الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 11/06/2009

دراسات أدبية لعدد من الكتاب

فن القصة القصيرة

 

 

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

تعاريف للقصّة القصيرة القصة الساخرة في سورية  السوريون رمزيون والقمع ليس سبباً كافيا معجم القاصّين العرب

 فنّ القصة القصيرة وإشكالية البناء

العقاد وفن القصة

سورية حاضنة القصة القصيرة

 السرد القصصي في سورية

مستقبل القصة في عيون كتابها

جَوْهَر القصّة القصيرة السورية

القصّة في الثمانينات في سُوريّة

القصة فن من فنون الكتابة

 

 

معجم القاصّين العرب

بقلم الكاتب: محمّد محيي الدّين مينو

 

ترجع صلة الدكتور سمر روحي الفيصل بالتأليف المعجميّ إلى منتصف التسعينات، فقد أصدرت دار جرّوس برس في طرابلس - لبنان معجمه الأوّل (معجم الروائيّين العرب) عام 1995، والثاني (معجم القاصّات والروائيّات العربيّات) عام 1996. وفي الإطار نفسه أعدّ مع الأستاذين أديب عزّت وحسن حميد (دليل أعضاء اتّحاد الكتّاب العرب) الذي نشره الاتحاد على موقعه في شبكة الإنترنت، وأصدره آخر مرّة في طبعته الثالثة عام 1995. ولا شكّ في أنّ هذا الجهد المعجميّ هو حصيلة ثلاثة عقود من العمل في دراسة الرواية والقصّة القصيرة في عالمنا العربيّ، فقد تساوقت تراجمه جزازاتٍ وبطاقاتٍ بدءاً من كتابه الرائد (ملامح في الرواية السوريّة 1979) وانتهاءً بكتابه الأخير (أساليب السرد عند محمّد المرّ 2005)، وما بينهما أكثر من عشرين كتاباً في النقد الأدبيّ، وفّر العمل فيها هذا السفرَ من تراجم القاصّين العرب التي بلغت ألفين وثماني وثلاثين ترجمة، هي حصيلة جهد مرير وعمر طويل.

 

وإذا ما سألنا المكتبة العربيّة عن مثل هذه الجهود في تراجم أعلام القصّة العربيّة القصيرة، فإنّنا لا نكاد نجد إلاّ نثاراً منها، لا يسمن ولا يغني من جوع، لأنّ هذه الجهود تحتاج إلى هيئات ومؤسّسات، كما تحتاج إلى وقت ومال كبيرين، وهو ما لا يتوفّر لليد الواحدة التي تأبى إلاّ أن تعمل وحدها في أصعب الظروف والأحوال.. وهنا لا يفوتنا أن نذكّر بجهود بعض الباحثين، ومنهم: الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسيّ التي قدّمت للقارئ الغربيّ مختارات من القصّة العربيّة القصيرة، وعرّفته بأصحابها وروّادها، والقاصّ أحمد إسكندر سليمان الذي يعمل منذ عام 1996 على إصدار أنطولوجيا للقصّة الجديدة في سورية.   

 

والدكتور الفيصل اعتمد في إعداد تراجم معجمه منهجاً سهل المأخذ محكم الصنعة، كان قد اتّبعه أوّل مرّة في إعداد معجميه السابقين، ثمّ راح يجوّده ما وسعه الجهد، ويجعله أكثر دقّةً وإحكاماً.. وهذا المنهج يشتمل على خمسة مسارات، هي: تاريخ ولادة القاصّ ومكانها، وفعاليّاته الأدبيّة، ونبذة عن حياته العلميّة، وثبت بمختلف مؤلّفاته يشتمل على عنواناتها وأجناسها وتواريخ نشرها، والكتب التي ألفت عن القاصّ نفسه.

 

وهذا المنهج وصفيّ بحت، لا يعنى البتّة بأحكام القيمة، ولا يحفل بمكانة القاصّ مهما علت ولا بشهرته مهما ذاعت، فالقاصّون العرب سواسية في منظاره، وصفحات المعجم مفتوحة على مصراعيها أمامهم، لا حدّ لها إلاّ ما توفّر للمؤلّف الفيصل من معلومات. ففي ( باب النون ) نقرأ إلى جانب ترجمة نجيب محفوظ تراجم لنجباء آخرين، منهم الأعلام كالدكتور نجيب الكيلانيّ، ومنهم الأغفال كنجيب سوسان من فلسطين، وهو صاحب مجموعة قصصيّة واحدة، ونجيب كيّالي من سورية، وهو صاحب أربع مجموعات.. فسواء أكان العلم صاحب تجربة قصصيّة كبيرة أم صغيرة لا يغفل المعجم ذكره، ولا يهمل الإشارة أيضاً إلى جهوده في الحقول الأخرى، لأنّ مبرّر ترجمته أوّلاً وأخيراً هو ( تجربته القصصيّة ). ففي ترجمة فاتح المدرّس مثلاً لا نقع إلاّ على مجموعته الوحيدة ( عود النعنع ) الصادرة عام 1981، ولكنّ المؤلّف الفيصل يوفّر لنا ترجمةً وافيةً لهذا الفنّان التشكيليّ الشهير، ربّما لا توفّرها معجمات الفنّ التشكيليّ نفسها. وفي ترجمة فاضل العزّاوي مثلاً آخر راح يعدّد رواياته ودواوينه، فإذا بترجمته أليق بمعجم الروائيين أو معجم الشعراء، ولكنّنا نلمح بينها مجموعته القصصيّة الوحيدة ( الهبوط إلى الأبديّة بحبل 1989 ) التي كانت مسوّغ ترجمته ومبرّر إلحاقه بركب القاصّين.     

 

وهؤلاء القاصّون رتّبهم المعجم ترتيباً ألفبائيّاً، يراعي أوائل الحروف من الاسم سواء أكان مفرداً أم مركّباً، وذلك بعد إهمال ( ال ) التعريف ، ثمّ ألحق بالكتاب مسرداً للقاصّين مرقّماً، ليعرف القارئ – كما قال الدكتور الفيصل – مكان ورود الاسم في المعجم، وهي طريقة يسيرة حقّاً، ولكنّ المطبعة أخلّت بترقيم الأسماء في متن المعجم، كما أخلت أيضاً بأرقام الصفحات في المسرد نفسه، فلم يبق أمام القارئ إلاّ أنّ يطلب الاسم من المعجم مراعياً أوائل الحروف. فعلى سبيل التوضيح: لو طلبنا ترجمة القاصّ العراقيّ محمّد خضير صاحب الرقم 1483 في ( مسرد القاصين ) لما وجدناه في الصفحة 530 إلاّ بعد مراعاة أحرف الاسم الأوّل والثاني منه، لأنّ المحمّدين من القاصّين كثيرون، ولأنّ متن المعجم قد أخلّ بأرقام القاصّين التي خصّهم بها المسرد نفسه. وأمّا القاصّون الذين اشتهروا بألقابهم أو كناهم أو ببعض أسمائهم، وهم قلّة، فقد أوردهم المعجم مرّتين: مرّةً بحسب ما اشتهروا به، ومرّةً بحسب أسمائهم الحقيقيّة، ولكنّه لم يترجم لهم إلاّ في المرّة الثانية، فعلى سبيل المثال: لو طلبنا ( بنت الجزيرة العربيّة ) لوجدنا في ( باب الباء ) إحالةً إلى اسمها الحقيقيّ، وهو سميرة خاشقجي في ( باب السين )، ولو طلبنا القاصّ خطيب بدلة لوجدنا في ( باب الخاء ) إحالة إلى اسمه الكامل، وهو محمّد خطيب بدلة في ( باب الميم ).. ومع هذا الحرص الشديد من الدكتور الفيصل نرى أنّ ثمّة ألقاباً، ظلّت بلا أسماء حقيقيّة، ومنها: أمّ سلام، وبنت الشماليّة.. ونجد أنّ هناك أسماءً مصحّفةً أو محرّفةً، وممّا وقعت عليه منها: أحمد محمود المصطفى صاحب ( الخناجر 1983 ) الذي أورده المعجم باسم أحمد مصطفى محمود، وأمنية طلعت صاحبة مذكّرات دونا كيشوتة 2003 التي أوردها باسم أمينة طلعت، وأنطون صبحي معماريّ صاحب ( بعد الخطيئة 1960 ) الذي أورده باسم أنطوان. 

 

والمعجم – كما قالت مقدّمته – ضمّ تراجم القاصين العرب ابتداءً بصاحب أوّل مجموعة قصصيّة عربيّة مطبوعة وانتهاءً بأصحاب آخر المجموعات القصصيّة العربيّة التي طُبعت قبل إعداد المعجم للنشر، ومؤلّفه الدكتور الفيصل في المقدّمة نفسها لا يدّعي الإحاطة بأسماء القاصّين العرب ولا بمؤلّفاتهم، بل يترك الباب مفتوحاً لتصحيح ما اعتور معجمه من الأخطاء ولاستدراك ما يمكن استدراكه من أسماء القاصّين ومؤلّفاتهم، لأنّ مثل هذه الأعمال التي تنهض على أكتاف الأفراد لا يمكن البتّة أن ينتهي القول فيها، أو أن ترقى إلى درجة الكمال، بل لا يمكن أن تكتمل إلاّ بمزيد من المراجعات والاستدراكات.. ومن هذا الصدر المفتوح لمؤلّفه أبدي بعض الملاحظات حوله:

 

1 – ابتدأ المعجم – كما قرأنا آنفاً – بصاحب أوّل مجموعة قصصيّة عربيّة مطبوعة، ولو سألناه ترجمة القاصّ المصريّ محمّد لطفي جمعة، وهو صاحب أوّل مجموعة قصصيّة فنّيّة ( في بيوت الناس 1904 ) في تاريخ القصّة العربيّة القصيرة وفق بعض الآراء، لرأينا أنّ المعجم قد أخلّ بترجمته وذكره.. كما أخلّ بترجمة بعض روّاد القصّة القصيرة، ومنهم: سامي الكيّالي صاحب ( أنواء وأضواء 1947 )، ويوسف العش صاحب ( قصّة عبقريّ 1946 )، وعزمي علي البغداديّ، وعبد الحقّ فاضل، ومحمّد أمين حسّونة، ومحمود كامل وغيرهم. 

 

2 – انتهى المعجم – كما قرأنا أيضاً - بأصحاب آخر المجموعات القصصيّة العربيّة التي طُبعت قبل إعداد المعجم للنشر، ولكنّه أخلّ بأسماء كثيرة على مدى تاريخ القصّة العربيّة القصيرة. وقد استطعت أن أحصي في سورية وحدها عشرات الأسماء، أغلبها ممّن نشر مجموعةً أو أكثر قبل أواخر الثمانينات. ولو تتبّعنا الأسماء حتّى أواخر عام 2005، وهو تاريخ صدور المعجم عن دائرة الثقافة والإعلام في إمارة الشارقة، لوقعنا على عشرات الأسماء أخرى. وهي على التوالي الأبجديّ: ابتسام ترّيسي، وإبراهيم فاضل، وأحمد الأحمد، وأحمد سنبل، وأحمد العيد نجم، وأحمد كيلانيّ، وأدوارد حشوة، وأديبة تقي الدين، وإسماعيل عدرة، وحسن الجاجة، وخلدون الشرابيّ، وخولة خلّوف، ورياض الصبّاغ، وسامي عصاصة، وسنيّة صالح، وعادل حديديّ، وعادل سلّوم، وعبد الإله الخاني، وعبد الرؤوف نصر، وعبد الرحمن البيك، وعبد الرحمن الحافظ، وعبد الرحمن حلاّق، وعبد الغني العطريّ، وعبد اللطيف الجاسم، وعدنان كزّارة، وعزّت عمر، وعقل غانم، وعلي جديد، وغادة الهيب، وفاروق الشهابيّ، وفايز خانكان، وفايز سعيد، وفايز الصايغ، وفوّاز حدّاد، وكريكور زهراب، ومحمّد توفيق يونس، ومحمّد حسن الحمصيّ، ومحمّد زهير الباشا، ومحمّد قاسم الروّاس، ومصطفى الخشّ، وممدوح مولود، ومنير داديخي، ووجيه بيضون، ووهبي النقشبنديّ، ويوسف الخليل، ويوسف مدور وغيرهم.

 

3 – مرّ المعجم مروراً عابراً ببعض القاصّين، فاقتصر على اسمه وعنوان مجموعة واحدة من مجاميعه القصصيّة، ومن هذه الأسماء المهمّة في حركة القصّة السوريّة القصيرة أقدّم نماذج من الترجمات المتوفّرة لديّ لبعض الأسماء على سبيل المثال لا الحصر:

 

* أسامة إسبر، وهو من مواليد اللاذقيّة 1963، شاعر وقاصّ ومترجم، حمل إجازةً في الأدب الإنكليزيّ من جامعة اللاذقيّة 1985، وشارك في المشغل الدوليّ للكتابة في جامعة أيوا الأمريكيّة 1993، وأعدّ مع الكاتب الأمريكيّ آلان هيبرد ملفّاً عن الأدب في سورية لمجلّة سيمارون الأمريكيّة 1993، وهو عضو في هيئة تحرير مجلّة ( ألف ) المحتجبة. وله: شاشات التاريخ - شعر 1994، وميثاق الموج - شعر 1995، والسيرة الديناريّة - قصص 1997، ومقهى المنتحرين - قصص 2000. ومن ترجماته: العبور إلى العبّاسيّة - قصص لآلان هيبرد 1994، وعشّاق البحيرة - مختارات من القصص العالميّة 1994، وذاكرة النار - قصص لأدواردو كاليانو 1995، وأساطير الخلق - قصص لفرجينا هاملتون 1996.

 

* حسن صقر، وهو من مواليد اللاذقيّة 1932، قاصّ وروائيّ ومترجم، حمل إجازةً في الجغرافيا من جامعة دمشق 1956وإجازةً في الأدب الألمانيّ من جامعة برلين 1962، وعمل موجّهاً اختصاصيّاً في وزارة التربية حتّى تاريخ تفرّغه للكتابة عام 1995. وله: الضوء الخافت - قصص 1971، والموت في المدينة - قصص 1985،واحتفال تحت الثلج - قصص 1987، والوجه الآخر للسقوط - رواية 1990، وعودة الرجل الغريب - قصص 1991، وجبل الشوح - قصص 1993، والبحث عن الظلام - رواية 1993، والصورة - قصص 1994، وإبفيجينيا في تادرس - مسرحية مترجمة 1994.

 

* د . محمّد إبراهيم الحاج صالح، وهو من مواليد الرقّة 1953، قاصّ، حمل إجازةً في الطبّ البشريّ من جامعة حلب 1977، وتفرّغ لعمله. وله: قمر على بابل - قصص 1993، ودفقة أخيرة - قصص 1995.

 

* محمود عبد الواحد، وهو من مواليد دمشق 1952، قاصّ وكاتب سيناريو ومترجم، حمل إجازةً في السينما من معهد موسكو السينمائيّ 1983، وعمل رئيساً لدائرة النصوص في المؤسّسة العامّة للسينما في سورية، وشارك في إعداد كثير من المسلسلات والأفلام. وله: الضيف - قصص 1978، وقصص مختارة من إيفان بوفين 1987، والولد اللاهي - قصص 1992، وأتفرّج على الكوكب - قصص شعريّة 1999.

 

* ميّة الرحبيّ، وهي من مواليد روما 1954، قاصّة ومترجمة، حملت إجازةً في الطبّ البشريّ من جامعة دمشق 1977، ثمّ اختصّت بالطبّ الباطنيّ في ألمانيا، وأتقنت الإنكليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة. ولها: امرأة متحرّرة للعرض - قصص 1995، وشوق - قصص 2000. 

 

4 – فاتت المؤلّف مجاميع قصصيّة لبعض القاصّين العرب، لأنّ الإحاطة بها على مدى تاريخ القصّة العربيّة القصيرة وعلى امتداد الوطن العربيّ يكاد يكون ضرباً من المستحيل. وهنا أستدرك المجاميع القصصيّة التالية لبعض القاصّين:

* إبراهيم سند: الطيور الزرقاء - قصّة للأطفال 1999، أجمل إحساس - قصّة للأطفال 2002.

* إبراهيم كبّة: قصّة فنّان 1997، وأضغاث أحلام 2000.

* أحمد إسكندر سليمان: الانقلاب الصيفيّ 1994، ونصوص لم تكتمل 1996، وموسوعة القصّة الجديدة في سورية: الجزء الأوّل 1996، والثاني 1997.

* أحمد زياد محبّك: لأنك معي 2000، وطعم العصافير 2001.

* أحمد عمر: قلب الدرّاق 1999، وشارلز بن ديكنز 2003. 

* أنيس إبراهيم: النورس الأبيض - قصص للأطفال 1996.

* بديع صقّور: خريف المطر 2000، وأبعد من زهرة النهار 2001، وطقوس الغريب 2002.

* سامي حمزة: اضطرام الهويس 1998.

* زكريّا تامر: القنفذ - قصّة 2005.

* صلاح دهني: ربّما غداً 2000.

* عزّت السيّد أحمد: الموت بلا تعليق 1994، وغاوي بطالة 1996.

* علي أحمد الحميريّ: عيون السمك الباردة 2002.

* محمّد أبو خضّور: قبعة القشّ 1993، وأوتار غير مدوزنة 1998، والدقّ على مقام البحر 2000.

* محمّد خطيب بدلة: التداوي بالأدب 2005.

* محمّد محيي الدين مينو: مملكة الكراسي الخشبيّة - قصص للأطفال 2001.

* نجيبة محمّد الرفاعيّ: لن ننسى 2004.

 

5 – خلا المعجم من ترجمة للمؤلّف نفسه، فإذا كان مسوّغه لأيّ ترجمة هو ( التجربة القصصيّة ) مهما كان حجمها، فإنّ من الأَولى أن يترجم المؤلّف لنفسه، لأنّه صاحب تجربة قصصيّة في الكتابة للأطفال، فقد أصدرت له دار جرّوس برس في طرابلس عام 1997 ( سلسلة حكايات من الماضي والحاضر ) في ثمانية كتب، وأصدرت له دار الإرشاد في حمص ومجلّة ( أسامة ) عبر كتابها الشهريّ عدّة سير قصصيّة لشخصيّات من تاريخنا العربيّ. وليس في مثل هذه الترجمة ضير، فقد ترجم خير الدين الزركليّ لنفسه ترجمةً وافيةً في مقدّمة معجمه ( الأعلام )، وهو خير مَن يُحتذى به في حقل التراجم.

 

6 – خلا المعجم أيضاً من ثبت لمصادره ومراجعه، وهي حتماً غزيرة وعزيزة، بل هي متنوّعة بين المطبوع والمخطوط والشخصيّ، بذل الدكتور الفيصل جهداً عظيماً في الحصول عليها، ليوفّر لمعجمه مادّةً جديدةً وأصيلةً.. وفي معرض تبريره ما اعتور معجمه من نقص أشار إلى أنّ المعلومات عن القاصّين العرب نزرة، تتوزّع بين المكتبات والصحافة والاتصال المباشر، بل تبدو متناقضةً حيناً ومفقودةً أحياناً وناقصةً في أحايين أخرى، ويضيف إلى هذه المعوّقات تردّد بعض القاصّين في الإجابة عن أسئلته وتحرّج بعضهم الآخر من التصريح بتواريخ ولادتهم ومستوى تحصيلهم العلميّ.. وهو ما دفعه إلى نشر المعجم، لأنّ عمليّة نشره تعين على استدراك نواقصه وتصحيح أخطائه.. ولكنّ هذه المعوّقات جميعها لم تكن لتمنع من إعداد ثبت لمصادر المعجم ومراجعه، بل لا تمنع من الإشارة في أسفل كلّ ترجمة من تراجمه إلى مصادرها ومراجعها، وذلك على طريقة ( الأعلام ) و( دائرة المعارف الإسلاميّة )، فإنّ فيها فائدةً جلّى لكلّ مستزيد من القرّاء والباحثين معاً.

 

لا شكّ في أنّ مثل هذه الجهود في التأليف المعجميّ لا يمكن أن تكتمل إلاّ بمزيد من الملاحظات والاستدراكات .. ولعلّ الدكتور الفيصل لا يتوقّف في معجمه عند تاريخ نشره، بل يعمل على رفده بكلّ صاحب تجربة قصصيّة جديدة وكل إصدار حديث لمن ترجم له من القاصّين العرب، لأنّ العمل في مثل هذه النوع من معجمات التراجم يبقى مفتوحاً على كلّ مَن ينجم من القاصّين وكلّ ما يطبع من المجاميع القصصيّة. ومكتبتنا العربيّة اليوم تفتقر حقّاً إلى معجم، يجمع شمل القاصّين في كلّ قطر عربيّ، بل يجمع القاصّين العرب جميعهم في معجم واحد. 

أضيفت في 01/03/2009/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

 

 

السوريون رمزيون والقمع ليس سبباً كافياً

الكتاب الجدد يتمردون لكن اللاوعي غالباً ما يخون صاحبه

 

 

بقلم الكاتب: ناظم مهنا

 

كتب الروائي السوري الراحل هاني الراهب، عام 1977 مقالاً بعنوان «دعوة إلى المباشرة» جاء فيه: «كانوا يقولون لنا في الجامعة إن المباشرة عيب قاتل في الإنتاج الأدبي، وإن الأديب يتميز بإيحائيته، يرتفع بالتلميح لا بالتصريح، وإن التعبير بصورة غير مباشرة أبلغ أسلوب للكتابة الأدبية. وقيل لنا أيضاً إن القارئ الذكي هو الذي يستطيع التقاط ما بين السطور، والوصول إلى المعنى المرهف المتدثر بالكلمات دون حس بالابتذال. وإن كل ما هو غير ذلك يعتبر سقوطاً في المباشرة». تلخص هذه الأسطر ثقافة كانت سائدة ولا تزال موجودة في النظر إلى الأدب، وقد بلغت ذروتها في عقد السبعينات من القرن الماضي. ويرى بعض النقاد أنها تكونت كردة فعل على دعوات الالتزام في الأدب من قبل الاشتراكيين. ولكن يبدو أن هذا الرأي غير كاف لتفسير هذه السمة التي طبعت الأدب السوري، فكانت الرمزية غالبة عليه، حتى عند الكتاب من ذوي الميول الاشتراكية واليسارية!

 

معظم النقاد والمتابعين للقصة السورية، لاحظوا جنوح كتابها المميزين نحو الرمزية. ومن بين هؤلاء النقاد حسام الخطيب، عبد الله أبو هيف، رياض عصمت، وغيرهم. فالقصة السورية عبر تكوينها الذي يبدأ من مطلع ثلاثينات القرن الماضي، كانت عرضة للتأثيرات الأجنبية. والمطلع على قصص زكريا تامر، وجورج سالم، وحيدر حيدر، ووليد إخلاصي، وهاني الراهب، وغادة السمان، وجيل كامل من قصاصي عقد السبعينات من القرن الماضي، قد يستوقفه حجم التعبيرية والرمزية الذي هيمن على النتاج القصصي لهؤلاء، وإن كان معظمهم يدَّعي الواقعية!

 

الناقد والقاص أحمد جاسم الحسين، يرى أن هذه الظاهرة تحتاج إلى تفسير أشمل وأعمق من كونها مجرد ردة فعل ضد واقع سياسي واجتماعي، لأنها قديمة قدم الأدب نفسه، ولا يمكن إرجاعها دائماً إلى الهروبية أو الخوف. ويرى أن استخدام ابن المقفع في «كليلة ودمنة» للحكاية الرمزية على ألسنة الحيوانات لم يكن بدافع الخوف، بل التشويق، وكذلك فعل إخوان الصفا في كتاب «تداعي الحيوان على الإنسان» رغم أن المفسرين يردون ذلك إلى الخوف والتقية! إذ لم يكن بالإمكان استغباء السلطات التي كانت تحيط نفسها بكبار الكتاب إلى هذا الحد. ولكن عبد الله أبوهيف، يرى أن تطور التجديد في الفن القصصي السوري، فتح المجال واسعاً للتنوع وتداخل التيارات منذ الستينات، فقد نمت في ظل ولع بالتجريب، واقعيات ذات ميل رومانسي أو طبيعي أو تعبيري أو انطباعي أو سوريالي أو نقدي. هذا التداخل فتح المجال واسعاً لتطوير ملحوظ للسرد في رحاب الأسطورة أو الوثيقة أو التاريخ أو الخطاب المباشر.

 

من اللافت أن الجميع تقريباً من نقاد وقصاصين يعترفون بوجود الرمز في القصة السورية، ولكن تتفاوت المواقف منه. فالبعض يراه ضرورة، ورافداً أدبياً للقصة الناجحة، والبعض يرى فيه بعداً تزيينيا. ويرى الناقد إبراهيم محمود ان اللجوء إلى الرمز، تزييف للواقع وحياكة لقناع، وهو لا يعتقد بأنه خاص بالقصة السورية، لأنه موجود عند اللبنانيين. ففي قصص يوسف حبشي الأشقر يوجد رمز، كما في مسرحيات الرحابنة، ولو دققنا أكثر لوجدناه عند غيرهم. فالأمر في اعتقاده يتعلق بالذهنية التي تميل إلى الترميز وتنفر من الواقع والدقة وتسمية الأشياء بأسمائها. بينما يرى الناقد والات أحمد أن أدبية القصة تفترض بناء رمزياً بدونه تبقى القصة هشة وناقصة.

 

القصة السورية، فن وافد، نما في ظل تأثيرات، فرنسية ثم روسية وإنجليزية ثم ما لبثت أن دخلت القصة الأميركية والألمانية، وفيما بعد أدب أميركا اللاتينية وغيرها. تأثرت القصة السورية بالاتجاهات والتيارات الغربية، مثل الواقعية الطبيعية، والرومانسية، والواقعية الاشتراكية والوجودية، وتيار اللاوعي. ومنذ الخمسينات وحتى نهاية السبعينات كانت الواقعية الاشتراكية والوجودية، التيارين الغالبين على الساحة السورية وربما العربية، وإلى جانب هذين التيارين، برزت أسماء أدبية غربية تركت أثراً مثل الألماني من أصل هنغاري فرانز كافكا، والأميركي وليم فوكنر، وكلاهما كاتبان رمزيان بارعان، يفصل بين الرمز والواقع عندهما خيط رفيع. ولعل القاص الراحل جورج سالم من أكثر الكتاب السوريين تمثلاً لرمزية كافكا، وقد تناولته دراسات عديدة بعضها أخذ عليه افتعال الرمزية والإغراق فيها دون أصالة. ولكن لم يكن جورج سالم الوحيد في سلوك طريق الرمزية التي من الصعب التمييز بينها وبين التعبيرية عند زكريا تامر وغادة السمان، وقصاصي عقد السبعينات الذين تمسكوا بما يسمى شعرية القصة، حتى تداخلت مع قصيدة النثر في بعض الأحيان.

 

والرمزية التي نلحظها في القصة السورية ليست هي تماماً المذهب الرمزي في الأدب، وإن كانت تتقاطع معه في بعض النقاط؛ مثل الإيحاء والهروب. يقول رائد الرمزية الشاعر الفرنسي مالارميه: «التسمية تدمير والإيحاء خلق». الرمزية في القصة السورية تستخدم لغة تشير إلى معنى غير المعنى الظاهر، أي يتم وضع قناع أو تعمية على القصد، لأهداف إما جمالية أو سياسية أو اجتماعية أو نفسية. وقد تكون هذه الأسباب كلها مجتمعة. فالأب مثلاً يرمز للسلطة، والجد إلى الماضي أو التراث، والنهر إلى الزمن، والمكتبة إلى المعرفة، والمعلم إلى العلم، والخلاف بين الابن والأب يشير إلى صراع الأجيال.

 

يقول الناقد والأديب رياض عصمت: «في الرمزية أحياناً يتم تصوير شخصيات واقعية بظروف غير واقعية، لها منطق العبث واللامعقول، وما تمر به هذه الشخصيات هو في نهاية المطاف «معادل موضوعي» لغرائبية أجواء الإنسان العربي وخيبته وانسحاقه في عالم حرم فيه من الحب والحرية ومن الخبز والكرامة، إنها شخصيات تناضل ضد القهر في خوف ناجم عن إحساس بالموت«. إذاً الأدب الرمزي هو أدب التزام ومواجهة وليس أدب هروب، وإذ ينطبق كلام رياض عصمت على معظم قصص زكريا تامر، فإن عبد الرزاق عيد يذهب تقريباً في المنحى نفسه، فيرى أن الرمزية عند زكريا تامر هي بالإضافة إلى بعدها الفني ذات بعد احتجاجي. ولكن الراحل غالب هلسا كان يرى أن أدب زكريا تامر أدب آيديولوجي، حيث يكون العمل الأدبي إيضاحاً لفكرة وليس تعبيراً عن تجربة إنسان محدد.

 

وعن تفسيره لظاهرة انتشار التعبيرية، التي توازي الرمزية أو تتضمنها، في السرد السوري، يرى الناقد رياض عصمت أنه مع تراجع الواقعية السوفيتية وجدت التعبيرية متنفساً لها، عبر الحلم أوالكابوس القصصي، وشكلت الأحلام والرؤى صياغة رمزية لزماننا ومكاننا تحمل دلالات عميقة عن الواقع، كما أن تأثر القصة السورية بالشعر الحديث وبالأسطورة ساعد على ذلك. ويرى عصمت أنه يوجد تشابه بين القصة السورية وشقيقتها المصرية، وأن جيل الستينات في مصر كان له أثر عميق على القصة، دون أن يعني هذا الاتباع أو التقليد. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا استغرقت القصة السورية في الرمزية، بينما اتجهت المصرية منذ الستينات نحو اليومي واللغة الإخبارية، رغم التشابه في الواقعين الثقافي والاجتماعي؟! القاص علي صقر يرى أن الرمزية أتت إلى الأدباء السوريين من الأدب الفرنسي والألماني، من جهة ومن نجيب محفوظ الذي كتب عدة روايات رمزية، وكان أشهرها «أولاد حارتنا». ويرى أن الرمزية موجودة في مصر كما هي في سورية ولبنان وربما أكثر، فإذا كان عندنا زكريا تامر وجورج سالم وحيدر حيدر، فالرمزية في مصر موجودة في مسرح توفيق الحكيم، وقصص إدوار الخراط، وبهاء طاهر، ومجيد طوبيا، وعبد الحكيم قاسم. ولكن يبدو أن ما يفصل بين الواقعي والرمزي هو خيط واهٍ وغير مرئي، وأن ما نعتقد أنه واقعي عند بعض المصريين ليس إلا تماشياً مع الاتجاه السائد اليوم نحو ترميز الحياة اليومية، والإعلاء من قيمة التفاصيل، كما أن المشهد القصصي في مصر أوسع مما هو عليه في سورية ولبنان.

 

من جهة أخرى، رأى الناقد خالد حسين أن اللجوء إلى الترميز نابع من خشية القمع والاضطهاد، كما أن له دواعي فنية وجمالية، وقد تختلط هذه الأسباب لتشكل عملاً أدبياً. ويرى رضوان قضماني أن شعرية السرد عند الأدباء السوريين هي منبع هذه الرمزية. ولكن اليوم وفي زمن هيمنة الواقع، فإن القصة تميل نحو الحسية أكثر مما تميل نحو التجريدية، والرمزية تتراجع دون أن تنتهي، حتى أن بعض الذين كانوا ينتقدون المباشرة ويتباهون في كتاباتهم بالرمزية، يؤكدون اليوم أنهم واقعيون! زكريا تامر يرى أنه كان أكثر كتاب الواقعية نجاحاً، ويروي أنه حصل على هذا الوصف من السوفييت أنفسهم أثناء زيارته لهم في السبعينات. والقاص وليد إخلاصي في شهادة له يقول: «إذا كانت القصة القصيرة التي لجأت إلى كتابتها في العقود الماضية، استمدت بنيتها من الواقع والحلم على حد سواء، فإنها لم تخرج عن الواقعية بأي حال. غير أن نزعة التجريب التي استبدت بي كانت تستفيد من مرونة جوهرة الواقعية المتعددة الأسطح».

 

وعند الكتاب الجدد اهتمام واضح بالحادثة والخبر، وبعضهم يخوض حرباً منذ سنوات على التعبيرية وشعرية القصة، وشعرية الشعر أحياناً، ولكن ورغم هذا التنبه تطل الرمزية علينا من مكامن الوهن لتؤكد أنها لن تخرج من الأدب بسهولة، وأنها لم تفقد مبررات وجودها. واليوم إذ تنتصر دعوة الراحل هاني الراهب إلى تسمية الأشياء بأسمائها التي أطلقها عام 1977 إلا أنه، وكما يقول الراهب في نفس المقال: «في بلادنا ما يزال مبدأ ازدراء المباشر سائداً، وما يزال الإيحاء بالمشكلة أعلى كقيمة أدبية من عرضها كما هي. وقد أضيف إلى ذلك واقع سياسي جعل المباشرة أصعب بكثير مما هي».

أضيفت في 09/03/2009/ خاص القصة السورية

 

 

القصة الساخرة في سورية

بقلم الكاتب: أنيس إبراهيم

 

القصة الساخرة. هذا الجنس الأدبي لم يتفق على تحديد هويته، ما السخرية؟ ما التهكم؟ ولماذا؟ أمور يختلف فيها اختلافاً لا ينتهي إلى وفاق، وليس غريباً فالأدب مشكل ملتبس والقصة منه ويكون الإشكال أكثر لبساً عندما تلتوي القصة عن المألوف لتكون قصة ساخرة.‏

 

هل نرجع -في محاولة للتدقيق والتقويم- إلى عمد الأدب الساخر في العالم فنقيس عليهم؟ إلى كافكا وتشيخوف وعزيز نيسن وحسيب كيالي وغيرهم؟ أم أن المقارنة في الأدب ظلم لأحد الطرفين أو كليهما معاً؟ أسئلة لابدّ أن تراود الذهن وأنت تستقرئ من النص ما هو ساخر وما ليس ساخراً.‏

 

قد تكون السخرية في شكل الشخصية أو في خُلُقها وطباعها كما لدى تشيخوف في وفاة موظف الذي افتقد أدنى ثقة بالنفس فكانت المفارقة وقد تكون المفارقة بين ما هو قائم وبين رؤية الكاتب للحياة والوجود كما في مسخ كافكا، وقد تكون في الواقع المتردي المتخلف بعاداته وتقاليده ووعي الناس فيه تقصيراً عما وصل إليه الآخرون كما لدى حسيب كيالي وعزيز نيسن. وتكون بأشكال وأشكال لا مجال أبداً لحصرها.‏

 

وقد تأتي لدى كاتب في الحدث مفارقة بين ما يتوقعه القارئ وما تفاجئ به الأحداث، وتأتي في اللغة فتكون العبارة هي الساخرة كما لدى الكاتب أحمد يوسف داود في جلّ ما كتب.‏

 

ولكن كيفما أتت لابدّ من غاية وراء كل ذلك.‏

 

الحب لعب، والشعر لعب والأدب والفن أيضاً لعب كما كان قد قيل. إلا أنه لعب يحقق متعتين، متعةً للكاتب ومتعة للقارئ، ويسهم في تكوين قناعات مشتركة بين القراء، وفي تقريب المواقف من قضايا الحياة، لأنه أخيراً يسهم في تكوين الوعي. ولعلها هذه هي الغاية من الفن عموماً.‏

 

الكاتب -أبداً- في موقف صدام، قدّر له -أبداً- أن ينطح الجدار ليس شرطاً أن يتهاوى أيّ جدار وإنما عليه أن ينطح وينطح فلا الجدر تتهاوى ولا الرأس يتحطم، وهي لعبة اختارها بملء إرادته على ما فيها من ألم ولهفة وصبوة ومرارة وحرقة وما فيها أيضاً من ابتسام وأمل ومتعة وكل هذا لابدّ أن تنتقل عدواه إلى القارئ فتتم المشاركة. وأن يختار الكاتب من القصة الساخرة منها فإن اللعبة تشتد وتتعقّد. وتصبح عدواها أوسع انتشاراً، وربما تصبح القصة أكثر امتاعاً وأعمق تأثيراً.‏

 

الجدر أمام وعي الكاتب وعينيه هي الواقع القائم متراكم بعضها وراء بعض. الواقع القائم بكل ما فيه من ظلم واستلاب وقهر وعادات وحظر وحجر وتحريم وما إلى ذلك، فالغاية هي الإنسان حرية الإنسان إنسانية الإنسان وما يعوقها عن التحقق والكمال. والخلاص.‏

 

ولعبة الكاتب لعبة صدام مع هذا الواقع يكشف ويفضح ويعرّي، يهدم ويكسر، ليتيح إمكانية إعادة البناء بشكل أفضل. لعبَ بنلوب يغزل وشاحه ثم يعود فيفرده ليغزله ويفرده وهكذا إلى غير نهاية، وكأنما هي لعبة قدر إلا أنه قدر ظريف.‏

 

بعد هذا يمكننا الدخول إلى رحاب النصوص لنرى كيف سخر كتابنا من واقعنا الذي هو مفارق وربما هو الذي يسخر منا أكثر من قدرتنا على فضحه والسخرية منه.‏

 

اسماعيل الذبيح... ذبيحاً. ..لأحمد عمر‏

 

القصة ساخرة حقاً. ساخرة بعباراتها وفي انتقاء حدثها ورسم الشخصية الرئيسة فيها بوعيها وأسلوب تفكيرها ثم إنها ساخرة من ظاهرة "التدين الشكلي" الذي لا يجاوز الإيمان فيه التظاهر بالورع والتقى وإقامة الفرائض، وهي ساخرة من ثبات وسكون ممارسة الشعائر ومن تخلف الوعي الديني الذي لا يجاوز القشور.‏

 

1- في رسم الشخصية وسبر وعيها تتكشف المفارقة عن رئيس دورية جمارك يحرص على صلاة الجمعة في الجامع الذي يغص بالمصلين بالرغم من أنه لدغ من قدمه ست مرات بنهب حذائه الإيطالي الفاخر كلّ مرة، الحذاء المهرب المصادر "منتعله يحس وكأنه طائر". حتى أنه كان يعود -بعد كل صلاة- "إلى البيت مجرّساً بقبقاب مراحيض الجامع". مما اضطره آخر مرة لخفارة حذائه ساهياً عن خطبة الجمعة وربما عن طقوس الصلاة.‏

 

المفارقة أولاً بين رئيس دورية جمارك ومؤمن صلٍّ ورع ثم بين مؤمن يتصدر الصفوف الأولى "ويختار إحدى الدعامات ليريحَ ظهره عليها ويخلد إلى غفوة قصيرة تحت تأثير إيقاع الخطبة الرتيب".‏

 

ثم في "كما تدين تدان" فهو يسهل للمهربين أمورهم لذلك يدان بسرقة حذائه. هذه شخصية نموذج للنفاق "الديني والاجتماعي" رجل يسهل أمور المهربين طوال الأسبوع ويأتي ليتطهر من ذنوبه ظهيرة اليوم السابع محافظاً من الإيمان كله على مظاهره فقط.‏

 

ومن الشخصيات المفارقة أيضاً صبحي مهرب الدخان الكبير صاحب رئيس الدورية مهرب كبير أي شأن له في صلاة الجمعة؟ تم ذلك الرجل البسيط الذي يبكي حتى الشقرقة على إسماعيل الذي كان يسيل دم عنقه وجبريل يتأخر بافتدائه.‏

 

ثم تأتي شخصية الرجل الباكي لتسخر من رئيس الدورية.‏

 

"خليك أنت بصرمايتك، واستمر في البكاء".‏

 

وتأتي شخصية اللص الذي لا أجر له من الصلاة إلا سرقة حذاء فاخر، ونعم الأجر.‏

 

2- أمّا في الحدث، فالحدث ساخر، فأن يحرص جمركيّ ومهرب ومغفّل، وخطيب عفا على فكره الزمن على الصلاة والإيمان والتدين وأن يعود الجمركي إلى البيت كلّ جمعة بقبقاب مراحيض الجامع فأمر مضحك مبكٍ، أمر مفارق.‏

 

3- وفي اللغة يجيد الكاتب انتقاء عباراته التي تنضح بالتهكّم والسخرية، واللغة تسبق العناصر الساخرة الأخرى في قوّة دلالتها على السخرية، فاللغة المرافقة الحديث عن الشخصيات ما تكاد تغيب عنها السخرية "لدغ من قدمه ست مرات".‏

 

وتأتي دلالة العنوان لتكمل دور اللغة: إسماعيل الذبيح ذبيحاً.‏

 

فإسماعيل كما ورد افتدي ونجا من الذبح . إلا أن مواربة الخطيب واستطراده من الماضي إلى الماضي ثم إلى الحاضر التي أخرت وصول جبريل بكبشه. فكان أن سال الدم في الجامع وذبح إسماعيل فصار ذبيحاً. فالله قد افتدى إسماعيل بكبش إلا أن خطيب الجامع أمر فذبحه.‏

 

وبعد فالقصة مؤثرة بما اشتملت عليه من عناصر السخرية.‏

 

