|

بطاقة تعريف الكاتب:
محسن يوسف

-ولد في اللاذقية عام 1939.
-شهادة الثانوية العامة ودراسات في علم الكهرباء والعلوم البحرية.
-عضو جمعية القصة والرواية.
مؤلفاته:
في القصة القصيرة:
1-وجوه آخر الليل- قصص- دمشق 1974. وزارة الثقافة
2-معرض صور- قصص- دمشق 1977. وزارة الثقافة
3-عالم المواطن م- قصص- اللاذقية 1978. اتحاد الكتاب العرب
4-الطريق الطويلة- قصص- دمشق 1982. اتحاد الكتاب العرب
5-الطيور- قصص- دمشق 1983- اتحاد الكتاب العرب.
6-أحزان تلك الأيام- قصص- دمشق 1988- اتحاد الكتاب العرب.
7-الوقوف على الرؤوس- قصص- دمشق- اتحاد الكتاب العرب.
8-اعترافات فارس الزمان-قصص- دمشق- اتحاد الكتاب العرب
9-آخر الرجال-قصص- دمشق1997- اتحاد الكتاب العرب
في أدب الأطفال:
10-الأيام الرائعة.
11-رحلات السندباد العجوز.
12-طريق إلى الأرض الحرة.
13-حكايات عن العصافير.
14-عندما بكى السندباد- اتحاد الكتاب العرب
15-سر السمكة الذهبية- الرياض
16-من حكايات السندباد- الرياض
17-شمس فوق المضيق- الرياض
18-السندباد في جزر القمر- الرياض
19-السندباد في سمرقند- الرياض
20-السمكة الذهبية / شريط انتاج التلفزيون السوري- عام 1996
في الدراسات:
21-الظواهر القصصية عند العرب. المنشأة العامة- ليبيا
22-القصة في الوطن العربي. المنشأة العامة- ليبيا
23-النص الأدبي في مواجهة الكاميرا. دار المنارة
24-صوت في القصة السعودية. دار الثقافة - دمشق
25-نحو ملحمة روائية عربية. دار الحوار- اللاذقية
26-المرأة في الكتب المقدسة. دار كنده- اللاذقية
27-أدباء من اللاذقية. دار كنده اللاذقية
20-كلام في القصة.
 


نماذج من أعماله
آحرُّ من الجمر
.. تشرق الشمس، مجموعة لآليء متماسكة. تبدو كوجه صبيّة لم تعرف
القيظ أو الجفاف. أحسّ بها (الشيخ) أكثر دفئاً وجمالاً، بعد توحّد امتدّ منذ
دقائق الفجر الأولى، وقد استأنس لطلائع أشعّتها، كما يأنس لملامسة أنامل (فطمة)
رفيقة دربه، وهي تخطو مبسملة، نحو مخدعه لإيقاظه، ومرافقته حتى حدود السكينة
التي تطوّق المنزل..
- سبحانك ربّي، ولا إله إلا أنت.
يلفّ الثوب الفضفاض حول جسده، وبياض الأشياء يستقبل بشائر الأشعّة.
يبدو له خروجه المبكّر لذيذاً، ومثيراً إلى درجة الإحساس بالنشوة. يبتسم
منطلقاً ليجتاز حدود مكان توحّده الممتدّ كالحلم.
يتوقّف بعد مسير. تظهر خلفه المنازل والتضاريس، في اختلاط الألوان
والأضواء، كرسوم في لوحة، تستريح النظرات فوقها. يحدّد الجهات الأصلية، يفرش
سجادته الصغيرة، ويبدأ بأقدس الكلمات:
- الله أكبر.
يشاركه في تكبيره صوت قبّرة وحيدة يتسلّل إلى أعماقه. يخال نفسه بعد
ثوانٍ كطائر يأخذ به جناحاه إلى فضاء رحب فسيح مغمور بالأضواء والألوان. تخفق
يداه في وشاحين من نسيمات المكان المطلّ على جميع التضاريس. تتجمّع في مدى
جناحيه الممدودين عرائس كعرائس الجنّة، وأثوابهنّ الزاهية تخفق وتنداح. يأبى أن
يشوّه خلوته بأحاسيس أرضية، فيطبق عينيه مستسلماً لخشوع لا مثيل له، ويغمره
طوفان من الوله القدسي. يعلو صوته الشجيّ مرتّلاً، يجتاح المدى المستسلم لسكينة
عذبة، تُذهل وتثير حتى التلاشي.. يتألّق الوجه بالحبور، ويرتفع الصوت عالياً،
عالياً، بكلمات الله. والقبّرة الوحيدة تغادر مكانها، كهمسة رقيقة، وعينا الشيخ
المأخوذتان تلاحقان تحليقها بإحساس من يوّد الاستمرار، لكنّ الشمس القادمة كوجه
صبوح تدغدغ أعماق الشيخ، وتلثم وجهه. يلفّ سجادته، وثوبه الفضفاض، شاكراً ربّه
على نعمه. يستقبل الوجه البيوت، هاتفاً متضرّعاً، طالباً الذرية الطيبة وحسن
الختام. تومض في العينين بقايا معادن متناثرة، وتبرز الألوان. تلتمع المسارب
وأعالي الأشجار، وتغرق الأمكنة في بحيرات من الضياء. يعود إلى الأرض رويداً
رويداً، ومسبحته الطويلة تسبق خطواته المتجهة إلى المنزل. يتناول إفطاره. تحنو
(فطمة) على أشيائه كأم. تفتح النوافذ، والأبواب، يرى الشيخ باحة الجامع مدى
واسعاً، تملؤه أشعة الشمس. يلمح يمامتين تتشّمسان، وحولهما تناثر سرب من عصافير
الدوري. يشاهد أحد غلمانه يشرع الباب الكبير. تصل إليه نسيمات الطريق. يشرب ماء
بارداً، ويغادر المائدة. تلحق به رائحة البيت، ودعاء سيدته. يخطو فوق البلاط
الأبيض. تتجمّع فوق ثيابه عيون العصافير واليمامتين. يقترب من مجلسه. يقترب أحد
الغلمان، في عينيه تنبض اللهفة والتساؤل:
-سيدي.. في الباب سيدة.
يطالعه ثوب أسود. يتخذ مكاناً، ويجلس. يجيئه الغلام بكتاب كبير،
يضعه أمامه، ويقف صامتاً:
- امرأة؟
- أجل.
- دعها تدخل.
يخفق ثوب الغلام. تمتدّ يد الشيخ. يتصفّح أوراقاً. يفتح الكتاب،
ونسيمات الطريق تعبر الباب، والباحة، ومساحة وجهه. يحسّ براحة. تحمل النسيمات
رائحة الحياة، والصباح، ورائحة أخرى، يحاول أن يرفع رأسه، فتتكسّر نظراته فوق
الصفحات، ويتلاشى إحساسه بالراحة. تهفو الرائحة وتزداد اقتراباً. يتنامى في
أعماقه إحساس بالخطر، فيطبق العينين، والرائحة الغريبة تغمر المكان. يسمع صوت
الغلام:
- أتريد شيئاً آخر يا سيدي؟
-لا..
سمع صوت خطواته مبتعداً، لكنّه لم يرفع رأسه. بدا إحساسه بضيق
المكان مزعجاً.. إنّه لم يعتد على زيارات النساء في الجامع. كنّ يزرن (فطمة)،
فتنقل إليه رغباتهنّ، وما يشكين من مشكلات. أمّا أن تأتي امرأة إلى الجامع..
فهذا لم يحدث من قبل. استعاذ من الشيطان، واستغفر الله، فالجامع بيت الله،
ومكان عبادته، وهو ملاذ لكلّ عباده.
- جئتك في حاجة لن يقضيها لي.. سواك..
صوت جديد لا يعرف نبراته، لكنّه صوت واثق، وعميق. أحسّ به يوغل تحت
جلبابه، ويلامس شيئاً ما، ساكناً، في أعماقه.
- لم أقصدك في المنزل، لأنّ ما أحتاج إليه لا يقبل وساطة، ولهذا جئت
إليك، فذلك أدعى إلى الثقة، وأكثر ضماناً.
لم يقل شيئاً. ظلّ صامتاً كصخرة، ولمّا طال سكوته، قالت:
- ما توقّعت أبداً أن تكون كما وجدتك..
فوجيء بما قالت، وحاول رفع رأسه، لكنّه لم يستطع، وكان إحساسه بضيق
المكان يزداد، وقد أخذت به ارتعاشات لم يعرفها من قبل. تابعت:
- كنت أحسبك أكثر الرجال كمالاً.
دارت الكلمات في رأسه. ربّما كان وخز الإبر أقل إيلاماً من شعوره.
سألت:
- هل ترفع رأسك قليلاً؟..
سمع صوته كصوت رجل منهك القوى:
- أتقي الله يا امرأة. أهذا ما جئت من أجله؟
سمع صوت تنفسها، وربّما سمع دقّات قلبه. ألا تكفّ هذه المرأة؟
قالت:
- أنا لا آتي أمراً منافياً للأخلاق: ولن آتيه، ولست في حضرة رجل
سيء السمعة.. لقد انتقيتك من بين جميع الرجال..
انحسر الضيق الذي نزل به مذ عبرت هذه المرأة الباب والباحة، وتمكّن
من كبح بعض انفعالاته، ورفع رأسه.
- جئت إليك كرجل فاضل أولاً، وكرجل يعمل لآخرته ودنياه، ويؤمن
بالحياة كما يؤمن بالموت، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومن بعده أئمة
المسلمين يوسعون للنساء صدورهم. فهل أخطأت السبيل؟..
أدار وجهه. سحابة بيضاء غشيت المكان، تناثر فوق أديمها نثار فوسفوري،
ما لبث أن ازداد تلألؤا، وتوهّجاً، فتوهّج الفضاء. تابعت:
- أنا أدرك أنّي لم أخطيء، ولا أعرف إلى الخطيئة سبيلاً، وما قصدتك
إلا لحاجة لن يقضيها لي.. غيرك.
استطاع بعد جهد أن يرفع نظراته إلى وجه المرأة التي ما تزال واقفة
باحترام وأدب. رأى شمساً تسفر عن حسنها ذات صباح ربيعي، فغضّ طرفه، وهو يشير
إلى مقعد في زاوية من المكان:
- ماذا تبغين يا امرأة؟
رآها جالسة عندما صعّد طرفه، فحمل نظراته إلى الكتاب الذي أمامه،
قالت:
- إنني امرأة وحيدة..
لم يجد كلمة يقولها، لكنّ صوت المرأة ما لبث أن عاد إلى أذنيه:
- سقط زوجي في الجهاد، وليس لي من يهتمّ بأمري، ويقيل عثرتي،
ويشاركني في حلو الأيام ومرّها..
ظلّ صامتاً، فتابعت:
- أنا امرأة ولود. وضعت غلاماً، ومات هو الآخر..
كان الأمر يزداد غرابة، والحيرة تجعل الرجل كقطعة جماد، لا يمكن
لشيء أن يغير في تضاريسها، ومع ذلك كان صوت المرأة ما يزال يندفع واثقاً وقوياً
يهدهد سكون الشيخ:
- قد يبدو الأمر غريباً، لكنّه ليس كذلك. فكّرت طويلاً قبل أن أقرر
المجيء إليك، ولم أفعل إلا لأني أعلم أنّ أخواتٍ لي خطبن بعولتهنّ في عهد النبي
الكريم، وبعد انتقاله إلى جوار ربّه..
دخل أحد الغلمان حاملاً وعاء مملوءاً بالماء، وضعه أمام الشيخ
وانصرف. وعندما ابتعد، عادت المرأة إلى الحديث:
- وجدت أنّ حاجتي لديك.
رفع رأسه، كان يشعر بإرهاق، وكان يشعر بحيرة ما عرف لهما مثيلاً.
سألها:
- ما.. حاجتك؟
ابتسمت بامتنان، وقالت:
- ليس عيباً أن تبحث الأنثى عن بعل تملأ حياته بالراحة والسعادة،
وتمنحه ما يفتقد، وقد ضنّت عليه أنثاه بولد يرث الحياة من بعده.
كبرت حيرته، وامتدّت يده إلى وعاء الماء.
- أنت تحتاج إلى الولد الذي يرث الحياة، كما أحتاج إلى الرجل الذي
يشاركني في أحزان الأيام وأفراحها.
جرع الماء كما لم يتجرّعه من قبل. اندلقت قطراته لتبلل صدره وثيابه،
بينما المرأة تنتصب واقفة:
- سأترك لك وقتاً للتفكير. أنت تحتاج إلى الانفراد بنفسك، لتقرر ما
يجب.
عبرت الباب الصغير، والباحة، والباب الكبير، وبقي الرجل وحيداً.
أحسّ أنّه كالقابض على جمر. وبعد لحظات بدأ يستعيد ما حدث. تلّمس وجهه، ورأسه.
مدّ نظراته إلى الخارج. لم ير اليمامتين وسرب عصافير الدوري كذلك، وكان السكون
يهيمن على كل شيء.
عاد إلى نفسه رويداً رويداً. ربما راوده إحساس باقتراب العاصفة،
لكنّ الأمر ابتعد كثيراً عن المدار الذي توقّع، فهو أبعد ما يكون عن التطرّف،
وليس الإيمان أن تكون معقّداً، فالمؤمن الحقيقي كالينبوع الصافي، أكثر صفاء.
إنّ المرأة تدخل وتلامس الجذور. والسرّ يكمن في هذه الشفافية الممتدة عبر
العلاقة بها. عبر الاتصال الحميمي. الطبيعي، والسامي معاً. ولم تكن المرأة،
القطب الثاني للحياة، سبيلاً إلى الضلال أو الانحراف، إذا كان مسارها يلتقي مع
الضرورة والحياة. وهو كما قالت يحتاج إلى الاستمرار، و(فطمة) لا تستطيع. لا ذنب
لأحد في الموضوع، وهو يكنّ لها ما يجب، لكنّها لا تستطيع أن تكون إلا (فطمة)
التي تقترب من حدود الأم، رغم أنّها لا تعرف الإنجاب.
بدأ قيظ الظهيرة يدنو من حجارة الجامع، ويدخل عبر الأبواب والأنفاس،
لكنّ الشيخ لم يشعر بالوقت الذي يمضي. قال لنفسه: مع ذلك لابدّ من التفكير.
قال: إنّ ما حدث كان طبيعياً، ومقبولاً أيضاً، فقد خطبت نساء فاضلات من هم أعظم
منه وأعرق في الدين والإيمان، والمرأة ناضجة، ومتفهمة لدورها في الحياة، وراغبة
عن قناعة ووعي، ولقد اختارت، وما أحسب أن أحداً يستطيع القول أنّها سلكت سلوكاً
غير لائق، وربما كان من حقّي أنا الآخر أن أكون موضع اختيار، وقد أتاحت لي فرصة
كنت أفتقدها لأكون جديراً بهذا الاختيار. لقد أعادت حقّاً كان في طريقه إلى
الضياع.
على مائدة الطعام راح يتأمل (فطمة)، المرأة التي لم يعرف سواها.
رفيقة الدرب التي حملها إليه والداه، منذ زمن يتجاوز عمر صبي يقترب من سنّ
البلوغ. إنّها هي هي منذ عرفها. بسيطة، نظيفة، صامتة، موجودة في كلّ مكان،
حاضرة في كلّ وقت، لا تألو جهداً في سبيل راحته. إنّها الزوجة المثالية، لكنّها
شجرة لا تثمر في حديقة أشجارها محمّلة بالثمار. زهرة لا أريج لها. سماء لا
تمطر. أرض لا تعرف الخصب..
أحسّت (فطمة) أنّ بعلها يعاني من شيء ما. بدا لها حزيناً، كئيباً،
فاقتربت منه، وهمست:
- ماذا بك.. يا سيدي؟..
- لا شيء يا فطمة.. لا شيء..
أجاب بسرعة، وصوت المرأة الأخرى يغوص داخل جلبابه، ويلامس ما سكن في
أعماقه. كرر وهو يغادر المائدة:
- خير يا فطمة، خير إن شاء الله.
أغفى الشيخ في مكان قيلولته المعتاد، قرب نافذة تطلّ على باحة
الجامع. رأى فطمة في منامه جاثية قرب قدميه. كان وجهها شاحباً، وعيناها جافتين،
وشعرها مبعثراً، وشاهد إحدى قدميه ترتفع وتدفع بها بعيداً، لتتقدم المرأة
الثانية. وجهها مضيء، وعيناها منارتان، وشعرها قطعة من ليل أسود يتخلله ضياء
القمر.. مدّ يده باتجاهها، فناولته طفلاً صغيراً جميلاً، ابتسم له، وناداه
بكلمة(بابا)، فسرّ الشيخ.. حمل الغلام وطار، حلّق في السماء، خال نفسه طائراً
يأخذ به جناحاه إلى فضاء رحب فسيح مغمور بالألوان والأضواء.. استيقظ وفطمة
تهدهده، وتربت على أماكن من جسده. في عينيها رأى خوفاً عظيماً، وعلى قسماتها
رأى ألماً فاجعاً، فاستوى في سريره:
- ماذا هناك يا.. فطمة؟..
- كنت تصرخ يا سيدي..
- أصرخ؟ محال. كان حلماً جميلاً.
- اللهم إنّي أقول الصدق..
سوّى نفسه، وهو يتجنّب النظر إلى وجهها. بدأ يحسّ بالذنب مقابل
حنانها الدافق. لقد دفعها بإحدى قدميه، وهذا ما لا يمكن أن يغفره، حتى ولو كان
في أثناء الغفلة. فطمة رغم كلّ شيء لا تستحق الإهانة. لا يمكن أن يفكّر
بإذلالها أو الإساءة إليها، فالإنجاب ليس في مقدورها كأنثى، ولا ذنب لها فيه،
وتلك مشيئة الله، وهذا لا يمنعه أيضاً من المطالبة بحق الأبوة، فهو رجل يحتاج
إلى ما يتمتع به الرجال في النساء والأولاد وأمور الحياة الأخرى التي لا تتنافى
مع الشرائع والأعراف، وحاجته إلى طفل لا تستطيع فطمة إنجابه، تسمح وتتيح له
التفكير في زوجة ولود، مع المحافظة على حقوق فطمة وكرامتها، وهذا ما سيفعله.
قصد ركنه في الجامع، بعد أن أدّى واجباته المعتادة، وكما توقّع،
كانت المرأة جالسة في المكان الأقرب من ركنه. ابتسم، وحيّاها، ثمّ جلس. سمع
صوتها الواثق المطمئن:
- أحسب أنك توافقني على ما جئت من أجله..
وجد نفسه يجيب:
- أجل..
تابعت:
- على بركة الله..
رفع نظراته إلى وجهها. رأى العينين تشعان حناناً، ثم رأى الطفل
الجميل يحرّك يديه الصغيرتين سعيداً، فشعر أنّ يديه القابضتين على الجمر تحيطان
بجسد الطفل الطري، وترتفعان إلى ما فوق رأسه، وكانت نظراته تجوب أطراف السماء
المغمورة بالضياء.
  
حجر من السماء
حجارة الأرض تتأوه.. يصرخ التراب.. والأشجار تفرّ طيور السطح
والساحة الواسعة، وتتطاير مذعورة.
الأسوار الشامخة تستنجد بالمآذن والقباب، وعجوز المحراب يرفع وجهه،
ويسجد خاشعاً متضرعاً:
- ياإلهي.. احم بيوتك وأماكن ذكرك..
ينهض واقفاً، يسمع التأوهات والصراخ، وأصوات الاستغاثات، ويصل إلى
أذنيه هدير سلاسل المجنزرات والحفارات.. وكعزيف الجن في الصحراء تهدر كلمة (شالوم)
فاجرة ماجنة، تدنس الهواء والفضاء والأسوار، وتقترب من باب المحراب.
هل امتدت يده ولامس الخشب العتيق ذا الرائحة العطرة؟
هل اندفع ليرد الدنس عن الباب، أو ترك مكانه؟
لا يدري. كل ما يدركه أن الأصوات كلها اختنقت وتلاشت وصوته يعلو
بكلمات الله، ورائحة الخشب الطيبة تضوع من حوله كروائح الجنة.
غادر الشيخ المحراب. كانت أشعة الشمس الصباحية، تملأ الساحة الرحبة،
وتتسلق الجدران والأسوار، وتوشي مئذنة المسجد، توقف الشيخ يتأمل تحية السماء
للأرض، قادمة على حبال من الضوء، تتوهّج فوق كلّ المرئيات.
وهاهي طيور الجامع الأليفة تعود رقيقة ناعمة، لتتناثر في الساحة على
السطح والأفاريز، وعيونها الصغيرة ترافق خطوات القادم من المحراب.
خارج الأسوار استمر اللغط والضجيج، وهدير الآلات الضخمة يغتال
السكينة والهدوء، ويشوه صفاء المكان وجمال الصباح الباكر، وفاحت في الأجواء
رائحة الأرض التي تقتل.
أحسّ الشيخ وهو يطلّ من عل، أن الأرض التي تضرب بوحشية وتمزق منها
الأحشاء. وكأنها تقاوم الحفارات والآلات العملاقة، وما لبث أن أحس وكأن هذه
الأرض تبكي وتستغيث كما فعلت الحجارة والتراب والأشجار والطيور، وكلمة (شالوم)
تتردد في الأفواه كنعيب الغربان.
مسح العجوز عينيه ووجهه ولحيته بكلتا يديه. كانت عبراته رغما عنه،
قد أخذت بالتساقط، وغامت الأشياء وظللت الدموع نظراته، لكنه لم يكن حزيناً، وما
قارب الخوف أعماقه.
إنّه.. واحد من الطيور التي تعيش في ظلال الجامع، وهو لا يذكر يوم
فراق كاملاً، فما ابتعد يوماً عن محرابه أو ساحته أو جدرانه.
أجداده عرفوا الصليبيين والإنكليز، وفي ذاكرته تنبض أحداث وأحداث،
تدور حول هذا الرمز المقدس الذي أسرى إليه عبد الله ليلاً، بأمر من الذي بارك
حوله، فكيف يتسرب الخوف إلى أعماقه أو يستسلم لحزن؟
في صلاة الفجر انتظم الناس في الساحة الواسعة، ككل الأيام السالفة،
وذكر اسم الله كثيراً، ثم اندفع المصلون كطيور الجامع، وانتشروا في مناكبها
وآفاقها، سعياً خلف رزق أو غاية، كما فعل أجدادهم منذ مئات السنين.
ما كان رواد المسجد في يوم من الأيام، إلا كهذه الطيور الأليفة
القريبة من الباب والمحراب، يحيون زوار كنيسة القيامة ويهشون لأتباع موسى،
ويدركون أن المولى هو رب العالمين في الأرض جميعاً، لا فرق بين عربي أو أعجمي
إلا بالتقوى، والمسجد الأقصى هو بيت الإيمان والتقوى، فكيف يجرؤ مخلوق ويفكر في
تشويهه أو هدمه أو تدنيس حجارته؟
يلقي الشيخ نظراته من مكانه فينفسح المدى المغسول بأشعة الصباح
البيضاء، أمام النظرات الباحثة عن شيء ما. يتخيل رجالاً كأمواج البحر يأتون من
كل فج عميق، على خيول كالعصافير، وجوههم مضيئة وسيوفهم تبرق كما الشمس يحيطون
بالغزاة، ويطهرون الأرض ويهدهدون أثلامها وجراحها المفتوحة.
كانت الآلات والحفارات ما تزال تعمل أسفل أحد الأسوار، والعجوز يطلّ
من أعلى، أعماقه مطمئنة راضية، ونسيم الصباح العليل يعبر إلى صدره، محملاً
بعبير أزهار الليمون والبرتقال، وأجنحة تخفق فوق رأسه، وكانت ذاكرته تعمل. إنه
مقدسي. جاور المسجد الأقصى صغيراً، وعاش في حماه كبيراً، ويعرف تاريخ الأيام
والأحداث التي ألمت بوطنه، ويعرف أن المسجد الذي باركه الله، لن يذل أو يهان أو
تمتد إليه الأيدي القذرة، ولهذا فهو يشعر بالاطمئنان والرضا مع أن جسده الضعيف،
وبكل مسامه يتلقى بين اللحظة والأخرى، هزة أو خفقة أو رعشة، وأصوات صليل الحديد
واصطدام المعادن تأخذ بالمكان والأسوار والأثير.
هدأت نظراته فوق تجمّع راح يتكاثر، في فوهة حفرة كبيرة تغوص عميقاً
في الأرض، ورأى كبير التجمّع بثيابه الزاهية المميزة يحمل فوق الأكتاف، والفرح
الوحشي يكتسح الملامح والحركات، ثم يعلو الصخب واللغط، ولكأن الحفارين قد
اكتشفوا كنزاً أو منجم ذهب.
شدّه المشهد واعتراه إحساس عابر بالخوف، وخاطب نفسه وجلاً: "لعلهم
وجدوا شيئاً، أثرا، يا إلهي.."
تحوّل الشيخ إلى مجموعة عيون وآذان. وتقاربت طيور المسجد، وكأنها
تتوقّع خطراً قادماً، وراح التجمّع الذي ضمّ جميع الحفارين يهدأ رويدا.. رويدا،
وذو الثياب الزاهية المميزة يقعي قريباً من فوهة الحفرة الكبيرة.
ما حدث لم يكن منتظراً، ولعل ما حدث كان فوق كل توقع، ولعلّ الرجل
المطلّ من أعلى كان الإنسان الوحيد الذي شاهد ما حدث.
رأى العجوز يد فتى في مقتبل العمر، تمتد عبر الفوهة المواجهة
للسماء، وتقذف الرجل الذي حمل على الأكتاف بحجر أبيض، فيشج رأسه، ويتدافع الذين
حوله كمن أصابهم مس من جنون يحيطون به ويحملونه، ولا يلبث المكان أن يقفز من
الحفارين والآلات وذي الثياب الزاهية.
بخطوات بطيئة متأنية، اتجه المقدسي إلى خارج الأسوار.
لم يكن يقصد مكان الحفر، ولا الحفرة الكبيرة، وما فكر.. في هذا..
كانت عيناه قد حددتا مكان سقوط الحجر، وكان بياضه الناصع يعكس أشعة
شمس الضحى، وعندما أصبح على خطوة من المكان، حنى قامته وأخذت إحدى يديه الحجر،
لترفعه بخشوع وإجلال.
تأمله لحظة ورفع وجهه نحو السماء، والحجر يتوسد اليدين المفتوحتين
نظيفاً نقياً، لا أوشاب عليه من تراب أو دماء، وكان العجوز يعود بنظراته إليه،
ليقرأ ما كتب فوق أديمه الحليبي:
"بسم الله الرحمن الرحيم.. سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد
الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا. إنه هو السميع
البصير".
  
ســــــور الـخـلاص
الآباء يأكلون الحصرم، والأبناء يضرسون. هتف ولدي بسؤال فاجع، كطعنة
خنجر، زلزل كياني:
- لماذا فعلتم بنا هكذا... يا أبت؟
أنظر إلى الوجه الأصفر، والعينين الحزينتين، واليدين المختلجتين،
كجناحي طائر سقط بطلقة غادرة. تكبر مساحة الاصفرار، يخصب الحزن، ينتفض الطائر
المصاب، أقول لنفسي مخاطباً خلفي: "كنت أريدك راية تخفق، سيفاً أشرعه وأغنية
تصدح، ونسراً حراً.. لكن".
تتلاشى الملامح، تنطفىء المقلتان، يختفي الذراعان، ويعمّ ما يشبه..
العتمة:
- لا أدري يا بني، صدّقني هذه هي الحقيقة.
ريح سموم تلفحني، وينهار جدار ما في صدري:
- كيف ذلك؟ أخبرتني أن الطريق كان واضحاً، وتعرف تضاريسه وأديمه،
قلت لي: أفنيت عمرك وأنت تسير رافع الرأس، نظيف اليد والجسد، فما اهتزت هامتك،
وما تراجعت ولم تهجر مكانك في الميدان، وكانت خطواتك قوية وثابتة.. أنسيت يا
أبت؟
صدري بحجم محيط، تحتله أنواء وعواصف عاتية:
- أنسى؟ هي ليست ذكريات، أو لحظات من المتعة أو الأسى، هل ينسى
المرء حياته؟ في تلك الأيام كانت أميركا فتاة لم تنضج بعد، تبحث عن عاشق في
ربوعنا، علّقنا جثّة سمسار تلك الفتاة الماجنة: جون فوستردالاس، على (خشبة).
ملأنا كيساً حمل هداياها إلينا: دقيقاً وحليباً وأشياء أخرى، كان فارغاً عندما
حشوناه بالقش والثياب البالية، رسمنا عليه صورة للسمسار، ولوّناها، وارتفعت
أيدينا براياتنا في الساحات وفوق القمم، كان عندنا السمن والعسل والتبغ
الأرجواني، فكيف نأكل الدقيق الأميركي؟
أحرقنا الجثة الملونة في الشوارع، ونثرنا رمادها فوق الوجوه
السوداء، والصفراء، وكنّا مثلكم فتياناً وشباباً، وكان الحب طيباً وحبيباتنا
كالسمن والعسل، ولم يكنّ عاريات ملوّنات كمن تعشقون.
أخال وجه الفتى يتماهى في وجهي، تختلط السمات والصفات، وتشتبك
وتقتتل:
- إنّه الإخفاق، تنكرونه، لنرث عاره وبقاياه.
أحتوي البذرة وأغمسها في الرحم، أمد يدي وألمس الفم:
- كفى. لم نخفق ولا نملك ما تنوءون بحمله، لكنّها حكايتنا وعليكم أن
تعرفوها، وتدركوا أننا فعلنا ما استطعنا، لم نكن حزانى كالنساء أو نستسلم ليأس
أو خنوع كالجبناء، كنّا فوق الطريق، والشمس تجللنا أشعتها، ولم نعرف الخور، أو
نتدثّر بالظلام.
هدأ الشاب، وقبل أن نغادر سور المقبرة المتهدم، وكنّا نستند إلى
حجارته المتآكلة، انساب صوته ضعيفاً واهناً وحزيناً:
- علمتني ما لايقدم أو يؤخر، الرقص والتصفيق والهتاف والصراخ
بأوهامك كالببغاء.
إلى جوار قبر أبي جلسنا. لم يكن القبر ثرياً في بنائه، أو مزيّناً
بما يميز جيرانه، أغمض الحفيد عينيه، وراح يرتّل السور والآيات، ارتفع بي
الترتيل الشجي والكلمات الدافئة على أجنحة من الصفاء، وأحسست بالمكان وكأنه
واحة أمن واطمئنان، فأغمضت أنا الآخر عينيّ. سمعت أبي يهتف بي:
- ربما أكون قد أخطأت يا بني، لكنّك واجد العذر لي، فأنتم تملكون ما
لم نكن نملك، كنّا قبلكم قبائل وأشلاء وعبيداً، ورغم ذلك قاومنا، دفعنا ثمن أن
نبقى من نبضات قلوبنا وأفراح حبيباتنا، يكفينا أننا مهّدنا لكم الطريق وكلّ من
سار على الدرب.. وصل.
قلت لابني:
- جدّك عاش أيام (سفربرلك) وحمل ميراث أبيه وأجداده، تنكّب بندقية
صدئة، واستطاع أن يدمر دبابة للأعداء، وعلّمني أشياء كثيرة عن الحياة والأرض
والديار والجار والنساء والأبناء والأحفاد، ولم أقل لذلك الجذر أنّه أخفق أو
ضلَ، ولم أطالبه بجنّة عدن، فجنّة عدن يا بني نهاية، يسعى إليها الإنسان وليست
بداية، فجدّك عمل ما رآه صالحاً وكذلك من سبقه، وقمت بما أوكل إليّ، لم يشأ
الأنبياء والرسل القضاء على الشياطين، ولم تنجح العلوم الحديثة في استئصال
الأوبئة والأمراض، ولن تظلّ القوى العظمى كما هي اليوم، فكلّ يجري إلى مستقرّ.
نهض ابني وابتعد، فلحقت به، فكّرت أني قد أهبه الراحة التي لم أشعر
بها، عانيت طويلاً ولم أتمتع بهذا الإحساس مطلقاً.
على خطوة من ضريح يتوهّج بالألوان، ويرفل بالخطوط المذهبة والفضية،
توقفنا، تنقلت نظراتنا، فوق الأضرحة المتناثرة، بدا أنّها تغطي وجه الأرض ولا
مكان لزائر جديد، أمسك الفتى بيدي وهمس:
- أنت تعلم أني لن أكون آخر المساومين..
أهال الشاب، أكواماً من التراب فوق جثتي، لم أكن ناقماً أو غاضباً
أو حزيناً، ذلك حقه، فلقد فعلت ما يفعل، دفنت سيف جدي العتيق، وبندقية أبي
الصدئة وجثمانه، تحت أكوام مماثلة، ذلك يحدث دائماً. إنّها حكاية الحياة والموت
المستمرة، ولا نهاية منظورة في الأفق.
تناهى إليّ، بعد أن غمرني الصمت والظلام، والبرودة، صوت" الولد" ما
كان شجياً، ولم يصاحبه الأسى، أو يلتصق بنبراته الغضب، أو اللوم والعتاب، كان
أشبه بصوت الناقوس وكان رنينه ذا صدى، فحسبت أنّ المقبرة وسورها المتهالك،
والفضاء، والخلاء الممتد بعيداً إلى ما لا تخوم، وكل ما حجبته عنّي تلال
الحجارة والتراب، يحمل الصدى ويردده، كأنما وقعت الواقعة، ونفخ في الصور: - هذا
ميراثك يا أبت، منذ أُول المقتولين إلى.. مرج الزهور. إنني أحمله، لكن صدقني،
فأنا لا أعرف ما أفعل، وهنا يكمن الخطأ، أو الطامة الكبرى، فالموت يترصد
الأنفاس، والجريمة في اسمي ولوني وتفاصيل أيامي. أولادي صفر الوجوه، وامرأتي
قاصر، وذوو القربى أيدي سبأ، والغيلان يرمحون بين المشارق والمغارب، والسماسرة
يبيعون لحمي، وارتفاع هامتي، وقوائم الراحلين.
هل يبكي الأموات؟ ما اشتقت إلى الدموع، وأكره العبرات من أي مقلة
سُكبت، لكنّي والصوت يخترق أسوار الحياة، إلى أنفاق الموت، شعرت برغبة الثكالى
إلى النحيب، لكنّ عينيّ مغمضتان، وأنفاسي ساكنة، وفمي مغلق، فكيف أعبر عما بي،
وأريح وارثي القابع في شفا جرف هار؟
افتقدت الصوت والصدى، رويداً رويداً، ثم.. لم أعد أسمع شيئاً..
مضى.. زمن طويل والصمت يكسو المقبرة كرداء، لا تراتيل أو آهات، لا
وقع أقدام، لا شهداء أو موتى، ماذا يحدث في عالم الأحياء؟ سكن الآباء والأجداد
منذ أصبحت من عدادهم، وددت لو تحدّث أحدهم إليّ: أبو ذر، مصطفى، عنترة، علي،
إبراهيم، عروة، طارق بن زياد، وجميع الأسماء من أجدادي الأثرياء أو الفقراء،
العظماء أو الصعاليك، الشهداء أو حملة الأوبئة والعاهات، أصحاب القصور أو
الأكواخ، الذين يعشقون النساء والجواري والغلمان، والذين تضوع ألقابهم بالغار
والعفّة والإيمان. لا أحد.. لا صوت.. لا موتى.. هل يقاطعني آبائي وأجدادي؟
ربّما.. لكن الأبناء والأحفاد.. أين هم؟ إلا يموتون أو يستشهدون؟ ألا يزورون
قبور موتاهم؟
جاءني صوت ولدي، إنّه صوتي، تذكّرت النبرات والشجن، والدفء الممزوج
بالبرودة، والصوت يدنو من ضريحي.. ويستقر فوقه:
- هنا يا بني جميع أجدادك، وهذا قبر أبي، جدّك الأخير . هم عاصروا
القوى الغاشمة والامبراطوريات، وعبرت بهم جيوش لا حصر لها، جيوش الفرس والروم
والأحباش، المغول والفرنجة واليهود، عرفوا القياصرة والأكاسرة، هولاكو
وتيمورلنك وريتشارد قلب الأسد، ملوك الطوائف وأمراء المماليك وسلاطين بني
عثمان، الإمبراطورية العثمانية، والمملكة التي لاتغرب عنها الشمس، والاتحاد
السوفييتي العملاق، والولايات الاميركية العظمى، وذاقوا الأمرين من دويلة
أسموها "إسرائيل"..
لقد قرأت التاريخ يا ولدي، وتعرف أن أجدادك عاشوا مراحل قيام
الإمبراطوريات وانهيارها، منذ البداية حتى اليوم.
شعرت وكأنّ الحياة تعاود سيرتها في جسدي، وصوت جديد، هو صوت أحد
أحفادي دون شك، يعلو ويعلو، خلت أنه يخاطبني، يتحدّث إلى القبور من حولي، يبسط
يديه القويتين، وينزع الحجارة والألوان ومظاهر الثراء والعوز، يبسط الأرض
وكأنّها راحة الكف، يخلط ترابها وأشلاء أصحابها، يقلب عاليها سافلها، ويصنع من
ثوبي، وأثواب أبي وأجدادي راية كبيرة، يشرعها فوق رأسه لتظلله فترفع البذور
هاماتها، وتنفتح الأجداث لهامات ما يخفي الأديم، لتنتصب وتتطاول حتى تعانق
السماء.
قال الحفيد:
- ليس من أجل هذا جئت، يا أبت، أنظر.. أنت ترى أن القبور تملأ
الخلاء، ولا تترك مكاناً لزرع أو نخيل، بين أصحابها من أتى بأمجاده وقصوره،
وهنا من كان لا يملك شروى نقير، ورغم أنهم يعرفون أننا خلقنا لنعمر الأرض، وأن
اللعنة تصيب من شرف القبور ورفعها عن الأرض، فقد زينوا مدافنهم وحدها، بالرخام
والحديد والألوان. وأحاطوها بالأزهار، وما ينقصهم سوى الخمرة والنساء..
والحراس.. من مثل هذا يا أبت، مات آباؤكم وأجدادكم، وعيونهم حزينة، ورؤوسهم
منكّسة، مع أنّكم خير أمة أخرجت للناس.
مرّت فترة صمت، أعقبها سقوط جسد فوق ضريحي، رافقه ارتطام واهتزاز،
وتردّد أنفاس متعبة، وعندما استقر كل شيء وهمد، علا صوت الحفيد حاراً، وحازماً:
- ها قد واريت رفاتك في المكان الذي اخترت، ولن أقيم لك نصباً، أو
آتيك بحجارة بيضاء وألوان زاهية.
هل يبتهج الأموات ويبتسمون؟ لعلي كنت مبتهجاً، وربما رحت ابتسم،
أحببت هذا القادم عبر الزمن، من صلب يمت إلى جذوري، أكان المنقذ أو المخلّص.
إنّه حفيدي وتمنيت لو أعود ساعة واحدة إلى الحياة، لأشاهد وجهه وساعديه ونظرات
عينيه، تخيلّته قوة لا تقهر، وساعدين يقاومان الحديد، وعينين تواجهان المخرز،
ووجهاً كالقمر، يجب أن يكون حفيدي جميلاً وقوياً، ولا تنقصه الشجاعة.
مرة أخرى، انطلق صوت الحفيد، كان يخاطب آخرين ويقول لهم:
- لابد أن نبدأ بالسور، حتى لا يستطيع الأغراب اجتيازه.
ظلّ الصوت يتصاعد، والراحة التي لم أتمتع بها مطلقاً، تتسلل إلى ما
بقي مني، كوميض فجر يهتك أستار الليل، كنداء سحري، كنسيم في نهار قائظ، كالنوم
لجسد منهك، ثم تلاشى كلّ شيء..
  
الســور الـقـديـم
.. الألم.. أخطبوط له عشرات الأيدي، تمتد وتعبث بخلايا الجسد
الهامد.
يتلمّس الأعضاء والملامح، تستقرّ اليد الباحثة على الوجه المنتفخ.
الفك السفلي ما زال يرتعش وتصطدم أسنانه بالقسم العلوي. عيناه.. مع مضي الزمن،
عاد إليهما الإبصار، وكان يظن في لحظات العذاب، أنه لن يرى بهما بعد اليوم.
أنفه وأذناه. عنقه وشفتاه، ومؤخرة رأسه. كلّ هذه الأعضاء وسواها، افتقد الإحساس
بها وتوقفت عن العمل، أما ساقاه، وقدماه، وظهره. مكونات جسده جميعها، اقتربت من
الخط الفاصل بين الحياة والموت، ولعلّه وبرودة ليل المدينة الشتائي تلسعه وتعيد
إليه بعض الإحساس، بوجوده، ما كان ليتوقع لهذا الجسد الملقى في مكان مهجور بين
القدس وقرية سلوان أن يعيد سيرته مع الحياة، فيتماسك وينتصب رغم الآلام
المبرحة، ويغادر الحفرة العميقة التي ألقي بداخلها.
رفع رأسه باتجاه السماء، وشكر الله مراراً، وشعور بالاطمئنان يغمره،
فساقاه تحملان جسده، وخطواته تتلاحق، وهواء ما بعد منتصف الليل، يتسرب عبر
ثيابه الممزقة، ليوقظ ما خدرته الضربات واللكمات من لحمه وأطرافه، وها هو منزله
يقترب، رغم الظلام، يتخيل البيت فاتحاً صدره، ليحتضن الآلام والكدمات والهموم.
فتح الباب ودخل، دون أن يحدث ضجيجاً، لئلا يزعج النائمين، لكن وجوه:
أمه وزوجه وأولاده، أحاطت به، يكسوها الشوق والقلق والتساؤل.
تناثروا حوله وهو يجلس على أحد المقاعد. عيونهم عصافير أليفة، ترفّ
حول وجهه المتورّم، وتلامس أثوابه الملطخة بالأوشاب والدماء.
غالب إحساساً بالحنان والعطف، ورغبة أبية في البكاء، ومع ذلك راح
يبتسم، ابتسم الأولاد، وظلّت الأم والزوجة ساكنتين، تتأملان الملامح المشوهة،
والجسد شبه العاري.. خلال لحظات تغير كل شيء.
الأبناء ينظرون إلى الأب باعتزاز وإكبار ويفكرون "لقد خاض معركة
كبيرة ضد الغزاة".
الأم نزعت الثياب عن جسد ولدها وساعدته في ارتداء ملابس أخرى.
الزوجة جاءت بالماء الساخن والمطهرات.
لم يسأل أحدهم عن شيء، وكان الرجل العائد من الموت، يبادلهم
النظرات، ويبتسم، فلقد عاد، وهذا هو المهم الآن..
***
منذ كان (علي) فتى صغيراً، وهو يرافق أباه إلى مكان عمله صباحاً.
يساعده في حمل الصناديق والرزم، والكتب والمجلدات. ينظفها من الغبار، ويرتبها
حسب أحجامها وألوانها، ثم يجلس على مقعد خشبي، على خطوات من مدخل المسجد، يرد
تحيات العابرين، وينتظر عودة أبيه من المسجد، ثم ينطلق إلى مدرسته، خلف (سوق
الباشورة) ليعود مع الغروب ويكون والده قد باشر بجمع الكتب، وإعادتها إلى
صناديقها، لحملها إلى البيت.
وهكذا، كانت الأيام تمضي، حتى بلغ (علي) سن الرشد، وتزوج وأنجب،
ورحل أبوه إلى جوار ربه، برصاصة غادرة من سلاح أحد جنود الاحتلال، ليرث عنه
عمله، ومكانه على تخوم المسجد الأقصى.
يذكر (علي) جميع التفاصيل:حاول الغزاة إغواء الرجل الكبير لإبعاده
عن السور ومنعه من بيع الكتب، وكانت وصية أبيه له، ويرددها في الصباح والمساء:
"إياك ثم إياك أن تبتعد عن أسوار المسجد، أو تترك بيع الكتب" وقد أدرك فيما بعد
سر رغبة المحتلين في إبعاد أبيه، وسروصية الأب الراحل، وها هي الأيام تؤكد له
هذا الإدراك، وتزيد في تصميمه على الالتزام بالوصية، مهما كلفه ذلك من آلام
وتضحيات.
***
كان (علي) قد استسلم لسنة من النوم، لكن الإغفاءة لم تستمر طويلاً،
أنهاها صوت الآذان، يدعو إلى صلاة الفجر.
نهض ناسياً آلامه، لكنه لم يستطع التماس المسجد، فقدماه تورمتا،
وآلام ظهره تمنعه من الانتصاب. تماسك يبتهل إلى الله، ثم سجد في مكانه وأدى
صلاته، وفي الزمن الفاصل بين الصلاة وشروق الشمس، عاد إلى فراشه لتشاركه
ذكرياته مع أبيه في وحدته.
إنّه يتذكّر ذلك اليوم القديم، ولا يدري لماذا أحس يومها بالخوف
والقلق، وأحد الرجال الرسميين، يقترب من أبيه، بعد أن تفحص صفوف الكتب
المعروضة، ويخاطبه بصوت عال، أثار انتباه العابرين:
* أنت. أيها البائع. من يدفع لك أجر إقامة هذا المعرض؟
|