الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 20/04/2008

القصص

 

 

قناديل اشبيلية 

اللوزة وحبة الملبس 

ابن مدينة الرقة 

 رحيل رجل في رجال

جيران العيادة 

أبحرت إلى كل الموانئ 

 المصطلح المضحك

 فيلمون الضاحك

 

بطاقة تعريف الكاتب الكبير: د. عبد السلام العجيلي

 

ولد في الرقة 1918

 عمل أيضاً في الطب والسياسة.

 درس في الرقة وحلب وجامعة دمشق، وتخرج منها طبيباً عام 1945.

 انتخب نائباً عن الرقة عام 1947.

 تولى عدداً من المناصب الوزارية في وزارات الثقافة والخارجية والإعلام عام 1962.

 أصدر أول مجموعاته القصصية عام 1948 بعنوان بنت الساحرة.

 كتب العجيلي القصة والرواية والشعر والمقالة.

 بلغ عدد أعماله حتى 1995 ثلاثة وثلاثين كتاباً،

من أهمها

 الليالي والنجوم (شعر 1951)،

باسمة بين الدموع (رواية 1958)،

 الحب والنفس (قصص 1959)،

 فارس مدينة القنطرة (قصص 1971)، 

 أزاهير تشرين المدماة (قصص 1974)،

 في كل واد عصا (مقالات 1984).

 ومن أعماله الحديثة

 أحاديث الطبيب (قصص 1997)،

 و مجهولة على الطريق (قصص 1997).

 يعد أحد أهم أعلام القصة والرواية المعاصرين في سوريا والعالم العربي.

 تبدو المدرسة الواقعية في الكثير من أعماله.

توفي في 05/04/2006

 

رحيل رجال في رجل

 

د. حسام الخطيب

 

لم يكن ارتحال عبد السلام العجيلي عن العالم الفاني ارتحال رجل واحد بل كان ارتحال مجموعة رجال عاشت في جسد واحد وقلب واحد بتناغم عجيب وتعددية مـُثلى.

 

وحين أزِف الأوان نـُكـِّست الراية التي أظلـّت مجموعة الرجال على امتداد ما يقرب من قرن حافل بالأحداث... واختار عبد السلام الرحيل قبل أن تتمكن أصابع الدهر الخؤون من استلال ما تبقى من وميض العين وجسارة صفحة الوجه وتماسك الشفتين وانتصاب القامة وتوازن القدمين وأخيراً نبض القلب الكبير الذي كان صمامه دائماً صمام أمانٍ للأنا وللآخرين، ابتداء أصيلاً من الناس البسطاء أبناء الرقة التي شهدت حياةُ الأديب الطبيب عبدالسلام العجيلي انتقالها على امتداد القرن الماضي تدريجياً من قرية وادعة نصف بدوية تماماً على خط الحد الفاصل بين الصحراء والمدينة إلى قرية متكاملة ثم إلى شبه مدينة ثم إلى عاصمة محافظة، والطبيب الأديب فيها مقيم على العهد يؤوب إليها بعد كل رحلة داخلية أو عربية أو عالمية ليصفـِّي رئتيه ويطمئن فؤاده الخفاق أبداً إلى أن الناس الطيبين ما زالوا ينتظرونه ليعالجهم من مرض أو ليروي لهم عجائب الارتحال وغرائب الأسفار...

 

يصف العجيلي طبيعة نشأته في الرقة بطريقة لا يمكن أن تختصر أو تحاكى ولا تحتاج إلى تفسير أو تعليق ولا يجوز إلا أن تـُقرأ بالحرف الواحد:

" ولدتُ في الرقة.  بلدة صغيرة، أو قرية كبيرة على شاطئ الفرات بين حلب ودير الزور.  من الناحية الاقتصادية كان أغلب أهل الرقة، وأسرة العجيلي منهم، يعيشون حياة نصف حضرية بأنهم كانوا في الشتاء يقيمون في البلدة فإذا جاء الربيع خرجوا إلى البادية يرعون فيها أغنامهم ويتنقلون بين مراعي الكلأ حتى أوائل الخريف.  وقد عشت هذه الحياة في صباي فأثّرت فيّ كثيراً وقبستُ منها كثيراً في ما كتبت...

متى ولدتُ؟  لم يكن في الرقة في تلك الأيام سجلات ثابتة للمواليد.  ويبدو أني ولدت في أواخر تموز في سنة 1918 أو 1919 .  وأنا أصرّ دوماً على التاريخ الأول رغم أن الأغلب هو صحّة التاريخ الثاني".

 

***

التزم عبدالسلام بالرقة، على الرغم من تعدد وجوه حياته وإغواءات المدينة والسلطة و تجوال العالم، وظلت عيادته مفتوحة في الرقة وظل مرضاه دائماً ينتظرونه إلى أن يؤوب من مهمة جديدة، أو رحلة عتيدة، أو انقلاب في العاصمة دمشق ( وما أكثر ما كانت الانقلابات متتابعة في الخمسينات والستينات) ولم يستطع الزواج من بنت المدينة أن يجرّه نهائياً إلى وجاهة العيش في العاصمة والتمتع بإغواءات السلطة، على الرغم من اعترافه بأن الزواج كان أهم حدث في حياته، وكلماته بهذا الشأن واضحة تماماً:

" يبدو لي أن أهم حدث في حياتي هو زواجي.  فقد غيّر من سلوكي في كثير من نواحي الحياة وساقني في مناهج ما كنت أنتهجها لولاه، سواء في مسلكي اليومي أو في طريقة نظرتي للمجتمع أو المستقبل.  وبالزواج علمت أني رجل من غمار الناس، أعني أني فرد من جماعة، يسري عليّ ما يسري عليهم مهما تصورت أن لي فرديّتي واستقلالي.  وهذه هي إحدى حقائق الحياة التي قد تكون مرّة، والتي نظلّ غافلين أو متغافلين عنها حتى نرتبط بالمجتمع بروابط الأسرة".

 

إن الزواج من بنت المدينة ( الذي انتابته هزات قويّة) غيـَّر من سلوكه ونهج حياته. إلا أن أخلاقه ظلت أخلاق صفاء البادية وأصالتها وجسارتها في مواجهة الخطأ والباطل وانفتاحها على البشر، وصدمتها سواء في التعبير عن الذات أو في التعامل مع الآخر.

***

 وقد ظلت البادية ملهمة عبد السلام، وكانت كتاباته دائماً تترجّح بين رياح البادية وأسلاك المدينة، إلا أنه ظل في صميمه بدوياً وكان اندماجه في حياة الحاضرة اندماجاً غير رافضٍ لتطورات العصر، ولكنه اندماج مراقب منغمس إلا أنه غير مستسلم، ولذلك كانت سلوكياته اليومية وتصاويره القصصية قادرة على النفاذ إلى صميم التجارب التي يخوضها، وهذا ما يفسر قوة  تأثيره الحيوي وتنوعه في الحياة المهنية والسياسية والأدبية في سورية وما جاورها من البلاد العربية، على امتداد ثلاثة أرباع القرن العشرين، طبعاً مع تفاوت شديد متصل بتقلبات المراحل المتعاقبة.

***

قلنا في مطلع هذه العجالة إن عبد السلام كان رجالاً وليس رجلاً واحداً إلا أنه لم يكن أمةً في رجل، فبسبب تعدديته إلى جانب بروز حضوره الشخصي وذاتيته الأدبية وتمسكه بممارسة مهنة الطب، ظل دائماً عدة رجال في رجل متميز ومتمتع بحرية الحركة ورحابة المزاج.

 

هؤلاء الرجال هم: عبد السلام البدوي، عبد السلام القروي، عبد السلام المدني، عبد السلام الطبيب، عبد السلام القومي، عبد السلام العالمي ( رحلاته المستمرة واتصالاته بالمشاهير من الشرق والغرب ). ولكن عبد السلام السياسي كان أيضاً متعدداً فقد كان نائباً في البرلمان السوري عن منطقته ( أي ممثلاً للشعب) ثم كان وزيراً ( أي ممثلاً للسلطة الانقلابية غالباً) للإعلام، والخارجية، والثقافة. وكان عربياً أصيلاً، ولكنه رضي لنفسه أن يتعامل مع الحركة الانفصالية عام 1961 التي فسخت الوحدة مع مصر وقوّضت أهم تجرية وحدوية في هذا العصر العربي وهي تجربة الجمهورية العربية المتحدة بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وفيما بعد فسّر العجيلي هذه الممارسة بتأكيده أنه كان مع الوحدة قلباً وقالباً، وكان يأمل من وراء الانفصال التوصل إلى صيغة للوحدة أكثر إيجابية وأكثر قدرة على الصمود. وقد كرّر ذلك قبل وفاته بمدة قصيرة من خلال مقابلة فائقة الأهمية في برنامج زيارة خاصة الذي أعادت الجزيرة بثـّه  في (7/4/2006) أي بعد يومين من إعلان  وفاته ( الأربعاء 5/4/2006).

 

أخيراً تعتبر وفاة الصديق عبد السلام العجيلي خسارة كبرى لسورية وفلسطين والوطن العربي، ولعالم الأدب والثقافة، ولمنبر الأخلاق والشهامة. وقد وفـّى ما عليه وزاد، وترك لنا من فائق الإبداع وغزارته  ومن القيم الأخلاقية ما يسمح لنا بالقول حرفياً إنّ من كان مثله لا يمكن أن يعوّض ولا يجود به الدهر إلا نزراً. رحمه الله وأثابه وألهم أهله وألهمنا جميعاً الصبر والسلوان.

--------------------------------------------

 أضيف في 11/04/226/ خاص القصة السورية / المصدر الكاتب: د. حسام الخطيب hussamkh@hotmail.com

 

 

د. العجيلي أبن مدينة الرقة

 

بقلم: عبد الرحمن مجيد الربيعي*

 

هناك مبدعون ترتبط اسماؤهم بمدنهم وهي في الان نفسه مسقط رؤوسهم، فنجيب محفوظ اقترن اسمه بالقاهرة ومحمد زفزاف بالدار البيضاء وخيري الذهبي بدمشق القديمة وغائب طعمة فرمان ببغداد وصلاح بوجاه بالقيروان وهكذا.

ود. عبد السلام العجيلي هو ابن مدينة الرقة السورية التي تقع في الشمال الشرقي من هذا البلد العربي وعلي شاطيء الفرات قبل دخوله الاراضي العراقية. وهذه الارض الفراتية تشبه بعضها، لا بل انها امتداد متواصل لا يجعلك تحس انك قد عبرت بلدا ودخلت آخر. فالطريق هو الطريق والناس هم الناس واللهجة هي اللهجة حتي انني فوجئت بالمذيعة التلفزيونية رشا العجيلي وهي تتكلم باللهجة العراقية فسألتها ان كانت من العراق وتعمل في التلفزيون السوري فابتسمت وقالت: هذه لهجة المدينة، وهي ابنة اخ المحتفي به د. عبد السلام العجيلي.

ذات يوم كانت هذه المناطق وصولا الي حدود بغداد وخاصة في العصر العباسي من اجمل المتنزهات ومضارب الفرح والسمر والاستجمام حتي ان ابا نواس قال:

واسقني من خمرِ هيتِ وعاناتِ

ومن المؤسف انني لا اتذكر الا عجز هذا البيت الذي يؤكد جمال المدن الفراتية. وهيت مشهورة بنواعيرها وهي علي هيئة مراوح عالية تدور فتنقل الماء من الفرات المتخم بمائه الي الاراضي الزراعية.

كنا مجموعة من الادباء العرب جئنا من عدد من البلدان العربية ملبين دعوة اخينا حمود الموسي مدير دار الثقافة بالرقة التي تحمل اسم د. عبد السلام العجيلي وفي قاعتها الكبري تمثال نصفي كبير له.

والاخ حمود الموس هو الذي انتبه الي اهمية ان تعقد ندوة سنوية عن الرواية السورية وتحمل اسم احد روادها وبغية انجاز مشروعه الذي دعمته وزارة الثقافة ومجموعة من المؤسسات الرسمية والاهلية وكذا رجال الاعمال في المدينة فقد استعان بخبرة بعض الادباء العارفين بالرواية العربية وبينهم الروائي نبيل سليمان الذي عمل مدرسا للغة العربية في احدي مدارس الرقة الثانوية في بدايات حياته العملية لذا لم نستغرب عندما حضر شيخ قبيلة بثيابه العربية، وهو يسأل عن نبيل مؤكدا انه كان تمليذه. واكراما لاستاذه والضيوف فقد اعد لنا وليمة عربية كبيرة في مضافته ونحر لذلك عدة ذبائح ونقل الطعام في صحون كبيرة حيث جلس الضيوف علي الارض المفروشة بالسجاد ليتناولوا طعامهم.

تخرج العجيلي من كلية الطب في دمشق عام 1945 وعاد الي مدينته ليفتتح فيها عيادته ولم ينقلها الي اي مدينة اخري.

وكنا نقرأ قصصه التي ينشرها في المجلات الادبية المعروفة مثل (الآداب) اللبنانية ويذيلها باسم مدينته.

ومن الرقة رشح للنيابة ففاز بها اكثر من مرة كما شغل لاحقا منصبين وزاريين هما الخارجية والثقافة.

وكانت اول قصة ينشرها يعود تاريخها الي عام 1936 اي قبل سبعين سنة.

وظل العجيلي ينطلق من الرقة الي العالم وقد عشق السفر مبكرا وجاب الدنيا وانجز عددا هاما من كتب الرحلات التي تشكل مرجعا مهما كما ان هذه الرحلات شكلت موضوعات لاهم قصصه ورواياته.

كانت الرقة المحطة والمرفأ له، رغم بعدها عن العاصمة التي جلب نداؤها جل مبدعي الاطراف والقوي البعيدة الا العجيلي فكان استثناء.

ذكر لي احد الاصدقاء (الرقيين) ان العجيلي بقي يمارس دور شيخ القبيلة بالنسبة لقبيلته ويحرص علي ان يقوم بدوره كاملا في هذا المجال. وقد اكتشفت شخصيا من خلال قراءاتي لقصصه ورواياته (وذكرت هذا في لقاء مع تلفزة دمشق) ان الرقة مدينة صغيرة من الممكن جدا ان تُستنفد ابداعيا. انها ليست القاهرة بملايينها الذين يقربون من الثمانية عشر او اكثر ولهذا ظلت نابضة حية في الابداع الروائي المحفوظي مثلا، وكأني بالعجيلي وقد ادرك هذا مبكرا لذا شكل السفر محور اهم قصصه ورواياته. اي انه ابتعد بها عن الرقة وان كانت نظرته تظل نظرة ابن الرقة وبذا اتسعت مدونته الابداعية.

كما ان مدينة كالرقة ما زالت محكومة بالتقاليد الصارمة فيها الكثير من المحرمات الروائية، وقد اخبرني الروائي والباحث السوري ابراهيم الخليل وهو ابن الرقة ايضا و المقيم فيها والمختص قراءة ونقدا بأعمال العجيلي بأن روايات وقصص العجيلي لا وجود لامرأة واحدة من الرقة فيها!

وهذه ملاحظة مهمة رغم ان رواياته هذه مليئة بنساء من مدن او بلدان اخري.

لقد اطلق علي العجيلي لقب ايقونة الرقة وهو هكذا فعلا رغم ان الكبر اقعده في فراشه (ولد سنة 1918) ولذا تعذر عليه حضور حفل الافتتاح التكريمي له واكتفي بارسال كلمة قرئت نيابة عنه. كما قام عدد من الضيوف بزيارته في بيته لتحيته.

 

(2)

 

يذكر العجيلي في الاحاديث التي تجري معه (ان الادب بالنسبة له هواية) ولكنه مع هذا انجز فيه اكثر من خمسة واربعين كتابا جمع فيها حصيلة ما عاشه وما رآه ولخص في هذه الكتب تجربته في الحياة والسياسة والطب.

ولنا ان نعرف بأنه وفي بداية حياته السياسية التي سارت بموازاة ممارسته للطب وفوزه بالبرلمان مرشحا عن مدينة الرقة استقال من عضوية البرلمان ليلتحق بجيش الانقاذ طبيبا جراحا وذلك في عام 1948 دفاعا عن الحق العربي في فلسطين.

اي ان ابهة الموقع النيابي لم تصادره فتخلي طائعا من اجل مداواة الجرحي الذين ادرك ان حاجتهم الي طبيب هي أكبر من حاجتهم الي برلماني.

هكذا بدا الامر لي وانا اتوقف عند هذه المسألة تحديدا.

 

عندما وصلت الرقة كان ذلك بعد رحلة طويلة حيث غادرت الطائرة مطار تونس في التاسعة والنصف مساء، ووصلت مطار دمشق بعد منتصف الليل بساعة ونصف تقريبا حسب توقيت دمشق. وكان علي الانتظار ساعتين حتي يحين موعد الطائرة المتوجهة الي حلب التي وصلتها فجرا. وهناك كان في انتظاري اثنان من اسرة الندوة لتمضي بنا السيارة باتجاه الرقة.

وعندما وصلت كانت الساعة تربو علي السابعة وبعض الضيوف يتوجهون الي مطعم الفندق لتناول طعام الافطار، وارتأيت ان ادع النوم جانبا واذهب الي غرفتي لاحلق ذقني. ولم يأخذ مني هذا اكثر من نصف ساعة لارافق الضيوف بعد السلامات والعناقات الي مبني المركز الثقافي وهو مبني كبير جدا وفيه عدة قاعات للمحاضرات والندوات وتحلم كل مدينة عربية بنموذج مشابه له.

كان النصف الاول من النهــار مخصصا لزيارة معالم اثرية وحضـارية في المدينة او علي مشارفها واهمها اثار مدينة كاملة اسمها الرصافة وساعد علي لذة التجوال الجو الدافيء والسماء الصافية والشرح المستفيض من خبير في الاثار.

بعد ذلك ذهبنا الي سد الفرات هذا الانجاز الكبير الذي تتباهي به سورية الحديثة وقد انجز ليضم مياه الفرات في بحيرة كبيرة حتي لا تتبدد لا سيما وان الجانب التركي قد اقام سدودا عند منبع الفرات الامر الذي قلل من كمية المياه التي تعطي لسورية والعراق باعتبار النهر مشتركا بينهما.

نسيت وانا اتجول انني لم انم منذ اكثر من ثلاثين ساعة، وكان علي ان اخذ قسطا من هذا النوم اللعين الذي لا بد منه لنتجدد.

 

ضمت قائمة المدعوين لحضور مهرجان العجيلي الاول للرواية العربية عددا من الاسماء المعروفة في كتابة الرواية ونقادها سواء منهم من ساهم ببحث او شهادة او من تمت دعوتهم كضيوف شرف.

وتوزعت الجلسات وعددها سبع جلسات علي ثلاثة ايام وساهم فيها قرابة 35 مدعوا، والنسبة الكبيرة من البحوث كانت عن الدكتور العجيلي الامر الذي يجعل من نشر هذه البحوث في كتاب عملا مطلوبا جدا ورغم العديد من البحوث والرسائل الجامعية التي كتبت عنه فان نشر البحوث الجديدة وجلها لادباء من الاجيال اللاحقة لجيل العجيلي عمل مهم اذ انها تشكل اعادة قراءة لهذه الاعمال وفي هذا تجديد وتجدد لها واتمني علي الاخ حمود الموسي مدير دار الثقافة ومن معه ان يسارعوا في طبع هذا الكتاب.

من الباحثين والادباء السوريين ساهم علي زيتون بدراسة مجموعة الخيل والنساء وياسين رفاعية كتــب عن الفن الرواية عند العجيلي ود. مصلح النجار عن ثباتيات القيم من النص الروائي عند العجيلي وممدوح عزام العجيلي وانا ووليد اخــلاصي (الجليل الجميل عبد الســــلام العجيلي) وابنة اخيه الاستاذة الجامعية شهلا العجيلي (حينما ينقلب السرد علي السارد) وبسام بليبل (من ايهاب الشعر الي فضاء النثر) ـ نذكر هنا ان للعجيلي ديوان شعر واحد صدر في بدايات حياته الادبية ود. عبد الله ابو هيف (النقد الخاص بالعجيلي) والروائي نبيل سليمان (الذي حظيت اعماله الروائية بعدد من الدراسات جاءت في الترتيب الثاني بعد تلك التي قدمت عن المحتفي به) فقد قدم موضوعا بعنوان (ابن الرقة) وقدم د. عادل الفرلجات (السرد المؤثر والمغير في رواية العجيلي اجملهن نموذجا) ويقدم روائي وباحث رقي معروف هو ابراهيم الخليل موضوعا عنوانه النص التابع والاذاعية نهلة السوسو قدمت هي الاخري شهادة حول تقديم القصة والرواية اذاعيا من خلال تجربتها مع ما مر بها من اعمال اهتمت بها وبينها اعمال للعجيلي.

اما من الضيوف العرب فقد قدم د. صلاح فضل (مصر) قراءة لرواية العجيلي اجملهن وكاتب هذه السطور بحثا عن توافق تقنيات المقالة والقصة القصيرة عند العجيلي من خلال كتاب في كل واد عصا وقصة مذاق النعل مع التوقف عند اسبقية العجيلي في الكتابة عن السجن السياسي اذ تعود هذه القصة لعام 1964 وقدم د. عبد المجيد زراقط (لبنان) دراسة عن رواية المغمورون البنية والرؤية وهي من بين الاعمال الروائية الاخيرة للعجيلي. اما الباحث فاضل الربيعي العراقي فقد توقف في بحثه عند تجربة الروائي السوري خيري الذهبي. وعنوان بحثه خالقو الاساطير الجديدة وللدكتور محمد عبيد الله (الاردن) دراسة عن فن القصة القصيرة عند العجيلي ومن الجزائر قدم بحث للناقدة فضيلة فاروق (فلسطين في ادب غادة السمان) ولسميحة خريس (الاردن) موضوع بعنوان بمثابة بيان علي بيان وهو مقاربة لاحد مؤلفات الروائي نبيل سليمان النقدية. وتتناول الروائية نعمت خالد تجربة سليمان ايضا من خلال احدي رواياته.

ونشير هنا الي ان البحوث الاخري التي تناولت اعمال هذا الروائي عديدة ومنها: رجل من جرماتي لزهير جبور ود. رضوان قضماتي الذي قرأ احدث اعماله الروائية درج الليل درج النهار .

وقدم د. جهاد نعيسة قراءة لاعمال خيري الذهبي تحت عنوان تناسج المجاز والواقع في العالم الروائي لخيري الذهبي . وحظي سليم بركات بدراسة واحدة قدمها الناقد خالد الحسين.

اما الذين قدموا شهادات تتعلق بفنهم الروائي فهم: د. هيفاء بيطار، خليل صويلح، خيري الذهبي، سمر يزبك، فواز حداد، ماجد العويد، كما كانت للناقد الدكتور نضال الصالح دراسة مهمة عن مساهمات النص الروائي النسائي ـ اصوات التسعينات نموذجا ومن مصر قدم الروائي عزت القمحاوي موضوعا مهما عن التواصل جغرافيا وابداعيا وكيف عرف العجيلي.

كل هذه الموضوعات نوقشت باريحية بعد كل جلسة من اجل استكمال غاياتها ومراميها.

 

(3)

 

لا يدري المرء من اين اشتق اسم الرقة ؟ وهل هو من الرقة بمدلولها الناعم الجميل؟ يبدو ان الامر هكذا. وقد نقل عن الخليفة العباسي هارون الرشيد قوله الدنيا اربعة منازل هي دمشق والرقة والري وسمرقند .

وسأقتبس من الباحث الاستاذ محمد جدوع ما اورده في كتابه التاريخ والعجيلي ما قاله عن تاريخ الرقة اذ قال والرقة لم يجهلها التاريخ قبل الفتح الاسلامي لها. لقد عرفها بأسماء عدة توتول و نقفوريوم ثم كالينيكوس في عهد الاسكندر المقدوني وما قبله، كما عرفت باسم ليونتوبوليس في العهد الروماني نسبة للامبراطور الروماني ليون الثاني الذي اعاد بناءها .

ويذكر محمد جدوع ايضا: ان الق الرقة ودورها التاريخي استعيد حينما اغري موقعها المتوسط والفريد الخليفة العباسي ابا جعفر المنصور المولع في اشادة وانشاء المدن حيث امر ببناء مدينة حديثة اطلق عليها اسم الرافقة بموقع غير بعيد عن الرقة القديمة علي غرار عاصمته بغداد ذات السور المستدير ويذكر كذلك: ان لطف مناخها وعذوبة مائها ونقاء هوائها وتوسط موقعها ما بين الشام وبغداد كل تلك الصفات مجتمعة ساهمت في جذب انتباه الخليفة العباسي هارون الرشيد اليها ليعتبرها ويتخذها عاصمة ووطنا له بعدما اثقله جو بغداد السياسي بعد نكبة البرامكة .

اما ما شهدته الرقة في الفترة الاسلامية فنذكر ان معركة صفين الشهيرة جرت جنوبها وهي معركة الفتنة الكبري بين جيش علي بن ابي طالب الخليفة الراشدي (رضي الله عنه) وجيش معاوية بن ابي سفيان والي الشام الطامع بالخلافة .

وهناك احداث اخري منها علي سبيل المثال ان صقر قريش عبد الرحمن الداخل عبر نهر الفرات من الرقة بعد ان شهد مقتل اخيه، اضافة الي احداث كثيرة لا تعد ولا تحصي.

وها هي الرقة اليوم هادئة وادعة تنام علي اسرارها وما مر بها وكثير منه ما زالت اثاره وبقاياه قائمة.

وقد تسني لنا ان نزور الضريح الفاره لعمار بن ياسر الذي استشهد في معركة صفين علي يد قوات معاوية بن ابي سفيان.

المدينة واسعة وشأنها شأن المدن الفراتية الاخري تمتد افقيا اكثر منه عموديا ولذا من النادر ان نجد فيها عمارات عالية، وكان فندق اللازورد الذي اقمنا فيه يتكون من اربعة طوابق مثلا.

اما الاغاني التي تتردد من الات التسجيل في السيارات والمحلات فجلها اغان عراقية ومعظمها نواحات غناء البوذية الجنوبي الشهير وبأصوات جديدة معظمها خرج من اتون الحروب والحصارات والموت البطيء الذي عاشه البلد.

وساعد علي انتشار الغناء هذا قرب اللهجتين في العراق والرقة وغيرها من مدن الفرات سواء كانت في الجانب السوري او الجانب العراقي.

في حياة الناس تعتمد الزراعة موردا بالدرجة الاولي، وزراعة الحبوب بشكل خاص، ثم تأتي بعدها التجارة. ولكنها غالبا في المواد المعيشية التي يحتاجها المرء.

لم اجد اشجار النخيل في الرقة، وسألت عنه، ويبدو انه ظل في حوض وادي الرافدين فقط.

وختاما نقول ان احتفاء الرقة بابنها د. عبد السلام العجيلي جاء في سياق تقاليد متوارثة تتمثل باحترام الرموز التي يجاوز دورها حدود المدن التي ينتمون لها فاصبحوا رموزا لوطن وامة.

ونشير بأن اول مجموعة قصصية صدرت للعجيلي كانت بعنوان بنت الساحرة في عام 1948 وله ديوان شعري وحيد عنوانه الليالي والنجوم وصدر عام 1951 والكتابان صدرا في بيروت التي ستبقي مستحوذة علي اصدار ابرز مؤلفاته وبعدها دمشق.

ومن آخر اعماله الروائية اجملهن التي صدرت عام 2001.

ومن بين مجاميعه القصصية التي يذكرها القراء والمتابعون بقوة: قناديل اشبيلية 1956، الخيل والنساء 1965.

اما من رواياته فنذكر: باسمة بين الدموع 1959، المغمورون 1979، و قلوب علي الاسلاك 1974، وهي روايته التي اعدت شخصيا اكتشاف مكانته الروائية، وبعد ان كتبت عنها بدأ بيننا تعارف ولكن بالمراسلات فقط.

د. العجيلي لم يهمل الدور السياسي الذي قام به ولذا اصدر كتابا في جزءين وعلي درجة بالغة من الاهمية هو ذكريات ايام السياسة والكتاب هذا هو من آخر إصداراته في بداية الألفية الثالثة.

كاتب من العراق* 

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

  نماذج من أعماله

قناديل إشبيلية

 

فندق رويال ، إشبيلية ، أيلول 1951

 

إلى السيد عبد السلام ،

هذا أنا في إشبيلية منذ يومين و لم أكتب إليك بعد لأني كنت أبحث في كل مكان عن فيلمك. أنا آسفة حقا على كوني لم أعثر عليه. في قرطبة نزلت مثلك في فندق أوغستين ، و هم يتذكرونك فيه جيدا ، بل إنهم حدثوني عن ورقة اليانصيب التي كنت تحملها ، ولكنهم لم يجدوا الفيلم. أما في إشبيلية فقد نزلت في فندق آخر ، إلا أني ذهبت إلى " نوبيا أوروبا " ، فلم يجدوه أيضا و هم متأكدون من أنه لم يفقد عندهم. وفي الألكازار استقبلني المدير بنفسه، و كان في غاية اللطف. لقد أمر بالبحث عنه بين الأشياء المفقودة من الزائرين، ولم يجد شيئا. لعله ضاع منك في الحدائق و التقطه أحد المارة. أنا آسفة جدا يا سلام ، وكنت أحب كثيرا أن أؤدي لك خدمة في مقابل لطفك الذي غمرتني به في مدريد. زرت في قرطبة الجامع. إنه بالغ الروعة ، ولكن كان ينقصني فيه دليلي العزيز الذي رافقني في طليطلة و في مدريد. المتحف هنا في إشبيلية جميل و لكنه ليس في ضخامة متحف مدريد ، ولا في سحره. أما في ألكازار ، فقد كنت من شدة التأثر بجمال الفن العربي بحيث أني بكيت ، يا عزيزي سلام ، وأنا أتذكرك!

وأخيرا... إني مغتبطة كثيرا هنا وأعتزم البقاء بضعة أيام أخرى. آمل أن ألقاك في باريس عند عودتي. وإذا لم يتح لي هذا الحظ فهذا هو عنواني في بروكسل ، وهكذا تستطيع دوما أن تجدني. إذا شئت أن تكتب لي كلمة قصيرة فإن ذلك سيسرني كثيرا.

إلى لقاء قريب إذن. مع أحلى الذكريات.

جوليين

العنوان : جوليين بيترز ، 123 شارع فيليكس ويفلاير

فوريه ، بروكسل. بلجيكا

*** 

" إلى جوليين بيترز المقيمة في فوريه ببروكسل ، والتي بكت متأثرة بجمال الفن العربي في ( ألكازار إشبيلية ) أهدي هذه القناديل".

قال البروفيسور آلسيدو – بهذا قدمته إليّ الراقصة الساحرة العينين ، وهو يفرغ الكأس الأولى في جوفه :

-  هل تحتقر ابن عمك إذا كلّمك بغير لغته ؟ سمعتك تتكلم الفرنسية بطلاقة ، فاسمح لي بأن أحادثك بها.

فأومأت برأسي موافقا ، وموَّطنا النفس على سماع حديث هذا الطفيلي إلى نهايته.

قال : رأيتك امتعضت من دعابة هياسنتا. إنها دعابة تجرح ، ولكنك لست المقصود بها يا ابن العم. كنت سهما مسددا إلي، لو لا أن جلدي أصبح في غلظ جلد التمساح ... إلخ.

( تقرأ تتمة قصة " قناديل إشبيلية " ، التي كتبت في عام 1952 ونشرت لأول مرة في مجلة الأديب ، في المجموعة القصصية التي تحمل هذا الاسم ، و قد ظهرت طبعتها الأولى عن دار الأديب في عام 1956، وظهرت طبعاتها التالية عن دار الشرق العربي في بيروت، وترجمت إلى اللغات الأسبانية والفرنسية والإيطالية )

- 3 –

فوريه ، 28 تشرين الأول 1951

 

عزيزي سلام ،

تلقيت بطاقتك من ميلانو ورسالتك اللطيفة التي أثرت بي كثيرا. لا أستطيع يا سلام أن أقول لك كم حملت لي في هذه الرسالة من سرور وسعادة. كنت حزينة حقا لأني في عودتي إلى باريس لم أستطع رؤيتك ، ولكني عدت في الثالث من هذا الشهر ، وهو آخر أيام صلاحية بطاقتي للسكة الحديدية. ولم أكن أحمل مالا ، كما كنت أعتقد أنك غادرت باريس منذ أول الشهر. عدت من غرناطة رأسا إلى بروكسل ، في ثلاث ليال متتابعة في القطار. بعد تركي لمدريد لم أتوقف عن التفكير بك وكنت أتمنى من كل قلبي رؤيتك. لقد احتفظت من هذين اليومين اللذين قضيناهما معا بذكرى رائعة ، إنها تمثل أجمل الساعات ، لا في رحلتي إلى أسبانيا وحدها ، بل أعتقد أنها كذلك في كل حياتي ، هذه الساعات التي قضيتها بالقرب منك.

لأول نظرة يا سلام ، إذا كنت تذكر ، على باب الحافلة عندما كنا نبحث عن أمكنتنا فيها ، شعرت مباشرة بأن شيئا ما يجذبني إليك. وكنت جدّ سعيدة بأن يكون مجلسك إلى جانبي في العربة. كنت أتساءل دوما أثناء زيارة ألكازار.. طليطلة والكنائس إذا ما كنت سأفقدك في اختلاطنا بمجموعات السائحين الآخرين. كنت أصغي إلى أقوال الدليل وعيناي تبحثان عنك ، وبدلا من تمتعي برؤية روائع طليطلة كنت أتمتع برؤيتك أنت ، وأرى أن هذا أجمل من تلك بكثير. وحينما ذهبنا لتناول العشاء كنت قلقة وأنا أتمنى على الله أن يجعل مجلسنا الواحد قرب الآخر. ولذا فإنك تدرك مبلغ سروري حين رأيت أنك تريد أن تتعشى إلى جانبي.

كثيرون ممن كانوا معنا تصوروا أننا أصدقاء منذ زمن طويل ، غير شاكّين في أننا التقينا اليوم لأول مرة ، وربما قد لا يرى أحدنا الآخر أبدا بعد اليوم ... أليس كذلك ؟

كثيرا ما تحسن الصدف صنع الأمور. ولكن لماذا جعل الإله سورية على هذا البعد من بلجيكا ؟ إني أتوق كثيرا إلى رؤيتك ثانية يا سلام ، وأتساءل عما إذا كان هذا سيتحقق في يوم من الأيام. لعلك لن تعود مطلقا إلى أوروبا ، أو غزو بروكسل ، ومن غير المحتمل أن آتي أنا إلى سورية في ذات يوم. وحتى إذا عدت أنت إلى أوروبا ، هل ستفكر بي عندئذ؟ أم تراك ستنسى تلك الساعات التي قضيناها في أسبانيا معا ؟ من ناحيتي أنا يا سلام ، أشعر بأني لن أستطيع نسيانك بسهولة. صورتك الفوتوغرافية موجودة أمامي أتطلع إليها بصورة دائمة ، كما إن ذكراك لا تفارقني طوال اليوم. هل تدري أني حين فارقتك بكيت في القطار ؟ لقد تصورت أن مسرات عطلتي في أسبانيا قد بلغت نهايتها. وأنت لا تعلم أن هذه كانت أول مرة أرافق فيها شابا أيام العطلات...

ما زلت أتذكر جيدا كل لحظة عشناها معا. في العودة ، أمضيت نهارا كاملا في مدريد. تجولت في الغرانبيا ، وزرت مرة أخرى بحيرة نبتون ، ودائرة البريد ، حيث التجأنا أمدا طويلا في انتظار توقف المطر عن الهطول. كنت في أحسن حال بقربك يا سلام آنذاك، وكنت أحس بأني أعرفك منذ زمن طويل. وأنا الآن أفتقد تلك الساعات كثيرا. ذهبت بعد ذلك إلى الحديقة العامة. مرة أخرى رأيت البحيرة والمقهى الصغير ، ومعه جنرالنا في تمثاله. وحتى تلك الشجيرات التي رأيت أنت من خلالها القمر بكل بهائه. عادت إلى ذاكرتي الأمنية التي تمنيتها أنا آنذاك ، وكذلك أمنيتك أنت يا سلام عادت إلى خاطري. كانت جميلة جدا أمنيتك...

فوجئت بها حقا. تأثرت واضطربت ، وسعدت بها. في كل حياتي لن تقع عيني على القمر بدرا إلا وفكرت بك ، وبأمنيتك و بذلك المساء في أسبانيا.

في رحلتنا إلى طليطلة كنت ، في العودة ، أتمنى أن تصاب حافلتنا بعطل طارئ ، أو تتعرض لحادث يؤخرنا عن العودة إلى مدريد . فقد كنت أتوقع أن تكون مدريد نقطة تفرق ركاب الحافلة. وما كنت أدري إذا كنت ترغب في رؤيتي في المساء. ملهانا " التابيرنا خيتانا " كان كذلك رائعا ، أندلسيا وصفيّا ، لم أر ما يماثله بعد ذلك ، وإن كنت سمعت في غيره من الملاهي أغنية " سيرّانا "... هل تذكر؟ لقد أحببت ذلك المغني الأسباني الصغير القد وأغنياته الفلامنغو. ولكني أحببت أكثر بكثير رفيقي الذي كان يفوق في نظري كل المغنين الأسبان ، والآخرين أيضا.

هل تدري يا سلام ؟ بعد أن تركتك رحت أبذل جهدا كبيرا لئلا أكتب إليك كل يوم كما كنت أكتب لوالديّ.

كنت في شوق زائد إلى أن ألقاك مرة أخرى ، وبالكتابة أحس بأني أتحدث إليك. وإنما كنت أخشى أن تعتبرني بذلك مجنونة. لذلك لم أجرؤ على أن أفعل. ولكني في مراكش ، وعندما رأيت العرب وكتابتهم في كل الشوارع ، لم أفكر بإنسان غيرك أنت الذي تفهمهم. أدركت هناك أكثر مني في أي مكان كم لا أزال متعلقة بك.

أختم الآن رسالتي إليك متمنية أن تتلقاها وأنت مستغرق في عملك ، وأنت تجد مع ذلك وقتا تفكر فيه بأوروبا ، وبي أيضا. أكتب لي بسرعة رسالة طويلة. إني أنتظرها بصبر نافد. أرسل إليك أجمل ذكرياتي ، مع قبلة ضخمة ... أترى هذا مسموحا به؟

جوليين

- 4 –

صيف 1952 : مع جوليين بيترز في فوريه ، ببروكسل

صيف 1955 : في باريس.

صيف 1957 : في حلب  دمشق وبيروت.

صيف 1978 : مع جوليين بيترز سنيكرز وابنتها آني سنيكرز في بروكسل.

- 5 –

صيف 2000

السيدة آني سنيكرز. فيليب دلتور وابنتهما أورور

 أسرات : بيترز ، سنيكرز ، ووترز ، دلتور ، وشورمان

 يؤلمهم أن يعلموكم مع الأسى العميق وفاة السيدة جوليين بيترز أرملة السيد جوزيف سنيكرز. ولدت في فوريه في 10 آب 1922 وتوفيت فيها في 8 أيار 2000 .

تقام مراسيم الجنازة المدنية في الساعة الرابعة عشرة من يوم الثلاثاء في 16 أيار ، في محرقة فيلفورد ، في حي ( هافنداكلان ) ، ويتبعها إحراق الجثمان ، وبعثرة الرماد.

* هذه القصة منشورة في رؤى ثقافية – العدد ( 5 ) ، 27 أيلول ، 2003، دمشق.

--------------------------------------------------------------------------------------------------------

أضيفت في 01/11/2006/ خاص القصة السورية /  المصدر/ الكاتب: صالح الرزوق (لقراءة دراسات حول أعمال العجيلي)

 

 

اللوزة وحبة الملبس

 

حدث هذا منذ بضع سنوات .

كنت أسير في جادة الصالحية ، في دمشق ، فحاذيت على الرصيف فتاة في مقتبل العمر جذبت اهتمامي بما تلبسه بأكثر ماجذبه مشوق قدها وجمال طلعتها ، وما كان هذان هينين ، كانت تلبس جنزاً أزرق من الذي أقبلت الفتيات في ايامنا ، وفي سائر مدننا ، على ارتداء مثله كلون طاغ من الموضة .

ولكن جنز هذه الفتاة كان ضيقا في تفصيله ، شديد اللصوق بأعضاء جسدها ، ناطقاً بإنثناءات ذلك الجسد وتعرجاته ، يكاد يتفزر في بعض انحائه كاشفاً عما يستره . لم يكن امامي الا ان اهز راسي وانا اعجب من هذا الالحاح في ارتداء المفرط في الضيق من اللباس .

تجاوزت في مشيتي الفتاة التي ماكانت مستعجلة في سيرها ، الا انها حاذتني مرة ثانية عندما توقفت انا امام واجهة مكتبة في الشارع متطلعا الى الكتب المعروضة وراءها . لاحظت انها قطعت سيرها ، ووقفت الى جانبي ، ثم راحت تحدثني بعد ان حيتني وسمتني باسمي . اضافت الى تحيتها سؤالها عن حالي ، ثم قالت : لم نرك منذ زمن طويل . لم تعد تمتعنا بسماع محاضراتك ، وحتى كتاباتك اصبحت قليلة في الصحف والمجلات ... هل كنت غائبا عن البلاد ، مسافرا ؟

اذا هذه الفتاة ، المفرطة في اناقتها العصرية ، تعرفني جيدا وان كنت لم اثبت لها معرفة . هي دون ريب احدى المستمعات الى احاديثي في المنتديات الثقافية ، واحدى القارئات لكتاباتي ، وليس من المفروض ان تكون لي بها وبامثالها معرفة شخصية .

شكرتها على عبارات الثناء التي راحت تسوقها لي وانا اتملى ، عن قرب ، في مجالي اناقتها التي ذكرت . واتسعت ابتسامتي فجأة . لاحظت هي ذلك فقالت لي:

ـ أراك ابتسمت !

قلت انا :

صحيح .

وسأقول لك بصراحة لماذا ، وعليك ان تتحملي ماأقوله .

ابتسمت الفتاة بدورها وقالت :

سأتحمل .

تفضل وقل .

قلت :

حين مررت بي منذ قليل لفت نظري منك شيء ذكرني بحكاية لأحد أعمامي ، كنت أنوي روايتها لأول صاحب التقي به في طريقي . لم أعثر حتى هذه اللحظة على أحد من أصحابي ، لذلك فكرت بأن أرويها لك .

قالت ، ونحن لانزال وقوفاً أمام واجهة المكتبة : هذا يسرني .

أنا معجبة دوما بحكاياتك في محاضراتك .

قلت لها :

نعم .

لي ياآنستي في الأسرة عم متقدم في سنه . هو لايقيم معنا في بلدتنا الصغيرة ، فقد فضل أن يضل فلاحاص ريفياً يقيم في قرية للأسرة بعيدة عن البلدة ، يدير أمورها ويتولى فيها أعمالها وأعماله الزراعية . وان كان بين الحين والحين يجيء الى البلدة زائرا أو متفقداً أقاربه فيها . ولطول اقامته في الريف أصبحت له عقلية الريفيين الساذجة ومفاهيمهم البسيطة .

حتى اسمه أصبح غريبا بين الاسماء بريفيته المفرطة . اسمه ( علاص ) !

في ذات مرة ، وفي احدى زياراته للبلدة راح يحدثنا عن امور لم يدرك كنهها من امور المدينة .

قال :

هناك اشياء تبدو من الغرابة بمكان ، ولكن اذا عرف السبب فيها بطل العجب .

السيارة مثلا . صحيح انها معدن جامد . ولكن تركب لها عجلات ويسكب في خزانها بنزين ، ويدار دولابها ، واذا هي فر .... فر ... وتمشي !

وكذلك الطيارة . وانما هذه يركب لها اجنحة ، فتطير .

كل هذه امور فهمتها ، على الرغم من غرابتها . هناك شيء واحد في الحقيقة لم أفهمه ...

كانت الفتاة مصغية الى ماأحدثها به بكل اهتمام . استندت بكفها بعض الشيء على زجاج واجهة المكتبة ، وقاطعتني بقولها :

ـ ماهذا الشيء الذي لم يفهمه عمك ... عمك الذي اسمه .

قلت : اسمه علاص .

قال لنا عمي علاص انه فهم كل الاشياء التي تبدو للآخرين عسيرة على الادراك . ولكن شيئا واحدا لم يستطع فهمه ، هذا الشيء هو كيف ... كيف استطاعوا ان يدخلوا اللوزة الى جوف حبة الملبس ، اعني الى الملبسة الحلوة ؟!

انطلقت ضحكة قصيرة من فم الفتاة المصغية الي ، ثم سكتت كالمنتظرة تتمة كلامي .

قلت انا :

ـ حكاية مضحكة ربما . ولكنني تذكرتها حينما وقعت عيني عليك في أول الجادة ياآنسة ، فتساءلت وأنا أرى شدة حصر هذا الجينز الضيق لجسمك تساؤل عمي علاص : كيف استطاعوا ادخال اللوزة الى الملبسة ، وكيف استطعتي انت ادخال جسدك في هذا الجينز الذي تكاد خياطته من ضيقه عليك تتقطع وتتفزر ؟!

رأيت وجه الفتاة امامي يتورد بشدة ، وقد ادركت ماوراء حكايتي وتساؤلي من استنكار . تلجلجت الكلمات على لسانها في البدء ، ثم لم تلبث أن أفصحت قائلة :

ـ ماذا نصنع يادكتور . الطعام يزيدنا بدانة ، والثياب تضيق وتنكمش بالغسيل !

وانثنت كالخجلى مسرعة في الابتعاد عني ، مكتفية برفع يدها الي في وداعها لي ...

 

 

 

جيران العيادة

 

في إحدى المجلات الطبية الأمريكية التي كنت أقرأها كان إعلان دائم يدعو الأطباء القراء إلى تسجيل الطرف التي تمر بهم في عياداتهم، أو في تعاملهم مع مرضاهم، وإرسالها إلى المجلة لقاء مكافأة مائتي دولار لكل طرفة تراها المجلة صالحة للنشر وتنشر فيها.

كنت أحدث نفسي كلما وقعت عيني على ذلك الإعلان بأني قادر على أن أجني بضعة آلاف من الدولارات لو أنني سجلت ما مر بي من طرف في عملي الطبي في السنين الطويلة التي مارسته فيها، ولا أزال أمارسه، في عيادتي الريفية وفي بلدتي النائية.

غير أن أمرين على الأقل كانا يحولان بيني وبين أن أقدم على تنفيذ ما كانت نفسي تحدثني به في هذا السبيل، أول الأمرين هو عدم وثوقي من قدرتي على التعبير بلغة إنكليزية مناسبة للحكايات التي أسجلها، إذ إسن لغتي الأجنبية التي أحسنها هي الفرنسية لا الإنكليزية، والأمر الثاني هو شكّي من أن ما أراه أنا ومن حولي وقراء العربية مستساغاً وطريفا في تلك الحكايات لن يكون له الوقع نفسه عند زملائي الأمريكيين من محرري المجلة وقرائها.

لذلك آثرت أن أوفر على نفسي كتابة الطُّرف الكثيرة التي أجدها تصلح للنشر، وأن أبثها بين الحين والحين في أحاديثي وفي مقالاتي في الدوريات وفي محاضراتي في المحافل الثقافية.

من هذه الطرف أروي هنا اثنتين تتعلقان، لا بعيادتي نفسها مباشرة بل بأطرافها، أعني بجيرانها، تعود الأولى إلى أول سني ممارستي مهنتي، منذ ما ينوف على خمسين عاما، إلى جانب عيادتي كانت، ولا زالت، تحتل البناء المجاور إدارة مصلحة التبغ الحكومية، التي تستورد ألوان أصناف التبغ من المدن الرئيسية في بلادنا وتبيعها للمواطنين عندنا بالجملة، منذ خمسين عاما لم يكن سكان منطقتنا بكثرتهم اليوم، ولا كان التدخين فاشيا فشوه اليوم، كان من صالح إدارة التبغ أن يكثر المدخنون لتكثر أرباحها، وفي ذات يوم جاءني زائرا عيادتي مدير تلك الدائرة جارتي، وبيني وبينه شيء من القرابة، وقال لي ضاحكا: يا فلان، إقناع المرضى الذين يقصدونك بأنك طبيب غير حاذق، وأشجعهم على أن يهجروك إلى الطبيب الآخر في بلدتنا ابتسمت وأنا أسمع هذه الكلمات من جاري، وقلت له: خير إن شاء الله يا خال.. ما الذي يدفعك إلى أن تفعل هذا ضدي؟ قال: يدفعني إليه ما تقوله لكل مريض يفد عليك، أو لمعظم مرضاك، مشيرا عليهم بأن يهجروا التدخين هجرا باتا إذا أرادوا الفائدة من مداواتك لهم، إ