وقد رتّب لها كاتبها بساطة في الحدث ولذعاً في اللغة وجرأة في المضمون ولا أدري بعد إن كانت تثير ضحكنا أو إشفاقنا أو نفورنا. والكاتب أحمد عمر الذي قرأت له قليلاً صاحب رأس صلب ومليء وقدره أن يبقى ينطح جدره.‏

 

-بيجاما زرقاء سماوية- لنجم الدين سمان‏

 

عندما تقرأ قصة من إدلب تطالعك إدلب بكل صغيرها وكبيرها بأزقة الأحياء، وقطط الأزقة، وحفر الوحول وريفية الريف، بالدور وأحواش الدور وساحات الدور، بالعادات والأعراف بالتديّن وعدم التديّن والتحرر أو التحلل ومستوى الوعي والعلاقات الاجتماعية. فأنت تعيش في إدلب عيشاً صحيحاً عندما تقرأ قصة من إدلب.‏

 

عودنا على ذلك الأديب المرحوم حسيب كيالي الذي شق -فيما أرى- طريقاً لمن اقتفوا أثره. وأكاد أرى أن القصة في إدلب تكوّن مدرسة في القص لها فرادتها واختلافها. وأستطيع أن أقول مما قرأت لخطيب بدلة وتاج الدين الموسى ونجم الدين السمان وحسيب كيالي وغيرهم إن القصة في إدلب هي قصة المكان، إن جميع من قرأنا وسمعنا لهم عوّموا المكان أو نصفه على الأقل ونصفاه البيئة المكانية، والناس بعلاقاتهم وتدخلاتهم فوليد معماري حشر المكان في بيت المضيف في قصة الضيف دونما امتداد لبيت شرقي أو مديني، وربما تكون نقطة في صالح القصة القصيرة، وحسن.م. يوسف شغف بالناس وحفل بمشاكلهم أكثر بكثير مما عرفنا على تضاريس "بطشيت" ولا أدري إن كان ملزماً بذلك. وعبد الحميد يونس جعل مكانه كلّ مكان في طول مساحة هذا الوطن وعرضه، وأحمد عمر اكتفى من المكان بالجامع وقد لا يضره ذلك. إنما الذي أود أن أقوله هو أن قصة إدلب لا تعرف كيف تغفل‏

 

تفاصيل المكان حتى الصغيرات منها وكأنما هي امتداد لنجيب محفوظ مع حساب الفارق بين المكان القاهرة وإدلب أو ريف إدلب. ولدينا من إدلب نموذجان تاج الدين الموسى ونجم الدين السمان.‏

 

نقف مع نجم الدين سمان على تفاصيل خمارة (أبو الياس) فسحة الدار الكبيرة هي خمارة أبو الياس الصيفية في أحد أطرافها نصف باب خشبي عتيق يواري المرحاض.‏

 

وبيت سعيد وأسعد في أقصى حي الناعورة على أطراف الزيتون ساحة صغيرة في طرفها مرحاض لا باب له. وأعواد يابسة كانت لشجرة ورد، وشيئاً مسقوفاً ربما كان مطبخاً صغيراً. ثم غرفة صغيرة ممدودة أرضيتها ببسط ريحانية. وفي الزوايا مساند قطنية بهتت ألوان أقمشتها ثم باب مخلّع يؤدي إلى غرفة أصغر.‏

 

أما في المكان الاجتماعي فزبائن أبو الياس: عتا لون على باب الله. قتالو قَتْلى. حرامية. حميماتية. قمرجية. حشاشون. شحاذون أباً عن جد. مهابيل البلد.‏

 

1- إن نظرة في طبيعة هذا المكان تضعنا في أول السخرية حتى إذا ملأ الكاتب فضاء مكانه بالأحداث والشخصيات والمفارقات أضاف عناصر ساخرة أخرى ترجّح انتماء نصه بقوة إلى القصة الساخرة.‏

 

2- ففي الأحداث سكْر الراوي ونقله ككيس زبالة فوق عربة خضرة ومروره أمام القصر البلدي، وضياع عروس حلوة. وجسمها يجنن. شعرها خرنوبي عيونها سود. صدرها رمان "بسبب بيجاما زرقاء سماوية. عندما تمكنت من التمييز بين الأخوين اللذين يتبادلان البيجاما يوماً فيوماً. ومارضيت أن تكون امرأة لرجلين.‏

 

3- وفي المفارقة اعتماد التوأم الشبيه لحصول مفارقات غير متوقعة كأن يخدم أسعد العسكرية مرتين. وأن يعجز الأستاذ عن التمييز بينهما على مر ست سنوات. وأن تضيع بينهما العروس. وأن تأتي العروس خرساء تتفاهم بالإشارة. ثم يأتي عنصر التأتأة لتكتمل الدورة الساخرة.‏

 

إضافة إلى هذا فإن الكاتب -بمقدرة- جعلنا نتعاطف مع التوأم لما في قلبيهما من مودة وفي عينيهما من طفولة وصفاء وفيما ارى لم تكن السخرية من تأتأة التوأمين وعدم تمايزهما وإنما كانت من واقع اجتماعي مقتطع من بيئة إدلب.‏

 

حارة شرقية وحارة غربية لتاج الدين موسى‏

 

لا أدري لماذا ينبق التخلف الحضاري من بين السطور كلما سطرت قصة تمسّ ريف إدلب؟ أكان هذا في زمن مضى وانقضى، أم أن المكان الإدلبيّ ينداح ليفرش على مساحة الوطن حارة شرقية وحارة غربية، فبيروت بيروتان، واليمن يمنان، وثلاثة عراقات، وخمسون رأس الخيمة وما إلى ذلك؟!.‏

 

حارة غربية وبيدر، بيوت طليت بالحوار الأبيض. زواريب وأزقة. كدش وبغال وحمير. كلاب شرسة. وثلاثة حصلوا على الثانوية وجامع وبيت شعر. والحاج عبد الغفور. ودبكات شعبية وثمانون خروفاً وطبيخ.‏

 

يقابل ذلك حارة شرقية يفصل بينهما زاروب ضيق لم يكن مرة آمناً. مقابلة المثل بالمثل.‏

 

1- تبدأ السخرية لدى تاج الدين من وصف المكان بشقّيه البيئي والاجتماعي فتخلف العمران يرافقه تخلف في العادات والعلاقات ومستويات الوعي فالحاج عبد الغفور وهو المؤمن المتنور في الحارة الغربية لا هم له إلا كسر رؤوس أهالي الحارة الشرقية باذلاً كل وساطة. ثم إن الحارتين والزواريب والأزقة والحواري والحيوانات السائبة والكلاب الشرسة كلها تحيل إلى ماض مستمرٍ في الحاضر وفق رؤية الكاتب وإلا لما كان عاود إحياء هذه الصورة، وإن تبدّلَ معالمِ الماضي لا يغير كثيراً في الحاضر.‏

 

2- ومن سخرية المكان إلى سخرية الحدث سمن عربي جبن فريكة بيض بلدي. عسل، ووساطة في العاصمة لكسر رؤوس أهالي الحارة الشرقية أو الغربية.‏

 

تعجب الناس من توحد بيروت وهدم جدار برلين قصائد منذ مئة وعشر سنوات. ثم ومن صميم المناسبة:‏

 

"لفوق الركبتين تشمرينا" ثم نيكارغوا وتشيلي وجنوب افريقيا بين قوم ما جاوزوا حدود حارتهم وعياً.‏

 

ثم مراقبة ما يحدث بتوجس وخوف من وراء أبواب مواربة أو انبطاحاً فوق أسطحة المنازل، ثم الهم الذي يركب الحاج في إمكانية استضافة وزير دفاع.‏

 

3- ومن سخرية الحدث إلى الشخصية المسخرة. الحاج عبد الغفور بهمّه ووعيه، بساطة أهالي الحارة وبلادتهم وانقيادهم، ثقافة عبد الرحيم الذي ربما حصل على الثانوية، نمطية معالي الوزير، الذي يلقي خطاباً صالحاً لكل مكان وزمان، والعجيب الغريب من أين انبثق الراوي ليكشف ويعري كلّ ما حصل؟!.‏

 

4- وترافق العبارة الساخرة إيقاعات الحدث الساخر "بيروت مسحت خطها الأحمر" "عبد الناصر وتيتو حملاهما على الأكتاف" "الكبير والصغير والمقمط في السرير" "إلى فوق الركاب تشمرين""لم يتركه يكمل قصيدة التشمير" "نزلنا نحن في مناسف الطبيخ" بهذا يكون الكاتب قد رشّ عناصر السخرية لتصيب الجميع حتى معالي كل وزير. وإن كان يجعلنا نضحك ضحكات صفراء أو بيضاء فمن أنفسنا ومن ماضٍ حاضرٍ كهذا إلى أي مستقبل يقود؟!.‏

 

والملاحظ أن تاج الدين أقل احتفالاً من زملائه فيما أرى في استخدام المثل الشعبي واللفظة العامية اللذين غالباً ما يرافقان الأدب الساخر.‏

 

تابوت الفحل... لحسن. م. يوسف‏

 

اعتمد الكاتب حسن. م. يوسف أسلوب الحكاية الشعبية في بناء قصته الساخرة فقد تضمّنت معظم عناصر تلك الحكاية:‏

 

1- شخصية تكاد تكون مفارقة أقرب في شكلها إلى البطولة.‏

 

2- اعتماد أحداث مفاجئة غير متوقعة لتحريك الحدث.:‏

 

- موت الداية خيزران والنعش البدائي.‏

 

- الركوب مع التابوت على ظهر البوسطة.‏

 

- انهمار المطر ودخول التابوت.‏

 

- مفرق طريق دمشق وعليه عسكريان.‏

 

- ركوب العسكريّين على السلم.‏

 

- انتهاء المطر ومد يد الفحل من التابوت.‏

 

- وقوع الحادثة فوق جسر النهر الجاف ووجود المسدس.‏

 

3- كثرة الأمثال الشعبية والألفاظ العامية.‏

 

4- الركون إلى القضاء والقدر في كل ما حصل.‏

 

5- اعتماد أسلوب السرد الحكائي بضمير الغائب تقطّعه هنا وهناك حوارات.‏

 

إلا أن قربها من الحكاية الشعبية لم يفقدها فنيتها بل أضفى عليها عنصر التشويق الأهمّ بين عناصر الحكاية. ولكن كيف جعل منها الكاتب قصة ساخرة مع أنها مأساة؟‏

 

1- السخرية بدت في هيئات الشخصيات وفي مستوى إدراكها ففي هيئاتها هناك رسم لهيئة الفحل رسم واقعي جعله مفارقاً وربما بطلاً شمشوناً أو ما يشبه ذلك: "شاربان معقوفان. نظرة صقرية متعالية. صدر منفوخ رجلان متباعدتان" "أسلوبه الملغوز في مخاطبة النساء. ذلاقة اللسان وعذوبة الحديث" وفي مستوى إدراكها جعل من الفحل شخصية متميزة بوعيها بشهادته الابتدائية وكونه ابن حكومة. بينما يدخل هو أول مسجلة إلى القرية. كما‏

 

جعل من الشهلاوي نداً لا همّ له إلا إثارة الفضيحة والفتنة وجعل فهيما أم لسان زفر، ومن الجنديّين ابني عم من أجل اذكاء حسّ الثأر.‏

 

2- الموضوع يقوم على السخرية بالرغم من النهاية المأساوية فالضيعة لا ينقصها إلا تابوت لتلحق بالضيع المتحضرة، وولع الفحل بالنساء مع أنه عقيم لا ينجب، ورجوعه من هزيمة تكشّش البدن.‏

 

3- العبارات الساخرة التي تتوزع بين صفحات النص والتي تنبض بالتهكم والسخرية مترافقة مع مفاجئات الحدث:‏

 

-"لقب الفحل. أو البالع خازوق.‏

 

يسير نافخاً صدره مباعداً ما بين ساقيه كأنه يحافظ على توازن الكرة الأرضية"‏

 

- العبارات والأمثال الشعبية:‏

 

درب السد الذي ما منه رد.‏

 

سأل الشهلاوي عما إذا كان نط على فهيما الدنورية أيام الحصيدة أم لسان زفر.‏

 

نافش حاله كأنه راجع من تحرير فلسطين كما لو أنه أبو زيد الهلالي.‏

 

المخترة مثل سيران الكلاب.‏

 

تفصيل تابوت للضيعة يضعها في مصاف الضيع الحضارية مثل هذه العبارات والأمثال توائم روح الحكاية. وتضفي على النص مسحة ساخرة، إذ لا تفتأ تنفرج شفتاك بين الحين والحين وأنت تتابع قراءة النص. كما أن العبارة المازحة المناسبة مترافقة مع مفصل الحدث المناسب تلعب دورها في جلاء نبرة التهكم.‏

 

4- السخرية ليست من الشخصية وحدها أو بالحدث وحده وإنما هي سخرية من التخلف الحضاري الثقافي لقرية بطشيت ومن التركيبة الاجتماعية عموماً أعلاها المختار وصهره الفحل وأدناها أم لسان زفر وبعض العجائز‏

 

وبعد: فهل تؤثر النهاية الفاجعة في كون القصة ساخرة؟ لا أعتقد ذلك لأن "شر البلية ما يضحك". وتداخل المأساة بالملهاة لم يعد محظوراً منذ الرومانسية.‏

 

وللحقيقة فإن القصة رسم واقعي لمستوى تطور القرية الساحلية في مرحلة مازالت قريبة. ومن هنا تمتلك صدقيها الفني والواقعي.‏

 

الضيف.. لوليد معماري‏

 

تقوم السخرية في قصة وليد معماري على المفارقة. في اختيار النموذج أولاً، وفي الحدث في ضياعه بين حمص وحماة ثانياً.‏

 

فالنموذج ضيف مثقف لكنه ثقيل، فتح حقوق الضيافة على رحبها مقابل مضيف مهذّب وخجول. وأمام تمتّع الضيف بكل ما خطر على باله من ضيافة: حمام وبيجاما ونوم لمدة ثلاثة أيام على الأقل ثم جلد مضيفه بقراءة محاضرة من كدسة أوراق. أمام ذلك لم يجد المضيف إلا الامتثال لنزوات ضيفه. فبدا مسحوقاً إزاء صراحة هذا الضيف التي تشبه الوقاحة.‏

 

ثم أن يجتاز الضيف حمص نائماً لينزل في حماة ويتشابه حي الروضة مع حي النهضة ومدرسة ابن الوليد ومدرسة أبي الفداء. ووقوع بيت المضيف قبالة المدرسة. كل هذا حشده الكاتب ليرسم حالة تنضح بالسخرية ولكن ممن؟!.‏

 

من الضيف الثقيل الذي ليس لثقله حدود؟!.أم من المضيف المهذّب الخجول؟!.‏

 

أم من عاداتنا وتقاليدنا التي لا تسأل الضيف عن حاجته إلا بعد ثلاثة أيام. أم من أنانية الكاتب المثقف؟ الذي لا يتورع عن جلدك بقراءة محاضرة من كدسة أوراق؟ لعل الكاتب أراد أن يسخر من كل ذلك معاً. وقد تم له ذلك. معتمداً على لغة أقرب إلى الدارجة. وعبارات سريعة وإيجاز في الوصف. واختصار في الحدث. وكأنما وليد يكتب قوس قزح.‏

 

الصراع... لعبد الحميد يونس‏

 

هذه المرة حدث القصة بين الحيوانات، حيوانات تشبهنا كثيراً أو نشبهها كثيراً. دجاجتان. ديك، كلب. ديدان.‏

 

تشبهنا- نشبهها. لأن الكاتب أدار بينها صراعاً كالصراعات التي تدور بيننا. ورسم لها وعياً وهماً وأثرة وأنانية كالتي تملأ رؤوسنا، ومن هنا تأنسنت القصة التي تجري أحداثها بين الحيوانات.‏

 

الأنانية. الظلم. القهر. الضعيف. القوي. نقض العهد. التخلف الحضاري. ضمور ما هو إنساني. هي اللبنات التي بنى منها الكاتب قصته ساخراً بالضعيف وبالقوي وبنا بما نحن عليه ناعياً مجتمعاً تضخمت فيه ذات الفرد فما عاد يرى إلا مصلحته.‏

 

1- تطالعك السخرية في الصراع أول ما تطالعك في الحدث دجاجتان، توقعان اتفاقاً على الاحترام المتبادل. على الود على العيش بوئام، ولاسيما أن "أرض الحديقة غدت ملأى بديدان كثيرة. القسم الجنوبي تطاول عشبه. على مقربة من شجرة التوت أكوام من القمح والشعير" "يا للسعادة لتذهب إلى الجحيم تلك الأيام السوداء حين كانت تتكسر أظافرنا ولا نكاد نعثر على دودة واحدة أو حبة قمح ضائعة بين التراب".‏

 

إذن الخير عميم. ولا داعي للصراع، والعيش المشترك ممكن إلا أن كسرة خبز (مكسب متاح) كسرت أحلام الجيرة والوئام وابتدأ الصراع كأعنف ما يمكن أن يكون.‏

 

أهذا معقول؟! معقول لأنه حدث ويحدث. وسوف يحدث سخرية.!؟ مهزلة؟! هي كذلك وسوف تبقى أمداً كذلك.‏

 

ثم يأتي الأقوى ليحسم صراع الضعفاء لصالحه كلياً دون أن يأبه بالحق أو أصحاب الحق، يأتي الديك ليفرد بمنقاره كسرة الخبز. في زهوة انتصار حقيقي "يشهده الجميع. الجميع دون استثناء" "وما من ظالم إلا ويبلى بأظلم".‏

 

فالديك الذي في أوج الانتصار وقد رفع رأسه عالياً جداً أكثر مما يتوقعه أحد وبكل الاتجاهات راح يوزع نظراته". الديك تسمر. جمد عندما ظهر الكلب ليأكل كسرة الخبز لقمة لقمة ثم يبول ويهز ذيله ويمشي مبتعداً دون أن يلتفت.‏

 

ومن الحدث كله يبقى سؤال. سؤال ساخر مضن ممض مقلق: "ترى إلى متى ستبقى هذه الكلاب تلتهم كل شيء.؟!".‏

 

2- وبعد الحدث تطالعك السخرية في اللغة. في الرسم بالكلمات والعبارات. قدرة على الكاريكاتير تسعفها ملاحظة متأنية وعين فاحصة مدققة تلتقط ما لا يخطر في بال على أنه يخدم القصة ويمكن أن يكون فناً. ثم يوظف في جلاء الفكرة وتقرير الهدف، رسم الأشكال والحركات والمكان والزمان وأساليب التفكير؛ ولكن بالكلمات، حتى تغدو كل فقرة لوحة تشاهدها بأم عينيك وبجلاء كأنها في منظر طبيعي استثنائي، والرسم الكاريكاتيري هذا سخرية واقفة على قدميها تلامسك تلامس وعيك وقلبك ولا يمكن إلا أن تذهل بها. وتباشرك قصة الصراع بهذا منذ سطورها الأولى:‏

 

دجاجتان: "تحت شجرة التوت العجوز أغمضتا أربع عيون ناعسة" لم تغمضا عيوناً بل أربع عيون تحديداً. وهذا رسم "الجناحان متجاوران. يسترخيان بتكاسل ولا مبالاة. كل منهما يخبئ تحته رأساً دائرياً ومنقاراً قصيراً معقوفاً نحو الأسفل".‏

 

لاحظ معي الصفات والظروف تحددان بدقة معالم الموقف.‏

 

صفات: رأساً دائرياً. منقاراً قصيراً معقوفاً.‏

 

الظروف: يخبىء تحته. نحو الأسفل.‏

 

منظر طبيعي لدجاجتين أثناء القيلولة.‏

 

"الصدر منتفخ. الأرجل ثابتة كالأوتاد. المنقار يواجه المنقار. العين مغروزة في العين... وتعانقت الأرجل والأجنحة والرأس والصدر والذيل. وتطاير الريش في كل اتجاه"‏

 

منظر لدجاجتين في حالة عراك.‏

 

"خطوات ثابتة. ثقة عمياء. بكل صلف وجبروت يمشي. يتبختر بإيقاع على صوت قدميه المشدودتين. ريش يلمع وصدر منفوش. ألوان زاهية متناسقة"‏

 

هنا يشترك الشكل واللون والصوت في رسم الصورة، في حالة زهو "تسمّر جَمَد. رأسه زرعه بين رجليه لا يتحرك. بدأ ريشه المنفوش يأخذ شكله الطبيعي. مالت الريشة المنتتصبة في ذيله قليلاً نحو الأسفل" صورة في حالة انكسار.‏

 

"ظهر بلونه الأغبر. ووجهه المتطاول. أذنان منتصبتان. فم واسع. لسان كبير يندلق فوق أنياب مدبّبة. ذيل طويل يشرئب ويتقعر فوق ظهر أملس مكتنز. خطوات بمنتهى الهدوء والاتزان" تعود الصفات لتحدد معالم الرسم.‏

 

"أخيراً يرفع رجله اليسرى يحني القسم الخلفي من جذعه قليلاً نحو الأسفل ويبول ثم يهز ذيله إلى اليمين واليسار واليسار واليمين. ويمشي بكل بساطة مبتعداً دون أن يلتفت" دقة في الرسم بعين مدققة لماذا؟‏

 

الرسم بالكلمات ليس رسماً لمنظر طبيعي: دجاجتان في قيلولة. دجاجتان في صراع. ديك في زهو. ديك في انتصار. كلب وكسرة خبز. كلب يبول. وإنما رسوم لحالات من طبع حيواني في شكلها، إنساني في مغزاها ومعناها.‏

 

إنها رسم للوفاق. رسم مذهل للصراع. رسم للزهو. رسم للقوة رسم للنعمة بعد الشبع. رسم للأنا الفردية بكل بشاعة أناها وغطرستها.‏

 

أين السخرية في كل هذا؟!. السخرية سخرية موقف سخرية من أسلوب الوعي. من أسلوب فهم الحياة. من القصور. من التخلف من عين لا ترى أبعد من الأنف.‏

 

في النص كاملاً لا توجد عبارة واحدة ذات دلالة ساخرة سخرية مباشرة أي أنها تشي بالسخرية. وهنا يختلف عبد الحميد يونس مع زملائه. حسن م يوسف الذي يتكئ على فجائية الحدث وحكايته، ونجم الدين السمان الذي يعتمد على التوأم الشبيه ومدلول التأتأة، ومع وليد معماري في الاعتماد علىالعبارة الساخرة بمدلولها المباشر غالباً، وتاج الدين موسى وأحمد عمر في اعتمادهما سخرية اللغة والحدث والموقف معاً. في أنه يرسم وبجدارة موقفاً ساخراً. وحده الموقف.‏

 

 

تعاريف للقصّة القصيرة

 

بقلم الكاتب: محمّد محيي الدّين مينو

 

تختلف القصّة القصيرة في الحجم عن الرّواية والأقصوصة/ القصّة القصيرة جداً، ولكنّها لا تكاد تختلف عنهما في عناصر البناء الفنّي ووسائله، لأنّ هذه الأنواع الثّلاثة في مجملها سرد حكائيّ. وقد ظلّت القصّة القصيرة عصيّة على التعريف، لأنّ علاقتها حميميّة أيضاً بمختلف أشكال هذا السّرد الحكائيّ الأخرى كالأسطورة والخرافة والحكاية، حتّى اختلف من عايشها على تعريفها تعريفاً جامعاً مانعاً. وهنا سنعرض ما وجدناه من محاولات لتعريف القصّة القصيرة قبيل أن نخلص إلى محاولة جديدة لتعريف هذا الفنّ الحكائيّ:‏

 

- يقول الفرنسيّ رينيه غودينRene Godenne في موضع: إنّ القصّة هي أساساً تعبير عن حكاية))، ويقول في موضع آخر: هي أحدوثة))(1)‏

 

- يقول الدكتور الطّاهر أحمد مكّي: إنّ القصّة حكاية أدبيّة، تدرك لتقصّ، قصيرة نسبياً ذات خطّة بسيطة وحدث محدّد حول جانب من الحياة، لا في واقعها العاديّ والمنطقيّ، وإنّما طبقاً لنظرة مثاليّة ورمزيّة، لا تنمّي أحداثاً وبيئاتٍ وشخوصاً، وإنّما توجز في لحظة واحدة حدثاً ذا معنى كبير))(2) .‏

 

-يؤكّد والبول Walpole أنّ القصّة لا تكون قصّة إلا إذا كانت سجلاً لأمور مملوءة بالأحداث وبحركات متتابعة وبتدرّج غير متوقّع، يقود إلى الذروة خلال عمليّة التّشويق))(3) .‏

 

-يقول روبرت شولز Robert Scholes: القصّة هي حكاية مختلقة))(4) .‏

 

-يقول الأمريكي ولسن ثورنلي Wilson Thornley: هي سلسلة من المشاهد الموصوفة التي تنشأ خلالها حالة مسبّبة، تتطلب شخصيّة حاسمة ذات صفة مسيطرة، تحاول أن تحلّ نوعاً من المشكلة من خلال بعض الأحداث التي ترى أنّها الأفضل لتحقيق الغرض، وتتعرّض الأحداث لبعض العوائق والتَّصعيدات، حتى تصل إلى نتيجة))(5) .‏

 

-يقول إدوارد فورستر Edouard Forster: القصّة سرد للحوادث مرتّبةً تبعاً لتسلسل زمنيّ))(6) .‏

 

ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف في التّعاريف، فإنّ مفهوم القصّة القصيرة في مخيّلة المتلقّي صار واضح الملامح والقسمات، لا لبسَ في جنسه، ولا اضطراب في عناصره الفنّيّة. والقصّة القصيرة الجديدة خرجت على أي محاولة للتّعريف، وحاولت أن تتمرّد على تلك العناصر التي لم تكن في يوم من الأيام أقفاصاً، تسلبها كثيراً من حريّتها ومن سحرها وروائها.. وهي فنّ لَدِن، لا ينظمه شكل أو أشكال محددة، ولا يمكن أن يحدّه تعريف، ولا أن يقسِره قيد، لأنّ الحياة نفسها بلا تعاريف ولا قيود، والقصّة هي الحياة أو صورة من صورها، تعكسها مرآة الفن غير المستوية، قال روبرت شولز Robert Scholes: إنّ كسر الحقيقة بطريقة هادفة وسارّة هو عمل كاتب القصّة.. وإذا كان للقصّة وجود حقيقيّ، فإنّ تجربتنا معها غير حقيقيّة))(7) .‏

 

هي باختصار حكاية قصيرة النَّفَس، تتّجه من فورها إلى حدث من أحداث الحياة، فلا تحتمل الاستطراد في السّرد ولا الإسهاب في الحوار، ولا يتحقّق لها التّأثير Effect الشّامل إلا إذا توافرت فيها وحدة الفعل والزّمان والمكان، وهو ما عبّر عنه الكاتب الأمريكيّ أدغار ألن بو Edgar Allan Poe 1809-1853) بوحدة الانطباع Unity of impression، وعدّها خصيصة أساسية من خصائصها، ولما كان زمانها قصيراً ومكانها محدوداً، تقيّدت حركة شخصيّاتها، وضعفت ردود أفعالهم، وبَهِتت ملامحهم. ولعلّ هذا هو الذي جعل القصّة القصيرة تجيب عن سؤال واحد وحقيقة واحدة لا عن أسئلة وحقائق متعدّدة كالرواية، فالقاصّ ينظر إلى الحياة نظرةً أحادية الجانب على عكس الرّوائيّ، ويلتقط منها حدثاً خصب الدّلالات محدّد الشّخوص، ثمّ يحاول أن يجعل منه موقفاً فنّيّاً، يؤدّي إلى توضيح حقيقة من الحقائق بأسرع الطّرق وأبلغها، ولا سيّما التّكثيف والاقتصاد والبلاغة.. وقد تدور القصّة القصيرة حول فكرة أو مشهد أو حالة نفسيّة أو لمحة محدّدة من ملامح الحياة الجيّاشة. ولا بدّ لهذا الكاتب أن يكون شديد الصلة بالحياة وحقائقها، خبيراً بالواقع وأحداثه، متمكّناً من اللغة وأساليبها. ومن هنا تهيّب بعض الكتّاب هذا الفنّ، وعملوا على تجويده وتنقيحه مرّات، حتّى بلغت لدى وليد إخلاصي مثلاً ثلاثاً ولدى زكريّا تامر عشراً، وربّما بلغت سنواتٍ، وهذا ناثانيال هوثورن Nathaniel Hawthorn -وهو أول كاتب قصّة قصيرة أمريكيّ- يعكف اثني عشر عاماً على كتابة مجموعته القصصيّة الأولى.‏

 

ولما أخذت القصّة القصيرة ملامحها الخاصّة، وصارت عملاً فنّيّاً صِرْفاً، يتطلب جهوداً مضنيةً، فإنّنا نجد أنّ هناك نقّاداً، انصرفوا إلى دراستها ووضع أسسها ومبادئها. وأول من حاول في وقت مبكّر أن يقنّن القصّة القصيرة كفنّ يخلف الرّواية في بنائه وشكله وهدفه هو بو Poe الذي مارس كتابة قصص تستهدف الفنّ القصصيّ في ذاته ومتعة الإثارة الدّراميّة(8) التي يمكن أن يحدثها هذا الفنّ، فيهزّ ركود الحياة، ويؤدّي فيها عنصر المفاجأة والتشويق وإثارة الفزع والشّفقة دوراً أساسياً.. وأدرك أنّها لا تتحمّل اللّغو الكثير والحشو والتّفصيلات المتعدّدة، وعرف كذلك أنّها تعتمد على خلق الجوّ ببضع كلمات لا بصفحات مطوّلة، ثم ما لبث أن وضع لهذا الفنّ قواعد ومقاييس وقيوداً))(9) .‏

 

وللقصّة القصيرة قدرةٌ خاصة على التّشكل في مختلف الأشكال القصصيّة التي تحتفظ من جهةٍ بجذورها المتشعّبة كالمقامة والنّادرة والخرافة والسّيرة.. أو التي تطرأ على بنائها اللَّدِن من جهةٍ أخرى، فتكسر وتيرة السّرد تارةً، أو تتلاعب بمستوياته تارةً أخرى، ومن هذه الأشكال الجديدة: قصص اليوميّات، والتّداعيّات، والمونولوج، وقصص الأحلام، والوثائق، والكوابيس.. وهذه الأشكال كلّها لا تلتزم بالمألوف في البناء التّقليديّ من بداية وعقدة وحلّ، بل أصبح البناء يتكوّن من بنى جزئيّة متراصّة البنية الشّموليّة، فأصبح الحدث لا يتمركز حول نقطة ما في نسيج القصّة، بل تتبعثر دلالته في البنى الجزئيّة للقصّة))(10) ، وبالتّالي تكوّن هذه البنى بناءً كلياً جديداً، يقول ما يقوله أيّ بناء آخر، ويوحي بما يوحي به، فلم تعد القصّة القصيرة سرداً مباشراً أو تكوينَ عقدة ومحاولة الخلاص منها، بل سادت ظاهرة التّفتّت، فصارت القصّة لحظاتٍ مكثّفة ودفقاتٍ قصصيّة متواليةً، تتراصّ في وحدة متماسكة، لتبرز في عالمنا إيحاءاتٍ فنّيّة، تعرّي زيف الواقع))(11) ، فالقصّة القصيرة صارت تربةً صالحةً للتّجديد والتّجريب، تتيح للقاصّ أن يستخدم مختلف معطيات الفنون الأخرى، وكلّما خرجتْ على نظامها الفنيّ كانت أكثر جدّة وألصق بالحياة، لأنّ الحياة نفسها لا تسير على وتيرة واحدة ونظام صارم. ومع كلّ هذه الأشكال لا تتخلى القصّة القصيرة عن مشابهة الواقع ومحاكاته.. ومن هنا ميّزت إيلين بالدشوايلر Eileen Baldeshwiler بين نوعين من القصص القصيرة: نوعٍ يعتمد على المحاكاة Imitation، وآخر يعتمد على الغنائيّة Lyricism، هي تصف قصص المحاكاة بـأنّها المجموعة الأكبر من القصص التي تتميّز بفعل خارجيّ، يتطوّر على نحو منطقي ومن خلال شخصيّات يتمّ صنعها أساساً، لتتقدّم بالحبكة، وتبلغ ذروتها بالنّهاية الحاسمة التي تعطي أحياناً بصيرةً شاملةً، وتستخدم لغة الواقعية النّثريّة، وأما قصص الغنائيّة، فهي تركز على التّغيّرات الدّاخليّة والأمزجة والمشاعر مستخدمةً أنماطاً بنائيّة مختلفة، تعتمد على تشكيل العاطفة نفسها، وتعتمد في معظم الأحوال على النهاية المفتوحة، وتستخدم لغة القصيدة الموجزة والمثيرة للعواطف والمشخّصة))(12) . فهذا النّوع من قصص الغنائيّة يشترك مع قصص تيار الوعي Stream of consciousness -وهي في الأساس تقنيّة روائيّة- في استخدام لغة قريبة من لغة الشّعر وفي ارتياد منطقة متشابهة من التّجربة الإنسانيّة، هي منطقة المشاعر والصّور الغائمة التي لم تدخل بعدُ طور التّشكيل النّهائيّ، ولكنّ قصص تيار الوعي لا تكتفي برصد حركة الدّاخل فحسب، وإنّما تسعى أيضاً إلى رسم الشّخصيّة الإنسانية في مختلف جوانبها: داخلها وخارجها، ماضيها وحاضرها، أحلامها وهواجسها.. وهكذا تتحوّل القصّة إلى عالم ذهنيّ مضطرب ومتشابك، يزخر بالتّداعيات، ويفيض بالمشاعر المبهمة، ومن الذين برعوا في هذا الاتجاه: هاني الرّاهب، ووليد إخلاصي، وإدوار الخرّاط..‏

 

المصادر والمراجع:

1-أركان الرّواية لإدوارد فورستر، ترجمة موسى عاصي، الطّبعة الأولى، دار جرّوس برس في طرابلس لبنان 1415هـ/1994م.‏

2-تداخل الأنواع في القصّة المصريّة القصيرة 1960-1990 للدكتور خيري دومة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب 1998.‏

3-دليل النّاقد الأدبيّ للدكتور نبيل راغب، دار غريب في القاهرة 1998.‏

4-الظّواهر الفنيّة في القصّة القصيرة المعاصرة في مصر 1967-1984 للدكتور مراد عبد الرّحمن مبروك، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1989.‏

5-عناصر القصّة لروبرت شولز، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، الطبعة الأولى، دار طلاس في دمشق 1988.‏

6-القصّة الفرنسيّة القصيرة لرينيه غودين، ترجمة الدكتور محمد نديم خشفة، الطبعة الأولى، دار فصّلت للدّراسات والتّرجمة والنّشر في حلب 1420هـ/2000م.‏

7-القصّة القصيرة للدكتور سيد حامد النّسّاج، سلسلة كتابك) 18، دار المعارف في القاهرة 1977.‏

8-القصّة القصيرة: دراسة ومختارات للدكتور الطاهر أحمد مكي، الطبعة الثانية، دار المعارف في القاهرة 1978.‏

9-كتابة القصة القصيرة لولسن ثورنلي، ترجمة الدكتور مانع حماد الجهني، الطبعة الأولى، النادي الأدبي الثقافي في جدة 1412هـ/ 1992م.‏

1)) القصة الفرنسية القصيرة 113و145، وغودينgodenneيميز بين مصطلحي القصة story) و الحكاية fabula)، فيرى أن القصة محاكاة للواقع، تتعامل مع عناصر واقعية، وأن الحكاية تخييل، لايقصد إلى محاكاة الواقع، يبحث فيه القاص عن الغريب والمدهش والخارق للعادة.‏

انظر: القصة الفرنسية القصيرة 152 ومابعدها.‏

 (2) د. مكّي: القصّة القصيرة 77.‏

 (3) د. النّسّاج: القصّة القصيرة 12.‏

 (4) عناصر القصّة 13، وشولز Scholes يلحظ أن القصّة تُعرف بانسجامها مع الصّفات المريبة كالوهم والكذب))، ويرى أنّ الواقع ليس له وجود حقيقيّ، أي: وجوده زائل لا محالة، على حين أنّ القصّة قد تدوم قروناً))، ويستدلّ على ذلك ببراعة من العلاقة الكامنة بين التّاريخ History، وهو في الأصل حادثة وواقع، وبين القصّة نفسها Story، وهي مشتقّة منه، والواقعة لكي تبقى حيّة لا بدّ أن تصبح قصّة))، والقصّة -إذا رأيناها على هذا النّحو- لا تكون نقيضاً بل تتمّة لها، فهي تضفي على أعمال النّاس الزّائلة شكلاً أشدّ دواماً)) عناصر القصّة 16.‏

 (5) كتابة القصّة القصيرة 30.‏

 (6) أركان الرّواية 26.‏

 (7) عناصر القصّة 17.‏

 (8) مصطلح الدّراما Drama) يعنى في أبسط تعريفاته: حركة الأحداث والصّراع بين قوى متنافرة. انظر: دليل النّاقد الأدبيّ 87.‏

 (9) د. النّسّاج: القصّة القصيرة 7.‏

 (10) الظّواهر الفنّيّة في القصّة القصيرة المعاصرة في مصر 59.‏

 (11) المصدر السّابق 68.‏

 (12) تداخل الأنواع في القصّة المصريّة القصيرة 88 وما بعدها.‏

 

 

السرد القصصي في سورية

بقلم الكاتب: د. سمر روحي الفيصل

 

استقرّت في ستينيات القرن العشرين تقاليد السرد الواقعي في القصة السوريّة القصيرة, وبدا واضحاً آنذاك أن هذه التقاليد الفنيّة لم تخرج عن بناء حكاية واضحة الشخصيات والحوادث, وعن رسم حبكة منطقيّة ذات خواتيم محدَّدة, فضلاً عن التقيُّد, شبه الصّارم أحياناً, بالتشابه وليس التطابق بين الواقع الفنيّ التخييليّ والواقع الخارجيّ الحقيقيّ, ويُعزَى الفضل في ترسيخ هذه التقاليد الفنية إلى مجموعة من أعلام القصة, كعبد السلام العجيلي ومراد السباعي ووداد سكاكيني ونسيب الاختيار وفاضل السباعي وسعيد حورانية وعادل أو شنب وياسين رفاعية وغادة السمّان وناديا خوست وقمر كيلاني ووليد مدفعي وغيرهم, جاؤوا بعد الرّواد الأوائل, وطوّروا أشكال الحكاية السردية ليصنعوا من الواقع فناً ماتعاً, ونجحوا في أن يرسِّخوا القصة السورية الواقعيّة في الأدب العربيّ الحديث.‏

 

وعلى الرّغم من أن الالتزام دفع بعض هؤلاء الأعلام إلى سردٍ قصصيّ ذي خطابيّة ومباشرة واضحتين, فإن الكثرة الكاثرة منهم بقيت مخلصة للسرد الواقعيّ ذي الأساس الحكائيّ. وهذه الكثرة هي التي عملت بإصرار على تذليل السرد لحاجات الواقع السوريّ الجماليّة, وخصوصاً رسم الشخصيات التي تُوهم أفكارها وسلوكاتها بانتمائها إلى الواقع الاجتماعيّ السياسيّ العربيّ, وابتداع حوادث متخيَّلة تُوحي بحوادث حقيقيّة مستمدّة من الواقع المحيط بهؤلاء الأعلام, وكانت الذروة الجماليّة في قصص هذه الفئة المجوِّدة للسرد؛ فئة عبد السلام العجيلي وبديع حقي وفاضل السباعي.., تكمن غالباً في المزج الفني الماتع بين الشخصيات والحوادث في حكاية قادرة على جذب المتلقي والرسوخ في ذاكرته, وفي ذلك الحسّ الانتقاديّ للواقع المحيط بها, المتسم بالحراك الاجتماعيّ والتطلعات السياسيّة الكبرى.‏

 

ومن البديهيّ ألا يكون السرد واحداً في قصص هؤلاء الأعلام؛ لأن اشتراكهم في الحكاية السرديّة لا يعني إتباعهم نمطاً سردياً واحداً. بل إن أنماط السرد اختلفت بين قصص البدايات المتشبُّثة بالحكاية وحدها, والقصص اللاحقة التي بدأت الشخصيات والوصف والأفكار فيها تنازع الحكاية على السيادة دون أن تتخلّى عنها. ذلك أن السرد في قصص العجيلي اختلف بين (بنت الساحرة) المطبوعة عام 1948, و(ساعة الملازم) المطبوعة عام 1951, و(قناديل إشبيلية) المطبوعة عام 1956, و(الحب والنفس) المطبوعة عام 1959. فقد كانت الشخصية تتبع الحكاية, وتبدو ظلالها باهتة فيها, ثم شرع التوازن بين الحوادث والشخصيات يبرز متأبطاً تنويعاً في الحبكات القصصيّة. وكان النمط السردي المسؤول عمّا قدّمه العجيلي مغايراً للنمط السردي الوصفي ذي المسحة الرومانسيّة الذي قدَّمه بديع حقي في (التراب الحزين ـ 1960), والنمط السردي الشائق الذي عبّر عن توازن فني بين الشخصية والحدث والوصف والزمن في الحكاية القصصية عند فاضل السباعي في (الشوق واللقاء ـ 1958) و(حياة جديدة ـ 1959), فضلاً عن مهارة السباعي في انتقاء الألفاظ الدالة والجمل المعبّرة, ودقّته في استعمال علامات الترقيم وبراعته في ابتداع الحبكات القصصية.‏

