|

بطاقة
تعريف الكاتب: د. محمد عبد الرحمن يونس

سوري
الجنسيّة، درس وتخرّج في الجامعات الآتيّة:
ـ الجامعة الجزائريّة / وحصل فيها على شهادة الليسانس في اللغة العربيّة
وآدابهاـ شعبة الأدب والنقد.عام 1984 دورة جوان.
ـ جامعة محمد الخامس بالرباط، وحصل فيها على دبلوم الدراسات العليا ، اختصاص
الأدب الحديث . عام 1985. دورة نوفمبر .
ـ الجامعة اللبنانية ـ الفرع الأول في بيروت وحصل فيها على شهادة الماجستير
اختصاص النقد والأدب الحديث. عام 1994م.
ـ الجامعة اللبنانية ـ الفرع الأول في بيروت وحصل فيها على شهادة دكتواره
الدولة . اختصاص النقد. عام 2000م.
ـ مقيم خارج سورية منذ فترة طويلة .
ـ عمل مدرساً في كلية مركز اللغات بجامعة صنعاء باليمن. ثمّ مسؤول تحرير قسم
النقد والدراسات الأدبيّة بمجلة النافذة في بيروت.
ثمّ
مدير تحرير مجلة النافذة الأدبيّة في بيروت.
ـ عمل مدرساً في جامعة الدراسات الأجنبيّة ببكين / الصين. ، وفي جامعة أهل
البيت العالمية في بيروت .
ـ عضو مجلس الخبراء في الجمعية الدولية للباحثين والمترجمين العرب / بلجيكا.
ـ عضو هيئة تحرير مجلة عالم الغد الأكاديمية المحكمة / فيينا ـ النمسا.
ـ عضو اتحاد الكتاب العرب .
ـ عضو اتحاد الصحافيين العرب ـ عضو مشارك .
ـ عضو نادي القصة بتونس / نادي أبو القاسم الشابي.
كتب في القصّة والرواية والنقد الأدبيّ، وله (160) مائة وستون بحثاً ومقالاً
ودراسة منشورة في الصحف والمجلات الآتية :
ـ الفكر العربيّ ـ الطريق ـ دراسات عربيّة ـ الآداب ـ كتابات معاصرة ، السفير ـ
الكشكول، وهي تصدر في بيروت.
ـ قصص ـ الحياة الثقافيّة ـ الفكر/ وهي تصدر في تونس.
ـ الثقافة العربيّة ـ المسرح والخيّالة / ليبيا.
ـ آمال، وهي تصدر في الجزائر.
ـ سطور ـ إبداع ـ الكتب وجهات نظر ـ جهات ـ السفير العربي / القاهرة.
ـ اليمن الجديد ـ معين ـ 26 سبتمبر ـ الكلمة ـ الحكمة يمانية ـ الجيش اليمني
ـ
الثقافة الجديدة ـ الكلمة ـ الوطن ـ المعرفة ـ ملحق الثورة الثقافي/ صنعاء وعدن
وتعزّ .
ـ المجلة العربيّة للعلوم الإنسانيّة ـ الكويت / الكويت .
ـ الجديد في عالم الكتب والمكتبات ـ النشرة / عمّان .
ـ الحياة المسرحيّة ـ الموقف الأدبي ـ الأسبوع الأدبيّ ـ المعرفة ـ الآداب
الأجنبيّة
ـ
الثقافة الجديدة ـ تشرين ـ الوحدة ـ ـ النافذة / بيروت.
ـ الفيصل ـ المنهل ـ بيادر ـ علامات في النقد ـ الموسوعة العربيّة لكشف السرقات
الأدبيّة
ـ
المجلة العربية ـ الآطام ـ رؤى / الرياض ـ جدّة ـ أبها ـ المدينة المنورة ـ
حائل
ـ الشاهد/ قبرص، نيقوسيا.
ـ الناقد ـ العالم ـ التضامن ـ القصب ـ النور ـ الزمان ـ الزمان الجديد ـ
المسلة ـ الثقافية / لندن.
ـ الاتجاه الآخرـ الموسم / هولندة .
ـ كلمات / استرالية .
ـ البحرين الثقافيّة ـ مجلة العلوم الإنسانية / المنامة.
ـ الرافد ـ الخليج الثقافي ـ الشروق ـ البيان / الشارقة ـ أبو ظبي.
ـ بيت العرب/ بكين – الصين
ـ الجزيرة ـ الرياض.
ـ مجلة ميزوبوتاميا ـ بغداد
ـ وله عشرون دراسة نقدية وبحث أكاديمي مقبولة للنشر في عدد من المجلات العربية
التي تصدر في الوطن العربي وأوروبا، وهي:
ـ الثقافية/ لندن.
ـ مجلة العلوم الإنسانية / البحرين.
ـ مجلة عالم الغد/ النمسا
ـ مجلة كلية المعلمين بالباحة ـ مجلة الآطام ـ مجلة رؤى / المملكة العربية
السعودية.
ـ مجلة الرافد/ الشارقة.
ـ مجلة المعرفة ـ مجلة التراث العربي ـ مجلة الموقف الأدبي / دمشق ـ سورية .
ـ مجلة واتا ( مجلة الجمعية الدولية للباحثين والمترجمين العرب) ـ باريس ـ
فرنسا.
ـ مجلة ميزوبوتاميا ( بلاد الرافدين) ـ بغداد.
ـ مجلة الكتب وجهات نظر، القاهرة.
وله الكتب التالية المطبوعة:
1ـ آخر تحليقة لنورس مهاجر، ( قصص قصيرة )، دار سعاد الصباح ، الكويت 1991م.
الطبعة الأولى
ـ مكتبة الأسرة ، القاهرة، الطبعة الثانية، 1996م.
2 ـ ملكية والنورس ووهران، ( قصص قصيرة )، دار المنارة، سورية، 1993م
3ـ رقص سماح على أنغام زرياب، ( قصص قصيرة )، دار النافذة، بيروت 1994م.
4ـ اللوتس، ( قصص قصيرة )، دار الكنوز الأدبيّة، بيروت 1995م.
5_ تأثير ألف ليلة وليلة في المسرح العربيّ الحديث و المعاصر، دار الكنوز
الأدبية، بيروت 1955م. ( بالاشتراك ).
6ـ ولاّدة بنت المستكفي في فاس ، ( رواية ) ، دار الكنوز الأدبيّة ، بيروت
1995م.
7 ـ الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة ، مؤسسة الانتشار الأدبي، بيروت / لندن
1998م.
3 ـ رحلة بكين ـ ملامح من الصين المعاصرة.
دار السويدي، أبو ظبي،/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى
2004م.
وله المخطوطات الآتية التي لم تنشر بعد :
1ـ مواجع الصبا في يونيو ، ( قصص قصيرة) .
2ـ المدينة في ألف ليلة وليلة , ملامحها الثقافية والاجتماعية والسياسية .
مخطوط مقبول للنشر في وزارة الثقافة في سورية،
سيصدر
في عام 2005م. إن شاء الله تعالى.
4 ـ الفضاء المكاني في ألف ليلة وليلة .. الاستلاب والفساد .. المسرات والملذات
. مخطوط مقبول للنشر في دار رياض الريس للكتب والنشر / بيروت . سيصدر في عام
2005م، إن شاء الله تعالى.
5 ـ آخر ما وصلنا من مراكش المعمورة ( رواية ) .
6 ـ الأسطورة والتاريخ في الخطاب الشعري العربي المعاصرـ دراسة نقدية تحليلية.
7 ـ الفساد السياسي والجنسي في حكايات ألف ليلة وليلة / دراسة نقدية أدبية
تاريخية واجتماعية .
8 ـ الأطروحة والإيديوليوجيا في الرواية العربية المعاصرة .
وقد حصل على الجوائز الأدبيّة التاليّة :
ـ جائزة مركز ابن خلدون الإنمائيّ والدكتورة سعاد الصباح في القصّة القصيرة في
مدينة القاهرة عام 1991م.
ـ جائزة مجلة الشاهد للنقد الأدبيّ ـ قبرص ـ نيقوسيا عام 1991م.
ـ جائزة البتّاني للقصّة القصيرة ـ سوريا. عام 1993م.
ـ جائزة مركز ابن خلدون الإنمائي والدكتورة سعاد الصباح للرواية العربيّة في
مدينة القاهرة عام 1993م.
ـ جائزة نادي أبها الأدبي للقصة القصيرة ـ السعوديّة. عام 1993م.
ـ جائزة نادي الطائف الأدبي للقصّة القصيرة ـ السعودية. عام 1994م.
ـ جائزة نجلاء محرم للقصة القصيرة، القاهرة، عام 2004م.
ـ جائزة نجم عكاظ للقصة القصيرة لعام 2004م/ السعودية.
 


نماذج من أعماله

جموحات عبد الله الإدريسي
أحس عبد الله بكآبة خانقة داهمته فجأة .. فلاذ بالوحشة والفراغ، وأخذ
يتأمل السماء العريضة .. فتش عن نجمة المساء .. وأخذ يدقق جيداً عله يرى نجمة
واحدة .. عاين السماء من أطرافها .. يا لله متى تظهر النجمة.. لكن النجمة ظلت
آفلة .. لو أن نجمة واحدة أضاءت بؤر قلبه الحالكة ، لاستحضر جواداً وشراعاً
وسفينة ، وغادر المدينة والبلدة إلى غير رجعة .. لو أن شخصاً في هذا العالم
أهداه نجمة وسروة لاستظل بظلها طيلة حياته ، وانصرف جاداً إلى جمع أخبار
الأجداد في حلهم وترحالهم وفتوحاتهم وهزائمهم، وأخبار جواريهم ونسائهم،
ودسائسهن وغرامهن .. ولألّف كتاباً يفوق كتاب الأغاني والعقد الفريد، والروض
العاطر في نزهة الخاطر.. ولبنى جزيرة وقصراً، واشترى أجمل جواري عكاظ، وابتنى
بها على سنة الله ورسوله.. لكن الأحلام العريضة كانت تجمح بعيداً، تنخر مسامات
روحه ،ولم يستطع مرة واحدة أن يحقق حلماً في حياته، فكثيراً ما كان مولانا
الوالي أعزه الله وأيده بجنود من عنده يضبطه متلبساً شارداً حالماً فيقبض عليه،
ويدخله أضيق الزنزانات الفردية بحجة أنه يحيك المؤامرات، وينظم الناس في
الأحزاب السياسية المعارضة. قضى نصف حياته في الأحلام والسجون. والنصف الآخر في
الجامعات العربية الخامجة التي لا تعرف مدرجاتها الا أدب الجاهلية ، وافر نقع
وأحر نجم وإفعوعل، والحفظ الببغائي والستوكات الجاهزة ، ، وتاريخ الطغاة
والظلمة وعروض الخليل بن أحمد الفراهيدي.. وعندما تخرج بدأ يتسكع ويعاين
الشوارع العريضة، ومحلات العطور الفاخرة، والأحذية الإيطالية الساحرة، فعاد
مولانا الوالي وقبض عليه ثانية بجرم إساءته لهدوء المدينة، وصفاء الشوارع
وطمأنينة الناس. كان قد تعلم في أعوامه السابقة أن يستسيغ المرارة ويبتلعها..
وينام سعيدا في أبعد أكواخ المدينة القصديرية، بعيداً عن عربدات المدينة وحفلات
سيركها ورقصها.
داهمته الكآبة وهذه الغربة الملعونة ، وقصفت الريح آخر نخيله، وهدمت
كوخه ، وسدت الرماح والنصال بوابات شرايينه، وأخذ هازم اللذات أعز صديقاته
وأخواته ، وأخذ أمه بعد أن دهستها سيارة "فورد أمريكية" ذات مساء في أجمل
شوراع المدينة العريقة. وسجل البوليس الوطني العريق الحادثة ضد مجهول، وطوى
مولانا القاضي قضية الدهس بأمر الوالي. لعدم وجود الأدلة القاطعة، وبعد أن غابت
الوالدة الصديقة شعر بغصة حادة ، وأحس أن ما يحيط به يفقد لونه وطعمه، لم يعرف
كيف يفكر أو ينام، أو يأكل .. فالحزن الأسود زاده اليومي.. بينه وبين معارفه
القدامى الذين أصبحوا أكبر تجار المدينة وسماسرتها شرخ حاد يزداد يومياً،
فيجعله منطوياً متسربلاً ومفجوعاً بنفسه ومدينته.. لم يعد قادراً على أن يتآلف
والحزن.. كانت نخيله المسروقة وصحراؤه اللافحة كافية لأن تفتح ثغرة واسعة في
مفاصله .. ومع تقدمه في العمر كان يأمل أن يتبدد حزنه لكن شيئاً لم يتغير..
فالميناء لا يزال بعيداً ، وما بانت سفينة واحدة، ونجمة المساء ارتحلت إلى
الأبد، وها هو ينتظرها لعشرين سنة، لكن هذه الأليفة الهامسة الحبيبة الحلم تركت
السماء ، فانقبض قلبه وأحاطه الظلام .. والحياة أصبحت كابوساً .. والرغيف استمر
هارباً.. والمدينة استمرت في إشعال طقوس رقصها .. لم يتعود الرقص ولم يفكر به
.. لم الرقص طالما أن النجمة غائبة .؟. لم الرقص طالما أن الريح ملأت حقوله و
بياراته برمالها وسمومها ؟ وطالما أن المدينة تقيم أفراحها اليومية ويرقص الناس
من حولها ، فليشاهد منظر الناس والشوراع والحانات، فنادق الدرجة الأولى. يكفي
أن يتأمل الراقصين .. وحتى لو حاول الرقص فإن رجليه ستخونانه دائماً. المهنة
ليست له ، ليتركها لعباقرتها . ولتجار السوق السوداء، ولتجار الرقيق الأبيض
والأسود والكوكائين، وأصحاب وكالات السيارات. حاول مرات عديدة أن يناشد الفرح
ويستحضره. لكنه كان يهاجر دائماً .. مشى في شوارع المدينة وأزقتها.. لا يوجد
زقاق واحد في المدينة إلا ويعرفه جيداً .. تأمل وجوه الناس والمتسكعين كانت
محاطة بقفار شاسعة ، وبغابات محروقة، وصبيان مبتوري الأصابع، ونساء بلا أنوف ..
أما بنايات المدينة الشامخة فقد ازدانت بالأعلام الوطنية والدعايات الأمريكية
التي ترفرف مع أبواق سيارات المرسيدس.
قلب جيبي وسرواله.. وكانت الأموال على وشك النهاية ... تباً لهذه
الأموال التي تهرب دائماً .. عشرون درهماً وستون سنتيماً .. غداً تنتهي.. ومحال
أن يجد العمل .. فالبطالة نصل وسيف ، سدت بوابات المدينة .. وحجبت ضوء الأفق ..
والأشجار ظلت كابية .. والنوارس مقصوفة الجناح... وهاهي مدينة العمالقة
والحضارات جثة مرمية على شاطىء البحر تنتهشها الغربان، وجواسيس الليل، ومقاولو
البناء .. وأين يجد العمل؟
لم يعد يذكر عدد الطلبات التي تقدم بها إلى الشركات العامة والخاصة..
ولا وجوه السكرتيرات المصبوغات بالطين والكيروسين، و مساحيق أوروبا كافة ..
لكن عينيه ما نسيتا أبداً اللافتات العريضة المعلقة على واجهة شركات المدينة
جميعها. يومياً كان يقطع شارعي علال بن عبد الله، وعبد الكريم الخطابي مرات لا
يعرف عددها .. ويردد البقية الباقية مما كان يحفظه من معلقات العرب وأشعارهم
التي فرضت عليه أيام كان طالباً في الجامعة. وأمام كل شركة كان يقف زمناً
يتأمل اللافتات والموظفين الذين يجلسون وراء مكاتب وثيرة، وقد أخذوا يقهقهون
ويرشفون فناجين الشاي.. ويتحدثون عن غباء زوجاتهم .. وآخر مغامراتهم مع
عشيقاتهم .. وعندما كانت تزوغ عيناه.. كان يدخل إلى مطاعم الحلازين.. ويأكل
وجبته اليتيمة ذات الدراهم الثلاثة ، ويدخل جامع " سيدي عبد الرحمن المجذوب"..
ويدعو الله أن يمنحه جزيرة ونجمة وجارية، لكي يكمل النصف الآخر من دينه ..
بعدها سيجمع فقراء المدينة ..و سيوزّع عليهم جميع ما تدرّه الجزيرة عدلاً
مطلقاً.. ويشيد مدينة لا خوف ولا قتل ولا جواسيس فيها ،وسيملؤها عدلا كما ملئت
جوراً. وتذكّر أنه آخر مرة قابل فيها مدير شركة الشرقاوي لاستيراد البضائع
الأجنبية وتصديرها ، كيف أن المدير قابله ببشاشة، وطلب له كأس قهوة.. وشرح له
أوضاع البلد الصعبة ، وكيف أن أولاد الحرام لم يتركوا لأولاد الحلال نسمة ولا
رشفة ماء.
وفاجأه بالحقيقة المرة قائلاً: إن صاحب الشركة يأخذ من كل موظف جديد
تسعة آلاف درهم مقابل تعيينه.
ـ لكن هذا لا يصدق يا سيادة المدير، لو بقيت أعمل طيلة حياتي لما جمعت
تسعة آلاف درهم.
ـ هذه هي السوق يا حبيبي .. ازرع تحصد .
مجنونة المدينة والسوق والتاريخ ..أف .. وبصق في وجه الريح العاتية ..
ومسح عينيه .. متى تهدأ هذه الريح؟. وشتم الجامعة والساعة التي دخلها، وشهادته.
وأخرج ملف شهاداته.. ورماه إلى قاع الأطلس.. لتذهب المعلقات السبع وأفرنقع
وأحرنجم وافعوعل ، وفعولن ومفاعيلن، والمجاز العقلي والمجاز المرسل الى جحيم
ربي، لتحرق جلود السفلة واللصوص وسماسرتهم من مصر إلى تطوان، ومن يمن إلى عدن ،
ومن الحميدية الى "عين الدياب".. ومن البحر إلى البحر، ومن الماء إلى الماء ومن
غرناطة إلى المحيط الهندي..
وهكذا توالت زياراته لكل شركات الرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش..
وضاق صدره، وأخذ يسعل.. وأين نسمة الهواء أيها الأطلسي المليء بزجاجات الفانتا
والكوكاكولا وبشصوص الصيادين المخرومة ؟.
السماء سوداء.. والبحر متلاطم باهت .. والأصحاب والخلان كمفرقعات
أعياد الميلاد ورأس السنة .. وثمة نجمة حزينة خافتة وحيدة تلوح للمدينة، وتحتضن
حقيبتها مصممة على أن تهاجر ، ولا تعود أبداً.. وناداها متوسلاً: أيتها النجمة
الحبيبة... قلبي بين يديك.. امنحيني ساعة واحدة حتى أربط نفسي بجناحيك.. خذي
مني الدم واللحم والروح، لكن احمليني معك.. انقليني إلى حيث شئت.. ثم اقذفيني
حيث شئت، واتركي لي شمعة واحدة.. شمعة واحدة تكفيني.. أحرقها وأحرق مجامري، ثم
أكفن نفسي وأدفنها إلى الأبد في الطين والوحل والرمال والصحراء.. لا يهمني ذلك
.. أيتها النجمة الحبيبة , لكن النجمة غطت شعرها الجميل.. وتبرقعت ولوحت له:
أيها الغريب.. لا أستطيع أن آخذك معي أنت لست محرماً وهذا لايجوز.
ـ أصبح ما تشائين .. لكني استحلفك بالذي يجيء.. والذي لا يجيء .. بكل
الفرح و الحزن .. وبكل الضياء والظلام أن تأخذيني معك.
وقالت النجمة : أيها الغريب.. ضع.. تشرد .. اغترب.. كفن نفسك ومت .. جع
.. ونم في العراء.. لست مسؤولة عن بني البشر.. أحرقت لكم شموعي طيلة عمري، ولم
أجد منكم إلا الهجران والصدود .. يكفيني مأساتي وهمومي.. ها ضوئي يشحب.. يكفيني
أن أحمل نفسي .. فكيف أحملكم؟.
شارع علال بن عبد الله يشقّ قلب المدينة النائمة من الشريان إلى الوريد
.. والشحاذون يتوسدون رصيفه أمام الصيدلية المركزية، وأمام مطعم الطنجاوي
الفاخر ، والبنك العام للمغرب. وفي
cafe de france يتجمهر الزبائن والمتسكعون والباطلون، والذين لا يملكون إلا درهماً
واحداً ثمناً للقهوة .. وقلّما تجد كرسياً فارغاً.. ينبغي أن تنتظر زمناً حتى
ينتهي أحد الزبائن، أو يغادر المقهى. أو يملّ.. لكنه قلماً يملّ.. ففراغ المقهى
هو الفراغ الوحيد الذي يشعل الأماني، وبوح القلب، والأحلام والكوابيس..فأكثر
الرواد يطيلون المكوث.. وقلّما يخرجون .. هنا بؤرة الأمان الوحيدة.. هنا الشطّ
الوحيد الذي يرسو عليه الغرباء والمهاجرون.. يراقبون الفراغ.. ويحرقون النراجيل
وأنفسهم.. ويتحسّسون جوازات سفرهم المنتهية أو المزورة.. ويمدّون أبصارهم إلى
مدنهم البعيدة .. لكنّ مدنهم سرعان ما ترسل غربانها ونسورها الجارحة .. لتنذرهم
وتلوح لهم بالعصا.. جوعوا.. تشردوا.. لا تفكروا بالمجيء .. لن نمنحكم جوازات
سفر.. كونوا بعيدين عنا.. ندعو الله أن يبعدكم ويسعدكم. ويبتعدون وتجتثّ الريح
والقطارات والمرافىء المهجورة سعادتهم, ثم يدخلون السجون فرادى وجماعات.. ولا
يعرفون لماذا يدخلون.
وقلما يخرج هؤلاء المنفيون من المقهى.. فصاحب المقهى تعود كيف
يجلبهم.. إذ جمع اسطوانات سميرة بن سعيد.. وعزيزة جلال وعبد الوهاب الدكالي..
وأعلن انه لن يطالب أحداً بثمن القهوة حتى آخر الشهر، ريثما تأتي دولارات الأهل
والأحبة من وراء الأطلسي والمتوسط. وفي الصيدلية المركزية أربع شابات من أجمل
نساء المدينة يبعن الأدوية ومستحضرات التجميل وحبوب منع الحمل... وعند نهاية
الدوام الرسمي يؤكد عبد الله الإدريسي صاحب المقهى أن أربع سيارات مرسيدس تربض
في زاوية الشارع لتنقلهن إلى (نادي شيتا) في عين الدياب، وهناك يبعن بضاعة راجت
كثيراً في الآونة الأخيرة. وتعلمت المدينة كيف تتجر بها في صقيع الشتاء، و
أمسيات الصيف حيث تبرد الحلق و تطفىء الظمأ.
الصيف قائظ.. المدينة تغرق في همومها وفضائحها وصخبها، واغتيالاتها
السرية والعلنية.. تهرب من ذاكرته كل الرؤى والأماني الجميلة .. وفاجعه الأعمى
يثقب فيه باكورة الشباب، وكابوس الماضي يلاحقه وطيف أمه يظلل بؤبؤ عينيه..
والأحباب كبرق الخلب.. ووحشة تعتصر أضلاعه.. والنفايات تتجمع في السوق القديم..
وطالبات الجامعة يتأملنّ أحدث البضائع التي وصلت تواً من باريس ونيويورك..وفندق
"حياة ريجنسي" يشتعل متقداً على أصوات الجاز والجيرك.. وقنال
TV5
يبثّ أحدث الأفلام الغربية التي تثبت تفوق الغرب الحضاري، وهمجية العرب
وبداوتهم.
خرج من المقهى.. لا يزال الشارع معربداً.. تأمل الفندق.. كانت أعلام
الدول الكبرى تدغدغه بوشم خفيف ناعم .. وكان العلم الأمريكي يعانق علم الجامعة
العربية الذي بدا طفلا وديعا مطيعاً لأبويه ولأخواله وأعمامه.. وكانت السائحات
الأوروبيات يدخلن ويخرجن من بوابة الفندق الرئيسية.. وكان الشرطي السياحي الشهم
الذي عرف جميع أنواع التهذيب والأدب يحني قامته الشامخة كلما مرت سائحة تقود
كلبها ،ويرفع قبعته البيضاء إجلالا ومهابة .. وقد انفرجت أساريره عن ابتسامة
ودودة عريضة. توقّف, وأخذ يرنو إلى صالة الفندق الأرضية.. كانت نساء شقراوات
يرشفن الويسكي الوطنية المخلوطة بالصودا الفاخرة على أنغام الفولكلور المراكشي
بطبوله وصنوجه.. يحيط بهن رجال انتفخت كروشهم، وقد ارتدوا بذلات أنيقة بربطات
عنق سوداء وحمراء، ودهنوا شعورهم بمساحيق غريبة, فبدت لامعة براقة . كانوا
يتوددون للنساء.. ويمسحون ظهور الكلاب الأنيقة التي تمددت مسترخية بجوار
سيداتها.. كانت وجوههم سمراء، وعيونهم سوداء وقد تكحّلت بأشعة ذليلة مكسورة،
وكانوا يحاولون إخفاءها وراء زرقة بذلاتهم السياحية, وهم يتكلمون بتملق مبتذل
اللغة الإنكليزية والفرنسية والأسبانية .. وقد اختلطت ببعض الكلمات العربية
والبربرية.
رمقه الشرطي السياحي بعجرفة وازدراء... هاهي البادية الجميلة تعود
إلى قطعانها, وتنزع عنها ثوب تهذيبها المهترىء.. واستغرب كيف أن هذا الشرطي
الذي كان يحني قامته قبل قليل، ويبتسم بهذا الإشراق الداخلي لهاته النسوة
الغريبات, يتحول فجأة إلى تمثال من الحديد الأسود ملفعاً بثياب جنرالات العصور
الوسطى، والعهد العثماني.
مرحى لوزارات السياحة والداخلية والتجارة .. مرحى لمدنها و دساكرها..
مرحى لرجالها.. مرحى لرجال شرطتها الذين يعرفون جميع أنواع الانحناءات،
ويهبون مدنهم على طبق من الفضة للغرباء والدخلاء والعملاء، لكنهم يقتلون
إخوتهم وذويهم، وأبناء طينتهم لأجل شربة ماء، و متر من الأرض البور، و حبة
شعير.
مرحى للكرم وللشهامة ، وللمدن الرائعة الخصبة التي علمتنا الوفاء
والكرم ولثم سيوف الأعداء، ثم اغتيال الأخوة والأقرباء والفقراء ونفيهم وسجنهم
بهذه السيوف.
لوح الشرطي بالعصا البيضاء الطويلة.. ابتعد أيها الغريب.. وزعق عليه
بصوت بربري: هذا مكان عالمي يمنع دخول العرب إليه. فابتعد صامتاً.. وكانت
عيناه تثقب المدينة والكلاب والنساء والبنوك التي اصطفت متناثرة في طرفي
الشارع.
أمام الخطوط الملكية المغربية شاهد جمهوراً متلاطماً.. كانوا يلبسون
ثياباً بيضاء وعمامات بيضاء.. وآخرون ربطات عنق ملونة .. كانت لافتة كبيرة على
الباب وقد كتبت بخط الرقعة:
إلى حجاجنا الكرام.. حجاً مبروراً.. وسعياً مشكوراً.. وإقامة طيبة في
الديار المقدسة.. مرحباً بكم على متن طائراتنا.
قطع الشارع .. قابلته خضرة البحر.. وقرر أن يسبح وحيداً إلى أقرب
سفينة. تقدّم منه شيخ وقور كان يبيع السور القرآنية والأدعية المستجابة في حبّ
الصحابة .. قدّم له آية الكرسي.. طواها يرفق وطمأنينة، وأحنى رأسه وقبّلها ،
ووضعها في جيب قميصه.. ومشى مبتعداً.. ناداه الشيخ:
ـ والبركة أين؟ .. درهماه يا ابني ثمن السورة.
أخرجها، وقبّلها من جديد، وأعادها للشيخ الوقور.. رمقه الشيخ محتقراً.
فأجاب:
ـ أقسم لك بهذه الآية الكريمة وحروفها وسرّها ومفاتيحها، إني لا أملك
سوى درهمين.
ـ أف .. ما عاد في الناس بركة.. شباب الزمان الأخير انتم.. لاختير
فيكم..
وأضاف الشيخ موبّخاً المدينة وسكانها وخمّاراتها ومقاهيها.. لكنّه
ودّعه معتذراً.. وأسرع الخطى .. كلّ الجدران تتصدع في نفسه .. أصبح في حيرة من
هذه الجدران الهشّة.. وحده جدار الله كان قوياً راسخاً في حناياه.
وتلاشت جدران الأحباب والأصحاب التي لاذ بها.. لكنها لم ترحمه يوماً ما
طوال سنيه السابقة؛ فالمدينة والدخلاء و "حياة ريجنسي" يتعانقون كل مساء. وتأمل
البحر الهادىء.. لا يوجد سفينة واحدة فيه.. فدخل زنقة "البارودي".. وطلب صحناً
من الحلزون.. شرب ماءه في دقيقة .. ودفع للبائع ثلاثة دراهم.
وخرج.. شاهد امرأة ترتدي عباءة خضراء طويلة.. ينسدل على كتفيها شعر
غامق طويل.. وقد وقفت أمام عربة صغيرة تبيع العطور الرخيصة وطلاء الشفاه
والحاجبين .. تأمّلها جيداً، كانت منهمكة في فتح حقيبة حمراء صغيرة.. أحّست به..
ابتسم يائساً، فابتسمت فاردة شعرها لنسيم الأطلسي.. مشيا في الزنقة الغاصّة
بالبائعين والناس، والمتسكعين وبائعي الهيروين.. كانت أصابعها الخضراء ترتجف
قابضة شفافية البحر والأحلام والمنى.. وفي آخر الزنقة دعته إلى مقهى "النصر"..
فدخلا وطلبا حليباً بالقهوة.. حشّت سيجارة بمسحوق أبيض ناعم وقدمتها له.. وأخذت
واحدة لنفسها .. دار المقهى.. دارت المرأة.. دار الرجل.. ارتجف الأطلسي.. غطى
الضباب المدينة.. وحدها النجمة الآفلة كانت منهمكة في رسم لوحة سيريالية
لعربدات المدينة السريّة.. بينما كانت المطربة الشعبية "نجاة عتابو" تغني لجبال
شفشاون ونخيل خنيفرة.. وتلوم الحبيب الذي تأخر فأبكى القلب والروح.. أما
المدينة فقد أخذت ترتعش وهي قابضة أعمدة الرايات وصور المرشحين لمقاعد
البرلمان، والبنوك و "حياة ريجنسي". والسائحات الأجنبيات.
أسبانيا ـ اليكانت
   
سكّان مدينتي
قصة قصيرة جدا
أرجلهم طويلة .. تضرب الأرض بقوة.. لا يسافرون .. يحبّون النوم كثيرا
.. عيونهم زرقاء فارغة .. جباههم مفلطحة عريضة .. يتاجرون بالسكر والويسكي
المغشوش .. قلّما يبتسمون .. يمارسون الحبّ مع البحر والإسفلت والقار
والصحراء .
لهم نساء يبتسمن من مؤخراتهنّ وأكفالهنّ .. قلّما يجتمعون مع بعضهم
إلاّ عندما يلعبون الكارتة والدومينو .. يعشقون الركوع كثيرا ، لكنه ليس لوجه
الله تعالى . . لا يقرؤون القرآن إلاّ ساعات الشدة .. يشربون البحر والنهر..
يبيعون السور القرآنية .. يبتسمون أيام السبت والأحد , ويمارسون الحبّ فيهما،
داخل فيلاتهم الفاخرة، على شكل طقوس جماعيّة طوطمية .
يحبّون الرياضة كثيرا ويشجّعونها . يضربون الطبل ويكرهون موسيقى
الغيتار والعود .. يتاجرون بمحارم الكلينكس وعلب التبغ المهربة .. ويبولون على
النخيل والآس . يحتقرون السفن والموانئ والنوارس .. يكرهون الزراعة والأرض
ويمجدّون التجارة .. ينامون الثامنة مساء .. يبدّلون أسرّتهم ونساءهم وأحذيتهم
في أكثر الأحيان .
   
الخمارّة
قصة قصيرة جدا
أشدّ ما يحزنني أن مدينتنا الطاهرة الفاضلة تنبذ الخمّارات العامّة ،
فالناس عندنا جدّ شرفاء ومتدينين في ظاهر الأمر، وهم يؤمنون بالقول المأثور : (
فإن ارتبكتم المعاصي فاستتروا) ، ولذا فهم يرتكبون جميع أنواع المعاصي سرا غير
هيّابين ولا وجلين ،فلقد تعوّدوا مستترين أن يصنعوا من منازلهم خمّارات محليّة
فسيحة ، ومن نسائهم زجاجات أولد براني , لا يسقون منها إلاّ أفراد القبيلة
والعشيرة والطائفة حفاظاً على الدم والمنيّ حتى لا تفسد السلالة المقدّسة ..
وأنا تعلّمت أن أحتسي الشاي المغشوش على الأرصفة المهجورة الوضيعة ، فلا بيت لي
ولا امرأة ولا صديقة ولا قبيلة ولا عشيرة ولا طائفة , ولا سماء ولا أرض .
-------------------------------
أضيفت قي 03/12/2005 / خاص
القصة السورية
   
القبّرة
الإهداء: إلى الصديقة الدكتورة مها النجار
مسكت قبّرة شرنقتها , وبدأت تجدل خيطا من نحيب نائم . . ومدّت الخيط من
حي العمارة الشرقي حتى حيّ القصور في طرف المدينة الغربي , وما ان شاهده الرصيف
حتى تعلّق بأهدابه .
صرخت القبّرة : اترك الخيط ,, دائما أنتم الأرصفة آفاقكم ملعونة .
مسك الرصيف ثوب القبرة , ورفعه عاليا .. بان فخذها الجميل .. وانخرطت
في بكاء حاد , وقالت : أتحبني ؟ إذن تزوجني .
طارت القبرة , وتعلّقت بغيمة .. لوّح لها الرصيف .. مدّ لها عصا سحريّة
. تحرّك فيها أفق الشهوة , فبالت على المدينة وجميع أحيائها ورجالها ونسائها
وأرصفتها , وولاتها وعسكرها , .. وكان الحدادون يلوحون بمطارقهم , والمدينة
ترشف زجاجات عرق التين المغشوش , أمّا نساؤها الألقات فكن يتشاتمن بفحائش بذيئة
لا تخشى لومة لائم .
   
الأم
ظلّت تدعو الله سنين كثيرة.. ولم تترك ولياً من الأولياء الصالحين
إلاّ وزارته , وقدّمت له البخور والمجامر والكبريت.
وعندما عدت من بلد ناء خلف البحر، قالت: جلبتك صلواتي يا جاحد، يا
ناكر ، يا ناسي الحليب واللبن.. ومع الأيام سرعان ما تشكّلت غيمة،و جبل من نار
بيننا. وتذكّرت أنّها أرضعتني مازوتاً وكيروسيناً. أهو الحليب أم الدفلي؟..
نسيت الحليب والثدي، ولا زالت بقايا أشواك الصبّار.
كانت تقول لي مرّات كثيرة: يا ليتني لم ألدك.. ليتني متّ يوم
ولدتك.. أنت عاق. توقّعتها يوم كنت طافشاً في بلاد الأعراب والأغراب الموحشة
الضيقة قادرة على صنع الأشرعة, فأرسلت لها قماشاً أبيض من أمستردام, وثوباً من
الشانزي ليزيه، لكنّها مزّقتهما, لأنّهما من صناعة بلاد الكفار، البلاد التي
حاربت المسلمين وفتكت بهم ولا تزال تفتك .
كان أشدّ ما يزعجها الحديث عن المرأة والجنس.. كانت تتهمني بالفجور
والفساد، وتتهم صديقاتي القليلات بالعهر والدناءة.. وكانت تسألني دائماً عن
أحوال الدنيا والعباد، فأحدّثها عن علاقاتي مع بعض نساء البلدان التي أزورها,
وعن جوعي وفقري ونومي على أرصفة الشوارع, وتحت أقبية المترو، وعن غربتي
الكلبيّة, وعن وطني الذي يتّمني, فتحترق أعصابها وتصيح: يا كافر .. يا زنديق..
أبوك قديس ، وجدك ولي من أولياء الله, وجدّ جدك بنوا له قبّة ومنارة, وقريباتك
من أطهر نساء المعمورة , وأعرقهنّ حسباً ونسباً. وكنت أتاملهنّ جيدا , فلا أرى
إلا طبولا جوفاء, وسنين عجافا, وقحطاً وبواراً , وغرورا كاذباً, وطهارة روح
زائفة, وعنجهية ترتع في أسمالها البدوية والقبليّة والطائفيّة والعشائريّة .
كانت باردة كالعجين , وتكره جميع الرجال, باعتبارهم خنازير بريّة،
ومتوحشين جنسياً, ولا يكتفون بإمرأة أو جارية مهما كانت جميلة وشهيّة, ولا
تشبعهم كل نساء الأرض ـ على حدّ تعبيرهاـ وعلى الرغم من أنّها تبجّل والدي
تبجيلا منقطع النظير, إلاّ أنها لم تكن على وفاق جسدي معه, وكانت في أحيان
كثيرة تفتعل الخصومات , محتجة بأنّها ضلع أعوج, ولا تعطى المكانة اللائقة
بأجدادها الغرّ الميامين.
لا تزال بقايا الطفولة البعيدة تهبّ كالسنبلة في ذاكرتي. وكانت
تصرّح سراً وعلناً: بالناقص من الرجال، ليذهبوا إلى الجحيم, لولا أنهم يزرعون
الأطفال الوسيمين في أرحام النساء لكانت الخنازير أفضل منهم.
وقال لي والدي: إنّ طاقاتها الجنسيّة قد ماتت منذ عشر سنوات، بعد أن
أجرى لها طبيب جرّاح فاشل ، تخرّج في جامعات المعسكر الاشتراكي, عمليّة جراحيّة
خاصّة.
أذكر مرّة أني اصطحبتها لزيارة أصدقاء لنا، وعندما وضعوا شريط فيديو
لفلم أمريكي ، ملأ صيته الدنيا, وأقامها ولم يقعدها بعد, بدت بطلة الفلم شبه
عارية، فجنّ جنونها، وشتمت أعداء الله والكفار في أمريكا وروسيا وجميع أصقاع
الدنيا. وعندئذ اعتذر صاحب المنزل، واضطرّ إلى حرماننا من متعة أمريكا وعظمتها
الأثيرة, وسحر نسائها اللواتي يعشقن الصحراء العربية الكريمة, وجلابيبها ,
وجبروت رجالها, وأنهار بترولها الدافقة عزّا وأبّهة وكبرياء هامة ونفس أبيّة.
في الآونة الأخيرة لاحت لها خاطرة.. بدا لها زواجي هاجساً وهمّا،
لكني أصررت على أن من أتزوجها لا بدّ أن تكون دافئة العينين, وتكون صديقة,
وتحبّ الشعر والموسيقى, و لها صداقات وعلاقات إنسانية كريمة, وصادقة قولا
وعملاً, وليس شرطاً أن يكون لها غشاء بكارة, فالماضي ملك لأصحابه, وما يهمني
حاضرها النظيف, فصاحت مفجوعة: يا ويلي .. يا مصيبتي.. حفيد المشايخ والقبب
والأولياء والقديسين يريد مطلقة! لكني لم أستطع الزواج لأن نساء بلدتي شرانق
جميلة محصّنة باللؤلؤ والمرجان, وضفادع لا تفتح فخذيها إلا للمستبدين والطغاة،
وأصحاب المكاتب العقارية ، والأحذية الجميلة التي تقود سيارات " البويك
الأمريكية " ، و " ميتسوبيشي اليابانيّة"، وسرطانات يتركّز شرفها المقدّس
المنيع في نصفها الأسفل, وأكفالها الجميلة, والمصيبة إني لا أريد إلا مطلقة
كما تقول أمي .
-------------------------------
أضيفت قي 27/04/2005 / خاص
القصة السورية
   
البؤبؤ
بين البؤبؤ والقلب تاريخ
مشروخ ونصال ورماح ، وسندباد بحري يغازل جواري بغداد, وجزيرة نائية يبتلعها غول
.
يرفع البؤبؤ بصره إلى
السماء , وفي المصعد يقابله منقار بجعة . قال المنقار للبؤبؤ :
ـ أترغب في صداقتي ، فأنا
أرعى حرمة الصداقة وأسافر كثيراً، وأشتري هدايا, وأعرف النساء والخمارات , ولي
فيلا على شاطئ ( كان) ؟ .
وفجأة انقطعت الكهرباء ..
احمرّت عينا المنقار, وبسط كفه اليمنى , واستطالت أظافره . لكنّ البؤبؤ سرعان
ما انزلق , وخرج يتأمل الفضاء الرحب المغروس بالنبال الأسطورية .
   
وضبطني البحر
شطّ يلفّ المدينة ومرايا تعانق الشاطئ.. وطريق السانية يحتضن الغابة
الممتدة من سيدي بلعباس إلى وهران . جلسنا معا .. كنا أربعة ..أخوها وزوجته .
مسكت كأس البيرة في خمارة البطّ البلدي .. بدا وجهها نقيا شفافا , رسم حزمة نور
داخل الكأس وسافر إلى البحر . هل تحبين البحر؟
مدّت عينيها صوب الأفق. كانت ساحرة . وأخذت الشمس تعانق ضوء البحر
بتلذذ وكسل فاترين .. ثمّ أخذت تغني مقطعا من أغنية وهرانيّة . بدا شعرها كعيني
القبرة.
ـ هل لي أن ألمس شعرك؟
قلت لها ولم أنتظر موافقة .. كان طريا كزجاجة (( نواس )) الجزائرية ..
وكان يسافر بين مساماتي شعرا وأغاني ورماداً .. ما أجمل حضور اللحظة !
مشينا على شاطئ السانية .. كمشت قبضة رمل ورششتها في وجه الموجة ..
تأملت عينيها .. صافيتين كانتا .. وما أشدّ جمال بريقهما ! .. و ضبطني البحر .
قالت : هل أنت مشتاق إليّ ؟
ما أصعب أن ينتظر الفرد امرأة يعشقها حلما وخيالا لخمس سنوات. كان شوقي
ملعب جياد فقدت أسرجتها.. حاورت النجمة .. لكنّ النجمة غطّت وجهها ولوّحت،
وفرشت ظهرها ، وسرعان ما ركبها البحر وسافر .
أخذت يدها .. اشتعل في قلبي فانوس علاء الدين . وكان أخوها يعانق زوجته
غير بعيد عنا. كنا وحيدين , وكان المساء يغفو والسانية ترقص آخر مواويلها..
احتضنتها .. لا أدري كيف تمّ ذلك . ارتعشت الصخرة التي كنا نجلس عليها . نادانا
صوت أخيها : عيب .. احتشما .. حارس الشاطئ يراقبكما .
سأخطبك الليلة .. كوّرت رأسها الجميل ودفنته في وجه الأفق ، وابتسمت .
وكان كل ما فيها يلفّ رداءه الجميل حول جسد المدينة .
ـ يا خالتي سعيد أن أطلب سميرة .. يا خالتي تسافر الأحلام وتبقى
الألفة .. يا خالتي تكنّس الريح طرقات سيدي بلعباس .. يا خالتي العسل والمنقار
.. يا خالتي الشطّ والجسد .. الوجه والفراشات .
ـ صدّقني نحن نحبّك يا خالتي .
وفي الصباح قبّلتها .. وركبت حصاني ويممت شطر فاس .. لم أر سميرة بعدها
.. رفرفت .. حلّقت .. كتبت رسائل إلى أسرتي . أين الوجه والصدى والذكريات يا
سميرة ؟.
غابت سميرة وأدخلوني السجن المركزي بحي حسان بالرباط بتهمة ملفقة
ولئيمة، وهي إسهامي في زرع بذور الفساد الاشتراكي الذي يهدد القيم والمعتقدات
والدين الإسلامي الحنيف، و يشهد عليّ الزمن والتاريخ أني ما كنت اشتراكيا و لا
رأسمالياً في يوم ما، فأنا معروف بجهلي بفن السياسة وتياراتها . وما أقسى سجن
الرباط المركزي !.. الجدران والسجون والقلاع .. وجلسات التعذيب الكهربائية ..
الجسد وسيّاط السجان الذي تدرّب في أعرق أكاديميات واشنطن وشيكاغو .. شهورا
وأنا أرسم شارات ورموزا ونخلا وسروا على جدران سجن الرباط المركزي .
غابت سميرة وكبرت موجات الندى .. وعندما عدّت إلى بلدي محطّما ، وجدت
رسالة .. كان الهمس الشفيف ممرا إلى قلب السانية . قالت : ابنتي الصغيرة تقبّل
(( عمّو )) ، وتهديه أحرّ تحياتها.
إشارات
ـ السانية ووهران وسيدي بلعباس: مدن جزائرية جميلة جدا . زارها كاتب
هذه القصة مرات عديدة .
ـ حي حسّان: من أحياء مدينة الرباط المغربية التي عاش فيها كاتب هذه
القصة .
-------------------------------
أضيفت قي 19/04/2005 / خاص
القصة السورية
   
كوابيس
الإهداء إلى : أخي وصديقي الدكتور إبراهيم سعد الدين ـ القاهرة
الكابوس الأول:
يحاصرني الجند.. تشرئب أعناقهم، تلمع رماحهم كوميض برق.. يصطفون في
أنساق متلاحمة، تتشابك الرماح وتتعانق الخوذ، ترتفع الأيدي ومعها النصال، تضيق
الحلقة من حولي وأصرخ، لا أحد يسمع صراخي، أستنجد بكل الذين عرفتهم.. يشيحون
وجوههم عني كعادتهم. تتقدم النصال من جسدي عقارب برية تقتلها الشهوة ثم تغرس
أبرها السامة في جسدي يتمركز نصل حول عنقي، ويغرس آخر في صدري، وثالث في ظهري،
وتحاصرني البقية من الاتجاهات كافة.
يلوح شبح أمي، طيف خيال يمر مسلماً حزيناً ويمسح شفتيه الطريتين بقلبي،
يشدني لهنيهة ثم يرتحل غائباً لا طعم ولا لون له.
اقرأ يا ولدي "سورة يس"، حاولت أن استحضرها رفضت، قرأت "قل أعوذ برب
الفلق"؛ بدلاً منها، لكن الجند ما تزحزحوا من مواقعهم ولا اهتزت سيوفهم، وخزني
أحدهم برأس الرمح في خاصرتي، دخل فيها مسافة إصبع أو إصبعين ثم عاد أحمر
وردياً، كانت الليلة صقيعاً، والظلام يلف دروب المدينة، وصمت موحش يتوغل أعماق
الظلمة، وتتسرب قطرات الوكف "دلفة" بعد "دلفة" عبر شقوق تشكلت في سقوف أكواخ
البحارة المرمية بانسجام في طرف الحارة الغربية، كانت عيونهم حمراء، وكانت
أحذيتهم العسكرية طويلة وملمعة حديثاً، وكنت في وسط الحلقة حبة رمل في صحراء
مترامية الأطراف، تائهاً افترش الرمال، مستسلماً لشمس الظهيرة في عز توهجها.
لكزني آخر برمحه في جبهتي وسألني غاضباً:
هل تتمنى شيئاً قبل أن تموت؟. لم تكن الأماني قادرة على الحضور، تتلاشى
أمام الرماح المسلطة، ضاقت فسحات الأمل. لم أجد شيئاً أقوله للعسكري، كنت أعرف
أني لا أريد شيئاً، طالما أن الأشياء لن تأتي أبداً. جاءني صوتها رقيقاً مثقلاً
بالخيبة، هل قرأت "سورة يس"، إن لم تفعل فاقرأ "قل هو الله أحد"، لم أتمكن من
قراءة السورة الكريمة، فجأة انقضت الرماح ضربة رجل واحد، انغرزت في مفاصل جسدي،
تدفق دمي، تراجع الجند إلى الوراء بخطوة نظامية، كانت أبواقهم تملأ الفضاء.
مرددين لحناً عسكرياً كذلك الذي يردد بعد الانتصارات. وكانت دمائي تملأ الساحة
العامة.
الكابوس الثاني
تتمدد خطيبتي مسكونة بالعزلة على سرير أثري ورثته عن أجدادي الميامين،
تتشامخ ذليلة، يحيط وجهها شعر أسود فاحم، تحدث في سقف الحجرة. أمد يدي، لا تصل،
مسافة شاسعة تفصلني عنها. تناديني: اقترب، هات يديك يا ضو القلب، أحس بشلل يأكل
مفاصلي، أمد اليدين.. عاجزتان عن الوصول. رغبة مجنونة في داخلي تعلو وتهبط،
وقلب خطيبتي يصرخ مكتنزاً، وأحس بدوار شديد يقذف بي في أعماق اللجة منفياً
عاشقاً عاجزاً، تنتفض خطيبتي كعصفور مذبوح صارخة:
اقترب، تلفني الأمواج، أطفو فوق سطح الماء.. تدفعني نحو الأعماق ثم
تعيدني قاذفة أملاحها في عيني، أتكور داخل السرير، وتتشابك أخطبوطات مشكلة حلقة
دائرية أبدو وسطها حبة رمل مرمية فوق الشاطئ. ضربات قوية على باب الحجرة، هاهم
قادمون، أعقاب بنادقهم تضرب الباب بعنف:
-اخرج وإلا كسرنا الباب، تهتز الحجرة ويتجمد رعب في عينيها، أحاول
النهوض، أستجمع قواي، رجلاي تعجزان عن الوقوف، تسرع مرتدية عباءتها، تندس في
أعماق السرير، تغطي أركان الحجرة. تشتد قرعات الباب، ينخلع مرمياً.
يتدافعون كالسيل، يملؤون أرض الحجرة، يصيح أحدهم: قيدوه، لم أكن بحاجة
إلى قيد، كنت مشدوداً إلى السرير، تفرس أحدهم ملياً في وجهي، وأخرج كرباجاً
مخططاً ساطني به عدة مرات كنت فاقداً حركاتي، وسرعان ما قلت له: أي جنون هذا؟
-ماذا تريدون من "رجل من غمار الموالي" مثلي؟.
-لا يهمنا ذلك.
أحسست حركة خفيفة بدأت تدب في أصابع يدي، غطت مسافات يدي، انتقلت إلى
الذراع، وبسرعة أمسكت الكرباج وقذفته، وبصقت في وجه الجندي، كان ذلك لثوان
معدودة، سرعان ما تقدم آخر وهوى بعصاه المدببة على يدي اليسرى، انخفضت اليد
نازفة ارتفعت بقية العصي وأخذ الجند ينهالون عليّ ضرباً.
تقدم ثالث إلى خطيبتي وطرحها "مزق ثيابها.. عراها" بدأت ترتعد صارخة،
وكان جسدها ينزف، أخذت عيون الجند تغرس مخالبها في أطراف الجسد ثم تناوبوا على
جسدها واحداً بعد الآخر، قيدوني.. صرخت: أتقوا الله. كانت الحبال تحيطني من
أطرافي، تقدم بعضهم حاملاً جسدي، وكان بعضهم الآخر ما يزال يعتدي على خطيبتي،
قطعوا شوارع المدينة الرئيسة، وفي الطرف الآخر صعدوا قمة جبل شفشاون، ثم قذفوا
بي إلى أعماق وادي أبي رقراق السحيق.
الكابوس الثالث
يسطع ضوء الشمس، شروق يتقدم بخطا ثابتة بطيئة، تعانق الشمس قمم الجبال
العالية، ثم تنحدر كسلى على السفح ميممة شطر الأفق، يقترب الأفق.. تقترب الشمس،
يتلاحمان في عناق طويل، شفق المغيب دم. تتشكل دائرة، دائرتان، ثلاث، ثم سرعان
ما ترتسم على صفحة البحر، تبحر السفن مسافرة، تدخل عمق الدوائر، تحيطها من كل
جهاتها، ترفرف النوارس محلقة عالياً، تلوّح للشمس الراحلة الضاربة أعماق
الاغتراب تلويحة أخيرة، ثم تشد حقائبها قاطعة مسافات شاسعة باتجاه الميناء،
تقدّم آخر نورس من قرص الشمس، ضمه بذراعيه ثم انهال عليه تقبيلاً مرتعداً بصمت،
غير أن الشمس رمقته باحتقار، ولم تأبه لبكائه الصامت، تركته وحيداً وأسرعت، صفق
بجناحيه وارتفع محلقاً متابعاً بقية النوارس، الشوارع قاتمة تمتد من الخواء إلى
بوابات المنفى، أمشي.. أتسكع.. أتحسس الجدران.. يلاحقني صمت موحش، أحاول أن
أطرده، يرفض، يلتصق بي، يتغلغل داخل مسامات جسدي، أحدق في وجوه المارة تائهاً
غريباً، لم أجد وجهاً واحداً يعرفني. يعانق الليل المدينة، يتكوم فوق أرصفة
الشوارع، أتابع السير، أتلفت يميناً ويساراً، أبواق السيارات تصم الآذان صخب
مجنون يعسكر في المنعطفات والزوايا سيارة تقترب نحوي، تسلط أضواءها الكاشفة.
يعميني الضوء، تقترب أخرى قادمة من الجهة الرئيسية، وثالثة من الجهة الفرعية،
أحاول الهروب، أركض، تلاحقني السيارات. أنزع حذائي، أتماسك وأنطلق، سرعان ما
تلاحقني، أتوسل إلى رجل المرور أن يوقف السيل الزاحف، ينظر إليّ مستهزئاً
ضاحكاً. تحجر اللون الأخضر في شارات المرور، غاب البرتقالي والأحمر، كل المنافذ
مسدودة من الأمام والخلف، وقلبي يرتعد، تقدمت السيارات جميعها، كنت قادراً على
تمييز وجوه سائقيها بشواربهم الطويلة، المسترسلة، ونظاراتهم الزرقاء المستديرة،
ضاقت المسافة بيننا، زاد اقترابها، ثم صدمتني جميعها، سقطت نازف |