الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/04/2008

القصص

 

الدرس المشؤوم

أحلام سمكة السلمون

النورس التائه

العصافير تهاجر بعيدا

مملكة الكراسي الخشبية

الرأس المقطوع

أحزان إبراهيم الدرويش الدامية

الجرذان

 

بطاقة تعريف الكاتب: محيي الدين مينو 

 

سوريا ـ حمص ـ 4/7/ 1956

حصل من جامعة دمشق على إجازة في الّلغة العربيّة وآدابها 1980،

 ودبلوم الدّراسات الأدبيّة 1981 ، وماجستير في الآداب 1988.

عمل معلّماً ومدرّساً فمعيداً في قسم الّلغة العربيّة وآدابها في كليّة الآداب

 والعلوم الإنسانيّة في جامعة البعث في حمص،

 ومنذ عام 1992 يعمل مدرّساً للّغة العربيّة في إحدى مدارس دبيّ الثّانويّة.

نال جائزة مجلس مدينة حمص الأولى للقصّة القصيرة عام 1998،

وجائزة غانم غباش الأولى للقصّة القصيرة عام 1998 والتّقديريّة عام 2001 ،

 وجائزة قصّة الطّفل العربيّ الثّانية عام 1999.

أعماله:

- الدّائرة: قصص قصيرة، المطبعة الحديثة في حماة 1981 .

- العالم للجميع: قصص للأطفال، مطبعة ابن الوليد في حمص 1995 .

- شعر عمرو بن أحمر الباهليّ: دراسة وتحقيق ، دار الجيل في بيروت 1999 .

- أوراق عبد الجبّار الفارس الخاسرة: قصص قصيرة ، اتّحاد الكتّاب العرب في دمشق 1999 .

- قصّة الطّفل العربيّ: دراسة ( مشترك )، الهيئة العليا لقصّة الطّفل العربيّ في أبو ظبي 1999 .

- الغوّاصون السّبعة : قصّة طويلة للأطفال، الهيئة العليا لقصّة الطّفل العربيّ في أبوظبي 1999 .

- فنّ القصّة القصيرة: مقاربات أولى، منطقة دبي التّعليميّة 2000 .

- مملكة الكراسي الخشبيّة : قصص للأطفال، اتّحاد الكتّاب العرب في دمشق 2001 .

- معجم الإملاء: منطقة دبيّ التّعليميّة 2002 .

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

  نماذج من أعماله

 

العصافير تهاجر بعيداً

 

 

نفخَ جنديٌّ في بوقِه، فاستيقظتِ النّجومُ، وهبَّ جنودُ المملكةِ من نومهمْ مذعورين، واجتمعوا في فِناءِ القصرِ، وحين أطلَّ الملكُ من الشُّرْفةِ متجهّمَ الوجهِ، أرعدتِ السّماءُ، وأبرقتْ، حتّى ملأتِ الجنودَ مطراً وخوفَاً.

قالَ الملكُ، وهو في أقصى الغضبِ:

-"أنتم جبناءُ، ترتعدون أمامَ أعداءِ الوطنِ كالفئرانِ. غزا الأعداءُ أطرافَ المملكةِ، وتوغّلوا كالنّملِ في شوارعِها وساحاتِها، حتّى غدتْ مثلَ عُلبةِ كِبريتٍ، وأنتم لا عملَ لديكم إلاّ التّآمرُ عليَّ وعلى حاشيتي. ماذا سيكتبُ عنكم التّاريخُ؟ وماذا سيقولُ؟ أيّها الوزيرُ، هؤلاء الجنودُ غيرُ مخلصين لي وللوطنِ، وهم لا يستحقّون إلاّ الموتَ".

وهكذا سيقَ الجنودُ إلى السِّجنِ، حتّى اكْتَظَّ بهم. همسَ أحدُهمْ في أذن آخر قائلاً:

-"في أيِّ عصرٍ يعيشُ صاحبُ الجلالةِ؟! لابدَّ أن يستيقظَ من نومِه الطّويلِ، حتّى يرى أنّ سيوفَنا قد تثلّمتْ( )، وأنّ طائراتِ الأعداءِ تحصدُ رؤوسَنا".

قالَ الآخرُ، وهو يتلمّسُ رأسَه:

-"هذا الملكُ قصيرُ النّظرِ، لا يرى أبعدَ من المشانقِ والسّجونِ".

ضحكا في سرِّهما معاً، وأغفى كلٌّ منهما ليلتَه على حُلُمٍ جميلٍ، لا سلطةَ فيه إلاّ لمَلِكِ النّومِ. وفي الصّباحِ استيقظَ الجنودُ على قرارٍ ملكيٍّ بالإفراجِ عنهم جميعاً، لأنّ جلالةَ الملكِ عقدَ ليلةَ البارحةِ صُلحاً مع الأعداء، فنجتْ رؤوسُهم من المشانقِ، ونجا الملكُ وحاشيتُه من المكائدِ والدّسائسِ.