 

ولم تكتف سبعينيات القرن العشرين بحفز السرد الواقعي إلى ارتقاء ذروة البناء الفنيّ, بل راحت تطرح سرداً قصصياً نقيضاً, ليست فيه إشارة إلى أبيه الواقعيّ, أو اعتراف بالوضوح الذي يربطه بالحكاية, وقد تسنّم بعضٌ من الجيل الجديد من القاصين مسؤوليّةَ هذا السرد, وشرع ينغمس في موجة (الحداثة), ويُعبِّر عنها في أدبه القصصيّ, كما هي حال عبد الله أبو هيف في (موتى الأحياء) ـ 1976), ونبيل جديد في (الركض فوق الأسطحة ـ 1976), وزهير جبُّور في (الورد الآن والسكين ـ 1979). وكان واضحاً آنذاك أن السرد في قصص القاصين الجدد أصبح بديلاً من الحكاية, بل إن القصة أصبحت سرداً ليس غير. وهذا السرد لا يُقدِّم حوادث وشخصيات, ولا يهتّم بالزمن والحبكة؛ لأنه مشغول بمحاولة استبطان الذات الداخليّة في مواجهة الخارج الضاغط. كما أنه سرد غير منطقيّ, تتوالى فيه الجمل على غير نظام تعباً لابتعادها عن الحال المتّسقة التي يفهمها العقل لترتّيبها بما يلائمه. وقد تُرِكَ الإحساس بهذه الجمل وتقديرها واستيعابها لذات المتلقي, فهي وحدها القادرة على تفسير دلالاتها من خلال (الوصف) الذي أعلت من شأنه, ووطدت أركانه, وجعلته وصفاً تعبيرياً بعيداً عن المهمّة التزيينيّة التي حمل أخوه السرد الحكائيّ عبء تقديمها للمتلقي, ويمكنني تسمية هذا السرد بالسرد الذاتيّ نسبة إلى مرجعه في مخيّلة صاحبه وفي دخيلة متلقيه. فصاحبه القاصّ يُقدِّمه تبعاً لإحساسه الذاتيّ بالأشياء, وقدرته اللغويّة على التعبير السرديّ عنها, ومتلقيه يتلقاه بأحاسيسه, وبحسب ثقافته وخبرته في التفاعل مع النصوص الحديثة. وقد اتُّهم هذا السرد الذاتيّ بالغموض, وهو كذلك حقاً؛ لأنه يقصد الغموض ويرى الوضوح مغايراً لبناء القصة الحديثة. كما اتُّهم بفقدان الوظيفة, فكان ذلك دليلاً على أن متّهميه تنقصهم المعرفة بأن السرد الجديد يُقدِّم وظيفة فنية إيحائيّة, لا علاقة لها بالوظيفة الاجتماعية المباشرة التي عدّها السرد الحكائي هدفاً رئيساً له. ولم يكن ذلك كلّه بعيداً عن التأثير في بنية السرد القصصيّ. فقد مال السرد الذاتيّ أوّل الأمر إلى شيء من الرمز, وكثير من التجريد, ولكنه سَرْعان ما اعتدل, وجعل التكثيف هدفاً له, فاتجهت القصة إلى (القِصَر) بدلاً من (الطول), وتخلّى السرد الذاتي عن قَدْرٍ من الحوار, واصطنع أحياناً الهوامش الشَّارحة, كما فعل نبيل جديد, مستفيداً من تقنيات البحث العلميّ, موظّفاً الهوامش في بناء نصّين سرديين في قصة واحدة, يحلُّ أحدهما محلَّ المتن, والثاني محلّ الهوامش.‏

 

شهدت السبعينيات شكلاً ثالثاً من أشكال السرد القصصيّ,اشتهر به زكريا تامر في الستينيات, واستمرَّ علماً عليه في السبعينيات, دون أن ينافسه أحدٌ فيه على الرغم من أن هناك مَنْ حاول تقليده والسير على منواله. وهذا السرد التامريّ تعبيريّ, يبدو شكله واضحاً في لغته وفي اصطناعه الحدث واستدعائه الشخصية, ولكنّ مؤدّاه غريب, يقلب المألوف, ويُبعد السائد, لينقد الظلم والقمع والاستبداد, ويوحي بقيم الحقّ والخير والجمال. ولقد حيّر هذا السرد التعبيريّ النقد الأدبيّ حين استعمله زكريا تامر في كتابة قصص الأطفال, فأصبح السؤال أكثر عسراً؛ لأن الإجابة عنه تحتاج إلى التمييز بين سردٍ خاصٍّ بقصص الكبار وسردٍ خاصٍّ بقصص الأطفال, وهو تمييز عسير, بل إنه مستحيل أحياناً لتطابق المكوِِّنات السرديّة في قصص الكبار والأطفال معاً.‏

 

تلك في اعتقادي, أشكال السّرد الثلاثة التي دخلت ثمانينيات القرن العشرين, وراحت تتوزّع قلّة وكثرةً بين القاصين السوريين الذين زاد عددهم واتسعت فرص نشر نصوصهم, وهي نفسها الأشكال التي استمرّت حتى نهاية القرن العشرين, وإنْ شبَّ عن الطوق في بدايات التسعينيات فتى كان وليداً في السبعينيات وطفلاً في الثمانينيات, هو السرد في القصة القصيرة جداً. فقد اجتمعت في هذا السرد التقنيات التي عرفتها الأشكال السرديّة الثلاثة السابقة: الوضوح والحكائيّة من السرد الواقعي, والغموض والتركيز من السرد الجديد, والغرائبيّة من السرد التامريّ. واستطاع أصحابه السوريون والفلسطينيون المقيمون في سورية منحه ميزة إضافية, هي (التقطير), بمعنى أنهم قدّموا في سردهم خلاصة للتكثيف والتركيز والرمز والتجريد والغموض والوضوح, ولم يُقدِّموا خليطاً يجمع المتناقضات السرديّة, أو يحاول الانتقاء منها؛ لأنهم محقون في إيمانهم بأنهم يكتبون سرداً جديداً يلائم العصر التقني, دون أن يتنصّل من نسبه القصصيّ العريق, أو يدّعي عدم إسهامه في الإصلاح ونقد الفساد وكلّ ما له علاقة بالوظيفة الاجتماعيّة السياسيّة التي تتحقّق بوساطة الفنّ القصصيّ.‏

 

إن الأشكال السردية الأربعة السابقة هي الأشكال السائدة الآن في القصة السورية القصيرة. وهذه الأشكال تميز الاتجاه السرديّ العام عند هذا القاصّ أو ذاك, ولكنها لا تميز قاصاً من آخر داخل الاتجاه الواحد. وبتعبير آخر فإن مجموعتين قصصيتين واقعيتين لابدَّ من أن تختلفا في السرد الواقعيّ الذي تشتركان فيه. بل إن السرد يختلف بين قصة وأخرى في قصص القاص نفسه, فكيف يمكن له أن يبقى واحداً في قصص المنتمين إلى اتجاه سردي واحد مهما يكن هذا الاتجاه واضحاً محدَّداً عندهم جميعاً؟. السرد إذا أردنا الدقّة تقنية واسعة متعدِّدة الجوانب. فهناك السرد الواقعيّ الصِّرف الذي يُسمِّي الأشياء بمسمّياتها الحقيقيّة دون أن يخرج عنها, والسرد الواقعيّ الترميزيّ الذي يوحي بالأشياء ولا يصرِّح بها, والسرد الواقعيّ السَّاخر الذي يمزج مزجاً فنياً بين صفات السردين السابقين: الواقعيّ الصِّرف والواقعيّ الترميزيّ, ويضيف إليهما صفات السرد الواقعيّ الانتقاديّ, فضلاً عن صفات أخرى كالتنويع في الوصف, والتوسُّل أحياناً بالشخصيات التاريخيّة, والتركيز غالباً على الجوانب السوداء في المجتمع, واتخاذ المواقف الفكهة تُكأةً وهدفاً في الوقت نفسه. فهل يمكن القول بعد هذا كله إن هناك سرداً واقعياً واحداً.‏

 

حيث ننقل السؤال السابق نفسه إلى السرد الجديد أو السرد في القصة القصيرة جداً نرى دلالته العامة لا تختلف في الوسيلة الفنية التي تخبر المتلقي بالأشياء التي يرغب القاص في أن يُطلعه عليها, ولكنها تختلف بن قاص وآخر, وبين اتجاه وآخر, في الطبيعة والاستعمال وفي المحمول الثقافي أيضاً. فطبيعة السرد الذاتي في قصص (موتى الأحياء ـ 1976) لعبد الله أبو هيف تتسم بقدرٍ كبير من الغموض والتكثيف, في حين تبدو طبيعة السرد الذاتي نفسه في مجموعة (ذلك النداء الطويل الطويل ـ 1984) أكثر شفافية, وأقرب إلى الوصف التعبيريّ, وأشدّ نقاءً في المفردات والتراكيب. ولعلّ اختلاف الطبيعتين عائد إلى أن الفارق الزمني بين المجموعتين, وهو ثماني سنوات تقريباً, كان له تأثير في التطوّر الفني. ولكن الفارق الزمني ليس معياراً سرمدياً لاختلاف طبيعة السرد, إذ رأيناه يتغير بين مجموعتي نضال الصالح (مكابدات يقظان البوصيري ـ 1989) و(الأفعال الناقصة ـ 1990), على الرغم من أن الفارق الزمني بينهما لا يجاوز سنة ونصف السنة, كذلك الأمر بالنسبة إلى الاستعمال والمحمول الثقافيّ في قصص أخوين, هما سحبان سوّاح ووائل سوّاح. فالسرد الواقعي واحد في استعمال الأخوين, ولكنه يضم قدراً من الغموض الفني في قصص (الموت بفرح ـ 1976) لسحبان سوّاح, وفيضاً من الوضوح والتحديد في قصص (لماذا مات يوسف النجّار ـ 1979) لوائل سوّاح, حتى إن المتلقي لهاتين المجموعتين لا يستطيع التكهُّن بأن القاصين أخوان تعرّضا لمؤثِّرات ثقافيّة واحدة في بدايات حياتهما. كذلك الأمر بالنسبة إلى أخوين آخرين هما فاضل السباعي ونادر السباعي. فمن يقرأ (الابتسام في الأيام الصعبة ـ 1983) لفاضل السباعي, بما فيها من سرد واقعي حكائيّ ماتع, ثم يقرأ قصص (نجوم بلا ضياء ـ 1984) أو المجموعة السابقة عليها (أقنعة من زجاج ـ 1980) لنادر السباعي, لا يستطيع التكهُّن بأية صلة بين هذين الأخوين القاصين اللذين يستعملان سرداً واقعياً حكائياً واحداً.‏

 

أرغب في أن انتهي إلى نتيجة محدَّدة, هي أن السرد القصصي ليس واحداً, بل هو متعدِّد متنوّع متكِّثر, بين القاصين دائماً, وبين قصص أيّ واحد منهم غالباً. وهذا هو السبب الذي يسوّغ القاعدة النقدية القائلة إنه لا سبيل إلى معرفة المستوى الفني للقاص ما لم يُحلَّل السرد القصصي عنده. إذ إن وراء كلِّ سردٍ سارداً يُوجِّهه, ويُحدِّد أنماطه, ويُضفي عليه نكهته ومتعته الجماليّة.‏

أضيفت في 01/06/2008/ خاص القصة السورية / جمعت من مصادر مختلفة

 

 

سورية حاضنة القصة القصيرة منذ 75 سنة

كيف انقلبت فنون التعبير على بعضها؟

 

بقلم الكاتب: ناظم مهنا

 

تشهد القصة القصيرة في سورية، انحساراً ملحوظاً، بدأت ملامحه تظهر في السنوات الأخيرة بشكل جلي، فقد انخفض عدد المجموعات القصصية المنشورة، بعد أن أحجمت الدور عن نشر القصة القصيرة، مثلما حصل للشعر، وتراجع الكتّاب عن كتابتها، متجهين نحو الرواية على الأغلب. علماً بأن القصة القصيرة السورية، عرفت في القرن الماضي عصرها الذهبي، وبلغت ذروتها في عقد الثمانينات والتسعينات، وصار لها وضع خاص يفوق ما هو عليه في الدول العربية الأخرى، وذلك لكثرة كتابها، «الذين عنوا بها، عناية بالغة، حتى خرجت من بين أيديهم أقرب إلى القصة المتعارف عليها في العالم »، على حد قول الأديب ياسين رفاعية.

 

برع بعض الكتاب السوريين بهذا الفن وصاروا من أعلامه، ويكفي أن نذكر بعض الأسماء التي جابت شهرتها الأفاق، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: حسيب كيالي، صباح محيي الدين، سعيد حورانية، زكريا تامر، جورج سالم، عبد الله عبد، محمد حيدر وآخرون..

 

ونذكر أن القاص أحمد اسكندر سليمان في كتابه: «موسوعة القصة السورية الجديدة»، أحصى ما بين عامي 1931 و1996 حوالي 880 مجموعة قصصية لـ298 قاصاً، بالإضافة إلى عشر مجموعات مشتركة بين كاتبين أو أكثر.

 

وهذه الأرقام تدل على أهمية هذا الفن المستحدث الذي يعد من أصعب الفنون الكتابية، وكان الأبرز من بين الفنون منذ ثلاثينات القرن الماضي، حين كان كتاب الرواية قلة، والشعراء يعدون على أصابع اليد، لا بل، كان الشعر يعيش حالة من التراكم التقليدي، أدت إلى ثورة في الشكل، حدثت في ما بعد، في العراق وسورية ولبنان، ثم باقي الدول العربية. وعرف عقد الثلاثينات خمسة من القصاصين، هم علي خلقي، محمد النجار، عبد الله يوركي حلاق، خليل هنداوي. وثمة إجماع عند مؤرخي ونقاد هذا الفن، على أن علي خلقي صاحب مجموعة «ربيع وخريف» الصادرة عام 1931، هو الرائد الأول للقصة القصيرة الناضجة فنياً في سورية، رغم بعض الملاحظات النقدية التي سجلت على قصصه. وتضاعف عدد الكتاب القصصيين في الأربعينات، وبلغ في عقد الخمسينات 34 قاصاً، ليصل في عقد التسعينات إلى 85 قاصاً. وبلغ عدد المجموعات المنشورة في عقدي الثمانينات والتسعينات عدة مئات من الكتب القصصية.

 

وكان لا بد أن تواكب هذه الظاهرة الأدبية الكاسحة، بالجهود النقدية الموازية، وإن ظل النقد مقصراً وقاصراً عن ذلك! فالكتب التي أرخت لفن القصة القصيرة في سورية لم تبلغ حتى نهاية السبعينات بضعة كتب، لكنها وصلت اليوم إلى حوالي الثلاثين كتاباً، نذكر منها: «محاضرات عن القصة القصيرة في سورية، حتى الحرب العالمية الثانية»، شاكر مصطفى 1958، «القصة في سورية والعالم» صلاح دهني 1965، «صفحات مجهولة في تاريخ القصة السورية»، عادل أبو شنب 1966، «القصة القصيرة في سورية»، د. محمود ابراهيم الأطرش 1982، «التطور الفني لشكل القصة في الأدب الشامي الحديث»، د. نعيم اليافي 1982، «القصة القصيرة في سورية ـ ريادات ونصوص مفصلية»، د. حسام الخطيب، طبعة ثانية 1998، «فكرة القصة، نقد القصة السورية» د. عبد الله أبو هيف 1981. لكن معظم هذه الكتب على أهميتها، عانت من الانتقائية والتحقيب الزمني وتحدثت بشكل أساسي عن المضمون وعن المؤثرات الأجنبية، وأهملت البعد الفني، ولم تستطع أن تلم بكل جوانب القصة السورية، لا سيما قصة الثمانينات والتسعينات، أو ما يسمى القصة الجديدة، التي ازدادت تعقيداً في الشكل والمضمون، واتسمت بتنوع المؤثرات، واستفادت من الواقع، وتخلصت من هيمنة الشعرية على لغتها، كما كان سائداً في بعض قصص الستينات ومعظم قصص السبعينات، لصالح الخبر القصصي، والسرد المفتوح.

 

وإذا كان من الصعب أن نلم بكل الأسباب التي جعلت هذا الفن يزدهر في سورية أكثر من غيرها، فإن الواقع السياسي والاجتماعي في مرحلة ما، كان مواتياً بالتأكيد، وكان لوجود الصحافة حتى منتصف الخمسينات دور كبير في ذلك، وهي وجدت إلى جانب الشعر والرواية.

 

عرفت القصة السورية في مراحلها المختلفة أنماطا عديدة، منها القصة الواقعية، والقصة الذهنية، والرومنتيكية، في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات. كما ازدهرت القصة الوجودية في الستينات بتأثير من سارتر وكامو والوجوديين الفرنسيين، كما عند محمد حيدر وجورج سالم ومطاع صفدي وهاني الراهب، والقصة الشعرية عند حيدر حيدر ومعظم قصاصي السبعينات، حين كانت اللغة الشعرية والرؤية، على حساب الحدث والشخصيات، وضمير المتكلم هي الطاغية على لغة السرد، مع وجود استثناءات طبعاً.

 

وعرفنا الواقعية السحرية المتأثرة بكتاب أميركا اللاتينية، والقصة الساخرة، في الثمانينات والتسعينات جنباً إلى جنب، وجاءت القصة الساخرة استكمالاً لشيخها حسيب كيالي من جهة، وتأثراً بالقاص التركي عزيز نسين، الذي بدأت قصصه تترجم إلى العربية منذ الثمانينات، لكن ما لبثت القصة الساخرة أن انحسرت لوقوع كتابها بالتقليد، وعدم امتلاك الأدوات اللازمة لهذا الفن عند معظم كتابها الجدد، ونذكر منهم : حسن م يوسف، وليد معماري، خطيب بدلة، عبد الحليم يوس، أحمد عمر.. وربما انحسرت الواقعية السحرية والاتجاهات الشكلانية للأسباب ذاتها تقريباً، بالمقابل ترسخت القصة الواقعية الحديثة، التي فصلت لغة القص على مقاس الخبر أو الحكاية! لكن بعد كل هذه الأمجاد، واللوحة الغنية للقصة السورية، هل أصبحت القصة فنا مزدرى، هجرها كتابها بعد أن هجرها القراء؟! كتب شوقي بغدادي المشجع السابق للقصة القصيرة وأحد دعاتها: إن فن القصة القصيرة مزدرى، مستشهداً بتحقيق نشر في صحيفة فرنسية، وبآراء كتاب فرنسيين، حول هذا الموضوع، يرون أن هذا الفن لا يرقى إلى مستوى الرواية، ولا يمتلك خصائصها التعبيرية، ولا القدرة على التأثير الذي تتركه الرواية.

 

وسبق للقاص السوري الراحل فؤاد الشايب أن قال في الخمسينات: إن فن القصة صعب جداً، بل من أصعب فنون القول جميعاً، بما في ذلك الشعر، وبسبب صعوبة هذا الفن، نحن بعيدون عن أن نسير في مضماره، وأن الذين يخلدون في هذا الفن قلة قليلة. ويرى أن الفن الروائي أجل فنون الأدب شأناً وأبعدها أثراً في حياة الشعوب.

 

رغم هذه الصورة القاتمة، والمحاولات اليائسة لجعل فن القصة القصيرة جداً بديلاً عن القصة ومقدمة لإعلان موتها، لا يزال الكتاب الجادون يبدعون في هذا الفن ويؤمنون به وبجدواه، ولا يزال زكريا تامر مصراً على كتابة القصة، ويكتبها الكتاب الجدد ببراعة، ومنهم: حسن صقر واحمد اسكندر سليمان وأسامة إسبر وأحمد عمر وموفق مسعود وغيرهم، ويؤكدون جميعاً أن حياة الفنون لا تقاس بالمرود المادي.

منقول من مصادر مختلفة/  خاص القصة السورية / حرر في 10/06/2008

 

 

العقاد وفن القصة

 

اسم " القصة " عندنا أكرم لهذا الفن من معظم أسمائها في اللغات الأوربية، إن لم يكن أكرم من جميع أسمائها.

                                                                                                                  عباس محمود العقاد

 

 

بقلم الكاتب: شوقى بدر يوسف

 

يرتبط الأديب الكبير عباس محمود العقاد بفن القصة من خلال جوانب عديدة ضمنها مسيرته الأبداعية شأنه شأن جيله من كبار الأدباء الذين وجدوا فى هذه المنطقة من الإبداع مجالا رحبا وخصبا للمساهمة فى تأصيل ساحته، ومحاولة صياغة حكى وقص عربى جديد يواكب المؤثرات الأوروبية التى كان لها تأثير كبير على هذا الفن فى الساحة العربية آنذاك، وقد كانت الكتابة القصصية والروائية فى الساحة العربية فى ذلك الوقت لا زالت تتأرجح ما بين النضج الفنى ومحاولات اثبات تواجدها كجنس أدبى له خصوصيته ومذاقه وتوجهه، بفضل مساهمات العديد من الكتاب، الشعراء منهم والأدباء الذين ساهموا فى نهضة وتطور القصة والرواية العربية فى بداية بواكيرها الأولى . فقد ابدع كل من أحمد شوقى وحافظ إبراهيم والمويلحى وهيكل والمنفلوطى و طه حسين والمازنى والحكيم والعقاد فى مجال القصة والرواية المصرية إبداعات أثرت هذا الفن بنصوصها وأعمالها التى أصبحت هى الأرهاصات والركيزة الأولى فى هذا المجال للأجيال التى جاءت بعد ذلك .

 

ولعل رواية " سارة " للعقاد التى صدرت عام 1937 وتزامن صدورها مع صدور العديد من بواكير القصة والرواية العربية فى العالم العربى، والتى أصبحت بعد ذلك علامة هامة فى مسيرة السرد الروائى العربى الحديث، كانت هى بيضة الديك التى احتسبت للعقاد فى هذا المجال . وقد تناولها العديد من النقاد والباحثين بدراسات مستفيضة من جوانب وزوايا مختلفة بإعتبار أن خطوط تماسها السردية تجمع بين الفن الروائى الصاعد آنذاك وبين فن السيرة والترجمة الذاتية حيث تتطابق شخصية " همام " وهى الشخصية المحورية لهذا النص مع شخصية العقاد نفسه بكل ما تحمل من جوانب ذاتية وجسدية ومعرفية .

 

وعلى الرغم من أن العقاد كان مقلا فى مساهماته فى مجال القصة القصيرة والذى كان يسميها فى كثير من الأحيان " القصة الصغيرة " إلا أنه  ساهم فى هذا المجال بمجموعة قصصية وحيدة قام بترجمتها من الأدب الأمريكى تحت عنوان " ألوان من القصة القصيرة فى الأدب الأمريكى " ، تناولت العديد من نصوص بعض كتاب القصة فى الأدب الأمريكى، ويمثل هذا الجانب فى مسيرة العقاد الأدبية نوعا من التواصل المتواضع مع جنس أدبى هام من الأجناس الأدبية وهو فن القصة والذى ساهم فيه عن طريق الترجمة والأنتقاء الخاص بهذه القصص ومعالجتها سرديا .

 

ولعل أختيار العقاد لبعض النصوص القصصية من الأدب الأمريكى وقيامه بنقلها إلىالعربية كان له مغزى ودلالة خاصة لديه، يظهر ذلك أولا من إنتقائه لهذه المجموعة من القصص المتميزة، لبعض رواد الكتابة القصصية فى الأدب الأمريكى أمثال واشنطن ارفنج، إدجار آن بو، مارك توين، توما بايلى الدريخ، جورج آد، ويلا كاثر، ستيفن فنسنت بنيت، ويعتبر هؤلاء الكتاب من رواد هذا الفن فى الأدب الأمريكى، كما ترجم أيضا لكاتبين من الكتاب المعاصرين هما وليم فوكنر، وجون شتاينبك . كما أن اختيار العقاد لهذه القصص لهؤلاء الكتاب العظام لم يكن اختيارا عشوائيا، بل كان إختيارا موفقا إلى أبعد الحدود يتضح ذلك من اختياره لقصة " ريب فان وينكل " لواشنطن ارفنج، وقصتى " الخطاب المفقود " و " باطية النبيذ الشريشى " لأدجار آلان بو، والضفدعة النطاطة المشهورة " لمارك توين، وهى كنماذج للقصص التى تحمل سمات الموقف والحدث الذى يستغرق الحواس ويغمر النفس بالعاطفة المتقدة، وهى فى نفس الوقت تعبر عن رؤية العقاد تجاه مثل هذا النوع من القص والذى كتب عنه يقول : " فالقصة الصغيرة، أو الحكاية، لا تتسع لرسم شخصية كاملة أو عدة شخصيات كاملة من جميع جوانبها، ولا تتسع كذلك للحوادث الكثيرة ولا للحادثة الواحدة التى لا تتم الا مع التشعب والاستيفاء والاحاطة بأحوال جملة من الناس فى مختلف المواقف والأحوال، ولكنها قد تعطينا لونا من ألوان الشخصية كما تتمثل فى موقف من المواقف، فنفهمها بالايحاء والاستنتاج، وقد تعرض لنا موضعا نفسيا او موضعا اجتماعيا، ينفرد بنظرة عابرة ويؤخذ على حدة، فيدل كما تقدم دلالة الموقف والايحاء

من هنا كانت القصة الصغيرة لونا من الكتابة مناسبا كل المناسبة للادب الأمريكى، منذ استقل هذا الأدب بأقلامه وموضوعاته وعرف له رسالة قائمة بذاتها غير المحاكاة والتقليد .

 

فالمواقف أكثر ما تكون فى بلاد الاقاليم والاجناس، وبلاد التاريخ المذكور الذى تلتقى فيه الوقائع الحاضرة بالذكريات القريبة، وتصطبغ فيه هذه الذكريات بصبغة الخبر تارة وصبغة الاسطورة تارة أخرى، على حسب النظرة اليها، وعلى حسب " الزاوية " التى ينظر منها المقيم فى هذا الأقليم أو ذلك الاقليم ، ويقول العقاد محللا قصص هذه المجموعة :

وسيرى القراء فى مجموعة القصص التالية مذاهب المؤلفين فى اختيار المواقف خلال القرن الاخير، فقد كان الموقف وحده لا يكفى لكتابة القصة قبل سبعين أو ثمانين سنة، بل كان من الواجب أن يكون الموقف رائعا أو كافيا لاستغراق الحواس وغمر النفوس بالعاطفة، فلم يزل هذا الموقف يتطور مع الزمن حتى أصبح " الموقف " جديرا بالتسجيل كلما كان فيه موضع للملاحظة القريبة، أو للمقارنة العاجلة، أو للتأمل الذى ينبعث فيه القارئ مع نوازعه وأهوائه، غير متقيد بالكاتب فى نزعته أو هواه، وفى العصر الحاضر أصبح الكتاب من طراز فولكنر أو همنجواى أو شتينبك يكتبون القصة لموقف واحد لا ينتهى الى قارعة، ولا يتبعه الكاتب أو القارئ الى نتيجة مقصودة، فمن مواقف اقاصيصهم موقف رجل يدخل الى بيته فتنبئه زوجته أنها عثرت بخادمة موافقة، فاذا بالخادمة " لا توافق " لان الرجل يعلم بعد ان يراها انها كانت زميلته فى الدراسة، ولا تزال هى وهو يتناديان بالاسماء دون الالقاب . ومن مواقفها موقف مصارع يأتمر به منافسوه ليقتلوه، فيتلقى الخبر ولا يتبعه بعمل، لان حكم الموقف يأبى عليه الهرب كما يأبى عليه ابلاغ ولاة الأمور.. ومن مواقفها موقف شيخ من الجيل الماضى يسئم السامعين المحدثين بأخبار الطواف الى الغرب، ثم التمادى فى الطواف، فلا يطيق المحدثون سماع هذه " الاعاجيب " التى كانت فى يوم من الايام تهز المشاعر وتكفى وحدها للتغريب ثم التغريب من غير قصد الى مكان معلوم، وانما هو كشف آخر من جانب البر بعد الكشوف الاولى من جوانب البحر، ولا محل له من السمر او الكلام بعد ان كشف المحدثون كل بقعة من بقاع الغرب، ونسوا أنه كان غبيا مجهولا قبل جيل، هذه القصص تختار لهذه الدلالة، وتفيد فى اختيارها الى جانب القصص التى سبق اليها المؤلفون قبل جيل واحد، فهى القصة الصغيرة فى معرض الاجيال على حسب اختلاف المواقف والاحوال، ولهذا توضع المجاميع المختارة من الوان الفن وضروب الكتابة، ولعل هذه المجموعة ان تكون لها رسالتها الكافية بين المجاميع " (1) . كان هذا رأى العقاد فى القصة القصيرة أو القصة الصغيرة كما اسماها من خلال مجال الترجمة الذى أسهم فيه بترجمة ألوان مختلفة من القصة فى الأدب الامريكى، واعتقد ان العقاد بترجمته لهذه المجموعة قد أضاف إلى حياته الأدبية كتابا هاما من كتب القصة يضاف إلى روايته الوحيدة فى حياته الأدبية وهى رواية " سارة " وبذلك يكون العقاد قد أسهم بسهم ولو ضئيل فى هذا الجنس الأدبى المراوغ والذى كان للعقاد معه رأى آخر، ولاشك أن آراء العقاد عن القصة والتى ذكرها فى بعض مقالاته عنها تعطينا دلالة عن جانب هام من الجوانب الأدبية فى حياة العقاد، وهو وإن كان قد قدم الشعر عنها إلا إنها كانت تراوده فى أحيان كثيرة ومن جوانب مختلفة، وقد سبق للعقاد أن قدم لقراء العربية قبل ذلك الشاعر والروائى الأنجليزى " توماس هاردى " عندما نشر فى جريدة " البلاغ الأسبوعى " مقالة بعنوان " أزياء القدر " فى 8 أبريل عام 1927 علق فيها على مجموعة وصلت إليه من شعر ونثر توماس هاردى بقوله " : المأساة فيها مأساة الصراع بين الناس وبين قدر لا يقسو ولا يستخف ولا يأمرك ولا ينهاك .. وجهد أمرك أن تسأم ثم أن تسأم السآمة فتعمل، ثم أن تعود إلى السآمة من جديد " أما عن منزلة هاردى فى الرواية فقد قال العقاد إنها " فى الذروة العالية "، إلا إنه عاد وقال : " وللشعر فضل فى بلوغه هذه المكانة العالية فى ميدان الرواية " (2) . كما تساءل العقاد فى أحدى مقالته : " لم لم يمنح هاردى جائزة نوبل وهو على هذه المكانة فى الشعر والرواية، وينقل لنا العقاد ما قاله مؤلف القسم الأدبى من كتاب نوبل " الرجل وجوائزه " : الفكرة التى كانت سائدة بين أكثرية أعضاء اللجنة هى أنه " شديد التشاؤم والاستلام للقدر المقدور على نحو لا يلائم روح الجوائز ومنحاها " (3) .

 

ولعل الجانب الرؤيوى للعقاد فى القصة القصيرة وهو الجانب الذى يعنينا فى هذا المجال ولم يلتفت إليه الباحثين والنقاد على أهميته، وكانت نظرته إلى القصة القصيرة بإعتبارها فنا بدأ يأخذ مكانته بجانب بقية الأجناس الأدبية الاخرى بل، وبدأ يزاحم الشعر والرواية والمسرحية أيضا فى ساحة الأدب نظرة لها أهميتها فى الجانب الفكرى عند العقاد . فقد كان له آراء لها أهميتها الكبيرة سجلها فى العديد من المقالات حول فن القصة تاريخا وتجديدا وتأصيلا . نذكر منها على سبيل المثال هذه المساجلة التى جرت بينه وبين الكاتب الكبير نجيب محفوظ فى منتصف الأربعينيات حول المفاضلة بين الشعر والقصة، وقد كان العقاد قد ذكر فى كتابه " فى بيتى " من خلال حوار دار بينه وبين أحد مريديه، حول ما تحويه مكتبته من دواوين الشعر بالمقارنة بالكتب المرتبطة بفن القصة والرواية، اعقبها بمقالة حول هذا الموضوع بمجلة الرسالة فى عددها الصادر فى 3 سبتمبر عام 1945 تحت عنوان " الشعر والقصة " معلقا على رأى ساقه الأديب محمد قطب فى أحد أعداد المجلة حول رأيه فى فن القصة، يقول العقاد : " ونحن فضلنا الشعر على القصة فى سياق الكلام عليهما فى كتاب " فى بيتى " فكل ما قلناه إذن هو أن الشعر أنفس من القصة، وأن محصول خمسين صفحة من الشعر الرفيع أوفر من محصول هذه الصفحات من القصة الرفيعة .

فلا يقال لنا جوابا على ذلك إن القصة لازمة، وإن الشعر لا يغنى عن القصة، وإن التطويل والتمهيد ضرورتان من ضرورات الشرح الذى لا حيلة فيه للرواة والقصاصين .

 

ويستطيع الأديب الأستاذ محمد قطب أن يقرر كما قرر فى ( الرسالة ) : " أن القصة دراسة نفسية لا غنى عنها فى فهم سرائر النفوس، وليس الشعر أو النقد أو البيان المنثور بمغن عنها، لأنها فى ذاتها أحد العناصر التى يحتاج إليها قارئ الحياة " . ويستطرد العقاد حول هذا الموضوع فيقول : " إننى لم أكتب ما كتبته عن القصة لأبطلها وأحرم الكتابة فيها، أو لأنفى أنها عمل قيم يحسب للأديب إذا جاد فيه .

ولكننى كتبته لأقول " أولا " إننى استزيد من دواوين الشعر، ولا أستزيد من القصص فى الكتب التى أقتنيها، وأقول " ثانية " إن القصة ليست بالعمل الوحيد الذى يحسب للأديب، وإنها ليست بأفضل الثمرات التى تثمرها القريحة الفنية، وإن اتخاذها معرضا للتحليل النفسى او للاصلاح الاجتماعى لا يفرضها ضربة لازب على كل كاتب، ولا يكون قصارى القول فيه إلا كقصارى القول فى الذهب والحديد : الحديد نافع فى المصانع والبيوت، ولكنه لا يشترى بثمن الذهب فى سوق من الأسواق " (4) . وكأنما كانت مقولة العقاد حول القصة هى النار التى انتشرت فى الهشيم فقد أنبرى لها العديد من الأدباء على رأسهم أديب شاب ضرب بسهم وافر فى مجال القصة والرواية هو الكاتب الكبير نجيب محفوظ، وكان فى هذا الوقت لم تصدر له سوى الثلاثية الفرعونية ورواية خان الخليلى، وعدد لا بئس به من القصص القصيرة نشرت فى أعداد المجلة الجديدة التى كان يصدرها سلامه موسى، ورسالة الزيات، وثقافة أحمد أمين ومجلتى التى كان يصدرها أحمد الصاوى محمد.

 

وقد رد نجيب محفوظ على مقالة العقاد بمقالة فى نفس العدد تحت عنوان " القصة عند العقاد " فند فيه مزاعم العقاد فى انتصاره للشعر على القصة، قال نجيب محفوظ : انظر الى العقاد وقد لاحظ حواريه " فى بيتى " صغر نصيب القصص من مكتبته فأجابه قائلا : " لا اقرأ قصة حيث يسعنى أن اقرأ كتابا أو ديوان شعر، ولست أحسبها من خيرة ثمار العقول " . فالرجل الذى لا يقرأ قصة حيث يسعه أن يقرأ كتابا أو ديوان شعر ليس بالحكم النزيه الذى يقضى فى قضية القصة . والرجل الذى يلاحظ على مكتبته صغر نصيبها من القصة ينبغى أن تكون القصة آخر ما يرجع إليه فى حكم يتصل بها . بل إنه يفضل النقد – لا الشعر والنثر الفنى وحسب – على القصة . والمعروف أن النقد ميزان لتقويم الفنون، فكيف يفضل على أحدها ؟ ! وهل تنزل القصة هذه المنزلة عند شخص إلا إذا كان لها كارها وعليها حاقدا ؟ ! فحكم العقاد على القصة حكم مزاج وهوى لا حكم نقد وفلسفة . بيد أنى أريد أن أتناسى ذلك . وأريد أن أنظر نقده بعين مجردة ، لأن لكلام العقاد قيمة خاصة عندى، ولو كان مصدره المزاج والهوى " . ويستطرد نجيب محفوظ للدفاع عن فن القصة فيقول : " فالقصة لا ترمى لمغزى يمكن تلخيصه فى بيت من الشعر، ولكنها صوره من الحياة، كل فصل منها يمثل جزءا من الصورة العامة، وكل عبارة تعين على رسم جزء من الجزء، فكل كلمة وكل حركة تشترك فى إحداث نغمة عامة لها دلالتها النفسية والإنسانية، وكل جملة – فى القصة الجيدة – تقرأ وتستعاد قراءتها ولا يغنى عنها شئ من شعر أو نثر، ولا تحسبن التفاصيل فى القصة مجرد ملء فراغ، ولكنها ميزة الرواية حقا على فنون القصة الأخرى وفنون الأدب عامة، وهى لم توجد اعتباطا ولكنها جاءت نتيجة لتطور العصر العلمى العام " . وكما انتصر العقاد للشعر فى مقالته، انتصر نجيب محفوظ للقصة فى رده على هذه المقالة، ويستطرد نجيب محفوظ فى ذلك فيقول " أجل إن القصة لا تزال أعظم انتشارا من الشعر ولكن أكان ذلك لسيئه فيها أم لحسنة ؟ إن الخاصة التى تقرأ الشعر الرفيع وتتذوقه تقرأ القصة الرفيعة وتشغف بها، وإذا كان العقاد لا يقرأ القصة إلا مضطرا فطه حسين والمازنى والحكيم وايزنهاور* يقرءونها بغير اضطرار، ولئن انتشرت القصة فى طبقات أخرى فما ذلك لسيئه بها ولكن لحسنتين معروفتين : سهولة العرض والتشويق . فانتشار القصة الجيدة بين قوم لا يهضمون الشعر الجيد مرده الى أن القصة فى ظاهرها حكاية تروى يستطيع أن يستمتع بها القارئ العادى لسهولتها وتشويقها . وليس بالسهولة من عيب يجرح الذوق السليم، ولا بالتشويق من انحطاط يؤذى الفهم الرفيع وهى بعد ذلك تحوى قيما إنسانية كالشعر الرفيع يتذوق القارئ منها على قدر استعداده . وحسب القصة فخرا أنها يسرت الممتنع من عزيز الفن للافهام جميعا، وأنها جذبت لسماء الجمال قوما لم يستطع الشعر على رسوخ قدمه رفعهم إليها، فهل يكره العقاد ذلك أو أنه يحب كأجداده كهنة طيبة أن يبقى فنه سرا مغلقا إلا على أمثاله من العباقرة !! " (5) .

 

وعلى الرغم من آراء العقاد التى ساقها نحو القصة والشعر والمفاضلة بينهما،  إلا إنه  كان يحتفى دائما بنهضة الأدب العربى فى أى مجال من مجالاته شعر أو قصة أو رواية أو نقد وكان يطمح دائما فى أن تتقدم الفنون والآداب وأن تنال نصيبها من الرقى والتسامى والأنتشار، ويرجو لهذه الفنون أن تتجه نحو الأرفع والأنفع للمجتمع ولقراءه من الجنسين حيث أشار إلى : " أن نصيب القصة فى الكتابة المنثورة  آخذ فى الازدياد والانتشار، وأن فن القصة بين الآداب العالمية . وفى بعض القصص التى تؤلف فى هذه الفترة نزوع إلى ما يسمى بالأدب المكشوف ترتضيه طائفة من قراء الجنسين، ولا يقابل بالرضى عنه من جمهرة القراء، ثم يلاحظ مع هذا أن الترجمة تنقص فى الربع الثانى وأن التأليف يزداد ويتمكن فى كثير من الأغراض . ولعل مرجع هذا إلى نمو الثقة بالنفس فى الأمم العربية، وإلى ظهور طائفة من الكتاب يستطيعون الكتابة فى موضوعات مختلفة، كانت وقفا على الترجمة قبل ثلاثين أو أربعين سنة " (6) .

 

وفى مقالاته التى كان يؤصل بها فن القصة، ويؤرخ لجوانبه المختلفة كتب العقاد افتتاحية أحد أعداد القصة التى كانت تصدرها مجلة الهلال فى الأربعينيات، وهو عدد شهر أغسطس عام 1948 تحت عنوان " قصة القصة " يقول العقاد فى هذه الإفتتاحية : " ولدت مع الأسرة، ودرجت مع القبيلة، ونمت فى المجتمع القديم وبلغت أشدها فى المجتمع الحديث، وكان موضوعها أبدا هو أقدم موضوع وأخلد موضوع، شغل به الناس وتشوقوا إلى سماع الحديث فيه .. وهو – أو هى مواضيع – الحب والبطولة وعجائب الأخبار وخفايا الدنيا . ولم يعرف التاريخ قصة أقدم من القصة المصرية، لسبب ظاهر .. هو أن المجتمع المصرى كان أقدم مجتمع عرفه التاريخ، كما كان للشرقيين السبق فى ميدان القصة بعد زوال دولة الفراعنة، فظهرت القصة فى الأسكندرية وسوريا، قبل أن تظهر فى آسيا الصغرى وسائر بلاد الأغريق، وان كان الاغريق عرفوا الملاحم الشعرية قبل ذلك . ولم تزل قصب السبق فى أيدى الشرقيين الى اوائل القرون الوسطى . فاستمع الناس فى مصر وسوريا وفارس إلى الرواية والمحدث، قبل أن تقرأ القصة فى أوربا ببضعة قرون . وبدأت سلسلة ألف ليلة وليلة فى القرن العاشر للميلاد، ولم يؤثر نظير لها فى الغرب قبل القرن الحادى عشر " أحاديث الغرام " للايطالى فرنسسكو بربرينو، ولعله كما يدل عليه أسمه Barbareno  من أصل مغربى او من بلاد البربر على الاجمال، وتلاه بوكاشيو باصابيحه العشر " الديكامرون " على نسق الف ليلة، مستبدلا الأصباح بالمساء . ثم انتقلت قصبة السبق فى هذا المضمار من يد الشرق إلى يد الغرب بعد القرن الخامس عشر، ولكنه كان كانتقال الكتاب من يد المعلم إلى يد التلميذ، لأن سرفانتس صاحب دون كيشوت – واكبر قاص فى القرن السادس عشر على الاطلاق – قد عاش زمنا فى افريقيا الشمالية، وردد كثيرا من الامثال العربية فى قصته الكبرى التى نعى بها عهد الفروسية، ولكنه مبتكر من جانب الموضوع أو جانب القدرة على خلق الشخصيات . ويقال أن دانيال ديفو اكبر القصاصين الأنجليز بين القرن السابع عشر والثامن عشر، قد وضع روايته الشائقة عن " روبنسون كروزو " على نسق " حى ابن يقظان " . اما القصة فى طورها الأخير، فهى بحق وليدة المجتمع الاوربى الحديث، ولم يكن من المستطاع ان تظهر قبل ذلك . ففى القرن الثامن عشر ولدت القصة الحديثة، وأصبح القصص فنيا مستقلا عن سائر الفنون، او اصبح موضوعا جديرا بالقراءة لغير التسلية وتزجية الفراغ، لانه اشتمل على الدراسات النفسية والدراسات الاجتماعية والدراسات التاريخية، وتخصص له كتاب مبرزون . وكان للقصة فى نشأتها الاولى من أقدم العصور، كبرياؤها التى تلازم كل شباب، فكانت لا تتنزل إلى الكلام عن أحد من غير زمرة الابطال والامراء، ولا تتنزل الى الحكاية عن حادث غير حوادث العجائب والغرائب، وقلما عنيت بحديث فى الحب إلا أن يكون حبا بين أمير وأميرة، أو بين شموس وأقمار " (7) .

 

وفى العدد الخاص بالقصة من مجلة الهلال الصادر فى يوليو عام 1949 كتب العقاد مقالة تحت عنوان " القصة والخرافة " يقول فيها : " اسم ( القصة ) عندنا اكرم لهذا الفن من معظم اسمائها فى اللغات الاوربية، ان لم يكن اكرم من جميع اسمائها . فهم يطلقون على الموضوعات القصصية كلمة واحدة هى كلمة " فكشن " أو Fiction باللغة الأنجليزية، مع تصحيف يسير فى نطق الكلمة باللغات الأخرى . ومادة الكلمة فى أصلها لا تدل على شئ غير معنى التلفيق والتزوير، وليس من كاتب فى العصر الحديث يرضى لمؤلفاته ان تنعت بالتلفيق والتزوير، بل لا يرضى لها ان تنعت بمجرد المحاكاة والتقليد، وهما معنى من معانى التزييف فى بعض الاحوال . وعندهم كلمة اخرى تطلق على الرواية وهى كلمة " رومان " Roman منسوبة إلى اللهجات " الرومانية " المستحدثة فى اللغة اللاتينية القديمة فى اقطار اوربا الجنوبية . وقد جرت عادتهم فى تلك الاقطار ان يلفقوا القصص بلهجاتهم المستحدثة، وهى لهجات عامية بالقياس الى اللاتينية الفصحى، ويديرون موضوع القصص فيها على ابطال الفروسية فى عهد اللاتين، وعهد الرومان الأولين، ويملأونها بالغرائب والمبالغات والأمانى الكاذبة التى يطلقون عليها احيانا " بناء القصور فى الهواء " . وقد صنعنا نحن فى العربية مثل ذلك حين الفنا بالعامية أقاصيص الاغراب والاعجاب بابطال العرب الأقدمين، كالزير سالم، وسيف بن ذى يزن، وعنترة العبسى، وغيرهم ممن غبروا قبل ظهور اللهجات العامية . والقصة بهذا الاعتبار طبقة لا تتجاوز فى القيمة الفنية طبقة هذه الملاحم التى يرويها شعراء القهوات البلدية لمن هم فى الغالب أميون لا يكتبون ولا يقرأون . وأصح كلمة عربية لترجمة " الفكشن " و " الرومان " بمعناهما هذا هى كلمة الخرافة " . أما اسم " القصة " بالعربية، فهو على خلاف ما يسبق على الخاطر، يفيد معنى غير معنى التوهم وخلق الحوادث على سبيل المحاكاة، أو الحكاية ! . ومعناه مأخوذ من قص الأثر . لأن الذى يقص الأثر يتتبع اخبار القوم ويعرف مذهبهم فى الأرض ومقامهم فيها . فهى مادة بحث وتحقيق، وليست مادة توهم وتلفيق . ومن ثم كان " القاص " عند العرب هو من يأتى بالقصة على وجهها، كأنه يتتبع معانيها، او كأنه يتتبع " قاص الأثر " انباء القوم فى عالم المكان .

 

وفى القرآن الكريم عن أم موسى عليه السلام حين فقدته : " وقالت لأخته قصيه " . أى أبحثى عنه . فالقص من هذه المادة هو المعرفة الصحيحة عن بحث وهداية، وليس هو التوهم والتخيل للتلفيق والاختلاق .

 

وقد شارك العقاد فى العديد من الندوات المرتبطة بالقصة ولعل الندوة التى عقدتها  دارالهلال ونشرت بالعدد الخاص بالقصة فى يوليو 1949 وكان موضوعها أثر السينما والأذاعة فى القصة كانت نموذجا حيا لهذه الندوات التى تتناول القصة فى ذلك الوقت، وقد شارك فيها كل من الدكتور محمد حسين هيكل باشا والأستاذ عباس محمود العقاد والاستاذ محمود تيمور بك والأستاذ توفيق الحكيم والأستاذ طاهر الطناحى . وقد تحدث العقاد حول " حديث عيسى بن هشام " وأشار إلى أنها مقامة مطولة نسج فيها المويلحى على منوال مقامات الحريرى والهمذانى، ويبدو أن عنايته فيها كانت موجهة إلى اللغة أكثر منها إلى الاسلوب القصصى . على أن جانب القصة فيها يمكن أن يعد أساسا للمحاولات التى تلت ذلك، كما يمكن أن يعد من هذا القبيل أمثال " أم القرى " و " طبائع الاستبداد " للكواكبى ، وقصة " سابور " لشوقى . كما عرج العقاد للحديث عن الحوار العامى فى القصة حيث قال : " ولعل اقدام هيكل باشا على اجراء الحديث فى قصة " زينب " باللغة العامية كان متابعة للأستاذ لطفى السيد باشا واستجابة لما كان يدعو اليه من ذلك فى " الجريدة " . وأشار العقاد إلى المقالة التى كتبها أحمد لطفى السيد حول الكتابة باللهجة العامية تحت عنوان " اللغة العامية ما لها ؟ إذا كتبناها زى ما هى ، يجرى ايه ؟! " . وقال العقاد أيضا ردا على تعليق لتوفيق الحكيم حول اتجاهات القصة العربية حيث قال : " اعتقد ان القصة يمكن أن تقسم إلى قسمين : اجتماعى، وانسانى، ففى القسم الأول يكون ابطال القصة ممثلين للمجتمع الذى يعيشون فيه . وفى القسم الثانى يكون ابطالها صورا عامة شائعة للمشاعر الانسانية فى كل زمان وكل مكان . وعندى ان القصص الانسانية مثل " هاملت " وغيرها من قصص شاكسبير، وقصة " أهل الكهف " للأستاذ توفيق الحكيم اكبر نفعا وابقى أثرا . وفى الاستطاعة ترجمتها الى جميع اللغات، وان تقبل عليها وتفيد منها مختلف الطبقات . كما علق العقاد على رأى الدكتور حسين هيكل حول رأيه فى أنه لا خوف على القصة من الأذاعة والسينما . يقول العقاد : " إن القصص الفنية التى تقوم على التحليل النفسى وتصور مختلف ألوان التفكير والعواطف البشرية، لن تضيرها السينما والاذاعة شيئا . وانى لأوثر ان اقرأ قصة لكرامازوف او تولستوى على أن اشاهدها فى السينما . اما القصص الشعبية و " الحواديت " الموضوعة للتسلية ففى ميدان تلخيصها والاقتباس منها متسع للسينما والاذاعة والصحافة، كما هو مشاهد الآن . ولعل بعض هذه القصص يزداد الاستمتاع بها اذا شوهدت فى السينما او سمعت فى الاذاعة . كما أشار العقاد ايضا حول كتابنا وكتاب الغرب بقوله : " لعل الفرق بين الشرق والغرب فى انتاج القصة يرجع اكثره الى توافر اسباب النشر والرواج فى الغرب نظرا لتقدم الطباعة وكثرة القراء . ومما يذكر انه ظهرت هناك قصة فى سبعة مجلدات عن أحداث العالم . أما كتاب القصة عندهم وعندنا فليس ثمة فارق كبير بينهم (8) .

 

وقد اشترك العقاد فى تحكيم العديد من مسابقات القصة ولعل المسابقة التى اقامتها دار الهلال للقصة القصيرة فى نهاية الأربعينيات وظهرت نتيجة المسابقة فى العدد الخاص بالقصة فى أغسطس 1948 تعتبر نموذجا لهذه المسابقات التى كان الغرض منها البحث عن اقلام جديدة ومواهب شابة تدفع بدماء جديدة فى مجال القصة القصيرة، وكانت شروط المسابقة هى أن تكون القصة شرقية عربية تدور حول الوطنية والبسالة ولا يزيد عدد كلماتها عن 1500 كلمة، وقد اشترك فى هذه المسابقة 275 كاتبا، وتكونت لجنة التحكيم من : الأستاذ عباس محمود العقاد والدكتور طه حسين والسيدة أمينة السعيد ومحمود تيمور بك والسيدة بنت الشاطئ والدكتور أحمد زكى بك والاستاذ طاهر الطناحى، وقد فاز بالجائزة الاولى فى هذه المسابقة الأديب محمد عبد الحليم عبد الله عن قصته " ابن العمدة " وكانت قيمة الجائزة خمسون جنيها، وفاز بالجائزة الثانية الأديب سليم اللوزى عن قصته " البطل " وكانت قيمة الجائزة ثلاثون جنيها (9) .

 

لعلنا فى هذه الأطلال الخاصة بعلاقة العقاد بفن القصة، نكون قد دخلنا إلى منطقة لم يطرقها أحد من الباحثين قبل ذلك من التاريخ الأدبى للعقاد، وهو التاريخ المضئ المتوهج فى كافة مجالات الفكر والإبداع، وإن كانت القصة لم تحظ منه إلا بالقليل، إلا أن هذا القليل كان علامة مضيئة فى الساحة الإبداعية فى تاريخ الأدب العربى الحديث، حيث كانت روايته " سارة " والمجموعة المترجمة من الأدب القصصى الأمريكى وآراؤه حول فن القصة وما قدمه للأدب فى هذا المجال هو خلاصة فكر العقاد وبصماته القوية العملاقة فى النهضة الأدبية التى ظهرت بعد ذلك، ومهدت الطريق إلى أجيال جديدة جاءت من بعده أثرت فن القصة والرواية الحديثة بأعمال توجت بعد ذلك بحصول الرواية العربية متمثلة فى شخص اديبنا الكبير نجيب محفوظ على جائزة نوبل فى الآداب .

الهوامش:

(1)القصة الصغيرة ، عباس محمود العقاد ، مجلة الشهر ، القاهرة ، ابريل 1959

(2)هاردى والعقاد ، د . سليمان محمد أحمد ، الآداب الأجنبية ، دمشق ، ع 50/51 ، شتاء/ربيع 1987 ص 118

(3)نفس المصدر ص 119

(4)الشعر والقصة ، عباس محمود العقاد ، الرسالة ، القاهرة ، ع 635 ، 3/9/1945 ص 939

•نشرت هذه المقالة فى سبتمبر عام 1945 أى بعد أنتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة وكان أيزنهاور وقتئذ القائد الأعلى لقوات الحلفاء المنتصرة فى الحرب، لذا كان التمثيل باسمه من السمات التى تعطى للموضوع أهمية خاصة .

(5)القصة عند العقاد ، نجيب محفوظ ، الرسالة ، ع 635 ، 3/9/1945 ص 952

(6)الاتجاهات الحديثة فى الأدب العربى ، عباس محمود العقاد ، الرسالة ، القاهرة ، ع 606 ، 12/2/1945 ص 137

(7)قصة القصة ، عباس محمود العقاد ، الهلال ، القاهرة ، ج 8 المجلد 56 ، أغسطس 1948 ص 3

(8)أثر السينما والاذاعة فى القصة ( ندوة الهلال ) ، اشترك فى الندوة كل من الدكتور محمد حسين هيكل – الأستاذ عباس محمود العقاد – الاستاذ محمود تيمور بك – الاستاذ توفيق الحكيم ، الهلال ، القاهرة ، ج 7 ، المجلد 57 ، يوليو 1949 ص 110

(9)مسابقة القصة ، الهلال ، القاهرة ، ج 7 ، المجلد 57 ، يوليو 1949 ص 122

أضيفت في 07/12/2005/ خاص القصة السورية/ المصدر الكاتب: شوقي بدر يوسف

 

 

مستقبل (القصة القصيرة جدا) في عيون كتابها

 

سمر الفيصل: تشهد إقبالا كبيرا وستترسخ مع الأجناس الأخرى

يوسف حطيني: الشكل النهائي لها مرهون بالمبدعين وليس النقاد

عبد الله أبوهيف: ليست جنسا أدبيا لكنها موجودة في كل الكتابات

عادل الفريجات: التنبؤ بمستقبلها صعب للغاية لأن الأدب كالموضة

نور الدين الهاشمي: ستخضع لتغيرات عديدة وستكون أكثر تكثيفا

باسم عبدو: بدأت تأخذ مكانتها في الساحة الأدبية وهناك شبه بينها وقصيدة النثر

 

دمشق - الوطن: استطاعت القصة القصيرة جداً خلال فترة تُعتبر قصيرة نوعاً ما أن تتخذ موضعاً بين الأجناس الأدبية على الرغم من معارضة بعضهم لها كجنس أدبي مستقل استطاع مؤيدوه في سوريا أن يستمروا في عقد ملتقاهم السنوي ليكون فرصة لقراءة ما هو جديد على هذا الصعيد .

 

وعلى هامش الملتقى الخامس لها الذي عُقِد مؤخراً في دمشق التقينا عدداً من النقاد والكتاب للوقوف على توقعاتهم لمستقبل القصة القصيرة جداً.. فكانت الآراء التالية:

 

الناقد د. سمر روحي الفيصل: يعتقد أن القصة القصيرة جداً تشهد الآن إقبالاً كبيراً، ولكنه يرى أنها بعد هذا الإقبال ستمر بمرحلة بطيئة إلى أن تصل إلى مرحلة تقديمها فناً (جمالياً) وبعد ذلك ستترسخ مع غيرها من الأجناس الأدبية النثرية فناً أدبياً شائعاً عادياً ومستمراً .

يرى د.الفيصل كذلك أن الاهتمام بالقصة القصيرة جداً ليس موضة أو موجة ستمر بمرحلة فوران ثم تنتهي، وإنما يرى أن القصة القصيرة جداً لاقت رواجاً وتأييداً من كثير من الكتاب والقاصين، أما عيوبها الحالية التي يتمنى تلافيها مستقبلاً فهي تكمن في عدم وضوح الحدود بينها وبين أجناس أدب قريبة منها.

 

د.يوسف حطيني: يقول انه متفائل جداً بمستقبل القصة القصيرة جداً في حال توفر لها كتّاب متميزون، ولكن ضمن الظروف الحالية يرى د.حطيني أن هناك كتّاباً نجحوا في كتابة القصة القصيرة جداً بامتياز في سوريا والسعودية وبقية الدول العربية، وغالباً ما يشاركون في ملتقى القصة القصيرة جداً الذي نقيمه في دمشق كل عام، خاصة كتّاب من السعودية.

 

ويشير د. حطيني إلى بعض العيوب التي تعاني منها القصة القصيرة جداً، وهي عيوب تعاني منها القصة القصيرة العادية، وكذلك الرواية والشعر، ويرد د.حطيني على من يقول إن القصة القصيرة جداً موضة ستختفي بعد فترة ويقول : من خلال إشرافنا على ملتقى القصة القصيرة جداً نرى أن عدد المشاركين يزداد في كل سنة وهذا دليل على أن عدد المهتمين بهذا الجنس يزداد يوماً بعد يوم، لذلك يرى د.حطيني أن المستقبل سيفرز تقنيات كتابية جديدة وبالتالي فإن الشكل النهائي للقصة القصيرة جداً مرهون بالمبدعين وليس بالنقاد لأن النقاد يضعون القواعد من أجل أن يتجاوزها المبدع لا من أجل التقيد بها .

 

أما د.عبد الله أبو هيف فلا ينظر إلى القصة القصيرة جداً على أنها جنس أدبي لأنه لا يوجد في النقد والممارسات القصصية هذه التسمية أو هذا المصطلح، ويشير د.أبو هيف إلى أن القصة القصيرة جداً موجودة في كتابات كل الكتّاب، بمعنى أن هناك دائماً سرداً قصصياً قد يطول إلى عشرات الصفحات وآخر يقتصر على جملة، إذاً القصة القصيرة جداً برأيه ليست شكلاً وقد مارسه العديد من المبدعين أمثال الطيب صالح وزكريا تامر وغيرهما، ومن هذه الأمثلة يؤكد د.أبو هيف أن القصة القصيرة جداً وهذا الشكل من الكتابة السردية موجود عند كل الكتّاب، وبالتالي هي بنظره ليست شكلاً وإنما هي مرتبطة بطبيعة كتابة القصة وبنائها لأن السرد عندما يطول ويتعاضد مع تقانات أخرى وخصائص أخرى يصبح رواية.. من هنا يقول د.أبو هيف أن مستقبل القصة القصيرة جداً مرتبط بوضع الرواية والقصة ومدى تطورهما، وبتقديره ستستمر الكتابة بهذا الشكل السردي القصير ولكن لن يكون هناك التجنيس الذي هو في طريقه إلى الإلغاء في ظل نزاعات الحداثة وما بعد الحداثة، والاجتهاد السردي على ما بعد الحداثة، فهذه الأمور مجتمعة تلغي الأجناس ليصبح هناك تواصل واتصال بين الفنون.

 

د.عادل الفريجات يقول: التنبؤ بمستقبل القصة القصيرة جداً صعب للغاية لأن الأدب برأيه يشبه الموضات حيث تبدأ موضة فتزدهر في فترة من الفترات ثم تختفي.. القصة القصيرة جداً كما يؤكد د.الفريجات فن قديم وعريق، فالجاحظ قدم نماذج منها، وحتى الأمثال الشعبية قريبة من القصة القصيرة، إذاً هي قديمة لكنها اليوم تُبعث من جديد ليس في سوريا فحسب بل في كل الأقطار العربية، إذ أصبحت شائعة ومزدهرة ولها خصوصيتها، ويراها د.فريجات فناً يتساوى مع طبيعة العصر، عصر السرعة والمعلومة .

 

أما المشكلة التي يراها د. الفريجات على هذا الصعيد فهي استسهال كتابة هذا الجنس الأدبي واللجوء أحياناً إلى الثرثرة والمطمطة وهي أساليب لا تحتملها القصة القصيرة جداً، إضافة إلى عدم الاهتمام باللغة واللجوء إلى العامية وتكرار القاص لنفسه .

أما عن التنبؤ بمستقبل القصة القصيرة جداً فيقول : لندع هذا اللون من الأدب يزدهر ونحن نرحب بالمواهب الجديدة لتجعلنا نبصر أشياء لم نرها بعد .

يعتقد باسم عبدو وهو قاص وروائي أن القصة القصيرة جداً جنس حديث نوعاً ما، وهي من الأجناس الإبداعية التي ظهرت في سوريا في عقد الستينيات من القرن الماضي، ولكن لم تكن هناك تسميات على أغلفة المجموعات تشير إلى مصطلح القصة القصيرة جداً، ولكن بدأ هذا الجنس الأدبي يأخذ مكانه الآن في الساحة الأدبية، وبرأي عبدو هناك تقارب وتشابه بينها وبين قصيدة النثر، وبالتالي ظهر من يؤيد هذا الجنس، وظهر كذلك من لا يعترف به ولكن يؤكد عبدو أن هذا الجنس تطور تطوراً كبيراً في عقد التسعينيات وما تلاه وبدأت تظهر مجموعات قصصية كثيرة وعُقِدت عدة ملتقيات لها في سوريا بمشاركة عدد كبير من القاصين.

 

أما بماذا يتنبأ عبدو لمستقبلها فبرأيه أنها كأي جنس أدبي سيخضع للتغيير والتطوير وللاستمرار، وبالتالي فإن إطلاق حكم نهائي وحاسم حالياً غير مقبول، لذلك يعتقد أن مستقبلها متروك للزمن .

 

يجزم نور الدين الهاشمي وهو من أشهر كتّاب هذا الجنس الأدبي أن هذا الشكل الأدبي سيبقى وسيستمر لأن الفن متنوع كتنوع الطبيعة والحياة ولا ويجوز أن نحكم عليه بالإعدام أو الموت.. قد لا يكون هذا الجنس تياراً متوحداً ولكنه بالتأكيد سيلجأ إليه الكاتب حينما يرى أن هذا الجنس الأدبي بالتحديد سيخدم فكرته في مرحلة ما أو في مرحلة معينة، ومستقبلاً يرى الهاشمي أن هذا النوع سيخضع للعديد من التغيرات سواء ما يتعلق منها بالمضمون أو بالشكل، ويعتقد أن القصة القصيرة جداً ستكون أكثر تكثيفاً وسيكون للحكاية دور أساسي فيها.

أضيفت في 25/05/2005/ خاص القصة السورية/ الوطن

 

 

فنّ القصة القصيرة وإشكالية البناء

 

 

بقلم الكاتب: أ. د. خليل أبو ذياب

 

يعدّ فن القصة القصيرة من أحدث الفنون الأدبية الإبداعية حيث لا يجاوز ميلادها قرنا ونصف قرن من الزمان، حتى ان الدارسين والنقاد يعتبرونه مولود هذا القرن(1)؛ بل أن مصطلح "القصة القصيرة" لم يتحدد كمفهوم أدبى إلا عام 1933 فى قاموس أكسفورد.

 

وقد كان من أبرز المبدعين لهذا الفن الحادث "ادجار ألان بو الأمريكى" و "جودى موباسان الفرنسى" و "جوجول الروسى" الذى يعدّه النقاد أبا القصة الحديثة بكل تقنياتها ومظاهرها وفيه يقول مكسيم جوركى: "لقد خرجنا من تحت معطف جوجول"(2).

 

ومن هنا فالقصة القصيرة بتقنياتها الحديثة وأسسها الجمالية وخصائصها الإبداعية المميزة وسماتها الفنية لم يكن لها فى مطلع القرن العشرين شأن يذكر على الإطلاق(3).

 

وقد كان وراء انتشار هذا الفن الجديد وشيوعه عالميا وعربيا طائفة من الدوافع والعوامل من أبرزها " انتشار التعليم وانتشار الديموقراطية وتحرير عبيد الأرض من سلطان الإقطاع وثورة الطبقة الوسطى وطبقة الـعمال والفلاحين، كذلك بروز دور المرأة فى المجتمع واسهامها فى مجالات الحياة والميادين الاجتماعية والسياسية والفكرية والفنية، وما شهد العصر من تـطور علمى وفكرى وحضارى وصناعى كما لعبت الصحافة دورا مهما فى رواج هذا الفن ونشره، كما لا يخفى دور المطبعة وانتشار الطباعة فى ازدهارها..ونتيجة لكل ذلك "أصبحت القصة القصيرة من مـستلزمات العصر الحديث لا يضيق بها، بل يتطلب رواجها بانتشارها وكثرة المشتغلين بتأليفها لأنها تناسب قلقه وحياته المتعجلة وتعبر عن آلامه وآماله وتجاربه ولحظاته وتأملاته"(4).

 

وهكذا بدأ فن القصة القصيرة فى الظهور والانتشار فى الأقطار العربية على ما بينها من تفاوت ما بين خمسينات هذا القرن وستيناته نتيجة لمجموعة من العوامل الحضارية التى شهدتها المنطقة بعد التغير الجتماعى الواسع فى أنماط الوجود بها وتبدّل طبيعة الحياة الاجتماعية فيها عقب اكتشاف النفط خاصة وبعد دخول المطبعة وظهور الصحيفة وتغير طبيعة النظام التعليمى وظهور جمهور جديد من القراء ذى احتياجات ثقافية جديدة، وغير ذلك من العوامل التى ساهمت فى ميلاد القصة القصيرة فى المشرق العربى"(5) مما أشرنا إليه آنفا.

 

وقد كان للنقد موقف خاص متميز من القصة القصيرة ربما كان وراء تأخر انتشارها وشيوعها فى الحياة الأدبية، وهذا الموقف صنعه موقف الناس من القصة والقاصّ على حد سواء، حيث كانوا يعدون القصة عامة، والقصة القصيرة خاصة شيئا يتلهى به الإنسان فى أوقات الفراغ كما كانوا يعدونّ كاتب القصة متطفلاً على موائد الأدب لا يستحق اكثر من الإهـمال والاحتقار"(6) مما جعل كتّابها ينشرونها فى الصحف والمجلات تحت عنوان "فكاهات"، كما دفع هذا الموقف بعض القصّاص إلى عدم ذكر أسـمائهم على رواياتهم التى يبدعونها على نحو ما صنع "محمد حسين هيكل" فى رواية "زينب" عندما مهرها بـ "فلاح مصرى". وطبيعى أن يكون لمثل هذا الموقف من القصة والقصة القصيرة خاصة أثر بالغ فى انحسار تيارها وتأخر انتشارها فى الحياة الأدبية العربية لتحل المترجمات التى أخذت تشيع آنذاك محل المبدعات، حيث "كان أكثر ما يقدم لجمهور القراء منذ أواخر القرن الماضى حتى أواخر الثلث الأول من القرن الحاضر هو من قبيل الترجمة والاقتباس، حتى جمع أمين دار الكتب فى بيروت لها معجما أثبت فيه نحو عشرة آلاف قصة مترجمة من مختلف اللغات(7)؛ وهذا يؤكد أن ظهور الـقصة القصيرة وفن القصص عامة والمسرحيات أنما كان عن طريق معرفة الآداب الغربية فى أعقاب الاحتكاك الثقافى والفكرى والأدبى الذى حققته النهضة الحديثة التى اجتاحت العالم العربى فى هذا العصر الحديث.

 

وعلى الرغم من قصر عمر القصة القصيرة/ هذا اللون الأدبى المبدع فإن شهرتها وشدة اعتناء الأدباء والنقاد بها وحرصهم على إبداعها جعلها بصورة من الصور تزاحم وتنافس الشعر الذى يعدّ أهمّ الأنماط الأدبية الإبداعية على طول تاريخها الفسيح لتحقّق لها شعبية واسعة.

وتكمن أهمية القصة القصيرة فى أنها شكل أدبى فنى قادر على طرح أعقد الرؤى وأخصب القضايا والقراءات(8) ذاتية وغيرية ونفسية واجتماعية، وبصورة دقيقة واعية من خلال علاقة الحدث بالواقع وما ينجم عنه من صراع وما تمتاز به من تركيز وتكثيف فى استخدام الدلالات اللغوية المناسبة لطبيعة الحدث وأحوال الشخصية وخصائص القص وحركية الحوار والسرد ومظاهر الخيال والحقيقة وغير ذلك من القضايا التى تتوغل هذا الفن الأدبى المتميز.

 

ومما يلفت النظر فى ما تطالعنا به المطابع مما يطلق عليه مصطلح/ أسم القصة القصيرة أنه ليس من القصة القصيرة فى شئ فيما وراء محدودية الكلمات والصفحات؛ وكأن هذا المظهر هو أهم ما ينبغى أن يحافظ عليه الكتّاب ليعدّ نتاجهم من فن القصة القصيرة..

 

ومن غير شك فإن النقاد أسهموا فى تمييع مصطلح القصة القصيرة وانصهار تقنياتها الفنية بسبب عدم التزامهم بتلك المقاييس التى طرحناها وتسامحهم فى تقويم ذلك النتاج ويتغاضون عن مخالفاته الواسعة وتجاوزاته لتقنيات هذا الفن الأدبى وكأنهم يقومون إنتاجا واقعا مفروضا عليه مصطلح القصة القصيرة ولا يقومون القصة القصيرة عندهم من خلال التقنيات الفنية والـمعطيات الجمالية المرصودة لها فى إطار التعريف المناسب لها، وهذا هو سرّ الخلط والاضطراب الذى ساد هذا اللون الأدبى الممتع. وفى الحقيقة أن تـسرّع المبدعين لهذا الفن وغفلة نقادهم أو تسامحهم عن متابعة تـقصيرهم والتنبيه المستمر عليه هو الذى شوّه تقنيات القصة القصيرة وأحدث فيها كل ذلك الاختلاط والاضطراب وليس كما زعم بعضهم من أن "حداثتها جعلتها غير قادرة على خلق تقاليد أدبية خاصة بها"(9) وربما كان هذا الموقف وراء الأزمة التى تعانى منه القصة القصيرة، وفى الحق أن القصة القصيرة قادرة على تحقيق مكانة أدبية سامقة فى سلّم الأنماط الأدبية الإبداعية عندما يحرص مبدعوها، ومن ورائهم نقادها، على التزام الطرائق الفنية الصحيحة فى إبداعها غير خالطين لها بغيرها من ألوان الإبداع الأدبى، وهذه الطرائق أو الخصائص تقوم على مظهرين: مظهر القصّ وعناصره المتعددة: الحدث والشخصية والحبكة والحوار والسرد والعقدة والحل والزمان والمكان، ثم المظهر الانطباعى/ وحدة الانطباع الذى تحققه القصة القصيرة فى العادة لعدم تعدد الأحداث وتنوع الشخوص فيها ولتركيزها على أزمة واحدة.

 

ومن هنا نجدنا ملزمين بتحديد أهم المقومات الفنية والجمالية للقصة القصيرة التى ينبغى أن يلتزمها مبدعوها ونقادها على السواء لتتحدد لها هويتها المستقلة عن سائر الأنماط الأدبية المشابهة.

 

تعريف القصة القصيرة:

لعلنا لا نجاوز الحقيقة عندما نزعم أن عدم وجود تعريف محدد لمصطلح "القصة القصيرة" هو أهم الأسباب التى أوجدت الاختلاط بين القصة الـقصيرة وغيرها من الأنماط الأدبية مما يدفعنا إلى ضرورة تحديد مفهومها، أو تعريفها تعريفا محددا يجعلها فنّا أدبيا خاصا متميزا عن غيره من فنون الأدب وبرغم ما يلقانا من تعريفات النقاد والدارسين للقصة القصيرة فـإننا نود أن نختار منها ما يذهب الو أن القصة القصيرة المحكمة هى سلسلة مـن المشاهد الموصوفة تنشأ خلالها حالة مسبّبة تتطلّب شخصية حاسمة ذات صفة مسيطرة تحاول أن تحلّ نوعا من المشكلة من خلال بعض الأحداث التى تتعرض لبعض العوائق والتصعيدات/ العقدة، حتى تصل إلى نتيجة قرار تلك الشخصية النهائى فيما يعرف بلحظة التنوير أو الحل فى أسلوب يمتاز بالتركيز والتكثيف الدلالى دون أن يكون للبعد الكمّى فيها كبير شأن(10).

 

وواضح أن هذا التعريف يحدد الحدث الجزئى الذى تقوم عليه القصة القصيرة وما يتصل به من تطور وتنام تقوم به الشخصية الحاسمة وربما الوحيدْ فيها عبر إطار محدد من الزمان والمكان؛ وكلما كانت هذه العناصر محددة وضيقة كانت أدنى إلى حقيقة القصة القصيرة ومفهومها الفنى/ تقنياتها..وهكذا تتولد القصة القصيرة من رحم الحدث كما يتولد الحلم، ويتنامى كما تتنامى الشرنقة أو اللؤلؤة فى قلب المحارة..

 

بيد أن النقاد ومبدعى هذا الفن لم يحرصوا على التزام هاتيك الـخصائص الفنية مما جعلها تختلف اختلافا واسعا بغيرها من الأنواع الأدبية فضاعت معالمها وفقدت خصائصها الفنية واصيبت بدرجة كبيرة واسعة من التميّع والانصهار..فقد اختلطت القصة القصيرة بكثير من الأنماط الأدبية سواء منها ما يرتبط بها ببعض الوشائج المتمثلة فى خصائصها الأسلوبية وعناصرها الفنية، وما لا يرتبط بشئ من ذلك ألبتّة؛ فقد خلط بعض النقاد بين القصة القصيرة وبين الرواية القصيرة عندما نظروا إليها من زاوية الطول والحجم بعيدا عن التقنيات الفنية والخصائص المميزة متناسين أو ناسين أن قضية الطول والحجم فى القصة القصيرة ى ينبغى أن ينظر إليها إلاّ من خلال ما تقتضيه الأحداث والحبكة والشخصيات دون تحديد كمّىّ كما ذهب إليه كثير من النقاد.

 

وقد بلغ ذلك الخلط حدّا جعل بعض النقاد لا يولى قضية الحبكة فى القصة القصيرة أى اهتمام، حتى أنه لا يشترطها فيها. ومثل هذا الأمر يفضى إلـى تميع هذا الفن وعدم تحديد ضوابطه وقواعده وأصوله للفنية، كما يفضى بالتالى إلى إهماله وعدم العناية به، أو على الأقل التخلص من مصطلحه الفنى. ولعلنا لا نعدو الحقيقة إذا زعمنا أن انحطاط مستوى هذا الفن الممتع يرجع إلى عدم تحديد أبعاد مصطلحه الفنى تحديدا ينفى عنه التعدد والتنوع والتميع، ولو اتخذت القصة القصيرة لها مصطلحذا منهج محدد من حيث الشكل والبناء والحدث والشخصية وتطورها وأبعادها والحبكة والسرد والـحوار لحظيت باهتمام أكبر وتقدير أعظم، ولحققت من الإبداع والمكانة مـا تصبو إليه. ومن هنا ينبغى أن يحكم على القصة القصيرة وينظر إليها من هذه الزاوية، وبمقدار توافر هذه التقنيات الفنية بحيث ينفى عنها كل ما يخالفها من ألوان الإبداع الأدبى.

 

كذلك الاعتماد على تعريف "أرسطو" للقصة واشتراطه أن يكون لها بـداية ووسط ونهاية دون تحديد للحدث والشخصية والزمان والمكان أدى إلى اختلاطها بالرواية القصيرة والرواية الطويلة وغيرهما من فنون القصّ أو الحكى.

 

وقد وفق د/ أحمد يوسف عندما وصّف القصة القصيرة بأنها أقرب الفنون إلى الشعر لاعتمادها على تصوير لمحة دالّة فى الزمان والمكان، ومن شأن هذا التصوير التركيز فى البناء والتكثيف فى الدلالة، وهما سمتان جوهريتان فى العمل الشعرى؛ ومن هنا لا ننتظر من كاتب القصة القصيرة أن يقدم الشخصية بأبعادها المعروفة فى الفن الدرامى، بل ننتظر منه دائما أن يقدمها متفاعلة مع زمانها ومكانها، صانعة حدثا يحمل طابع الدلالة الشعرية، وهو طابع قابل لتعدد المستويات، ومن ثم التأويلات، وبالطبع لا تجسّد ذلك كله إلاّ من خلال لغة تعتمد الصورة وسلتها الأولى والأخيرة".

 

ومن هنا فكثيرا ما يغفل متعاطو فن القصة القصيرة عن أبرز مواصفاتها أو شروطها الفنية فيما يتعلق بالحدث والشخصية والحبكة والزمان والمكان، وهى أهم العناصر الرئيسة المكونة لفن القصّ عموما ويخيل للـكثيرين منهم أن شرط القصة القصيره/ الأقصوصة - الرئيس هو محدودية الحجم أو الطول محدودية الكلمات أو الأوراق مهما تعددت الأحداث وتنوعت الشخوص وتبدلت الأزمنة والأمكنة..

 

وبعبارة أخرى يمكن فى نظر هؤلاء أن تكون القصة القصيرة تلخيصا موجزا لأحـداث رواية طويلة أو حتى مسلسلة بالغة الطول مما تطلع به علينا أجهزة البث الفضائى فى هذه الأيام، ما دامت تسكب فى بضع أوراق وتصاغ من بضعة مئات من الكلمات، مما يدفعنا دفعا إلى أن ننبّه مرة أخرى إلى أن أبرز مـقومات القصة القصيرة الفنية أنها تتناول حدثا محدودا جدا، أو لمحة خاطفة ذات دلاله فكرية أو نفسية وقعت فى إطار محدود كذلك من الزمان والمكان يرصدها القاصّ رصدا تتطور فيه الأبعاد وتتمحور فى داخل الشخصية الحاسمة لتبلغ ما يعرف بالعقدة، ثم تأتى لحظة التنوير أو الحل لإشكالية الصراع أو تطور الحدث فيها. ومن هنا كان فن القصة القصيرة فى نظرنا من أشقّ الفنون الأدبية وأصعبها لما تتطلبه من مهارة واقتدار وسيطرة عـلى كافة الخيوط التى تشكلها. وقد لا يشركها فى هذه الصعوبة بشكل متميز غير القصيدة الشعرية.

 

ومن كل هذا بان من الضرورى فى بحث القصة القصيرة/ الأقصوصة وتقنياتها الفنية وجمالياتها تحديد مفهومات الأنماط الأدبية الإبداعية المرتبطة بواشجة قويه بفن القصة القصيرة فى محاولة جادة لتضييق شقة الخلاف وتقريب وجهات النظر المتباينة فيها.

 

أما أهم الفنون الأدبية المرتبطة بالقصة القصيرة/ الأقصوصة ارتباطا وثيقا فهى الحكاية والمقامة والخبر والرواية القصيرة والرواية الطويلة والمسرحية والملحمة. وهذه الأنماط يربط بينها الأشتراك العام فى البناء الحدثى والشخوصى والحبكة والحوار والسرد والعقدة والحل/ لحظة التنوير والزمان والمكان. وربما هذا الاشتراك الواسع والعميق بين هاتيك الألوان الأدبية الإبداعية هو سرّ التداخل الكبير فيما بينما وما ينجم عنه من اختلاط كان مدعاة لهذه التوطئة التفريقية التى تهدف إلى تحقيق الفصل أوفكّ الارتباط بينها على هذا النحو الآتى:

 

أما القصة القصيرة/ الأقصوصة فهما مصطلحان لنوع أدبى واحد ينبغى أن يقوم على أقل ما يمكن من الأحداث/ حدث واحد يتنامى عبر شخصيات محدودة أو شخصية واحدة حاسمة، وفى إطار محدود جداً من الزمان والمكان حتى يبلى الصراع ذروته عند تأزم الموقف وتعقيده لتأتى من ثمّ لحظة التنوير المناسبة معزولة عن المصادفة والافتعال دون اشتراط الحجم أو الطول الذى ينبغى أن يكون محدوداً بطبيعة الحال. ووفق هذا التحديد التعريفى يمكن أن تكون "المقامة" أقرب الأنماط الأدبية التى تعتمد على القصّ أو الـحكى إلى القصة القصيرة/ الأقصوصة لاعتمادها على حدث محدد مـتنام وشخصية واحدة حاسمة/ البطل أو الراوى، وحبكة دقيقة وزمان ومكان محددين، وأن خلت من التركيز والتكثيف لتبنّيها نمطا خاصا فى البناء يقوم على البديع والشعر وفقا لطبيعة البيئة والظروف التى ولدت فيها بكل معطياتها الثقافية والفنية المتميزة، بصرف النظر عن نمطيه الحدث والشخصية والحبكة المتكررة فيها تبعا للغايات المتعددة التى أنشئت من أجلها المقامات كما هو معروف(11).

 

أما الحكاية أو الحدّوتة فهى تختلف عن القصة القصيرة فى تعدد الأحداث وتنوع الشخوص وتبادين الأزمنة والأمكنة واتساعها اتساعا يخرجها عن إطار الأقصوصة وإن اتفقت معها فى تقنياتها الفنية المتعددة: الحبكة والسرد والحوار والعقدة والحل، دون أن تكون الخرافة والأسطورة عاملا رئيسا فى التفرقة بينهما. ولعل أهم ما يميز هذا النمط الأدبي الإبداعي أنه تسوده روح الشعب، وتشيع فيه أحلامه وآماله وطموحاته وآلامه وثقافاته، حتى يمكن أن يعدّ النمط الأدبي المعبر عن وجدان الشعب وروح الجماعة.

 

أما الخبر فهو ضرب أدبى يقوم على القص والسرد للأحداث المتعددة دون عـناية بتصوير الأبعاد الفنية والاجتماعية وغيرها للشخصيات الفاعلة أو المحركة لها، وذلك لأن العناية منصبة على تطور الأحد فى المقام الأول دون اهتمام فنّى كذلك بالزمان والمكان وتحديد مقوماتها الشخصية، على نحو ما نجد فى خبر "داحس والغبراء" و "البسوس" و "غزوات الرسول (ص) وغيرها، والتى اتخذت صبغة الخبر التاريخى/ الحدث التاريخى.

أما الرواية القصيرة فتقع فى منزله وسط بين منزلتى القصة القصيرة والرواية الطويلة من حيث محدودية الأحداث والشخوص والأزمنة والأمكنة بصورة أكبر من نظائرها فى الأقصوصة وأقل مما فى الرواية الطويلة؛ ولعلها بذلك الأختصار والتركيز تدنو كثيرا من الحكاية/ الحدوتة أو الأقصوصة/ الفانتازيا..

 

وهنا نصل إلى الرواية الطويلة التى تقوم أساسا على تعدد الفصول والأحداث والشخوص والأزمنة والأمكنة التى تتضافر جميعها لتحقيق غايات فنية ومضامين اجتماعية وفكرية خاصة سعى إليها القاصّ أو الروائى بعناية بالغة. وقد شهدت الرواية الطويلة تطورا فنيّا واسعا زواكب تطور أجهزة البثّ المرئى خاصة عبر المسلسلات المحدودة وغير المحدودة أو المفتوحة (لـيالى الحلمية، مسلسلات شعوب أمريكا الوسطى واللاتينية وغيرها..) وهى روايات مفتوحة بلا نهاية، ولكنها قابلة للتحول إلى روايات طويلة محدودة واضحة النهاية.

 

والمسرحية تشرك الرواية الطويلة فى أهم خصائصها الفنية فيما عدا الحوار الذى تقوم عليه المسرحية أساسا.. أما الملحمة فهى إطار فنّى قصصى يستغل لسرد أحداث متعددة وشخوص متنوعة فى أطر متنوعة وفسيحة من الزمان والمكان، ويتدخل فيها الخيال وتشيع فيها الخرافة والأسطوره، وتقوم على الشعر عند الأمم الأخرى كما فى "الياذة" و "أوديسة" هوميروس الأغريقى و "انياد" فرجيل الرومانى اللاتينى، و "مهابهاراتا" و "رامايانا" الهنود و "شاهنامة" الفردوسى الفارسى، و "كوميديا" دانتى الإيطالى و "الفردوس الـضائعة" لملتون الأنجليزى وغيرها، فى حين يقوم النوع الذى عرفه العرب منها على المزاوجة بين الشعر والنثر أو على النثر وحده كما فى ملاحم "عنترة" و "الزير سالم" و "سيف بن ذى يزن" و "حمزة البهلوان" و "الأميرة ذات الهمة" و "الظاهر بيبرس" و "تغريبة بنى هلال" وغيرها، على ما بين الملحمة العربية والملحمة الأممية من اختلاف واسع غير محدود فى التقنيات الفنية والمضامين الفكرية كما هو معروف.

 

ومن كل هذا تتبين لنا الخصائص الفنية للقصة القصيرة التى تتميز بها عن سائر الأنمانط الأدبية الأبداعية المشابهة، وكلما دققنا وشددنا فى تحديد تلك الخصائص والسمات الفنية أمكننا التفريق بينها ونفى الأنماط الأدبية المتداخلة معها سواء منها ما يقوم على القص والحبكة والحدث والشخوص والزمان والمكان، وما لا يقوم على شئ من ذلك مثل "العجالة" والخاطرة" و "المقال" وغيرها مما لا ينبغى أن يعدّ منها ألبتّة؛ وإذا ما التزمنا، وألزمنا الآخرين بهذه المقاييس الفنية استطعنا أن نتبين أولا صعوبة هذا الفن الأدبى الإبداعى، وثانيا قلة نماذجه وندرة مبدعيه، وبذلك تظل السيطرة والشيوع للقصيدة الشعرية بكل إبداعياتها وتقنياتها وجمالياتها..

 

ولعل "المقال" كان من أبرز الفنون الأدبية التى اختلطت بالقصة القصيرة على ما بينهما من تباين واسع؛ وربما كان ذلك لمواكبته اياها فى النشأة، ولشيوع النزعة الاصلاحية فيهما وشدة اهتماتم الكتاب فى تلك المرحلة المبكرة بها فيهما/ المقال والقصة القصيرة، مما جعل كثيرا من مـقالات الكتّاب تتداخل مع القصة القصيرة وتتحول إليها تحولاّ أفسد مـفهومها وخصائصها الفنية المتميزة افسادا كبيرا، ونحن لا نستطيع أن نعفى الصحافة من مسؤولياتها ودورها البالغ الخطير فى هذا الاختلاط والتداخل. وقد أشار إلى هذه الظاهرة كثير من الباحثين فى القصة القصيرة خاصة، ولو مضينا نتقصّى أقوالهم وآراءهم فى هذا الصدد لطال بنا الأمر واتسع المجال مما يجعلنا نكتفى بإشارات سريعة إلى بعضها من مثل الرأى الـذى طرحه الناقد الحداثى السعودى "سعيد السريحى" وهو يبحث نشأة القصة الـقصيرة وتحولها من فن شفاهى إلى فن مكتوب مما أدى إلى تلبسها بأدبيات الكتابة وانفصالها عن أدبيات الفن الشفاهى؛ ولما كان "المقال" هو الفن الكتابى السائد والذى تمت المصادقة على مشروعيته فى تلك المرحلة، فقد كان طبيعيا أن تجئ البدايات القصصية امتدادا له"(12).

 

وعلى هذه الشاكلة تبينت لنا الأبعاد الفنية للقصة القصيرة/ الأقصوصة، ذلك الفن الأدبى الإبداعى الرائع الذى يجدر بمبدعيه، ومن ورائهم نقاده، أن يحرصوا عليها حرصا شديدا لينتجوا فنّا جديرا بالإعجاب والتقدير.

المراجع:

(1)، (2) النساج: تطور القصة القصيرة فى مصر ص 35 هامش 8،9/ مكتبة غريب 1990.

(3) نفسه 41.

(4) نفسه 40 - 41.

(5) صبرى حافظ: جدول الرؤى المتغايرة 341، الهيئة المصرية 1993.

(6) تطور القصة القصيرة 31 - 32.

(7) انيس المقدسى: الإتجاهات الأدبية 2/ 143.

(8) جدل الرؤى المتغايرة 123.

(9) نفسه 343.

(10) يمكن مراجعه كثير من الدراسات التى تناولت تقنيات القصة القصيرة من مثل: فن القصة القصيرة رشاد رشدى، القصة القصيرة: يوسف الشارونى، القصة القصيرة: الطاهر مكى، فن كتابة القصة: حسين القبانى، مجلة "فصول" العدد الخاص بالقصة القصيرة/1982….الخ

(11) راجع مثلا: المقامة: شوقى ضيف، أصول المقامات: إبراهيم السعافين، رأى فى المقامات: عبد الرحمن ياغى،….الخ.

(12) جدل الرؤى المتغايرة 343، وانظر: تطور القصة القصيرة 49….، الاتجاهات الفنية للقصة القصيرة فى المملكة 13. 

 

 

جَوْهَر القصّة القصيرة السورية

وَبُنيتها مع إطلالة الثمانينات

 

بقلم الكاتب: محسن يوسف

 

وجه الثمانينات القصصي:‏

تتيح مجلة الموقف الأدبي، للدارس أن يتعرف القصة السورية مع إطلالة الثمانينات، من خلال قصص سبعة وثلاثين كاتباً1 يمثلون مختلف التيارات في مجلد وثائقي ضخم، يمكننا أن نطلق عليه تسمية (وجه الثمانينات القصصي).‏

 

ومن تأمل الأسماء التي تواجدت في هذا العدد، نرى أن وجه القصة السورية، يظهر على حقيقته أكثر كمالاً وجمالاً مما كنا نتصور. لم يطغ رعيل على رعيل، ولم يبرز تيار على حساب تيار آخر. ربما غابت أسماء ما كان لها أن تغيب، لكن رعيل الغائبين لم يغب، ففي هذا المجلد، نجد ذا الباع الطويل في ميدان القصة، إلى جوار صاحب المجموعة الواحدة، ونقرأ لعدد من الكاتبات، قل أن نلتقيهن دفعة واحدة.‏

 

"هذا ما يتعلق بشكل العدد، أما ما يتعلق بموضوع الدراسة، فإن توجيهات الكتاب الذي يضمها2 تفرض التزامها بأمرين اثنين:‏

 

1 ـ الجوهر: وهو مصطلح قل تداوله، ولم نعتد عليه في دراستنا النقدية، وبأبسط تعريف هو مجموعة القيم والأفكار التي يطرحها مضمون القصة.‏

 

2 ـ البنية والمصطلح ليس ما اتفق على تسميته (بالشكل). إنه البناء الهندسي الكامل للقصة. مكوناتها اللغوية. الأسلوب الذي قدم النص. احتواء الشكل لجوهر القصة المتمثل بمجموعة القيم والأفكار...".‏

 

محاور الدراسة:‏

نظراً للعدد الكبير والهائل من القصص المدروسة، مع تعدد تيارات كتابها، يجدر بنا تناولها، عبر ثلاثة محاور، تسهيلاً للبحث، ولكي تحقق الدراسة، ما نطمح إليه من الدقة، والاتزان، ومن ثم الإنصاف.‏

 

يضم العدد سبع قصص لسبع كاتبات، وستكون القصص السبع، المحور الأول في الدراسة. المحور الثاني، ويشمل مجموعة الكتاب الذين كتبوا القصة بين فترة الخمسينات أو قبلها، ونهاية الستينات، وما تبقى من القصص، فتتم دراستها ضمن المحور الثالث...‏

 

1 ـ قصص المحور الأول:‏

ـ اختراق الطوق المحظور ـ‏

في مستهل تلمسنا لقصص الكاتبات، يتبادر إلى الذهن، مجموع ما كتبته المرأة في القصة القصيرة السورية.‏

 

إن تراث المرأة القاصة في قطرنا، يشير إلى موضوعات أثيرة، لازمت رحلة جل كاتباتنا. ربما كان الأكثر التصاقاً بها، موضوعات الحب والزواج وما شابه ذلك من الأمور الاجتماعية، حتى إن الموضوعات الوطنية أو القومية، وغيرها من مشكلات العالم الثالث، قل أن تحظى باهتمامهن، فلا نجد في أعمالهن إلا صدى لما يكتبه الرجل، ولكي لا يبدو الحكم مجافياً للواقع، لنبحث في القصص السبع التي سنتعرض لها، عما تطرح المرأة القاصة... من أمور:‏

 

يغوص قلم دلال حاتم في جرح مفتوح، عبر قصتها القصيرة (لماذا). نشاهد رجلاً بريئاً طيباً، يسقط في الشارع، برصاصة غادرة. يرفع رأسه عندما يدرك أنه القتيل متسائلاً: لماذا؟.. تمتلئ هذه الـ(لماذا) بعشرات الأسئلة المحيرة، وهنا تكمن عظمة القصة، تنفتح أمام العيون لتبرز أسرارها الشفافة. إن الكاتبة تغمس قلماً حساساً، في أعماق تنزف وتتألم، وتعاني من واقع مفروض ومرفوض، لكن ما يحدث يحدث. يظل الأطفال ينتظرون عودة الوالد المغدور. الوالد الذي تختلط في أذنيه جميع الأصوات الحنون، المغمورة بالحب والبراءة والطهر. لماذا يسقط هذا الإنسان؟؟...‏

 

استخدمت الكاتبة أفعال الزمن المستمر لتوحي بحرارة الجرح واستمرار المأساة وساعدها ذلك في ضبط الجمل وتماسكها، بينما امتاز أسلوبها بالسلامة والبساطة، وزهت اللغة لنقرأ:‏

 

"تختلط زغاريد أمه بهديل صغيرته بصيحات الواقفين بعيداً. ينتفض كطائر مذبوح. يعلو شخيره ويعرف إنه القتيل. ينكفئ ثانية على الأرض. تفر من عينيه دمعتان كبيرتان وسؤال وحيد ... لماذا؟..".‏

 

وددت لو استمر تدفق هذه القصة العذب، لكن ذلك، ربما أساء إلى شكلها الذي اكتمل، وأحاط بقيمها وأفكارها، دون ضيق أو ترهل...‏

 

في قصة (العجوزان) لناديا خوست، نلتقي عاشقين عجوزين، يحملان ملامح أليفة، محبوبة، تعيد إلى الأذهان، ملامح شخصيات النصف الأخير من القرن التاسع عشر، في أدب القصة الروسية. ثمة حب كبير لم تستطع السنون أن تدفع به إلى الكهولة. ظل شاباً لكنه ليس بعنيف، وبقي نظيفاً وقوياً... وعبر الذكريات الماضية والحاضر الهادئ، حررت الكاتبة قصتها من تأثير الأفعال، فانسابت برقة لتؤطر وجود العجوزين، عبر لغة سهلة أسهمت في إضفاء المزيد من الإقناع على العلاقة القائمة بين العاشقين... الراهبين...‏

 

حبذا لو غربل الحوار قليلاً، فالقصة مقنعة كما قلت، ولا حاجة للتبسيط، ومهما كانت الضرورة لاستخدام (الفوتوغرافية) تظل لغتنا، بما تملكه من مفردات، أغنى من استخدام اللغة الدارجة...‏

 

ـ في أيام ملاحة الخاني، نفس روائي وليد، يحبو أحياناً ويعدو حيناً، نتلمس من خلال الذكريات حماسة شباب الخمسينات، وحيرتهم أمام متناقضات وطن لم يبلغ مواطنوه سن الرشد. تصفو لغة الكاتبة وترق بين سطر وآخر، وتستبد الشعارات السياسية المباشرة ومفردات القاموس السياسي في أماكن أخرى، ويمتد الزمن إلا ما لا نهاية.‏

 

هل (الأيام) مقطع من رواية؟. إذا كان كذلك، فلاشك أن إعادة النظر ضرورية.‏

 

ـ ضياء قصبجي، تمنحنا قصة الحب الثانية (أسافر وأحبك. تبقين وتحبينني) إن العاشقة تنتظر (كما الأرض العطشى تنتظر ذرات المطر) ولأنها تحب وطنها؛ ترفض أن تسافر مع من تحب، لتتباعد وشائج العلاقة على الرغم من توهج استمرارها.‏

 

ثمة قيم كبيرة في النص: الوطن. الحب. الوفاء.. الخ، لكن بطلة ضياء التي تبحث عن الفرح، وتنتظر عودة الحبيب الراحل، لم تفعل شيئاً سوى الانتظار، فظلت وهذه القيم مجردات اختفت خلف مفردات دافئة وجميلة.. لغة الكاتبة رقيقة، شفافة، وجملها قصيرة ومتزنة...‏

 

تقديم قصة (معاناة) لمقبولة الشلق، حيرة كاتب قصة في اختيار موضوع لقصة جديدة. تنتهي القصة بلقاء الكاتب بمغنية تطرب الجماهير وفي أعماقها تضطرم الهموم والآلام. أليس هذا الموضوع جديراً بالكتابة؟..‏

 

امرأة وفتى، وضعتهما قمر كيلاني في (حكاية من زمن الموت والانتظار) في وضع يزداد تأزماً، مع تأزم القصة في التعبير عما تريد الكاتبة إيصاله، فلا وجدت لهما فكاكاً، ولم تمنحنا القصة الإحساس المأساوي الذي بشرت به.‏

 

ماذا أرادت الكاتبة أن تقول؟.. من عائشة الفهد؟.. هل هي حقاً حكاية؟.. هل جنت عائشة لموت زوجها ومن هم الذين جاؤوا به مهمشاً كإبريق مكسور؟.. لماذا حارب الزوج وأية حرب مات فيها؟..‏

 

في القصة فراغات كثيرة، أفقدتها الوضع والتماسك، كما أن التراكيب اللغوية كانت أكبر من أن تحيط بالمعاني، أو تخدم البناء اللغوي للقصة.‏

 

الكاتبة الأخيرة التي شاركت في عدد الموقف الأدبي الخاص بالقصة القصيرة هي لوسي سلاحيان وتقدم قصة في الحب عنوانها (المحرومة من الحب). مدرّسة متزوجة ومديرها، يعيشان حالة خاصة من الوجد، يوقف تصاعدها إحساس المدير بمجانية هذه الحالة.‏

 

تبدو القيم التي تطرحها الكاتبة، كدور في نسيج القصة، ولعل أكثرها توهجاً، ذلك الشرف النادر الذي يضوع من موقف المدير.‏

 

استخدمت الكاتبة ضميرها اللغوي، واستطاعت من خلاله السيطرة على تمرد القصة للانفلاش نحو الزمن الروائي، وزاد في تماسك مقاطعها، حتى ليبدو أنه لا ضرورة للنجوم الخماسية التي تفصل مقاطع القصة، وساعدها هذا الضمير على تركيز ما أرادت توصيله، أما لغتها فغير مركبة، وتتميز بغنى في المفردات البسيطة ذات التأثير.‏

 

***‏

 

لنعد الآن إلى ما كتب في بداية تعرضنا لقصص الكاتبات. إن كاتبة واحدة فقط هي دلال حاتم استطاعت أن تخرق الطوق المحظور، وتقدم قصة تنبض بالهم الوطني. بالهم اليومي عبر المآسي التي يسببها القتل المجاني، لكل ماهو بريء ونظيف في الوطن. أي وطن. أما ملاحة الخاني فتحاول الاقتراب من الطوق لكنها لا توفق، بينما نجد الكاتبات الباقيات يراوحن، نجاحاً أو إخفاقاً، حول الموضوع الأثير. إن الحب في قصص (ناديا خوست ـ ضياء قصبجي ـ لوسي سلاحيان) على اختلاف زاوية الطرح، وجدارة ما يطرح أوتهافته، يظل الجانب الأكثر إغراءً للمرأة، بينما نجد قصتي قمر كيلاني ومقبولة الشلق تتعثران. قصة قمر لابتعاد الكاتبة عما يستسيغه قلمها، وقصة مقبولة لعدم جدوى جميع الموضوعات التي فكرت فيها.‏

 

إن قصة المرأة في سورية أمام امتحان صعب، نكتفي هنا بالإشارة إلى ضرورة اختراقها للطوق المحظور، لتحقق قفزاتها، وتبلغ سن النضج الكامل...‏

 

قراءات في قصص مجلة الموقف الأدبي‏

 

2 ـ قصص المحور الثاني:‏

"القصة ... حضور متجدد دائم".‏

لدينا في هذا المحور أربعة عشر كاتباً، نستطيع القول أنهم يمثلون ـ بنسب متفاوتة ـ القصة السورية، بين مرحلة الردة، ونهاية الستينات3. يبدأ العدد بقصة (الأخرس غضبان) لأديب نحوي، وهي صورة بسيطة للمناضل الفلسطيني. المعلم الذي (ينطلق إلى الحرب من بيتنا، ويعود بعد الهزيمة. يظل ميتاً طوال النهار، وفي الليل تنطلق روحه مطالبة بالثأر). إنه المكبل بالقيود والإحباطات، وليس له إلا أن يكون مقاتلاً في صفوف (الاحتياط).‏

 

يُدهش شباب لغة النحوي. اللغة الحارة الشهية التي تفوح بروائح ودفء حارات الأبطال الطيبين المجهولين، ومما يزيد في حلاوتها استخدام الضمير الحار والفعل المستمر توأمي لغة النحوي، وتبدو القصة كأنها أنشودة شعبية شجية، والإحساس ببساطتها يجعلها في مصاف أفضل قصص الكاتب التي قرأناها في مجموعاته السابقة.‏

 

وليد إخلاصي (في قصة (بانتظار الأمير) يدفع ببطله سعيد البدين ليخوض معاناة (غودوت) العربي. إن الأمل الذي يصبو إليه البطل يبدو قزماً، وهشاً، إلى جوار أحلام الخادم أو التابع الفقير. والأمل كقيمة، أضفى على جو القصة دفئاً إنسانياً، ويذكِّر هذا الجو الدافئ بأجواء قصص عالمية ترجمت إلى لغتنا في فترة بروز اسم هذا الكاتب المتميز. لكن لماذا يستطيل زمن قصص وليد إخلاصي؟.. زمن قصته هذه، وقصص مجموعتيه الأخيرتين "موت الحلزون ـ الأعشاب السوداء" يمتد ويمتد، كان إحساس الكاتب نحو القصة بدأ يتضاءل، لينحاز إلى شكل وبناء الرواية. وبرغم ذلك، يمكن أن نشيد بما قدم في قصة (بانتظار الأمير) ضمن مضمار دراستنا، فلغة الكاتب وأسلوبه يزدادان تألقاً وتمرساً، ووعاؤه الفني الأكثر رحابة، والأمير تفرداً.‏

 

.. بعد غياب قصصي طويل، يعود إلينا القاص اسكندر لوقا، في قصته (عودة شاهين)، ليربط بين جيلين. عانى من وطأة الاستعمار العثماني، وجيل حارب وما يزال في سبيل الوطن.‏

 

تنفسح القصة لتقدم صورتي "شاهين الأب، والابن شاهين"، عبر رحلة الوجود العربي بين عامي "1516 ـ 1916" بدء ونهاية الحكم العثماني وبين حرب 1973 بداية تحرر الإنسان العربي من جميع مخلفات ماضيه الثقيل الإرث.‏

 

تصوغ أنامل الكاتب بمهارة، صورة رمزية شفافة، لوضع الأمة العربية في عهد الاستعمار القديم، ويد الضابط التركي تمتد إلى جسد الزوج الثاكل، وقد سكن مسدسه على مقربة من رأس طفلها (شاهين)، وبإسقاط رموز هذه الشخصيات، نجد أن الضابط التركي هو ممثل القوى الاستعمارية التي كانت تستبيح الأرض العربية (الأمة العربية = الأم) وتهدد المستقل (شاهين = الابن) الذي أسهم في حرب تشرين، ولعل في تسمية البطل (شاهين) اتكاء ما للإيحاء باستمرار دور البطل الشعبي (شاهين) صاحب النضال المعروف أيام الانتداب الفرنسي.‏

 

القصة غنية بأفكارها وقيمها، وأبرز ما تقدمه استمرارية وحضور الأمة العربية برجالها وأبطالها. إن الأم التي تربط الماضي بالحاضر، تستعيد ما تفتقده عند عودة ابنها شاهين، وحتى لو لم يعد، فهو مثل أبيه، سيبقى خالداً "ـ حتى لو لم تعد يا ولدي، فكنت، مثل أبيك، ستبقى معنا دائماً ـ"، "أليس هذا حديث الأمة... أم الجميع؟".‏

 

سيطر الكاتب على تسلسل القصة المنطقي، رغم صعوبة الأفكار التي تطرحها باستخدام أفعال الزمن المستمر، وفي اعتماد اللغة السهلة حافظ على صفاء الأفكار، فالجمل الصعبة التراكيب تساهم في تشويه ما يود الكاتب إيصاله.‏

 

ـ حياة مرة ـ قصة صلاح دهني، تقدم صورة شبه فوتوغرافية عن أسرة، أصيب أحد أفرادها بعاهة، وسعي هذه الأسرة لعلاج صاحب العاهة.‏

 

تعيد القصة إلى الأذهان، موضوعات كاتبنا الكبير عبد السلام العجيلي في قصصه التي يتناول فيها أمور الطب والأمراض.‏

 

يحاول الكاتب من خلال القصة، إبراز ما عانته الأسرة في سبيل مريضها، وعجز الطب أمام القدر، كما يبرز عملية لجوء الأسرة إلى الدجالين والطب الشعبي عندما تصل إلى درجة اليأس من الشفاء. استخدم الكاتب جميع الضمائر والأفعال لتأطير أفكاره. تركيب الجمل غير سلسل مما يفسح المجال للشك في اتزان التراكيب على الرغم من صحتها. القصة أقرب إلى السيرة، وفيها نكهة الحكايات..‏

 

ـ بطل رياض نصور في قصة الرقص، بطل مأزوم، يعاني مما حوله، الكل يرقص. العفاريت الهياكل العظمية. إنه يحتاج هو الآخر إلى ممارسة ما يخفف من أزمته فيهرب، ويهرب بطل رياض إلى الطبيعة. إلى الأم الأولى، وهناك يمارس رقصه الخاص به، تحت مطر غزير، حيث النسيم النقي، ورائحة العشب الطري والأرض المشبعة بالطيب.‏

 

يحتوي القصة جو رمزي هادئ الإيحاءات، مما يجعلها واضحة المرامي. لغة الكاتب سهلة وتقترب من الشعر أحياناً. جمله قصيرة وسليمة. على الرغم من سردية القصة ذات الاتجاه الواحد تغلب الشفافية عليها، لكل ما تطرحه من قيم وأفكار، يظل في الحد الأدنى بالنسبة لما طرحته نصوص قصص مجموعته "أشباح المدينة"..‏

 

في "عروة بن الورد ملكاً" لمحسن غانم، يستعير الكاتب وجه عروة ليضعه فوق مجموعة هموم معاصرة في محاولة لاستبدال الرمز العصري بأسلوب الرمز المتولد من الإسقاط التاريخي.‏

 

يرفض عروة أن يكون ملكاً، وتلك إحدى قيم القصة، ويفر من القصر بعد تتويجه، فيقبض عليه وينفى إلى البادية.. أما تزال البادية على نقائها العربي أيها الكاتب؟..‏

 

يطرح محسن غانم، عبر اللغة السليمة، والجمل القصيرة المتلاحقة التأثير، فكرة جديرة بأكثر من قصة قصيرة. ماذا يعني استحضار عروة الذي يقول في إحدى قصائده: "أقسم جسمي في جسوم كثيرة" الخ؟. هل يعني حضوره إننا نحتاج إلى عدالته الاجتماعية؟. وهل العدالة المعاصرة (كما يصبو إليها أحفاد عروة) غير كافية، أولاً تحقق الصبوة الإنسانية؟. هل نفي عروة إلى الصحراء أم أن العدالة ككل حكم عليها بهذا النفي؟.‏

 

تبقى القصة، على الرغم من ترقيمها الذي أساء إلى تماسكها، إحدى القصص التي تستحق أن تقرأ بإمعان..‏

 

ـ المهندس لـ"وهيب سراي الدين"، قصة محتال، يسطو على سكان قرية ويسلبهم أموالهم، بحجة أنه المهندس المكلف تخطيط القرية.‏

 

تُبرز القصة تخلف سكان القرية، بأسلوب أقرب إلى السرد. اللغة عادية، تتميز بدقة التصوير في بداية القصة ثم تتراجع، والقصة بشكل عام تحن إلى كلاسيكية الخمسينات.‏

 

ـ في السبحة الطويلة لصقر خوري، شاب يجد محفظة، يعيدها إلى صاحبها والد محبوبته. هذه هي القصة، ولا تختلف في بنيتها عن القصة السابقة.‏

 

ـ مالك عزام في قصته (العزف على المزمار) يتحدث عن كنز تحرسه حوريتان. تعلمنا القصة قيمتين هما: حب التعاون وكره الأنانية والطمع. لم يستطع الكاتب احتواء قيمه وأفكاره بشكل فني مقبول، فبدت القصة أقرب إلى قطعة في الوعظ والتعليم، منها إلى القصة الفنية..‏

 

ـ تحيط قصة (التفاح لا يؤكل دائماً) لـ"علي بدور"، بهموم فاطمة، الفتاة القروية الصغيرة التي ترافق جدتها إلى المدينة، وتتحدث عن أحلامها وتوقها إلى صورة، وحرمانها من تحقيق هذا الحلم قصة حافلة بالرؤى الإنسانية، نص غني بالإمكانيات، قصرت المفردات اللغوية عن احتضان ما يبثه من شفافية، كان يمكن لها أن تجعل من القصة أنشودة رائعة. إن لغة الكاتب القصصية، ليست في مستوى براعته في التقاط الجانب الأكثر إغراءً، لهذا بدا ما قدمه قصة خمسينية تنوء بما حملها كاتبها من تبعات، لم يعد فن القصة اليوم ليحفل بها، بل ينظر إليها كهنات، لابد من تلافيها لتكون قصتنا أكثر فنية..‏

 

ـ نلتقي ثانية، بقصة تنهل من (موضوعات) العجيلي الأثيرة هي قصة (الصورة القاتلة) لبشير قنصة، ويسوقنا الكاتب بعد استطراد طويل في المقدمة، إلى قصة السيدة خيرية التي سقطت صورة أبيها فوق رأسها، وكانت السبب في موتها..‏

 

يأخذ الكاتب حريته كاملة في الغوص والبحث.. والتعليل. يستشهد بالكتب الجنائية، ويحدثنا حول الشنفرى وقسمه الذي بر به وقتل مائة من الرجال. يعرض شعراً. ويدرس لوحات الرسامين، وينتهي إلى موعظة/ وكم من توافه الأمور عادت إلى من لا يقيم لها وزناً بالويل والبثور.‏

 

قصة خمسينية أخرى، وربما أربعينية، أقرب إلى الحكايات منها إلى الفن القصصي....‏

 

في قصة (الصورتان) لأحد رواد قصتنا ـ مظفر سلطان ـ نرى الحياة بين صورة الأم والعشيقة، ثم تبزهما صورة الزوجة، فعبرها تستمر الحياة الخالدة، لنقرأ نهاية هذه القصة الجميلة:‏

 

فتح عينيه كما يفتحهما كل يوم: فتحهما على الصورتين اللتين تطالعانه من الجدار المقابل، فلم ير في وجهيهما عتاباً ولم يسمع على شفاههما حديثاً، إنما خيل إليه أنه يرى في عيني الأم والغانية الفاتنة شيئاً يشبه البسمة، أما المرأة التي ترقد إلى جانبه فقد فتحت عينيها الخالدتين، تنظران إليه بإيمان جديد".‏

 

كان يمكن لقصة سهيل أيوب (الانتظار) أن تقارن بقصة (عودة شاهين) لاسكندر لوقا. أننا نعايش أماً تنتظر عودة ابنها من الجولان أو جبل الشيخ، ونعلم أن أباه استشهد وهو يقاتل الفرنسيين: (لقد قتل زوجها في الحرب، وهذا ولدها الحبيب صورة كبيرة عن أبيه).‏

 

ألا تذكرنا هذه الكلمات بمعنى من المعاني، بما تقوله الأم في قصة اسكندر لوقا (حتى لو لم تعد ياولدي، فكنت، مثل أبيك، ستبقى معنا دائماً)..؟‏

 

لكن.. سهيل أيوب لم يستخدم جميع ما توفر لديه من إمكانيات، كما أنه استساغ مباشرة الكلمات من مثل (إعطاء الوطن حقه في الحرية والاستقلال ـ العدو اللعين الغاصب ـ تراب وطنه المقدس الخ..) وأكثر من استخدام حروف العطف. لنلاحق حرف (الواو) في بداية الصفحة 353 كمثال فنقرأ: ودلفت.. وأغلقت... وأعادت.. وتهاوت... وابتهالات..، .. إنها قصة رغم ذلك.‏

 

قصة محمد رؤوف بشير (الدمية والرجل). ثمة لقاء بين زوج عجوز، وعشيق لزوجه الحسناء الصغيرة. ينتهي اللقاء بتسليم العشيق، مفتاح عش الزوجية...‏

 

***‏

 

هذه هي قصة الرواد، والرعيل الذي كتب القصة منذ الخمسينات وحتى نهاية الستينات، وفي هذه الخارطة المتعددة التضاريس، نلتقي الوجه الزاهي المتجدد، ونلتقي الوجه الأليف، وتصادفنا وجوه كان ينبغي أن تكون ملامحها أكثر حضوراً، وفي الحد الأدنى كان يجدر بها المحافظة على حضورها القديم.‏

 

تلتقي قيم وأفكار أغلب هذه القصص، القيم والأفكار التي طرحتها قصتنا حتى إطلالة السبعينات، وهي متنوعة ومتشابكة، كما لاحظنا من قراءتنا لها، هناك غنى ظاهر في بعضها إلى جوار الفقر المدقع.. استخدم الكتَّاب أساليب وتقنيات لا تخرج عما ألفته القصة السورية، ويلاحظ أن إمكانات المدرسة الرمزية لم تستغل جيداً، لكن بصمات غيرها من المدارس كانت ظاهرة وواضحة بشكل أو بآخر..‏

 

اللغة عموماً، ظلت محتفظة بردائها القومي. ربما غلبت اللغة الإنشائية أحياناً على اللغة القصصية، لكن ذلك من السمات المألوفة في قصص بعض الكتَّاب..‏

 

***‏

 

قراءات في قصص مجلة الموقف الأدبي‏

 

3 ـ قصص المحور الثالث:‏

وظيفة القصة الحديثة‏

نلتقي أسماء ستة عشر كاتباً، في المستوى الثالث والأخير من دراستنا، وكلها من الأسماء، التي بدأت مع إطلالة السبعينات أو قبلها بقليل، واستمرت في العطاء، لتؤكد حضورها في ساح القصة القصيرة السورية، بما قدمته من إنتاج، أضاف شيئاً جديداً إلى سجل القصة القصيرة..‏

 

في أولى القصص4 يأخذ بنا زكريا شريقي في قصة (خطوات بلا أقدام) إلى جنوب لبنان. يضعنا أمام إنسان فقد كل شيء في الجنوب، وجاء يحمل البقايا التي خلفتها الحرب الأهلية وهمجية إسرائيل: نصف لعبة. ثوباً ملوثاً بالدماء. زجاجة دواء.. الخ وماذا يحمل إنسان الجنوب؟.. لقد فقد حتى اتزانه وعقله. إنه لم يعد يحتاج إلى شيء في عالم يحارب فيه الإنسان بمختلف الوسائل والأدوات...‏

 

لاحق الكاتب بطله بصبر، ورسم أبعاد قضيته بدقة، مصوراً أدق التفاصيل، ببساطة متناهية، وكانت وسيلته لغة بسيطة، تبدو وكأنها تشكو تعثراً.‏

 

إن براعة كاتب ما، تتجلى في تصديه لقضية شائكة، تحتاج إلى جو خاص، ولغة خاصة، ونجاحه في طرحها، وانتقاء إطارها الفني المناسب، بالإضافة إلى سيطرته عليها مباشرة "وراهنيتها". ذلك يعني أن هذا الكاتب حقق نجاحاً صعباً يستحق عليه الثناء...‏

 

ـ من قصص فراتية، يقدم عبد الله أبو هيف (البرية ـ اللعنة). ثمة ضيق عظيم يطبق على الواقع الذي اختاره. الأفق يمتلئ بالغيوم. العجاجة الصفراء تقتلع الزرع. الدواب تنفق البرية تأخذ المال والولد. إن الإنسان في العراء، مجرد ضحية (بالدور) أمام طبيعة جبارة، قاسية لا ترحم.‏

 

هذا ما يحدث في البرية، أما ما يحدث في المدينة، فلا أحد يهتم لشيء فيها. كل اللحظات تهرب دون جدوى. تتقافز الأيام فوق فراش بارد. الدناءة. السراب. الخيانات، لكن.. ماذا ينفع جلد الذات، في مدينة محمومة.. أمام طبيعة أخرى أشد شراسة؟.. عجاجة صفراء أخرى تجتاح المدينة.‏

 

يزرع الكاتب أملاً، في المقطع الأخير من (اللعنة):‏

 

"نتركك الآن ونخرج إلى الصحو، فجراً ترتمي خلفه الأثقال والأحمال والأتعاب، ويقظة هي الأمل".‏

 

ترق اللغة على الرغم من الضيق والجفاف والوجوه الصامتة، ويخدم التقطيع عملية الإيصال، وبصورة ما يبدو العالم الذي يحاول أبو هيف، رسم تضاريسه، كأنه نقيض عالم جورج سالم، نما بلغته وأسلوبه، ورقة الرؤى التي تشع عبر السياق القصصي.‏

 

ـ في قصة (دوّار القمر) لنيروز مالك، نتعرف مكاناً يحلم به العشاق. يؤمه السياح ويكرهه ساكنوه وأصحابه.‏

 

إنها صورة الوطن، وما أشد ظلمنا للوطن؟...‏

 

القصة بسيطة، بأسلوبها، ولغتها، لكنها غنية بقيمها وأفكارها، كونها تتلمس موضوعاً غنياً خصباً، لم يسمح للرمز رغم بساطته هو الآخر، بإخضاع القصة لعبوديته، بل ساعد على اتزان توازي المستويين لخلق قصة جديرة بالقراءة.‏

 

ـ وليد معماري أو عطشان البصير، بطل قصته، يعيشان حالة ثورية في مصنع للنسيج، يتم تعميم الحالة بوساطة الشمس، والمطبوعات الممنوعة، إلى أماكن أخرى.‏

 

في صدر القصة نتعرف عطشان، ابن المدينة الذي اكتسب اسماً بدوياً، ونعرف أنه شاب فقير، يحلم بأشياء كثيرة، لكن المديرين والسكرتيرات والأطباء. كل هؤلاء يحرمون عطشان الذي يرى ولا يحب الصمت، من أحلامه المشروعة، إن الجهات القمعية تصادر عطشان وأمثاله.‏

 

يتأثر أسلوب القصة، بتجارب وليد في حقل قصة الطفل، "ـ تمنع الشمس من دخول المدينة منعاً باتاً... رفضت الشمس الانصياع للأمر وما زالت تشرق ـ".‏

 

حبذا لو استمرت (الحالة الثورية) بواقعيتها، ومباشرتها، لأن القصة، وهذه القصة بالذات، تتطلب ذلك..‏

 

ـ يعاني بطل فاروق مرعشي في الفراشة الأخيرة طوال أيام الأسبوع، ويلجأ كبطل رياض نصور إلى الطبيعة، ويعود إلى الطفولة لكن ذلك لا يجديه، فيعود إلى حزنه.‏

 

كما احترقت فراشة فاروق، احترقت القيم التي حرضت عليها القصة، ولم يبق فيها سوى التشاؤم والمعاناة المرة والموت البطيء... لماذا؟ العالم يصنع من النفايات طاقة. إن الهم الفردي يتألق في الهم العام، لكن الكاتب لا يترك كوة صغيرة إلا أغلقها، فهل أصبح الحب والأشياء الجميلة أعباء على القلب الإنساني؟...‏

 

ـ (ضباع) إبراهيم الخليل هم السادة، في مضافة الدليمي أحد هؤلاء الضباع، تنمو بذور الانتماء والتمرد على واقع قاس ديدنه الحجر والقتل والاغتصاب، واستباحة الإنسان.‏

 

إن مضافة الدليمي هي رمز يعبق بروائح شتى، وكنت أتوقع وإبراهيم الخليل يدفع بنا إلى الذروة الفكرية والفنية، أن يكون هناك أكثر من عملية حرق المضافة. كنت أتوقع اغتصاباً مشروعاً وقتلاً مشروعاً، ومن ثم تندلع النيران في المضافة، على أن يشارك في هذا كل الذين (بالت عليهم الضباع) وليس القهوجي وحده.‏

 

في لغة الكاتب اقتراب مذهل من لغة حيدر حيدر، كما أن عمق إحساسه بقضية أبطاله، مكنه من تسليط أكبر كمية من الضوء على ساح القصة، وأضفى على وعائها الفني، كل الجمال والروعة.‏

 

ـ خليل جاسم الحميدي، في محظة (القطارات) يرسم ببراعة متناهية لوحة ساحرة لعلاقة دافئة، تنمو مع اللحظات، بين رجل وامرأة، ومع انجذاب القطبين الخالدين، تجذبنا القصة إلى جسدها الثري ورموزها الواضحة. الرجل ينهمر أحاسيس. يبرز وجهه وهو يتذكر وجهها. إنها (الزمن الذي سبق الركض والمطاردة، وأقبية التعذيب) إنها تدفعه إلى التفكير في بلاده. صورتها (وهي في حالة عطش، وشوق لمطر، يظل يهطل، يهطل، مائة عام، مليون عام، ليعيد إليها خضرتها، ونماءها، وفرحها.).‏

 

المرأة. الصورة. القطب الثاني، لابد من أن يكون اللقاء بها عفوياً، دون مقدمات، لا حاجة إلى المراوغة، والدوران، فلا عبث أو لهو في مثل هذه العلاقة الخالدة.‏

 

إننا نعيش مع الكاتب. مع الرجل، حالة وجد فريدة، وربما لأن رمز المرأة. رمزنا، هو الذي أكسب الحالة صوفيتها، وفرادتها، وساهمت المفردات المنتقاة في إغناء الجو العام للقصة، كما أن المجال الحار الذي تحرك فيه خليل، أكسب القصة الكثير من التماسك والاتزان، ومكنه من الاستفادة من كل إمكانات الرمز الذي أحاط بما أراد إيصاله، كوشاح جميل..‏

 

ـ قصة عميد درويش (تكيف) تقدم شاباً لا تجارب له، يريد أن يبني حياته على هواه، فيرتب مستقبله، على أساس البيت الجميل والزوجة الجميلة والسيارة المريحة والمال الوفير، وطريقه إلى ذلك التسكع والأحلام.‏

 

يلتقي بائعة فينجذب إليها، لكنه يفتقدها لافتقاره إلى الخبرة في إغواء النساء.‏

 

بدت لي القصة (كحجارة متراصة، كما يصف الكاتب سوراً لبيت كئيب، ويشكو هذا السور من كثرة استخدام حرف السين، وقد، بمناسبة وغير مناسبة، كما يتكئ كثيراً على فعل كان وكل ما يمت إليه بصلة.‏

 

ـ تنام التلميذات في قصة (الدرس الجديد) لمحمود موعد لتخلو المعلمة إلى همومها ومشكلاتها، والصغيرات يغصن في بحر الأحلام، تتبعهن المعلمة لتغوص في وحل الأزقة المهجورة، ثم يأتي جرس الانصراف، لينقذ الجميع من الأحلام المزعجة.‏

 

يرصد الكاتب حالة الطفولة المستلبة، وما تتعرض له من روادع وزواجر، وأحكام لا مسوغ لها، وتأثير التربية الخاطئة التي تعرضت لها المدرسة في طفولتها على طفولة الآخرين، وعلى اتزان شخصيتها هي بالذات. تحضن النص مجموعة من الأساليب، تختلط بمهارة لتخدم سياق القصة، فمن أسلوب الكتابة للأطفال، إلى أساليب الرمزيين والواقعيين، تنساب أفكار القصة بيسر وسهولة.‏

 

ما يقلل من قيمة القصة، ذلك التمهيد الطويل الذي سبق فض الرسالة، مع الإشارة إلى أن المعلمة فضتها بلهفة ملحوظة، لم يلحظها الكاتب إلا في نصف القصة الثاني..‏

 

يعيدنا زهير جبور في (حكايات المدينة المدمرة) إلى طفولته في القنيطرة. نعرف أنه درس في تلك المدينة، وكان يخاف الكلاب الضالة، ويلعب الكرة ويركب الدراجة، ومن خلال ذلك يقدم لنا شخصيات عايشها في تلك المرحلة من حياته /مدير المدرسة. صاحب الدراجات. عامل البقالية. فتاة الصيدلية. الفتاة السمراء التي أحبها/، وعندما يلتقي الماضي الحاضر يرى البطل بيت الطفولة كومة من الحجارة، وقد استشهد أو ضاع جميع من أحبهم. وهذا ما يفعله الأعداء. إنهم يقتلون الحب والطفولة ويغتالون الوجود الإنساني.‏

 

ترتدي القصة ثوباً ضيقاً بعض الشيء، شده الكاتب بمجموعة من الأزرار (المقاطع) أو الحكايات كما شاء مع أن هذه الحكايات بتنوعها، كان يمكن لها أن تنير جوانب أخرى، لو أن الكاتب، تخلى قليلاً عن عادة الاختزال التي عرف بها في قصصه السابقة، ولابد لنا مع ذلك من الإشادة بتمكنه من تأطير مجموعة من الذكريات المتناثرة بوساطة هذه (المقاطع) كما بدت جمله رشيقة، وحاسمة في توجهها، دون تكلف أو تصنع في صياغتها، مما أعطى القصة شكلاً متناسقاً ومقبولاً.‏

 

قصة (صالح الرزوق/ العسل البري) تمور بالأحداث. هناك تاريخ وقلعة وتتار والشاعر المغمور (علواش) الذي تظل طريقة موته مجهولة.‏

 

تضع زوجة علواش مذكرات زوجها أمام صديقه المحامي، الذي يعاني اضطراباً وهو يوغل في هذه المذكرات، ونجد الصديق يرمي شباكه للإيقاع بالزوج الناقمة على الميت الذي أحب أحب غيرها، ونعرف أن هذه الزوج لم تكره بعلها لهذا السبب وحده، بل كرهته لأنه أخفق في كل شيء، حتى في إنجاب الأطفال.‏

 

إن تفكيك القصة لن يوصلنا إلى شيء، فكل ما يمكن أن نصل إليه، أوجزه الكاتب في نهايتها. إنه على موعد مع زوج الشاعر، لزيارة قلعة حلب والتجول في المدينة، ورسم خطط المستقبل. ماذا تريد القصة أن تقول؟.. ماذا أراد الكاتب من عمله البري؟.. أحداث التاريخ المغلوطة إلى جوار أحداث صحيحة: التتار وحلب التي لم يدخلوها. نهر الفرات ودجلة والمياه السوداء.. هل استخدم القاص رموزه وإسقاطاته لمجرد العبث أو إظهار المعرفة بجميع هذه الأحداث؟ إن حلب تشنق المتنبي وعشرات النسخ من جثته في الشوارع.. مرة أخرى أتساءل، وبحيرة كبيرة: ماذا تريد القصة والكاتب؟.. إن المستويين الرمزي والواقعي، لا ينبئان بشيء كثير أو قليل...‏

 

ـ صورة عن الإنسان في مجتمع غربي، يقدمها عبد الرزاق جعفر في قصته (المتسكع). الفرنسيون يحتفلون بذكرى خلاصهم من الباستيل، رمز الظلم والعبودية، وفي الوسط منهم راقص (يبدو عليه الفقر الشديد) يعانق الهيته ويشارك في الفرح العام. فرح المواطن بوطنه غنياً كان أو فقيراً. متسكعاً، عليلاً. حزيناً. سعيداً. فرح الوطن هو الفرح الأكبر. هذا ما نقلته القصة، وهي لقطة سريعة، غنية، لم أقرأ للكاتب قبلها، وكان يمكن لها أن تكون أكثر غنى، لو مزج هذه اللقطة الحية بلقطة أخرى، أو أدار زاوية التصوير باتجاه آخر..‏

 

ـ يماني في الغربة قصة مروان مصري، كاتب قصص (جميلة وليلى وآخر الحمير البيض). القصص الفائزة بالجائزة في مسابقة صحيفة البعث ومجلة المسيرة.‏

 

اليماني يحتاج إلى عشرة آلاف ليتزوج، والبطل عندما يعمل يوفر خمسة وأربعين وثلاثة أرباع، وهذا العامل مستعد للعمل في البناء والتسليك. الحفريات. الباطنون، كل ما يخطر على البال، والأسياد كثيرون.. لا حصر لهم.، وثمة قلاب يلتهم كل شيء، ويقذفه فوق مزبلة المدينة الكبيرة التي تغص بالوجوه الحقيقية والطروح التي رفضت الحياة الموبوءة.‏

 

الإنسان يعاني حتى الرفض. إنه يرفض حتى الحياة، في جحيم يشتد أواره وتتأجج ناره، لكن إنسان مروان يظل سيد أحلامه، وسيودع البؤس لا محالة.‏

 

تبدو القصة كآهة طويلة، وتحافظ على إيقاعها، فلغة الكاتب مشحونة بما تنبض به القصة من توتر، وجملة متراصة كرصاصات في مخزن جاهزة للانطلاق، وهذا ما يؤكد أن غربة اليماني، ليست غربة مجانية، إنها غربة تعمل لحضور دائم، من أجل الحياة التي لابد من (أن نقضيها في الهموم والآمال).‏

 

ـ في اللحظات الحرجة لأحمد السرساوي ـ عرب فلسطيني من مواليد سورية ـ نلتقي جنديين، تشغل أحدهما همومه الخاصة، بينما يجري التحضير لأعمال عسكرية مع العدو.. تتبدد جميع الهموم وطائرة معادية تنفجر في الجو، أمام عيون الجنديين..‏

 

نفتقد إلى نكهة قصص الحرب، على الرغم من ضرورة أن يكون لنا مثل هذه القصص، وقد خضنا بشكل مباشر ثلاث حروب عنيفة، لم تنر لدى قصاصينا ما يدفعهم إلى الكتابة والإبداع في هذا الميدان الغني بالموضوعات الجديرة بفن كفن القصة...‏

 

ـ بين تسعة وثلاثين كاتباً، نقرأ لكاتب غير معروف هو غازي حسين العلي، قصة بعنوان (البطل يعلن العصيان)، وعصيان البطل هو موضوع القصة ومحورها، فالكاتب يشكو صنيعته لمدير دار الحرية للنشر، لأنه (يكاد يسيطر على الموقف وقد أدخل الرعب في قلبي). ثم يبدأ الصراع بين البطلين، للاستئثار بفتاة جديدة تعرف عليها الكاتب، يحاول بطل القصة اختطافها، وهكذا تسير القصة.. لم يقدم الكاتب الجديد، شيئاً جديداً، وفي دخول أمثاله إلى حلبة (الموقف الأدبي) بإدارة جيدة، نرحب بها، على أن يكون الحضور، مبشراً بولادة حقيقية.‏

 

القصة التي تنتهي بها دراستنا هذه، هي قصة دريد يحيى الخواجة (الاشتعال) وهي قصة طويلة نوعاً ما، تدور حول علاقة شابين، مذ كانا طفلين في سني الدراسة الابتدائية. الأول يمثل الغني الإقطاعي والثاني يمثل الفقير والفلاح، وتأجج الصراع بين النقيضين، ليصل في نهاية القصة إلى الذروة "يا أهل الفاقة.. ليمسك بعضنا.. بأيدي بعض". لا "لا ينقصه شيء لإشعال الفتيلة مع رفاقه وتفجيرها"، "تهدم القصور.. ترفع الأكواخ.. يتساوى الناس"، لم تبلغ دراما دريد ذروتها في بنائه الفني، ظلت في السفح، برغم مما أتاح له موضوعه، لأن حرارة الصراع، خفت وكادت أن تتبدد في زحمة الجمل المتطاولة، والمفردات التي تعاني من التكلف والتعمل، وهكذا لم تكن لغة الكاتب الغنية، وسيلة ناقلة بشكل كاف، لبلوغ ذروة الدراما في حميا صراع كان ينبغي له ـ إن لم يحسم ـ أن يحقق صبوة الكاتب. صبوة الشاب الفقير. هدف التأزم الدرامي الذي لم يتحكم به الكاتب كما يجب صبوة الكاتب. صبوة الشاب الفقير. هدف التأزم الدرامي الذي لم يتحكم به الكاتب كما يجب فبهتت الفكرة، وتهافتت القيم نتيجة ولع لا مسوغ له بالتعبير..‏

 

إن قصة (الاشتعال) أقل مستوى من قصص مجموعة الكاتب (وحوش الغابة)..5‏

 

***‏

 

نتوقف، وقد انتهينا من قراءة قصص الكتّاب الذين بدأت عطاءاتهم مع إطلالة السبعينات أو قبلها بقليل، لنتلمس أهم الأفكار والقيم التي احتفت بها قصصهم، ولابد من الإشارة إلى مستوى البنية في تشكيل عالمهم القصصي.‏

 

يتبدى لنا عبر مجموعة كاملة من القصص، أن أهم القيم والأفكار التي شغلت هؤلاء الكتاب، واستأثرت باهتماماتهم، كانت القيم الوطنية والقومية، وما يتفرع عنها من هموم مختلفة (طبقية واجتماعية) وفي ذلك أكثر من تأكيد على إحساسهم العميق والواعي بما يجري من حولهم، فهم على تباين مستوياتهم ينهلون من معين واحد، هو الانتماء إلى مكان وزمان محاطين بظروف معقدة وقاسية، وهذا الانتماء يفرض عليهم واجب الحضور القوي والشجاع والمسؤول، وفي ذلك ما يثبت جدارة القصة كوسيلة يمكن توظيفها لتحمل أعباء نضالية لخدمة الإنسان..‏

 

يلاحظ في القصص المدروسة، أنها تتمتع ببنى فنية جيدة المستوى، فاللغة فصيحة وسليمة ولم يعتد على هويتها القومية، وقل الغريب والمتهافت في المفردات، وقد استفاد الكتَّاب من ميزات المدارس الفنية المختلفة، دون طغيان واحدة على الأخرى بشكل تعسفي، مع تحيز طفيف لصالح الواقعية والرمزية، فهما الأجدر والأفضل لاحتضان قصتنا المعاصرة..6...‏

 

1 ـ استثنيت قصتي (الذين حاربوا) والمقطع الروائي العائد لعبد النبي حجازي...‏

2 ـ جرى إعداد هذه الدراسة لتكون الدراسة الأخيرة في كتاب تحت الطبع بعنوان /جوهر وبنية القصة القصيرة في سورية/ وتجدر الإشارة إلى أن الدراسة في الكتاب تأخذ حيزاً أكبر مما تسمح به صفحات مجلة...‏

3 ـ درس نتاج بعض كتاب العدد في كتابنا (أسماء في القصة السورية) الذي نأمل صدوره ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب...‏

4 ـ راعينا الترتيب الوارد في المجلة بالنسبة لهذه القصص، مع تحفظنا على الترتيب العام لقصص العدد، فلا ندري كيف تم ترتيبها، وأظن أن هذا الموضوع لم يكن مشكلة معدي عدد القصة الوحيدة...‏

5 ـ في كتاب (جوهر القصة القصيرة في سورية وبنيتها) الذي أشرنا إليه في مبتدأ الدراسة مجموعة دراسات حول القصة الجديدة..‏

6 ـ نكرر أن المجال لا يسمح بالإضافة.

 

 

القصّة القصيرة في الثمانينات في سُوريّة

مَحاور البناء الفنّي وَآفاق التغير

 

بقلم الكاتب: أحمَد المعَلم

 

تستهوي الذروة الفعل القصصي، فينهد إليها عبر خطوط مستقيمة أو متعرجة، فتصير غاية الإبداع، وربما تصبح السمة الأولى لتوجهه إلا أن الذروة ليست قصداً لذاتها. إن مسألة الذروة لا تقل عن مسألة البداية أو محطة الانطلاق فتنشأ بين الطرفين معادلة التواصل: في توازنها مع الفعل القصصي كشارة تحول حاصل، أو في اضطرابها كعلامة على الانفصال غير المرغوب فيه.‏

 

ليست القصة القصيرة هي الخبر عينه، مع أنها تعنيه في أجزاء من تحولاتها. وليست هي الموقف لذاته، مع أنها راصدة له بالضرورة. وليست هي الموضوع وحده، إذن، لا نكشف أمرها، ولم تعد تستهوي رغبة المتلقي. وليست هي الصراع بين الناس أنفسهم، أو بينهم وبين الأشياء، أو بينهم وبين الأوضاع، مع أن هذه المهمة تحضر فيها. وليست القصة القصيرة منبراً للتحول الاجتماعي: في شروخه المستجدة على الساحة الاجتماعية، أو في منجزاتها المستبدة بالفرد مصيراً إنسانياً. مع أنها ليست بعيدة عن هذا الإنجاز أو الشرخ، لكنها هي التعبير عن الواقع من خلال أدواتها الفنية(1).‏

 

هل الركام القصصي لأكثر من أربعين سنة خلت من تجربة انفصال القصة القصيرة في سورية عن المقالة الموجهة لمسألة النهوض الاجتماعي، تمنحنا فرصة تشوف مستقبل هذا الإبداع الأدبي في التسعينات؟ وهل يفي هذا الاختيار بالغرض؟. وما دامت القصص المعروضة ـ منشورة في كتاب ـ مأخوذة من عقد الثمانينات، فهل يصح افتراض مثل هذه القصص القصيرة منجزاً ذروياً للقصة القصيرة في سورية؟‏

 

ما من شك بأن هذه التساؤلات مشروعة، وتنطوي على جزء لا بأس به من السلبية حيال الموضوع المطروح، لكننا ـ ونحن نقدم المسوغات ونسترشد بحكمة العقل ـ نقدر أن بحثنا يريد التعرف إلى هذه القصص: في أحوالها المتنافرة أو المتعاضدة، بغية تكوين فكر أولي حول المعطيات أولاً، ومن ثم يأتي الاستنتاج، أخيراً، متحملاً وزر الاختيار بالدرجة الأولى، غير أن هذا التصور لا يمنع من أن نكون قد قدمنا جزءاً من توجه القصة القصيرة، وفعلها وموقفها، وتعاملها مع المجتمع باعتبارها ناجزة في إطاره.‏

 

إن عشر قصص مختارة، لعشرة من القاصين، منشورة في عشر مجموعات خلال الثمانينات، نريد منها أن نقدم بانوراما للقصة القصيرة، مع ما يعترض هذا الاختيار من مخاطر، ومع ما يعترض هذا التقدير لفترة الثمانيات من انزلاق في تقدير الموقف، هو الفعل الذي نتقدم منه بحذر، راجين أن تكون هذه القصص مشكلة لأكثر من نموذج تعرفه القصة القصيرة، وفي الوقت ذاته، أن تكون هذه القصص ممثلة للقصة القصيرة في بنائها المقبول والجيد.‏

 

القصص المختارة: الهزيمة: أحمد سنبل(2) موضوعها الإحباط ـ النظام هو النظام: إبراهيم خريط(3). موضوعها الدواوينية ـ رقية: اعتدال رافع(4). موضوعها الإحباط ـ صندوق فرح: أديب نحوي(5). موضوعها الشهادة ـ التمرير: دريد يحيى الخواجه(6). موضوعها التضليل وموقف البسطاء منه ـ النغم الأبتر: مظفر سلطان(7). موضوعها الإخلاص في الحب ـ شهريار المطعون: نادر السباعي(8). موضوعها الرغبة المكبوتة ـ قصة نوار: صالح الرزوق(9). موضوعها حب الأرض أو حرب حزيران أو حرب تشرين أو الشهادة أو تأثير الزمن ـ لاعب الكرة: وديع اسمندر(10). موضوعها فشل الخطة ـ قصة العم الطيب: حسن صقر(11). موضعها الرتابة.‏

 

سوف نعمد إلى بث فكرة الترابط بين هذه القصص، سواء في البنيان أو التواصل، ولن نهمل التأسيس لوحدة الفكر أو الشكل أو الفن لهذه القصة القصيرة أو تلك، مع نظيرتها لكتاب آخرين، ما أمكن إلى ذلك سبيلاً، مبتعدين عن التشتيت، أو كل ما من شأنه أن يبث التوزع في استنتاج المتلقي. وكذلك لن نتجاهل حقيقة استقلال كل قصة قصيرة عن سواها. ولن نقوم بتلخيص القصة القصيرة، لأننا نعتقد أن التلخيص لا يقدم كبير فائدة، ويتجاهل قيماً ومعايير فنية ورؤية تنسجها القصة القصيرة.‏

 

في الموضوع:‏

تلتقي قصص: أحمد سنبل واعتدال رافع ومظفر سلطان ووديع اسمندر في انصرافها إلى تجسيد الفشل والخيبة والمرارة. وتلتقي قصة أديب نحوي وصالح الرزوق في تقديس الشهادة. وتلتقي قصة إبراهيم خريط وحسن صقر في الحديث عن الرتابة لكن التباينات في معالجة هذه القصص لموضوعها موجودة. وبقية القصص تفردت كل واحدة مي موضوعها الخاص بها. لكننا نتحرز ونفصح بأننا لم نختر أياً من هذه القصص حباً لموضوعها.‏

 

هذا التقديم يعني أن مواضيع الفشل ستحظى بحضور أكبر في المستقبل، نظراً للظروف والتحولات الاجتماعية، وتجسيد تقدير الشهادة سيستمر أيضاً، وكذلك فإن موضوع الرتابة سيحظى بالتقدير.‏

 

في اللغة:‏

إن لكل قصة قصيرة لغتها الخاصة بها، ولكل كاتب مبدع لغته الخاصة كذلك. ونحن نقيس اللغة بانسجامها مع موضوعها أولاً، وبوصولها إلى الغاية والهدف ثانياً. وحين تتعدد طروحات الموضوع، ليصبح كل طرح مستقلاً عن الآخر، فإن اللغة عندئذ تتوزع بين هذه التوجهات وتصبح غايتها تقديم هذه التعددية: قصة الرزوق هي عبارة عن لوحات تشخيصية، تبني تعبيراً، يجمع اللحظة إلى أختها، ليكونا وحدة، تصب في هذا التوجه أو ذاك، فهي لغة تنطلق من الجماعة، وترتد إليها، مضيعة على نفسها أسس انطلاق التوجه الإنساني من الخاص إلى العام.‏

 

ما قصة اسمندر فقد استرشدت بهدي الموضوع، وقدمت إلينا من خلال الإطار العام، ثم الخاص: (الفريق، التعلم، فن اللعب، إتقان الهزيمة، الخطة، الجناحان، الهجوم، الاختراق، الخصم، الضغط، الجمهور، الرقص، الفرح، التمرير، المهارة، التجاوز، الحارس، السهم، التنظيم، الضعف، المطاردة. إلى آخره).‏

 

أما النسق اللغوي فقد كفل إعطاء فكرة القصة وتوجهها الذاتي، الذي يقدم الخيبة والفشل: (كانت صورة المباراة تطارده، تذكره بأعضاء فريقه، حاول إيجاد نقاط الضعف فيهم. كانوا أحد عشر لاعباً، يعرفهم جيداً. كل منهم يشكل، على حدة، قوة لا بأس بها) سيرة رجل ما ص49. وهو يوضح منحى التوجه الفردي وسيطرته على فهم اللاعبين ووعيهم.‏

 

قصة رافع جاءت لغتها لتعبر عن الموضوع من زواياه الخلفية، فالموضوع سر لا بد من كتمانه: (زنزانة، موسم برد، اختلاس، الجوف، السرقة، الرثاء، الهدر، الجفاف، الرضوخ، الشح، الفوضى، السم، الشنق.. إلى آخره). وهذه اللغة تقدم ما هو مستوطناً في الذات، ولا سبيل إلى التراجع عنه كالشح مثلاً، وتقدم ما هو قادر على الإخفاء والتملص كالجوف والسرقة.‏

 

قصة سنبل وفية كثيراً لموضوعها، لكننا نحس أن هذه اللغة حرون. لا يستطيع الكابت فرض حضوره عليها تماماً: (النزوح، الكدر، التكوير، المغلوب، سوط الجلاد، الظلم، ضعف النفس، تهالك القوى، التبعثر، الهموم والمتاعب، كظم الغيظ، الافتراس، التقوقع، الحظ العاثر، التغافل، الهروب، الكتمان، زراعة الشوك والأقدام الحافية، الذبح، السلخ، الصمت والدموع.. إلى آخره). معظم هذه اللغة يصب في إطار عام، ولا يملك خصوصية ذاتية، والنسق اللغوي يوضح هذه الفكرة، ويجسد الهزيمة التي هي موضوع القصة، والتي هي هزيمة لجميع الأبطال: (إنها ترى شاة مذبوحة مسلوخة، معلقة في سلسلة تتدلى من شاهق) وكان هذا النسق في محتواه وبنيانه معادل موضوعي لما تؤول إليه حيوات الأبطال.‏

 

قصة سلطان وهي تصنع أجواءها الرومانسية الحالمة تلتقي مع قصة سنبل في تحرر لغتها من سيطرة الكاتب، مع أنها تحتضن الحزن والخيبة من منظور ذاتي التوجه تمماً: (الهدوء، التسلل الحزين، الألم، البطء، القتيل، الرعب، الضغط، الحشرجة، الفشل، القدر، التمزق، البكاء، البغي، الحرمان، الفخ، الزمن، الضرام، التداعي، السكين المثلومة، المومياء، المسدس، الدماء.. إلى آخره). واللغة هذه تنصاع للأوامر ذاتها التي تنصاع إليها قصة رافع وتتآلف كثيراً مع لغة الرزوق حين تتعرض للشؤون الاجتماعية.‏

 

أما لغة قصة خريط فإنها تحمل توجه لغة قصة اسمندر في تآلفهما مع مهمة تقديم الواقع، وفي الوقت ذاته، لكن قصة خريط جادة في تقديم ملامح الخيبة والفشل عند أي كاتب، دون خصوصية تذكر: (امتثال للأوامر ـ تلبية الطلب ـ صلة القربى ـ فرض عقوبة ـ وظيفة وموظفون ـ العقاب.. إلى آخره). والنسق اللغوي مائل لتوضيح هذا الاتجاه: (أن يخطئ المدير عشرات المرات أهون من أن يتراجع عن خطأ واحد) القافلة والصحراء ص66.‏

 

لغة قصة نحوي تلتقي مع قصة الرزوق في اللوحة الأخيرة خصوصاً، إلا أن قصة نحوي ماهرة في تقديم مفردات لغوية، تسترشد بهدي الاستشهاد، وتقدم عوناً للشهادة لبلوغ غايتها، فتلقيها مسؤولية ناجزة: (النقاد) التابوت، المشكلة، الحل، الفرح العرس، القتل، العسكر، الطفل، الأم، الخريف، تلبية الطلب، الشهيد... إلى آخره). وهذه اللغة تحاول بكثير من الخبرة والروية أن توحد بين حال الفرح والحزن في إطار الشهادة. و: (تلبية الطلب) تلتقي مع لغة خريط باعتبارات دواعي الإطار العام وحده. وتنشد لغة النحوي إلى إرث البطولة التاريخي وإلى ترسيخ حس الشعور الإنساني.‏

 

لغة قصة السباعي نختزلها في هذه التعابير: (ألمح في وجهها بقايا حزن رتيب) حبل المساكين ص33 و: (تظل نظرة متحجرة من عينين ترثي فيهما أنوثة مهملة) حبل المساكين ص24. والتعبيران يلتقيان مع توجه قصة رافع. و: (تدمع عيناها تلك اللحظة) حبل المساكين ص24، تعبير ينادم حالات في قصة سنبل. و: (لم يحتوني صدرها الدافئ، لم أتمرغ فيه منذ زمن) حبل المساكين ص26 كناية عن الانفصال ونشوء الواحدية المستقلة لأي طرف. و: (سبب مريب وراء هذا العطاء!! أنى لها هذا المال) حبل المساكين ص27 تعبير يحمل بذرة التفتح على الوعي والمسؤولية تجاه الآخر. و: (أذكر تلك الليلة كيف كانت مثل دجاجة طيعة) حبل المساكين ص29 تعبير يحمل في طياته شؤون المرأة الخاصة في علاقتها بالرجل. هذه اللغة كما عرضناها تنطوي على الحزن والكآبة والمداراة والمداورة، والسبب هو اختفاء المكاشفة بين الابن والأم أثناء غياب الزوج. فاللغة منغمسة في جسد الموضوع حتى الثمالة.‏

 

لغة قصة الخواجة تنمو على ضفتين: تتقابلان لدرجة العداء التام، وتتواصلان لغاية الاختفاء والانطواء، أو الاندماج والتوحد. وفي حين يبدو الحياد على الكاتب موضوعيات لبناء قصته، فإننا لا نلبث أن نراه مندغماً في الفعل على أرض الواقع القصصي، وكذلك فإن الإحساس المتوقد عند البطل برغبة الانتقام يحفز هذه اللغة لصياغة التهكم في المواقف والأفعال: (النفير، الأعزاء، التقاطر، الشمس، الكهانة، اللغة، البرد، التغضين، الليل، السوط، الطحين الأسود، الزيت المغشوش، العراء، إدانة، ألغام، الفض والسفك، أفلات، الرئة، الوجه الرجيم، الدمار، السياحة، الملامح المجاري، الظروف، السخرية، التطويق، الحيوانات الضالة، القمامة، الانتهاك، الأفق، الاستقبال، النصر، مدينة ((سر من رأى))، التلكؤ، الهموم، القوى الشريرة، الدفن، الرمال... إلى آخره). تستفيد هذه اللغة من وعي التفتح على الاستشهاد كما هو عند نحوي، وتحتوي لغة التعبير عن الواقع بموضوعية، تغترف من معين الذاتية والخصوصية لتصب في الإطار العام. وهذه اللغة متنامية قرب أبطالها، تعيش معهم في مختلف الأحوال والظروف، بينها وبينهم تناغم تام.‏

 

لغة قصة صقر كانت متابعة للسلوك الفردي عند إنسان طيب في كل أحواله، وللسلوك الفردي عند إنسان آخر جاء ليكشف عن نقيض هذه الأحوال في المجتمع، المجتمع الذي فرضت ظروفه على هذا الآخر أن يقاوم أحواله الاجتماعية بكل ما يملك، ويمكن قلب الصورة التشكيلية بين البطلين تماماً. فلو حدث للعم الطيب ما حدث للنشال لتبادلا المواقع. من خلال هذا الفهم فإننا نأخذ اللغة في أنساقها: (وكانت ولا تزال إحدى علله القليلة التي جرت عليه وبالاً لا تزال آثاره هي ثقة بالناس وسهولة التأثير عليه) احتفال تحت الثلج ص21. هذا النسق يوضح سيطرة الآخر على سلوك البطل. أما النسق التالي، فإنه ينحني أمام الواقع الاجتماعي بحدة دعم النظام الكوني، من دون أن يضع في الحسبان التحولات الاجتماعية ومتغيراتها: (عبد الودود يفتك في نفسه عن طريق الإذعان للأختام متوهماً أنه بهذه الطريقة يتمكن من الإسهام في دعم النظام الكوني، الذي تهدده عوامل الانهيار من كل جانب) احتفال تحت الثلج ص67. هذا النسق يضع فاصلاً بين الكاتب وبطله، ومع ذلك، فإنه يغوص في عمق توجه تفكيره. وإذا كانت الغاية هي الإفصاح والإيضاح، فهلا وجد الكاتب طريقة أفضل للتعبير والتعامل؟‏

 

لقد رأينا طول الجملة لتقديم الدقائق الصغيرة في قصة الصقر، ومثل ذلك نجده في قصة الخواجة: (وهو يتهجى دروس الانشقاق وذاريات الجداول يدخلون ممراً مضاء في أوله بفانوس مدخن مرفوع بعصا على سطح كوخ مدخله فوهة دائرية عريضة تبدو في النور الأقوى المسلط عليها كأنها على وشك الاحتراق) التمرير ص190. ولا أعتقد أن طول الجملة حاصل لتوصيل إلى المكان وتعرفه عليه، بل أن الغاية هي وضع القارئ في مخطط الأحوال، كي يأخذ موقفه منها. وقد يكون هذا الملمح الموجود عند صقر والخواجة صورة لمستقبل القصة القصيرة في سورية، لأنه القادر على بث الوعي في التلقي وكسب مشاركته لما يدور في الواقع القصصي. ولقد عرفنا مثل هذه الجمل الطويلة عندما مارسيل بروست(12)، لكن تلك الجمل الطويلة كانت لتركيب لغة مشهدية تخص الرواية، أما عند الخواجة وصقر فإننا نراها جملاً طويلة لتركيب لغة تعبيرية لواقع يحصل، لا بد من مشاركة المتلقي في أحواله.‏

 

في الموقف:‏

إذا كانت قصة الرزوق تقدم مواقف متباينة حسب موقع البطل من هذا الحدث أو ذلك، حيث أن الموضوع يأخذ عدة وجهات: حرب حزيران وحرب تشرين التحرير، حساب الزمن في سلوك الأبطال ورمز نوار، فإن قصة السباء تقدم عدة أفعال، تفضي إلى تعرف موقف، فيه يتجسد حنين المرأة إلى الرجل.‏

 

إن قصة سلطان، المدروسة خطتها بعناية، وقصة اسمندر المدروسة خطتها بعناية أقل، تلتقيان في تقديم مواقف متصاعدة، حتى بلوغ الذروة. موقف التفاعل والمشاركة الذي تقدمه قصة سلطان: (فضغطها كأنه يحميها..) رجع الصدى19. يجد أذناً صاغية من قصة اسمندر حين ينقل المدرب الخطة إلى الجميع: (كان قد وضع كل لاعب في المكان الذي يراه مناسباً، ووزع عليهم الأدوار، ودربهم على خطة العمل) سيرة رجل ما ص 45. والموقف هذا يتفق مع موقف عطية الذي ينم عن المشاركة أيضاً، ويحتفظ به لأحبابه من الناس بذاكرة لا تنسى: (كم يؤلمه الضيم الساكن في الوجوه المكدسة في تلك الشاحنات الخانقة، تلك التي تحملهم إلى المعمل ومنه. علب سردين وسخة. بعضهم يضطر إلى التمسك بالمصعد طويل الطريق البعيدة اللاهثة بدفء وشوق إلى ساعة حب لا تمت إلى زمن عملهم. آخرون تظل أنصافهم طائرة مع الريح كثيراً ما تخون أحدهم قواه المستهلكة دون رحمة وهو متشبث ضارع العينين ممهوراً بالحزن والقهر.‏

 

فيسقط مخلفاً صرخة أشبه باللعنة بيتلع بعضها صوت تحطم الرأس الصلب قبل أن تكتمل الحروف) التمرير ص185. ونجد موقف المشاركة في قصة نحوي: (والقتلى يسقطون على مدار ساعات النهار في كل مكان، نفدت من جوامع حارتنا، التوابيت، فخرجنا من حيث كنا نتجمع في بيت المداراتي) مقصد العاصي 99.‏

 

والموقف المتخذ من الجماعة تجاه الفرد، واستسلامه له، أو وقوفه أمام ذاك الموقف بلا حول ولا قوة في قصة اسمندر: (وأصوات الغضب والاستنكار تلاحهم من شتى أرجاء المدرج) سيرة رجل ما ص47. نجد نظيراً له في قصة صقر: (وجوه الناس من الرجال والنساء والأطفال الذين يقفون أمامه، وهم يبحثون عن أشياء معينة بذاتها. بعضهم يسأل عن حياته، وبعضهم يسأل عن أبيه أو عن ماله. كل هذه الأشياء. كل هؤلاء الناس. كلهم راحوا يتراكمون من فوقه. من أين له أن يخرج من بين هذا الركام) احتفال تحت الثلج ص72. وهو الموقف الذي تومي إليه، وتستخلصه قصة رافع: (ياسين في زنزانة. وأنا في زنزانة) امرأة من برج الحمل ص87. وهو الموقف ذاته الذي تقدمه قصة الخواجة، ولكن بعد تبيان حالة مضنية من الحصار والإرهاق: (وجهي انتفخ بدماء فاسدة، قدم غليظة هوت على قدمي. حصرت وأنا أحاول الإفلات) التمرير ص156.‏

 

أما موقف الخوف من الناس نتيجة أي فعل خاص تأتي عليه الشخصية، فتقدم قصة صقر: (أكثر ما يخشاه هو أن يفتضح أمره فيقال على ألسنة الأشهاد أن عبد الودود المسالكي رئيس عموم ديوان المحاكم وجد بين الثانية والثالثة مقتاداً بصحبة أحد النشالين إلى المخفر) احتفال تحت الثلج ص44. والموقف ذاته تسلكه قصة رافع مع إبداء للمراءاة، ومحاولة للتملص من جبروت الآخرين: (حاول ياسين أن يخبرهم بأنني لست رقية التي يبحثون عنها.. ولم يصدقوه) امرأة من برج الحمل ص102. لكن هذه القصة تتصيد مداً تاريخياً، يهبها الديمومة والانتشار.‏

 

موقف الخنوع تقدمه قصة سنبل: (وهو يأخذ طريقه إلى غرفته مهموماً متعباً) الانفجار ص38. ومثله موقف الموظفين في قصة خريط: (ما قرره المدير لا بد منه) القافلة والصحراء ص66. ومثله موقف الزوجة في قصة سنبل: (لقد كانت الفتاة بالنسبة إليها خنجراً يدق حتى النصل) الانفجار ص40. ومثله موقف الحاج مصطفى في قصة نحوي: (وعمنا الحاج مصطفى ينجر من ألواح الخشب نعشاً لرفيق ابنه أحمد، فإذا بالشهيد ليس أحمد المداراتي بل ابنه حسين الرمضان) مقصد العاصي ص115. وهذه طريقة لبث التبادل في مواقع النضال، وتنقله إلى أوسع مساحة ممكنة. وموقف ناديا ينم عن الخنوع في قصة سنبل: (استقرت ناديا متقوقعة على أحد المقاعد وقد ارتسمت على وجهها أمائر حزن) الانفجار ص39. ومثله في قصة رافع: (مسعود هو قدري. الله وأمي اختاره لي) امرأة من برج الحمل ص98. ومثله مع إخفاء لنبرة التهكم والحقد تقدمه قصة الخواجة: (كانوا قد أعادوا صياغتي من جديد) التمرير 160. ولا ننسى هنا فعل القوة الضاغط الذي يسحق الإنسان البائس. نتذكر مثل هذه المواقف في قصة محمد كامل الخطيب: جيران البحر (13).‏

 

موقف داخلي ذاتي تقدمه قصة رافع: يرى فيه الإنسان نفسه نهباً للآخرين: (لا تصدقي الكبار الذين ينشفون بحرك، ويهددون مدنك المسحورة) امرأة من برج الحمل ص93. ومثله موقف قصة سلطان، مع اختلاف التسمية لعالم التأثر على الفرد: (إن القدر يغامر بكل عناده المجنون لتحطيمنا.. لقد أفلسنا.. أو بالأحرى لقد أفلست) رجع الصدى ص20 لكننا نشير إلى أن هذا الموقف يختلف في توجهه مع الموقف السابق، حيث يتوجه إلى تثبيت موقع الفردية.. ثم عدة مواقف متفرقة، فيها كل موقف يعرض حالاً، متميزاً فيه عن الآخر:‏

 

موقف يستعيد شريط القهر ووسائل الضغط والإرهاب تقدمه قصة الخواجة: (الرجل على الأكياس قرب الباب، تحول إلى ذاكرة تضيء بشيء مدمر. في رأسه ضغط ينطق بالمشاركة) التمرير ص163.‏

 

موقف تقدمه قصة نحوي، تقدم فيه المفارقة جوهر التقدم نحو تبادل الفعل: (وقد أخطأ الطالب الذي حضر إلى حارتنا وهو من طلاب مدرسة الصنائع، فظن أن الشهيد الذي سقط برصاص الفرنسيين على أبواب الجامع الكبير هو أحمد المداراتي بينما لم يكن سوى الذي أكب بحنان على جسد الشهيد) مقصد العاصي 115.‏

 

موقف الاندفاع الفردي لتعزيز فرصة موقف لم يحظ بالنجاح على أرض الواقع، هذا ما تقدمه قصة اسمندر: (كل متفرج يود لو أنه هو الذي يلعب، ليصنع الأعاجيب) سيرة رجل ما ص47.‏

 

موقف انعتاق الشخصية من الأسر تقدمه قصة سلطان: (ووثب من مجلسه كقنبلة وانطلق يحوم في أرض الغرفة كنمر فتى سقط في فخ) رجع الصدى ص20. لكن هذا الموقف لم ينجز سوى تدمير ذاته، عندما قتل البطل حبيبته، فأصبح رهناً للتشرد. وكأنني أرى ظلال فكرة وليست ظلال امرأة. فهاهو ذا موقف للبطل ذاته يتطامن مع تصورنا: (لا تجبن.. فوثب الوحش الظامئ إلى دماغه) رجع الصدى ص24. وكأن القصة ما كانت إلا لتحسنا بهذا الوحش الكامن فينا، ينقض على دماغنا، ليهدم هدوءه واتزانه.‏

 

في الفعل:‏

إن الفعل قد يأتيه البطل مخالفاً لوجهة الموضوع، وقد يكون موافقاً له، وعدة أفعال يأتيها البطل، تشكل موقفاً من الحياة والوجود. فالفعل قد يكون محايداً للموضوع أو الموقف. والذي يهمنا هو أن نعرف هذا الفعل وعلاقته بالموضوع أو الموقف، أو طبيعة توجهه.‏

 

فعل الحيطة والحذر تقدمه قصة سلطان متهيبة، يكاد يكون عبئاً عليها: (فتحت الباب بهدوء، وتسللت بجسدها الأنيق الرشيق، ووجهها الحزين يتقسمه برج الألم وومض الأمل) رجع الصدى ص19. الفعل ذاته تقدمه قصة سنبل منسجماً مع موضعها: (عل الرغم من أن حبه لكل يسيء إلي، ويجعلني أفترس نفسي، أقضم الأعصاب واللحم والعظم) الانفجار ص39. مثل هذا الفعل تخصه بالذكر قصة نحوي مع تقدير للمفارقة، وبثها الاستسلام لفعل كائن بالضرورة: (يكون الولد صباحاً في عمر الزهرة وهي تتفتح في حضن أمها عطراً يشمه الخلق فيسبحون بقدرة الله، وإذا به ينقصف عند العصر ويهر كما تهر في الخريف الأوراق اليابسة من أغصان الشجرة) مقصد العاصي ص110. لكن هذا الفعل، مضمون توجهاته ينطبق على كل الأفعال السيئة التي يصادفها الإنسان مثل المرض والموت وغيرهما. وتقدمه كذلك قصة السباعي: (قالت مرتبكة. أخذت تصلح هندامها) حبل المساكين ص33. ويأتي موقف الحيطة والخوف من ذنب لم يرتكب، تقدمه قصة صقر: (أنت المسؤول عن استدراج هذا الشاب المسكين ليدس يده في جيبك) احتفال تحت الثلج ص37.‏

 

فعل يريد التوازن بين العالم الخارجي والعالم الداخلي، ويستأثر بقوة فعله: قصة صقر تقول: (وحمدي أبو سماط يعمل متلهفاً على تهشيم النظام الكوني مدفوعاً بحالة من الوهم إنه بهذه الطريقة يتمكن من الوصول إلى حالة من التوازن كان قد فقدها نتيجة تصدع البناء الاجتماعي من حوله) احتفال تحت الثلج ص67 وقصة السباعي تقول: (انبثق من عينيها شلال حنان يرمق قامتي المديدة.. فسارعت إليها بقلب يرمح كعصفور!) حبل المساكين ص35. وقصة سلطان تفصح عن هذا الفعل في إطار الاندغام والتوحيد: (فأخذته إليها كوحيد لها مفدى تعانقه وتفنيه فيها، وتفنى فيه) رجع الصدى ص22. غير أن هذا الفعل يختلف عن سابقيه بمغايرته لوجهة الموضوع.‏

 

فعلى ذاتي ينشد الحرية في غير موقعها ولا أوانها، ويستفز إرادة الجماعة، تقول قصة رافع: (ماذا يهم إذا كان العالم ضدك؟) امرأة من برج الحمل ص101. ومثله بصورة مقلوبة تنقله إلينا قصة سلطان: (إنني مراقبة كما لو كنت سأرتكب كل عار الأرض...) رجع الصد ص21 وهو فعل ينسجم مع توجه القصة. أما قصة سنبل فإنها تنقل إلينا تحريض الذات على اتخاذ موقف، لكن البطل يبقى في إطار التحريض، ولا يتجاوزه إلى الفعل: (إلى متى يعاني من ضعف النفس؟!) الانفجار ص37. لكن قصة الخواجة تقدم الفعل من خلال أقدام البطل، وتصميمه على أن يفعل الفعل الذي لم يقدم عليه من قبل، لأنه لم يبق له غير ذلك: (إلى أين أفر هذه المرة.. ما عاد لي فرار وراء ضباب أو سراب. اليوم هتكت الوهم. سألعن الوهم) التمرير ص194.‏

 

وهذا التوجه ذاته تنقله قصة السباعي، متواكباً فعلها مع فعل قصة الخواجة: (أمسكت بزجاجة فارغة كانت على الطاولة، وطرت بأجنحة طال زغبها، صوب الرجل المذعور) حبل المساكين ص35.‏

 

فعل يحتضن عذاب الماضي المرهق، ويرى قوة الحاضر تمنعه من تحقيق وجوده، ومن تمتعه بشرط إنسانية الإنسان، فيتغلغل في كيان هذا البطل فعل قد يبدد الظلام، ويسعد الناس: (أثناء تواريه شيئاً فشيئاً، تتفرقع تحت قدميه أشواك يابسة وعظام وأحجار. أحس بقيظ نظرات الشرطي تكوي ظهره. ثم رائحة دم فائر أخذت تنتشر حواليه، وتزحم أنفه. عويل تنقله الرياح. بكاء أطفال يدور في المدى. الظلمة توحش قلبه أكثر. أصداء من الخلف تود أن ترده إليها، هي من تباريحه..) التمرير ص180. فعل قصة خريط يأخذ سمة من الفعل السابق، ويبديها: تسللوا من غرفة المدير بصمت، وجوههم عابسة، جباههم مقطبة، رؤوسهم في الأرض، وعيونهم غطتها غشاوة..) القافلة والصحراء ص67. وفعل قصة سنبل يأخذ جانب الرضوخ للأمر الواقع، محتلاً جانباً من فعل قصة الخواجة أيضاً: (أهله ظلموه حين لم يوافقوه على الزواج من ناديا) الانفجار ص36. أما فعل قصة سلطان فإنه يترصد أمراً، مثل ترصد فعل قصة الخواجة لمثل هذا الأمر، ولكن ضمن الشرط الإنساني، أما فعل الإنسان لدى سلطان فإنه يأخذ سمة الوحشية: (إن كياني بأسره ليستحيل إلى جريمة جائعة) رجع الصدى ص22. واضح من هذا العرض أن فعل قصة الخواجة تحتوي كل هذه الأفعال، مع المخالفة في خط السير.‏

 

إن فعل الحب مهرب عند اعتدال رافع وأحمد سنبل ومظفر سلطان، وبنسبة أقل عند نادر السباعي، وهذا التصور يعني أن الحرية التي تود نيلها المرأة أولاً، والمجتمع ثانياً، ما تزال حلماً أطول من قامتي الرجل والمرأة على السواء. أما الحرية في ذاكرة الرزوق فهي إرادة المواجهة، والتمسك بالجذور حتى الغاية القصوى ليصبح الحب ألقاً خالداً، تتوحد به الذات البشرية بعوالم الطبيعة والحياة والوجود. وإذا ذكرنا الحرية، والنضال من أجلها، فسرعان ما تأتينا قصة دريد يحيى الخواجة لتفسح في المجال لدائرة الصراع حولها، وتبين أوضاع عشاقها، وجدلية انتصار المسحوقين على الظلم والاضطهاد، ليسعد المجتمع، وتصبح المدينة مسارات للغبطة، ومزايا للإنسانية من خلال علاقات جوهرية، تهدف أساساً إلى احترام الشعور الإنساني.‏

 

أحمد سنبل يحمل المرأة مسؤولية وعي الحرية، والنضال لإنقاذ وجودها، راغباً في أن تعي هذه المرأة الأحوال الاجتماعية ومتغيراتها: (أنت من أزم الموضوع بهروبك من البيت) الانفجار ص40. أما مظفر سلطان فإنه يحرص على الوفاء والإخلاص لشرط الوجود والانتماء بينما يرى وديع اسمندر أن الحرية وكسب التعامل معها مرهون بأفق التواصل الاجتماعي، بغية امتلاك الخبرات اللازمة.‏

 

أحوال درامية تعرضها القصة القصيرة:‏

تقدم قصة الخواجة ساحة للأحداث، ومساراً لسلوك الأبطال، ويدور الصراع، وحيث أن القصة لا تحرص على تقديم الصراع من أجل آليته، فإنها تضع وسيطاً قذراً، الغاية من وجوده هي الالتواء والمداراة لما يحدث على الساحة من أحوال مستجدة: (ضوء متأرجح يندلق بالتدرج على العتبة، كزيت مغشوش ملوث، كلما اسود الليل، يتسلل من مصابيح متبقية متباعدة في الدرب المركزي في ((حدبة الجمل)) الذي تلتحق في نهايته في العراء مدينة الأكواخ، حيث يسكن عطية وقادر) التمرير 152. قصة رافع تأمل التغيير الداخلي، ولا ترى من الفعل الخارجي سوى حجب لديمومة التعامل مع الطبيعة: (أما عن النجوم.. آه .. سرقها العسكر مني وغطوها بالتكنولوجيا والدخان. وكانت العجوز أم شاهين كلما سمعت هدير طائرة، ترفع ظهرها المكسور وعينيها المزمومتين إلى السماء.. وترثي زرقتها في عيني) امرأة من برج الحمل ص89. أما درامية قصة سلطان فإنها مرمية في حضن الإخلاص والوفاء والمرأة هي المخلصة والرجل ينقض على أداة تفتح وعيه، المرأة: لا تجبن.. فوثب الوحش الظامئ إلى دماغه، رجع الصدى ص24. دراما التحويل الاجتماعي عند سنبل تقدم تحصيل الفائدة من خلال فعل الجماعة، وهي بذلك تلتقي مع رؤية الخواجة، لكنها تفترق عنها في مسألة تقدير السلوك الفردي: الخواجة يغتبط بهؤلاء المقاومين، ويسخر من هؤلاء المنافقين ويتوعد الظلم وأدواته، بينما نجد دراما سنبل تقلل من دور الفرد، وتضعه رهينة لفعل الجماعة وإرادته. بينما قصة رافع في دراما مواقفها تمنح الفرد أفق طبيعته ووجوده، وترى المجتمع قوة ضاغطة، تغل رغبة الفرد وتحد من تطويره. دراما إدانة العلاقات غير النظامية هي ما تقدمه قصة خريط، وتقدم السخرية للانقضاض على ظرف قائم: (أن يخطئ المدير عشرات المرات أهون من أن يتراجع عن خطأ واحد) القافلة والصحراء ص66. إن دراما الصراع الفردي الحامل لطابع المأساة تقدمه قصة اسمندر، وهي إذ ترثي هذا الفعل الخائب، فإنها تتطلع إلى أن يكون مثل هذا الفرد واعياً للأحوال والمتغيرات والظروف، كي ينجز فعلاً لا يقدر الواقع على تغييره. لكن هذا التطلع لا يحمله أحد الآن، فيتحول جهد الفرد، والأمر كذلك، إلى قوة انتهاك وموت: (شاهدوا لاعب كرة، يرقد على الأرض وعيناه تحملقان في نقطة محددة، تطلعوا نحوها، كانت جثة لاعب الكرة تحدق بغضب إلى كرة ملعوبة تبعد عدة أمتار خارج المرمى) سيرة رجل ماص50. وهذا الموقف ينسجم مع قصة سلطان في انكسار الصراع على الساحة الفردية، من دون أن يخلف آثاراً على الساحة الاجتماعية أو الواقع: (فإذا وجهه كساحة حرب بعد المعركة وإذا عيناه تخمدان بهول) رجع الصدى ص21.‏

 

ماذا عن التقطيع في القصة القصيرة؟‏

التقطيع فعل إجرائي، تستفيد به القصة القصيرة من السينما. ويبدو أن القصة القصيرة ناشطة في الإفادة من مسيرة الأجناس الأدبية كافة. فهل نخاف عليها من فقدان الخصوصية نتيجة لهذا التوجه؟ ما من شك بأن الحدود بين الأجناس الأدبية قائمة، ولا مجال للخوض فيها الآن. لكننا نقول: إن التقطيع من ناحية الشكل يريد أن يكسب حالاً من أحوال الواقع: (قصة خريط مثلاً)، لكن هذا الكسب إذا ما توقف عند هذا الإجراء، فإنه يظل قاصراً، وهذا ما فعله خريط في قصته. الفرق بين العناوين الفرعية والترقيم يبدو كذلك شكلياً. فإذا كانت العناوين الفرعية تكفل التركيز في عملية التواصل بين الفعل القصصي والمتلقي، فإن قصة الترقيم تهدف إلى ما يمكن أن يستنتجه المتلقي من واقع الترقيم، فهي تهب حرية لتكوين المعطيات في ذات المتلقي. انطلاقاً من هذا الفهم فإن الترقيم مثل العناوين الفرعية في الإطار العام.‏

 

يبدو أن قصة الرزوق قد رصدت من خلال الترقيم رسم التحولات، وقد هدفت من خلال لوحات تعبيرية إلى نسج الأحوال المتغيرة بعدة توجهات، فشت الفعل القصصي عن غايته المركزية، في تقديم سلطة الحدث أو الموقف أو السلوك، إلى تقديم موقف متباين من هذا الحدث أو ذاك، أو ذاك الموقف من الزمن وحقيقة وجود نوار. نحن لا يعنينا حقيقة وجود نوار، أم أنها رمز، بقدر ما يعنينا بنيان الفن القصصي في تركيزه على موضوع واحد، الذي ضاع من بين يدي الكاتب، وهو غافل عنه بنسج تعبير يتوجه إلى مشكلات عديدة. قصة رافع وافقها النجاح في الترقيم، حيث تمكنت من الارتداد إلى أحوال ماضية، وربطتها مع ما يتم في أحوال الحاضر، فالقصة، في هذه الحالة، مستفيدة من الإنجاز السينمائي غاية الإنجاز. قصة العناوين الفرعية التي قدمها خريط وقفت عند الإجراء الشكلي، ولم تتغلغل إلى اللب، قصة العناوين الفرعية التي قدمها الخواجة، مستغلة القصة بها الطريقة الإخبارية الصحفية، تمكنت من رصد أحوال متباينة: أحوال سلطة القمع، أحوال سلطة التابعين والملحقين والمشوشين، وأحوال المستضعفين في مواقفهم الصارمة من أحوال القمع وخلال ذلك لا يني القص عن تقديم بؤرة متوترة، ترمي إلى غاية احترام إرادة الإنسان.‏

 

قلنا إن التقطيع موقف إجرائي شكلي من الفعل القصصي، فهو ليس ميزة فضلى لقصة قصيرة عن غيرها، إلا إذا كانت هذه القصة رفيعة المستوى، قوية التعبير. فالتقطيع لم ينقذ قصة خريط من ورطة سطحية تعاملها مع الموقف بينما نرى العناوين الفرعية لقصة الخواجة، قد رفدت القصة بعدة تحولات، أفضت إلى التركيز والنهوض بعبء الفن القصصي. والترقيم الذي قدم عوناً لقصة رافع، لم يتمكن من إنقاذ قصة الرزوق في سقوطها وعجزها عن بلوغ غايتها وليس مؤشرها النهائي في لحظة التنوير أو البيان الشامل الذي يلتقي مع قصة نحوي إلا استجداء لعطف من بنيان القصة القصيرة الحريصة على تقديم المضمون وتغزل في اتجاهه.‏

 

شكل القص وبنيانه:‏

وسمت قصة سلطان محوراً متصاعداً لفعلها القصصي، حتى بلغت غايته في النهاية، وكذلك فعلت قصة اسمندر حيث كانت غايتها واضحة منذ البداية حتى النهاية، وكذلك فعلت قصة سنبل، فجاءت نتيجتها خائبة نظراً لوهن تحمل المسؤولية من جانب البطل.‏

 

وقفت وحيدة قصة خريط على سطح الواقع تمارس القص بطريقة آلية، دون أن تعنى بما يتوغل في جوف الشخصية. وفي الحقيقة، فإن هذه القصة هي نموذج لعرض السلوك الشخصي. ومثلها توقفت وحدية في اتجاه آخر قصة الرزوق، فهي تغزل عدة خيوط لتكوين نسيج متماسك يبهر وإذا بالإبهار يصبح شكلاً بلا حرص على المضمون وعلى الرغم من أن القصة كانت معنية بقوة التعبير والإفصاح عنه متواصلاً مع الواقع، فإنها من خلال تعددية المواقف والأحداث التي تسير نحوها، قد ضيعت على نفسها فرصة توحيد أجمل.‏

 

قصة نحوي محبوكة بطريقة متقنة، تقدم أحوال الماضي بمنظار الحاضر، لتتبنى حكمة دائمة يقدرها المجتمع، ويقف وراءها. وهذا الفعل الأخير يتم من خلال المفارقة التي ركز القص عليها وهذه القصة في هذا التشكيل والتأسيس تلتقي مع قصة جان ألكسان في مجموعته القصصية، حصان الأحلام القديمة (14). وقصة حسيب كيالي وفاضل السباعي وغيرهم.‏

 

قصة السباعي ورافع تغوص ما أمكنها الغوص، وتطفو على السطح ما احتاجت لذلك. فالقصة تصل إلى غايتها بتؤدة وروية، لتتفاعل في ذهن المتلقي بأحوال شبه دائمة.‏

 

قصتا الخواجة وصقر تقفان شامختين أمام موضوعهما، تخافان من أن يغلق شيئاً من خيوط القصة القصيرة، وإذا كانت قصة صقر قد لاحقت السلوك الفردي إلى غايته القصوى، في أحواله الاجتماعية، وطريقة معاشه، ونمط تفكيره، إلا أنها غافلته، وألقت في طريقه محور التبديل، فجاءت الصدمة فاتحة للوعي المطلوب، فإن قصة الخواجة أطالت نفسها في تعاملها مع موضوعها، وحرصت على تقديم المواقف من عدة توجهات، توحد بينها وجهة نظر لتطوين رؤيا تشمل الإنسان في طموحه وتحقيق رغابه. القصتان يمكن اعتبارهما تحولاً نوعياً يطرح نفسه على المستقبل بجدية بالغة.‏

 

تصور المستقبل على ضوء المنجز:‏

إنه استنتاج تنبؤي، يتأسس على المنجز في القصص المعروضة أولاً، وعلى معرفة لبعض القصص الأخرى لكتاب آخرين، لكن الإبداع بصفته يتخطى الحواجز، ويقفز من فوق التقديرات، فإنه لا سبيل إلى الإحاطة التامة به، إذن، فهذا المحذور يضع توجهنا في خضم التقديرات، الحاوية على قدر معين من التخرص، لكن هذه التقديرات على الرغم من المحذور فإنها تسترشد ببعض المعلومات، وبعض الدرس، ضماناً لتقدير يكسب قسطاً من الموضوعية، لكنها موضوعية التنبؤ على كل حال:‏

 

1 ـ إن المفارقة التي قدمها أديب نحوي في لحظة التنوير أساساً لبنيان قصته، نجدها ـ المفارقة ـ لدى كتاب آخرين، جان ألكسان فاضل السباعي، حسيب كيالي، ومراد السباعي، وغيرهم. وتقدم شكلاً لها قصة مظفر سلطان المعروضة، هذه المفارقة في طريقها إلى الاحتجاب، نظراً لأحجام كتاب الجيل التالي عن موالاتها، وإذا ما كان لها أن تستمر، فلا بد لها من دم جديد يرفدها.‏

 

2 ـ التوجه لبناء قصة قصيرة في موازاة الخطة الإخبارية: تقديم الخبر، وتقطيعه، والتعقيب عليه، قدم هذا الأسلوب من العرض مع المحافظة على البنيان الفني القصصي في أدائه التعبير بخاصة: دريد يحيى الخواجة. هذا التوجه موجود عند: حسن. م. يوسف ووليد معماري. يبدو أن هذا التوجه سيجد دوائر أوسع له. وقد تغدو هذه الخطة من أركان القصة القصيرة.‏

 

3 ـ الدأب على رصد السلوك الشخصي في كل أنحائه، وفي مختلف توجهاته، وعلى الصعيدين: الداخلي والخارجي، والصدمة لتفتيح الوعي الفردي على صورة الواقع الاجتماعي. قدمه حسن صقر ودريد يحيى الخواجة، سوف يسفر هذا الدأب والتوجه عن قصة أمتع توفرها القصة القصيرة.‏

 

4 ـ يبدو أن القصة القصيرة تستطيع أن تستفيد من الأسطورة في بعض مراحل نموها، كما أنها تستطيع أن تقيم جسوراً مع بعض الأساليب الفنية كالسينما، من أجل تثبيت مواقعها وتطورها. باختصار، أن التواصل بين هذا الجنس الأدبي وغيرها من الآداب والفنون سيزداد متانة في المستقبل.‏

 

5 ـ إن تقديم رمز الشهادة متنقلاً من هذا الجانب إلى ذاك عند نحوي، وفي التفاف الأبطال من حوله عند الرزوق، سيظل ماثلاً في توجه القصة القصيرة، وربما يغدو مؤثراً فاعلاً في بنيانها.‏

 

6 ـ الأمثولة التي وقفت عندها قصة رافع: لا فائدة من التغيير في الخارج ما لم يتم من الداخل، ووقفت عندها قصة اسمندر: لا فائدة من الإبداع الفردي، ما لم يكن منسجماً مع حاضر الجماعة، تدفعنا إلى تصور تنفيذ حضورها مستمراً لفترة أطول.‏

 

7 ـ إن انصياع القصة القصيرة إلى موضوعها، والإخلاص له، والبنيان من ضمنه، يعضها في المناخ الصحي السليم، ويجعلها تحت بصر المتلقي، وأكثر قرباً منه: (قصة الرزوق، لم تكن وفيه لموضعها، وتناهبتها سلطة الحداثة والتغريب والإدهاش، فضيعت على ذاتها فرصة التواصل مع المتلقي، وجعل وضعها عائماً، متقلقلاً، لا يكاد يستقر على حال حتى يهفو إلى حالة أخرى. أن المقطع الثامن في وضوحه، وسلامة توجهه، وفي إقامته لجسر التواصل مع التراث كقضية مطروحة، كل هذه الأحوال المعروفة لم تتمكن من تعميق بنيان الفن القصصي في توجهه نحو الواقع). وعلى الرغم من كل هذا القول وقسوته عن قصة الرزوق، ومن خلال نظرة موضوعية، أقول أن التجريب في بناء القصة القصيرة وارد ومشروع. شرط وعي الانتماء، وشرط تقديم فهم الهوية. إن إهمال الرزوق لمسألة الإجراء الشكلي، ومغالبته لبناء مضمون متطور، مع استغراقه في العمل على عدة مغازل، جعل النسيج القصصي متنافراً: نسيج قصصي عن حرب حزيران، ومثله عن حرب تشرين. وتوجه إلى حساب الزمن وفعله في الأبطال، وتوجه إلى رسم التحولات عند البطل أولاً، ومن ثم الأبطال، بالإضافة إلى التوجه الأساس حول لغز نوار، أفضى بالقصة القصيرة إلى تغريب كبير. وبالمقابل، فإن قصة خريط، عندما مارست التجريب في الشكل وحده. وانصرفت عن تجسيد التعبير القصصي في غايته المنشودة، متوهمة أنها تحاكي الواقع، بغية رفض بعض علاقاته. إن هذه الممارسة ضيعت على نفسها فرصة التوجه نحو العمق، سواء بالنسبة إلى الأبطال أو بالنسبة إلى الواقع. إن سلطة التجريب والتحديث يبدو أنها، بصورة عامة، تحتاج إلى البحث في الإجراء الشكلي والمضموني في الوقت ذاته. والقول السابق في بدايته بخاصة ينسحب على قصة مظفر سلطان، فعلى الرغم من أن الطريقة مألوفة، والحبكة مضمونة، والنسيج واضح التركيب، فإن هذه القصة القصيرة، في تداعياتها الرومانسية، وفي تداخل بعض بنيانها الفكري مع أفكار خارجة عن التعبير القصصي، أفضت في النهاية إلى رؤيتها قاصرة عن رسم أبعاد إضافية، وعاجزة عن تواصلها مع المتلقي بفاعلية أكبر. لقد شعرت أن هذه القصة تعاملت مع المرأة كفكرة، وليست وجوداً قائماً بذاته. والبطل متأثر بفعل اجتماعي غائب عن مسرح القصة. أما إذا كانت الغاية هي تجسيد رمز الموضوع، أي أن المرأة هي فكرة جميلة، والقوة أو الوحش الذي ينقض عليها، ليبددها، ويضعها في إطار الفناء، هي تلك القوة الشريرة أو العمياء الكامنة في ذات كل منا، فإن القصة، عندئذ، تبدو مقبولة، وينقضها كي يتماسك بنيانها الذاتي، وبنيانها في ذاكرة المتلقي أن تكون أكثر، تماسكاً وتفاعلاً مع هذا التوجه. وأستنتج بأنه يترتب على القصة القصيرة ذات الطريقة المألوفة أن تكون أكثر تفاعلاً مع بنيانها القصصي، وأكثر إحاطة بموضوعها الأساس. وبالمقابل أيضاً، فإن تصيد البعد الأسطوري من قبل جان ألكسان في قصته: عنود (15)، غير كاف لوحده، وإذا لم يتضامن مع المفعول القصصي فإنه يظل بلا جدوى، فليست الغاية هي التواصل مع الأسطورة، بقدر ما هي تمكين هذه القصة من النمو والتصاعد.‏

 

8 ـ إن فانتازيا الموقف من خلال سمة التحول في قصة الرزوق، وفانتازيا الأحلام الرومانسية في قصة سلطان، التي تقفز فوق الواقع، وفانتازيا الموضوع التي ألهب سوطها ظهر التخييل في قصة سنبل. هذه الفانتازيا قد عاكست طريق البناء القصصي وحدت من نمو فعله. فهل تتخلص القصة من هذا المظهر السلبي مستقبلاً؟‏

 

9 ـ إن تعبيراً قصصياً يقدم وصف الطبيعة من دون أن يعنى بموقعه فيها، أي وصف الطبيعة خارج إطارها مستحضر إلى أركان البيت، مثله مثل استحضار بعض مظاهر الطبيعة إلى بيوتنا: أزهار، وبلابل، وغير ذلك، ومثل استنباتنا لبعض الخضار في غير أوانها. إن هذا التعبير سيجد له نسمة أكبر في البناء القصصي القصير مستقبلاً. قصة اعتدال رافع وضياء قصبجي ورياض نصور ليست سوى أمثلة على ذلك.‏

 

10 ـ إن النبرة التهكمية اللاذعة في قصة الخواجة وصقر، ومن قبلها في قصة عبد الله عبد وسعيد حورانية، وغيرهم، ستجد لها مكاناً أوسع في الواقع القصصي، وربما تصبح سمة خاصة من خصوصيات القصة القصيرة عندنا، على الأقل في شكل بنيانها وفي طريقة تقديمها.‏

المراجع والأصول‏

(1) إن الكتب التالية كانت معنا في تكوين هذا البحث:‏

آ ـ فكرة القصة ـ عبد الله أبو هيف: المقدمة بصورة خاصة ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1981.‏

ب ـ فن الرجل الصغير في القصة العربية القصيرة ـ أحمد محمد عطية ـ اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1977.‏

ج ـ الحرية في أدب المرأة ـ عفيف فراج ـ مؤسسة الأبحاث العربية ـ الطبعة الثانية ـ بيروت 1980.‏

د ـ النقد والحرية ـ خلدون الشمعة ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1977.‏

ه‍ ـ خواطر في الفن والقصة ـ عباس محمود العقاد ـ دار الكتاب العربي ـ الطبعة الأولى ـ بيروت 1973.‏

(2) الانفجار ـ أحمد سنبل ـ دار الثقافة ـ دمشق.‏

(3) القافلة والصحراء ـ إبراهيم خريط ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1989.‏

(4) امرأة من برج الحمل ـ اعتدال رافع ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1986.‏

(5) مقصد العاصي ـ أديب نحوي ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1982.‏

(6) التمرير ـ دريد يحيى الخواجة ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1985.‏

(7) رجع الصدى ـ مظفر سلطان ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1985.‏

(8) حبل المساكين ـ نادر السباعي ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1989.‏

(9) مجنون زنوبيا ـ صالح الرزوق ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1985.‏

(10) سيرة رجل ما ـ وديع اسمندر ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1989.‏

(11) احتفال تحت الثلج ـ حسن صقر ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1987.‏

(12) البحث عن الزمن المفقود ـ مارسيل بروست ـ ترجمة الياس بدوي. وزارة الثقافة 1982.‏

(13) جيران البحر ـ محمد كامل الخطيب ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1976.‏

(14) حصان الأحلام القديمة ـ جان ألكسان ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1986.‏

(15) القصة من المجموعة القصصية السابقة.‏

أضيفت في28/03/2006/  خاص القصة السورية

 

 

القصة فن من فنون الكتابة

الكاتبة: نجلاء أحمد علي شاهدا

بقلم الكاتب: شاهر أحمد نصر

 

(نص المحاضرة التي ألقيت في مبنى فرع اتحاد الكتاب العرب في طرطوس بتاريخ السبت 9/4/2005)

 

القصة فن من فنون الكتابة، و"الفن ـ كما يكتب الأب لونغي منذ عام 1885م ـ هو في جوهره، التعبير الحسي عن الجمال اللامادي، فما أن يغدو الأدب كلاماً أدبياً، وما أن ينبثق من كل الملكات التي تفعل فعلها بصورة متعاضدة، وبانسجام فيما بينها، حتى يكون جميلاً، إما بجمال موضوعه، أو على الأقل بجمال الروح التي يعبر عنها.." ويقول الأب جول فيريست: "إننا نطلق تسمية الأعمال الأدبية.. على تلك الأعمال التي تتميز بقوة الفكر، وتنظيم الأفكار، وبحركة العاطفة، وأناقة التعبير الكلامي."(2) فإلى أي مدى استطاعت الأديبة نجلا أن تقدم أدباً وفناً متميزاً..

 

ولدت الأديبة نجلاء في طرطوس في أسرة مكونة من أخ وحيد، وثلاث بنات، في أسرة لم تعرف الاستقرار، تركت أجواؤها أثراً على الحالة والبنية النفسية للكاتبة، وزاد في موقفها الخاص من الجنس الآخر موقف الأخ غير المنصف، من وجهة نظرها، تجاه أخواته الإناث..

حصلت على شهادة من معهد اللغة العربية، ومارست مهنة تعليم اللغة العربية في مدارس طرطوس، ثم انتقلت إلى العمل الوظيفي في مديرية التربية، وكان لها نشاط في منظمات الشبيبة، والطلائع.. ولقد ترك عملها مع الأطفال صدىً وأثراً في نفسها، انعكس ذلك في كثير من القصائد والمسرحيات والقصص التي كتبتها للأطفال، وفي تشجيعها لكثير من الأطفال والشباب على الكتابة..

 

حصلت على سبع جوائز من هيئات ثقافية عريقة في الدول العربية التالية: الكويت ـ الإمارات ـ السعودية ـ الأردن ـ مصر ـ تونس. كما حصلت على 23 ثلاث وعشرين جائزة من منظمات وهيئات في سوريا.

 

طرقت مختلف صنوف الأدب: القصة القصيرة، الشعر، المسرحية، والرواية.. فأصدرت ثلاث مجموعات قصصية هي: السيرك ـ الجنازة ـ الخط الحديدي. وكتبت مسرحية (قاطع التذاكر) التي مثلتها فرقة المسرح القومي بحلب، في نيسان ـ أيار (أبريل ـ مايو) 2004، ومسرحية (المطر) للأطفال ـ قيد التمثيل، في مسرح العائلة والطفل. وأصدرت (الجاحظ ـ سيرة قصصية للأطفال).. ولها كتاب "دور الكويت في خدمة الثقافة العربية".

 

وفي الشعر نشرت العديد من القصائد في الدوريات المحلية والعربية، ولها قيد الطباعة (النصف الآخر ـ شعر للأطفال)، و(رحيل النورس نيسان ـ قصص للأطفال).

 

وفي عام 2001 كتبت رواية تحت عنوان "شحنة شجن".

 

تبدأ مجموعتها القصصية الأولى (السيرك) بـ (حوار على ضوء سيجارة) التي كتبتها عام 1993 وهي أقرب إلى المقالة، في الأدب الساخر: تعالج بشيء من الفكاهة المرة مصير الشباب العاطل عن العمل.. اعتمدت الأديبة أسلوب السرد غير المباشر.. بأسلوب جذاب تتجاور فيه التقريرية مع الحكاية: "الحق ليس عليك، إنما على بلدية العاصمة التي لم تكن على درجة من الأريحية تخولها أن تجود بخدماتها على زقاقكم الشعبي المسكين هذا، لا ماء، لا كهرباء.. ولا حتى حاوية قمامة"ص7

وفي قصة (أورام) تتحدث بأسلوب بسيط شيق ولغة عادية عن الصراع الذي نشب "بين صهرنا المصاب بورم في رأسه، وعّمنا المصاب بورم في بطنه وفي جيبه أيضاً".ص19 ومع تطور الزمن والحياة يتحول النقيض إلى ضده بعد نجاح الصهر مادياً باستغلاله ورم الرأس، بكتابة رواية ناجحة؛ فـ "تخف الأورام في رأسه.. وتنتقل إلى بطنه بالتدرج.. يبيع كتبه.. تتسع علاقاته الاجتماعية.. يتزوج من أخريات.."ص23

 

تحاول الشخصية الرئيسية في قصة (تقارير) تقمص حياة البطلة والقديسة الفرنسية جان دارك(3)..استخدمت الكاتبة كلمة تقارير بمعناها الإيجابي، على الرغم من أنّ القارئ الملتاع من آثار التقارير السلبي يذهب خياله بعيداً عمّا تقصده الكاتبة.. وهو البحث عن الحقيقة، وعن أساليب (التجويع لغرض الاعتراف) أو عن العلاقة بين (الطغاة والمظاليم) وتدوينها لـ (يتداولها العامة بينهم بالخفاء، وإذ يقرؤونها... فإنّها تعيد خلقهم بطريقة مغايرة للمألوف)ص33 وعلى الرغم مما تعانيه من ويل بسبب الكتابة فإنّها تدعو في وصيتها إلى الاستمرار بالبحث والكتابة مهما كان الثمن: "فليكتب الأصدقاء من بعدي مسوداتهم بحبر الرب الذي لا ينفد، وإن نفد الحبر فليكتبوا بدموعهم ودمائهم.."ص34

في (السيرك) طفل قروي يتيم الأب جائع شبه عار، يعاني مع ذويه من الفقر والحرمان وظلم زوج أمه الذي ما إن "زرع نفسه على عتبة بابنا وسدّ بكفيه العريضتين منفذ النور، فأغرق الكوخ وأغرق معه حياتنا بالعتمة الأبدية."ص38 يشاهد هذا الطفل مصادفة، في المنزل الذي تخدم فيه أمه الغرباء في المدينة برنامجاً تلفزيونياً" يعرض نقلاً مباشراً لعروض سيرك عالمي جوال مليء بالمغامرات والعجائب والبدع والطرائف.."ص37 فيتعلق بالسيرك، الذي يصبح هدف حياته، بل حياته كلها.. المليئة بالتعب والظلم والقهر.. وتحل فرقة روسية لعروض السيرك.. يغامر بفصله من عمله ويذهب لتحقيق حلمه.. ما أن يرى العروض عن قرب حتى يتبخر الحلم.. يهزأ من نفسه ومن تلك الجموع المخدوعة "أرقب بذهول المخدوعين، ووجوم المغفلين.."ص38 فالسيرك يلازمه في كل لحظة من لحظات الحياة التي يعيشها مع الآخرين، وهم يحلمون برؤية السيرك..

 

بحث عن الحرية بعيداً عن "قانون جبرية الترقيم، وحتمية الظلال".ص 48 نتعرف عليه في (المرصد) لأنّ الظلال "تمسخ الأجسام وتشوه الملامح.. حتى ليبدو الجميع ـ الناس والأشياء ـ نسخاً مكررة لنموذج واحد أعيد توليده". والخوف من الظلال... يؤصل عقدة الخوف..ص48

 

تقوم الشخصية المحورية بمحاولات لتتخلص من ظلها دون جدوى.. "المرة الثانية عكفت على تنمية حاسة البصر، ومهارات التحديق والتأمل.. في محاولة جادة لمحو ظلي..ص50 أخيراً ابتلع جسدي طيفه وانطفأ ظليّ.. ص51 الآن أستطيع أن أفعل ما أريد وأشتهي دون مراقبة الظلال ومطاردة الأطياف.. أقيم مرصداً على قمة الجبل... أراقب الجميع عن بعد في مدينة الازدحام الصامت.ص52 لم يعوزني كبير عناء كي أقف على أسباب صمت هؤلاء الناس، لأنّها أساساً جزءٌ من أسباب صمتي أنا قبل أن أتخلص من لعنة ظلي.. فهؤلاء الناس مصابون بوسواس الخوف من ظلالهم ومن ظلال غيرهم، وهم موتورو الأعصاب، منشغلون على الدوام بمراقبة تحركات بعضهم... وهذا بدوره يكفل إلغاء الأحاديث، وتقنين الكلام، والحوار، لانشغال الناس أبداً في أعمال الرصد والترقب.ص53

 

وفي لحظة معينة يكتشف الراوي في مرصده كيف تُمسك الأطراف الأربعة لكل شخص بخيط.. وتهيأ له أنّ ثمة أيد أو خيالات أكف تقوم بتحريك الأطراف والأعضاء بواسطة الخيوط إياها، وفي اتجاهات متقاطعة متصالبة تجعل احتمالات التصادم بين الأشخاص حتمية.. ويباغت بقوة خفية تهاجمه وترمي مرصده في القاع.. "ما أغباني، إذا اعتقدت أنني يمكن أن أكون شخصاً بلا ظل، في مدينة كلها ظلال بظلال وأرقام لا حصر لها ولا معنى".ص58 لولا أننا لا نعرف بجلاء الانتماء السياسي للكاتبة وولاءها المطلق، لقلنا إنّها تنتقد هيمنة أجهزة المخابرات، من خلال مختلف الأدوات، بما في ذلك المخبرين، في ظل هيمنة حالة الطوارئ والقوانين والأحكام العرفية، التي تكبل البلاد والعباد، وتيبس الزرع وتجفف الضرع، وتعيق التطور الحر السليم للمجتمع والمواطن، حسب زعمنا..

 

لقد حاولت الكاتبة في مجموعتي (السيرك) و(الخط الحديدي) الغوص في الذات الإنسانية، وفي الواقع الموضوعي لحياة إنساننا المقهور، وذلك بفضل إحساسها العميق بالمعاناة، والتوق للتحرر من شرنقة المرارة والحزن الذي يثلم النفس والوجود، فقدمت موضوعها بأسلوب جذاب يقترن بقدرة على التشويق.. مع وجود بعض القصص التي تشبه الخاطرة أو حكاية كتبت بلغة عادية، وأسلوب بسيط مباشر.. حبذا لو زُينت تلك القصص بالشاعرية التي تتميز بها الكاتبة.. وأغنت الجوانب الداخلية لشخصياتها بالخبرة والتجربة.. سعياً لتحقيق البهجة والتعلم في آن واحد، وهما غرض الأدب كما يقول الشاعر الروماني هوراس..

* * *

في قصص (الجنازة) التي كتبتها في الأعوام: 1996 – 1997 – 1998 تعالج مواضيع الحياة الواقعية، وتطرق مستوىً فنياً جديداً مع ارتقائها بالمستوى الفكري للقص.. وتحاول الولوج في أعماق النفس الإنسانية.. وتفيض ملكتها النفسية المكللة بعبق الحزن، وإرادة التحرر من كل ما يكبلها في الواقع الموضوعي، وفي أعماق النفس.. تفيض بلوحات مليئة بالمشاعر الصادقة.. فتبحث في (الرجل والعقرب) في مكنونات النفس التي تعتز بذاتها، وتحاول إثبات وجودها وقدراتها بالنأي عن الجماعة... وعواقب انفصال الفرد عن الجماعة...

نرى أنّه لم يكن مفيداً ولا ضرورياً إقحام (إشكالية العلاقة بين الآباء والأبناء) في هذه القصة بعبارة مقتضبة ومباشرة والمرور عليها مرور الكرام.. يمكن معالجة هذه المسألة في سياق القصة دون أن طرحها مباشرة لتشغل فكر القارئ وتخرجه عن سياق تلقي القصة..

وتكثف في (حيره) كماً هائلاً من القلق الإنساني الداخلي "أنا مضطرب بالفطرة، غاوي نكد ومشاكسة".ص34 ربما ينجم ذلك عن انعكاس المعاناة الداخلية والموضوعية العنيفة التي تعيشها الكاتبة.. وتحاول تفريغ شحنات الشجن العاصفة التي تكبلها وتهز أعصابها وخلاياها ولاشعورها.. أما قصة (رقاص الساعة) فتبحث في الزواج غير المتكافئ.. على الرغم من وجود بعض الأحكام المسبقة في القصة كـ "مقابلة الرجال لمساحات الود، التي تبدر عن النساء بالخيبة.." فإننا عندما نقرأها نعاني مع الزوجة ونتضامن معها.. أي إنّ القاصة تجهد لتكون قصصها القصيرة "هي الفأس الحادة في الأدب ـ كما تقول مارجريت أتوود ـ التي تكسر البحر المتجمد لعزلتنا الفردية، باستخدام الأدوات التصويرية المكثفة جداً".(4)

 

"بدأ الطبيب الصموت يعتقد أنّ الفرج هبط عليه من السماء بزواجه من ماريا..ص44

انزج في العمل بعصامية.. يجري كل شيء بدقة.. تبحث (الزوجة) عن رأس خيط يقودهما إلى حوار حول شيء غير محدد سلفاً.. يجيب بهمهمة أو يوجز بصيغة حادة..ص45

يمضغ طعامه بحيوانية.. يستحم ويخلد إلى النوم..ص45 رأسٌ جاثمٌ فوق مخدة على بعد ذراع من رأسها.. تتصور بداخله صندوقاً خشبياً..ص46 "حياة لا تطاق".. تفكر بالطلاق..

ثم تقرر ماريا أن تفسح بينها وبين زوجها مساحة جديدة للود، وبذلك ترجئ طلاقها..

قررت إعداد مفاجأة للزوج.. أعدت مائدة مميزة يتوسطها قالب (كاتو) فاخر احتفالاً بمناسبة عزيزة عليهما..

حدثت الصدمة حين حضر زوج ماريا مع أصحاب جلسوا إلى العشاء..

لم يكلف نفسه عناء إبداء الدهشة لوجود قالب فاخر وسط المائدة.. انصرف الزوج والضيوف..

(مساحة الود) تضيق حول عنق ماريا ص51

تنتظر وتفكر في مساحات الود التي تفسحها دوماً مع غيرها بمبادرات خلاقة دون أن تنتهي إلاّ إلى قذفها في حضن الخيبة.. ص52 كان بالإمكان إنهاء القصة هنا..

 

بإضافة كلمتي (مع غيرها) يستطيع القارئ أن يرى الكاتبة تقتحم النص لتفصح عن ذاتها، وعن مساحات الود التي تقدمها ولا تنال منها إلاّ الخيبة.. وكأنّ القصة بمجملها تحولت هنا إلى رسالة تود الكاتبة إيصالها إلى شخص ما.. والله أعلم..

... إننا نلمس جهد الكاتبة وتوقها لأن تجعل من قصصها حقائق ملموسة، محددة، وحقيقية.. وهي تحاول مع تقديمها المتعة، التدخل، بشكل غير مباشر، في حياتنا الخاصة لنعيشها بشكل أفضل.. وكأنّها تجاري من يقول "أنا أقرأ من أجل المتعة"، "وتلك هي اللحظة التي بها أتعلم كثيراً، تعليماً غير مقصود". والتعلم في الأدب، ليس تعلماً لا محسوساً، أو غير مقصود، فحسب، بل تعلماً شاملاً أيضاً، حيث يتعلم القارئ من خلال شمولية إنسانية الأدب.. التي تملك قوة تأثير علينا بشكل أكبر مما تقوم به المناقشة الفكرية أو الأخلاقية المحضة.(5)‏

 

يؤكد نقاد القصة القصيرة أهمية الشكل "كنوع شعري أساسي في النثر السردي فهو يخلق حالة تجلي في شعور راق وتفكير راق وحساسية راقية، "تعظم النفس التي لا يمكن أن تكون خالدة"... كما استعار جيمس جويس المصطلح اللاهوتي "الصعود المتألق" ـ الذي استخدم في زمن المسيحية الأول للدلالة على تجلي الإله في العالم المادي ـ كمهمة أساسية للقصة القصيرة، لتصوير بعض المشاهد أو الأحداث الدنيوية في مثل هذا الأسلوب الذي يكشف المعنى العميق والخفي للأشياء الموصوفة. وقد أوضح رائد التجربة الأرجنتيني خوليو كورتازار الفكرة ذاتها عندما بين أنه في الوقت الذي يبدو أن القصة القصيرة تركز على موضوع ما، فإن القصة الدالة تشير إلى "الخاصية الغامضة لشيء مضيء يقع في ما وراءها"، وأضاف كورتازار:‏ "تكون أي قصة ذات مغزى عندما تمزق قيودها بتفجير الطاقة الروحية التي تضيء فجأة الأشياء البعيدة وراء تلك الأشياء الصغيرة وأحياناً وراء أخبار الندرة الساذجة".‏ وفي هذا السياق يمكن إضافة قول أيزاك باشيفيز سينغر "الأدب ذاكرة الإنسانية". وفن القصة القصيرة وجد ليبين إنسانية أمور لا يمكن نسيانها.(6)‏

 

من الضروري أن يسأل كل كاتب قصة نفسه: إلى أي مدى استطاع أن يحقق تلك الرؤى التي تغني قصصه، وترفعها إلى مستويات فنية راقية.

سعت الأديبة نجلا أحمد علي إلى التعويض عن شحوب ألق اللغة الشاعرية في بعض القصص بإيراد صور حميمية، أحياناً، "أنام سحابة النهار، وأساهر الليل حتى مطلع الفجر." السيرك.ص28 وباستخدام تعابير مجلجلة، أحياناً أخرى، تعكس معاناة ضاغطة عميقة، تقود إلى الحقد على العالم، في حالات محددة: "أيها العالم الموبوء بالأحقاد... المزروع بألغام الضغائن. كم أحبك الآن"(السيرك ص42).. وتطغى على قصصها الهموم الاجتماعية والنفسية.. وتبقى قصصها حبلى بالأفكار والهموم، وكأنّها تحاول أن تقحم ذهن المتلقي في معالجة همومها، التي هي همومه أيضاً.. وكأن الذهنَ موضوعٌ وأداة تلهو الكاتبة به، وتعد تحفيزه وتفعيله غاية من غاياتها..

 

في الرواية:

من المعروف أنّ الرواية الأوروبية ولدت في مرحلة تحطيم القيم الروحية والاجتماعية والأخلاقية العائدة للقرون الوسطى، وتشكل قيم أخرى جديدة مع الانتقال إلى العصر البرجوازي.. وكان لوحدة أنماط العقائد التي كونت الوعي الفني في أوربا، دوراً رئيساً في وحدة التقاليد الروائية الأوروبية.. ولما كانت شمولية الرواية وانتشارها الواسع يرتبط بمدى تفاعل الخصوصية المحلية مع عمومية الروح الإنسانية فيها، فقد نشأت الرواية العالمية التي تتميز بشخصية لها صفات محلية تاريخية وجغرافية واجتماعية وإنسانية تتقاطع مع الصفات العالمية... هكذا اكتسب العديد من الروايات الأوربية والروسية صفة العالمية، مع العلم أنّ ولادة الرواية الكلاسيكية الروسية ترافقت مع دخول المجتمع الروسي في مرحلة التجديد الروحي والاجتماعي، المترافق مع نسمات الفكر التنويري العالمي الجديد... وتطورت النظرة إلى الرواية من كونها تكتب للقبض على الحقيقة والواقع والتأثير فيه، إلى الاتفاق على أنّها شكلٌ مفتوح، يتعامل معه الروائي دون ادعائه امتلاك الحقيقة، أو استقلاله التام عن الآخرين.. وهكذا أخذ روائيو كل بلد يتأثرون بما يكتبه كتاب البلدان الأخرى، فكتبت الروايات المحلية ذات الانتشار العالمي لاحقاً مع وعي الأشكال والمستويات والبنى التي وصلتها الرواية عند الشعوب الأخرى.. وأصبحت الرواية العالمية ملكاً للإنسانية جمعاء.. وأصبح المتلقي يقارن أية رواية يقرأها مع روائع الأدب العالمي..

أما الرواية العربية التي استفادت من التجارب العالمية التي سبقتها، فقد ولدت في عصر انهيار العالم الاستعماري بشكله القديم، عصر إعادة بناء العالم على أسس جديدة، عصر الاحتدام الهائل للتناقضات، وأخذت تنمو وتتطور في عصر انهيار الأنظمة الشمولية التي عجزت عن تلبية ومواكبة متطلبات الحياة.

 

أوردت هذه المقدمة لأبين أن من واجب أي كاتب يتنطح لمسألة كتابة الرواية أن يكون ملماً بالموروث العالمي وبالمدارس التي سبقته، وبمعطيات ومتطلبات العصر الذي يعيش فيه، وأن يعي أشكال الرواية والمستويات التي وصلت إليها عند الأمم الأخرى، والبحر الواسع من النتاج الروائي العالمي، كيلا يضيع جهده كما يتناثر الرذاذ من ارتطام موج البحر على صخور الواقع المتغير باستمرار..

* * *

نشرت الأديبة نجلا أحمد علي رواية تحت عنوان "شحنة شجن" تمتاز بلغة شاعرية، ومحاولاتها الخوض في التجريب الروائي..

بطلة الرواية مريم فتاة يتيمة الأب، فراشة حائمة كلها انشغال.. يجذبها البئر، وهو قنديل جله اشتعال. يراودها انبهار الضوء حلماً.. وتقع في البئر..

الأم تهدد.. إما أن تنقذوا مريم أو ألحق بها ومعي مهرة الشيخ "مبارك".ص11 ...

رجل غريب ينقذ مريم ويختفي.. قالوا : ـ البنت مسحورة وإلاّ ما نجت...ص21

كبرت مريم ووصمة عارها لاصقة بتربة المهيدي...ص23

تعرفنا الكاتبة ً على: الماوردي رجل ضالع في السحر، فاضح للستر..ص26

وقيل في الرجل الكثير.. لذا: وجب على الكل أن يتجنبوا الاقتراب من سياج مملكته. ص30

أمر وحيد من أمور دنياها أجادته الصبية: الرعي.ص39

(ذات يوم) داهمها الفيضان وأخذها الطوفان.. مع قطيع من البهائم..ص47

.. هطل المطر غزيراً ..اشتدت الريح.. فقدت حارسها الأمين.. خفت المطر.. أتاها العواء.. إنه ذئب.. انقذفت البنت كشظية فاتكة تدحرجت على الصخر.. أبصرت درباً ممهدة صاعدة، فجعلت تركض والعواء يقتفي أثرها.. لمحت شبحاً فارعاً.. يشتعل بنور سماوي هائل هابطٍ إليها.. وعلى طلق الرصاص.. سقطت.ص51

أفاقت على وشوشات وهمس، وملمس خشن لراحتين تبدلان الكمادات على جبينها.. إنّه رجل.. من لحم ودم.ص51

ـ أريد أن أرجع.

ـ لن ترحلي قبل ذهاب الحمى.ص54

أحست بغلالة من السكينة تدثرها. ولأول مرة تصعّد نظراً في وجه الرجل.. وتشعر بمسحة أمان تبذرها يد الرجل الجائلة على جِلدها وتودعها مسامها، فيذوب صقيع القلب.ص58

ـ لي إزار عزيز أضعته.. وثوبك مصنوع من قماش الإزار ذاته! (قال الرجل)

أدركت مطالع الحي.. اندفع الأولاد في كل ناحية يذيعون النبأ: مريومة عادت.ص71

ضبط أهالي المبروكة الفتاة تؤوب إلى حيها بلباس غير الذي خرجت به من بينهم ذات سفرة لها بالماشية.ص78

تغيرت مريومة.. عرفت أحلام اليقظة وما تبثه من رعش في الأعضاء.. وحين تعثّر على فمها السؤال: ما الحب؟! اشرأب الجذع، وبسق.. وصارت مريومة شجرة ياسمين..

تتعرف الأم على الماوردي من خلال قصة الإزار.. وتنبئ ابنتها أنّه هو من أنقذها من البئر..

قرر أهل الحي مهاجمة الماوردي طمعاً في رزقه.. تطير الفتاة إليه لتنبئه بنواياهم..

في العراك، يأسر أحدهم.. ويهدد بذبحه إن لم يتراجعوا..

يتراجعون..

(قرر الماوردي الترحال) صعّد في داره وحواشيها ناراً هائلة.. سار بأهله إلى جهة يعلمها الله..ص97

رسخ في ظن البائسة أنّ الماوردي قضى محترقاً بين أركان بيته..ص99

ابتليت الصبية بفقدان البصر.. الصبية تنتحر..

تلون الكاتبة النص بشتى صنوف البيان: السجع والمرادفات، ونستطيع القول من محاسن هذه الرواية أن لغتها لغة شاعرية تمتزج بلغة الحكايا الأسطورية المزينة بطيف حكايا ألف ليلة وليلة، التي تأثرت الكاتبة بها أيما تأثير..

 

إذا حاولنا تسليط الضوء على الجانب التجريبي عند الكاتبة لوجدناه جلياً في الأسلوب: عندما تقحم الكاتبة في النص أسلوب سرد الأساطير.. وتعتمد أسلوب السيرة في التعريف بشخص ابن نجمان الماوردي..ص24 ولا يخلو النص في بعض مقاطعه من الفزلكة كالحوار بين اللغة والكاتب، والاتكاء على ألف ليلة وليلة.. فيجد المتلقي نفسه غريباً بينهما، وتخرجه أحياناً من طوره.. وقبل التفصيل في محاولات الكاتبة التجريبية من المفيد التطرق إلى مسألة التجريب والتجديد في الأدب، وتعرية الاتجاهات التي تدعو إلى تهديم الأدب بدعوى التجريب، مع التنويه إلى ضرورة وأهمية التجريب الإبداعي..

 

الرواية التجريبية:

تعرفنا على الظروف التي ظهرت فيها الرواية في أوربا.. ومن المفيد التمعن في تلك الظروف التي نشأت فيها المحاولات الأولى لتجديد الرواية، والتأسيس لما يسمى بالرواية التجريبية..

 

من المعروف أنّ كلمة تجريب من تجربة، وهي ما يقوم به العلماء من اختبارات في المخابر العلمية، أي إنّها ترتبط أصلاً بالعلوم الطبيعية.. ويعيد النقاد فضل إدخال مصطلح التجريب في الأدب إلى إميل زولا "فهو الذي جمع عام 1880 عدة نصوص نظرية بشأن الرواية في المستقبل وطبق أول طريقة في التجريب واستخدم الكلمة -المفتاح- التي سبق لكلود بيرنارد أن استخدمها ولكنها مطبقة هذه المرة علي ظواهر ليست طبيعية بل فنية وذلك في كتابة (الرواية التجريبية)"(7).

 

وهناك من يرى أنّ علامات تجديد الرواية ظهرت في أعمال فوضوية تعتمد التجريب أساساً، بدأت مع فقدان الكاتب الثقة بمؤسسات المجتمع التي أخذت تطغى وتفرض هيمنتها على الإنسان الفرد.. مما دفع الكاتب للتحرر من قيود المجتمع، والبحث عن هوية مستقلة لها طابع فني لا تقيدها تقاليد المجتمع وعاداته.. وتعمق هذا التيار مع ازدياد حدة الأزمة الروحية التي أخذت تخنق الإنسان في العصر الحديث، وسعت للتعبير عن نزوعاته المختلفة، وأعماقه وخفاياه الباطنية المكبوتة المستترة المظلمة، ومزاجه الحائر القلق، وتأثرت بالنظريات السيكولوجية الجديدة المبنية على معطيات المدرسة الفرويدية في مطلع القرن العشرين. كما يبين النقاد أنّ هذا التيار نشأ على المستوى الأخلاقي والروحي على يد فرانتس كافكا "الذي حاول التعبير عن أزمة البطل الروحية، وهو يعيش صراعاً طاحناً في مواجهة العالم المادي البشع الذي يحيل البطل ببساطة إلى صرصار، وينصب للبطولة محكمة وقضاة، تحول البطل إلى شكل خال من أية معالم إنسانية، وقد رصد كافكا هذا التحول في رواياته (المسخ - القصر - القضية) التي تتسم بأجواء خيالية مثل الكوابيس، تصور إحباط الرجل العادي ويأسه في دوامة البيروقراطية الحكومية. وتزامن ذلك مع محاولات مارسيل بروست في تقنية الكتابة بوصفها أحلام يقظة شاعرية، وفي حفريات الذاكرة وتفتيت الزمن الروائي، فانتثرت الوقائع إلى دقائق صغيرة، وتم الاستغراق في الوصف واحاطة الزمن الماضي بأطر جديدة متبلورة مشعة، واستخدم جيمس جويس في إنجلترا تيار الوعي للتعبير عـن الرؤى والمشاعر والذكريات التي تفيض بها عقول شخصياته كما في روايته ذات الزمن المكـثف (يوليسيز) حيث انهيار القيم الشخصية، وتفاهة النشاط الإنساني في الحياة المعاصرة، وكذلك التركيز على اليومي العابث اللاهي الحزين والمؤلم. وقد كتبت فرجينيا وولف بالتقنية نفسها مع استخدام الرمزية بأسلوب شاعري مؤكدة هشاشة العلاقات الإنسانية في خضم القيم الاجتماعية المنهارة، كما في روايتها (الفنار) 1927"(8) .

 

وكما يقول الدكتور محمد شاهين "ظلت قضية الواقعية قائمة، ولكنها أخذت بعداً مغايراً.. فبدلاً أن كانت بعداً خارجياً وهو ما يحدث في الطبيعة، في الكون، في التاريخ ..الخ، أصبحت بعداً داخلياً.وهكذا تحول السرد من حوادث تتسلسل زمنياً إلى مشاعر تنبثق دون إعداد مسبق، ومن داخل النفس البشرية. وأصبحت الرواية عند فرجينيا وولف وجيمز جويس وغيرهم تتكون في غالبها من تداعيات تنطلق من اللاشعور متجاوزة تقاليد الحبكة والقصة إلى الأحلام والمخاوف والآمال الفردية التي تتموج داخل النفس البشرية. ولم تعد الرواية ثيمات مألوفة عن الحب والمأساة والملهاة.. بل أصبحت استكشافاً لخبايا النفس التي لم تطرق من قبل، وغوصاً في أعماقها بحثاً عن حقيقة أعمق من الحقيقة الخارجية للحوادث، والأشياء والظواهر المألوفة للحس الخارجي. باختصار أصبح جل اهتمام الكاتب بالشخصية بدلاً من الحدث، وهذه هي أهم علامة في تطور الرواية."(9)

 

أما روايات سارتر وكامو ، فقد جاءت كتعبير عن الرؤية الفلسفية الوجودية التي تقول بعبثية الحياة والدور المحوري لذات الإنسان الذي عليه أن يختار أسلوب حياته بنفسه وعلى مسؤوليته..

وازداد رواج التجريبية في بلدان أوربا الغربية منذ أواسط ستينات القرن الماضي، وبشكل عام منذ عام 1968م، وترافقت مع التمرد اليساري على الرأسمالية... وما عرف بمذهب "الطليعة الجديدة"...

 

يبين بعض النقاد أنّ مذهب الطليعيين الجدد المشوش والموهوم والمشوب بالتهور يلعب دوراً تهديمياً في الأدب. فقد دعا هذا المذهب إلى مزاوجة المذهب العقلي الشكلي مع المذهب اللاعقلاني، وإنشاء الفن الذي يعني الانغلاق في مجال "الممارسة اللغوية"، واستبدال نقد المجتمع بنقد اللغة. إنّ هذه المغالاة المالارمية (نسبة إلى مالارميه الذي فجر وبقوة مسألة ماهية الأدب) تكشف بشكل أو بآخر عن صمتٍ وغيابٍ عميقين يفسران إلى حد كبير أزمة مفهوم الأدب التي تتجلى من خلال طرح مسألة اللغة والتفكير النقدي حول إمكانية نشوء اللغة، وشروط وجودها وآلية عملها... لقد أصبح من دواعي فخر الكاتب أن تكون أعماله مستعصية الفهم على القارئ، وأن يكتب من أجل أن لا يقرأ. لقد كان "النص" تظاهرة لرفض الكاتب للتحليل والاستيضاح والتعميم.. وانتشرت تلك "النصوص" التي تصلح لمونولوج من التمثيلية المسرحية "تدنيس الجمهور" لـ ب. هاندكه: أنتم قرود، أنتم بدون أهل، أنتم جائعون، أنتم متمردون، أنتم أوباش، أنتم مدنسو الأوكار الخاصة...الخ(10)

 

من كل ما تقدم يتبين أنّ التجريب بشكل عام، بما فيه الفني، يتعلق بمستوى وأفق التحولات الاجتماعية والمعرفية والتكنولوجية وهو ضروري لرؤية المستقبل. وستتوسع الآفاق أمام التجريب في عصر المعلوماتية في ثنايا العالم الافتراضي الذي تخلقه دروب مجرات المعلومات.. ستحل مرحلة يتحد فيها ذهن ومخيلة المبدع مع الكومبيوتر، ويتلاقى فيها الواقع المادي مع المثل والخيال، ويكتسب فيها المبدع والمتلقي إمكانية الغوص في أعماق وزوايا النفس البشرية والروح اللامتناهية، وينتج فناً خالداً.

إذا قاد التجريب إلى ابتكار أساليب وأشكال جمالية جديدة راقية في التعبير الفني فإنّه يرتقي إلى شكل ومستوى من أشكال ومستويات الإبداع .. وضع الدكتور صلاح فضل "تصنيفا لمفاصل التجريب الروائي في الرواية العربية ضمن ثلاث دوائر متمايزة أكثر الأحيان، لكنها متداخلة أيضاً، وهي:

 

1 ـ ابتكار عوالم متخيلة جديدة، ليست مألوفة في حياتنا العادية، ولا طرأت في السرديات السابقة، عوالم خلقت منطقها الداخلي، وبلورت جمالياتها الخاصة.

2 ـ توظيف تقنيات فنية محدثة تتصل بطريقة تقديم العالم المتخيل وتحديد منظوره، كتقنية تيار الوعي أو تعدد الأصوات أو المونتاج السينمائي.

3 ـ اكتشاف مستويات لغوية في التعبير تتجاوز نطاق المألوف في الإبداع السائد، عبر تعليقات نصية متشابكة ومتراسلة مع توظيف لغة التراث السردي أو الشعري أو دارج اللهجة وأنواع الخطاب الأخرى".(11)

 

فإلى أي مدى استطاعت الأديبة نجلا أحمد علي أن تفلح في التجريب والتجديد القصصي والروائي؟

لكل رواية، ولكل كاتب رواية، لغته وأسلوبه الخاص.. وفي كل رواية شيء جديد والشيء الجديد نسبياً في "شحنة شجن" هو اللغة والأسلوب.. تزين الكاتبة روايتها بالأسطورة، وتتداخل الرؤية بالأسطورة دون أن تبتلعها الأسطورة.. وتصر الكاتبة على التمسك بالتراث الملحي دون أن تفقد شخصياتها الصفات الإنسانية العامة.. وينطبق نسبياً عليها بعض الخصائص الواردة أعلاه في التجريب والحداثة ويتجلى ذلك في محاولة مزاوجة الأسطورة بالواقع، والعناية باللفظ، وفي محاولتها طرق "مستويات لغوية في التعبير تتجاوز نطاق المألوف في الإبداع السائد، عبر تعليقات نصية متشابكة ومتراسلة مع توظيف لغة التراث السردي" في روايتها..

 

في اللغة:

اهتمت الكاتبة بجماليات الخطاب، من خلال استخدامها الجميل للغة لدرجة المبالغة أحياناً.. والكاتبة متمكنة من اللغة بشكل جيد، قلما تجد خطأ نحوياً لولا بعض الأخطاء المطبعية التي استرعت انتباهي مثل: ( لم يجدي) "الجنازة" ص21 (ِلَم يصيبُنا) "الجنازة" ص33 تدنو من الفراش بشعر منفوش شائب، وعينان ضيقتان كشطبي قلم. "شحنة شجن" ص52(عينين ضيقتين).. كما استخدمت الكاتبة كلمة طيلة للتعبير عن مدى استمرار الزمن ويفضل استخدام كلمة طوال (أبد الدهر)، لأنّ الطيلة: العمر (يقال: أطال الله طيلته، ولا يقال أطال الله طواله).. وكان من المفضل مراعاة علامات التنقيط خاصة في الرواية.. مع التنويه إلى مسألة قد تكون سقطت سهواً من قبل الكاتبة، وهي استبدالها كلمة "مهرة" التي وردت في البداية بـ "ناقة" في الفصول الأخيرة من "شحنة شجن".. ومن المفضل مجاراة مستوى اللغة لطبيعة ومستوى الشخصيات.. ومن حق المتلقي أن يتساءل على سبيل المثال، من أين اللغة الموغلة في الفصحى لراعية: احتجت: ـ إنهم رعاع بلا رحمة ص89. يا أمة الله. من تكون الغرقى؟

(قد يكون سبب ذلك السرعة والحالة النفسية التي كتبت فيها الرواية)

هذا لا يمنع رؤية اللغة الشاعرية المتميزة في الرواية، تلك اللغة الغنية بالمفردات وبالبيان، والمتجاورة مع لغة الحكايا والأساطير: "البئر قنديل جله اشتعال. ومريم فراشة حائمة كلها انشغال، يراودها انبهار الضوء حلماً.." "ويصيح عابر: وقعت بنت.. وقعت بنت"..ص10 "يتلاشى الصوت وتهمد الحركة".

 

في الأسلوب:

نستطيع القول أنّ الكاتبة في أسلوبها التجديدي، تحاول كسر القوالب الجامدة لكتابة القصة، فتدخل في النص حوارات وتداعيات لا تتعلق مباشرة بالأحداث الرئيسية فيه، ويوقعها ذلك في الفزلكة أحياناً، مثلاً: في ص44ـ 47 فصول تجليات العشق التي عقدتها شهرزاد.. وربما كان ذلك يشي عن فيض المشاعر الجياشة المحبوسة في حناياها.. إلاّ أن هذه الفصول التي قد تخرج القارئ عن طوره ـ بخروج الكاتبة عن التسلسل المتعارف عليه منطقياً في السرد ـ ليست طاغية على النص.. والكاتبة تجيد فن جذب المتلقي بأسلوب فاتن آسر جميل مزين بأفكار طيبة غنية وهي تتحدث عن (النساء ومظاهر الامتلاء) فتزين النص بأنغام عذبة وزخرفات رسامة ماهرة وصيادة لألئ نفيسة، ورؤى جنية نورانية: امتلأت امرأة بالحنان فصارت أماً، وامتلأت امرأة بالإيمان فصارت راهبة، وامتلأت امرأة بالغواية فصارت مومساً.. وامتلأت امرأة بالشر فصارت أفعى، وامتلأت امرأة بالموسيقى فصارت مغنية، وامتلأت امرأة بالإيقاع فصارت راقصة، وامتلأت امرأة بالحب، فماذا صارت برأيكم؟

ـ صارت إلهاً..ص32

 

في الزمان:

هناك أكثر من مسألة يمكن مناقشتها مع الكاتبة، المسألة الأولى التي ترد في أكثر من مكان وهي تحميل الزمن مسؤولية عيوبنا ونواقصنا، وهي ثقافة إلقاء اللوم والتبعات على الآخر، سواء القدر أو العدو أو الزمن، وهي ثقافة تربينا عليها لأجيال طويلة.. (كان زماناً تعطل عنده الزمان لجهالة ناسه وسفاهتهم، وظلامة أهله وقساوتهم.)ص36 وفي هذا الخصوص نقول: الزمان لا يتعطل، يحل الركود: عندما لا تستجيب البنية الاقتصادية الاجتماعية لمتطلبات التطور.. العيب ليس في الزمان بل في صانعي المرحلة التاريخية.. الزمن لا يمكن أن يكون مخصياً، بل من يعيشون فيه يمكن أن يكونوا مخصيين.. أما المسألة الثانية فهي مسألة توظيف الكاتبة للزمن في النص، فقد كان توظيفاً سلساً عادياً.. وعلى الرغم من أنّ تصرفات بعض الشخصيات، وأسلوب الحكاية يوحي بزمن بعيد.. فإنّ التحليل النفسي للمواضيع المطروقة يوحي بالزمن المعاصر.. من المفيد تجديد التقنيات القصصية باستمرار، ومنها حسن اللعب مع الزمن، وحسن استثمار ما أطلق عليه النقاد: التناوب، التناوب المتزامن، الارتجاع، التضمين، الاستباق..

 

في الموضوع وعلاقة الكاتبة بالرجل:

لقد أصبح من المعروف والمتعارف عليه أنّ من أهم المبادئ الأساسية لتطور الرواية "مبدأ التوغل العميق في الحياة الداخلية للذات الإنسانية".. ومع الاتفاق مع الرأي القائل بأنّ "مقتل الروائي العربي إنما يكمن في أنّه قد نصب نفسه كخبير في قضايا المجتمع، أي حاول أن يكون عالم اجتماع بدلاً من أن يكون فناناً"(12).. فإنّه لا بد من التنويه إلى أنّ القصة والرواية أصبحت عملاً فكرياً وفنياً يتطلب جهداً خاصاً من الكاتب.. فقد تأثرت بكل منجزات وعلوم العصر بما في ذلك علم النفس والفلسفة.. كاتب القصة ليس عالم رياضيات ولا عالم اقتصاد أو اجتماع.. لكن عليه أن يكون ملماً بالمبادئ الأساسية للفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع.. لكم حزّ في نفسي، على سبيل المثال، قراءة نص أدبي لأحد الكتاب الذين تثير رؤيتهم الفكرية التساؤل عندما يضع، على سبيل المثال، المعارضين السياسيين في صف واحد مع اللصوص والقتلة والمجرمين والخارجين عن القانون، ويجمعهم جميعاً في فئة واحدة.. في الوقت الذي تنظر فيه البشرية المتحضرة وعلم الاجتماع المعاصر إلى المعارضة كعنوان للأوطان، يرتبط مستقبلها وسلامة تطورها بحضورها السليم..

عندما يحاول الروائي أو القاص أن يبحث في العلاقة التي تربط الذات بالمجتمع، عليه أن يكون ملماً بألف باء علم الاجتماع، وعلم النفس..

من محاسن أدب نجلا أحمد علي أن الإنسان وهمومه الاجتماعية والنفسية يشكلان ركناً أساسياً من أركانه.. ويلمس المتلقي إصرار الكاتبة الصادق على معالجة القضايا الاجتماعية التي تقف عثرة أمام تألق وتطور إنسانية الإنسان.. لكنّ القارئ يلمس في ثنايا بعض النصوص تأكيد موضوعة العداء بين الرجل والمرأة، مما يؤدي إلى استشفاف موقف عدائي من الرجل كامن في لاشعور الكاتبة.. يتجلى ذلك أحياناً في تقويل الرجال أقوالاً ضد النساء: "حين بدأت أعمم كرهي على النساء، كنت مدفوعاً بدافع الحقد على حواء، إذ نمي إلي أنّها المسؤولة عن وجود ذلك المثلث العظمي الناتئ في أعناق الرجال".السيرك ص41 أو في عبارات مباشرة: "أعلن الكاتب عنوان سيرته:(عن الرجال وغرائب الأحوال)" شحنة شجن ص24 .. "ولما لم تلقَ الفتاة مجيباً ينجدها، ولا سمعت جواباً يثلجها، وجوبهت بالصد والبغض، والتمنع والاستهجان، وعَت محنتها.. فآثرت وحيدة ـ اجترار خيبتها، وحقن عذاباتها بالصمت، وإخراس نداءات الجسد السرية، مهما طفح الكيل وعظم الويل". شحنة شجن ص8 " أو في إصدار أحكام مباشرة قريبة إلى العامية المتخلفة.. "وهل خلقت النساء إلاّ للحيل" (رقاص الساعة) ص48 بالتأكيد خلقت لأمور أسمى.

 

وهنا تجدني أختلف مع الأديب وليد معماري في قوله بأنّ نجلا علي "استطاعت السيطرة على "أناها" الأنثوية ونفيها خارج عملية القص وبالتالي تخلصت من أهم المآخذ على القصة النسائية وهي "البوح العاطفي الذي يصل إلى تخوم الرومانسية"".

 

جاء في كتاب "الخطاب القصصي النسوي ـ نماذج من سورية" للدكتورة ماجدة حمود أنّ استخدام مصطلح الأدب النسوي ليس إشادة أو عزلاً، وإنما انطلاق من أنّ الأدب يبدأ من "نبض المعاناة الخاصة"، وهذا يتجلى في اللغة بكل ما تعنيه من تشكيل جمالي يؤسس بنية اللغة، أي خصوصية المعاناة / التجربة، تفضي إلى خصوصية الخطاب / جماليات خاصة.. وإذا كان لنا أن نرى إلى المعاناة / التجربة / ما قبل النص نجد أنّ جنس الكاتب يمثل عنصراً من عناصرها، أي يمثل عنصراً من عناصر التجربة وليس العناصر كلها، ومن هذه العناصر: الموهبة، الثقافة، المهنة، المنظور الإيديولوجي، شروط الحياة.. فكثير من المزوقات في اللغة تعود إلى المهنة.. كما لخصت بريجيت لوغار بعض الخصائص العامة التي تشيع في أدب النساء: الجنس، إدراك الجسد، التجربة الحياتية، اللغة.. ويتمثل نبض معاناة المرأة في النص في كونها كائناً مضطهداً مغبوناً مقهوراً... فالنصوص التي تكتبها الأديبات كثيراً ما تطغى فيها لغة البوح والاعتراف، ونرجسية الغبن والقهر، والتوتر والقلق إزاء الرجل متعدد الأقنعة.. تكشف لغتها الشعرية أعماق المرأة المضطربة في مواجهتها لهموم عالم مضطهد وزمن قاهر..(13) قد نجد بعض هذه الخصائص، أو معظمها في الأدب القصصي عند الرجال.. لكن حميميتها وطغيانها أكثر ما يتجلى في الأدب النسوي.. والأديبة نجلا علي لم تكن بعيدة عن ذلك.. تصور المرأة أحياناً كملاك.. كما تتألق اللغة عند وصف المرأة ومعاناتها.. فتجدها أحياناً تحاول تفريغ شحنات الحزن والشجن المكتوم والمخزن في اللاشعور: "تبلدت البنت، خبا بريق الحياة في ناظريها، انسحب لونها من بشرتها، ففارقتها نضارة الأحياء وبضاضة أجسام الشباب، وانخطف حماسها من قبل ميعاده، وحيويتها قبل ميقاتها، فخارت عزيمتها، وبردت استجابتها، ووهنت ردات فعلها، وغدت أقرب إلى الكهولة"..شحنة شجن ص38 وتجدها أحياناً أخرى تتدخل في النص للتعبير عن خلجات وعواطف داخلية كامنة.. فقد كان بإمكانها أن تنهي "شحنة شجن" عند قتل مريم لنفسها.. لكنّها أصرت على التعبير عمّا في حناياها وإيصال رسالتها النسائية إلى من يهمه أمرها: "البنت منحوسة.. بل مشمولة بضر في أصل ذاتها.. المرأة معمورة بالحب.. لولا حلوله بها حول الدم في العرق.. ما أزهقت روحها.. المرأة عاشقة بلا ريب.. مقدودة لفراق الحبيب..المرأة مشحونة بشجن..

لو صبرت حد انقضاء الشحنة.. أو وجدت سبيلاً لتفريغها.. أو اهتدت للذي يخفف عنها تبعات الصدم ولواحق التلقي.

 

لو لقيت دريئة غير ذاتها، ومصداً في غير شخصها لما ماتت المرأة". شحنة شجن ص102

مع تمناتي لأدبنا بالسمو أكثر في تعمقه بقضايا الصراع ومعالجة التناقضات بعمق أكبر، مع بذل كثير من الجهد والحفر المعرفي، والتعب أكثر على الموضوع والنهايات، وإكساء الشخصيات الأبعاد المتنوعة لتصبح ذات محتو رصين، ولتبتعد عن السطحية واليأس، وتغتني حياتها بالصراع الداخلي والخارجي بما يجعل من وجودها تجربة جذابة ذات قيمة.. أرى ضرورة التروي في نشر مخطوطات الروايات.. وعدم قرن الكتابة دائماً بغرض المشاركة في المسابقات.. ومن المفيد التعامل مع التجريب والبحث عن الجديد كوسيلة من وسائل الإبداع دون أن تكون صدىً للتحولات التي تطرأ على الأدب عند الآخرين ، بما في ذلك في الغرب، بل كنتاج طبيعي ومستوى جديد في ثقافتنا العربية. لقد اعتمد العرب طويلاً على الآخرين، وحان الوقت لكي يقدموا مساهمتهم في رفد الأدب العالمي بالاستفادة من موروثهم وما اكتسبوه من معارف وخبرات..

 

أستطيع القول إنّ الأديبة نجلا أحمد علي استطاعت تجاوز الكثير من النواقص في القص، بالتقليل من الثرثرة واللغو، والابتعاد عن طغيان الايدولوجيا، وعن الأسلوب الصحفي، وباقترابها من اللغة الشاعرية، واستطاعت أن تكون فنانة مسكونة بجنية نورانية قادرة على الفيض بالكثير من الحب والجمال الجذاب.. وهي تحترق ليتدفق هذا الفيض والتوق إلى الإبداع كوسيلة لمجابهة الاضطهاد والقهر الذي يكبلنا ويكبلها والمرأة العربية.. وأعتقد أنّها تحتاج، وتستحق أن نقف إلى جانبها وإلى جانب جميع أديباتنا المبدعات لاغناء أدبنا وحياتنا، ليزداد وجودنا جمالاً..

طرطوس 8 آذار / مارس (عيد المرأة العالمي) 2005

 

الهوامش

(1) الرواية التجريبية: عمل روائي يعتمد على رؤية ووعي جديدين عند روائي له مفهومه الخاص بكتابة الرواية.

التجريب الروائي: هو فعل متميز داخل مفهوم الرواية السائد، يعكس الكاتب من خلاله ذوقه الشخصي، وإبداعه الخاص في الكتابة، أو التصوير أو اختيار الموضوع..

(2) أزمة مفهوم الأدب في فرنسا في القرن العشرين ـ ألبير ليونار ـ ص232 لمزيد من المعلومات انظر: بين الواقعية والواقعية الجديدة في الأدب الأمريكي اللاتيني المعاصر ـ يونس كامل ديب ـ إصدار دار السوسن ـ دمشق 2004

(3) جان دارك (1412 – 1431) التي ساعدت الملك شارل7 وردت الإنكليز عن حصار أورليان 1429. قبض عليها وأحرقت في روان. وخلدت عملية حرقها في لوحات من القرن الخامس عشر.

(4) (5) (6) فن القصة القصيرة ـ دانا غيويا ـ ترجمة.فضيلة يزل ـ الأسبوع الأدبي ـ دمشق ـ العدد / 943 / تاريخ 2/5/ 2005

(7) (8) د. صلاح فضل ـ في إشكالية التجديد الروائي ـ مهرجان القرين الحادي عشر في الكويت ـ موقع:

http://www.kuwaitculture.org/alqurain2004/news4.htm

(9) د. محمد شاهين ـ آفاق الرواية (البنية والمؤثرات) ـ دراسة. اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 2001 ص9

(10) لمزيد من المعلومات انظر: بين الواقعية والواقعية الجديدة في الأدب الأمريكي اللاتيني المعاصر ـ يونس كامل ديب ـ إصدار دار السوسن ـ دمشق 2004 ص29

(11) د. صلاح فضل ـ في إشكالية التجديد الروائي ـ مهرجان القرين الحادي عشر في الكويت ـ موقع:

http://www.kuwaitculture.org/alqurain2004/news4.htm

(12) محمد أسامة العبد ـ الرؤية النقدية.. من الذاتية إلى الموضوعية عند الناقد يوسف اليوسف

الأسبوع الأدبي ـ دمشق 10/4/2004

(13) د. عبد المجيد زراقط ـ حول كتاب "الخطاب القصصي النسوي ـ نماذج من سورية" للدكتورة ماجدة حمود ـ الأسبوع الأدبي ـ العدد 1425 تاريخ 11/1/2004

الكاتب: شاهر أحمد نصر

مواليد: الصفصافة ـ طرطوس ـ سوريا 1956

الدراسة: هندسة مدنية ـ جامعة الصداقة ـ موسكو ـ 1981

عضو الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية

عضو اتحاد الكتاب العرب

الانتماء السياسي: مستقل

عنوان البريد الإلكتروني: shaher5@scs-net.org

 

الإصدارات:

أولاً: في المجال الهندسي:

1 ـ الهندسة الصحية بين النظرية والتطبيق ـ دار الحصاد ـ دمشق ـ 1994 (ترجمة وإعداد)

 2 ـ تصميم المنشآت البيتونية المسلحة ـ إياس ، بالتعاون مع نقابة المهندسين ـ طرطوس 1997 (ترجمة وإعداد)

 3 ـ تصميم الأبنية العالية على أحمال الزلازل ـ عمريت، بالتعاون مع نقابة المهندسين ـ طرطوس 1999 ( ترجمة وإعداد )

4 ـ تصميم المنشآت الهندسية على أحمال الزلازل وفق الطرق التقليدية وبرنامج STAAD-III ـ دار السوسن ـ دمشق 2004

5 ـ تصميم الأبنية العالية على أحمال الزلازل وفق المراجع الألمانية DIN4149 مع أمثلة عملية ـ دار الرأي ـ دمشق 2005

 

ثانياً: في المجال الأدبي والفكري:

 1 ـ من أجمل ما كتب بوشكين ـ النورس ـ طرطوس 1995

 2 ـ عبد المعين الملوحي أمير شعراء الرثاء ـ الكنوز الأدبية ـ بيروت 1996 ( قدم للكتاب المفكر العراقي المرحوم هادي العلوي)

 3 ـ من خفايا ثورة أكتوبر ـ قوس قزح ـ طرطوس 1998

 4 ـ قدس الأقداس ـ رواية ـ دار الكنوز الأدبية ـ بيروت 2001

 5 ـ الأصالة والإبداع في شعر عبد المعين الملوحي ـ المنارة ـ طرطوس 2002

6 ـ من الأشعار الأخيرة لرسول حمزاتوف (ترجمة) ـ دار السوسن ـ دمشق 2004

7 ـ الدولة والمجتمع المدني ـ دار الرأي ـ دمشق 2005 (قدم للكتاب الدكتور: طيب تيزيني)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضيفت في 10/10/2004/ خاص القصة السورية / من مصادر متنوعة

 

 

كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية