأبواب خاصة. ومن
اللافت للنظر انتهاء معظم أولئك الأبطال إلى الموت: أبو حامد في "أجيال"،
والعاشقان في "حبّ"، والأمّ في "المغزل"، وشاكر في "الرأس والمدفأة(2)"،
و(هـ.ن) في "آخر الزنابق"، وموسى في "قطنة موسى"، والأستاذ في "دعوة
للجنون"، وإلى حد يبدو الموت معه مكوّناً أساسياً في خواتيم النصوص.
وباستثناءات قليلة، منها المرأة العاملة في "دبيّ" في قصّة "شيء ما يحترق"،
ويُمنى زوجة المختار في "قطنة موسى"، وناتاشا في "كيف ضاع العمر"، اللواتي
لم يكن يدخرن جهداً في مطاردة الرجال، فإنّ الأغلب الأعمّ من الشخصيات
النسوية يمثّل نماذج إنسانية مميّزة، بل نموذجاً للمرأة المحصّنة بوعي كافٍ
لممارسة إنسانيتها، والقادرة على مواجهة محاولات السلب لإرادتها، على الرغم
من قتام القيم البالية التي تحدق بها. ومن أمثلة ذلك: فاطمة في "حبّ"،
والأمّ في "المغزل"، وسلمى في "لمن تنضج الثمار"، وباسمة في القصّة التي
تحمل اسمها، وجهينة في "شيء ما يحترق".
والقاصّ يتابع، في الأغلب الأعمّ من النصوص أيضاً، ما دأب عليه معظم السرد
العربي الحديث من هجاء للمدينة، كما في "شيء ما يحترق" التي يصف السارد/
الشخصية الرئيسية المدينة فيها بقوله: "مدينة أدمنت الصمت الموحش، مرذولة
تمضي سحابة يومها في ستر فضائحها، تستر لحمها من هنا فينكشف من هناك"، وكما
في "السادة الرجال" التي يقول العجوز فيها لرجاء: "المدينة غول، ضياع، عودي
من حيث أتيت، الخير ما زال عندكم".
وتشكل تقنية الاسترجاع مكوّناً لافتاً للنظر في معظم تقنيات القصّ في معظم
النصوص، وغالباً ما تنهض تلك التقنية بوظيفة واحدة هي سدّ الثغرات في
المحكي القصصي، وغالباً أيضاً ما تنتمي إلى حقل الاسترجاعات الخارجية لأنّ
سعة كلّ منها يبدو خارج سعة الحكاية الجذر، كما في استعادة السارد في قصّة
"أجيال" لطفولته حينما كان أبو ماجد يوزّع الليرات وأنصافها عليه وعلى
أقرانه، ويشتري لـهم حلو النعناع الأبيض، ويحكي لـهم الحكايات الشائقة،
وكما في استعادة هيفاء لعلاقتها بأحمد في "آخر الزنابق"، واستعادة السارد
في "شيء ما يحترق" لحياته عندما كان طالباً ينتقل بين قريته "نوى" ودمشق،
ولعلاقته بجهينة التي استمرت سنوات أربعاً ثم انتهت بقولها لـه: "تزوجت"،
وسوى ذلك.
وتتّسم العلامات اللغوية للنصوص باختزالها لجوهر القصّ، ولاقتصادها أيضاً،
كما في: "أجيال"، و"حبّ"، و"باسمة"، و"المغزل". أما مثيلتها للشخصيات
فتترجّح بين مجالين متعارضين: المطابقة بين العلامة اللغوية للشخصية
والشخصية نفسها، كما في "رضية" في "الخراف تقفز فوق السور"، التي كانت تغسل
لزوجة الصائغ، وتطبخ للطبيبة الجديدة التي سكنت الحيّ، وتعمل في المزارع،
وتقاوم أطماع البقال في جسدها، لكي تحتفظ بأسرتها متماسكة، وتعين أفرادها
على مقاومة غائلة الحاجة، وترضى بما قسم لـها في حياتها، ثمّ المفارقة بين
العلامة اللغوية للشخصية والشخصية نفسها، كما "أسعد" في القصة نفسها، الذي
كانت تطارده ضرائب البلدية، وديون البقال والقصّاب، ولذلك لم يكن ليذوق طعم
السعادة يوماً.
وعامّة، فإنّ النصوص تتحرّر من وطأة الحوافز الحرّة، فكلّ شيء فيها لـه
وظيفته، ويتخذ لنفسه الموقع المناسب لـه من حركة القصّ، ويبدو وثيق الصلة
بما يصطلح عليه بالحوافز المشتركة، أو بالوحدات التوزيعية بتعبير
"بارت"(8)، وعلى نحو دالّ على أنّ ثمّة تناغماً بين مكوّنات المحكي جميعاً
من جهة، وعلى وجود علاقات داخلية توحّد بين تلك المكوّنات من جهة ثانية.
وإذا سلم المرء بالأطروحة القائلة "إنّ الرواية ينبغي أن تُكتب وكأنها
سيمفونية أو أوبرا"(9)، فإنّ كلّ نص من نصوص المجموعة يبدو مكتوباً وكأنه "سوناته"
تقول أكثر ما يمكن بأقلّ ما يمكن.
وعامة أيضاً، فإنّ النصوص القصصية القصيرة، أو ما يمكن عدّه مجازاً قصصاً
قصيرة جداً، تتسم بانفتاحها على التأويل، كما في "نكوص" التي تبدو اندفاعة
الأب إلى حضن الأم العجوز رمزاً للعودة إلى الجذر/ الأرض. وتغصّ النصوص
بخطابات الأقوال التي تمارس نفوذاً واضحاً في فعاليات القصّ، حتى لتبدو
النصوص أحياناً نصوصاً مسرحية وقد تقنّعت بالجنس القصصي. ورغبة من القاص،
كما يبدو، في تعميق صلات نصوصه بالواقع فإنّه غالباً ما يملأ تلك الخطابات،
وأحياناً خطابات الأحداث، بالمتداول الشعبي، كما: "بلهم و اشرب ماءهم"، و"زبيد
يا هلي"، وبالمفردات الدالة على فضاء جغرافي/ اجتماعي بعينه، كما: البايكة،
وكضاضة، والنملية، والعليقة، والشيد. ومن اللافت للنظر إلحاحه على استخدام
تلك المفردات على الرغم من تقديمه البديل الفصيح لـها في هوامش النصوص
أحياناً، وعلى الرغم أيضاً من أنّ هذا البديل يبدو أكثر اتساقاً مع حركة
القصّ، ومن اللافت للنظر أيضاً ترجّح اللغة لديه، في خطابات الأقوال خاصة،
بين العامي والفصيح، على نحو غير معلل جمالياً.
وعلى الرغم من غلبة السمة الإبلاغية على لغة القصّ، فإنّ ثمّة مواضع بعينها
من النصوص تتجلى اللغة فيها بوصفها قيمة جمالية مستقلة بنفسها، ليس بسبب
فيض التخييل الذي ينحرف بها عن اللغة العملية فحسب، بل بسبب امتلائها
بموسيقى داخلية تجعلها لصيقة بقصيدة النثر أيضاً. ومن أمثلة ذلك المقبوس
التالي من "باسمة" الذي يصف السارد فيه الفتاة التي تحمل القصة اسمها:
"كنتُ معكِ ألهج وراء حروفك وأفرّ من سهامك وأبحر في قسماتك كلما جاست
عيناك الطاولة. تهجمين، فأفرّ إلى ظلمة عينيك، وأختبئ قبل أن تدهمني نصالك
مرة أخرى، أغوص في أحداقك(10)، وأعدو في هضاب الوجنتين وألوذ أسفل ذقنك.
نقشتِ في مخيّلتي رسومك. باسمة الأميرة، المكابرة، القدّيسة، وباسمة امرأة
أنفها يطاول السماء. مهما تحفزتُ يصعب مجاراتها".
إنّ مجموعة "البحث عن ليلى" ليست إشارة إلى موهبة قصصية جديرة بالاهتمام
فحسب، بل هي وعدٌ بقاصّ سيكون لـه موقعه في مستقبل القصة القصيرة في سورية
أيضاً.
هوامش وإحالات:
1 ـ للتوسّع، انظر: أبو شنب، عادل. "صفحات مجهولة..". ص
(117) وما بعد.
2 ـ للتوسّع، انظر: الخطيب، د. حسام. "القصة القصيرة في
سورية". ص (159) وما بعد.
3 ـ للتوسّع، انظر: المرجع السابق.
4 ـ انظر: الخطيب، د. حسام. "القصة القصيرة في سورية". ص
(159).
5 ـ حنّوف، صفوان. "زمن الحرائق". دائرة الثقافة والإعلام،
الشارقة 1999.
6 ـ البصيري، حمدي. "البحث عن ليلى". ط 1. دار سعادة
الصباح، الكويت 1999.
7 ـ اليافي، د. نعيم. "التطوّر الفنّي لشكل القصّة
القصيرة..". ص (193).
8 ـ انظر: بارت، رولان. "النقد البنيوي للحكاية". ص (106).
9 ـ هالبرين، جون، وآخرون. "نظرية الرواية، مقالات جديدة".
ص (27).
10 ـ كذا في الأصل، الصواب: "حدقتيك".
   
القصة القصيرة جداً
شهد عقد التسعينيات، وعلى نحو يكاد يكون خاصّاً بهذا الجزء وحده من
الجغرافية العربية، أي: سورية، ما يمكن وصفه بحمّى الـ"ق.ق.ج"، أو: "القصّة
القصيرة جداً"، التي تناهبت الأصوات الجديدة خاصّة، ولا سيّما الذين لم يكن
لديهم أيّ رصيد معرفيّ كافٍ بالجنس/ الجذر، أو بسواه من الأجناس الأدبية
الأخرى من جهة، وبمعنى الإبداع ووظائفه من جهة ثانية.
وقد توزّعت أعراض تلك الحمّى، وبنسب متفاوتة وعوامل مختلفة ومضادات فنّية
متباينة، بين شكلين: فبينما اختار عددٌ من أولئك بثّ أجزاء من تجاربهم في
هذا المجال بين تضاعيف مجموعاتهم القصصية، كما فعل محمد الحاج صالح في
مجموعته: "يوم في حياة مجنون"، وفراس سليمان محمّد في مجموعته: "الأشعث
والرجل الضئيل"، وعدنان محمّد في: "حقل من ريح"، ونجاح إبراهيم في: "حوار
الصمت"، وجمانة طه في: "عندما تتكلم الأبواب"، اختار آخرون إنجاز مجموعة أو
أكثر تُخلص نصوصها كافة لذلك الشكل وحده، كما فعل عزّت السيّد أحمد في
مجموعته: "الموت بدون تعليق"، وأحمد جاسم الحسين في مجموعة: "همهمات
ذاكرة"، ونجيب كيّالي في: "ميّت لا يموت"، وضياء قصبجي في مجموعتيها:
"إيحاءات"، و"إيحاءات جديدة"، وهيمى المفتي في: "ومضات".
وبلغت الحمّى ذروة تورّمها أو تعبيرها عن نفسها في الملتقى الأوّل الذي
أقيم صيف 2000 في المركز الثقافي الروسي بدمشق، وشارك فيه، على مدار ستة
أيام، اثنان وأربعون "قاصاً"، وتخللته أربع ندوات نقدية!! وعلى الرغم من
إجماع الأغلب الأعمّ ممن تابع ذلك الملتقى، كتّاباًَ ونقاداً وإعلاميين،
على التواضع الفنّي لمعظم النصوص المشاركة(1)، فإنّ ذلك لم يدفع أحداً إلى
مساءلة الظاهرة، بل سرعان ما أقيم ملتقى ثان، في المركز نفسه، صيف 2001، لم
يكن أحسن حالاً من سابقه، لا لأنّ معظم المشاركين فيه كانوا "من أصحاب
التجارب المتواضعة"(2) فحسب، بل لأنّ الظاهرة نفسها لم تستطع، على المستوى
الإبداعيّ، أن تقدم طوال عام شيئاً مهماً، يمكن البناء عليه، كما يمكن عدّه
مسوّغاً للصخب الإعلامي الذي رافقها(3)، ثمّ ثالث، صيف 2002، فرابع، صيف
2003، شارك فيه خمسة وثلاثون "قاصاً"، وقدّمت فيه قراءات من تجارب غير
عربية رغبة في إيهام الآخر بشيوع الظاهرة في الجغرافية الإبداعية الإنسانية
عامة.
ولم تجد تلك الملتقيات حاضنة لـها خارج ذلك المركز إلا في صيف 2003، أي مع
"الملتقى الأوّل للقصة القصيرة جداً" في المركز الثقافي العربيّ في حلب.
ولئن كان من اللافت للنظر ذلك العدد المثير من الكتّاب، والكاتبات بالطبع،
الذين شاركوا في تلك الملتقيات، فقد كان من اللافت للنظر أكثر، وباستثناءات
قليلة جداً، أنّ الأغلب الأعمّ منهم أيضاً "تسلل" إلى "الإبداع" خالي
اليدين من أيّ تجربة في أجناس أدبية أخرى غير القصّة القصيرة، أو أيّ إشارة
دالة على شرعية انتماء ما "أنجز"، في القصّة وسواها، إلى حقل الإبداع. وعلى
حين قدّم عددّ من أولئك، وسواهم ممن ظهر في التسعينيات، نصوصاً توفر لنفسها
شروط انتمائها إلى الأدب قبل انتمائها إلى ذلك الشكل من أشكال القصّ، بدت
نصوص آخرين أنأى ما تكون عن الفنّ، أي: ليس قصّة، وليس خاطرة، أو شيئاً آخر
سواهما.
لم يكن عدد كتّاب "القصّة القصيرة جداً"، من أبناء سورية، قبل بداية
التسعينيات، يتجاوز أصابع اليدين(4)، ثمّ ما لبث أن تجاوز في نهاية
التسعينيات أكثر من مئة "قاصّ" و"قاصّة"، مارس جلهم كتابة ذلك الشكل تحت
وطأة الرغبة في الظهور فحسب، لا تحت إلحاح ما هو فكريّ/ فنّي.
ومهما يكن صحيحاً أنّ ثمّة تجارب تنتمي إلى مجال الظاهرة في أجزاء مختلفة
من الجغرافية العربية، أو من الجغرافية الإنسانية عامة، فإنّ الظاهرة نفسها
تبدو سورية فحسب، كما تبدو ظاهرة صوتية وليست إبداعية منبثقة من الشروط
التاريخية للواقع، ومن تحوّلات هذا الأخير ومثيراته على غير مستوى.
وإذا كان مما ميّز الظاهرة طوال ذلك العقد اعتباطية معظم التجارب التي
تنتمي إلى مجالها وتواضعها الفنّي أيضاً، فإنّ من أبرز ما يؤكد فعاليات
الارتجال المهيمنة على الأغلب الأعمّ منها عدم استقرار الكتّاب أنفسهم على
علامة لغوية تحدّد الجنس الأدبيّ الذي تنتمي إليه، أي ما اصطلح "ج. جينيت"
عليه بتعبير: "العقد النصّي الجمعيّ"(5)، أو ما سمّاه "فيليب لوجون":
"الميثاق النوعي"(6).
فعلى حين اختار بعضهم تعبير "قصص قصيرة جداً"، كما لدى محمد الحاج صالح في
مجموعته: "يوم في حياة مجنون"، وعزت السيد أحمد في: "الموت بدون تعليق"،
وعدنان محمّد في: "حقل من ريح"، ونور الدين الهاشمي في: "قصّة انتحار
معلن"، اختارت جمانة طه تعبير "لوحات قصصية" في مجموعتها: "عندما تتكلم
الأبواب"، وبينما اختارت انتصار بعلة وأيمن الحسن تعبير "مقطوعات قصيرة"
في": "العودة ظافراً"، اختار فريق رابع تعبير "ومضات" كما فعلت هيمى المفتي
في مجموعتها: "ومضات"، وخامس تعبير"بورتريهات" كما في مجموعة محمد منصور:
"سيرة العشّاق"، واكتفى إبراهيم خريط بتعبير "قصص" للنصوص الثمانية
والعشرين القصيرة جداً التي شكلت مجموعته: "حكايات ساخرة"، وكذا فعلت فوزية
جمعة المرعي في مجموعتها: "بحيرة الشمع"، وابتسام شاكوش في مجموعاتها
الأربع، وصدّرت نجاح إبراهيم النصوص الأربعة في مجموعتها: "حوار الصمت"
بتعبير "قصص قصيرة"، ولم تحاول أميّة الجاسم العبيد تجنيس النصوص الحكائية
الستة القصيرة جداً التي تضمنتها مجموعتها: "عسلها مرّ".
وعلى الرغم من محاولات التأصيل والتنظير، التي أبداها عدد من كتّابها وبعض
المشتغلين بالنقد في الراهن الثقافي السوري، وعبر ملتقياتها الخمسة فحسب،
فإنّ مجمل تلك المحاولات لم يستطع، إلى الآن على الأقلّ، التأسيس لتقاليد
جمالية تجعل منها جنساً أدبياً مستقلاً بنفسه من جهة، ومميّزاً من الجذر
المنبثق منه أو سواه من أشكال السرد الفنّي الأخرى التي يحفل بها الموروث
الأدبي العربيّ من جهة ثانية. كما لم يستطع، بآن، إشاعة الظاهرة بوصفها
فعالية إبداعية تمتلك في داخلها، وليس من خارجها، ما يعللها، أو ما يؤهلها
البقاء.
وليس أدلّ على ذلك من أنّ مجمل كتّاب القصّة الذين شكل نتاجهم علامات في
تجربة القصّ السورية، حتى ممن مارس كتابة ذلك الشكل، نأى بنفسه وإبداعه عن
ضجيج الظاهرة، وأنّ الأغلب الأعمّ من الكتّاب الذين شاركوا في ذلك الضجيج
أو انخرطوا فيه هم ممن ينتمون إلى الأصوات الجديدة الذين لما يزل كثير منهم
بعدُ يتلمّس مواضع خطواته في دروب الإبداع.
   
تجلّيات الظاهرة:
تُعدّ مجموعة محمد الحاج صالح: "يوم في حياة مجنون"(7) أولى المجموعات
القصصية السورية الصادرة في عقد التسعينيات التي يتصدّى لذلك الشكل من
أشكال القصّ، وعلى استحياء واضح ودالّ بآن على رغبة القاصّ بالتجريب فحسب.
فالنصوص القصيرة جداً فيها، التي تصدرتها علامة لغوية واحدة: "قصص قصيرة
جداً"، لم تتجاوز الثلاثة من جهة، وتمتلك في داخلها ما يعللها نسبياً من
جهة ثانية. ولعلّ تلك السمة التي ميزتها، أي: الرغبة في التجريب، هي ما
حرّرها من لوثة الأوهام التي اجتاحت معظم التجارب اللاحقة لـها، ولعلها
أيضاً ما يرغم الممارسة النقدية على تجنّب مقاربتها بوصفها فعالية ناجزة.
وعامة، فإنّ النصوص الثلاثة معاً، التي يستقلّ كلّ منها بعلامة لغوية خاصة
به، تبدو مشروعات في القصّ أكثر منها قصّاً، فالقاص، في كلّ منها، يختزل
مكوّنات القصّ إلى ما هو مجهريّ منها فحسب، ويكتفي بما يضيء اللحظة
المأزومة لشخصيته الحكائية، وعلى نحو يضع الجملة القصصية على تخوم المعنى
ولا داخل المعنى نفسه. وإذا كان ثمّة ما يميز تلك النصوص فهو تنشيطها
مخيّلة القارئ لاستجلاء مقاصد القصّ من جهة، وانفتاحها على مستويات مختلفة
من التأويل من جهة ثانية، ومن أمثلة ذلك النصّ الأول، "النوم"، التالي:
"انطفأت الأنوار في الشوارع، وغفت المدينة. أشرعت الحوانيت أبوابها ودخل
إليها اللصوص ووقف العسس خارج الأبواب. لم أستطع النوم تلك الليلة، لذا فقد
شهد عليّ العسس واللصوص، وقالوا إنني خالفت الأوامر، وساقوني إلى السجن كي
أتعلم النوم في الأوقات المحدّدة".
ومع أنّ النصوص الحكائية القصيرة جداً في مجموعتي القاصّ محمد إبراهيم
الحاج صالح: "قمر على بابل"، و"دفقة أخيرة"(8)، لا تختلف كثيراً عن
سابقاتها في مجموعة محمد الحاج صالح: "يوم في حياة مجنون"، إلا أنها توفر
لنفسها، أحياناً، ما يجعلها لصيقة بفنّ القصّة، بل بالفنّ عامة.
ومما يمنحها تلك السمة كفاءة القاصّ الواضحة في بناء جملة سردية تستوفي
الأغلب الأعمّ من جماليات السرد القصصي، وبثّه، على نحو غير مباشر، إشارات
إلى المسكوت عنه في النصّ، وقبل ذلك كله إطلاقه النصوص من أسر التجنيس
الضيّق، وتخليصه لـها من معظم شوائب التجارب التي ادّعت انتماءها إلى مجال
"القصّة القصيرة جداً". وسأمثّل لذلك بنصّ "حرفة الله" من مجموعة: "دفقة
أخيرة":
"في مساومة بيع وشراء التقى ثلاثة، بدويّ وفلاح وحضريّ، وبعدما أنهوا
معاملاتهم، شتّ بهم الحديث. قال البدوي: صنع الله للأرض مهاداً كبيراً من
وبر الإبل ثمّ أرساها عليه. قال الفلاح: لا، بل دافَ الله جَبْلة من التبن
والتراب الحرّ وخمرها ثمّ صنع لبناً كثيراً، وفرشه، وأسند الأرض عليه. قال
الحضريّ: هذا كلام جهلة، الأرض ركزها الله على جبال من أحجار كريمة وسبائك
من ذهب وفضة صنعها بيديه".
وعلى الرغم من تنبّه عزّت السيّد أحمد، في تقديمه لمجموعته: "الموت بدون
تعليق"(9)، إلى أنّه "ليس من المهمّ أن تسمّى هذه القصص قصصاً، هبْها
مواقف، تخوّفات، أفكاراً، خواطر، حوادث، هواجس"، فإنّه لم يعلل اختياره
لذلك الشكل الذي يمكن عدّ مجموعته تلك من خلاله من بواكير المجموعات التي
تُخلص نصوصها كافة لذلك الشكل وحده من أشكال القصّ، أي: "القصّة القصيرة
جداً".
ضمّت المجموعة ثمانية عشر نصّاً حكائياً قصيراً، يشكل الموت هاجساً مركزياً
في مجملها، والذي تجد الشخصيات نفسها مسوقة إليه بإرادة خفيّة لا يمكن
تفسيرها.
ومن أمثلة ذلك نصّ "لولا ذهب" الذي يحكي قصّة مجنّد ما إن كاد يجلس بين
زملائه في المهجع بعد عودته من إجازته، حتى رجا قائده بأن يأذن لـه بالذهاب
إلى البيت، وحين لم يلبّ القائد رغبته تلك طلب إلى زملائه قائلاً: "سأذهب
إلى البيت عدّة ساعات فقط. إذ سأل أحدٌ عنّي فقولوا لـه: هنا، أو سيعود بعد
قليل"، وبعد أن أبدى أبوه استغراباً من عودته طلب إليه أن يتابع إعداد
الشاي الذي كان قد بدأه، وما إن دخل إلى المطبخ، حتى بوغت "بالنار مندلعة
من الأسطوانة. همّ أن يقفلها ولكنّه لم يتمكن من ذلك لأنها انفجرت قبل أن
تمسّ مفتاحَها يدهُ، فتطايرت أشلاؤه في غرفة المطبخ".
ونصّ "لولا بقي" الذي يحكي قصة شاب كان قد اتفق مع زملائه على القيام
برحلة، وحين جاء زملاؤه إلى بيته رفضت أمه مرافقته لـهم معللة ذلك بحاجتها
إليه في بعض الأعمال، فاستسلم الشاب لإرادة أمّه، وعاد إلى غرفته وتابع
نومه، وفي صباح اليوم التالي نهضت الأم على صوت الهاتف، وإذ بأحد أقربائها
يقول لـها: "احمدي الله على أنّ ابنك لم يذهب إلى الرحلة"، وأضاف إنّ
الحافلة تدهورت على الطريق. وما إن أرادت أن تعبّر لـه عن سعادتها بنجاته
ودخلت إلى غرفته لتوقظه ولتهنئته بسلامته، حتى أطلقت ولاويلها في أرجاء
المكان: "نادته من عند الباب فلم يستيقظ. اقتربت منه منادية فلم يردّ.
أمسكت يده وشدّتها فلم يبدِ أيّ ردّة فعل. هزّته فلم يتجاوب..".
ولا يمكن عدّ مجمل النصوص تلك قصصاً قصيرة جداً، لا لأنها لا تحرّر نفسها
من وطأة الحوافز الحرّة فحسب، بل لأنها أيضاً لا تفلت من قبضة الحكاية
بمعناها المستقرّ في الوعي الجمعيّ من جهة، ولا تعيد إنتاج موادها الخام
على نحو كاف فنياً من جهة ثانية.
وكما تمثّل تلك المجموعة واحدة من بواكير المجموعات التي تخلص نصوصها كافة
لذلك الشكل تنتمي مجموعة ضياء قصبجي: "إيحاءات"(10) إلى السمة نفسها، وكما
تترجّح معظم التجارب الذي تنتمي إلى مجاله بين غير مستوى فني تبدو النصوص
الخمسة والأربعون التي تكوّنها على النحو نفسه. ومما ينتمي إلى السمات
الغالبة على معظم تجارب "القصة القصيرة جداً" في سورية النصوص ذوات
الأرقام: 6 ـ 9 ـ 11 ـ 15 ـ 16.. وإلى حد تبدو تلك النصوص معه، وسواها،
ألصق بفنّ الخاطرة منها بفنّ القصّة، بل "أقرب إلى الموعظة/ الحكمة/
النصيحة"(11) أحياناً، ولا سيّما ما يتصل بخواتيم النصوص التي تنأى بها
أحياناً أيضاً عن الفنّ.
ولعلّ أكثر نصوص المجموعة اكتمالاً النصّ السادس والعشرون، الذي لا يستمدّ
سمته تلك من رهافة الأثر الذي يتركه في المتلقي فحسب، بل من كفاءة القاصة
الواضحة في تشكيلها الجمالي لـه أيضاً: "اتخذت مكاني، ثمّ أطلق القطار
صفيره، وانزلقت عجلاته فوق سكته المألوفة.. حين أغمضت عينيّ بدأت صور
الذكريات تترى واحدة بعد أخرى، ولم تنس ذاكرتي أن تعرض لي كلّ ما تختزنه في
جعبتها الملأى من تنقلات في القطار: حلب ـ اللاذقية. حلب ـ دمشق. استنبول ـ
صوفيا ـ القاهرة ـ أسوان. صوفيا ـ بوخارست.. أحسست بغبطة، وشعرت أنني أمارس
حريّة مطلقة.. لكنّ خيطاً قاتماً تسلل إلى نسيج السعادة فمزّقه، وإحساساً
بألم دفين جعلني أقول برجاء: ربّاه، متى تضيف إلى ذاكرتي رحلة جديدة،
فاذكر: حلب ـ القدس؟".
وتثير مقدّمة مجموعة نجيب كيّالي: "ميّت لا يموت"(12)، التي تضمّ اثنين و
ثمانين نصّاً حكائياً قصيراً جداً، والتي توحدها علامة فرعية للمجموعة، أي:
"قصص قصيرة جداً"، ويستقلّ كلّ منها بعلامة خاصة، انتباه القارئ إلى معنى
الممارسة النقدية التي يصدر عبد اللي عنها في مقاربته لتجربة القاصّ في تلك
المجموعة، أعني إشارته إلى أنّ التجربة تواجه تجربة "الهمبرغر" بالسلاح
نفسه، أي: "الاختزال".
ولئن كان مما ليس من شواغل هذه الدراسة تفكيك تلك المقدّمة، فإنّه ممالا
يمكن التسليم به أنّنا "اليوم بحاجة إلى ما يمكن تناوله بدقيقة أو دقيقتين"
استجابة لإيقاع العصر"، ليس لأنّ الكثير مما يتضمّنه هذا الإيقاع في داخله
يسلب المجتمعات المستتبَعة هوياتها المميزة لـها فحسب، بل لأنّ تلك
الاستجابة نفسها تتطلب وعياً كافياً بمرجعيّات الاستتباع ودوافعه أيضاً.
النصوص جميعاً في المجموعة قصص قصيرة بالمعنى الدقيق للجنس القصصي، وعنصر
القصر المميز لـها لا يسلبها شيئاً من مكوّنات القصّ فيها، ولا سيّما
الأحداث والشخصيات التي تمثّل حوامل أساسية في السرد عامة. ويمكن عدّ تلك
النصوص، معظمها على نحو أدقّ، نموذجاً للتجارب المتقدّمة فنّياً في حقل
"القصة القصيرة جداً"، فتأثيرها في القارئ لا ينتهي بانتهاء فعالية القراءة
بل يمتدّ إلى ما بعدها بسبب تملكها لموضوعاتها وصوغها لمقاصدها على نحو
فنّي دالّ، وبسبب إضمارها لتلك المقاصد وتثميرها فعاليات التأويل في
خواتيمها خاصة. فما ينتهي به نصّ مثل "أبي"، أي: "حين خرجنا مشى (يقصد
السارد والده) منتصباً، وكأنه عاد عشر سنوات إلى الوراء" يتجاوز كونه لحظة
تنوير في النصّ إلى جعل هذا النصّ نفسه نصاً مفتوحاً يحرّض القارئ على
اكتشاف المضمر من المحكي القصصي، كما يحرّضه بآن على بذل "جهد تعاضدي"،
بتعبير "أمبرتو إيكو"، لبلوغ ذلك المضمر، أو لملء فراغات "ما لم يُقل" و"ما
قيل" بتعبير "إيكو" أيضاً(13).
ومما يمكن عدّه مثالاً للنصوص عامّة نصّ "أسطورة": "يُحكى أنّ الناس في
قديم القديم لم يكونوا يعرفون القبلة، وكان الرجل إذا أراد أن يغازل زوجته
قرصها قرصة خشنة، فتشعر بألم ممزوج باللذة.. ظلّ الحال كذلك إلى أن تزوّج
أحد أحفاد آدم امرأة جميلة، فولدت لـه طفلاً مثل القمر، وعندما بلغ الطفل
سبعة أشهر ازداد جمالاً على جمال، وذات مرة غاب أبوه أياماً عن البيت في
رحلة صيد، وحينما عاد رآه في حضن أمه، فسحره، وكأنه لم يره من قبل. كان
خدّه بلورياً يشفّ عن وردة حمراء، وله سنان صغيرتان نابتتان في مقدّمة فمه،
كأنهما حبّتان من البَرَد! كاغى الطفل لأبيه، وكأنه يحادثه، حاول الأب
بالكلام أن يردّ على الصبي، فلم يفهم الصبي كلامه! مدّ يده ليقرصه كما يفعل
مع أمّه، فتراجعت أصابعه مشفقة على خدّه. فجأة وجد نفسه يقرّب فمه من
الخدّ، ويطلق فوقه زقزقة لطيفة، سُمّيت بالقبلة. أحبّ الناس القبلة، وصار
الآباء يستعملونها مع أبنائهم، والرجال مع زوجاتهم، والأصدقاء مع
أصدقائهم".
وثمّة في مجموعة فراس سليمان محمّد: "الأشعث الرجل الضئيل"(14) نص قصصي
قصير جداً بعنوان: "الغرفة"، يبدو نموذجاً جهيراً للظاهرة/ الحمّى التي
اجتاحت أصوات التسعينيات. وعلى الرغم من أنّ القاص لم يمنح لنصّه علامة
لغوية تحدّد الشكل القصصي الذي ينتمي إليه، فإنّ النصّ نفسه يقدّم مثالاً
لغلبة النماذج المتواضعة فنياً على النتاج الذي ينتمي إلى الظاهرة، ليس
لأنّه لا يترك أيّ أثر في القارئ فحسب، بل لأنّ المفارقة التي ينتهي بها
والتي تنتمي إلى ما يًصطلح عليه بالعجائبي، تتسم بافتعالها من جهة، وبكونها
ملصقاً خارجياً فيه من جهة ثانية:
"منذ زمن بعيد لم يخرج من غرفته، لا يعرف بالضبط من أين أتت هذه الرغبة
العميقة في أن ينزل ليرى الناس والحياة. هكذا وجد نفسه بين أناس يموتون.
يضحكون. يشحذون، مسدسات على الخصور، نهود تتدلى من الشرفات. أطفال حفاة
يركضون وراء أمهاتهم. تلمّس رأسه، كان بحجم قارة، رجع بيأس. فتح باب غرفته
ببطء، أزاح اللحاف كي ينام. وجد جثّة. أزاحها ونام. نام ولكن، أيقظته رائحة
الجثة. حملها وغسلها جيداً، عاد لينام، وعادت رائحة الجثة لتصرخ. لم يفكر
كأبطال القصص عادة. تواً دخل الجثة ونام، وحلم بالموت كرجل يحلم بامرأة".
وعلى الرغم من اكتفاء نجاح إبراهيم بعلامة "قصص قصيرة" للنصوص الحكائية
الأربعة القصيرة جداً في مجموعتها: "حوار الصمت"(15)، وعلى الرغم أيضاً من
أنّ تلك النصوص كافة تطلق نفسها في أمداء غنائية شاسعة تبدو الجملة القصصية
معها ومن خلالها مترعة بإيقاعاتها الداخلية المميّزة وبشاعريتها بآن،
فإنّها لا تبدي تمرّداً كافياً على أغلال التجارب القصصية التي تنتمي إلى
مجالها، ولا سيما ضآلة الأثر الذي تتركه في القارئ الذي ما إن يكاد يرتفع
من أرض الواقع إلى فضاء التخييل، حتى تعود به خواتيم القصّ غير المعللة
جمالياً إلى الأول.
ومن أمثلة ذلك النصّ الرابع، "محطة مسائية"، التالي: "جلستْ متكوّرة بعد أن
عبّت سلافة الكأس، تحلم بلحظة المجيء. والمساء في الخريف حلمٌ تنتظر
اشتعاله في النبض والذاكرة. منتشية همستْ: ـ ما أروع المساء، وما أروع
المساء فيك!! يتهادى صوت فيروز، يلتصق بجلدها، بمسامها، يهدر بخشوع في
داخلها (كيفك إنتَ) تردّد خلف الصوت مع هزّة بسيطة في الرأس: ـ أجل كيفك
إنت!! ويتلّون شلال الهمس، ويهرق كلّ الأشواق على العنق. تتابع: ـ وجهك
الذي أتعبته المسافات خبأته بين شعري. وراح بدوره ينضج كلّ العذابات. عادت
بهمسها الرقيق والأنامل تمدّ مساماته بوحاً: إي كيفك إنتَ؟!".
وتجهر النصوص الثلاثة والخمسون القصيرة جداً في مجموعة أحمد جاسم الحسين: "همهمات
ذاكرة"(16) بالأغلب الأعمّ من السمات المميّزة لتجليات الظاهرة في عقد
التسعينيات، ولا سيّما غلبة النماذج المصابة بمرض نقص المناعة الفنّية على
النماذج المكتفية بما يجعل منها فنّاً قبل أيّ من اعتبارات الشكل الذي
تنتمي إليه، وعلى نحو دالّ على صواب ما انتهى إليه أحد المتابعين للملتقى
الأول للقصّة القصيرة جداً، أي قوله: إنّ "معظم الذين دافعوا عن (ق. ق. ج)
بشراسة.. قدّموا قصصاً ليست ناجحة فيها الكثير من الاستسهال"(17).
فمعظم تلك النصوص أشبه ما يكون بأشباح محكيّات، إذ ما إن يصل القارئ إلى
نقطة النهاية من كلّ منها، حتى يجد نفسه محاصراً بالخواء، لكأنّ ما مرّ به
رماد قصّ لا قصّاً، أو سراب فنّ لا فنّاً.
ومن أمثلة ذلك نصّ "مغامر" التالي: "عنّ على بال الحذاء أن يغيّر مكانه،
فطار إلى رؤوس الناس. وجدها محشوّة بالتفاهة والقمل. عاد إلى قواعده
سالماً".
ونصّ "بوح": "في حديقة تشرين التي تمتد من ساحة الأمويين إلى قصر تشرين،
جلسنا على مقعد خشبي قديم، كانت الأشجار كثيرة، والبشر قليلون، والأفق
ممتد، وقاسيون شامخ، بدأتُ بالبوح لـها وهو ما أحاوله منذ سنتين في حديقة
كلية الآداب الضيّقة".
ونصّ "سؤال": "سأل الحرامي الخفاش عن سبب محبّته للظلام، ابتسم الخفاش
وقال: اسأل روحك. بحث الحرامي عن روحه فلم يجدها! وما زال الخفاش ينتظر!".
ونصّ "سبّاح": "كلّ صيف، يسافر خصيصاً للسباحة في نهر الفرات، كان يسبح
فرأى سيارة شرطة، استعاذ بالله، نادوه.. فخرج ثمّ اقتادوه، سألهم: ماذا
فعلت؟ ردّ عليه رئيس الدورية: كيف تسبح في النهر دون موافقة السلطات
المختصة أتظنّ أنّ بلادنا سايبة؟ النظام نظام!".
ونصّ "طمّاع": "سال الضابط التركي ابن المعتز العبّاسي: أصحيح أنك تطمع في
الخلافة! ـ سيّدي، أنا شاعر ومثقف! قاطعه: طزّ! ـ سيّدي، أنا لا أحبّ
السلطة! وشِعري يشهد بذلك. هزّ الضابط رأسه، وقال خذوه..!".
وسوى ذلك كثير مما يبدو فقيراً بظلال الإبداع، وخالياً من الدلالة، وعارياً
من المعنى ومما عدّه الكاتب أيضاً، كما ورد على الغلاف الثاني لعمله، عناصر
مؤسسة للقصة القصيرة جداً، أي: "التضاد، والأنسنة، ودقة الملاحظة، والتناصّ،
والأسطرة، والترميز، والتكثيف، والانزياح، والإدهاش، والقفلة المتميزة،
والجدّة، والطرافة في الموضوع، والخصوصية في التلقي، والعمق في الرؤيا"،
ومما ورد فيما بعد في كتابه: "القصّة القصيرة جداً" (1997) من أركان،
وتقنيات، وخصائص، رأى أنها تميز، أو يجب أن تميّز في تقديره، ذلك الشكل من
أشكال القصّ.
ولئن كان من الإنصاف القول إنّ في المجموعة عدداً من النصوص التي توفر
لنفسها أشلاء من حوامل الإبداع، فإنّه لمن اللافت للنظر أنّ ذلك العدد لا
يتجاوز أصابع اليد الواحدة من جهة، ولا يمتلك ما يكفي لعدّه مثالاً للنماذج
الجيّدة نسبياً من تجارب "القصّة القصيرة جداً" من جهة ثانية.
وليست النصوص الثلاثة القصيرة جداً في مجموعة ابتسام شاكوش: "محاولة للخروج
من المجال المغناطيسي"(18) أحسن حالاً مما سبقت الإشارة إليه، فهي لا تعدو
كونها محاولة جديدة لامتطاء الموجة/ الظاهرة فحسب، بسبب ضعف الأثر الذي
تتركه في ذاكرة القارئ من جهة، وخلوّها من الإيحاءات والظلال من جهة ثانية.
ويعتقد المرء أنّ هذين السببين وحدهما كافيان لنفي معظم النتائج التي انتهى
إليها الشاعر عبد القادر الحصني في معرض تقديمه للمجموعة، ولا سيّما قوله:
"في قصص ابتسام نجد أجواء القصّ ومناخاته: نلحظ ارتفاع مداميك الشخصيات،
ونتقلب بين أشياء المكان بأشكالها وألوانها وروائحها، ونرصد أحداثاً تزدلف
إليها عناصر القصّ". ولعلّ النصّ التالي، "لو"، يفصح عن ذلك: "فتح عينيه،
فركهما بظاهر كفيه، حك جنبه المتنمّل من الفراش، تثاءب، ثمّ عاد فاستلقى
لينام من جديد، هرش رأسه. جاءته فكرة: لو كانت ساعات النوم مأجورة، لضاق
البيت بأموالي".
وباستثناء: "القفص"، من النصوص الستة القصيرة جداً في مجموعة عدنان محمّد:
"حقل من ريح" (19)، التي لم يختر القاصّ علامة مميّزة لـها، فإنّ النصوص
الخمسة الباقية تبدو استجابة لوطأة اللحاق بالظاهرة أكثر منها استجابة لما
هو فني/جمالي، وغالباً ما تجهر تلك السمة بنفسها عبر مكوّنين رئيسين: عدم
كفاية أدوات القاصّ في التعبير عن مقاصد القصّ ومغازيه، كما في نصيّ:
"أحلام" و"الغريب"، والمباشرة اللافتة للنظر، والمفارقة للسمة الأولى، في
خواتيم عدد من النصوص، كما في: "صبي" و"الضحك". وعلى الرغم من أنّ نصّ
"القفص" نفسه لا يسلم من أذى المباشرة المشار إليها آنفاً، فإنه يبدو أوفر
حظاً من سواه في هذا المجال، أي القصّ القصير جداً:
"صنع الحدّاد قفصاً جميلاً. وضع خبرة عمره في تمتينه وتزيينه، دخل إليه،
أحكم إغلاق الباب خلفه. تذكر أنّه لم يصنع مفتاحاً للخروج فجعل يتغنّى
بالحرّية".
وفيما اختارا لـه علامة لغوية جامعة، أي: "مقطوعات قصيرة"، قدّمت انتصار
بعلة وأيمن وحسن في مجموعتهما المشتركة: "العودة ظافراً"(20) واحداً
وثلاثين نصاً قصصياً قصيراً جداً، ومنحا لكلّ نصّ علامة خاصة به. وباستثناء
نصّين وربّما ثلاثة، فإنّ الأغلب الأعمّ من تلك النصوص ينتمي إلى ما هو
شائع في تجارب الظاهرة، أي إلى ما يُحدث قطيعة تكاد تكون تامّة مع الفنّ
الذي يمثّل الغوص على جواهر الأشياء ولا على ظلالها أحد أهمّ الخصائص
المميّزة لـه، كما تمثّل نغمتا الفائدة والمتعة وظيفته الرئيسة حسب صاحبي
"نظرية الأدب"(21).
فالنصوص تكتفي بملامسة السطوح الخارجية للواقع، بل بظلال هذا الأخير وليس
به نفسه، كما تكتفي بالإيماء الناقص إلى الجوهري فيه، حتى لتبدو أحياناً
نصوصاً صمّاء ولا تمتلك ما يؤهلها لاستثارة اهتمام المتلقي الذي تتوجه
إليه. ومن أمثلة ذلك النصّ الأول. "تآلف": "حاملة سلتها تأتي العجوز
المستوحشة إلى سوق الخضار كلّ صباح. وكالعادة تمرّ على الباعة لتسألهم عن
الأسعار. تستغرب ارتفاعها الجنوني مقارنة مع أيام زمان. تتحسر على حالنا،
ثمّ تعود خاوية اليدين ـ لماذا تخرج إذن؟ ـ إنها تملأ السلة بالتآلف مع
الحياة"، والنصّ الثاني "ثكنة": "أوقفني مع زملائي للتحقق من هوّياتنا، ثمّ
اعترض عميد الكلية فيما بعد. فرحتُ ـ كلما واجهته عند الباب الحديدي ـ
أؤدّي التحية العسكرية".
ومهما يكن من أمر أنّ ثمّة مفارقات لافتة للنظر في خواتيم عدد من النصوص،
فإنّ تلك المفارقات سرعان ما تتبدّد بانتقال القارئ إلى سواها من النصوص
الأخرى، وسرعان أيضاً ما ينحسر تأثيرها في الوعي بانتهاء فعالية القراءة،
وإذا كان ثمّة ما يميزها من التجارب التي تنتمي إلى الشكل نفسه في قصّ
التسعينيات، فهو رهافة اللغة التي تصوغ عدداً منها، وحفاوتها بالكليات
الإنسانية، أي بالمعاني الكبرى للوجود والحياة، وقبل ذلك كله تحرّرها من
أوهام التجنيس.
وعلى الرغم من اكتفاء إبراهيم خريط بتجنيس نصوص مجموعته: "حكايات
ساخرة"(22) بأنها "قصص" فحسب، فإنّ الأغلب الأعمّ منها ينتمي إلى شكل
"القصة القصيرة جداً". ولئن كانت سمة الاكتفاء تلك تعني، فيما تعنيه، تحرّر
القاصّ من أعراض الظاهرة، فإنها، بآن، تؤشر إلى وعيه بأنّ الجنس القصصي فنّ
مفتوح لا يقيّده شكل ولا تحدّه خصائص، أيّ أنّ الكتابة التي تنتمي إلى
مجاله قصّ قبل أيّ شيء.
وعامة، فإنّ معظم نصوص تلك المجموعة، ولاسيّما ما ينطوي منها تحت عباءة
"القصة القصيرة جداً"، قصص بالمعنى الدقيق لفنّ القصة على الرغم من عدم
تحرّر بعضها من أذى الحوافز الحرّة، ومن أمثلة ذلك هذا النصّ: "غداً":
"سألت الطفلة أباها، وهي تنظر إلى ثوبها الذي تهلهل نسيجه، وبهتت ألوانه: ـ
متى تشتري لي ثوباً جديداً؟ قال الأب بحنان: غداً. ـ واللعبة التي وعدتني
بها؟ ـ غداً... مساء تكوّرت الطفلة في زاوية الغرفة الوحيدة.. تحلم بالثوب
واللعبة والبيت والحديقة رغم شدّة البرد وقسوة الجوع. وفي الصباح، أشرقت
الشمس ورأت في عينيها دمعتين.. فتوارت واحتجبت وراء الغيوم بخجل".
وعلى النحو المميز للنصوص القصصية الثلاثة في مجموعة ابتسام شاكوش: "محاولة
للخروج من المجال المغناطيسي" تتجلى مثيلاتها، القصيرة جداً نسبياً، في
مجموعتها الثانية: "إشراقة أمل"(23)، فنصّ مثل "دفتر عائلة"، على سبيل
المثال، يبدأ وينتهي من غير أن يثير لدى القارئ أيّ شيء سوى أنه وصف لسذاجة
المرأة الريفية وفطريتها، ومن غير أن يتضمّن ذلك الوصف في داخله ما يشير
إلى سواه، وبلغة مستقيمة الدلالة ترتهن إلى ما هو إبلاغي فحسب أيضاً:
"انتظرتِ المرأة حتى فرغتُ من تسجيل الوثيقة التي بين يديّ وابتدأت الحوار:
ـ أهنا يعملون الهوايات (البطاقات الشخصية)؟ ـ نعم. ـ أين الموظفون هنا؟ ـ
أنا موظفة هنا، ماذا تريدين؟ ـ أريد هوية لابني حسام. ـ هات البطاقة
العائلية. رفعت ذيل ثوبها وعضّت عليه بأسنانها، رفعت ذيل ثوبها الذي يليه
فعضت عليه أيضاً، دسّت يدها عميقاً في جيب سروالها، أخرجت البطاقة العائلية
مغلفة بكيس من النايلون يعطيها شكل رزمة مربوطة بخيط من المطاط، وضعتها
أمامي على المكتب، ثم ما لبثت أن عادت فأمسكت بها من جديد وسألتني: هل
تعرفين القراءة؟ أجبتها: لا. بسرعة أعادت رزمتها إلى جيب سروالها، وقالت
وهي تهمّ بالخروج: انتظري، سأذهب إلى البازار فأقف مقابل العنزات، سأبعث
إليك بابني ياسر ليقرأ لك اسم أخيه حسام على دفتر العائلة".
ولا تختلف النصوص السبعة القصيرة جداً في مجموعة القاصة الثالثة: "بعض من
تخيّلنا"(24) عمّا كانت قدّمته في المجال نفسه في مجموعتيها السابقتين، بل
إنّ عدداً منها يضيف إلى ما سبقه هنات في اللغة على المستوى النحوي، وإذا
كان ثمّة ما يُحمد للكاتبة فهو عدم منحها تلك النصوص علامة خارجية. ومما
يمكن عدّه مثالاً لمعظم السمات التي ميزت مجمل تجربتها في هذا الشكل من
أشكال الكتابة القصصية هذا النصّان: "الأطلال": "مرّ ابن الملّوح على
الديار، ديار ليلى، ليقبّل ذا الجدار وذا الجدار، فلم يجد من الديار سوى
أطلالاً اتخذها السابلة مكاناً لقضاء الحاجة (25)".
"عروس": "حين كانت طفلة، كان الحلم مرآة ترى نفسها فيها عروساً في الزفة،
بعد عقود من السنين انكسر الحلم وتشظت المرآة، أصبحت سعاد عشرات العرائس،
لكن بلا زفة".
وتتّسم النصوص العشرة القصيرة جداً التي ضمّتها مجموعة جمانة طه: "عندما
تتكلم الأبواب"(26) بنأيها عن الأوهام نفسها في مجموعة "العودة ظافراً"،
وبجهرها بذلك عبر العلامة اللغوية الموّحدة لـها، أي: "لوحات قصصية"، كما
تتّسم بانتماء الأغلب الأعمّ منها إلى النماذج المتقدّمة فنّياً في هذا
الحقل من حقول الكتابة القصصية، ثمّ بحفاوتها الواضحة بعاطفة الحبّ بوصفها
القيمة الأكثر ثباتاً ورسوخاً في الذات الإنسانية، وبتعبيرها عن تلك
العاطفة برهافة بالغة تعزّز ما انتهى د. شاكر مصطفى إليه في كلمة الغلاف
الثاني للمجموعة، أي قوله: "البوح عند جمانة طه أشبه برائحة الأكاسيا أو
زهر النارنج. يقلقك.. يغزوك.. يملؤك أنفاساً من العطر".
ويمكن التمثيل لذلك بالنصوص الأربعة التالية التي تبدو بحقّ علامات في
تجربة "القصة القصيرة جداً" في عقد التسعينيات:
"خيبة": "أية مغامرة حملتها على أن تمنحه رؤاها وأغانيها؟ أية مغامرة
حملتها على أن تتأبط حبّه تميمة وتعويذة؟ لخيبتها، لم يكن سوى ظلّ رجل".
"حبّ": "ولدت عمياء، وعندما أحبّت شعّ الضياء في قلبها، فزهت في عينيها
الألوان".
"تفاصيل لا معنى لـها": "أحبّها حتى الفناء، وتجاهلته حتى العدم. وبين هذا
الحبّ وهذا التجاهل حصلت تفاصيل لا معنى لـها. انتهت به إلى مشفى الأمراض
النفسية، وانتهت بها إلى بيت الزوجية مع رجل تحبه حتى الفناء ويتجاهلها حتى
العدم".
"جولة": "تمنّت لو أنها كانت معه في جولته السياحية العالمية، فقال لـها:
كنتِ معي دائماً، قلبي يحملك في نبضاته، في حله وترحاله، نبتت على شفتيها
زهرات لـها شكل القبلات".
وكما يمثّل الأغلب الأعمّ من نصوص تلك المجموعة علامة في الظاهرة يبدو
الأغلب الأعمّ أيضاً من النصوص الثمانية عشر القصيرة جداً نسبياً في مجموعة
هيمي المفتى: "ومضات"(27)، وإلى حدّ يمكن عدّ المجموعة معه نسيج وحدها في
هذا المجال، ففعاليات الاختزال لمكوّنات القصّ في معظم النصوص لا تسلب هذه
الأخيرة شيئاً من حقّ انتمائها إلى حقل القصّة القصيرة، وعلى الرغم من أنّ
عدداً منها لا يوفر لنفسه على نحو كافٍ ما يُصطلح عليه بـ "الأسلبة"، أي ما
تتمّ معه ومن خلاله إعادة بناء الأحداث والشخصيات فنّياً، بآن، لا يقصي
نفسه خارج فردوس الفنّ.
ولئن كانت تقنية تعدّد الأصوات وقفاً، أو تكاد تكون كذلك، على السرود
الطويلة عادة، فإنّ مما يثير الانتباه في بعض النصوص استثمار القاصة لتلك
التقنية استثماراً ناجحاً ودالاً على تملك القاصّة معرفياً وجمالياً لمعظم
أدوات الفنّ. ولعلّ النصين التاليين يفصحان عن ذلك:
"الغيرة": "ابتسمت لـه برقة متصنّعة، صافحته، وتركت يدي في يده للحظات،
نظرت في عينيه بعمق وكأني شاردة، ثم سحبت يدي فجأة وكأني أستيقظ من حلم.
كانت صديقتي قد حدثتني عن قريبها، شعرت به يداعب أحلام أنوثتها، وهاأنا
ألقاها. في ذلك اليوم تعمدت أن أتحدث إليه طويلاً، ثم تعمدت أن ألتقيه
كثيراً. كنت أخاطبه بحياء مبالغ فيه، أستمع لكلماتي وكأني مبهورة، أحدثه عن
حياتي، وأبدي اهتمامي الشديد بكلّ ما يهمّه. يوم صارحني برغبته في الارتباط
بي طرت فرحاً، أخبرت صديقتي منتظرة أن ألمح في عينيها شيئاً من الغيرة،
فوجئت بها تهتف بسعادة: رائع! ثم مالت عليّ وهمست: أتعرفين، هنالك في حياتي
رجل أيضاً، هو زميلي في العمل، وسأعرفك إليه حالاً. ذهبت معها إلى غرفته
وتعارفنا. ابتسمت لـه برقة متصنعة، صافحته، وتركت يدي في يده للحظات، نظرت
في عينيه بعمق وكأني شاردة، ثم سحبت يدي فجأة وكأني أستيقظ من حلم".
"اعتذار": "كانت تخترع الأسباب لتلتقي به، تأتي بكامل أناقتها، يسبقها
عطرها، وتتبعها أطراف الشال المتهدّل على كتفيها. تخاطبني بصوت كأنه الهمس،
وترمقني بنظرات كأنها السهام، وتتحرك أمامي كأنها الدلال، وتبتسم لي وكأنها
تدعوني.. كانت تحدثني عن حياتها كثيراً، وتسألني عن أشياء كثيرة تخصني
وحدي، وتبتسم لكلمات الإعجاب التي أحيطها بها. ويوم صارحتها بأني أحبها
أجابت وكأنها قد هيأت الرد مسبقاً: آسفة، أنا مرتبطة بشخص آخر".
وقدّم نور الدين الهاشمي في مجموعته: "قصة انتحار معلن"(28) ستة نصوص تنطوي
جميعاً تحت علامة لغوية واحدة: "قصص قصيرة جداً"، ويتصدّر كلّ منها علامة
لغوية خاصة به. وعلى الرغم من التفاوت الواضح على المستوى الفني بين تلك
النصوص، فإنّها تبدو نماذج متقدّمة فنّياً على سواها مما ينتمي إلى "القصّة
القصيرة جداً" في تجربة التسعينيات، وإلى حدّ يمكن عدّها قصصاً قبل أن تكون
قصصاً قصيرة جداً. وعلى الرغم أيضاً من أنّها توفر لنفسها ما يجعل من
العلامة التي توحّد بينها نافلة وليس لـها ما يسوّغها سوى عنصر القصر فحسب،
فإنّها لا تنجو من أسر "الحوافز الحرّة" كما في نصّ "زوجة"، ومن ضعف الأثر
الذي يمكن أن تتركه في القارئ كما في نصّ "مشاجرة". ولعلّ أكثر النصوص تلك
تماسكاً فنّياً نصّ "مباراة": "تبارت أربعة مكبّرات للصوت في احتلال فضاء
المدينة: الأوّل لزعيم مفوّه، والثاني لواعظ ناريّ البيان، والثالث لمطرب
شبابي، والرائع لشاعر يائس. ربحوا جميعاً، وخسرت المدينة فضاءها، والروح
قطعة، والوطن قطعة".
وتتوزّع النصوص السبعة عشر في مجموعة: "الأجنحة المتكسرة لـ س و ع"(29)
للقاصة وفاء خرما، التي تنضوي جميعاً تحت عباءة: "قصص قصيرة جداً"، ويستقلّ
كلّ منها بعلامة خاصة، بين غير مستوى فنّي: نصوص تتجلى بوصفها قصّاً فنّياً
بمنأى عن الشكل الذي اختارته القاصة لـها، كما: عمياء، وسهو، وانتقام،
وأخرى لا تتوفر لنفسها ما يجعل منها فناً، كما: تراجع، والحبّة الزرقاء،
وكاتب، والحبيب الأول، وثالثة تترجّح بين المستويين الأوّل والثاني، كما:
عجز، وحسرة، وصرخة، ورؤيا. وسأكتفي بالتمثيل لكلّ مستوى بنصّ فحسب:
"عمياء": "ندبت الفتاة العمياء أمّها المسجاة على فراش الموت قائلة: كيف
انطفأت عيناك وقد رأيت بهما الدنيا؟. "الحبّة الزرقاء": "تساقطت دموع
العذراء المقدّسة وهي تتأمّل الحبّة الزرقاء، وتمتمت بحزني: أبثوبي الأزرق
الجميل تغطون هذه القذارة؟". "حسرة": "فوق المكان الذي اعتاد الجلوس فيه
أحدث اختراق رصاصة طائشة ثقباً في السقف القرميدي، ولما كان هذا قد حدث في
غيابه فقد ردّد وهو ينظر إلى الثقب متحسراً: يا لسوء حظي!".
واكتفى صالح سميّا في مجموعته: "الصمت"(30) بتقديم نصّ قصصي واحد ينتمي إلى
الشكل نفسه، كما اكتفى بمنحه علامة لغوية عامّة هي: "قصّة قصيرة جداً".
ومما يميّز ذلك النصّ ليس جهره، في خاتمته، بواقعيّة محكيّه فحسب، بل
توفيره لنفسه مجمل مكوّنات القصّة القصيرة أيضاً، وليس ما عدّه القاص "قصّة
قصيرة جداً"، فثمّة، على سبيل المثال، أحداث، وشخصيات، وفضاء جغرافي محدّد
تنتمي إليه تلك الأحداث والشخصيات وتتحرّك في مجاله، كما ثمّة لحظة تنوير
بالمعنى التقليدي للقصة القصيرة. الأمر الذي يفصح عن قلق معرفّي واضح، ليس
لدى القاصّ وحده بل لدى الأغلب الأعمّ من كتّاب ذلك الشكل، بخصائص هذا
الأخير، وتخومه، ومكوّناته، وبما يميزه من سواه من أشكال القصّ الأخرى من
جهة، وبما يجعل منه فعالية حكائية مستقلة بنفسها من جهة ثانية.
وضمّت مجموعة أمية الجاسم العبيد: "عسلها مرّ" (31) خمسة نصوص قصيرة جداً
تبدو جميعاً استكمالاً للظاهرة/الحمّى، ومن أمثلة ذلك نصّ "لعبة الموت"
التالي، الذي يغادره القارئ كما لو أنه لم يكن قد قرأ شيئاً: "ـ والله لن
أسمح لك بدخول بيتنا حين يموت بابا. قالها الطفل ببراءة، وكأن الموت لعبة
سيشتريها لـه أبوه. وبعد أيام قليلة هُرع الجيران يتزاحمون ليكتشفوا أمر
الصياح الذي اندلع فجأة بالحارة. ابتسمت الجارة وهي تسحب ابنها إلى الداخل
قائلة: ـ عال، لن يسمح لك صديقك بدخول بيته لأنك طردته يوم مات أبوك".
ومع أنّ ضياء قصبجي، في مجموعتها: "إيحاءات جديدة"(32) التي أخلصت نصوصها
جميعاً لشكل "القصّة القصيرة جداً"، كانت قد حققت تقدّماً نسبياً في
التعبير عن مؤرقات القصّ لديها عبر ذلك الشكل، إلا أنّ المجموعة عامة لم
تفلت من قبضة ما اتسمت به مجموعتها: "إيحاءات".
وعلى النحو نفسه بدت مجموعة شاكوش الرابعة: "الشمس في كفي"(23) التي ضمّت
خمسة نصوص قصيرة جداً لم تضف جديداً إلى تجربة كاتبتها في هذا المجال،
ولعلّ نصّ "حتى النجوم" التالي يمكن أن يكون مثالاً لذلك: "تبّاً لكم،
ولحضارة ليس فيها ما يفيد. تبّاً لمأكولاتكم التي توهن القوى وتضعف البصر،
في الماضي كنت أقطع هذا الوادي خلال دقائق، أمّا الآن.. تابع العجوز سيره
حتى اجتاز عتبة البيت، ثبت عكازه على الأرض، ركز نظارته على أرنبة أنفه،
ضيّق فتحة عينيه ونظر إلى السماء، حتى السماء ما عاد فيها نجوم كمثل ما كان
في زماننا".
وعلى الرغم من أنّ العنوان الفرعي لمجموعة فوزية جمعة المرعي: "بحيرة
الشمع"(34)، أي: "مجموعة قصصية" ينفي عن النصوص الأربعة والثلاثين المكوّنة
للمجموعة انتماءها إلى شكل بعينه من أشكال القصّ، بمعنى أنه لا ينهض بأداء
الوظيفة الثانية من الوظيفتين المميزتين للعناوين الفرعية عادة: التبعيّة،
والتوضيحية(35)، فإنّ النصوص نفسها تجهر بانتمائها إلى شكل "القصّة القصيرة
جداً"، ليس بسبب عدم تجاوز الأغلب الأعمّ من كلّ منها نصف الصفحة من القطع
المتوسط فحسب، بل بسبب الصلة الوثيقة للأغلب الأعمّ منها أيضاً بمجمل
السمات التي ميّزت تجارب "القصّة القصيرة جداً" في عقد التسعينيات، والتي
كان من أبرزها نأي معظم تلك التجارب عن القصّ بمعناه الفنّي.
فبالإضافة إلى القلق الأسلوبيّ الذي تعانيه اللغة، والذي يكاد ينتهي
بالقارئ، أحياناً كثيرة، إلى لا شيء. تغصّ متون النصوص، على قصرها،
بالعناصر الميتة من جهة، وبما هو غير ذي دلالة من جهة ثانية. ويمكن أن
أمثّل لذلك بالنصّ التالي الموسوم بـ "شظايا البللور": "تفصل بينهما نافذة
زجاجية. رقص قلباهما للحبّ. تحوّلت مسامات جسديهما إلى فوّهات بركانية.
تشظى الزجاج. جفلت قطعة تكفي ليمدّ كلٌ منهما يده للآخر. ألصقت وجهها
بالزجاج، تدحرجت شظايا البللور تغرق بوابل عينيها تلاشت الحواجز البللورية.
مدّ يديه يطوّقها. ظلت تنشج تراتيل الحبّ على صدره. قفز يحتضنها. التصقا
يدثّرهما العناق بعباءة مخملية. ظلا مسمّرين لوحة تشكيلية يضمّهما إطار
النافذة".
وثمّة في مجموعة محمّد منصور: "سيرة العشّاق"(36) خمسة نصوص قصيرة.
تتصّدرها علامة لغوية كبرى: "بكاء على الأطلال"، فعلامة صغرى: "قصص قصيرة
جداً"، ولكلّ نصّ علامة خاصة به. وباستثناء النصّ الخامس: "مونولوج
الحكواتي الأخير"، فإنّ مما يوحّد بين النصوص الأربعة حدث البكاء الذي
يتجاوز استهلالات القصّ إلى متونها من جهة، وبرودة الأثر الذي تتركه في
القارئ من جهة ثانية.
ويمكن استثناء نصّ "جدران الطين" التالي نسبياً من ذلك: "بكت جدران البيت
العتيق حين كان معول الهدم يستبيح دفء طينها، وحنوّ ترابها، وذكريات عاشقين
سطراً على ملمسها ضوع الأمنيات في ذلك الزمن المنسي الذي غفا على نبض
سواعدهما. بكت أطلال البيت القديم وهي ترمق بصمت وألم حجارة الإسمنت التي
بدأت تنتشر كجند الاحتلال، ثمّ أخذت تعلو دونها، فيما هي تلقي نظرة الوداع
الأخيرة على المكان منتظرة موعد الرحيل على متن سيارة الأنقاض في زمن
المنفى".
وعلى عادة معظم كتّاب ذلك الشكل من أشكال القصّ اختار محمّد محيي الدين
مينو للنصوص السبعة القصيرة في مجموعته: "أوراق عبد الجبار الفارس
الخاسرة"(37) علامة مركزية: "قصص قصيرة جداً"، ومنح لكلّ نصّ علامة خاصة
به. ولئن كان مما اتّسم به عدد من تلك النصوص استعادته لمؤرّقات القصّ
التامري (نسبة إلى زكريا تامر) وتقنياته، فإنّ مما اتسم به الأغلب الأعمّ
منها تعبيره عن سقوط معظم تجارب ذلك الشكل تحت وطأة الرغبة في إنجاز كتابات
تنتمي إلى مجاله وليس استجابة لضرورات فنّية منبثقة من داخل النصوص نفسها.
ولعلّ النصّ التالي، "جيش صلاح الدين الأيوبي"، الذي يبدو إعادة إنتاج
لتجربة زكريا تامر، يقدّم نموذجاً لذلك: "سأل معلم تلاميذه: ـ ماذا توّدون
أن تكونوا في المستقبل؟ فقال أحدهم: ـ أنا جائع، أريد أن أصبح رغيف خبز.
وقال آخر: ـ أنا يتيم، أريد أن أصير أبا. وقال ثالث، وهو يرفرف بجناحيه: ـ
أنا عصفور، أحبّ الحريّة، وأكره الأقفاص، ولن أكون في المستقبل إلا
عصفوراً. وحين لاحظ المعلم أنّ سامرا لم ينبس بكلمة، اقترب منه وربّت على
كتفه، وسأله: بمَ تفكر يا سامر؟ ماذا ستكون في المستقبل؟ فكر سامر هنيهات،
وقال: ـ أريد أن أكون صلاح الدين الأيوبي. عندئذ صفق التلاميذ لسامر،
وصمّموا أن يكونوا من فورهم جنوداً في جيش صلاح الدين الأيوبي".
   
تركيب:
ليست "القصّة القصيرة جداً" جنساً أدبياً، بل هي شكل من أشكال الكتابة
القصصية، الذي يتطلب موهبة تكاد تكون استثنائية، ومخزوناً معرفياً عالياً
بالجنس الجذر من جهة، وبالمنجَز القصصي العربيّ والعالميّ من جهة ثانية.
وإذا سلم المرء بأنها بدأت تشكل فعالية إبداعية مميّزة، فإنّ مما لا يمكن
التسليم به بأنها جنسي أدبيّ جديد يتطلب مهاداً اجتماعياً، وثقافياً،
وسياسياً، واقتصادياً فحسب. بل لأنّ تاريخ الأدب يؤكد أيضاً أنّ نشأة
الأجناس الأدبية ارتبطت بتحوّلات جذرية على تلك المستويات كافة، أي:
الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، وهو ما لم يحدث، ولا يمكن
ادّعاء حدوثه، ليس في سورية فحسب بل في الوطن العربيّ عامة، وفي السنوات
العشر الأخيرة خاصة، التي أرغِمَت "القصّة القصيرة جداً" فيها وخلالها على
إثارة ذلك الصخب كله في المشهد الثقافي الراهن.
لقد رأى أحمد جاسـم الحسين ومحمّد محيي الدين مينو، في معرض محاولات
تأصيلهما لذلك الشكل، أنّ للأخير مكوّنات، وعناصر، وأركاناً، ومقوّمات
تخصّه وتميّزه من سواه من أشكال الكتابة الفنية الأخرى، وغير خاف أنّ تلك
المكوّنات والعناصر والأركان التي عدّداها، الأوّل في: "القصة القصيرة
جداً"، والثاني في: "فنّ القصّة القصيرة، مقاربات أولى"، سمة الإبداع عامة،
لا سمة جنس أدبيّ بعينه. فباستثناء "القصصية" التي رأى الحسين أنها الركن
الأول من الأركان المؤسسة لذلك الشكل، والتي لا تخصّ "القصة القصيرة جداً"
وحدها بل تمتد لتشمل فنون السرد كافة، فإنّ: الجرأة، ووحدة الفكر والموضوع،
والتكثيف، وسواها مما اصطلح عليه بالعناصر، لا تعني "القصّة القصيرة جداً"،
ولا تميزها، بل تعني مجمل فنون القول: قصة، ورواية، وشعر، ومسرح..
إنّ القصّة قصّة قبل أن تكون قصيرة أو قصيرة جداً أو سوى ذلك مما قد يتمخض
عنه المستقبل من علامات لغوية جديدة في هذا المجال، وعنصر الطول أو القصر
فيها سمة خارج نصيّة ولا تعني شيئاً في الممارسة النقدية، كما أنّ "تجنيس"
النصوص الأدبيّة عامّة، لا القصّة وحدها، فعالية وصفيّة وإجرائية ليس غير،
ولا تتضمن في داخلها أيّ معيار نقدي، أو أي حكم قيمة للنصّ، فانتماء الأخير
إلى الجنس الروائي، مثلاً. لا يمنحه امتيازا من سواه من الأجناس الأدبية
الأخرى. وقد يكون مفيداً الإشارة في هذا المجال إلى ما كان توفيق الحكيم قد
اصطلح عليه بـ "مسراوية" لنصّه: "بنك القلق" (1971)، الذي لم يلتفت إليه
أحدٌ من المبدعين والنقاد على حدّ سواء، كما لم يعد الحكيم نفسه إلى
الكتابة في مجاله بآن.
وتأسيساً على ذلك، فإنه يمكن القول: ليس كلّ نصّ سردي قصير جداً "قصّة
قصيرة جدّاً"، وليس كلّ نصّ شعري موقع داخلياً فحسب قصيدة نثر، وليس..، فما
يمنح النصّ هوّيته، أو انتماءه إلى جنس أدبيّ بعينه، مكوّنات متعدّدة، بل
مجموعة من الحوافز، بتعبير الشكلاني الروسي "توماتشفسكي".
لقد انتهت، وربّما إلى غير رجعة، تلك الأطروحات التي تزعم كفاءتها في تعريف
الجنس الأدبيّ على نحو جامع مانع قاطع، ولم يعد ممكناً القول إنّ الرواية،
مثلاً، فنّ نثري تخييلي طويل نسبياً، وإنّ القصّة القصيرة هي الفنّ الحادّ
باستيحاش الإنسان، و..، فالنصّ الأدبيّ المبدع (بفتح الدال) حقاً هو الذي
يبتكر تعريفه، كما يبتكر قوانين مقاربته النقدية، بمعنى أنّه لا ينصاع إلى
قوانين سابقة عليه، الأمر الذي مثّلَ أوّل هواجس السرديّات المعاصرة،
وإنجازاتها النقديّة، وشواغلها، أي البحث عن "أدبيّة" النصّ، أو عمّا يمكن
هذا النص من امتلاك ما سمّاه الناقد البلغاري الأصل "تودوروف": "حقّ المثول
في تاريخ الأدب". بمعنى أنّ "أدبيّة" النصّ هي المعيار الأساس لانتماء هذا
النصّ أو ذاك إلى حقل الأدب، ولا امتياز لـه خارجها.
إنّ القصة القصيرة جداً لا تتحدّد بطولها، ولو كان الأمر كذلك لعدّ المرء
مجموعات كثيرة تنتمي نصوصها إلى هذا المجال، بل بكفاءة مبدعها في اختزال
مكّونات القصّ على نحو جمالي، وفي استيفاء النصّ لشروط استمراره، بدرجات
متفاوتة، في ذاكرة المتلقي، وفي رؤياه للواقع بمستوييه الراهن والممكن
حوله.
لقد نبّه "لانسون"، منذ وقت مبكر من القرن العشرين، إلى أنّ قيمة الأثر
الأدبي تكمن في إثارته استجابات لدى قارئه، في ذوقه وإحساسه وخياله، وغير
خافٍ أنّ معظم تجارب الـ "ق. ق. ج"، ولاسيّما ملتقياتها الخمسة التي ألحقت
تشويهاً واضحاً بالذائقة الأدبية، لا يوفر لنفسه الحدّ الأدنى من تلك
الاستجابات. ومهما يكن صحيحاً أنّ من حقّ الناس جميعاً الكتابة والنشر
واعتلاء المنابر والتجريب أيضاً بدعوى أنّ "الفنّ بذاته وتعريفه مغامرة
مستمرّة واختراق مستمرّ ومهاجمة للمستحيل"(38)، فإنّ الأكثر صحّة أنّ عدداً
غير قليل ممن أصابتهم الحمّى لم يكن يدرك، كما يبدو، أنّ ثمّة فروقاً صارمة
بين الفوضى والحريّة، بين الإبداع والتخبّط".
إنّ راهن الظاهرة ينفي تماماً أنّ ثمّة مستقبلاً لـها، وإذا كان ثمة من
مستقبل فلن يكون بالتأكيد من صنيع أولئك الذين لا مخزون معرفياً كافياً
لديهم بمعنى الإبداع، ووظائفه، وحوامله، وبتاريخ الأدب، وبعوامل نهوض
الأجناس الأدبية الجديدة ومقوّمات بقائها واستمرارها، وقبل ذلك كله من صنيع
ممن لا موهبة لديهم في الأصل.
هوامش وإحالات:
1 ـ انظر، على سبيل المثال: صحيفة "البيان" الإماراتية.
العدد (95) آب/أغسطس 2000.
2 ـ نجم، مفيد. صحيفة "البيان" الإماراتية. الأحد
12/8/2001.
3 ـ انظر: المرجع السابق.
4 ـ انظر: الحسين، أحمد جاسم. "القصة القصيرة جداً". ص
(110) وما بعد. وانظر أيضاً: مينو، محمد محيي الدين، "فنّ القصة القصيرة،
مقاربات أولى". ص (42). ولعلّ مجموعة محمّد النجّار الثانية: "همسات بردى"
(1950)، التي ضمّت خمساً وعشرين قصة ولوحة قصصية لم يكن عدد منها يتجاوز
الصفحتين، هي أوّل مجموعة قصصية سورية ينتمي عدد من نصوصها إلى ذلك الشكل
من أشكال القصّ.
5 ـ بارت، رولان، جينيت، جيرار. "من البنيوية إلى الشعرية".
ص (73)
6 ـ لوجون، فيليب. "أدب السيرة الذاتية في فرنسا، المفاهيم
والتصوّرات". ص (39).
7 ـ الحاج صالح د. محمد. "يوم في حياة مجنون". ط1. دار
الحوار، اللاذقية 1990. وصدرت طبعة ثانية عن الدار نفسها سنة 2000.
8 ـ المجموعتان كلتاهما صدرتا عن دار الحوار، اللاذقية,
الأولى سنة 1993، والثانية سنة 1995.
9 ـ السيّد أحمد، عزّت. "الموت بدون تعليق". ط1. دار
الأصالة، دمشق 1994.
10 ـ قصبجي، ضياء. "إيحاءات". ط1. الندوة النسائية، دمشق
1995.
11 ـ الحسين، أحمد جاسم. "القصة القصيرة جداً". ص (49).
12 ـ كيّالي، نجيب. "ميّت لا يموت". ط1. وزارة الثقافة،
دمشق 1996.
13 ـ انظر: إيكو، أمبرتو. "القارئ في الحكاية..". ص (28).
14 ـ محمّد، فراس سليمان. "الأشعث والرجل الضئيل". ط1.
وزارة الثقافة، دمشق 1996.
15 ـ إبراهيم، نجاح. "حوار الصمت". ط1. مؤسسة علا، حمص
1997.
16 ـ الحسين، أحمد جاسم. "همهمات ذاكرة". ط1. إصدار خاص،
دمشق 1997.
17 ـ الحلبي، عصام. صحيفة "البيان" الإماراتية. العدد (95)
آب/أغسطس 2000.
18 ـ شاكوش، ابتسام. "محاولة للخروج من المجال المغناطيسي".
ط1. مطبعة عكرمة، دمشق 1997.
19 ـ محمّد، عدنان. "حقل من ريح". ط1. إصدار خاص، طرطوس
1997.
20 ـ بعلة، انتصار، حسن، أيمن. "العودة ظافراً". ط1. دائرة
الثقافة والإعلام، الشارقة 1998.
21 ـ انظر: ويليك، رينيه، وارين، أوستن. "نظرية الأدب". ص
(31).
22 ـ خريط، إبراهيم. "حكايات ساخرة". ط1. اتحاد الكتّاب
العرب، دمشق 1998.
23 ـ شاكوس، ابتسام. "إشراقة أمل". ط1. وزارة الثقافة، دمشق
1998
24ـ شاكوس، ابتسام. "بعض من تخيلنا". ط1. إصدار خاص، الحفة
1998.
25 ـ غير خافٍ أنّ ثمة خطأين نحويين في المقبوس: الجدار،
وأطلالا.
26 ـ طه، جمانة. "عندما تتكلم الأبواب". ط1. اتحاد الكتّاب
العرب، دمشق 1998.
27 ـ المفتي، هيمى. "ومضات". ط1. دائرة الثقافة والإعلام،
الشارقة 1998.
28 ـ الهاشمي، نور الدين. "قصة انتحار معلن". ط1. اتحاد
الكتّاب العرب. دمشق 1998.
29 ـ خرما، وفاء. "الأجنحة المتكسرة لـ س وع". ط1. دار
الحقائق، حمص 1999.
30 ـ سميّا، صالح. "الصمت". ط1. دار المنارة، اللاذقية
1999.
31 ـ العبيد، أمية الجاسم. "عسلها مر". ط1. إصدار خاص، دمشق
1999.
32 ـ قصبجي، ضياء. "إيحاءات جديدة". ط1. اتحاد الكتّاب
العرب، دمشق 1999.
33 ـ شاكوش، ابتسام. "الشمس في كفي". ط1. دار علاء الدين،
دمشق 1999.
34 ـ المرعي، فوزية جمعة. "بحيرة الشمع". ط1. إصدار خاص،
الرقة 1999.
35 ـ للتوسّع، انظر: حمداوي، د. جميل. "السيميوطيقا
والعنونة". مجلة "عالم الفكر".
36 ـ منصور، محمّد. "سيرة العشّاق، سيرة مختلفة لعشّاق
واهمين". ط1. دار الجندي، دمشق 1999.
37 ـ مينو، محمد محيي الدين. "أوراق عبد الجبّار الفارس
الخاسرة". ط1. اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1999.
38 ـ الخرّاط، إدوار. "الكتابة عبر النوعية". ص (14).
   
الفصل الثاني
شواغل القص وأسئلته
الاجتماعي ـ الاقتصادي:
عنيَ معظم قصّ التسعينيات بمعظم قضايا المجتمع السوري ومشكلاته في المرحلة
التي صدر خلالها وفي مراحل سابقة على عقد التسعينيات نفسه، وعلى الرغم من
تفاوت أدوات مبدعيه في هذا المجال، فإنّ الأغلب الأعمّ من أولئك المبدعين
أبدى كفاءة واضحة في تعرية القيم السالبة لتقدّم المجتمع وتطوّره، وفي
الغوص على أشكال تجلّيها في الواقع، من دون صخبٍ، أو افتعال، أو مباشرة.
ومع أنّ جزءاً منه كان مفعماً بغير مرجع أيديولوجي، ومعبّرا بوضوح عن وعي
جمالي محدّد بغير مذهب أو تيّار أو اتجاه فنّي، كالواقعية والواقعية
النقدية والواقعية الاشتراكية، إلا أنّ ذلك كله لم يأتِ بمعزل عن الواقع
نفسه. بمعنى أنّه لم يغلب ما هو أيديولوجي على ما هو واقعي، فبدا بذلك
مفارقاً لما شاع في تجربتي السبعينيات والثمانينيات من استبداد الأيديولوجي
وطغيانه على الفنّي. وقد يكون مسوّغ ذلك أنّ الأيديولوجيات نفسها لم يعد
لـها ذلك التأثير في ذلك العقد، بعد أن أتت التحوّلات الجديدة على الكثير
منها، وربّما كان تعبيراً عن نزوع القاصّين إلى معاينة آثار الواقع، لا
الواقع نفسه.
لقد انطلق معظم قصّاصي التسعينيات من الواقع، لكنهم لم يكونوا معنيين
بتسجيله ونسخه، بل أعادوا صياغته، وفق ما تقوله النتائج التي يتمخّض عنها
في دواخل المنتمين إليه. وإذا كان عددٌ منهم لم يستطع التحرر من قبضة النقل
الحرفي عنه، فإنّ معظمهم أيضاً كان بمنأى عن ذلك، فجاءت نصوصهم نوعاً من
الاستبصار لـه، لا استنساخاً لما يتردّد فيه من انتهاكاتٍ لقيم الجماعة
ومُثُلها، ومن سلبٍ لأبجديات حقها في الحياة.
ويمكن التمثيل لتجليات ذلك كله في نتاج السنة الأولى من التسعينيات بمجموعة
فاضل السباعي: "اعترافات ناس طيبين"(1) التي تضمّنت ثمانية نصوص قصصية عنيت
جميعاً بما يتشظى في الواقع من مثيرات اجتماعية وسياسية سالبة لحقّ الإنسان
في حياة كريمة، وخالية مما يدمّر إرادته في ممارسة وجوده على النحو اللائق
به، ومن كوابح لعاطفة الحبّ التي تباسق معنى الإنسانيّ في الإنسان، والتي
يفترسها أتون الواقع المحموم بلهاثه وراء الزائف، والطارئ، من القيم.
ففي: "قصاصة ورق" يستشعر سعيد، بضغطٍ من غرق زوجته في أعباء الحياة
الأسرية، وغرقه هو في لجة العوز الذي يعانيه بسبب دخله الناحل، رغبة في
الزواج من عائدة، الموظفة الجديدة في المؤسسة التي يعمل فيها، والتي كانت
تنفرد بصفة مميزة لـها من سائر العانسات، لوراثتها عن أبيها بيتاً في حيّ
مترَف: "ليس يشاركها في سكناه.. غير أمّ عاجزة هي من حافة القبر قاب
قوسين". بمعنى أنّ رغبته في الزواج لم تكن تعبيراً عن خصيصة انتهازية، بقدر
ما كانت تعبيراً عن بَرَم كبير بإخفاقاته المتتالية: إخفاقه في دراسة
الحقوق، وفي زواجه من امرأة كدّست أمامه ستة أولاد في عشر سنوات، وفي ضيق
ذات اليد.
ولا يتحدّد ما انفردت به قصّة: "سرّ ساكن الجبل" عن سواها في المجموعة بأنّ
لـها زاداً واقعياً من عمل القاص في الشأن الاجتماعي فحسب، بل بإضمارها
أيضاً هجاء شديداً لبلادة القوانين الوضعيّة "المحدّدة والجامدة" التي
تفرّط بالقيم النبيلة، والتي لا يثنيها شيء عن نهش تلك القيم، حتى لو كان
نتيجة ذلك نفي الحقيقة أو الإجهاز عليها. إذ ما إن يكتشف سارد القصة، مدير
مؤسسة لإصلاح الجانحين من الأحداث، أنّ الحدث (إقبال) لم تكن جانحاً، بل
متزوجة شرعاً من شاب ريفي، وأنّ أمها دفعتها إلى احتراف الرقص بدلاً من
أختها التي "هويت أحد روّاد الملهى واعتزلت الرقص وغادرت البلاد وإياه..
زوجة حليلة"، حتى يرتطم بقوانين صمّاء لا تلقي بالا للإنسانيّ في الإنسان.
وفي مجموعة غسان كامل ونوس: "هامش الحياة.. هامش الموت"(2) غير نصّ ينتمي
إلى هذا المجال، ولعلّ أبرز ما ميز الأغلب الأعمّ من النصوص العشرة في تلك
المجموعة مقاربتها لذلك كله على نحو غير مباشر، كما في القصّة الأولى:
"تقويم" التي التقط القاصّ فيها حدثاً من الواقع يبدو غاية في الضآلة على
المستوى الواقعيّ، وزاخراً بالدلالات على المستوى الكنائي، ولاسيّما حديث
السارد عن الفقر المدقع الذي ظلّ يعانيه طوال حياته، والذي لم يكن يمكنه من
ارتداء بنطال جديد إلا مرة واحدة كلّ ثلاث سنوات.
وعبر قصّ شائق، ومحفز على القراءة، قدّم أيمن الحسن في مجموعته: "محاولة في
رصد ما حدث"(3) غير نصّ أيضاً عنيَ بما يبدّد قيم الحقّ والخير والجمال،
كما في: "المشجب" التي أبدى القاص فيها كفاءة واضحة في الغوص على القصيّ
تماماً من أعماق الذات الإنسانية، وفي رصده غير المباشر لإلحاح المرء
المحاصر بالقهر الاجتماعي على ابتكار البدائل المناسبة لذلك القهر، بل لما
يحرّره منه على نحو أدقّ، وما يستعيد لـه توازنه المفقود، ثمّ ما لا يتجاوز
في النهاية كونه مشجباً يعلق عليه حاجته إلى إنسان آخر، إلى امرأة يبتكرها
خياله ليدرأ عن نفسه الخواء الروحيّ الذي تعانيه.
وعلى الرغم من صدور فواز حداد في قصّته: "الرسالة الأخيرة" (4) عن الواقع.
فإنّ ما هو واقعيّ في القصّة لا يعدو كونه قناعاً فنياً لقول ما هو كنائي،
أي لـهجاء أوهام المعرفة التي تنأى بالمعلول بها عن الحياة وتنتهي به إلى
العزلة، والموت.
لقد كانت حياة فريد زعبوبة، لسنوات عشر، أي منذ أصبح موظفاً في الدولة إثر
تخرّجه في كلية التجارة، تسير على نحو منظم، ووفق آلية محكمة. وبعد أن بدأ
الإعداد لاستكمال ما يلزم لزواجه، فوجئ برسالة من مجهول يطلب فيها إليه فسخ
خطوبته فوراً. وعلى الرغم من إهماله الرسالة، فإنه سرعان ما وجد نفسه
مدفوعاً إلى الاستجابة لذلك الطلب، فتخلص من خطيبته "بلباقة معقولة".
ولم يكد يمضي شهر، حتى تسلم رسالة ثانية يدعوه كاتبها فيها إلى تجنّب
الأماكن العامة، وما إن أشرق صباح اليوم التالي "حتى عثر على قراره الحازم،
لن يضع قدمه ثانية في تلك الأماكن". وبعد أسبوع وصلته رسالة ثالثة من مجهول
أيضاً ينبهه فيها إلى ضرورة "الاستفادة من وقته بشكل أفضل وأسلم، وذلك
بالقراءة المفيدة والرشيدة"، ثمّ سرعان ما وصلته رسالة رابعة تتضمن قائمة
بالصحف والمجلات التي يُستحسن لـه الاطلاع عليها، ووعداً من كاتبها المجهول
بإرسال طرود بريدية منتظمة من الصحف والمجلات "بالإضافة إلى مجموعات من
الكتب القيّمة.. وقائمة.. بمواعيد البرامج التلفزيونية والإذاعية التي
يُفضّل الاستماع إليها".
وكان لتلك الرسالة أثر جديد في حياته "إذ لم يعد يذهب إلى وظيفته إلا
متكاسلاً.. ولا يناقش موظفيه ومراجعيه إلا بمشاكل العالم الكبرى". وعلى
الرغم من أن ّالرسالة الخامسة كانت تتضمّن الطلب إليه الاستقالة من وظيفته،
فإنه لم يناقش الأمر كثيراً، وفي البيت، ومنذ اليوم الثاني لاستقالته "أحكم
إغلاق الباب والنوافذ" وغرق في الكتب والصحف والمجلات التي ظلت تتابع
ورودها إليه بانتظام، وتتراكم في البيت حتى ضيّقت عليه حركته. وما كاد يمضي
على ذلك شهران، حتى قطعت عنه الماء والكهرباء، وحين سمع سقوط رسالة جديدة
في صندوقه البريدي، وحاول استنهاض جسده للوصول إليها، كان ثمّة رنين متواصل
لجرس الباب، ما لبث أن أرغم الواقفين أمامه إلى كسره "حاول أن ينهض، لكن
الغائط المتجمّد في سرواله منعه من الحركة، فيما كانت رائحة عفونة كريهة
تتصاعد من البول المتجمّع في بنطاله".
وعلى نحو مفارق جمالياً ومطابق دلالياً جذّرت نصوص هزوان الوز: "عيون في
الخريف"(5) نفسها في الواقع وإلى حدّ بدت تلك النصوص معه مرثيات دامية
للقهر الذي يمارسه الإنسان ضدّ أخيه الإنسان. ولعلّ أكثر النصوص جهراً بذلك
النص الذي تحمل المجموعة عنوانه، والذي رثى فيه القاص ما انتهى إليه الواقع
من دمار قيمي على المستويين المؤسساتي والشعبي دفع مزارعاً للتفاح إلى حرق
محصوله لأنّ اللجنة الفاحصة صنّفته ثالثاً بحسب عدم فهمه لما عرضه أعضاء
اللجنة عليه، رغم أنّ تفاحه، بتعبير القاصّ، "مثل وجنات الصبايا"، كما دفع
أحدهم إلى إطلاق ثلاث رصاصات في رأس عامل في مطعم لأنّ السمك الذي أحضره
لـه لم يكن ساخناً، ثمّ "خرج.. بهدوء، ركب سيارته التي انطلقت تلتهم إسفلت
الشارع"، وإلى تلفيق اتهام لبطل القصة حينما حاول "كشف كميات الحديد
والإسمنت المسروقة"، وإلى أن يغتصب رجل هائج فتاة صغيرة في منتصف ساحة
مدينة الألعاب من غير أن يجرؤ أحد على إنقاذها من براثنه، كما يدفع صاحب
صالة للعرض إلى ابتزاز الفنّانة التشكيلية التي تُضطر إلى بيع لوحاتها لـه
بأثمان بخسة تحت وطأة الحاجة، وإلى تعرية جسدها بنظراته المحمومة.
ولعلّ أبرز ما يميز النص المشار إليه آنفاً تقديم القاص نماذج إنسانية
ممعنة في اغترابها عن الواقع حولها، ومثخنة بما يبدّد إحساسها بالانتماء
إليه، فالشخصيتان الرئيسيتان لا تواجهان "واقعاً لـه أظافر وأسنان"، بل
ينتابهما إحساس قاس بأنّ "العالم يلتفّ بمعطف الفجيعة، ويتحرّك في زمن
هلامي".
ولئن كان من أهمّ ما ميّز نصوص مجموعة عبد الرحمن سيدو: "غناء البنفسج"(6)
ضيق الجغرافية الاجتماعية التي استمدّت منها موادّها الحكائية الخامّ، أي
جغرافية بعينها فحسب من المجتمع السوري، فإنّ القاصّ تحرّر في مجموعته
الثانية: "الذئب"(7) من ذلك، فاستطالت عيناه إلى المجتمع المديني، إلى
تخومه وأحيائه الشعبية الطاعنة في لجنة الفقر، والإهمال، والعَوَز،
والأعراف الاجتماعية الجارحة. ولعلّ قصة "الشارع الغربي" تجسّد تلك النقلة
في اتساع مدار الرؤية عند القاصّ، وهي تعبّر منذ افتتاحيتها عن قسوة الحياة
التي يعانيها سكان الأحياء المنسية التي ينتمي سكانها إلى ما يُصطلح عليهم
بـ "البروليتاريا الرثّة". الذين "تركوا قراهم هرباً من الفاقة والعوز،
فغرقوا في عوز وفقر أشدّ".
وتكشف القصة، عبر غير موقع وبغير أسلوب، عن شراسة الواقع ووحشيته، وعن مدى
ما يتركه ذلك كله من آثار قاتمة في حيوات هؤلاء وقيمهم الاجتماعية، فلا
تردّ النسوة ما تقترضنه من الجارات، ويستمرّ أخو زينب بغشّه، حيث يخلط
الزيت النباتي مع البلدي، ولا يرعوي "مقتصد" صاحب الدكان عن التدليس وإضافة
ما يلذّ لـه إلى قائمة الديون، وعن بيع "خرق" الدائنين الفقراء في المزاد،
ولا تثني صلة القرابة التي تربط "أكرم" بـ "زليخة" عن شتمها، ثمّ ضربها
بجنون، بسبب ما يراكمه الجيران من نفايات وأوساخ أمام داره البائسة.
ومع أنّ النصوص الستة التي تتضمنها مجموعة نيروز مالك: "المغامرة
السابعة"(8) أعادت صياغة قراءات الكاتب لقصص كتّاب آخرين، بمعنى أنها
استمدّت موادّها الحكائية الخامّ مما هجست به وعبّرت عنه نصوص أخرى أغلبها
لا يمتّ بصلة إلى مجتمع القاصّ، كقصّة "الذراع" لتولستوي، وقصة "الصديقان"
لموباسان، وقصة "كلمة ملك" لماريا جروبيشليفا، و"المرأة ذات العينين
البريئتين" لميخائيل كانيللس، إلا أنّ "مغامرة" القاصّ مرتبطة بواقعه
ومجتمعه، وما يتردّد فيهما من مثيراتٍ اجتماعية وسياسية. ويمكن أن نمثّل
لذلك بقصة: "السنة وفصولها" التي تستلهم قصة معروفة لزكريا تامر بعنوان:
"يا أيها الكرز المنسي"، والتي تحكي ما تنتجه تحوّلات الواقع من آثار في
شخصيتي صديقين كانا يصخبان رغبة في تحقيق "حياة جديدة ليس لنا فقط، إنّما
لكلّ الناس". فيحقق الراوي بعض أحلامه الخاصة المتصلة بأحلام الجماعة
وهواجسها، بينما تنحرف أحلام صديقه عمر قاسم إلى ما هو خاصّ فحسب.
ورصد مأمون الجابري في مجموعته الأولى: "سحابة صيف"(9) ما يتردّد في مجتمع
المدينة خاصة من قيم اجتماعية باطشة بالجوهريّ من معاني الحياة والوجود.
وإذا كانت المجموعات القصصية السابقة قد عنيت بالواقع نفسه وما يشظيه من
خراب في البنى المعيشية كافة، فإنّ من أبرز ما اتسمت به تلك المجموعة
عنايتها بآثار ذلك الخراب في دواخل المكتوبين بجحيمه، والمطعونين باغترابهم
عنه. بمعنى استبطانها وقع الحدث على الشخصية أكثر من اهتمامها بالحدث
نفسه.
والنصوص، عامّة، تلحّ على المعاني الإنسانية أكثر من إلحاحها على ما يحرف
هذه المعاني عن طريقها القويم، أي عمّا يجعلها على النحو الذي تبدو عليه.
ففي القصة التي حملت المجموعة عنوانها يتردّد "صافي" بين الإذعان للحبّ
الطاغي الذي تبديه "هند" نحوه وترجّحه بين استمرار زواجه من "منال" وطلاقه
لـها، من دون أن تفصح القصة أو تشي بمسوّغات هذا القلق القاسي الذي كان
صافي يكابده. وترصد قصة: "دموع السدّ" علاقة حبّ دافئة أجهضت ألسنة
الحاقدات والمحرومات اكتماله، وهي كسابقتها تمسّ مرجعيات ما يكبح المعاني
الإنسانية النبيلة ويعوّق تحققها مسّاً رفيقاً، وتكتفي بمقارنة آثار هذه
المرجعيات، لا المرجعيات نفسها.
وإذا كان معظم نتاج التسعينيات عني برثاء استلاب الواقع لإنسانية الإنسان
ولإرادته في التعبير عن ذاته، ولحقه في حياة كريمة، فإنّ هذه السمة تتجلى
على نحو واضح في مجموعة رباب هلال: "ترانيم بلا إيقاع"(10)، التي تتابع ما
سبقها من مجموعات في إماطة اللثام عن الواقع بكل قسوته، وطيشه، وامتهانه
للإنساني في الإنسان. ومن أمثلة ذلك القصة التي تحمل المجموعة عنوانها،
والتي تتقاطع إلى حد ما مع قصة هزوان الوز "عيون في الخريف" المشار إليها
في موقع سابق من هذه الدراسة، والتي تُعنى بالهاجس نفسه، بل إنّها تبدو أشد
من "عيون في الخريف" غوصاً على ما يهدّد الإنسان من مصادرات غاشمة لتلك
الإرادة. فكما تدفع وطأة الواقع بـ "كريمة"، في "عيون في الخريف"، إلى بيع
لوحاتها بما يقيها غائلة الحاجة إلى الآخرين، تدفع هذه الوطأة نفسها بطل
"ترانيم بلا إيقاع"، الفنّان التشكيلي أيضاً، إلى اللجوء إلى المقبرة ليرسم
الأضرحة، ثمّ ليضع في زاوية الرسم "جذع سنديانة ضخمة عتيقة متآكلة تنبت
عليها نبتة صغيرة وحيدة"، وإلى رسوبه في الامتحان الممهد للقبول في كلية
الفنون بسبب خروجه عن الموضوع المحدد، ثمّ إلى أن تفتك به حال من العطالة
المدمّرة تنتهي به إلى الإذعان لإرادة أسرته في زواجه من فتاة لا يعرفها،
ولم يكن أحبّها. وأخيراً إلى تمزّقه بين جحيمين: جحيم الـ "أنا" المنصاعة
لإرادات سواها، والمعنية بإنتاج ردود أفعال حيال تلك الإرادات لا إنتاج
أفعال، وآخر يعبّر عن "أنا" نقيضة، محرّضة على تحرير الأولى من ذلك
الاستلاب المدمّر للذات، وعلى إنتاج أفعال لا ردود أفعال.
وتُشرع قصّة "أوان الرحيل" فعاليات القراءة على مستويات مختلفة من التأويل،
ليس من خلال ما تثيره رمزية "الأخطبوط"، الذي يشكل أهمّ الرموز في القصة
وأكثرها غنى، فحسب، بل من خلال ما تتيحه الحوافز المحرّكة للحدث القصصي من
تعدّد تلك المستويات، واختلافها، وتنوّعها، بآن.
وكما تعيد القصة إحياء مرحلة بعينها من تجربة القصّ العربي الحديث، بل
السرد عامّة، هي المرحلة التي بدت معها هذه التجربة، ومن خلالها. فيّاضة
بالميتا واقعي لمقاربة ما هو واقعي، تمثّل، بآن، علامة فارقة في تجربة
القاصة التي كثيراً ما تبدي ولعاً ظاهراً، بين نصّ قصصي وآخر، بالحديث عن
الواقع ولكن بوسائل غير واقعية. وما يعزّز هذا الاستنتاج في نصوص رباب هلال
هو امتلاء القصة بالرموز التي تبدو، في الوقت نفسه، حوافز في السرد،
كالمقبرة التي تتجلى داخل هذا السرد بوصفها موطناً للخراب مرّة، أي حينما
تلجأ إليها الساردة لتسأل أباها عن البوصلة الضائعة/المضيّعة، وبوصفها
ملاذاً، مرّة ثانية، من كوابح الواقع ومعوّقاته.
وعلى الرغم من تعدّد موضوعات النصوص الخمسة والأربعين التي تتضمنّها مجموعة
ضياء قصبجي: "إيحاءات"(11)، ومن تنوّع مرجعياتها الواقعية، فإنّها جميعاً
تتوجّه إلى ما يتفصّد عنه جسد الواقع من قروح الاستهلاك، وانتهاك ما هو
مادي للذوات الإنسانية المفعمة بحبّها للبهيّ والناصع من العلاقات. فـ
"القصة رقم1" ترصد مفارقة بين استسلام فتاةٍ شابة لنوم هادئ عميق، وثمّة
بابٌ حديدي مقفل، وخلف الباب المقفل امرأة ترتجف رعباً!"، وترسم "القصة
رقم2" ما تتشبه الوحدة في النفس من إحساس جارح بالوحشة والعزلة لأنّ صاحبها
لم يكن مزوّداً بوعي كافٍ لممارسة إنسانيته على نحو لائق: "تذكرتَ، في
إخلادك إلى السكينة، أنّك في طفولتك لعبتَ في هذا القبو مرّة مع ابنة
جيرانك مها، وحين ضايقتها هربت منك، وخرجتْ من ثغرة أخرى، وبقيتَ وحدك".
وعلى النحو نفس تترى النصوص الباقية في المجموعة، راصدة، من خلال اقتصادٍ
حدثي ولغوي، ما ينتجه الواقع من متضادات سالبة للرهيف تماماً من النابض،
والمضيء من القيم. فثمّة طفولة معذّبة في "4:، و"أنا" متورّمة في "5"،
وتمجيدٌ للصبر والدأب في "القصة رقم 7"، وهجاءٌ لنزعة التملك في "8"،
ورثاءٌ لما انتهت إليه العلاقات الإنسانية من دمار في "11".. وهكذا.
وتتابع رحى الواقع جلجلتها الغاشمة في مجموعة أحمد زياد محبك: "حلم الأجفان
المطبقة"(12)، فتطحن بين حجريها الخشنين المتمسّكين بالقيم النبيلة،
وتُقدّمهم لقمة سائغة للمستغلين، والانتهازيين، واللصوص. فعلى امتداد عشرين
نصاً قصصياً تضمنّتها المجموعة تطلّ خرائب الواقع كما لو أنها كائنات
خرافية موبوءة بنهمها لافتراس كل شيء، فلا ينجو من مخالبها سوى الذين
يديرون ظهورهم للفضيلة، ويتساقط بين فكيها المتمسكون بالطهر، والمدافعون
عنه، والمضحون في سبيله. وعامة، فإنّ سطوة الواقع وقوانينه الجائرة لا
تفرّق في تلك المجموعة بين كائن بسيط مستخدم في الدولة كما يمثّله بطل قصة
"الصورة الأخيرة في الألبوم"، وآخرَ مثقف حصّل شهادتين جامعيتين كما يمثّله
بطل قصة "عودة الموظف إدريس إلى بيته"، الذي يلاحقه ضغط الحاجة إلى شراء
نصف كيلو فقط من الليمون لابنته المريضة، بينما يقوى سائقٌ في مؤسسة حكومية
رقيبة على القانون على شراء كيس من الليمون يزن أكثر من خمسين كيلو، ومن
مؤسسة حكومية تقترض العدالة الاجتماعية التي أنشئت من أجلها ألا يسطو فيها
أحد على حقّ الآخر.
وعلى النحو نفسه تتدافع نصوص مجموعة القاصّ الثانية: "عريشة الياسمين"(13)،
التي يبدي القاص فيها حفاوة واضحة بعوالم الأطفال النفسية المترعة
بفطريتها، وبراءتها، وخلّوها مما يدنّس عالم الكبار. والمجموعة عامّة تهجس
بالحديث عن المعاني الكبرى في الحياة: الحبّ، الجمال، الخير.. أكثر من
اهتمامها بالحياة نفسها.
ففي قصة "عفاف" يصبح الجمال لعنة بدلاً من أن يكون مظهراً، وفي قصة "الموظف
الصغير" يبدو التمسّك بالهوية والانتماء إلى عالم الحقيقة خوفاً من الغنى
وجهلاً بالحياة، على النحو الذي تمثّله شخصية الموظف الصغير "ماجد" الذي
يرفض أن تلوّن أصباغ الزيف وبهارج الثراء رأسه، فيظلّ متمسّكاً بالفقر،
رافضاً الزواج من ابنة التاجر الذي علله بشراء مسكن وسيّارة لابنته.
وتتجلى سطوة الواقع على نحو أكثر وضوحاً في قصة "القطار والسمكة الذهبية"
التي ترصد ما يكابده المدرّس "حامد" من مشاعر جارحة وهو يتسلم راتبه القزم
الذي لا يكفي لأيام قليلة فقط، فلا يقوى على شراء قطار لابنه الصغير، كما
لم يقوّ أبوه حين كان طفلاً على تحقيق ذلك لـه. وإذْ تهجو القصة تلك
المفارقة التي ينتجها الواقع بين دخل المدرّس وأبجديات حقه وأسرته في
الحياة، فإنّها في الوقت نفسه تعرّي تلك المفارقة التي ينتجها التمايز
الاجتماعي ـ الاقتصادي بين الأطفال أنفسهم، فعلى حين لا يتمكن "حامد" من
التخلي عن مبلغ زهيد لشراء القطار لطفله تحتشد غرفة طفل آخر كان حامد يعطيه
دروساً خصوصية بما غلا من الألعاب.
وتابع مأمون الجابري، في النصوص العشرة التي كوّنت مجموعته الثانية: "البعد
المضيء"(14)، استجلاء ما يتركه الواقع من آثار قاسية في ذوات المنتمين
إليه. ويبدو أن ثمّة موضوعات أثيرة لدى القاصّ تتردّد بين غير نصّ قصصي في
مجموعتيه، وإنْ تمايزت الموادّ الحكائية لـهذه النصوص. وتلك الموضوعات في
أغلبها الأعمّ تهجس بما يعوّق الحبّ عن الاكتمال، وما يبرز غبطة اللحظات
العاطفية المسروقة على غفلة من الزمن. فإذا كان "صافي" في قصة "سحابة صيف".
في مجموعة القاصّ الأولى، ممزّقاً بين حبّه لمنال وحبّ هند لـه، فإنّ
"عدنان"، في قصة "وداعاً، لقد فشلت للمرة الثانية"، في مجموعته الثانية،
بحبّ "هيام" ويتزوّج "وعد". وتجسّد قصة "البعد المضيء" أثرة تلك الموضوعات
لدى القاص على نحو جليّ، فهي ترصد علاقة عاطفية طارئة في حياة عربي، من
طرفه فحسب، لشابة روسية كانت تعمل مرشدة سياحية للمجموعة التي كان يرافقها
وينهض بمهمة الترجمة بينها وبين تلك الشابة.
وامتدت يدا نيروز مالك عبر مجموعته: "ما رواه الجليل"(15) إلى ما تمارسه
القوى القاهرة المتنفذة اقتصادياً وسلطوياً من استبداد، وظلم، وتدمير
للقيم، وصياغة للواقع على هواها حتى لو كان ذلك على أشلاء الآخرين،
وأحلامهم الصغيرة، وأبجديات حقهم في الحياة. والمجموعة، في الوقت نفسه،
تعاين آثار الواقع وما ينتجه من خراب في معاني الحبّ، والطهر، والفضيلة.
ففي قصة "أحزان مختارة" تفترس المفارقة الاجتماعية القائمة عادة بين
متضادين طبقيين، ذلك الحبّ الدافئ بين الشاب أحمد والفتاة دنان التي رفض
أبوها زواجها منه، فصلب برفضه ذاك قلبي العاشقين "على نوافذ فيلته
المذهبة".
وإذا كانت القصة السابقة قد أفصحت عن تلك المفارقة الاجتماعية التي آلت
بالعلاقة بين أحمد ودنان إلى الفناء، فإنّ قصة "نجوم عالية فوق البحر"
عاينت هي الأخرى علاقة عاطفية لم يُقيّض لـها أن تُكلل بالزواج، ولكن من
دون أن تفصح عن سبب ذلك، وكشفت قصة "سروال البحر"، على نحو مباشر، تضادّ
القيم الإنسانية وفقاً للتمايز الاقتصادي ـ الاجتماعي، فحارس مزرعة عبد
الفتاح الحلبي الذي يصفه الأخير بـ "الأمانة والاستقامة والنزاهة" يطلب إلى
صاحب المزرعة تأمين حارس آخر بدلاً منه، ويتشبّث برغبته تلك على الرغم من
المغريات الكثيرة التي قدّمها عبد الفتاح لـه، ومما أبداه من تمسّك به،
معللاً ذلك بقوله لابنه، ابن الحارس: "ألم ترَ المرأة التي كانت معه في
السيّارة؟ أجابه باستغراب: بلى. قال الحارس: لماذا تسأل عن الأسباب؟ سأله
الابن: أليست زوجه؟ صرخ الحارس؟.. اخرس، زوجته ستّ محترمة، شريفة". وعلى
نحو رمزي ودالّ تهجو القصة التي تحمل المجموعة اسمها، "ما رواه الجليل"،
سطوة الفقر وآثاره المدمّرة في ذوات المكتوين به، إذْ يحول الفقر بين
الفتاة وردة ابنة الصبّاغ دياب الحلبي الذي يعيل عشرة أفواه ومحمّد ابن
السنكري. لتزفّ وردة إلى "قرّاد" فيما بعد.
وعلى الرغم من تضاد مجموعة إبراهيم كبّة "قصّة فنّان" (16) مع المجموعات
السابقة على غير مستوى، فإنّها تطابقها، كما تطابق سواها من الأغلب الأعم
من منجّز التسعينيات، من حيث تفكيكها للواقع، وهجاؤه، وتعريته بآن. ولعلّ
أبرز النصوص في هذا المجال القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، والتي تكاد
تكون، على المستوى الحكائي، تنويعاً على قصة رباب هلال "ترانيم بلا إيقاع"،
إذ تقدّم، هي الأخرى، مقطعاً من سيرة حياة فنان تشكيلي أيضاً، يضطّره
الواقع حوله للعمل في محلّ لبيع الأزهار بدلاً من ممارسة فنّه، وإلى الخنوع
لنزوة هوجاء انتهت به إلى الزواج من "سعاد" التي سرعان ما استحال لطفها
القديم "إلى سلاطة لسان وحدّة طبع" بدلاً من الزواج من "إحسان" التي
أحبّها، إلى انتهائه، لا إلى "الإعياء وانحطاط القوى"، أو إلى التمزّق بين
جحيمين كما حدث لمثيله في القصة السابقة، فحسب، بل إلى إهمال "نفسه وفنّه
غاية الإهمال"، بعد أن "اصطلح عليه اليأس والألم" اللذين بدّدا أحلامه
وهويا به إلى لجة ظلام حالك، ظلام واقع رجيم لا يقيم للإبداع وزناً، ولا
للمشاعر الرهيفة قيمة.
وتبدو قصّة: "الخراب" أكثر قصص مجموعة لؤي علي خليل: "أشياء ضائعة"(17)
تعبيراً عن ذروة ما يتفصّد عنه جسد الواقع من تداعيات تسلب الإنسان حتى
أعضاء جسمه: يديه لكي لا يقوى على المقاومة، وقدميه لكي لا يتمكن من الفرار
من مصير فاجع يترصّده، وعينيه لكي لا يبصر بهما ما يتهدّده. وكذا تفعل قصة
"حدث في هذا الزمان" عبر مقاطعها الأربعة واستلهامها لأسطورة التكوين على
نحو مقلوب يعني الدمار بدلاً من الخلق.
وتجسّد قصة: "أشياء ضائعة"، التي تحمل المجموعة اسمها، ذلك على نحو واضح
تماماً، وعبر قصّ لماح يتّسم بإشاريته، إذْ ينتج الخراب، بمستوييه المادي
والروحي، ضياعاً للمدن، ولكلّ ما يصل البراءة بمعاني الغبطة والفرح
الطفوليين، فيضّل الناس "الطريق" إلى ما يسترّد لتلك المدن وجودها ونبضها
اللذين أودى بهما الخراب إلى لجة العدم.
وعلى نحو مفارق تماماً لتلك المجموعة تنوء مجموعة كامل مسقاني: "الدالية في
خطر"(11) تحت وطأة ما هو واقعي، أي تحت وطأة ما يصور الواقع كما هو، من دون
أن يعيد صياغته فنياً.
وحفاوة مسقاني بتلك المفارقات كثيراً ما تنأى بنصوصه عمّا يمور في قلب
الواقع من مثيراتٍ اقتصادية، واجتماعية، وسياسية. وإذا كانت ثمّة نصوص
تتمرّد على تلك السمة، كما في: "احتراق"، و"شارع أبو العطايا"، و"ناصر
يسترجع ما حدث"، فإنّها لا تعدو كونها حوامل حكائية لإنتاج تلك المفارقات.
فما إنّ تبدأ قصّة: "شارع أبو العطايا"، على سبيل المثال، بمقاربة بعض تلك
المثيرات التي تدفع بطلها إلى الهجرة بحثاً عن لقمة العيش، حتى تنحرف إلى
الحديث عن شخصية العجوز أبي العطايا الذي لم يبارك سفر هذا البطل، ودعا
عليه بعدم التوفيق بسبب جحوده بتقواه وورعه، فاستجابت السماء لـه، وحين همّ
الجاحد باللحاق بالطائرة التي ستقله إلى حيث اختار الهجرة، فوجئ بنسيانه
تذكرة السفر، فعاد إلى منزله "مكسور الخاطر ليبثّ زوجته شكواه وإحباطه
وخيبته"، وكانت المفارقة في الخبر الذي حملته صحيفة الصباح: "لقد سقطت
الطائرة جامبو.. الرحلة رقم أربعة.. المغادرة أمس الساعة الواحدة ظهراً في
البحر وغرق جميع ركابها". وعلى النحو نفسه تترى بقية النصوص في المجموعة،
ملامسة سطح الواقع، وغير قادرة على النفاذ إلى الجوهريّ فيه، واستبصار ما
يصخب داخله من أفعال تفترس كلّ ما لـه صلة بالإنسانيّ في الحياة.
وامتهان القيم الإيجابية الناصعة في الواقع يتردّد في مجموعة مالك صقور:
"حبّة شجاعة"(19)، التي تتابع، عبر نصوصها الثمانية، ما دأب عليه منجَز
التسعينيات من رثاء لتلك القيم وهجاء لنقيضها.
ويمكن تبيّن تلك السمة في القصّة التي تحمل المجموعة عنوانها، والدالة على
مخيّلة نشطة لدى القاص، مكنته من تقديم نموذج للشخصيات التي وصلت إلى مواقع
المسؤولية على غفلة من الحقيقة الوطنية، والتي تبدو على قطيعة تامة مع ما
يمكن عدّه ملمحاً من ملامح المجتمعات المدنية، أي مع ما يتّسق والتعبير
الشائع الذي يقول: "الرجل المناسب في المكان المناسب". إذ ما إن يبتلع
"حضرة المحترم"، بدافع لـهاثه وراء مزيد من النجومية، "حبّة الشجاعة"، أو
"الصراحة"، أو "الصدق"، التي تفك عقدة لسان مَن تستقّر في جوفه، فيقول
الحقيقة "ولا يكذب، ولا يلفّ، ولا يدور.. ولا يجامل"، حتى تأخذ سوءات هذا
المحترم الكثيرة بالتكشّف عن قزم على غير مستوى، أو عن شخص "لا يساوي ملء
فمه تبناً أو صوفاً"، بتعبير "عارف" الذي اخترع تلك الحبّة، والذي عُرف
طوال حياته بأنّه ذلك "المتفوّق، النبيه، الذي.. رغم المحن التي عصفت به،
بقي كالذهب.. تغيّر العصر.. وحتى الأعراف.. وبقي هو مبدئياً، محافظاً على
الحليب الذي رضعه". والقصّة تتجاوز ذلك إلى هجاء ما يفتك بالواقع عامة، من
"المهازل الكثيرة، و.. الجرائم التي تُرتكب بحقّ الشعوب، باسم الشعوب،
قدّام وخلف الكواليس، بدءا من عيادة طبيب، مروراً بأية محكمة، انتهاء
بانتهاك حرمة الإنسانية في البوسنة والهرسك وآخرها مجزرة قانا".
وتنطلق النصوص التسعة كافة في مجموعة بسّام كوسا: "نصّ لصّ"(20) من الواقع
وتعود إليه، وتهجس بمثيراته الوطنية والاجتماعية والإنسانية، وبما ينتجه
العوز والفقر من انكسارات وخيبات مريرة ومصادرات على الناصع والبهي من
العواطف، وما تنشبه علاقات الإنتاج غير العادلة من مفارقات اقتصادية جارحة.
وتهجو على نحو غير مباشر ما يحتشد داخله من قيم سالبة تقترفها "لصوصية"
مطلقة في انتهاكها لقيم الحقّ، والخير، والجمال. وحكايات القصّ في
المجموعة، بل مقاصدها على نحو أدقّ، لا تنشغل باللصوصية بمعناها المبذول،
بل بوصفها مفهوماً يطال مفردات الواقع جميعاً، ويجلل تلك المفردات، جميعاً
أيضاً، بما يسلب الفقراء، بل الذين ينأون بأنفسهم وقيمهم عنها، حقهم في
وجودٍ لائق بالإنسان. وعلى الرغم من أنّ القاصّ يرى، كما يعبّر عن ذلك في
تقديمه للمجموعة، أنّ الحياة لا تقدّم سوى أنصاف لصوص، فإنّ تلك الحكائيات
ما تلبث أن تقدّم واقعاً مطلق الاتصال بالمفهوم، وشديدَ الاكتواء به بآن.
ولعلّ قصّة: "الليلة عيد.." أكمل النصوص التسعة في تعبيرها عن ذلك كله، حتى
ليصحّ القول، من خلالها، إنّ اللصوصية التي تحاول تلك النصوص تعريتها
تتمدّد لتصبح مفهوماً على النحو الذي أشرت إليه آنفاً، وعلى غير مستوى،
الأمر الذي يعبّر عنه "إبراهيم الطايش" بقوله لأبي عادل الذي كان يحسّ بأنّ
ثمّة ما يضغط على صدره حتى الاختناق بسبب ضيق ذات يده الذي يسلب أسرته حقها
في قضاء عيد حقيقي: "ولا يهمّك أبو العدل، كلنا في الهوا سوا، بتفرج، كلّ
سنة وأنت طيّب. والله لما بيقرّب العيد. أحسّ أنّ الاستعمار العثماني رجع
ثانية". كان الناس، يومئذٍ وبعده بوقت غير بعيد، يجهرون بما يمارسه اللصوص
من سلب لأقوات العباد، ولا تثنيهم قوّة عن مواجهة حكامهم الذين لا يلقون
بالاً لمعاناتهم: "أذكرُ يا شباب، عندما كنتُ صبياً، أنّ العامّة قامت، من
قلة الخبز، وغلوّ الأسعار، وهجموا على السرايا.. فلمّا علم الباشا بما
حدث.. أمر جماعته، فخرجت على الناس بالعصيّ وطردوهم، ولما شاهد الناس ما
حدث، بدأوا يرجمون جماعة الباشا، واشتبكوا في عراك عظيم". أمّا وقد أنتج
الراهن، راهن الشخصيات القصصية، لصوصاً من نوع آخر، أشد بطشاً من الاحتلال
العثماني، فإنّ الغصّات، وحدها، والقهر، وحده، هي ما يمكن الجهر به.
ولا تقلّ قصة "مياوم" امتلاء عن سابقتها بما، وتعبيراً عمّا، يبتدعه
الواقع، لصوصه، من أحابيل لافتراس الأنقياء، بل الشرفاء الباحثين عن قوتِهم
بقوّة عملهم. فـ "مراد" الذي يمارس ما شاءت لـه الأقدار من مهن، والذي لا
يساوي أكثر من الصفر أمام أولئك الذين تنتفخ أرصدتهم وبطونهم بفعل سطوهم
على تلك القوّة، سرعان ما يجد نفسه أمام مفارقة قاسية بين منزله في القرية
ومنزل الوسيم الذي ابتاع جهد اثنين من الرجال للقيام ببعض الحفريات لديه:
"مبنى أنيق، مؤلف من طابقين، وحوله حديقة تدعو للسرور، يميناً كانت تدعو
للبهجة.... تذكرت على الفور باب بيتك المصنوع من درفة واحدة، ومن الخشب
العتيق الذي لا يتجاوز ارتفاعه خصر آدميّ".
واستعادت مجموعة غسان كامل ونوس: "أحمر.. أبيض"(21) ما عبّر عنه معظم منجّز
التسعينيات من كفاءة عالية في الغوص على الجوهريّ في الواقع، وفي استبصار
الخراب الذي يفترسه. ومن أبرز نصوص المجموعة في هذا المجال قصة: "أحمر..
أبيض"، التي تكاد تكون امتداداً، على المستوى الحكائي، لقصة مالك صقور:
"حبّة شجاعة"، إذ كما تنتهي هذه الأخيرة ببطلها "المحترم" إلى افتضاح
إمكاناته المتواضعة التي لم تكن لتؤهله للموقع الذي يشغله، أو كما تهجو
الخواء المعرفي الذي يميّز عدداً من المسؤولين في المؤسسات الرسمية، تنتهي
قصة: "أحمر.. أبيض" ببطلها اللاهث وراء ما يثّمر إمبراطوريته المالية إلى
الفناء المعنوي، فيعجز، رغم محاولاته المريرة، والمواربة، عن تحقيق امتداد
لـه على المستوى الأسري.
كانت زوجته تلحّ عليه في أن يكون لـهما ولد، لكنّه، بدافع جنونه بالمال،
كان يقول: "مهلاً، لازال الوقت مبكراً، الولد يقيّد حركتنا، والأيّام
قادمة. سنملأ البيت والمزرعة أطفالاً وضحكات مشبعة، ولنتابع الآن الانطلاق
إلى المستقبل الذي يجب أن يكون ناصعاً"، غير أنّ هذا المستقبل الذي كان
يتوق إليه لم يحمل إليه ما أجّله طويلاً، مع أنّه أضاف المزيد من
الامتيازات إلى الإمبراطورية التي صنعها.
صار يلهث، وزوجته، وراء الأطباء، وعلى الرغم من أنّ الجميع أكد: "كل شيء
طبيعي.. لا تيئسا، ولا تقنطا من رحمة الله"، وعلى الرغم، أيضاً، من أنّه
أولم في كلّ المناسبات، وابتنى غير مزار، وتصدّق، فإنّ تلك الرحمة "استعصت
على النزول"، فلم يكن أمامه سوى اللجوء إلى تجريب المجرّب، فتزوّج أرملة
شهيد كانت موظفة لديه، أسكنها في الطرف الآخر من المدينة، وأغلق عليها
السبل، وتكفل بابنها، غير أنّ الرحمة ظلت عصية على النزول، فأخذ يهيئ
لزوجته الجديدة سائقه ليذهب معها في مشاوير بعيدة ومهمّات متكرّرة علها
تنجب منه فينسب ثمرة هذا الإنجاب إليه، لكنّ السائق لم يخن الأمانة، وكذا
فعلت الزوجة. وعندما أعيته الوسائل جميعاً أذعن أخيراً للحلّ الذي كان قد
استبعده طويلاً، والذي حاربه الأقرباء باسم الوراثة التي ستؤول إليهم، أي:
"ولد بالتبنّي".
هوامش وإحالات:
1 ـ السباعي، فاضل. "اعترافات ناس طيبين". ط1. دار إشبيلية،
دمشق 1990.
2 ـ ونوس، غسان كامل. "هامش الحياة.. هامش الموت". اتحاد
الكتّاب العرب، دمشق 1991.
3 ـ الحسن، أيمن. "محاولة في رصد ما حدث". ط1. دار الطليعة
الجديدة، دمشق 1994. وتجدر الإشارة إلى أنّ القصة/المصدر كانت فازت بمسابقة
مدحت عكاش الأدبية لسنة 1993.
4 ـ حدّاد، فوّاز. "الرسالة الأخيرة". ط1. وزارة الثقافة،
دمشق 1994.
5 ـ الوز، هزوان. "عيون في الخريف". ط1. اتحاد الكتّاب
العرب، دمشق 1994.
6 ـ انظر دراسة خاصة بالمجموعة في الفصل الرابع من هذا
الكتاب.
7 ـ سيدو، عبد الرحمن، "الذئب". ط1. وزارة الثقافة، دمشق
1994.
8 ـ مالك، نيروز. "المغامرة السابعة". ط1. دار الذاكرة، حمص
1994.
9 ـ الجابري، مأمون. "سحابة صيف". ط1. دار المرساة،
اللاذقية 1995، وقد يبدو مفيداً الإشارة هنا إلى أنّ للقاص الإماراتي محمّد
المرّ مجموعة قصصية بعنوان: "سحابة صيف" أيضاً، صادرة عن مطابع البيان في
دبيّ سنة 1994.
10 ـ هلال، رباب إبراهيم، "ترانيم بلا إيقاع". ط1. اتحاد
الكتّاب العرب، دمشق 1995.
11 ـ قصبجي، ضياء. "إيحاءات". ط1. الندوة الثقافية
النسائية، دمشق 1995.
12 ـ محبّك. د. أحمد زياد. "حلم الأجفان المطبقة". ط1.
اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1996.
13 ـ محبّك، د. أحمد زياد، "عريشة الياسمين". ط1. دار القلم
العربي، حلب 1996.
14 ـ الجابري، مأمون. "البعد المضيء". ط1. د. ن، حلب 1996.
15 ـ مالك، نيروز. "ما رواه الجليل". ط1. اتحاد الكتّاب
العرب، دمشق 1996.
16 ـ كبة، إبراهيم. "قصة فنّان". ط1. اتحاد الكتّاب العرب،
دمشق 1997.
17 ـ خليل، لؤي علي. "أشياء ضائعة". ط1. وزارة الثقافة،
دمشق 1997.
18 ـ كامل مسقاني. "الدالية في خطر". ط1. تنفيذ دار الشجرة،
دمشق 1998.
19 ـ صقور، مالك. "حبة شجاعة". ط1. دار أرواد، طرطوس 1998.
20 ـ كوسا، بسّام، "نصّ لصّ". دار الجندي، دمشق 1998.
21 ـ ونوس، غسان كامل. "أحمر.. أبيض". ط1. اتحاد الكتّاب
العرب، دمشق 1998.
   
الوطني ـ القومي:
يمثّل عقد التسعينيات ذروة ما شهده القرن العشرون من تحوّلات عاصفة بعد
الحربين العالميتين: الأولى والثانية، لكنّه أبى إلا أن يكون علامة فارقة
فيه. إذْ سقطتْ أيديولوجيات، وبادتْ مفاهيم، وتمزّقت دول، وتقزّمت أخرى،
وازدادت ثالثة توّرماً، واشتدّ أوار الحروب الأهلية والمذابح الجماعية في
غير جزءٍ من هذه الكرة الأرضية البائسة، وتقنّع الاستعمار بأقنعةٍ جديدة
لغزو الشعوب، وتدمير إرثها التاريخي، وذاكرتها الوطنية، وهوّيتها القومية،
و..، و..، وكان نتيجة ذلك كلّه أن تفتّقت نهاية القرن عن أكذوبةٍ جديدة في
التاريخ اسمها "النظام العالمي الجديد".
ولم يكن الوطن العربي بمنأى عن ذلك، بل لعله كان أكثر أجزاء هذه الكرة
اكتواء به، فقد شهد، خلال سنوات التسعينيات، عدداً من الأحداث الكبيرة التي
زلزلت الكثير من المفاهيم، وبدّدت الكثير من الأحلام، وأجهضت الكثير من
القيم، وافترست الكثير من المعاني التي شكلت الشخصية العربية لسنواتٍ
طويلة، وأنتجت الكثير أيضاً مما لم يكن في حسابات أحدٍ، سوى صانعي ذلك
الخراب الذي أخذ يفتك بالجسد العربي منذ مطلع التسعينيات.
وكان أكثر تلك الأحداث صخباً، وأشدّها إثارة، ووقعاً، وتأثيراً، ما تداعى
من اتفاقات "سلام"، وتمثيل تجاريّ، وعلاقات اقتصادية بين عددٍ من الأنظمة
السياسية العربية و"إسرائيل"، ومن سباق محموم إلى تقديم "صكوك الغفران"
التي تنفي عن ذلك العدوّ همجيته ووحشيته وأطماعه، والتي تمنحه "حقاً" في
حياةٍ هانئة مع "جيرانه العرب شركائه في المنطقة"، وتبارك بزوغ ما يُسمّى
"شرق أوسط جديد"، سـ "تهنأ" فيه "شعوب المنطقة" بالعدل، والسلام، والرخاء.
لقد حاولت السنوات الأولى من التسعينيات محوَ ما لم تقوَ عقودٌ طويلة على
محوه من الذاكرة العربية، وكان لزاماً على الثقافة العربية، والمثقفين
العرب، مواجهة ما يتهدّد هذه الذاكرة من تدمير، واستلابٍ، وانتهاكٍ للهوية
والانتماء معاً.
وفي سجلّ التجربة القصصية ثمّة شواهد كثيرة دالة على وعي معظم صنّاع تلك
التجربة بما كان يضطرم حولهم من مثيراتٍ وطنية وقومية(1)، وعلى الرغم من
تعثّر بعض منجّز أولئك على المستوى الفني، وسقوطه في شرك الخطابية
والمباشرة، فإنّ كثيراً من منجَز آخرين كان على قدر عال من الكفاءة، إذْ
تعدّدت أشكال التعبير لديهم، وتنوّعت، وعبّرت عن وعي واضح بجماليات الأدب
وأدواته وتعدّد أساليب مقاربته لقضاياه الوطنية والقومية، وبعيداً عن
الدعاوى، والهتاف، والشعارات الخرساء. وكان من أخصب تلك الأساليب وأكثرها
بروزاً عودة أولئك إلى الصفحات الناصعة من الماضي العربي لاستلهامها، وشحذ
الهمم بها، والحفر فيما تتضمنه من وقائع وعبر دالة، ومحرّضة، ثم إسقاط ذلك
كله على الراهن الذي ينتمون إليه.
وقد أفصح الوعي المشار إليه آنفاً عن نفسه في السنوات التي تلت هزيمة
حزيران خاصة، وهي نقطة تحوّل واضحة في التاريخ العربي الحديث وفي الأدب
العربي الحديث أيضاً، إذ يعثر المتتبّع لحراك الإبداع السوري، إبّان
الهزيمة وبعدها، على الكثير من الكتابات القصصية التي ترتدّ إلى كفاح أبناء
سورية ومواجهتهم وتصديّهم للاحتلال الفرنسي، في محاولة من كتّاب تلك
المرحلة لاستنفار الهمم، ومحو آثار الهزيمة التي أحدثت شروخاً عميقة في
الشخصية العربية، ولم يكن ذلك كله بمنأى عن تناول القضايا الاجتماعية
والسياسية التي أنتجت الهزيمة وقادت إليها.
وغير بعيدٍ عن الذاكرة سيل الإبداع الشعري والقصصي والروائي الذي مجد
انتفاضة أطفال الحجارة في فلسطين المحتلة، ثمّ الذي مجد المقاومة الوطنية
اللبنانية في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي، ومن بعدُ البطولة التي أبداها
الجندي المصري سليمان خاطر في مواجهة مجموعة من السائحين الإسرائيليين في
سيناء(2).
ومن المثير للانتباه والأسئلة معاً أنّ قصاصي التسعينيات، في أغلبهم
الأعمّ، لم يُعنوا كثيراً بالقضايا الوطنية والقومية على النحو الذي ميّز
بواكير التجربة القصصية السورية التي كان الهمّ الوطني "هو الذي يؤرّقها
أكثر من غيره من الهموم"(3)، كما لم يلتفتوا كثيراً إلى ما شهده عقد
التسعينيات خاصة من تحوّلات، وإلى حدّ خلا عدد غير قليل من المجموعات معه
من أيّ نصّ يهجس بما هو وطني أو قوميّ، أو يعبّر عنها، وإنْ على نحو إشاري
(4).
وقد يكون مسوّغ ذلك استنفاد الخطاب الاجتماعي ـ السياسي معظم أغراض القصّ
في نتاج ذلك العقد، وقد يكون تعبيراً عن رغبة الكتّاب في تأمّل ما يضطرم في
الراهن من أحداث، واستبصارها، وتملكها معرفياً، ثم صياغتها جمالياً.
غير أنه مهما يكن من أمر ذلك، فإنّه لا يعني نقصاً في المرجعيات الواقعية
لذلك القصّ، كما لا يعني استجابة زائدة على الحاجة لما هو اجتماعي ـ سياسي،
وتهميشاً لما هو وطني ـ قومي، فما هو اجتماعي ـ سياسي هو في النتيجة ذلك
الوطني ـ القومي وقد أسفر عن آثاره في الواقع بمستوياته كافة: الاجتماعية،
والاقتصادية، والسياسية.
عُنيَ بعض منجَز التسعينيات بغير مفصل في التاريخ العربي المعاصر، فبعضه
استحضر إلى الذاكرة التجربة الوطنية السورية في مواجهة الاحتلال الفرنسي
للبلاد، وارتدّ بعضه الآخر إلى حرب تشرين، وثالث إلى استبسال المقاومة
الوطنية اللبنانية أمام الاجتياح الإسرائيلي للبنان.
ولعلّ مجموعة عبد الرحمن سيدو: "غناء البنفسج" أكثر ذلك المنجّز حفاوة
بالموضوع الوطني ـ القومي، ومن أبرز الأمثلة في هذا المجال نصوص:
"الفارسة"، و"تداعيات الرقم 17"، و"موجز من حياة المواطن عمر"، و"السائل
الحامض"، و"قراءة في قصيدة بلا عنوان"(5). وقد عززت تلك الحفاوة حضورها في
مجموعة القاص: "الذئب" التي تابع في عدد من نصوصها ما كان دأب عليه في
النصوص المشار إليها آنفاً، أي المماهاة بين ما هو إنساني وما هو وطني.
ويمكن أن نمثّل لذلك بقصة: "أغنية آخر الليل" التي مجد فيها مقاومي "قلعة
الشقيف" اللبنانية، الذين أبلوا في الدفاع عنها وهم يواجهون أعتى أسلحة
الإبادة، والفتك، والتدمير بوحشية منقطعة النظير، فقدّموا بذلك أمثولة
عظيمة في معنى التشبّث بالأرض والدفاع عنها بينما كان الصمت يرين على معظم
العرب: "الجنوب محرقة، والأعداء والأخوة المتفرجون يفتتوننا بين أسنانهم
كالخبز اليابس".
ومن بين النصوص الخمسة عشر التي تضمنّتها مجموعة وليد إخلاصي: "ما حدث
لعنترة" انفردت القصة التي حملت المجموعة عنوانها برسم بعض من القيم
الوطنية في مرحلة الاحتلال الفرنسي للبلاد، وذلك من خلال رصدها لمواجهة غير
متكافئة بين فتيين: الراوي، "الكلّ" كما كان يلقب في الحارة لصغر حجمه وخفة
وزنه، و"عنتر" الملقب بـ "الوحش"، ذي البشرة السمراء المائلة إلى الداكنة،
والذي كان وزنه يزيد على سبعين كيلو غراماً.
كان سبب المواجهة تلك الإهانة التي استشعرها الـ "كلّ" عندما ناداه "عنتر"
وهو يراه مرتدياً قميصاً ملوّناً: "أنت يا ولد، صاحب القميص الفرنساوي"، في
الوقت الذي كانت فيه المظاهرات ضدّ الاحتلال الفرنسي تشتعل في المدينة
كلها. وحينما أخذ "الكلّ" بنصيحة أخيه: "العقل أقوى نقطة في الإنسان"،
فتخلى عن تدريباته الجسدية للردّ على "عنتر"، وبعد أن تعرّف إلى شيء من
حياة الأخير الذي كان "يعيش مع أمه في غرفة من غرف خان قديم تحوّل جزءٌ منه
إلى إسطبل للحيوانات، واحتلت البقية منه أسرٌ معدمة، احتمت بجدران الخان
المتشققة. لم يعرف أحدٌ مَن كان والد عنتر، فتوقد ذهني عن فكرة أنّ أمّه
التي كانت تخدم في بيوت الضباط الفرنسيين قد حملت من جندي إفريقي من الذين
رافقوا أولئك الضبّاط، واشتهروا باغتصابهم للنساء في لحظات السكر الشديد.
وهكذا بتّ على يقين من أنّ الفتى الشرير عنتر ما هو إلا ابن حرام". وما كاد
الـ "كلّ" يقرّر ردّ الشتيمة إليه، واصفاً إيّاه بالعدوّ، حتى باغتته رؤية
عنتر وهو يتقدّم جموع المتظاهرين ضدّ الفرنسيين. ثمّ سقوطه مضرّجاً بدمه،
فاختلط الأمر عليه، ولم يعد يميز بين الحزن والندم.
ومن أبرز نصوص مجموعة ضياء قصبجي: "إيحاءات" في هذا المجال النص السادس
والعشرون الذي تمت الإشارة إليه في موقع سابق، فالأرض الجرداء القاحلة تبدو
للشخصية الساردة جنّة لأنّها جزءٌ من الوطن الصغير، وحينما تتداعى إلى
ذاكرتها وقائع من رحلاتْ كثيرة بين عددٍ من عواصم الوطن الكبير والعالم
ومدنهما يستعر في روحها شوقٌ جارف لتضيف إلى قائمة تلك الرحلات واحدة جديدة
عنوانها: "حلب ـ القدس".
وعرّى نيروز مالك في قصّة "البحيرة"، من مجموعته: "المغامرة السابعة"، ما
مارسه ويمارسه الاحتلال الإسرائيلي في الجولان من تزوير للتاريخ، ونهبٍ
للأرض العربية السورية، وسلب أبناء المنطقة جهودهم ورزقهم تحت دعاوى زائفة.
فالعسكريان الإسرائيليان: الرائد "مردخاي"، والعريف "ليفي"، يسطوان على ما
كان العجوز الجولاني "هايل الصفدي"، ابن قرية "مسعدة"، اصطاده من بحيرة
القرية التي تشهد حقائق التاريخ بانتمائها إلى الوطن الأم سورية، زاعمين
أنّ الصيد ممنوع في تلك البحيرة بسبب قربها من معسكر إسرائيلي، ولا يرعويان
عن تهديده بالقتل إنْ هو التفت وراءه بعد أن طلبا إليه مغادرة المكان، وبعد
أن سلباه ما منحته البحيرة لـه من أسماك.
وعلى الرغم من محاولة قصة "تلّ"، من مجموعة القاص ّ: "ما رواه الجليل"،
تمجيد استبسال المقاتل السوري في الدفاع عن موقعه وتشبّثه به، فإنّ حفاوتها
بالتعبير عن الخصائص النفسية لبعض القادة العسكريين انحرف بها عن الموضوع
الوطني، إذ بدا الجنرال فيها نموذجاً لقيمة إنسانية أكثر منه نموذجاً
مقاتلاً، نموذجاً لجنون العظمة الذي ينتهي بصاحبه إلى أكثر الخسارات
إيلاماً وقسوة.
وارتدّت قصّة مأمون الجابري: "البطل"، من مجموعته "سحابة صيف"، إلى مرحلة
الاحتلال الفرنسي للبلاد، وإلى ما كان يبديه الشعب السوري من بسالةٍ
ومقاومة لدحر المحتلين وإرغامهم على الجلاء عن أرض الوطن. وقد استمدّت
القصة مادتها الحكائية من حدث حقيقي في تاريخ مدينة حلب، بطله "محمّد صفايا"،
الملقب بأبي صطيف، الذي كان يوصف بالمجنون، والذي شارك في مقارعة الاحتلال،
ثمّ سقط شهيداً برصاص غادر في خان الشربتجي(6).
ولئن كان من أبرز ما ميّز تلك القصة استعادتها لحدث حقيقي، وتعزيزها
لواقعيتها بذكر أسماء شخصياتٍ حقيقية أيضاً شاركت في تلك المقاومة، أمثال
الشهيدين: أحمد قدسي، وعبد العزيز حاووط، وتعيينها فضاءاتٍ مكانية من
المدينة بأسمائها الحقيقية أيضاً، كخان استانبول، وخان الشربجي، وتل
العقبة.. فإنّ من أبرز ما ميّزها في الوقت نفسه اختيار القاص لفردٍ من عامة
الشعب للتعبير عن مقاومة أبناء سورية آنذاك للاحتلال الفرنسي، أي تمجيدها
الناس العاديين، وتثمينها لتضحياتهم في سبيل الوطن. وهي، بذلك المعنى، كتبت
تاريخ من أهمله التاريخ الرسمي في تدوين يوميات المقاومة ضدّ الاحتلال.
وإذا كان معظم نصوص مجموعة بسام كوسا: "نصّ لصّ" قد عني برصد ما يدنّس
الواقع من ممارسات لصوصية تضع المجتمع بين طرفين متضادين: الفقراء اللائبين
عن قوتِهم اليوميّ بكدّهم ونبالة نفوسهم، ونقيضهم المحموم بحثاً عمّا يثمّر
أرصدته، ويطاولها، ويطامن معاني انتمائهم إلى الإنسان، فإنّ نصّ "يمّا..
مويل الهوى" عنيَ بالحديث عن لصوص من نوع آخر، جاؤوا من أقاصي الأرض إلى
فلسطين لينهبوا كلّ شيء، وليزوّروا كلّ شيء، ثمّ ليلقوا أبناءها إلى
الشتات.
لقد تفتّحت عينا الصغير، راوي القصّة والشاهد، على الألم الفلسطيني الذي
يجد أكمل تمثيل لـه فيما تعانيه أسرته: أبٌ سكير وأمّ منهوبة الحقوق،
كفلسطين ذاتها، اللذان ما إنْ كانا يلتقيان حتى كان المنزل البائس يستحيل
إلى بركان من السخط، والخوف من الراهن وما يضمره المستقبل من مجهول، تنقلب
سَكَرة الأب إلى معركة حامية، ينهض "متمايلاً، مترنّحاً، ويهوي بصفعةٍ على
وجه الأم. يطير أحد الأقراط من أذنها، فتصرخ وتهجم عليه بصفعةٍ مشابهة.
وينتبه الأب لوجود الولد، فيصرخ أكثر: يا بن الكلب، لا زلت واقفاً هنا!!
ويصفعه كفاً يزحط على رأسه، فيتألم الصغير وينط مثل قط مرعوب، ويختفي في
زاويةٍ خارج الغرفة"، ولم تكن تلك المعركة سوى تعبير عن معركة الفلسطيني مع
القهر الذي أنشبه أولئك اللصوص في مكان غائر من القلب، وسوى تعبير عن معركة
مع ما يترصّده من هجرات جديدة، كان أحدها بفعل إرغام المقاومة الفلسطينية
على مغادرة بيروت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، بعد الهجرتين الأولى
والثانية، النكبة والهزيمة الحزيرانية، اللتين جعلتا أصحاب الأرض الشرعيين
نهباً للشتات: "أمّه حين سألها يوماً: أين خالي؟ فتجيبه: في عمّان يمّا.
والآخر؟ في بغداد يمّا. وعمّي أبو يوسف؟ في الدوحة يمّا. وابنه سليم؟ في
الدار البيضا يمّا. وخالتي وأولادها؟ في بنغازي يمّا..".
هوامش وإحالات:
1 ـ للتوسّع، انظر: الخطيب، د. حسام. "القصة القصيرة في
سورية". ص (97) وما بعد.
2 ـ من تلك الكتابات، على سبيل المثال، قصة قمر كيلاني:
"إنّه من سليمان" المنشورة في مجلة "الموقف الأدبي" نيسان 1986، وقصّة نضال
الصالح بعنوان: المجنون"، المنشورة في مجموعة: "الأفعال الناقصة" الصادرة
عن اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1990.
3 ـ الخطيب، د. حسام. "القصة القصيرة وتبعات الموضوع
القومي". مجلة "الموقف الأدبي". العدد (123 ـ 124 ـ 125) تموز ـ آب ـ أيلول
1981. ص (10).
4 ـ من أمثلة ذلك: "انتصار" لحسين علي البكار، و"نجم القطب"
لمحمود زعرور، و"حلم الأجفان المطبقة" لأحمد زياد محبك، و"ريح الشمال"
لبلسم محمد. ولعله من المهم الإشارة هنا إلى أنّ للقاصّ أحمد زياد محبّك
مجموعة بعنوان: حجارة أرضنا" تخلص نصوصها كافة لانتفاضة الحجارة في فلسطين،
وقد صدرت هذه المجموعة سنة 1989 عن مطبعة عكرمة بدمشق.
5 ـ للتوسع، انظر الدراسة المفصلة في الفصل الرابع.
6 ـ للقاص وليد إخلاصي قصة تتناول الشخصية نفسها، وهي
بعنوان: "أبو صطيف يحرق خان الشربجي" في مجموعته: "التقرير". مكتبة
الشهباء، حلب 1986. والمفارقة بين "الشربجي" و"الشربتجي" كذا في النصّين.
   
الفصل الثالث جماليات
القص
أشكال القص
يتوزّع الأداء الفني لقصّ التسعينيات، بل لكتّابه على نحو أدقّ، بين خمسة
أشكال مركزية: شكل يرتهن إلى مواضعات القصّ التقليدي وأعرافه الجمالية، كما
في نتاج: بديع حقي، ومحسن يوسف، وملك حاج عبيد، ونزار عابدين، وحسن صقر...
وثان متحرّر من قبضة تلك المواضعات ولكن على استحياء ظاهر، كما في نتاج:
رياض عصمت، وإبراهيم العلوش، وأنيسة عبّود، وجمال عبّود، وجمانة طه، وحاتم
علي، وحنان درويش... وثالث يُبدي طموحاً واضحاً للانعتاق من أسر تلك
المواضعات والأعراف، لكنه يظل رهيناً لـها ولصيقاً بالكثير من سم |