بكتْ يومئذٍ العصافيرُ، وهاجرتْ إلى بلادٍ بعيدةٍ بعيدةٍ.

 

 

 

النّورس التّائه

 

 

اعترضَ نورسٌ طريقَ موجةٍ في عُرْضِ البحرِ، فاكْفَهَرَّ وجهُ الموجةِ، وعلاه الزَّبَدُ. هاجتِ الموجةُ، وماجتْ، ولكنّ النّورسَ لم يأبه لها، بل أمعنَ في اللَّحاقِ بها، ثمّ حطَّ على ظهرِها، وأرادَ أن يستريحَ من عَناءِ الطّيرانِ الطّويلِ قليلاً.

صرختْ في وجهه، وقالتْ:

-"إلامَ تعترضُ طريقي، أيّها النّورسُ؟".

جَفَلَ النّورسُ، وفَزِعَ، وقالَ متلعثماً:

-"أنا تائهٌ في هذا المدى المَخوفِ، لا أعرفُ طريقاً إلى الشّاطئ. غفوتُ هنيهةً، وحين فتحتُ عينيَّ، افتقدتُ سِرْبَ النّوارسِ. أنا وحيدٌ، أيّتها الموجةُ، لا أبَ لي ولا أمَّ، ولا صديقَ لي سواكِ".

قالتِ الموجةُ، وهي تهيجُ، وتموجُ غضباً:

-"ابتعدْ عن طريقي، أيّها النّورسُ، وابحثْ عمّن يحملُكَ إلى الشّاطئ، فالبحرُ كبيرٌ، والأمواجُ كثيرةٌ".

قال النّورسُ، وهو يركبُ ظهرَ الموجةِ، ويتودّدُ إليها:

-"أنا متعبٌ، أيّتها الموجةُ، لا أقوى على الطّيرانِ. سأكونُ صديقَكِ الودودَ، وسأحكي لكِ قصّةً جميلةً، هي قصّةُ هجرةِ النّوارسِ من بلادِهم الباردةِ إلى بلادٍ دافئةٍ".

أزْبَدَتِ الموجةُ، وراحتْ تتقلّبُ غيظاً، وتتململُ سُخطاً، حتّى كادَ النّورسُ أن يغرقَ، فطارَ عنها، وحلّقَ ببصرِه إلى بعيدٍ، وهو يضربُ بجناحيهِ خوفاً وهَلَعاً، فرأى شاطئَ البحرِ، ولمحَ سِربْاً من النّوارسِ يتطايرُ هنا وهناك، والأمواجُ تتكسّرُ على الشّاطئ موجةً في إثرِ موجةٍ، ثمّ ترتدُّ، وتتلاشى.

من بعيدٍ..

أبصرَ النّورسُ الموجةَ، وهي تقتربُ من الشّاطئ، وتلهثُ من التّعبِ لهاثاً مسموعاً، فطارَ إليها، وحنا عليها قائلاً:

-"لن أنسى فضلَكِ عليَّ، ولن أنساكِ ما حييتُ".

هدأتِ الموجةُ، واطمأنتْ، ثمّ تراجعتْ رويداً رويداً إلى عُرْضِ البحرِ، وهي تترقّبُ بلهفةٍ عودةَ ذلك النّورسِ التّائهِ إلى بلادِه يوماً ما.

دبي في 25/2/1999

 

 

 

أحلام سمكة سَلْمُون

 

 

قرّرتْ يوماً سمكةُ سَلْمُون أن تعودَ إلى بلادِها البعيدةِ، فلوتْ رأسَها، وحدّقتْ بعينين دامعتين إلى الخلفِ، فلم ترَ إلاّ نهراً دافقاً، يهدرُ ماؤه كالرّيحِ في ليلةٍ عاصفةٍ، فيملأُ القلبَ هَلَعاً وخوفاً.

أسرّتِ السّمكةُ ما عزمتْ عليه، وراحتْ تتحيّنُ الفرصةَ للعودةِ، ولكنّ النّهر لم يسكنْ، ولم يهدأْ. انتظرتْ يوماً، ثمّ انتظرتْ أسبوعاً فشهراً، والنّهرُ يتدفّقُ غزيراً، ويوغلُ في السّهولِ والوديانِ، فتبتعدُ السّمكةُ عن بلادِها أكثرَ فأكثرَ.

ضاقتْ السّمكةُ بالنّهرِ ذَرْعاً( )، فسألتْه بحَنَقٍ وغضبٍ:

-"إلى أين، أيّها النّهرُ؟".

أجابَ النّهرُ بصوتٍ هادرٍ كالعاصفةِ:

-"هناك حقولٌ وبساتينُ عطشى، تنتظرني منذ زمنٍ بعيدٍ".

قالتْ سمكةُ السَّلْمُونِ:

-"أريدُ أن أعودَ إلى بلادي حالاً".

قالَ النّهرُ، وهو يضحكُ:

-"سيجرُفُكِ التيّارُ إلى أمامٍ، ولن تقدري على الرّجوعِ خطوةً أو خطوتين إلى الوراءِ".

قالتْ السّمكةُ في أسى وحزنٍ:

-"اِهدأ قليلاً، أيّها النّهرُ الودودُ، وحاولْ أن تساعدَني مثلما تساعدُ أهلَ القرى، أينما سرتَ، وكيفما اتجهتَ".

قال النّهرُ:

-"طريقُنا طويلةٌ، والثّلوجُ على رؤوسِ الجبالَ كثيفةٌ، تذوبُ أيّامَ الرّبيعِ، فيفيضُ الماءُ، ويتدفقُ هادراً. أيّتها السّمكةُ الطّيبةُ، سنمضي حيثُ تتشقّقُ الأرضُ عطشاً، ويتضوّرُ النّاسُ جوعاً، ونحن خيرٌ وحياةٌ للأرضِ وللنّاسِ. قدرُنا واحدٌ، وهو أن نسيرَ معاً إلى أمامٍ حتّى النّهايةِ، فلا نلتفتُ إلى الوراءِ أبداً".

بكتْ يومئذٍ السّمكةُ، بكتْ حتّى فاضَ النّهرُ، وكاد أن يُغرقَ القرى، ولكنّها ذاتَ صباحٍ أحسّتْ أنّ النّهرَ قد ضَحَلَ ماؤه وقلَّ، فعزمتْ على العودةِ إلى بلادِها، والبلادُ خلفَها تنأى، وتبتعدُ، فلا يبقى منها إلاّ حُلُمٌ وذكرى.

تقاوتْ سمكةُ السَّلْمُونِ، وارتدّتْ إلى الوراءِ، وراحتْ تسبحُ عكسَ التيّار بسرعةٍ، والتيّارُ يصدّها مرّةً، ويرأفُ بها مرّةً أخرى، حتّى قطعتْ سهولاً، واجتازتْ أوديةً.. وفي طريقِها الطّويلةِ صادفت السّمكةُ جبلاً شاهقاً، لا يَطولُ ذِروتَه أحدٌ، فتوقّفتْ عن السّباحةِ، وأخذتْ تفكّرُ كيف تخرجُ من هذا المأزقِ الخطيرِ؟ والجبلُ يعلو، ويعلو أمام عينيها، حتّى يصلَ عَنانَ السّماءِ، فيتلاشى حُلُمُ العودةِ، وينأى الوطن بعيداً. فجأةً حطَّ طائرُ غُرْنوقٍ على ضفّةِ النّهرِ، ليشربَ من مائِه العذبِ، فلمحَ سمكةَ السَّلْمُونِ مكتئبةً حزينةً، شَحَبَ وجهها واسودَّ، وهَزَلَ جسمها ونَحَلَ، فسألها:

-"ما بكِ، أيّتها السّمكةُ؟ أراكِ شاحبةً هزيلةً!".

أجابت السّمكةُ، والحزنُ يعتصِرُ قلبَها:

-"أريدُ أن أعودَ إلى بلادي، وهذا الجبلُ-كما ترى- يقفُ كالجدار في وجهي، فلا أستطيعُ أن أجتازَه".

ضحكَ طائرُ الغُرْنوقِ، وأخذَ يضربُ بجناحيه سعيداً، وقال:

-"أنا سأحملُكِ إلى الطّرفِ الآخرِ من النّهرِ خلفَ الجبلِ".

سألته السّمكةُ بلهفةٍ وتعجّبٍ:

-"أحقّاً تستطيعُ، أيّها الطّائرُ؟! أخشى أن تستغرقَ وقتاً طويلاً، فأختنقَ، وأنا خارجَ الماءِ".

قال الغُرْنوقُ في عزيمةٍ وإصرارِ:

-"ستكونين على الطّرفِ الآخرِ من النّهرِ في غمضةِ عينٍ. إنّها مجرّدُ ثوانٍ، لا أكثرَ ولا أقلّ..".

قبض الغُرْنوقُ بقدميه على سمكةِ السَّلْمُونِ، وطارَ بها بعيداً، حتّى اعتلى قمّةَ الجبلِ، ثم هوى على النّهرِ سريعاً، وألقى السّمكةَ في الماءِ برفقٍ، وهي تلهثُ، وتتلوّى، ولمّا استردّتْ أنفاسَها شكرتْ لطائرِ الغُرْنوقِ معروفَه الجميلَ، ومضتْ في طريقها الطّويلةِ، تسبحُ عكسَ التيّار، وتحثُّ الخطى نحو المجهولِ.

 

 

الدّرس المشؤوم

 

 

حلّقَ عُقابٌ ماكرٌ في أعالي السّماءِ، وراحَ ينافسُ الطّيورَ في التّحليقِ بعيداً، وحين بدا عليها التّعبُ حطَّ العُقابُ على رابيةٍ، تتبعه الطّيورُ، وهي تلهثُ، ثمّ أخذتْ تتنافسُ فيما بينها، وتتبارى، فقالَ طائرُ لَقْلَقٍ، وهو يقفُ على قدمٍ واحدةٍ:

-"من منكم يستطيعُ مثلي أن يقفَ على قدمٍ واحدةٍ؟".

أجابَ الصَّعْوُ- وهو أصغرُ الطّيورِ- قائلاً:

-"لا تغترَّ بنفسِكَ كثيراً، أيّها الأبلهُ، لستَ إلاّ أعرجَ".

وأردفَ ببغاءٌ ساخراً:

-"لا شكَّ في أنّكَ تحتاجُ عكّازين، فلعلّكَ تقدرُ على المشي جيّداً".

ثم رفع هُدْهُدٌ رأسَه عالياً، وأشار إلى قُنْزُعَةٍ عليه قائلاً:

-"من منكم يستطيعُ مثلي أن يحملَ هذه القُنْزُعَةَ على رأسه؟".

أجابَ نورسٌ:

-"أيّها الأحمقُ، هي مصدرُ رائحتِكَ الكريهةِ، فلا تتعالَ بها علينا، ولا تتغافلْ".

وأردفَ غُرابٌ ضاحكاً:

-"حقّاً، إنّكَ تبدو كالملكِ المتوَّجِ، ولكنّكَ ملكٌ بلا مملكةٍ، ونحن لسْنا رعاياكَ".

ثمّ دسّتْ نعامةٌ رأسها في التّراب، وقالتْ، وهي تتمايل يَمْنةً ويَسْرةً:

-"من منكم يستطيعُ مثلي أن يدسَّ رأسه في التّراب هكذا".

وحين دسّتْ النّعامةُ رأسَها في التّرابِ انقضَّ عليها العُقاب، وقبضَ عليها بمخالبه الحادّةِ، وطارَ بها بعيداً.

جَفَلَتِ الطّيورُ، وطارتْ إلى البعيدِ سرباً واحداً، لا يتعالى عليه لَقلَقٌ ولا هُدْهُدٌ، ولا يحتالُ عليه نسرٌ ولا عُقابٌ. ومنذ ذلك اليومِ تعلّمَ كلّ طائرٍ منها درساً قاسياً، لن ينساه طوالَ حياتِه.

 

 

 

مملكة الكراسي الخشبيّة

 

 

إلى صديقي عبد اللّطيف الباير:

-"بُصرى مملكتك، ولا أرضى لك أن تكون ملكاً".

 

 

يُحكى أن في قديمِ الزمانِ جندياً، غافلَ يوماً الملكَ، وجلسَ على عرشه، وراحَ يصرخُ صراخاً مُدويّاً:

-"أنا الآن ملكُ البلادِ".

تردّدتْ صرختُه في أرجاءِ القصرِ، ووصلتْ أسماعَ الملكِ وحاشيتِه الّذين فاجؤوا الجنديَّ، وهو مازالَ جالساً على العرشِ، يرتجفُ من هَوْلِ المفاجأةِ، والجنودُ يُشهرون سيوفَهم الّلامعةَ في وجهِه، ولكنّ الملكَ أمرهم أن ينصرفوا عنه، ويتركوه وهذا الجنديَّ.

نهضَ عندئذٍ الجنديُّ من مكانِه، فأشار إليه الملكُ أن يجلسَ، فجلس، والسّيافُ يتراءى أمام عينيه المذعورتين شاهراً سيفه، يهُمّ بضربِ عُنقِه، فيرتعدُ هَلَعاً وخوفاً. حاول الجنديّ أن يفتحَ عينيه، ويرفعَ رأسَه قليلاً، فلم يستطعْ، وحاولَ أن ينهضَ من مكانِه ثانيةً، فلم تحملْه قدماه، والقصرُ يدورُ به، فلا يهدأُ، ولا يستقرُّ.

سأله الملكُ مستغرباً:

-أتظنُّ أنّ هذا الكرسيَّ الخشبيَّ يجعلُكَ ملكاً؟!".

أجابَ الجنديُّ، وهو يتلعثمُ:

-"هو مجرّدُ حُلُمٍ، يا صاحبَ الجلالةِ، ظلَّ يراودني منذ صغري".

ثمُ أردفَ الملكُ ضاحكاً:

-"أنتَ الآن ملكٌ، وأنا أحدُ رعاياكَ. بمَ ستحكمُ عليّ لو انقلبتُ عليكَ".

هبَّ الجنديُّ واقفاً، وقالَ معتذراً:

-"أستغفرُ اللهَ، يا صاحبَ الجلالةِ، ما أنا إلاّ عبدٌ من عبيدِكَ".

قالَ الملكُ:

-"اجلسْ، اجلسْ، أيّها الجنديُّ، وقلْ لي: كيف ستحكمُ بين هؤلاء النّاسِ الذين لا همَّ لهم إلاّ التآمرُ عليّ وعلى مملكتي".

قالَ الجنديُّ، وهو مطرقُ الرّأسِ:

-"إنّهم-يا صاحبَ الجلالةِ- لا يستحقّون إلاّ الموتَ، فلا رأفةَ بهم، ولا عطفَ عليهم".

قالَ الملكُ:

-"لا شكّ في أنّكَ جنديٌّ مخلصٌ لي وللوطنِ. أيّها الجنديُّ، أنتَ منذ اليومِ وليُّ عهدي الأمينُ".

يُحكى بعدئذٍ أنّ وليَّ العهدِ انقلبَ يوماً على الملكِ، وزجّه في السِّجنِ، حتّى ماتَ، وجلسَ على عرشِه منتشياً، لا يفارقُه لحظةً، ولكنّ جنديّاً غافله يوماً، وجلسَ عليه، وهو يقولُ:

-"أنا الآن ملكُ الزّمانِ".

ويحكى أنّ الملكَ تلمّسَ عندئذٍ رأسَه، وهو يرى أحدَ جنودِه يجلسُ مكانَه، وأمرَ من فوره السّيافَ أن يضرِبَ عنقَه، حتّى يكونَ عِبرةً لغيره من الجنودِ الذين لا يروقُ لهم من كراسي القصرِ جميعِها إلاّ كرسيُّ الملكِ.

-----------------------------------------------------------------------------

أضيفت في 06/02/2006 / * خاص القصة السورية / عن مجموعته مملكة الكراسي الخشبية الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب(للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب الطفل)

 

 

 

الرأس المقطوع

 

بلا رأس ألقوا جثّته على قارعة الطّريق ! .

ما إن غادرت سيّارة الجيب الخضراء حارة الميدان حتّى تجرّأ أهلها على الاقتراب من الجثّة ، وكتموا صرخاتهم في نفوسهم ، وهم يتلمّسون رؤوسهم المترنّحة ، يخشون أن تتدحرج على الأرض ، وكأنّ الخوف سيف مسلّط على رقابهم جميعاً . كان للجدران آنذاك عيون وآذان ، وكان ثمّة سجون وجلاّدون وأحكام جائرة .. وكان أهل الحارة قد اعتادوا أن تمرّ تلك السّيارة الخضراء بأزقّتهم الضّيّقة ، وتطلق بين الفينة والأخرى صفيرها المروّع ، وهي تغصّ برجال متجهّمي الوجوه ، لا ملامح لهم ولا أسارير ..

سأل أحدهم بارتياب :

ـ " كيف سنعرف صاحب الجثّة ؟ أهو فيصل الصّابوني المعتقل منذ تسع سنوات أم منصور بن أشرف النّحّاس الّذي قبض عليه منذ أيّام ؟ " .

فأجاب آخر ، وهو يمسك رأسه بيديه المرتجفتين :

ـ " الصّابوني محكوم بالسّجن لا بالإعدام ، وابن النّحّاس لصّ ، لا علاقة له بحزب ولا سياسة " .

وبينما راح بعض الرّجال يقلبون الجثّة على ظهرها كانت زوجة فيصل الصّابوني تعوّل عالياً ، وتندفع باتّجاهها ، فيمسك أحدهم بملاءتها ، ويدفعها بعنف إلى الوراء ، فتقع أرضاً .. وكانت أمّ منصور النّحّاس ثكلى ، تلطم خدّيها ، وكأنّ الجثّة هي جثّة ابنها الوحيد منصور الّذي لم يترك بيتاً من بيوت حارة الميدان إلاّ دخله في وضح النّهار ، حتّى روّع أهلها ، وأقضّ مضجعهم . ومنذ أيّام قلائل نزل دار رئيس مخفر الميدان الملازم صالح الدّقّة ليلاً ، ولكنّه لم يسرق منه شيئاً ، فأقسم رئيس المخفر ألاّ يغمض له جفن الليلةَ إلاّ بعد أن يلقي القبض عليه ، حتّى تبلى عظامه في السّجن ، ويريح الحارة وأهلها من شروره ، فباغته ، وهو سكران ، وألقى رجاله الأشدّاء القبض عليه .

حين قلب الرّجال الجثّة على ظهرها وقفوا واجمين حائرين ، ولمحوا رقماً ، لم يستطيعوا أن يحدّدوه ، لأنّ الدّم غطّى الجثّة ، فلم يبد منها إلاّ جورب أسود وسروال مخطّط كسراويل السّجناء ، ولكنّهم سرعان ما أدركوا أنّ هذا الرّقم ـ مهما كانت قيمته ـ لن يكشف لهم الوجه الحقيقيّ لصاحب الجثّة الّذي لن يكون سوى رجل غريب من حيّ آخر ، أخطأت سيّارة الجيب الخضراء برميه في حارتهم المنكوبة ، وحارة الميدان وسط المدينة ، لا تخفى عن عيون أحد بيوتُها وأزقّتها الضّيّقة وأولادها ذوو الوجوه الصّفراء .

صرخت زوجة فيصل الصّابوني في وجوه أهل الحارة المتجمهرين حول الجثّة ، وهي تندفع نحوها من جديد :

ـ " أنا أعرَف النّاس بزوجي ، ابتعدوا ، ابتعدوا قليلاً " .

سألها أحدهم بيأس واستغراب ، وهو يفسح لها الطّريق بيديه :

ـ " كيف ستعرفين رجلاً بلا رأس ؟! " .

فقالت بصوت متهدّج :

ـ " الزّوجة أدرى بزوجها " .

انكفأ الرّجال بقلوب واجفة عن المرأة ، ومالوا بوجوههم المتغضّنة عنها ، وهي تنحني على الجثّة ، تقلّب أطرافها برفق ، وتقبّل كفّيها ، وتمسح على عنقها المقطوع وصدرها الدّامي يديها المعروقتين ، ثمّ تكشف طرف السّروال الممزّق ، وكأنّها تبحث عن أثر ما في الكتف ، وحين لا تقع على شيء تنهض من مكانها ، وترتدّ إلى الوراء ذاهلةً مهيضة الظّهر ، تنتظر على قارعة الطّريق أن يعود زوجها ، ولكنّه لم يعد ، ولو جثّةً هامدةً بلا رأس .

حين همّ هؤلاء الرّجال بحمل الجثّة الّتي أخذت تنبعث منها رائحة الموت الزّكيّة ، اندفعت نحوها أمّ منصور ، ترجوهم أن تلقي نظرةً خاطفةً عليها ، فدفعها بعضهم إلى الوراء ، وأشار عليها أحدهم أن تذهب إلى مخفر الحارة ، لترى ابنها هناك قبل أن يرحّل إلى السّجن المركزيّ ، فاطمأنّت أمّ منصور قليلاً ، وتلفّعت بملاءتها السّوداء جيدّاً ، وهي تشيّع بعينين دامعتين الرّجال الّذين حملوا الجثّة على عارضة خشبيّة باتّجاه المقبرة الحيطة ببيوتهم .

عند دخولهم المقبرة رأوا أوّل وهلة حمامةً بيضاء ، راحت تحوم فوق الجثّة المجهولة ، وهي تهدل هديلاً حزيناً ، انفطرت له قلوبهم الواجفة ، فلم يخلعوا عن صاحبها ملابسه الدّامية ، ولم يصلّوا عليه صلاة الجنازة ، ولم يكتبوا على قبره اسماً ولا تاريخاً .. وحين خرجوا من المقبرة رأوا الحمامة ترفرف بجناحيها بعيداً ، وتحلّق في سربٍ من الحمائم طويلٍ .

في الصّباح ..

في صباح اليوم التّالي استيقظت حارة الميدان على عويل زوجة مصطفى الصّابونيّ وصراخ أولادها ، فخرج أهلها من بيوتهم متوجّسين ، ولمحوا من بعيد سيّارة جيب خضراء ، تنطلق مسرعةً باتّجاه مخفر الميدان .

دبيّ في 3 / 2 / 2003

 

 

 

أحزان إبراهيم الّدرويش الدّامية

 

 

قبل أن يُلحد إبراهيم الدّرويش رفع رأسه قليلاً ، وأمعن في وجوه الرّجال الّذين حملوه إلى المقبرة توّاً ، فلمح بينهم س . فرزات رجل المبـاحث الّذي ما زال يتستر وراء وظيفة ( مختار الحارة ) ، وهو يهيل عليه التّراب بيديه المرتجفتين الدّاميتين ، ويبكي بكاءً مرّاً ، أدمى قلوب هؤلاء الرّجال ، فراحوا يواسونه ، وكأنّه واحد من أهل القتيل .

قال إبراهيم في سرّه ، وهو ينظر في عيني سليمان المذعورتين :

ـ " دمي ـ يا بن فرزات ـ لن يذهب هدراً ، وهذا الأنـف الأفطس سيلقى يوماً من يمرّغه في التّراب " .

وحين رفع رأسه أكثر ، لفتت النّاسَ حركته ، فولّوا مدبرين ، وهم بين مصدّق ومكذّب ، والمقبرةُ مقفرة إلاّ من قهقهات حارسها الشّيخ سميح الّتي تعالت في أرجائها ، وكأنّها نعيب غراب . تململ إبراهيم في كفنه ، وأخذ يفكّ وَثاق يديه ورجليه ، ليخرج من لحده الضّيّق كزنزانة ، ويثأر لدمه الّذي أهرقه س . فرزات ، وهو في غرفة التّحقيق ، يريد أن ينتزع منه بالسّوط اعترافاً بالانتساب إلى حزب محظور .

اقترب الشّيخ سميح ـ وهو مازال يقهقه ـ من القبر المفتوح بخطى متّئدة ، وأشرف على جوفه السّحيق ، ولمّا رأى إبراهيم الدّرويش الّذي صلّى على جثمانه قبيل قليل ، يخرج من كفنه عارياً ، وينفض الغبار عن وجهه ، تجمّد الدّم في عروقه ، ولكنّ إبراهيم هدّأ من روعه ، وبادره قائلاً :

ـ " لا أريد أن أموت قبل أن أثأر لدمي ، لا أريد لأولادي أن يلوّثوا أيديهم بدم ابن فرزات ، ويقضوا عمرهم مثل أبيهم وراء القضبان " .

مدّ الشّيخ سميح إليه يديه المرتجفتين ، وساعده على الخروج من القبر ، ثمّ ستر عورته بكفنه ، وهو ما زال يرتعد ، وكأنّه في حلم من أحلامه الموحشة الّتي تتراءى له كلّ ليلة منذ أخذ يعمل حارس مقبرة ، ولكنّه تحامل ما رآه ، واندفع إلى إبراهيم يعانقه عناقاً حارّاً . كانت جراحه الغائرة ما تزال تنزف ، حتّى اصطبغ كفنه الأبيض بالدّم ، وكانت الشّمس حينئذ تأفل ، وتلفّ القبور بأكفان دامية ، تراءت للشّيخ سميح أنّها تنذر بقيامة أصحابها من أجداثهم .

قال له الشّيخ سميح في دهشة وأسى ، وهو يتلمّس جراحه النّازفة :

ـ " ابقَ الّليلة هنا ، فربّما ألقوا القبض عليك من جديد ، وزجّوك في السّجن " .

قال إبراهيم :

ـ " لن يهدأ لي بال ، حتّى أثأر من ابن فرزات " .

قال الشّيخ سميح ، وهو يشير بيده إلى المقبرة الّتي تعجّ بالقبور :

ـ " انظر ، هؤلاء هم ضحاياه ، وأنت لست الأوّل والأخير " .

أطرق إبراهيم رأسه ، وراح يجهش حزناً على أؤلئك الرّجال الّذين قضوا مثله تحت التّعذيب ، لا تهمةَ عليهم إلاّ الانتساب إلى حزب محظور ، قيل يوماً في التّحقيق معه : إنّه حزب رجعيّ ، وإبراهيم يقسم ـ والسّوطُ يلهب ظهره ـ أنّه لا يعرف من أمر هذا الحزب إلاّ اسمه ، ولكنّ س. فرزات رجل المباحث كان يواجهه في كلّ يوم بتقرير سرّيّ ، يؤكّد ضلوعه في مؤامرات الحزب ودسائسه ، ثمّ يضع في أذنيه ملاقطَ مكهربةً ، تجعل جسده ينتفض قليلاً ، ثمّ يسقط في دوار عنيف .

التفت أحد الجلاّدين إلى س. فرزات ، وقال له متعجّباً :

ـ " ابن الكلب لم يعترف بعد ! " .

قال س. ، وهو يكاد يتميّز من الغيظ :

ـ " لا تتركه الّليلة ، حتّى يعترف ، ولو كانت ليلتَه الأخيرة " .

هزّ الجلاّد رأسه ، وانحنى قليلاً ، ثمّ استدار إلى إبراهيم الدّرويش ، وهو يصدر أنيناً مكتوماً ، وراح يضربه بسوطه ضرباً مبرّحاً ، حتّى تفسّخ لحمه ، وجرى دمه على الأرض غزيراً ، وحين أحسّ الجلاّد أنّ حركته سرعان ما هدأت ، امتقع وجهه غيظاً وصَلَفاً ، وأخذت أطرافه ترتعد ، ولكنّ سليمان فرزات نهض من وراء طاولته ، وراح يربّت على كتفه ، ثمّ جرّه من يده إلى غرفة تحقيق أخرى ، وسوطه الأسود ما زال يقطر دماً .

تداعى إبراهيم على الأرض ، وكاد أن يسقط من جديد في القبر الّذي أعدّه له أبناؤه في جانب مقفر من جوانب المقبرة ، ولكنّ الشّيخ سميح تلقّفه من حافّتـه بيده ، ونفض الغبار عن وجهه وكفنه الدّامي ، ثمّ أسنده إلى ذراعه ، وسار به حثيثاً نحو باب المقبرة الّتي كانت تلفّها أكفان سوداء .

تحامل إبراهيم في مشيته ، وراح يجرّ جسده المتهالك صوب الحارة ، والشّيخ سميح يشيّعه بعينين دامعتين . كان الظّلام دامساً كوجه جلاّد ، وكانت الطّريق تبدو له كأفعوان أسود ، يعصب رأس الّليل ، كما كان س. فرزات يعصب رأسه بعصابة سوداء ، وهو تحت التّعذيب ، فلا يرى من وجوه جلاّديه إلاّ حقدهم الأعمى . الطّريق طويلة طويلة ، وإبراهيم منهك ، يكاد يسقط من الإعياء والأسى ، ولكنه كان في شوق عارم إلى الحريّة خارج جدران القبر وقضبان الزّنزانة ، وكان مصمّماً أن يقضي الّليلة في بيته ، فقد اشتاق إلى زوجته وأولاده الّذين لم يرهم منذ عشر سنوات ، ظنّها دهراً ، حتّى أخذ يعتقد أنّه لن يخرج من الزّنزانة إلاّ إلى القبر . في كلّ يوم كانت تلك الزّنزانة الضّيّقة تفقد واحداً من نزلائها المعتقلين الّذين كانت تغصّ بهم ، يُستدعى ليلةً إلى غرفة التّحقيق ، ثمّ لا يعود إليها أبداً ، حتّى لم يبق وراء قضبانها إلاّ إبراهيم الدّرويش .

حثّ خطاه ، حتّى وصل ناصية الحارة الّتي تغيّرت معالمها قليلاً ، ولكنّه استطاع أن يميّز بيته من بيوتها الأخرى بعد تلك السّنين الطّويلة ، وقبل أن يدلف إلى بوّابته تناهى إلى مسمعه لغط ، ينبعث من إحدى نوافذه المضاءة في هذا الوقت المتأخّر من الّليل ، فاستند إلى الجدار ، وأصاخ للأصوات الّتي أخذت تتعالى . كان كلّ واحد من أولاده الثّلاثة يريد أن يستأثر دون الآخر بأكبر نصيب من إرثه ، أحدهم أراد أن يبيع البيت بثمن بخس ، والآخر أراد أن يستولي على معاشه التّقاعديّ ، والثّالث أراد أن يطالب بحصّة أبيه من إرث جدّه ، وكانت الأمّ تصرخ في وجوه أولادها أنّها ستتبرّأ منهم ، وستغضب عليهم جميعاً ، إن هم حرموها من حصّتها الشّرعيّة ، وستتزوّج رجلاً من رجال الحارة الأشدّاء ، يوقفهم عند حدودهم ، ويضمن لها حياةً سعيدةً ، تعوّضها عن شبابها الّذي ضيّعته مع أبيهم

ارتاع إبراهيم ، وكأنّ وحوشاً تحاصره ، وتمزّق لحمه أشلاءً ، وكاد أن يسقط على الأرض جثّةً هامدةً ، لكنّه تماسك قليلاً ، واستند إلى الجدار ، يحاول أن يلتقط أنفاسه الّلاهثة ، ثمّ قفل عائداً إلى المقبرة ، يتلمّس طريقه المظلمة كسوط أسود . وحين رآه الشّيخ سميح يدخل المقبرة لاهثاً ، ويتّجـه من فوره إلى قبره ، استوقفه ، وسأله :

ـ " إلى أين ، يا إبراهيم ؟ " .

أجاب ، وهو مطرق الرّأس :

ـ " إلى القبر ، يا صديقي " .

قال الشّيخ سميح مستغرباً :

ـ " لا شيء هنا إلاّ الموت ! " .

قال إبراهيم بصوت متقطّع حزين :

ـ " ربّما كان الموت أرحم من الحياة ، يا شيخ سميح " .

قال الشّيخ متسائلاً :

ـ " لمن ستترك دمك المهدور ؟ لمن ستترك زوجتك الثّكلى وأولادك اليتامى ؟ " .

أجاب ، والأسى يعتصر قلبه :

ـ " ليس لي دم لدى أحد " .

طأطأ إبراهيم رأسه حزناً وأسىً ، ونزل قبره المفتوح ، وراح يهيل التّراب بيديه المرتجفتين على جسده الدّامي الّذي أخذ ينتفض كطائر ذبيح . وفي الصّباح جاء الشّيخ سميح القبرَ لاهثاً ، فألفى زوجة إبراهيم الدّرويش على قبره تجهش ، وهي تشقّ ثيابها السّوداء ، ووجد أولاده الثّلاثة ينتحبون .

 

 

 

 

الجرذان

 

لأمر ما حلق مختار الحارة شاربيه !

ضجّت الحارة بالضحك الخبيث ، وأخذ رجالها يفتلون شواربهم الكثة ، ويعقفونها كجناحي عُقاب ، والمختارُ يقسم أمامهم ألا علاقة البتّة لزوجته الجديدة ولا القديمة بهذا الأمر .

قال أحدهم بصوت حانق : " أين نداري وجوهنا من وجوه نساء الحارة ؟ خير لنا أن ندسّ وجوهنا في التراب ، ونحلق شواربنا جميعاً " .

وقال آخر بصوت مرتجف : " اقتربت الساعة ، وصار الرجال نساءً والنساء رجالاً " .

قرّر يومئذ أولئك الرجال أن يواجهوا المختار ، ويطلبوا منه أن يترك حارتهم وشأنها ، وما إن انصاع لطلبهم حتى أغارت طائرات الأعداء على الحارة ، فولّوا مدبرين ، وهم يرتعدون كالجرذان ، والمختار يضحك ملء شدقيه ، حتى يكاد يقلب على قفاه .

دبي في 18 / 1 / 2001

--------------------------------

أضيفت في 15/11/2004 / * خاص القصة السورية

 

 كيفية المشاركة

 

   

                                           

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (رواية - مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية