أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 11/02/2010

الكاتبة: منهل السراج-السويد

       
       
       
       
       

 

كما ينبغي لنهر-رواية

نماذج من أعمال الكاتبة

بطاقة تعريف الكاتبة

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتبة

 

•روائية سورية، من مدينة حماه. بكالوريوس في الهندسة.

•مقيمة في السويد منذ عام 2006.

•لديها أبحاث عديدة في تاريخ العلوم التطبيقية عند اليونان والعرب، خاصة علم الحيل "الميكانيكا"، شاركت بها في عدة ملتقيات ونشرت في مجلات عربية تختص بهذا الشأن، مثل مجلة الرافد الإماراتية.

 

•كتبت العشرات من المقالات التي تهتم بالشأن السياسي والاجتماعي والديني.

•تقدمت بطلب انتساب لاتحاد الكتاب العرب في سوريا، فرفض طلبها لأسباب سياسية.

•عضو اتحاد الكتاب السويدي منذ عام 2006.

 

الأعمال المطبوعة:

•مجموعة قصصية بعنوان "تخطي الجسر" 1997. فازت قصصها بأكثر من جائزة عن جهات مختلفة.

•رواية بعنوان "كما ينبغي لنهر" فازت على مستوى الوطن العربي، بجائزة الرواية، المركز الثالث، عن دائرة الثقافة بالشارقة لعام 2002. كانت منعت من النشر في سوريا عام 2000، لأنهم اعتبروها تتحدث بلغة الرمز عن أحداث حماه 1982. صدرت عام 2007 بطبعة جديدة عن الدار العربية للعلوم ناشرون بالتعاون مع مكتبة مدبولي.

•رواية بعنوان "جورة حوا"، صدرت عن دار المدى عام 2005.

•رواية بعنوان " على صدري " صدرت عن دار قدمس، دمشق 2007. 

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتبة

تخطي الجسر

على ورق الورد

حنان الكلب

آخر العنقود وعروسه

كوثر

خصوصا النساء

 

 

آخر العنقود وعروسه

 

بعد رجاءات أمي المتكررة، وافق أخي الصغير أن يتزوج. أخي هذا مدلل كثيراً، ولدته أمه بعد خمس بنات، أتى بعد غم ويأس شديدين، كانت سلفة أمي تعيّرها بأنها تلد البنات فيما هي تلد الصبيان، وكان أبي يحاول أن يعزي أمي فيقول متفاخراً: بناتي لسن بنات، بناتي رجال. فتجيبه أمي بتوتر: بكرة شوف ما أحلاهن. وظلّت تحلم بالصبي وبالصلاة على النبي، إلى أن أتى المحبوب، آخر العنقود وظل أخي هذا بعين أمه أحلى الحبات.

فرحت أمي حين قدومه فرحة لم تغادرها حتى اليوم، كل يوم تفرح به، رغم أنه صار في الخامسة والثلاثين. إلا أنه مازال الصغير الذي يُفرح الجميع.

تفرح أمه بقدومه وتفرح بذهابه، تفرح به حين يأكل، وحين ينام. تفرح بكل مايقوم به، رغم أن معظم ما يقوم به لا يرضيها، فهو يدخن، و يبذر المال، ولكنها تفرح حتى حين يكذب عليها ويتضاحك، لأنها تكتشف كذبه. ونحن أخواته نفرح بفرح أمي العجيب.

وأنا بالذات ابنتها الرابعة انهمكت أفرح لفرحها لأنها لم تكن تفرح بي ولاترضى عن أي شيء أقوم به وإن كان يرضيها. قالت إنها حزنت أشد الحزن حين ولدتني أنا الرابعة أكثر من حزنها بقدوم أختي الخامسة وظلت متشددة بتربية البنات حتى انتهت من تربيتي، وانهال الدلال كله على الأخت الخامسة والأخ الصغير..

وهكذا وزعت الأدوار في البيت، نصيب أخي وأختي ونصيبي.

ألتقط حبة الكوسا السليمة وبدون طول تفكير أضعها في صحن أخي، وآخذ لنفسي المفزورة، فترضى أمي أن البيت في نظام تام. 

وافق أخي المدلل أن يتزوج. امتلأ البيت بهجة وصخباً، وتجندت البنات الخمس مع الأم، وصرنا ستة نبحث عن عروس لأخي الصغير، كانت كل منهن ترغب بعروس على شاكلتها أو حسب ميولها، وأخي الصغير المعجون بحب أمه وفرحها ودلالها، لم يعترض على أي عروس اقترحتها أخواته.

عرضت أختي الكبيرة رأيها، صبية تعمل طبيبة معها في المشفى، أهلها متوسطي الحال ومن عيلة معروفة وأوادم، قالت أختي الكبيرة والواعية: مثل أحوالنا.

وافق أخي على الطبيبة.

أما أختي التي تليها والتي درست التجارة وتعمل موظفة في البنك، فقد فضلت ابنة مدير البنك وقالت، رغم أن أبو البنت نهب البنك نهباً، إلا أن أمها ست طيبة ومن عيلة منيحة، وابنتها المهندسة مثلها، ثم، للأب رغم فساده اسم لايستهان به في البلد، فقال أخي راضياً: الناس جميعاً صاروا إما فاسدين أو مفسدين. قالت أختي: طب الطنجرة.. وبتطلع ان شا االله البنت لأمها، قال أخي مازحاً وموافقاً على العرض: أحسن تطلع لأبيها.

أما أختي الثالثة التي أحبت ابن خالتها وتزوجته ومازالت تحبه ويحبها وتحب كل من حوله ويحبونها، فقد قالت: علينا أن نختار بنتاً لأسرة محبة لبعضها وليس مهماً أن تكون، يعني كتير فوق.. 

ثم اقترحت ابنة أخت زوجها. وافق أخي قائلاً:

ـ اي البنت ناعمة.

وحين جاء الدور عندي، "سياسة وثقافة وحقوق المرأة" تهمة العيلة ضدي، نظروا إلي بريبة، فخشيت أن أقول مقترحي فتمتعض أخواتي وأمي ويسكتنني كما يفعلن عادة، لذلك أخذت أخي على جنب وأشرت عليه بابنة رائدة من رائدات تحرر المرأة، ورغم أني رأيته يكبت ضحكة، إلا أنه وافق أيضاً وقال لي لامانع عندي، هذه الفتيات عادة قويات ويمكن الاعتماد عليهن في مسؤوليات الحياة. ثم قال لنفسه مازحاً: أقفل الراديو.

أتى الدور على أختي الصغرى الحلوة وهي رفيقة أخيها المقربة وقد نالت بمعيته جزءا كبيراً من الدلال لأنها تكبره فوراً. تزوجت رجلاً من أغنى العائلات على حد قول نسوان الحارة. اقترحت أحلى بنت في المدينة وابنة أغنى رجل. وافق أخي ضاحكاً:

ـ كاملة مكمّلة.

وهكذا كل يوم، أهمس له ببنت جديدة من بنات نساء الثقافة والشؤون، وأخواتي يصرّحن بمقترحاتهن وأخي يوافق على كل العروسات، حتى بلغ العدد عشرين فتاة.

قررت أمي وبعد أن وافق أخي على كل العروسات المقترحات أن تبدأ بخيار أختي الصغرى، فإن وافق أهلها فإنها ستغنم بابنة أشهر وأغنى عائلة، بالإضافة إلى أن البنت مرباية، وستنهي أمر خطبة عشرين بنتاً.

طلبوا يد البنت من الزيارة الأولى. واعتذر أهل البنت فوراً قائلين إن البنت خطبت منذ أيام قليلة واشتكت أمها أنها تعبت من كثرة الخطابين.

امتعضت أختي الصغرى، بل رجعت إلى البيت باكية، وقالت لي هامسة: أخشى أن البنت غير مخطوبة لكنهم يرفضون أخي الصغير. واسيتها وأجبتها بأن البنت وأهلها لايناسبوننا. فصاحت في وجهي: ولماذا؟ هل تعتقدين أنهم أحسن حالاً منا؟

لم يأت دور البنت التي اقترحتها أنا على أخي سراً، بل تجاوزوني مباشرة وطلبوا البنت قريبة أختي الثالثة.

لكن الجماعة أهل البنت أرسلوا يقولون: البنت ستكمل تعليمها. وزعلت أختي من زوجها الذي تحب وزعل زوجها من أخته وزعلت أخته من ابنتها التي رفضت بحجة إكمال التعليم. قالت أختي الثانية: تمشي البنت مع واحد بالجامعة. ضحك أخي قائلاً: البنت حبّيبة!

وجاء دور بنت صاحب البنك، ذهبت أختان مع أمي.

رجعن منشغلات بالحديث عن عفش البيت، ثريات وتحف. وقضين كل السهرة في وصف الجخ الذي تعيش البنت فيه. سألتهم في آخر السهرة: ولكن هل خطبتم البنت؟ اختصرت أختي الجواب بكلمة واحدة: مافي نصيب. وغصت أمي.

فضحك أخي كعادته غير مكترث بشيء، ففرحت أمي.

وبالفعل طلبوا الطبيبة الآدمية زميلة أختي بالمشفى، ولكن وبعد انتظار دام أكثر من أسبوعين، اعتذروا بجواب الكلاّ، بالحقيقة لم يعتذروا، رفضوا بفجاجة قائلين: ابنكم يسهر. صدمت أمي: ابني يسهر؟. كل منا فكرت صامتة: هل يشرب أخونا؟ هل يحضر برنامج الرقاصة؟ لكن لم تكثر التساؤلات، ضحك أخي كثيراً، ورجعت فرحة أمي به تنظف كل الهواجس والوساوس.

بعد انتظار وضيق أوشك أن يخلّف يأساً ويقلل بهجة أمي اليومية بأخي، مشي الحال، وتزوج أخي بنتاً فيها مواصفات البنات التي توافق الأم والأخوات. بنت عيلة وحلوة ومتعلمة، وزغردت أمي ليلة عرسه، كان أمامها العريس المهندس والعروسة المهندسة، وإلى جانبها بناتها الدكتورات: "نحن الدكاترة نحن المهندسين.. نحن قماشنا غالي ومترو بألف وعشرين" كانت زغرودة جديدة، صاغتها بنفسها ولم تجلب فيها سيرة الكاتبات.

كانت العروس مدللة مثل أخي الصغير. حتى أنه صار على أخي أن يدور كل يوم بسيارته ساعة كاملة ليبحث عن نوع الشيبس الذي تفضل مع مسلسل المساء. ولكن لا أدري لم تنصّلت أخواتي كلهن، وكل منهن أعلنت: لا لست أنا من اخترتها لأخي..

ولأني كنت أهمس بمقترحاتي همساً، فقد توجهت الأنظار إلي واتُهمت أني أنا من اخترتها. ووقع علي واجب تدليل عروس أخي بالإضافة لتدليل أخي.

في آخر غداء كوسا، وضعت الحبة الجيدة في صحن أخي، هممت أن آخذ التي تليها لي، فأمرتني أمي مقطبة: ضعيها في صحن زوجة أخيك. 

التقطت كل الكوسايات المفزورات التهمتها دفعة واحدة، وارتحت.

ستوكهولم 20 أيلول _ سبتمبر

أضيفت في 04/12/2008/  خاص القصة السورية /المصدر: الكاتبة

 

 

حنان الكلب

 

 

كنت أتجول في السوق حين اتصل صديق يخبرني أن جارته السويدية من باب رفقها بالحيوان، أخبرت الجهات المعنية أن أرنبته مريضة وليس لديه وثيقة ضمان صحي لها، كما أضافت مستاءة أنه لم يقم بعرضها على طبيب بيطري.

رغبت ابنته الصغيرة في الصيف أن تعتني بأرنبة، اشتراها لها من دون أن يفكر بعواقب ومسؤولية ذلك.

قال غاضباً:

ـ الآن ماذا أفعل إذا ماتت الأرنبة؟ سوف أعلق بالمحاكم، ألم تسمعي بالذي حدث مع صديقنا حين أطعم كلب جاره "عضمة"؟

سمعت أن فلاناً كان قادماً من بلادنا حديثاً، أودع جاره السويدي كلبَه لديه، ليوم كامل. قام الرجل من باب العطف والكرم، برمي "عضمة" من بقايا طعامه للكلب، كما نفعل مع كلابنا العربية، لكن الكلب الأوروبي بعد قطعة العظم، مرض ونقل إلى الإسعاف وعلق صاحبنا مع جاره علقة لم تنته إلا بتغيير بيته ودفع غرامات جهله بأسلوب التعامل مع الحيوان.

أغلقت الهاتف متمنية لأرنبة صديقنا الشفاء العاجل.

دفعنا ثمن كيس الشيبس الذي اختاره ابني في اللحظة الأخيرة من خروجنا من السوبر ماركت. آثر أن يحتفظ به في يده، ونحن نتمشى إلى البيت. فتح الكيس وهمّ أن يأكل منه حين رأيت عليه صورة كلب ضاحك وسعيد، شهقت ولكن قبل أن أسحبه من يده، كانت معلمة ابني في الروضة للمصادفة تمشي وراءنا. اقتربت بهدوء وبرود وقالت هامسة:

ـ هذا الذي تأكله هو طعام للكلاب، ثم أضافت لتلميذها/ ابني، ناصحة: عليك أن لا تختار من رفوف طعام الكلاب والقطط وبقية الحيوانات. 

 

ركض ابني بسرعة كعادته ولحقت به أتبع خطاه لاهثة.

يركض هذا الولد غير عابئ بوجود كلاب تتنزه أحياناً بدون حبل صاحبها، ذلك لأنه يحب الكلاب ولا يخافها، أما أنا فأحب الكلاب مثلما أحب كل مخلوقات الله، لكني أخافها..

كنت أحسب كم أحتاج أن أسرع كي ألحق به قبل أن يصل إلى الشارع، حين تقافز كلب بحجم الفيل بسرعة هائلة هاجماً باتجاه ابني، لحظة من الزمن، رأيت ابني يطير في الهواء بضعة أمتار ثم يرتمي أرضاً يبكي، ودمه ينزف من أنفه. كان من الصعب التفكير بتعقل، لذلك لم أركض باتجاه ابني، جلست على الأرض وتناولت هاتفي كي أتصل بالإسعاف. اقترب صاحب الكلب/ الفيل متسائلاً بلطف بارد:

ـ هل أنت بخير؟

سألته بضعف:

ـ هل هذا كلبك؟

أجاب ضاحكاً:

ـ نعم، أراد أن يلاعب طفلك، كلبي عمره ستة شهور، وهو يحب الصغار بعمر طفلك، ويحب اللعب معهم، لا تحكمي عليه من خلال حجمه إنه مازال صغيراً..

فكرت: "وكيف سيصبح حجمه إذن حين يكبر؟"

أخذ مني هاتفي ليشرح لموظفة الإسعاف أن كلبه كبير الحجم نعم لكنه لطيف جداً ويحب اللعب مع الصغار.. فهمت أن موظفة الإسعاف اكتفت بسؤاله إن كان كلبه ملقحاً ولديه شهادة طبية، أخذت بعض الأرقام، وأغلقت الهاتف. 

التفتُّ إلى ابني فوجدته يمسح دم أنفه بكمه ويركض وراء الكلب.. استدرت إلى الشاب ولم أعرف بم أوبخه إلا بقول:

ـ نحن لا نفهم الكلاب..

فهز رأسه متفهما وقال:

ـ هذا واضح عليك. 

ـ عليك أن تربطه..

أجابني معاتباً:

ـ إنه يحب الركض كطفلك، يحب الحرية.

متراخية الأطراف حملت طفلي ومضيت إلى محطة الميترو. طفلي يفضل المصعد على الأدراج، طلبت المصعد منصاعة له، ووقفنا ننتظر وأنا أعنّفه لأنه لا يقبل الصعود على الدرج، وما إن وصل المصعد حتى خرج منه كلب مع صاحبه، وشمشم أقدامنا كالعادة، وما إن دخلنا وأوشكنا أن نضغط زر الصعود حتى قفز كلب آخر ودخل المصعد، لحق به صاحبه منصاعاً وراح يعنّفه، لأنه فضل المصعد أيضاً عن الدرج. كان الكلب غير مكترث بتعنيف صاحبه، كان مستعداً للانقضاض علي، لأنه لمح مني نظرة عداء حين صرت معه في متر مربع واحد.

أخذنا مقعدنا المناسب، كانت معظم الملصقات في القطار التي تروج لبضاعة أو لأمر ما، أبطالها من القطط والكلاب والخنازير الوردية.

ازدحم القطار في المحطة التالية، وجلست بجانبنا صبية لا تتجاوز الثانية عشرة، معها كلب مدلل ناصع البياض، كانت مستمتعة بصحبتها له وتبدو كالصور التي كنا نراها في المجلات، بيدها هرم من الآيس كريم، راحت تلحس منه وتتقاسمه مع كلبها، لحسة لها ولحسة له. لحسة للكلب ولحسة لها، ثم نظرت إلى ابني بلطف، وابتسمت.. وقع قلبي، خشيت أن تشركه لحسات الآيس كريم، فركضت تاركة القطار في المحطة التالية.

حدائق كثيرة ومروج واسعة ولنا الحرية باختيار مكان مناسب للعب، لكن ابني آثر بقعة مسورة لم نجربها من قبل ولم يخطر ببالي أن أقرأ ما هو مكتوب على بابها.

دفعنا باب السور ودخلنا كما نفعل عادة في كل الأماكن، وما إن قطعنا مسافة من ممر مزين بالورود والعرائش حتى وصلنا إلى هضبة حسبتها الجنة، لشدة نضارة مرجها، كنت أهم أن أرتاح على هذا المخمل، حين راح يتقافز في وجهي عدد من الكلاب، من كل الأنواع والألوان والأشكال وأصوات العواء..

هذه المرة لم أنتظر أن آخذ ابني معي، تركته مع الكلاب وهربت إلى الخارج.. حين تلفت ابني ولم يجدني، لحق بي باكياً لأني لم أمكث كي نشاهد ونشارك أصحاب الكلاب استعراض كلابهم. نظرت في لوحة المدخل وإذا هي مكان مخصص للقاءات الكلاب ولتحريرهم ولهوهم و تدريبهم.. 

عدنا أدراجنا. أجبرت ابني أن نترك الميترو، حتى لا يجبرني على أخذ المصعد واحتمال مشاركة كلب مساحة المتر المربع الواحد، ومضينا إلى موقف الباص.. ابني يحب المقعد الأخير الطويل من الباص، لأنه أكثر علوا من بقية المقاعد ويهيئ له إطلالة أوسع. كنت أستغرب حين أجلس في هذا المقعد أن فرشه دائما أكثر استهلاكاً من المقاعد الأخرى، وكنت أحلل الأمر أن الأطفال يحبون المقعد الأخير ويقفون بأحذيتهم مثل ابني ليطلوا من الشباك مما يؤثر على مخمل المقعد.. رحت أرقب المواقف والناس وأحمد ربي أن أصحاب الكلاب لا يفضلون الباصات كثيراً للتنقل.

صعدت امرأة مسنة وجلست إلى جانبي، شقراء ومسبقة الجمال، كنت أحدق في شالها شديد الأناقة وتسريحة شعرها ومعطفها الفخم وبروش ياقتها وصباغ أظافرها وخاتمها، ثم في سلة تحملها، مصنوعة من القش غاية في الذوق مفتوحة الغطاء، ومبطنة بكتان سكري اللون نظيف وجديد، رحت أخمن ما محتوى السلة، حين قفز كلب صغير من داخلها، شهقت من دهشتي.. أعادته ضاحكة إلى سلته، وسمحت لوجهه فقط أن يطل. منعت ابني الذي شده كلب السلة من أن يستثيره. راحت تحدثني كيف أنها للتو اقتنت الكلب. قالت تشكي همّها:

ـ لدي في البيت ثلاثة كلاب، وأنا لا أستطيع العناية بهم جميعاً، لا أستطيع أن أخرج بثلاثة كلاب كل يوم للنزهة.. واليوم صاروا أربعة.

فاقترحت عليها أن تخرج كل يوم مع واحد.

أجابتني مستهجنة اقتراحي:

ـ يجب أن يخرج كل كلب مرتين للنزهة في اليوم.

فسألتها:

ـ وماذا تفعلين؟

ـ أدفع نصف مرتب تقاعدي للروضة.

ـ هل لديك أطفال؟

أجابت مصححة ومستنكرة أني لا أفهم:

ـ روضة الكلاب. وأشارت بيدها إلى الشارع الذي تسكن فيه وفيه روضة كلابها.

سألتها:

ـ وإذا كنت متعبة من رعاية ثلاثة كلاب، لماذا اشتريت هذا الرابع الآن؟.

لم يعجبها كلمة شراء، قالت:

ـ كنت أتمشى، حين رأيته في "الفترين"، كان ينظر إلي بشكل مؤثر جداً، كأنه يدعوني لأخذه من مكانه، أضافت وقد كادت أن تطفر الدموع من عينيها: لم أستطع أن أقاوم نظرات استعطافه، لذلك اشتريته.

قفز الكلب مرة ثانية باتجاهي، فصحت كاذبة:

ـ لدي حساسية من فراء الحيوانات.. أرجوك أمسكيه.

قالت:

ـ إذا كان لديك حساسية من فراء الكلاب، لماذا تجلسين في المقاعد المخصصة للكلاب؟.

تبين أن المقعد الطويل الأخير من الباص مخصص للكلاب.

حملت ابني وتركت الباص للكلب وصاحبته.

 

ذهبت ليلاً لزيارة صديقة سويدية. فتحت الباب حاضنة كلبها، وأقبلت تعانقني كعادة السويديين، فهم لا يفضلون القبلات. صار الكلب بيني وبينها وصار علي أن أعانق الكلب قبل أن أعانقها. أوشكت أن أبكي، قلت متعبة من كذبة مرض الحساسية:

ـ كلبك جميل جداً، لكن لدي حساسية من الفراء..

شهقت، وراحت تسألني عن الأدوية التي أتناولها من أجل ذلك، لم أعرف بم أجيبها، فقلت:

ـ نسيت اسم الدواء.

استهجنت:

ـ كيف تنسين اسم الدواء الذي تتناولينه منذ طفولتك؟

طلبت إليها أن تضع كلبها في غرفة جانبية لأني أريد أن أصارحها أمراً خطيراً.

قلت لها:

ـ في الحقيقة ليس لدي حساسية من فراء الحيوانات، أنا أخاف من كل الحيوانات، حتى الصرصار.

نظرت إلي باستغراب وحزن:

ـ لكن كلبي لطيف جداً.

وذهبت كي تحضره مرة ثانية. جلست أمامي وراحت تتبادل القبلات مع بوز الكلب، وتشهدني على مدى لطفه.

قالت:

ـ يجب أن لا تحرمي نفسك من حنان الكلب.

ـ الكلب هو كلب بياعة الحليب الذي كان كل صباح يعوي ويركض ورائي وكنت كثيرا ما أرمي السطل بما فيه من يدي وأنال توبيخ أمي فوق خوفي منه. وهو ذاك الكلب المتوحش الذي لحق بأختي وهي ذاهبة إلى عيادتها في تلك الضيعة النائية، عوى وركض وراءها مسافة طويلة مما جعلها تغلق عيادتها عاما كاملا تجتر هلعها من ذلك اليوم. الكلاب تعني تلك المشردة التي ستعضنا وتنقل إلينا الأمراض وهو أقوى شتيمة يستخدمها الناس حين يتقاتلون.

بحت لها بصورة الكلب عندي. أشفقت صديقتنا السويدية علي كثيرا، ومضت إلى الهاتف، ومن دون أن تستشيرني، اتصلت بصديقتها الطبيبة النفسية الشهيرة، وراحت تحجز موعدا لي لزيارة الطبيبة كي أتعالج من عقدي وأدخل عالمهم المتحضر وأنال حقي من حنان الكلب.

أضيفت في 04/03/2008/  خاص القصة السورية /المصدر: الكاتبة

 

 

على ورق الورد

 

هكذا.. ستقترب منه حتى تختلط الأنفاس والرائحتان، حتى تلمح زغب الوجنتين والجبهة، وترى بقايا منه في زوايا العينين، عند أطراف الشفتين المختبئتين في دغل رمادي تطل منه الشفة السفلى سخية عذبة:

ـ مي..

انطلق اسمها ليوقف الدنيا من حولها. لما ترف العين بعد، لما تتبادل الهواء مع المحيط بعد، لن تبتلع ريقها.

للأنامل سطوة، ولتلك العاطفة هيبة سكرى، تتسمر أمامها، تعيد ترتيب ما فزع وهرب منها. إنه الحب صاحب النظرة الأولى، إنه هو من انتظرت دون أن تنتظر. تحرك هدباه في دعوة أخرى.

أخذت حصة من الهواء، دبق، ثقيل، بنفسجي اللون.

ـ أحبه

ستختلج ثنيات خده في شبه ابتسامة تتسمّر أمامها مرة أخرى. يدهشها بكل ما فيه. سوف يندس في لمحة كالهواء في مطوى العنق، يلفحها برغبة عتيقة.

مالت برأسها تخبئ لوناً لم تصنعه.

سيقبّل المعطف أولاً..

لن يكتفي بقبلة القماش الأسود. فالرغبة تمور في العنق والكتفين والساعدين المتمددين بأرستقراطية تنتظر من ينتهكها.

سوف يعانقها أولاً، يشبك أصابعه بأصابعها، يضغطها، ثم يرفعها إلى شفتيه. يغمض عينيه وبابتهال يقبلها إصبعاً، إصبعاً، لافحاً يدها بأنفاس دافئة، تنحدر هسهسة اللمسة والقبلة إلى الثنايا، إلى باطن الكف التي تحتوي، على مهل، خده، فتسترخي شعيرات السالفين في اطمئنان، حالمة باللمسة الأبدية.

ـ ألن نجلس؟

سيجيبها مبتسماً : تفضلي..  ويباغتها بشد المعطف عنها قبل أن تجلس، أو فيما تهم بالجلوس. سيضحكان حين يعلق الكمّ فيضطران إلى قلب المعطف على الوجه الآخر. سيتوق بلهفة إلى رؤية ما تبقى من يديها تحت الأغطية.

فكرت: هل اللون سكري؟ أم اللون زيتي مموه بالعسلي. ربما اللون صباحي  ينساب دون ثنية أو جيب، معطياً انحناءات الجسد حقها. وليكن بلون الماء.

تخيلته بقميص قطني فوق بنطال صيفي خفيف بلون الرماد وملمسه.

همست:

ـ ارتد ما شئت، فعضلات جسدك الرياضية تعبر عن نفسها من وراء مئة حاجز. كما يكفيني شعر زنديك المتوسط الكثافة. 

وبعد تنهيدة:

ـ هكذا .. كما أحب. يكفيني أصابع قدميك السمراء المتناسقة منبعثة من خف إسفنجي يأخذ انحناء باطن قدمك.

شعرت بألم الوجد. فكرت بلون الحنطة.

تخيلت أقدامهما الحافية ترسم على غبار الأرض خطوطها الخاصة. سيمتلئ الهواء بهما، تنبت الأشجار، تنطلق العصافير، تنبعث الينابيع.

سوف تستدعي قبلاته، لمساته، بل تبادله الحب، تبقى بجانبه، تلحق به في تحركه. تعد القهوة بنفسها، تؤنبه لأن حافة فنجان القهوة سميكة ولونه فاقع غير عتيق. تقول: ذوقك يحتاج أناملي كي تنحت فيه، يقاطعها مقبّلاً يدها: أناملك من الماس ، أما أنا .. "يباح .. يباح .. يا عروق التفاح، هون بحرة صغيرة .. إجى العصفور ليتوضأ، بإيده إبريق فضة.. سوف يمسك الخنصر متابعاً: هذه أمسكته، ثم يحتوي البنصر: وهذه ذبحته، أما الوسطى نتفته والسبابة طبخته، يقبض على الإبهام معاقباً: أما الشيخ الكبير ييتدعكل عالحصير .. دبدبينة " * تدب أنامله على بلور زندها تدغدغ، تفضح أسرار وخبايا الإبط الرقيق. حدقت في باطن كفها، أخاديد وألغاز: هنا البحرة التي سيشرب العصفور منها، هاهي الأنامل تنتظر أن تقبض عليه، ثم تقبّله، تكثر من القبلات وغيرها. لرائحة رأسه  لون نفاذ، يتطاول في اللوحة ويتمطى بدلال لذيذ.

" دار القمر دورة، على سطوح الحورة، إمي بتربيني والساقية بتسقيني والناعورة بتبرم وبتطعميني " تخيلته يغني الأغنية، يشير في كل كلمة إلى موضع ما: أنا الحور، أنا الأم التي تسقي، تطعم.

ـ سوف يفعل كل هذا، بل سيدهشني بأكثر مما أتوقعه، يغني لفيروز.

تردد أغنية فيروز متخيلة أبواب البيوت مغلقة غافلة عن حفلهما الموعود. سيكون بكل الألوان، بكل حاسة منحها الرب، عرفتها أو لم تعرفها.

يمسح على شعرها، يشده برفق مؤنباً:

ـ هذه العيون لن تنظر إلى غيري، لن تؤخذ بلون غير لوني، هذا الأنف النزق سيبقى شامخاً هكذا، أما هاتان الشفتان.. تنفرج شفتاه يرسل السفلى بسخاء: فسوف أمزقهما إن .. 

رطبت شفتيها. ترى هل اللون الوردي مناسب هنا؟

مضت تشكل لقاءهما المنتظر، تلون حكايات وألغازاً لا بد أن تحدث إن التقيا.

شردت:

ـ ترى ما الذي سيصفني به؟ مثلما أقرأ في قصائد العاشقين؟ خوخ ودراق؟ أم سيكتفي بإشارات من عينيه وأنامله؟ واللون ربما رماني أو شرابي.

ضحكت: سوف أمرح جيداً.

خلعت خفها.

ـ ترى كيف يكون شكل قدميّ  بالخف الذي سأجده في حمامه. قد أنزلق فيما يشدني هو كي يريني صوره.. طفل جالس على حصان خشبي يبكي لسبب ما، أو صورته في حضن أمه بجانبه أخته التي تكبره وربما تغار منه.

استرسلت: سيمضي الوقت، سيأتي غداً، لا بد أن يأتي، كل يوم يأتي غداً.

ألقاه فأجده متلهفاً، للقائي، واللون سماوي محمر.

نظرت إلى سماء تلك الليلة، سوداء، صامتة. لمعان النجمات ضئيل، باهت. لم تر غير هذا، قلقت، حدّقت طويلاً، عبثاً، مازال الأسود كثيفاً تقطعه نجمات بعيدات، زفرت: لن أشوّه انتظاري السماوي بالبحث عن لون المحيط، فلأدع الألوان تلهو وحدها.

خرجت إلى حديقة البيت الصغيرة، أحواض زرع ضيقة، فقيرة. وجدت وردة حمراء متفتحة على آخرها، اقتربت لمستها: متى تفتحتِ ؟ متى " انفلشت " هكذا ؟ غابت بلونها المخملي عن عينيها اليقظتين، قطفتها بلا تردد: ماذا تفعلين بهذا الحر في تربتك المالحة؟ شدت تويجاتها فتهالكت، سقطت في راحتها، فردتها، تركت بقايا الوردة مرمية. وجلست تكتب على كل تويج مخملي كلمة: اسمها، اسمه، اسمهما معاً، أحبك، أشتاق إليك .. غنت: على ورق الورد ح  اكتبلو.....

ابتسمت ساخرة من حلمها. سوف تعطيه منديلاً ملفوفاً على كلماتها الطرية، سينثر الكلمات فوق شعرها، يضحكان:

ـ أسقطتَ اسمي

ـ مي أوقعت " أحبكَ "، مي دعينا نحتفظ بهذه الوردة التي مزقتها.

ـ قبل يدي.

يقبلها ثم يعضها..

ـ مخادع

ـ أحبك.

خلعت بلوزتها، وراحت تغني وهي تطيّر أشياءها:

 ـ هذا الحرير الأسود ليل صيفي، وهذا الفضي المتلألئ نجم، وهذا الأبيض ضحى يوم الربيع. نعلاي غيمتان، أما لون شعري فظهيرة خريفية، وتلك الرائحة نسائم أخضر مبلول.

أخذت ترقص، ألف حاسة اخترقتها.

تحتاج مساحة بياض أكبر لهذا الحنين.

أمسكت الأزرق وعصرته على البياض، ابتعدت قليلاً. تناولت فرشاة عريضة، شدت الخطوط فاستطالت وانتشرت بلعبة غامضة.

توشوشت الألوان والخطوط. هطلت السيول حتى كادت أن تفيض عن اللوحة.

بعد قليل تزحف العتمة، يغيب الضوء تماما وتنام الألوان.

 

 

تخطي الجسر

 

 

دفعت غطاء السرير الأحمر عني. كانت همومي ووحدتي تستلقي بجانبي كما هي دائماً متجددة حية محدقة في وجهي بعيون باردة. حاولت النهوض، تعلقت بقميصي، غرزت أظافرها في رئتي فأحسست بدمي ينزف حتى خشيت أن يمتصه القميص فيراه الناس. هرعت إلى النافذة.. كانت الأبواب حديدية متشابهة في زخارفها والشرفات صغيرة ومغبرة والنوافذ موصدة بالحديد، لا وجه على زجاجها ولا ألفة تتوارى خلفها.

غادرت غرفتي الضيقة فوجدت أمي تقبل القرآن قبلات سريعة ومتلاحقة، فيما جلست طفلتي عند قدميها، واضعة غطاء الصلاة لدميتها، في الوقت الذي كان أخي يقلب الجريدة الرسمية منتبهاً لأبي وهو يسعل لحظة مغادرته البيت.

أدرت المذياع، كان أحدهم يتحدث عن الهجرة، وفي قناة أخرى سمعت أغنية عن الفراق، ثم صوت مذيعة تقرأ خبراً: حصيلة اليوم، سبعة شهداء، وخمسون شهيداً

بحثت عن ثوبي الوحيد، فوجدته وقد نصبته جدتي فزّاعة للعصافير.

ارتديته، تناولت حقيبتي وقطعت الدرج بقفزتين. صفقت الباب خلفي، فاستغرقني مشهد أنين النواعير.

على أطراف الأرصفة بقايا أكياس نايلون يطيرها الهواء، وشعاع الشمس ينتشر بحَيرة على أرض الشارع.

رأيت في الظل أصابع وأظافر أقدام رجال الحارة في صنادلهم المنزلية المتشابهة التي تعلوها ثنيات جلابياتهم البيضاء، جالسين على الكراسي الواطئة يتحدثون بهمس خافضي الرؤوس، حتى إذا تناهى إليهم وقع حذاء نسائي حركوا رقابهم على إيقاع مشيتها إلى أن تتوارى.

داهمني صوت المؤذن مختنقاً: صلاة العصر جماعة.

لطمت أنفي رائحة الكبريت، شعرت بالعطش.

كانت واجهات الأبنية أعلى من الناعورة، وكلها مغطاة بستائر مرقعة ملونة.. لابد أن النساء في المطبخ.

 لاحظت أقاربي من بعيد، حاولت التملص، لم أستطع، ابتسمت لهم بإعياء واعتذرت أني لا أزورهم وقد ألصقت حقيبتي إلى صدري. 

مثقلة تنزهت على الجسر الضيق القائم على القناطر.

عمال المطاعم يحشدون الكراسي الفارغة حول الطاولات، آملين بقدوم الزبائن وقبض البقشيش. 

ـ في الأمس  دفنت والد طفلتي، طويت أوراق الزواج والصور التي جمعتنا، قدمت استقالتي من الوظيفة. وهكذا أصبحت دون مال دون عمل، دون ظل رجل أو ظل حائط.

 كنت شاردة، ألملم هموم الماضي يائسة من القادم، حين اصطدمت بسور الجسر فهويت إلى النهر ذي المياه النتنة. ضرب رأسي الحافة الصخرية المغمورة بالطحالب، حاولت الوقوف، تأرجحت إلى الجهتين وسقطت

 ـ كانت أختي تخاف القطط كثيراً.

وضعت هرة صغيرة مع أوعية طعامها في علبة كرتونية على ناصية الدرج العلوي. ماءت القطة في غيابي، ماءت كثيراً.. فوجدتها حين عدت من المدرسة مشنوقة بين أيدي أولاد يركضون ويضحكون.

أجهد كي أعلم طفلتي رسم القلب و الزهرة  وأرجوحة العيد. لكنها  بعناد تعلمني رسم المدفع. قلت لها:

ـ نلونه بالأصفر و الأخضر والبرتقالي و..

لكنها قاطعتني مقطبة:

ـ ألا تعرفين أن لونه أسود ؟

كنت كل ظهيرة ألعب وأختبئ في خزانتي. اليوم نسج العنكبوت شبكة معقدة فلم أستطع اختراقها، ولم أستطع إقناع طفلتي باللعب فيها. 

حاولت رفع جذعي مستندة على حافة النهر متمنية أن أتشبث بدولاب الناعورة الكبيرة. فتشت عن درجات تقودني إلى الجسر مرة أخرى.. لكني سقطت مرة أخرى..

أطل من وراء دغلة كهل في قارب خشبي قديم يحمل عصا طويلة، كان مرتدياً لوناً اخضر، مفتوح الصدر حتى البطن، ملوحاً بشمس عنيدة.

ـ وقعت شجرتي الضخمة، تمددت كجثة هائلة ملأت أرض الشارع من الرصيف إلى الرصيف، أشفقت عليها. بكيت و توسلتهم إمكانية غرسها مرة أخرى فمسحوا على شعري وضحكوا متواطئين. اعتبر الجميع أن ذنب سائق الرافعة الذي قطعها مغفور، فقد كانت تلطخ السيارات التي تصطف تحتها بفضلات العصافير.

اقترب الكهل مني بهدوء ثم تجاوزني، كان كضباب كثيف لفني أربكني وغادرني، ناديته: ألا تراني ؟ استدار  عائداً وانتشلني بصمت رصين..

ـ كان أبو طفلتي يرفع سبابته: أريدك امرأة مطيعة، ثم يرمي إلي بثيابه كي أكويها. يرطب وجهه بعطر الحلاقة، ويمضي مستعجلاً إلى موعده.

زفرت من ثوبي المبلل شددت أطرافه أغطي ركبتي وأنا أراقب الكهل، متوقعة أن أجده متلبساً يحدق في ساقي. لكنه كان يتأمل الأفق البعيد .

استسلمت لحركة القارب. كانت نفسي تغسل عكرها برضى. فمياه النهر صارت عذبة والضفتان خضراوين..

ـ من أنت ؟

أعطاني ثمرة صبار: حاولي الاختراق

ـ من شرفة البيت ومن خلال أوراق الكرمة المتكاثفة التقطت عيناي عدة نجوم مضيئة محتجبة خلف أقفاص الهوائيات. كانت طفلتي نائمة وجبينها ساخناً لكن شفتيها جميلتان. وحارس المؤسسة التي كنت أعمل فيها يتأبط سلاحاً ويضع وردة بيضاء في عروة سترته. غافلته وسرقتها.

انصرف الكهل إلى ربط حبل القارب بين الأعشاب العالية. كان الشفق يتكاثف خلف الجبال البعيدة ونسمات تعبق برائحة التراب الرطب وأنين النواعير.

بقدمين ثابتتين عبّد طريقاً ملتوياً في نهايته كوخ بسقف قرميدي تحتضنه أشجار داكنة. تجاوز بقايا سور متآكل، دفع باب الكوخ وأشار لي كي ألحق به .

ـ كنت عائدة من عملي عندما رأيت طفلتي مع أولاد الحارة بمدون أصابعهم الصغيرة تحت باب مخزن أطعمة الأطفال كي يلتقطوا قطع البسكويت الملوثة بالسم فخاً للفأر. لم أكن أحمل لها كيس البطاطا الذي تحب، كما أنها رفضت تناول عروسة السمن والسكر التي كنا نحب..

رأيت جدران الكوخ مزدحمة بسيوف و صور فرسان وقناديل نحاسية وأوسمة منقوشة فيما غطيت الأرض  بسجاد يدوي أحمر موشى ببعض البقع الضوئية العابرة لزجاج نافذة علوية.

 ـ كانت النوافذ الضيقة لأقبية مدرستي تلتصق بالأرض وأنا أظلل عيني بيدي الصغيرتين وأفتش عن الزيت والفأر والآذان فلا أرى. فيما آذن المدرسة يضغط بإبهامه فوهة الخرطوم  كي ينبعث الماء على الدوائر المزروعة، درست الابتدائية والإعدادية والثانوية، ولم تكبر الدوائر ولم تخضر.

طرزت ثوبي المبلل بزهور برية وفتحت الصرة وضعت الصبارة وشفتي طفلتي، الوردة البيضاء والنجوم. فرحة القدمين صعدت السيارة، تجاهلت نظرة السائق عندما لقنته عنوان الحديقة النائية، أوشكت أن أخبره أن أحداً لا ينتظرني، لكني أمسكت حين أدركت أنه لن يصدقني.

 كنت أتلمس القماش المخملي براحة كفي وأنا أستمع لكلمات الكهل عن النواعير والنهر والشهادة والهدير الذي لن يتوقف.

 وضعت حقيبتي، كتابي وقهوتي على المقعد الأكثر انزواء، عببت نفساً عميقاً ثم شرعت في قراءة ديوان شاعري الذي أفضله.

فجأة شعرت بهيكل يحجب عني مشهد النواعير، كنت كطائر مستكين أفزعته ستارة سوداء. رفعت رأسي أقاوم الخوف والدهشة، سألته بحدة مرتجفة:

ـ ماذا تريد ؟

أجابني بابتسامة رخوة:

ـ أريد أن نتسلى.

عندما قرصني صاحب البقالية من فخذي كنت في السادسة من عمري، انتقمت لنفسي بأن سكبت الحليب الذي اشتريته أمام دكانه وبكيت لأنني لم أفهم، وعندما عدت إلى البيت بوعاء الحليب فارغاً أمسكتني أمي من شعري وهزتني بعنف، كبرت بسرعة وكبر فيّ ذنب هائل.

رميت أشيائي وأخذت أركض وأركض..

أغضبني صوت لهاثي، فعدت إليه وجدته واقفاً بابتسامته نفسها.

 كان أبي بقول : أريدكن رجالاً.

 جمعت أشيائي وبحقد شديد ضربت الهيكل بحقيبتي .

دفعت باب البيت الكبير، اختطفت طفلتي من حجر أبي، أمسكت بيدها وركضنا.

وصلنا الجسر، أطعمتها الصبارة.

نظرت إليّ بعينين كبيرتين، نهضت بهدوء ومشت بعزم. كانت كلما ابتعدت أراها تستطيل وتكبر.

وقفت أمام الناعورة منتصبة، وبيد قوية زادت سرعة دورانها.

استجابت الناعورة بغناء جديد .

في هذه اللحظة كان علي أن أغادر، وبقدمين غريبتين كنت قد وصلت وسط خراب المدينة .

 

 

كوثر

               

ـ إبليس شيطان يتلبس.

ـ عليك بالصلاة، تظلين أسبوعاً دون طعام. قالت المعلمة:

ـ عشرة أيام تتربعين على حصير في حجرة فارغة، لا تذكري غير الاسم المفرد ـ الله . الله . الله .. ترددينها حتى تجيبك الجدران والأرض والسقف فتسمعينها ترددها معك.. لا تأكلي إلا فتات الخبز ولا تشربي إلا ماء قربة. عشرة أيام تدخلينها في اعتكافك عسى أن تتغير أحوالك.

أدرك كوثر قمر الشهر مبكراً، التهب رحمها، وارتعشت ركبتاها.

كانت أمها تزرر العباءة ضاغطة على صدرها:

ـ صرت في الثالثة عشرة، ركبتك عورة، شعرك، قدماك

تحزم وجهها بغطاء أسود، فيبرز خوف الخدين بلون الكبد.

تتواقت رائحة حموضة فمها مع التلوث الشهري.

ـ يجب ارتداء البطانات تحت الأثواب

ـ حاذري من الوقوف في فضاء الباب أو خلع البطانات

تلتصق البطانات بالجسد الفتي حتى الاختناق فتتعالى الزفرات.

لكن تقطيبهم أشد وأقسى، يقولون: بطانة إضافية تمنع الحر.

كان عصفور البيت يمسك قضبان سجنه بطرفين وحيدتين، طالت أظافره، حك ريشاته، نفض جناحيه، أطلق صوتاً مبحوحاً. علّقت كوثر البطانة السميكة فوق النافذة محكمة الإغلاق، فوجئ العصفور بباب قفصه يفتح.. كانت القضبان ترص على لحمها، فيما انتظرت كي تتحول على مهل، ثم تمددت على جنبها.

ظلت تحتضن وسادة مزهرة عشرة أعوام، ترتفع الحرارة، تغلق الباب، حتى لا تباغت، تزفر: كلهم يحب أن يباغت كلهم. تستلقي تلصق خدها بالبلاط البارد، ترسم بأصابعها ألوانها، تحتضن ركبتيها حتى يدرك أطرافها الخدر، ترتدي البطانات، ثم تفتح الباب، ترسل الماء، فتسترخي ساقاها ويهدأ ضجيجها.

كسرة الخبز جافة، وماء القربة يبعث على العطش.

حين غاب قمر الشهر، أمسكوا بيدها واخترقوا الزحام، ظل صدرها مهروساً بين الأجساد فلم تر فضاء المكان الأبيض، ولم تحس بالرطوبة. أحاطت رأسها كف كبيرة، زجتها في تجويف حجري أملس أسود، مبللاً بلعاب القبلات، خطفت قبلة، كما أرادوا. ومثلما فعلت أمها، رجمت الشيطان بقسوة، راجية خلاص الجسد من الدنس.

خلف الجدران، على حصير عتيق، وقرب الماء القليل، وصلت امرأة مسربلة بالسواد، قالت: اخلعي ثوبك الملوث واركضي. راقبت جسد كوثر بضغينة، ألصقت الكتاب بوجهها وتمتمت طويلاً بأحرف السين واللام. كان العرق يتفصد من أقدام كوثر وهي ترمي بثقلها على ساقيها الضعيفتين، تخترقها تمتمات المرأة، فترددها، تمضي غير ملتفتة، تدور، تلهث، تبكي. السقف واطئ والثياب ملوثة، والمشوار طويل.

كانت الجدة تغرز أظافرها في الجسد الطري وتقبض على قماشة وصابون، تدعكها مغمضة العينين مرددة أحرف السين واللام، تدلق الماء المغلي غزيراً وتحزمها بالكتان الخشن، ثم تكشط الأرض وآثار أقدام البنات.

هذا التكور رهيب، لم يكن يردعه شيء ينمو مثل نارنج الحديقة، وصوت المذيع في التلفاز جريء، يعظ بابتسامة خبيثة، شفتاه، كما بدتا لها، لزجتان.

ألصقت جسدها بالحائط الذي يفصلها عنهم، اقتربت حتى ارتدّت أنفاسها إلى وجهها، أغمض التعب جفنيها، وركضت في حقل السنابل بساقين مشدودتين.

تحدث المعلمة عن العقيدة السليمة وحامليها المزيفين، فتجيبها: اسمعي كلامهم ولا تفعلي أفعالهم.

انتشرت قصص الأنبياء في كل مكان.. على الألسن والجبهات وفي القلوب، تشوقت لفهمهما، كان الزحام شديداً، حاولت العودة، لكن الناس جميعاً أمسكوا بها وأقنعوها كي تمضي. وجدت نفسها ترتفع عن الأرض محشورة بين الأجساد، ثم تنجرف مع تيار هادر، فتتوه في الدروب، وعند المفارق.

مرت ثلاثة أيام من العشرة، تمسح دموعها. لم تعنها وصايا المعلمة، ولا تمتمات المرأة السوداء. تضرب الجدار برأسها، ثم تلتصق فيه.

كانت تصغي لاستغاثة القطط من اللذة، مواؤها حر. تنشقت ياسمين بيت جارها. وحين استطالت أغصان التفاح مدت أظافرها عبر الثقوب وخدشت التفاحة، قضمة صغيرة، هل تنسى نكهتها؟ حلمت ليلتها أن تستلقي على طاولة الجزار، تغمض عينيها مع الحب ولتذبح بعد ذلك.

ارتدت قميصها الحريري الأبيض، بعثرت شالها الأزرق على كتفيها وصدرها، هبطت إليه، طرقت بابه بأنامل تائهة، اخترقت سواد أحلامه، عثرت على طريق صاعد ينبعث النور من نهايته ورائحة البحر، صوت الموج، ورذاذ لطيف. حطت به بين الأحجار، طارت معه، أخذت تحثه كي يرمي الزهور معها من الأعلى.

عندما استيقظ الجار وجد طائر الحمام يرفرف في سقف بيته. أما هي فقد ركض الشيطان خلفها حاملاً كفنه على ظهره.

سيسكب الحديد المصهور في الأذن وسوف تعلقين من ثدييك : الحب قذارة

عطشت، جاعت: يجب وضعه بين فكي كماشة وهرسه، كذلك تكور اللحم، لعاب المذيع الخبيث، شجر الجار، مؤخرة البنت، وكل الأحلام.

ذنوب بعدد خلايا الجسد، خلايا الجسد ذنوب.

يشد الشيطان المختال يديها خلف ظهرها، ويدفعها، يصنع الأحلام ثم يحطمها، يعجنها ويصوغها خطيئة كبرى.

ـ سأخرج بجسدي الخشن: لا تراجع.

يوجد قبل الفجر بستان فارغ، مشت إليه مشية واحدة منتظمة، ثابتة، دفعت البوابة، فاستجابت، كانت ألوان الفجر كألوان قطعة حلوى، انطلق الأسود والأبيض ثم البرتقالي والأصفر والأخضر من خلفها، سماوي أضاء الزمان والمكان، هب هواء نقي بارد أنعش قرارها.. ركعت على ركبتيها:

ـ النار للجسد الملوث

تراجعت مرات وعادت إلى اعتكافها مرات.

خلعت بطاناتها، علقتها على مشجب عزلتها:

ـ هذا الملاك للدنيا، والنار للجسد الملوث..

تركت خلفها عشرة أيام غير مكتملة، ماء قليلاً، كسرة خبز خضراء، حصيراً منتوف الأطراف .. جدراناً كتيمة كرأسها جائعة كروحها، أرضاً بليدة تنوء بعطشها، وسقفاً لم يصن عزلتها.

فتحت الباب بهدوء وأغلقته بإصرار.

 

 

خصوصاً النساء

 

 

جاءت إيليا حاملة زهوراً لي وسكاكر لعاصي، عادة الهولنديين حين يقومون بزيارة بيتية. تناولتها منها وتحدثت بإنكليزيتي السورية: شرّفت، وشكراً على الورد. ردت بعربية هولندية: لا شكر على واجب.

إيليا طالبة تدرس اللغة العربية في جامعة لايدن، تجاوزت الستين بسنين، شعرها أبيض، ومتحمسة لمعرفة ثقافتنا بدمها. صارحتني أنها فكرت بهذا بعد ظاهرة بن لادن. قالت: أريد أن أفهم العرب والإسلام وخصوصاً النساء.

وكانت تلح في فهم أمر أصبح مثل وسواس في رأسها:

ـ لِمَ تقولون ما لا تريدون، وتفعلون أيضاً غير ما تقولون، وأحياناً غير ما تريدون، ثم تضيف: هذه الازدواجية أمر منهك لصحة حاملها.

شرحت لها طويلاً، وحاولت توضيح أمور عديدة كانت بذهنها بعيدة جداً عن الواقع. فوجئت ثم قالت بصراحة ومباشرة:

ـ هل تستقبلينني في سوريا أسبوعين؟.

سهلت لها الأمور كثيراً، فامتلأت بالحماس. بعد أيام اتصلت تحكي النوادر التي مرت بها في القنصلية السورية لتحصل على فيزا الدخول.

ثم توقفت فجأة وقالت:

ـ سمعت أن مدينتك تقليدية. وسكتت. ثم أضافت:

ـ أريد ان أزور كل البيوت في حماه ومن كل الطبقات. لا تهمني المتاحف، زيارتها تشبه تصفح كتاب بورق فخم وملون لا أكثر.

 

لم أذهب بها إلى تدمر ولا إلى قلعة حلب. كما لم أشرح لها تراث أفاميا ولا تاريخ النواعير.

كنت كل يوم آخذها لزيارة جامع في مدينة. نضع العباءة، نمر على دورة المياه أولاً، نلقي نظرة على الثياب المشمَّرة للوضوء قبل الصلاة، نمر على العتبات الملأى بأحذية المصلين، ثم ندخل. كانت إيليا تصر على حمل حذائها بيدها، تضحك:

ـ المغاربة يشتكون من سرقة أحذيتهم في جامع لايدن، وأنا لا أريد أن أرجع حافية.

تتابع حركة المصلين، وتبتسم بحنان شديد للصغار حين يتراكضون بأقدامهم الحافية. ثم تراقب أكفهم المرصوصة مرفوعة للدعاء وراء الإمام. وتقول: مازالوا صغاراً.

 

أحبت أكلات كثيرة ومتنوعة ومن كل الطوائف، واستمعت للهجات متعددة، وحاولت تقليدها مستوعبة ضحك الحاضرين عليها.

أخذتها للأسواق مرات عديدة، لأني أحب السوق من جهة ولكي أشجعها على أسعار الليرة الخجولة جداً بالمقارنة مع أسواق اليورو. لم يعجبها من كل البضائع إلا لوحة من المخمل مكتوب فيها أسماء الله الحسنى، تسعون اسماً، وبساط أحمر، قالت إنه هديتها لزوجة ابنها. نعم، وكي لا أنسى فقد اشترت "مسبحة" وسيديات لمطربين جدد. عرضت عليها أن تشتري بعض الأشياء التراثية، عباءة مخملية ومطرزة بخيوط الصرمة، قماشاً حموياً مطبوعاً بلون سكري وأسود، يسحرني، وبقجة حمام.. شجعتها، لكن لم يشدها إلا البضائع التي تحمل عناوين واقعنا. قالت: تشتكون من استبداد الحكام، ماشأن الحاكم بهذا؟، وأشارت إلى عيلة جلست على بساط بجانب كومة من الزبالة من دون أن يفكروا بتنطيف ما حولهم. قالت: هل تمنعهم الدولة من تنظيف المكان؟.

خانتني الإجابة السريعة، فقلت بصوت منخفض: هذا ليس همهم، التراكمات في داخلهم تلهيهم عن مراقبة محيطهم.

راحت تدور بعينيها بين النسوة المحجبات، وقالت بأسف:

ـ كم أشعر بظلمهن.

هنا أصابتني النخوة، ورحت أوضح لها أموراً أخرى، منها أن ليست كل زوجة تضع المنديل على وجهها فهي تغطي أثر صفعات زوجها لها، وليست كل امرأة بثوب قصير وذراعين عاريتين هي بالضرورة زوجة مدللة.

ثم شاغلتها: ستحضرين عرساً حموياً تقليدياً حديثاً. أهله أوادم. العرس في صالة متوسطة تؤجر للأعراس. مكيفة ومقاعدها مريحة وضيافتهم ستكون آيس كريم وراحة بالفستق. والعريس موظف في الشركة الأهلية للنقل، آدمي ويرضي أمه وأباه. والعروس بنت جيراننا مرباية ومهذبة، معلمة في إحدى القرى المحيطة. تخرج في السادسة صباحاً من بيتها وتتنقل بثلاث وسائل مواصلات وتعود في الرابعة عصراً، حذاؤها مثقل بالطين، تخلعه سريعاً لتلحق صلاة العصر. راتبها سيزيد ستمائة ليرة عند أول ترفيعه. الكل يتحدث بدينها واستقامتها.

ساعد أهل الخير العريس والعروس باستئجار غرفتين، أما أثاث النوم فقط كان هدية من خال العريس الذي يعمل في السعودية. لم تخجل أم العروس وطلبت من الأقارب أن تكون هداياهم نقدية كي تشتري الفرن والطناجر أما البراد فقد أخذوه مستعملاً يعمل بالنظام القديم، والغسالة، فلا مشكلة يمكن تأمينها لاحقاً بالتقسيط.

اشتهت العروس البدلة البيضاء فدبرتها أمها بتدبير الأمهات، واشتهت دورة العروس فدبرها أخوها الذي يعمل سائقا في مكتب تاكسي. أقنع رفاقه من السائقين أن يطلقوا زمور سياراتهم نصف ساعة في شوارع حماه حاملين أهل العروس من بيت العروس إلى صالة العرس.

حين دخلنا الصالة، كانت أول جملة قالتها إيليا:

ـ نساء جميلات، كلهن يشبهن بعضهن.

نساء يرقصن مع النساء، والرجال يرقصون مع الرجال في سهرة العريس في صالة أخرى.

رقصت إيليا رقصاً مخلصاً بين الشرقي والغربي، أضحكت الحاضرات طويلاً وصرن كل حين يسحبنها للمشاركة على المنصة. تناولت الآيس كريم وهي فرحة، ووضعت مثلنا قطعة الراحة بالفستق في حقيبتها، ثم أخذت من جارتنا قبضة من البزر وجلست تتسلى. التفتت نحوي:

ـ إذا كانت المرأة تتجمل من أجل الرجل، فلماذا يضعن المكياج؟ ولماذا يرتدين هذه الثياب الفاضحة؟ وليس هناك أي رجل في السهرة.

كانت أكثر جملة سمعتها مني طوال زيارتها:

ـ من الصعب شرح ذلك. وأحياناً أضيف: لن تفهمي.

كانت في كل مرة تسمع مني هذا، تهز رأسها متفهمة.

فجأة انطلقت الزغاريد بشكل أقوى من السابق، وصاحت إحدى النساء:

ـ وصل العريس.

كانت إيليا وسط الراقصات على المنصة. تراكضت النسوة، وتناولت كل منهن غطاءها وعباءتها، وضعتها عليها.

جلسن على الكراسي. خلال ثوان تحولت الصالة المضيئة بالوجوه الملونة والأكتاف العارية البيضاء، إلى كتل سوداء متراصة. كادت إيليا تبكي من دهشتها حين تركنها وحيدة على منصة الرقص. التفتت نحوي منادية:

ـ ماذا حدث؟.

ربما ظنت أن عملية إرهابية استهدفت الحفل، لأن فيه سائحة أجنبية.

أجبتها:

ـ وصل العريس.

هزت رأسها متفهمة جهلها. ثم استدارت:

ـ لكن لماذا تحجبن، وتوقفن عن الرقص دفعة واحدة؟.

دخل العريس، شاب رقيق في الثامنة والعشرين، كان مضرجاً بالخجل. تحرك نحو عروسه بارتباك وسط عيونهن المراقبة من وراء أغطيتهن. استبدل العروسان الخاتمين من اليمين إلى اليسار ورقصا معاً لدقائق، ثم خرج الشاب سريعاً كمن خلص من مأزق.

ما إن غاب العريس، حتى رمت النساء أغطيتهن وعباءاتهن، وانطلقن ثانية باتجاه المنصة، بأذرعهن المتلألئة وحمرة شفاههن القوية. 

انزوت إيليا في كرسيها صامتة، ورفضت دعواتهن للرقص.

في الصباح غادرت إيليا سوريا. وبعد عدة شهور أرسلت تعلّق على العرس:

ـ كل هذا العدد من "الحجابات" كان ضد شاب واحد؟.

 

أضيفت في 01/06/2005/ خاص القصة السورية/ المصدر: الكاتب

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية